← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يَرْمُلُوا الأشْواطَ كُلَّها إلَّا الإِبقاءُ عليهم. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ رَمَل مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ (٢). ومن رِوايَةِ مسلمٍ (٣) عن جابِرٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ رَمَل مِن الحَجَرِ حتى انْتَهَى إليه. وهذا يُقَدَّمُ على حديثِ ابنِ عباسٍ؛ لوُجُوهٍ، منها: أنَّ هذا إثْباتٌ، ومنها: أنَّ رِوايَةَ ابنِ عباسٍ إخْبارٌ عن عُمْرَةِ القضيَّةِ، وهذا إخْبارٌ عن فِعْلِه في حَجَّةِ الوَداعِ، فيكونُ مُتَأخِّرًا، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ومنها: أنَّ ابنَ عباسٍ كان صَغِيرًا في تلك الحالِ، وجابرٌ وابنُ عُمَرَ كانا رَجُلَيْن يَتَّبعان أفْعالَ النبيِّ ﷺ ، ويَحْرِصَان على حِفْظِها، فهما أعْلَمُ. ويَحْتَمِلُ أَن يكونَ ما قالَه ابنُ عباسٍ اخْتَصَّ بالذِينَ كانُوا في عُمْرَةِ القَضيَّةِ لضَعْفِهم والإِبقاءِ عليهم، وما رُوِّيناه سُنَّةٌ في سائِرِ النّاسِ.

стр. 4167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يُسَنُّ الرَّمَلُ في غيرِ الأشْواطِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِن طَوافِ القُدُومِ، [أوْ طَوافِ] (١) العُمْرَةِ، فإن تَرَك الرَّمَلَ والاضْطِباعَ فيها لم يَقْضِه في الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ؛ لأنَّها هَيْئَةٌ فاتَ موضِعُها، فسَقَطَتْ، كالجَهْرِ في الرَّكْعَتَيْن الأوَّلَتَيْن، ولأنَّ المَشْىَ هَيْئَةٌ في الأرْبَعَةِ، كما أنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ في الثَّلاثَةِ، فإذا رَمَل في الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ كان تارِكًا للهَيْئَةِ في جَمِيع طَوافِه، كمَن تَرَكَ الجَهْرَ في الأوَّلَتَيْن مِن العِشاءِ، وجَهَر في الآخِرَتَيْنِ. فإن تَرَكَ الرَّمَلَ في شَوْطٍ مِن الثَّلاثَةِ الأُوَلِ أتَى به في الاثْنَيْن الباقِيَيْن، وإن تَرَكَه في اثْنَيْن أتَى به في الثالِثِ. كذلك قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ تَرْكَه للهَيْئَةِ في بعضِ مَحلِّها لا يُسْقِطها في بَقِيَّةِ مَحلِّها، كتاركِ الجَهْرِ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْن الأوَّلَتَيْن، لا يُسْقِطه في الثانِيَةِ. فصل: وإن نَسِىَ الرَّمَلَ، فليس عليه إعادَةٌ؛ لأنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ، فلم تَجِبِ الإعادَةُ بتَرْكِه، كهَيْئاتِ الصلاةِ، وكالاضْطِباعِ في الطَّوافِ. ولو تَرَكَه عَمْدًا، لم يَلْزَمْه. شئٌ. وبه قال عامَّةُ العُلَماءِ. وحُكِىَ عن الحسنِ،

стр. 4168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثَّوْرِيِّ، وابنِ الماجِشُون، أنَّ عليه دَمًا؛ لأنَّه نُسُكٌ. وقد جاءَ في الحديثِ عن النبيِّ ﷺ : «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ» (١). ولَنا، أنَّها هَيْئَةٌ فلم يَجِبْ بتَرْكِها شئٌ، كالاضْطِباعِ. والحَدِيثُ إنَّما يَصِحُّ عن ابنِ عباسٍ، وقد قال: مَن تَرَك الرَّمَلَ فلا شئَ عليه. ثم قد خُصَّ بالاضْطِباعِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِن البَيْتِ في الطَّوافِ؛ لأنَّه المَقْصُودُ، فإن كان قُرْبَه زِحامٌ، فظَنَّ أنَّه إذا وَقَف لم يُؤْذِ أحَدًا، وتَمَكَّنَ مِن الرَّمَلِ، وَقَف ليَجْمَعَ بينَ الرَّمَلِ والدُّنُوِّ مِن البَيْتِ، وإن لم يَظنَّ ذلك، وظَنَّ أنَّه إذا كان في (٢) حاشِيَةِ النّاسِ تَمَكَّنَ مِن الرَّمَلِ، فَعَل، وكان أوْلَى مِن الدُّنُوِّ. وإن كان لا يَتَمَكَّنُ مِن الرَّمَلِ أيضًا، أو يَخْتَلِطُ بالنِّساءِ، فالدُّنُوُّ أوْلَى، ويَطُوفُ كيفما أمْكَنَه، فإذا وَجَد فُرْجَةً رَمَلَ فيها، وإن تَباعَدَ مِن البَيْتِ أجْزَأه، ما لم يَخْرُجْ مِن المَسْجِدِ، سَواءٌ حالَ بينَه وبينَ البَيْتِ حائِلٌ مِن قُبَّةٍ أو غيرِه، أو لم يَحُلْ؛ لأنَّ الحائِلَ لا يَضُرُّ في المَسْجِدِ، كما لو صَلَّى مُؤْتَمًّا بالإمامِ مِن وراءِ حائِلٍ، فقد رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها،

стр. 4169

وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِىَّ، اسْتَلَمَهُمَا أوْ أشَارَ إِلَيْهِمَا. وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ: اللهُ أكْبَرُ وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ. ــ قالت: شَكَوْتُ إلى رسولِ ﷺ أنِّى أشْتَكِى، فقال: «طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ». قالت: فَطُفْتُ ورسولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّى إلى جَنْبِ البَيْتِ. مُتَّفقٌ عليه (١). ١٢٦٣ - مسألة: (وكُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمانِىَّ، اسْتَلَمَهُما أو أشارَ إليهما. ويقولُ كُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ) يُسْتَحَبُّ اسْتِلامُ الحَجَرِ والرُّكْنِ اليَمَانِيِّ في طَوافِه؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يَدَعُ أن يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ والحَجَرَ،

стр. 4170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في كُلِّ طَوْفَةٍ. قال نافِعٌ: وكان ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُه. رَواه أبو داودَ (١). فإن شَقَّ عليه اسْتِلامُهما، أشارَ إليهما؛ لما روَى البخارىُّ (٢)، بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، قال: طافَ رسولُ اللهِ ﷺ على بَعِيرٍ، كُلَّمَا أتَى الرُّكْنَ أشارَ بِيَدِه، وكَبَّرَ. فصل: ويُكَبِّرُ كُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ الأسْوَدَ؛ لِما رَوَيْناه، ويقولُ: لا إلهَ إلَّا الله واللهُ أكْبَرُ. قالت عائشةُ رَضِىَ اللهُ عنها: قال رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 4171

وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ــ «إنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْىُ الجِمَارِ، لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ ». رَواه الأثْرَمُ، وابنُ المُنْذِرِ (١). ١٢٦٤ - مسألة: (و) يقولُ (بينَ الرُّكْنَيْن: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾) لِما روَى أحمدُ في

стр. 4172

وَفِى سَائِرِ الطَّوَافِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا، ــ «المَناسِكِ» (١)، عن عبدِ اللهِ بنِ السَّائِبِ، أنَّه سَمِعَ النبىَّ ﷺ يقولُ قيما بينَ رُكْنِ بَنِى جُمَحَ والرُّكْنِ الأسْوَدِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وعن أبى هُرَيْرَةَ أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «وَكَّلَ اللهُ بهِ -يَعْنِى الرُّكْنَ اليَمَانِىَّ-[سَبْعِينَ ألْفَ] (٢) مَلَكٍ، فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ. إنىٍ أسْالك العَفْوَ وَالعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرةِ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. قالُوا: آمِينَ» (٣). ١٢٦٥ - مسألة: (و) يقول (في سائِرِ طوافِه: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا

стр. 4173

وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الْأَكْرَمُ. وَيَدْعُو بِمَا أحَبَّ. ــ مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، وتجاوَزْ عَمّا تَعْلَمُ، وأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ) وكان عبدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ يقولُ: رَبِّ قِنِى شُحَّ نَفْسِى. وعن عُرْوَةَ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يقولون: لَا إلهَ إلَّا الله أنْتَا، وأنْتَ تُحْيىِ بَعْدَ مَا أمَتَّا. (ويَدْعُو بما أحَبَّ) ويُكْثِرُ مِن ذِكْرِ اللهِ تعالَى، ويُكْثِرُ الدُّعاءَ؛ لأنَّ ذلك مُسْتَحَبٌّ في جميع الأحْوالِ، ففى حالِ تَلبُّسِه بهذهِ العِبادَةِ أوْلَى، ويُصَلِّى على النبيِّ ﷺ ، ويَدَعُ الحَدِيثَ إلَّا ذِكْرَ اللهِ تَعالَى، أو قِراءَةَ القُرآنِ، أو أمْرًا بمَعْرُوفٍ أو نَهْيًا عن مُنْكَرٍ، أو ما لا بُدَّ له منه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» (١).

стр. 4174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا بَأْسَ بقِراءَةِ القُرْآنِ في الطَّوافِ. وبه قال مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ كَراهَتُه. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، وعُرْوَةَ، ومالكٍ. ولَنا، ما روت عائشةُ، رَضِىَ الله عنها، أنَّ النبىَّ ﷺ كان يقولُ في طَوافِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١). وكان عمرُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ يَقُولان ذلك في الطَّوافِ، وهو قرآنٌ، ولأنَّ الطَّوافَ صلاةٌ، ولا تُكْرَهُ القِراءَةُ في الصلاةِ. قال ابنُ المُبارَكِ: ليس شئٌ أفْضَلَ مِن القُرْآنِ. فصل: والمَرْأةُ كالرَّجُلِ في البِدايَةِ بالطَّوافِ، وفيما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّها إذا قَدِمَتْ مَكَّةَ نَهارًا، ولم تَخْشَ مجِئَ الحَيْضِ، اسْتُحِبَّ لها تَأْخِيرُ الطَّوافِ إلى اللَّيْلِ؛ لأنَّه أسْتَرُ. ولا يُسْتَحَبُّ لها مُزاحَمَةُ الرِّجالِ لتَسْتَلِمَ الحَجَرَ، لكن تُشِيرُ إليه بِيَدِها، كالذى لا يُمْكِنُه الوُصُولُ إليه. قال عَطاءٌ:

стр. 4175

وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ. وَلَيْسَ في غيْرِ هَذَا الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ. ــ كانت عائِشَةُ تَطُوفُ حُجْزَةً (١) مِن الرِّجالِ، لا تُخَالِطُهُم، فقالتِ امْرأةٌ: انْطَلِقِى نَسْتَلِمْ يا أُمَّ المُؤْمِنِين، فقالت: انْطَلِقِى عَنْكِ (٢). وأبَتْ (٣). فإن خَشِيَتِ الحَيْضَ أو النِّفَاسَ، اسْتُحِبَّ لها تَعْجِيلُ الطَّوافِ، كى لا يَفُوتَها. ١٢٦٦ - مسألة: (وليس على النِّساءِ ولا أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ ولا اضْطِباعٌ. وليس في غيرِ هذا الطَّوافِ رَمَلٌ ولا اضْطِبَاعٌ) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّه لا رَمَلَ على النِّساءِ حولَ البَيْتِ، ولا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وليس عليهنَّ اضْطِباعٌ؛ وذلك لأنَّ الأصْلَ فيها إظْهارُ الجَلَدِ، ولا يُقْصَدُ ذلك مِن النِّساءِ، إنَّما يُقْصَدُ فيهِنَّ السَّتّرُ، وفى الرَّمَلِ والاضْطِاعِ تَعَرُّضٌ للانْكِشافِ. فصل: وليس على أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ. وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، رَضِىَ الله عنهما. وكان ابنُ عمرَ إذا أحْرَمَ مِن مَكَّةَ لم يَرْمُلْ؛ لأنَّ الرَّمَلَ

стр. 4176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنَّما شُرِعَ في الأصْلِ لإظْهارِ الجَلَدِ والقُوَّةِ لأهْلِ البَلَدِ، وهذا المَعْنَى مَعْدُومٌ في أهْلِ البَلَدِ، والحُكْمُ في مَن أحْرَمَ مِن مَكَّةَ حُكْمُ أهْلِ مَكَّةَ؛ لِما ذَكَرْنا عن ابنِ عمرَ، ولأنَّه أحْرَمَ مِن مَكَّةَ، أشْبَهَ أهْلَ البَلَدِ. وليس عليهم اضْطِبَاعٌ؛ لأنَّ مَن لا يُشْرَعُ له الرَّمَلُ لا يُشْرَعُ له الاضْطِباعُ، كالنِّساءِ. والمُتَمَتِّعُ إذا أحْرَمَ بالحَجِّ مِن مَكَّةَ ثم عاد، وقُلْنا: يُشْرَعُ له طَوافُ القُدُومِ. لم يَرْمُلْ فيه. قال أحمدُ ﵀،: ليس على أهْلِ مَكَّةَ رَمَلُ البَيْتِ، ولا بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ. فصل: وليس في غيرِ هذا الطَّوافِ رَمَلٌ ولا اضْطِبَاعٌ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَه، إنَّما رَمَلُو اواضْطَبَعُو افى ذلك. وذَكَر القاضى أن مَن تَرَك الرَّ مَل والاضْطِباعَ في طَوافِ القُدُومِ، أرتى بهما في طَوافِ الزِّيارَةِ؛ لأنَّهُما سُنَّة أمْكَنَ قَضاوها، فتُقْضَى، بهسُنَنِ الصلاةِ. وليصر بصَحِيع؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ مَن تَرَكَه في الثَّلاثَةِ الأوَلِ لا يَقْضِيه في الأرْبَعَةِ، وكذلك مَن تَرَك

стр. 4177

وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أوْ مَحْمُولًا، أجْزَأهُ. وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ. وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْحَامِلِ. ــ الجَهْرَ في صلاةِ الفَجْرِ لا يَقْضِيه في صَلاةِ الظُّهْرِ، ولا يَقْتَضِى القِياسُ أن يَقْضِىَ هَيْئَةَ عِبادَةٍ في عِبادَةٍ أُخْرَى. قال القاضى: ولو طافَ فرَمَلَ، واضْطَبَعَ، ولم يَسْعَ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فإذا طافَ بعدَ ذلك رَمَل في طَوافِه؛ لأنَّه يَرْمُلُ في السَّعْىِ بَعْدَه، وهو تَبَعٌ في الطَّوافِ، فلو قُلْنا: لا يَرْمُلُ في الطَّوافِ. أفْضَى إلى كَوْنِ التَّبَعِ أكْمَلَ مِن المَتْبُوعِ. وهذا قولُ مُجاهِدٍ، والشافعيِّ. قال شيخُنا (١): وهذا لا يَثْبُتُ بمثلِ هذا الرَّأْىِ الضَّعِيفِ؛ فإنَّ المَتْبُوعَ لا تَتَغَير هَيْئَاتُه تَبَعًا لتَبَعِه، ولو كانَا مُتلازِمَيْن، كان تَرْكُ الرَّمَلِ في السَّعْىِ تَبَعًا لعَدَمِه في الطوافِ أوْلَى مِن الرَّمَلِ في الطَّوَافِ تَبَعًا للسَّعْى. ١٢٦٧ - مسألة: (ومَن طافَ رَاكِبًا أو مَحْمُولًا، أجْزَأه. وعنه، لا يُجْزِئُه إلَّا لعُذْرٍ. ولا يُجْزِئُ عن الحامِلِ) يَصِحُّ طَوافُ الرَّاكِبِ للعُذْرِ

стр. 4178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ روَى عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه طافَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ على بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ. وعن أُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: شَكَوْتُ إلى النبيِّ ﷺ ، أنِّى أشْتَكِى، فقال: «طُوفي مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَأنْتِ رَاكِبَةٌ». مُتَّفَقٌ عليهما (١). وقال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه: طافَ النبيُّ ﷺ على راحِلَتِه بالبَيْتِ، وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ، ليَراه النّاسُ، وليُشْرِفَ عليهم، ليَسْألُوه (٢)، فإنَّ النّاسَ غَشُوه (٣). والمَحْمُولُ كالرَّاكِبِ، فيما ذَكَرْنا، قِياسًا عليه. فصل: فإن فَعَل ذلك لغيرِ عُذْرٍ فعن أحمدَ فيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، لا يُجْزِئُ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ ، قال:

стр. 4179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ» (١). ولأنَّها عِبادَة تَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ فلم يَجُزْ فِعْلُها راكِبًا لغَيْرِ عُذْرٍ، كالصلاةِ. والثانِيَةُ، يُجْزِئُه، ويَجْبُرُه بدَمٍ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، إلَّا أنَّه قال: يُعِيدُ ما كانَ بمَكَّةَ، فإن رَجَع جَبَرَه بدَمٍ؛ لأنَّه تَرَك صِفَةً واجِبَةً في رُكْنِ الحَجِّ، أشْبَهَ ما لو دَفَع مِن عَرَفَةَ قبلَ الغُروبِ. والثالِثَةُ، يُجْزِئُ، ولا شئَ عليه. اخْتارَها أبو بَكْرٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وابنِ المنْذِرِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ طافَ راكِبًا (٢). قال ابنُ المُنْذِرِ: لا قَوْلَ لأحَدٍ مع فِعْلِ النبيِّ ﷺ . ولأنَّ اللهَ تَعالَى أمَر بالطَّوافِ مُطْلَقًا، فكَيْفَما أتَى به أجْزَأه، ولا يَجُوز تَقْيِيدُ المُطْلَقِ بغيرِ دَلِيلٍ. فصل: والطَّوافُ راجِلًا أفْضَلُ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ في غيرِ حَجَّةِ الوَداعِ طافَ ماشِيًا، وأصحابُه طافُوا مُشاةً. وفى قولِ أُمِّ سَلَمَةَ: شَكَوْتُ إلى النبيِّ ﷺ أنِّى أشْتَكِى، فقالَ: «طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأنْتِ رَاكِبَةٌ» (٣). دَلِيلٌ على أنَّ الطَّوافَ إنَّما يَكونُ مَشْيًا، وإنَّما طافَ النبيُّ ﷺ راكِبًا لعُذْرٍ، فإنَّ ابنَ عباسٍ روَى أنَّ رسولَ الله ﷺ كَثُرَ عليه النّاسُ،

стр. 4180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقُولُون: هذا محمدٌ، هذا محمدٌ. حتى خَرَج العَواتِقُ مِن البُيُوتِ، وكان رسولُ اللهِ ﷺ ، لا يُضْرَبُ النّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فلَمّا كَثُرُوا عليه رَكِبَ. رَواه مسلمٌ (١). وكذلك في حَدِيثِ جابِرٍ: فإنَّ النّاسَ غَشُوه. ورُوِىَ (٢) عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طافَ راكِبًا؛ لشَكاةٍ به (٣). وبهذا يَعْتَذِرُ مَنْ مَنَعَ الطَّوافَ راكِبًا عن طَوافِ النبىِّ، والحَدِيثُ الأوَّلُ أثْبَتُ. فعلى هذا يكونُ كَثْرَةُ النّاسِ وشِدَّةُ الزِّحامِ عُذْرًا. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ النبيُّ ﷺ قَصَد تَعْلِيمَ النّاسِ، فلا يَتَمَكَّنُ إلَّا بالرُّكُوبِ.

стр. 4181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا طافَ راكِبًا أو مَحْمُولًا، فلا رمَلَ فيه. وقال القاضى: يَخُبُّ به بَعِيرُه. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يَفْعَلْه، ولا أمَرَ به، ولا يَتَحَقَّقُ فيه مَعْنَى الرَّمَلِ. فصل: فأمّا السَّعْىُ مَحْمُولًا وراكِبًا، فيُجْزِئُه لعُذْرٍ ولغَيْرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ المَعْنَى الذى مَنَع الطَّوافَ راكِبًا غيرُ مَوْجُودٍ فيه. فصل: ومَن طِيفَ به مَحْمُولًا، لم يَخْلُ مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها،

стр. 4182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يَنْوِيَا جَمِيعًا عن المَحْمُولِ، أو يَنْوِىَ المَحْمُولُ عن نَفْسِه، ولا يَنْوِىَ الحامِلُ شَيْئًا، فيَقَعُ عنه دُونَ الحامِلِ، بغيرِ خِلافٍ. الثانى، أن يَقْصِدا عن الحامِلِ، فيَقَعَ عنه، ولا شئَ للمَحْمُولِ، وكذلك إن نَوَى الحامِلُ عن نَفْسِه، ولم يَنْوِ المَحْمُولُ. الثالِثُ، أن يَقْصِدَ كلُّ واحِدٍ عن نَفْسِه، فيَقَعُ للمَحْمُولِ دُونَ الحامِلِ. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ. والقَوْلُ الآخَرُ، يَقَعُ للحامِلِ؛ لأنَّه الفاعِلُ. وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ لهما؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما طائِف بنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فأجْزَأ الطَّوافُ عنه، كما لو لم يَنْوِ صاحِبُه شَيْئًا، ولأنَّه لو حَمَلَه بعَرَفَاتٍ لكانَ الوُقُوفُ عنهما، كذا هذا. قال شيخُنا (١): وهو قَوْلٌ حَسَنٌ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه طَواف أجْزَأ عن المَحْمُولِ، فلم يَقَعْ عن الحامِلِ، كما لو نَوَيا جَمِيعًا، ولأنَّه طَوافٌ واحِدٌ فلم يَقَعْ عن شَخْصَيْن، كالرّاكِبِ، أمّا إذا حَمَلَه بعَرَفَةَ، فما حَصَل الوُقُوفُ بالحَمْلِ، فإنَّ المَقْصُودَ الكَونُ في عَرَفَاتٍ، وهما كائِنانِ بها، والمَقْصُودُ ههُنا الفِعْلُ، وهو واحِدٌ، فلا يَقَعُ عن شَخْصَيْن، ووُقُوعُه عن المَحْمُولِ أوْلَى؛ لأنَّه لم يَنْوِ بطَوافِه إلَّا لنَفْسِه، والحامِلُ لم يَخْلُصْ قَصْدُه بالطَّوافِ لنَفْسِه، فإنَّه لولم يَقْصِدِ الطَّوافَ بالمَحْمُولِ لَما حَمَلَه، فإنَّ تَمَكُّنَه مِن الطَّوافِ لاِ يَقفُ على حَمْلِه، فصارَ المَحْمُولُ مَقْصُودًا لهما، ولم يَخْلُصْ

стр. 4183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَصْدُ الحامِلِ لنَفْسِه، فلم يَقَعْ لعَدَمِ التَّعْيينِ. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ: لا يُجْزِئُ الطَّوافُ عن واحِدٍ منهما؛ لأَنَّ فِعْلًا واحِدًا لا يَقَعُ عن اثْنَيْن، وليس أحَدُهما أوْلَى به مِن الآخَرِ. وقد ذَكَرْنا أنَّ المَحْمُولَ أوْلَى بخُلُوصِ نِيَّتِه لنَفْسِه، وقَصْدِ الحامِلِ له. فإن عُدِمَتِ النِّيَّةُ منهما، أو نَوَى كلُّ واحِدٍ منهما عن الآخَرِ، لم تَصِحَّ لواحِدٍ منهما.

стр. 4184

وَإنْ طَافَ مُنْكِسًا، أوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ، أوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ، أوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ، وَإنْ قَلَّ، أوْ لَمْ يَنْوِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ. ــ ١٢٦٨ - مسألة: (وإن طافَ مُنْكِسًا، أو على جِدارِ الحِجْرِ، أو شَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ، أو تَرَكَ شَيْئًا مِن طَوافِه، وإن قَلَّ، أو لم يَنْوِه، لم يُجْزِئْه) إذا نَكَسَ الطَّوافَ، فَجَعَلَ البَيْتَ على يَمِينِه، لم يُجْزِئْه. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُعِيدُ، ما كانَ بمَكَّةَ، فإن رَجَع جَبَرَه بدَمٍ؛ لأنَّه تَرَك هَيْئَةً، فلم تَمنَع الإِجْزاءَ، كتَرْكِ الرَّمَلِ والاضْطِباعِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ جَعَلَ البَيْتَ في الطَّوافِ على يَسارِه، وقال ﵊: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (١). ولأنَّها عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فكان التَّرْتِيبُ شَرْطًا لصِحَّتِها، كالصلاةِ، وما قاسُوا عليه مُخالِفٌ لِما ذَكَرْنا، كما اخْتَلَفَ حُكْمُ هَيْئاتِ الصلاةِ وتَرْتِيبِها. فصل: ويَطوفُ مِن وَراءِ الحِجْرِ (٢)؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣). والحِجْرُ منه، فمَن لم يَطُفْ به، لم يُعْتَدَّ بِطوافِه.

стр. 4185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبهذا قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: إن كان بمَكَّةَ قَضَى ما بَقِىَ، وإن رَجَعَ إلى الكُوفَةِ فعليه دَمٌ. ونحوُه قولُ الحسنِ. ولَنا، أنَّه مِن البَيْتِ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: سَألْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، عن الحِجرِ، فقال: «هُوَ مِنَ البَيْتِ». وعنها، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ البَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِم بِالشِّرْكِ، أعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهَا، فإنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِى أنْ يَبْنُوا، فهَلُمِّى لأرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهَا». فأرَاها قَرِيبًا مِن سَبْعَةِ أذْرُعٍ. رَواهما مسلمٌ (١). وعنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى نَذَرْتُ أن أُصَلِّىَ في البَيْتِ. قال: «صَلِّى في الحِجْرِ، فإنَّ الحِجْرَ مِنَ البَيْتِ». رَواه التُّرْمِذِيُّ (٢). وقال: حسنٌ صحيحٌ.

стр. 4186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فمَن تَرَك الطَّوافَ بالحِجْرِ لم يَطُفْ بالبَيْتِ جَمِيعِه، فلم يَصِحَّ، كما لو تَرَكَ الطَّوافَ ببعضِ البِناءِ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ طافَ مِن ورَاءِ الحِجْرِ، وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ». فصل: ولو طافَ على جِدارِ الحِجْرِ، أو شَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ، وهو ما فَضَل مِن جدارِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك مِن البَيْتِ، فإذا لم يَطُفْ به، لم يَطُفْ بكلِّ البَيْتِ. وكذلك إن تَرَك شَيْئًا مِن طَوافِه، وإن قَلَّ، لم يُجزِئْه؛ لأنَّه لم يَطُفْ بجَمِيع البَيْتِ، وقد طافَ النبىُّ ﷺ مِن وَراءِ ذلك، وطافَ بجَمِيعِ البَيْتِ مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ. فصل: والنِّيَّةُ شَرْطٌ في الطَّوافِ، إن تَرَكَها لم يَصِحَّ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، فاشْتُرِطَتْ لها النِّيَّةُ، كالصلاةِ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ ، قال:

стр. 4187

وَإنْ طَافَ مُحْدِثًا، أوْ نَجِسًا، أوْ عُرْيَانًا، لَمْ يُجْزِئْهُ. وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ، وَيَجْبُرُه بِدَمٍ. ــ «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاة» (١). والصلاةُ لا تَصِحُّ بدُونِ النِّيَّةِ. ١٢٦٩ - مسألة: (وإن طافَ مُحْدِثًا، أو نَجِسًا، أو عُرْيَانًا، لم يُجْزِئْه. وعنه، يُجْزِئُه، ويَجْبُرُه بدَمٍ) الطَّهَارَةُ مِن الحَدَثِ والنَّجاسَةِ، والسِّتارَةُ، شَرائِطُ لصِحَّةِ الطَّوافِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ. وعن أحمدَ، أنَّ الطهارَةَ ليست شَرْطًا، فمتى طاف للزِّيارَةِ غيرَ مُتَطَهِّرٍ، أعادَ، ما كان بمَكَّةَ، فإن خَرَج إلى بَلَدِه جَبَرَه بدَمٍ. وكذلك يُخَرَّجُ في الطهارَةِ مِن النَّجَسِ والسِّتارَةِ. وعنه، في مَن طاف للزِّيارَةِ، وهو ناسٍ للطهارةِ: لا شئَ عليه. وقال أبو حنيفةَ: ليس شئٌ مِن ذلك شَرْطًا. واخْتَلَفَ أصحابُه، فقال بَعْضُهم: هو واجِبٌ. وقال بعضُهم: هو سُنَّةٌ؛ لأنَّ الطَّوافَ رُكْنٌ للحَجِّ، فلم تُشْتَرَطْ له الطهارةُ، كالوُقُوفِ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضىَ اللهُ عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إلَّا أنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ». رَواه التِّرْمِذِىُّ، والأثْرَمُ. وعن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ الله عنه، بَعَثَه في الحَجَّةِ التى أمَّرَه عليها رسولُ اللهِ ﷺ ، قبلَ حَجَّةِ. الوَداعِ يومَ النَّحْرِ،

стр. 4188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُؤَذِّنُ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ العام مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ». مُتَّفَقٌ علية (١). ولأنَّها عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فكانتِ الطَّهارَةُ والسِّتارَةُ فيها شَرْطًا، كالصلاةِ، وعَكْسُه الوُقُوفُ. ولأنَّ النبىَّ ﷺ قال لعائشةَ حين حاضَتْ: «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ» (٢). فصل: وإذا شَكَّ في الطهارةِ وهو في الطَّوافِ، لم يَصِحَّ طَوافُه؛ لأنِّه شَكَّ في شَرْطِ العِبادَةِ قبلَ الفَراغِ منها، أشْبَهَ ما لو شَكَّ في الطهارةِ وهو في الصلاةِ. وإن شَكَّ بعدَ الفَراغِ منه، لم يَلْزَمْه شئٌ؛ لأنِّ الشَّكَّ في شَرْطِ العِبادَةِ بغدَ فَراغِها لا يُؤَثِّرُ فيها. وإن شَكَّ في عَدَدِ الطِّوافِ، بَنَى على اليَقِينِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على ذلك؛ لأنَّها عِبادَة، فمتى شَكَّ فيها وهو فيها، بَنَى على اليَقِينِ، كالصلاةِ. فإن أخْبَرَه ثِقَةٌ عن عَدَدِ طَوافِه قَبِل قولَه إن كان عَدْلًا. وإن

стр. 4189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَكَّ في عَدَدِه بعدَ الفَراغِ منه، لم يَلْتَفِتْ إليه، كمَن شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بعدَ فَراغِ الصلاةِ. قال أحمدُ: إذا كان رجلان يَطوفَانِ، فاخْتَلَفَا في الطَّوافِ، بَنَيَا على اليَقِينِ. قال شيخُنا (١): وهو مَحْمُول علىِ أنَّهما شَكَّا، فإن كان أحَدُهما يَتَيَقَّنُ حالَ نَفْسِه، لم يَلْتَفِتْ إلى قَوْلِ غيْرِه. فصل: إذا فَرَغ المُتَمَتِّعُ، ثم عَلِم أنَّه كان على غيرِ طهارةٍ في أحَدِ الطَّوافَيْن، لا بعَيْنِه، بَنَى الأمْرَ على الأَشَدِّ، وهو أنَّه كان مُحْدِثًا في طَوافِ العُمْرَةِ، فلم تَصِحَّ، ولم يَحِلَّ منها، فيَلْزَمُه دَمٌ للحَلْقِ، ويكونُ قد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، فيَصِيرُ قارِنًا، ويُجْزِئُه الطَّوافُ للحَجِّ عن النُّسُكَيْن، ولو قَدَّرْناه مِن الحَجِّ لَزِمَه إعادَةُ الطَّوافِ، ويَلْزَمُه إعادَةُ السَّعْى على التَّقْدِيرَيْن؛ لأنَّه وُجِدَ بعدَ طَوافٍ غيرِ مُعْتَدٌّ به. وإن كان وَطِئَ بعدَ حِلِّه مِن العُمْرَةِ، حَكَمْنا بأنَّه أدْخَلَ حَجًّا على عُمْرَةٍ فاسِدَةٍ، فلا يَصِحُّ، ويَلْغُو ما فَعَلَه مِن أفْعالِ الحَجِّ، وَيَتَحَلَّلُ بالطَّوافِ الذى قَصَدَه للحَجِّ مِن عُمْرَتِه الفاسِدَةِ، وعليه دَمٌ للحَلْقِ، ودَمٌ للمُضِيِّ في عُمْرَتِه، ولا يَحْصُلُ له حَجٌّ ولا عُمْرَةٌ. ولو قَدَّرْناه مِن الحَجِّ، لم يَلْزَمْه أكْثَرُ مِن إعادَةِ الطَّوافِ والسَّعْىِ، ويَحْصُلُ له الحَجُّ والعُمْرَةُ.

стр. 4190

وَإنْ أحْدَثَ في بَعْضِ طَوَافِهِ، أوْ قَطَعَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ، ابْتَدَأهُ. ــ ١٢٧٠ - مسألة: (وإنْ أحْدَثَ في بَعْضِ طَوافِه، أو قَطَعَه بفَصْلٍ طَوِيلٍ، ابْتَدَأه) إذا أحْدَثَ في الطَّوافِ عَمْدًا، ابْتَدَأ الطَّوافَ؛ لأنَّ الطَّهارَةَ شَرْطٌ له، فإذا أحْدَثَ عَمْدًا، أبْطَلَه، كالصلاةِ. وإن سَبَقَه الحَدَثُ، ففيه رِوايَتَان؛ إحْداهُما، يَبْتَدِئُ أيضًا. وهو قولُ مالكٍ، والحسنِ، قِياسًا على الصلاةِ. والثانيةُ، يَتَوَضَّأُ، ويَبْنِى. وبها قال الشافعىُّ، وإسحاقُ. وقال حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، في مَن طافَ ثَلَاثةَ أشْواطٍ أو أكْثَرَ: يَتَوَضَّأُ، فإن شاءَ بَنَى، وإن شاءَ اسْتَأْنَفَ. قال أبو عبدِ اللهِ: يَبْنِى إذا لم يُحْدِثْ حَدَثًا إلَّا الوُضُوءَ. فإن عَمِل عَمَلًا غيرَ ذلك، اسْتَقْبَلَ الطَّوَافَ وذلك لأنَّ المُوالَاةَ تَسْقُطُ عندَ العُذْرِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وهذا عُذْرٌ، فأمّا إنِ اشْتَغَلَ بغيرِ الوُضُوءِ، لَزِمَه الابتِداءُ؛ لأنَّه تَرَك المُوالَاةَ لغيرِ عُذْرٍ. وهذا إذا كان الطَّوافُ فَرْضًا، فأمّا النَّفْلُ فلا تَجِبُ إعادَتُه، كالصلاةِ المَسْنُونَةِ إذا بَطَلَتْ. فصل: والمُوالَاةُ شَرْطٌ في الطَّوَافِ، فمتى قَطَعَه بفَصْلٍ طَوِيلٍ ابْتَدَأه، سَواءٌ كان عَمْدًا أو سَهْوَا، مثلَ أن يَتْرُكَ شَوْطًا مِن الطَّوافِ، يَظنُّ أنَّه قد أتَمَّه. وقال أصحابُ الرَّأْىِ، في مَن طافَ ثَلَاثَةَ أشْواطٍ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ،

стр. 4191

وَإنْ كَانَ يَسِيرًا، أوْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ، صَلَّى، وَبَنَى. وَيَتَخَرَّجُ أنَّ الْمُوَالَاةَ سُنَّةٌ. ــ ثم رَجَع إلى بَلَدِه: عليه أن يَعُودَ، فيَطُوفَ ما بَقِىَ. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ وَالَى بينَ طَوافِه، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (١). ولأنَّه صلاةٌ، فاشْتُرِطَتْ له المُوالَاةُ، كسائِرِ الصَّلَواتِ، أو نقولُ: عِبادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بالبَيْتِ، فاشْتُرِطَتْ لها المُوالَاةُ، كالصلاةِ. والمَرْجِعُ في طولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العُرْفِ. وقد رُوِىَ عن أبي عبدِ اللهِ، ﵀، رِوايَةٌ أُخْرَى، إذا كان له عُذْرٌ يَشْغَلُه بَنَى، وإن قَطَعَه لغيرِ عُذْرٍ أو لحاجَةٍ، اسْتَقْبَلَ الطَّوافَ. وقال: إذا أعْيَى في الطَّوافِ لا بَأْسَ أن يَسْتَرِيحَ. وقال: الحسنُ غُشِىَ عليه، فحُمِلَ إلى أهْلِه، فلَمَّا أفاقَ أتَمَّه. لأنَّه قَطَعَه للعُذْرِ، فجازَ البِناءُ عليه، كما لو قَطَعَه للصلاةِ. ١٢٧١ - مسألة: (ولو كان يَسِيرًا، أو أُقِيمَتِ الصلاةُ، أو حَضَرَتْ جِنازَةٌ، صَلَّى، وبَنَى. وَيَتَخَرَّجُ أنَّ المُوالَاةَ سُنَّةٌ) أمّا إذا لم يَطُلِ

стр. 4192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفَصْلُ، فإنَّه يَبْنِى على طَوافِه؛ لأنَّه يَسِيرٌ، فعُفِىَ عنه. وكذلك إن أُقِيمَتِ الصلاةُ المَكْتُوبَةُ، فإنه يَقْطعُ الطَّوافَ، ويُصَلِّى جَماعَةً، في قولِ كثيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ. وقال مالكٌ: يَمضِى في طَوافِه، ولا يَقْطَعُه، إلَّا أن يَخافَ أن يَضُرَّ بوَقْتِ الصلاةِ؛ لأنَّه صَلَاةٌ، فلا يَقْطَعُه لصلاةٍ أُخْرَى. ولَنا، قولُه ﷺ : «إذَا أُقيِمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إلَّا المَكْتُوبَةُ» (١). والطَّوافُ صلاةٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ. وإذا صَلَّى بَنَى على طَوافِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في ذلك إلَّا الحَسَنَ، فإنَّه قال: يَسْتَأْنِفُ. وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى؛ لأنَّ هذا فِعْلٌ مَشْرُوعٌ في أثْناءِ الطَّوافِ، فلم يَقْطَعْه، كاليَسِيرِ. وكذلك الحُكْمُ في الجِنازَةِ إذا حَضَرَتْ، يُصَلِّى عليها، ثم يَبْنِى على طَوافِه؛ لأنَّها تَفُوتُ بالتَّشَاغُلِ عنها. قال أحمدُ: ويكُونُ ابْتِداؤُه مِن الحَجَرِ. أنَّه يَبْتَدِئُ بالحَجَرِ الشَّوْطَ الذى قَطَعَه مِن الحَجَرِ حينَ يَشْرعُ في البِناءِ. وحُكْمُ السَّعْىِ حُكْمُ الطَّوافِ فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّه إذا ثَبَت ذلك في الطَّوافِ، مع تَأكُّدِه، ففى السَّعْىِ بطرَيقِ الأوْلَى، ولأنَّ ذلك يروَى عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، ولا يُعْرَفُ له في الصحابَةِ مُخالِفٌ.

стр. 4193

ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، والأَفْضَلُ أن تَكُونَ خَلْفَ الْمَقَامِ يَقْرَأُ فِيهِمَا ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بَعْدَ «الْفَاتِحَةِ» ــ وهذا قولُ عَطاءٍ، والشافعيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافهم. ويَتَخَرَّجُ أنَّ المُوالَاةَ في الطَّوافِ سُنَّةٌ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ، قِياسًا على الصَّفَا والمَرْوَةِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرنا. ١٢٧٢ - مسألة: (ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، والأفْضَلُ أن تكونَ خلفَ المَقامِ، يَقْرَأُ فيهما: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. [و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. بعدَ الفاتحةِ) يُسْتَحَبُّ لمَن قَضَى الطَّوافَ أن يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن خلفَ المَقامِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١). ويُسَنُّ أن يقرأَ فيهما ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾] (٢) في الأُولَى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. في الثانية، فإنَّ جابِرًا، رَضِىَ الله عنه، روَى في صِفَةِ حَجِّ النبيِّ ﷺ ، قال: حتى أتَيْنَا البَيْتَ معه، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلاثًا،

стр. 4194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومَشَى أرْبَعًا، ثم تَقَدَّمَ إلى مَقامِ إبراهيمَ، فَقَرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فجَعَلَ المَقامَ بَيْنَه وبينَ البَيْتِ. قال محمدُ بنُ علىٍّ (١): ولا أعْلَمُهُ إلَّا ذَكَرَه عن النبيِّ ﷺ : كان يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْن: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢). وحيثُ رَكَعَهُما ومهما قَرَأ فيهما، جازَ؛ فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، رَكَعَهما بذِى طُوًى. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال لأُمِّ سَلَمَةَ: «إذَا أُقِيمتْ صَلَاةُ الصُّبْحَ فَطُوفِى عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ» (٣) فَفَعَلَتْ ذلك، فلم تُصَلِّ حتىِ خَرَجَت. ولا بَأْسَ أن يُصَلِّيَهُما إلى غيرِ سُتْرَةٍ، وَيمُرَّ بينَ يَدَيْه الطَّائِفُون مِن الرِّجالِ والنِّسَاءِ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّاهُما والطُّوّافُ بينَ يَدَيْه، ليس بينهما شئٌ (٤). وكان ابنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّى والطُّوَّافُ بينَ يَدَيْه، فتَمُرُّ المرأةُ بينَ يَدَيْه، يَنْتَظِرُها حتى تَرْفَعَ رِجْلَها، ثم يَسْجُدُ (٥). وكذلك سائِرُ الصَّلَواتِ بمَكَّةَ، لا يُعْتَبَرُ لها سُتْرَةٌ، وقد ذَكَرْنا ذلك (٦). فصل: والرَّكْعَتان فيه سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ غيرُ واجِبَةٍ. وبه قال مالكٌ.

стр. 4195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وللشافعيِّ قَوْلان؛ أحدُهما، أنَّهما واجِبَتان؛ لأنَّهما تابِعَتان للطَّوافِ، فكانا واجِبَتَيْن، كالسَّعْىِ. ولَنا، قولُه ﵇ للأعْرابىِّ، حينَ سَأَلَه عن الفَرائِضِ، فذَكَرَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، فقال: هل علىَّ غَيْرُها؟ قال: «لَا، إِلَّا أنْ تَطَوَّعَ» (١). ولأنَّها صلاةٌ لم يُشْرَعْ لها جَماعةٌ، فلم تَكُنْ واجِبَةً، كسائِرِ النَّوافِلِ. وأمّا السَّعْىُ، فلم يَجِبْ، لكَوْنِه تابِعًا، ولا هو مَشْرُوعٌ مع كلِّ طَوافٍ، بخِلافِ الرَّكْعَتَيْن، فإنَّهما يُشْرَعان عَقِيبَ كُلِّ طَوافٍ. فصل: فإن صَلَّى المَكْتُوبَةَ بعدَ طَوافِه، أجْزَأتْه عن رَكْعَتَىِ الطَّوافِ. رُوِىَ نَحْوُه عن ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وجابِرِ بنِ زَيْدٍ، والحسنِ، وسعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ، وإسحاقَ. وعنه، أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَىِ الطَّوافِ بعدَ المَكْتُوبَةِ. قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: هو أقْيسُ. وبه قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وأصحابُ الرَّأىِ؛ لأنَّه سُنَّةٌ، فلم تُجْزِئْ عنها المَكْتُوبَةُ، كرَكْعَتَىِ الفَجْرِ. ولَنا، أنَّهما رَكْعَتان شُرِعَتَا للنُّسُكِ، فأجْزَأتْ عنهما المَكْتُوبَةُ، كرَكْعَتَىِ الإحْرامَ.

стр. 4196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا بَأْسَ أن يَجْمَعَ بينَ الأسَابِيع (١)، فإذا فَرَغ منها رَكَع لكلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْن. فَعَلَتْه عائشةُ، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ (٢). وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ. وكَرِهَه ابنُ عُمَرَ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يَفْعَلْه، ولأنَّ تَأْخِيرَ الرَّكْعَتَيْن عن طَوافِهما يُخِلُّ بالمُوالَاةِ بينَهما. ولَنا، أنَّ الطَّوافَ يَجْرِى مَجْرَى الصلاةِ، يَجُوزُ جَمْعُها ويُؤَخِّرُ ما بينَها، فيُصَلِّيها بعدَها، كذلك ههُنا. وكَوْنُ النبيِّ ﷺ لم يَفْعَلْه لا يُوجبُ كراهَتَه؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ لم يَطُفْ أُسْبُوعَيْن ولا ثلاثةً، وذلك غيرُ مكْرُوهٍ بالاتِّفاقِ، والمُوالَاةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ بينَ الطَّوافِ والرَّكْعَتَيْن، بدَلِيلِ أنَّ عُمَرَ صَلَّاهما بذِى طُوًى، وأخَّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَكْعَتَىِ الطَّوافِ حينَ طافَتْ راكِبَةً بأمْرِ رسولِ اللهِ ﷺ . وإن رَكَع لكلِّ أُسْبُوع عَقِيبَه، كان أوْلَى، وفيه اقْتِداءٌ بالنبيِّ ﷺ ، وخُرُوجٌ مِن الخِلافِ. فصل: والمُشْتَرَطُ لصِحَّةِ الطَّوافِ تِسْعَةُ أشْياءَ؛ الطَّهارَةُ مِن الحَدَثِ والنَّجاسَةِ، وسَتْرُ العَوْرَةِ، والنِّيَّةُ، والطَّوافُ بجَمِيعِ البَيْتِ، وأن يُكْمِلَ سَبْعَةَ أشْواطٍ، ومُحاذَاةُ الحَجَرِ بجَمِيعِ بَدَنِه، والتَّرْتِيبُ، وهو أن يَطُوفَ على يَمِينِه، والمُوالَاةُ. وسُنَنُه اسْتِلامُ الرُّكْنِ وتَقْبِيلُه أو ما قامَ

стр. 4197

ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ، ــ مَقامَه مِن الإِشارَةِ، واسْتِلامُ الرُّكْنِ اليَمانِيِّ، والاضْطِباعُ، والرَّمَلُ، والمَشْىُ في مواضِعِه، والدُّعاءُ والذِّكْرُ، وركْعَتَا الطَّوافِ، والطَّوافُ ماشِيًا، والدُّنُوُّ مِن البَيْتِ، وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى. ١٢٧٣ - مسألة: (ثم يَعُودُ إلى الرُّكْنِ فيَسمْتَلِمُه) إذا فَرَغ مِن رَكْعَتَىِ الطَّوافِ، وأرادَ الخُرُوجَ إلى الصَّفَا، اسْتُحِبَّ أن يَعُودَ، فيَسْتَلِمَ الحَجَرَ.

стр. 4198

ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ. وَيَسْعَى سَبْعًا، يَبْدَأُ بِالصَّفَا، فَيَرْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ فَيَسْتَقْبلُهُ، وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَاهَدَانَا. لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ ــ نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ فَعَل ذلك، ذَكَرَه جابِرٌ (١) في صِفَةِ حَجِّ النبيِّ ﷺ ، وكان ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُه. وبه قال النَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ١٢٧٤ - مسألة: (ثم يَخْرُجُ إلى الصَّفَا مِن بابِه، ويَسْعَى سَبْعًا، يَبْدَأُ بالصَّفَا، فيَرْقَى عليه حتى يَرَى البَيْتَ فيَسْتَقْبِلُه، ويُكَبَر ثَلاثًا، ويقولُ: الحَمْدُ للهِ على ما هَدانَا، لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له

стр. 4199

الْحَمْدُ، يُحْيِى وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَىٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأحزَابَ وَحْدَهُ، لَا إِله إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. ثُمَّ يُلَبِّى وَيَدْعُو بِمَا أحَبَّ. ــ المُلْكُ وله الحَمْدُ، يُحْىِ ويُمِيتُ، وهو حَى لا يَمُوتُ، بيَدِه الخَيْرُ، وهو على كل شئٍ قَدِيرٌ، لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له، صَدَقَ وَعْدَه، ونَصَرَ عَبْدَه، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه، لا إلهَ إلَّا اللهُ، لا نَعْبُدُ إلَّا إيّاه، مُخْلِصِينَ له الدِّينَ. ولو كَرِه الكافِرُون. ثم يُلبِّى ويَدْعُو بما أحَبَّ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا فَرَغ مِن طَوافِه، واسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فالمُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ إلى الصَّفَا مِن بابِه، فيَأتِىَ الصَّفَا، فيَرْقَى عليه حتى يَرَى الكَعْبَه، فيَسْتَقْبِلَها، فيُكَبِّر اللهَ ، ويُهَلِّلَه، ويَدْعُوَ بِدُعاءِ النبيِّ ﷺ ، وما أحَبَّ من خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. قال جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ ﷺ : ثم رَجَعَ إلى الرُّكنِ، فاسْتَلَمَه، ثم خَرَج مِن الباب إلى الصَّفَا، فلَمّا دَنَا مِن الصَّفَا قَرَأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. «نَبْدَأُ بما بَدَأ اللهُ به». فبَدَأ بالصَّفَا، فَرقَى عليه حتى رَأى البَيْتَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ،

стр. 4200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَه، وقال: «لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شَئٍ قَدِيرٌ، لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه، أنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَه، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه». ثم دَعَا بينَ ذلك، وقال مثلَ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ. قال أحمدُ، ﵀: ويَدْعُو بدُعاءِ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهما. ورَواه إسْماعِيلُ، عن أَيُّوبَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَخْرُجُ إلى الصَّفَا مِن البابِ الأعْظَمِ، فيَقُومُ عليه، فَيُكَبِّرُ سَبْعَ مِرارٍ، ثلًاثًا ثَلاثًا يُكَبِّرُ، ثم يقولُ: لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، لا نَعْبُدُ إلَّا إيّاه، مُخْلِصِينَ له الدِّينَ ولو كَرِهَ الكَافِرُون. ثم يَدْعُو، فيَقُولُ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِى بديِنك وطَواعِيَتك وطَواعِيَةِ رسولِك، اللهُمَّ جَنِّبْنِى حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِمَّن يُحِبُّكَ، ويُحِبُّ مَلائِكَتَك وأنْبِيَاءَكَ ورُسُلَكَ وعِبادَكَ الصَّالِحِينَ، اللهُمَّ حَبِّبْنِى إليكَ، وإلى مَلَائِكَتِكَ وإلى رُسُلِكَ وإلى عِبادِكَ الصَّالِحِينَ، اللهُمَّ يَسِّرْنِى لليُسْرَى، وَجَنِّبْنِى العُسْرَى، واغْفِرْ لى في الآخِرَةِ والأُولَى، واجْعَلْنِى مِن أئِمَّةِ المُتَّقِينَ، واجْعَلْنِى. مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، واغْفِرْ لى خَطيئَتِى يومَ الدِّينِ، اللهُمَّ قُلْتَ، وقَوْلُكَ الحَقُّ:

стр. 4201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١). وإنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، اللهُمَّ إذْ هَدَيْتَنِى للإِسْلامِ فلا تَنْزِعْنِى منه، ولا تَنْزِعْهُ مِنِّى، حتى تَوَفَّانِى على الإِسْلامِ، اللَّهُمَّ لا تُقَدِّمْنِى إلى العَذَابِ، ولا تُؤَخِّرْنِى لسُوءِ الفِتَنِ. قال: ويَدْعُو دُعاءً كَثِيرًا، حتى إنَّه لَيُمِلُّنَا، وإنَّا لشَبابٌ، وكان إذا أتَى على المَسْعَى سَعَى وكَبَّرَ (٢). وكُلُّ ما دَعَا به فحَسَنٌ. فصل: فإن لم يَرْقَ على الصَّفَا، فلا شئَ عليه. قال القاضى: لكنْ يَجِبُ عليه أن يَسْتَوْعِبَ ما بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فيُلْصِقَ عَقِبَيْهِ بأسْفَلِ الصَّفَا، ثم يَسْعَى إلى المَرْوَةِ، فإن لم يَصْعَدْ عليها، ألْصَقَ أصابعَ رِجْلَيْه بأسْفَلِ المَرْوَةِ، والصُّعُودُ عليهما أوْلَى، اقْتِداءً بفِعْلِ النبيِّ ﷺ . فإن تَرَكَ مِمّا بينَهما شَيْئًا، ولو ذِراعًا، لم يُجْزِئْه حتى يَأْتِىَ به. وحُكْمُ المَرْأةِ في ذلك حُكْمُ الرَّجُلِ، إلَّا أنَّها لا تَرْقَى؛ لئَلَّا تُزاحِمَ الرِّجالَ، ولأنَّه أسْتَرُ لها.

стр. 4202

ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا، وَيَمْشِى حَتَّى يأْتِىَ الْعَلَمَ، فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إلَى الْعَلَمِ، ثُمَّ يَمْشِى حَتَّىِ يَأْتِىَ الْمَرْوَةَ، فَيَفْعَلُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ، فيَمْشِى في مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى في مَوْضِعِ سَعْيِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً، يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا، وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ. فَإنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ. ــ ١٢٧٥ - مسألة: (ثم يَنْزِلُ، فيَمْشِى حتى يَأْتِىَ العَلَمَ، فيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إلى العَلَمِ) الآخَرِ (ثم يَمْشِى حتى يَأْتِىَ المَرْوَةَ، فيَفْعَلُ عليها كما فَعَل على الصَّفَا، ثم يَنْزِلُ، فيَمْشِى في مَوْضِع مَشْيِه، ويَسْعَى في مَوْضع سَعْيِه، يَفْعَلُ ذلك سَبْعًا، يَحْتَسِبُ بالذَّهَابِ سَعْيَةً، وبالرُّجُوعِ سَعْيَةً، يَفْتَتِحُ بالصَّفَا، ويَختِمُ بالمَرْوَةِ. فإنِ افْتَتَحَ بالمَرْوَةِ، لم يَحْتَسِبْ بذلك الشَّوْطِ) هذا وَصْفُ السَّعْىِ، وهو أن يَنْزِلَ مِن الصَّفَا، فيَمْشِىَ حتى يَأْتِىَ العَلَمَ، أى يُحاذِيَه، وهو المِيلُ الأخْضَرُ في رُكْنِ المَسْجِدِ، فإذا كان منه نحوًا مِن سِتَّةِ أذْرُعٍ، سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا حتى يُحاذِىَ العَلَمَ الآخَرَ،

стр. 4203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهما المِيلانِ الأخْضَرَان بفِناءِ المَسْجِدِ وحِذاءِ دارِ العَبّاسِ، ثم يَتْرُكُ السَّعْىَ فيَمْشِى حتى يَأْتِىَ المَرْوَةَ، فيَرْقَى عليها، ويسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَدْعُو بمثلِ دُعائِه على الصَّفَا. ومهما دَعَا به فلا بَأْسَ، وليس في الدُّعاءِ شئٌ مُؤَقَّتٌ. ثم يَنْزِلُ فيَمْشِى في مَوْضِع مَشْيِه، ويَسْعَى في مَوْضِع سَعْيِه، ويُكْثِرُ مِن الدُّعاءِ والذِّكْرِ فيما بينَ ذلك. قال أبو عبدِ اللهِ: كان ابنُ مسعودٍ إذا سَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ قال: رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، واعْفُ (١) عَمَّا تَعْلَمُ، وأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ. وقال النبىُّ ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ رَمْىُ الجِمَارِ، وَالسَّعْىُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؛ لإِقامَةِ ذِكْرِ اللهِ » (٢). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولا يَزالُ حتى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أشْواطٍ، يَحْتَسِبُ بالذَّهابِ سَعْيَةً، وبالرُّجُوعِ سَعْيَةً. وحُكِىَ عن ابنِ جَرِيرٍ، وبعضِ الشافعيةِ، أنَّهم قالُوا: ذَهابُه ورُجُوعُه سَعْيَةٌ. وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ جابِرًا قال في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ ﷺ : ثم نَزَل إلى المَرْوةِ، حتى

стр. 4204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا انْصَبَّتْ (١) قَدَماه، رَمَل في بَطنِ الوَادِى، حتى إذا صَعِدَتا مَشَى، حتى إذا أُتِى المَرْوَةَ فَعَل على المَرْوَةِ كما فَعَلى على الصَّفَا، فلمّا كان آخِرُ طَوافِه على المَرْوَةِ قال: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَم أَسُقِ الهَدْىَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً». وهذا يَقْتَضِى أنَّه آخِرُ طَوافِه، ولو كان على ما ذَكَرُوه، كان آخِرُه عندَ الصَّفَا، في المَوْضِعِ الذى بَدَأ منه، ولأنَّه في كُلِّ مَرَّةٍ طائِفٌ بهما، فاحْتَسَبَ بذلك مَرَّةً، كما إذا طافَ بجَمِيعِ البَيْتِ، احْتَسَبَ به مَرَّةً. فصل: ويَفْتَتِحُ بالصَّفَا، ويَخْتِمُ بالمَرْوَةِ؛ لأنَّ الترتِيبَ شَرْطٌ في السَّعْىِ كذلك، فإن بَدَأَ بالمَرْوَةِ لم يَحْتَسِبْ بذلك الشَّوْطِ، فإذا صارَ إلى الصَّفَا اعْتَدَّ بما يَأْتِى به بعدَ ذلك؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ بَدَأ بالصَّفَا، وقال: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأ اللهُ بهِ». وهذا قَوْلُ الحسنِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. فبَدَأ بالصَّفَا، وقال: اتَّبِعُوا القُرْآنَ، فما بَدَأ اللهُ به، فابْدَءُوا به.

стр. 4205

وَيُسْتَحَبُّ انْ يَسْعَى طاهِرًا مُسْتَتِرًا مُتَوَالِيًا. وَعَنْهُ، أنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهِ. ــ فصل: والرَّمَلُ في السَّعْىِ سُنَّةٌ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ سَعَى، وسَعَى أصحابُه، فرَوَتْ صَفِيَّةُ بنتُ شَيْبَةَ، عن أُمِّ وَلَدِ شَيْبَةَ، قالت: رَأيْتُ رسوِلَ اللهِ في يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ويقولُ: «لَا يُقْطَعُ الأبْطَحُ إلَّا شَدًّا». وليس ذلك بواجِبٍ، ولا شئَ على تارِكِه؛ فإنَّ ابنَ عُمَرَ قال: إن أسْعَ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْعَى، وإن أمْشِ، فقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَمْشِى، وأنا شَيْخٌ كَبِيرٌ. رَواهما ابنُ ماجَه، وأبو داودَ (١). ولأنَّ تَرْكَ الرَّمَلِ في الطَّوافِ بالبَيْتِ لا شئَ فيه، فبينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أوْلَى. ١٢٧٦ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَسْعَى طاهِرًا مُسْتَتِرًا مُتَوالِيًا. وعنه، أنَّ ذلك مِن شَرائِطِه) المُسْتَحَبُّ لمَن قَدَر على الطَّهارَةِ أن لا يَسْعَى
следующие страницы →