← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رَواه حَنْبَلٌ في «المَناسِك». وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما، أنَّه قال: في الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وفى الجَزْلَةِ شاةٌ. قال: والدَّوْحَةُ: الشَّجَرَةُ العَظِيمَةُ، والجَزْلَةُ: الصَّغِيرَةُ. ونحوُه عن عَطاءٍ. ولأنَّه مَمْنُوعٌ منه؛ لحُرْمَةِ الحَرَمِ، فضُمِن، كالصَّيْدِ، ويُخالِفُ المُحْرِمَ، فإنَّه لا يُمْنَعُ مِن قَطْع شَجَرِ الحِلِّ، ولا زَرْعِ الحَرَم. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الكَبِيرَةَ ببَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بشَاةٍ، والحَشِيشَ بقِيمَتِه، والغُصْنَ بما نَقَص، كأعْضاءِ الحَيَوانِ. وبه قال الشافعىُّ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَضْمَنُ الكُلَّ بقِيمَتِه. وعن أحمدَ مثلُ ذلك. وعنه، في الغُصْنِ الكَبِيرِ شاةٌ. ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىْ ما يَحْرُمُ إتْلافُه، فكان فيه ما يُضْمَنُ بمُقَدَّرٍ، كالصَّيْدِ. فإن قَطَع غُصْنًا أو حَشِيشًا، فاسْتَخْلَفَ، سَقَط ضَمانُه، كما لو قَطَع شَعَرَ آدَمِىٍّ فنَبَتَ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَسْقُطُ؛ لأنَّ الثانِىَ غيرُ الأوَّلِ، فهو كما لو حَلَق المُحْرِمُ شَعَرًا، فعادَ. فصل: ومَن قَلَع شَجَرَةً مِن الحَرَمِ، فغَرَسَها في مَكانٍ آخَرَ، فيَبِسَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه أتْلَفَها. وإن غَرَسَها في الحَرَمِ، فنَبَتَتْ، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه لم يُتْلِفْها، ولم يُزِلْ حُرْمَتَها، وإن نَقَصَتْ، ضَمِنَ نَقْصَها.

стр. 4132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن غَرَسَها في الحِلِّ فَنَبَتَتْ، فعليه رَدُّها إليه؛ لأنَّه أزَالَ حُرْمَتَها. فإن تَعَذَّرَ رَدُّها، أو رَدَّها فيَبِسَتْ، ضَمِنَها. وإنْ قَلَعَها غيرُه مِن الحِلِّ، فقال القاضى: الضَّمانُ على الثانى؛ لأنَّه أتْلَفَهَا. فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَجِبُ على المُخْرِجِ، كالصَّيْدِ إذا نَفَّرَه إنْسَانٌ مِن الحَرَمِ، فقَتَلَه إنْسانٌ في الحِلِّ،

стр. 4133

وَمَنْ قَطع غُصْنًا في الْحِلِّ أصْلُهُ في الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ. فَإِنْ قَطَعَهُ في الْحَرَمِ وَأَصْلُهُ في الْحِلِّ، لَمْ يَضْمَنْهُ، فِى أحَدِ الْوَجْهَيْنِ. ــ فإنَّ الضَّمانَ على المُنَفِّرِ؟ قُلْنا: الشَّجَرُ لا يَنْتَقِلُ بنَفْسِه، ولا تَزُولُ حُرْمَتُه بإخْراجِه، ولهذا وَجَب على مُخْرِجِه رَدُّه, والصَّيْدُ يكونُ تارَةً في الحَرَمِ، وتارَةً في الحِلِّ، فمَن نَفَّرَه فقد فَوَّتَ حُرْمَتَه، فلَزِمَه جَزاؤُه، وهذا لم يُفوِّتْ حُرْمَتَه (١) بالِإخْرَاجِ، فكان الجَزاءُ على المُتْلِفِ؛ لأنَّه أتْلَفَ شَجَرًا حَرَمِيًّا مُحَرَّمًا إتْلافُه. ١٢٥٢ - مسألة: (وإن قَطَع غُصْنًا في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ، ضَمِنَه. وإن قَطَع غُصْنًا في الحَرَمِ أصْلُه في الحِلِّ، لم يَضْمَنْه، في أحَدِ

стр. 4134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَجْهَيْن) إذا كانتِ الشَّجَرَةُ في الحَرَمِ غُصْنُها في الحِلِّ، فعلى قاطِعِه الضَّمانُ؛ لأنَّه تابِعٌ لأصْلِه، وإن كانت في الحِلِّ وغُصْنُها في الحَرَمِ، لم يَضْمَنْه، في أحَدِ الوَجْهَيْن. اخْتارَه القاضى؛ لأنَّه تابعٌ لأصْلِه، فهى كالتى قَبْلَها. وفى الآخَرِ، يَضْمَنُه. اخْتارَه ابنُ أبى موسى؛ لأنَّه في الحَرَم. فإن كان بعضُ الأصْلِ في الحَرَمِ، وبعضُه في الحِلِّ، ضَمِنَ الغُصْنَ، سَوَاءٌ كان في الحِلِّ، أو في الحَرَمِ، تَغْلِيبًا لحُرْمَةِ الحَرَمِ، كالصيدِ الواقِفِ بعضُه في الحِلِّ، وبعضُه في الحَرَم. فصل: يُكْرَهُ إخْراجُ تُرابَ الحَرَمِ وحَصاه؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ وابنَ عمرَ كَرِهاه. ولا يُكْرَهُ إخْراجُ ماءِ زَمْزَمَ؛ لأنَّه يُسْتَخْلَفُ، فهو كالثّمَرَةِ.

стр. 4135

فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا، إِلَّا مَا تَدْعُو ــ فصل: قال، ﵀: (ويَحرُمُ صَيْدُ المَدِينَةِ وشَجَرُها وحَشِيشُها،

стр. 4136

الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ شَجَرِهَا لِلرَّحْلِ وَالْعَارِضَةِ وَالْقَائِمَةِ وَنَحْوِهَا، وَمِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ. وَمَنْ أَدْخَلَ إِلَيْهَا صَيْدًا, فَلَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ. ــ إلَّا ما تَدْعُو الحاجَةُ إليه مِن شَجَرِها للرَّحْلِ والعارِضَةِ القائِمَةِ ونَحْوِها، ومِن حَشِيشِها للعَلَفِ. ومَن أدْخَلَ إليها صَيْدًا، فله إمْساكُه وذَبْحُه). صَيْدُ المَدِينَةِ وشَجَرُها وحَشِيشُها حَرامٌ. وبه قال مالك، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْرُمُ؛ لأنَّه لو كان مُحَرَّمًا لَبَيَّنه النَّبِى ﷺ بَيانًا عامًا، ولَوَجَبَ فيه الجَزاءُ، كصَيْدِ الحَرَمِ. ولَنا، ما روَى على، رَضِىَ الله عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، [مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ] (١)». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وروَى تَحْرِيمَ المَدِينَةِ أبو هُرَيْرَةَ، ورافِعٌ، وعبدُ اللهِ بنُ زَيْدٍ في

стр. 4137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُتَّفَقِ عليه (١)، ورَواه مسلمٌ (٢) عن سَعْدٍ، وجابِرٍ، وأنَسٍ، رَضِىَ الله عنهم. وهذا يَدُلُّ على تَعْمِيمِ البَيانِ، وليس هو في الدَّرَجَةِ دُونَ أخْبارِ تَحْرِيمِ الحَرَم، وقد قبِلُوه وأثْبَتُوا أحْكامَه، على أنَّه ليس بمُمْتَنعٍ أن يُبَيِّنَه بَيانًا خاصًّا، أَو بَيَّنَهَ بَيانًا عامًّا، فيُنْقَلُ خاصًّا، كصِفَةِ الأذانِ والوِتْرِ والإقامَةِ. فصل: ويُفارِقُ حَرَمُ المَدِينَةِ حَرَمَ مَكَّةَ في شَيْئَيْن؛ أحدُهما، أنَّه يَجُوزُ أن يُؤْخَذَ مِن شَجَرِ حَرَمِ المَدِينَةِ ما تَدْعُو الحاجَةُ إليه، للمَسانِدِ والوَسائِدِ والرَّحْلِ، ومِن حَشِيشِها ما يُحْتاجُ إليه للعَلَفِ؛ لِما روَى الِإمامُ أحمدُ (٣)، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ ﷺ لَمَّا حَرَّمَ المَدِينَةَ، قالوا: يَا رسولَ اللهِ، إنَّا أصحابُ عَمَلٍ، وأصحابُ نَضحٍ (٤)، وإنَّا لا

стр. 4138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَسْتَطِيعُ أرْضًا غيرَ أرْضِنا، فَرَخِّصْ لنا. فقال: «القَائِمَتَانِ، وَالوِسَادَةُ، وَالعَارِضَةُ، وَالمَسَدُ (١)، فأمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ، وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَئٌ». قِيلَ: المَسَدُ (١) مِرْوَدُ البَكَرَةِ. فاسْتَثْنَى ذلك، وجَعَلَه مُباحًا، كاسْتِثْناءِ الإِذْخِرِ بمَكَّةَ. وعن علىٍّ رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ ﷺ ، قال: «المَدِينَةُ حَرَامٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ (٢) إلَى ثَوْرٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَصْلُحُ أنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ، إلَّا أنْ يَعْلِفَ زَجُل بَعِيرَهُ». رَواه أبو داودَ (٣). ولأنَّ المَدِينَةَ يَقْرُبُ منها شَجَرٌ وزَرْعٌ، فلو مَنَعْنا مِن احْتِشاشِها، أفْضَى إلى الضَّرَرِ، بخِلافِ مَكَّةَ. الثانى، أن مَن صادَ مِن خارِجِ المدينَةِ صَيْدًا، ثم أدْخَلَه إليها لم يَلْزَمْه إرْسَالُه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ كان يقولُ: «يَا أَبا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» (٤). وهو طائِرٌ صَغِيرٌ. فظاهِرُ هذا أنَّه أباحَ إمْساكَه بالمَدِينَةِ،

стр. 4139

وَلَا جَزَاءَ في صَيْدِ الْمَدِينَةِ. وَعَنْهُ، جَزَاؤُهُ سَلَبُ الْقَاتِلِ لِمَنْ أخَذَهُ. ــ ولم يُنْكِرْ ذلك. وحُرْمَة مَكَّةَ أعْظَمُ مِن حُرْمَةِ المَدِينَةِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَدْخُلُها إلَّا مُحْرِمٌ، وإذا جازَ إمْساكُ الصَّيْدِ فيها، جازَ ذَبْحُه فيها، كغيرِها. ١٢٥٣ - مسألة: (ولا جَزاءَ في صَيْدِ المَدِينَةِ. وعنه، جَزاؤُه سَلَبُ القاتِلِ لمَن أخَذَه) ليس في صَيْدِ المَدينَةِ وشَجَرِها جَزاءٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّه مَوْضِغ يَجُوزُ دُخُولُه بغيرِ إحْرامٍ، فلم يَجِبْ فيه جَزاءٌ، كصَيْدِ وَجٍّ (١). والثانيةُ، فيه الجَزاءُ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ أبى ذِئْبٍ. وهو قَوْلُ الشافعىِّ القَدِيمُ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: «إنِّى أُحَرِّمُ المَدِينَةَ مِثْلَ مَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ» (٢). ونَهَى أن يُعْضَدَ شَجَرُها، ويُؤْخَذَ طَيْرُها (٣)، فوَجبَ في هذا

стр. 4140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحَرَمِ الجَزاءُ، كما وَجَبَ في ذلك، إذ لم يَظْهَرْ بَيْنَهما فَرْقٌ. وجَزاؤُه إباحَةُ سَلَبِ القاتِلِ، لِمَن (١) أخَذَه؛ لِما روَى مسلمٌ (٢)، بإسْنادِه، عن عامِرِ بنِ سَعْدٍ، أنَّ سَعدًا، رَضِىَ الله عَنه، رَكِبَ إلى قَصْرِه بالعَقِيقِ، فوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا ويَخْبِطُه، فسَلَبَه، فلمّا جاءَ سَعْدٌ جاءَه أهْلُ العَبْدِ، فكَلَّمُوه أن يَرُدَّ على غُلامِهِم أو عليهم، فقال: مَعاذَ اللهِ أن أرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيه رسولُ اللهِ ﷺ . وأربى أن يَرُدَّ عليهم. وعن سعدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ , قال: «مَنْ وَجَدَ أحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ». رَواه أبو داودَ (٣). فعلى هذا

стр. 4141

وَحَدُّ حَرَمِهَا مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ، وَجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى. ــ يُباحُ لمَن وَجَد آخِذَ الصَّيْدِ، أو قاتِلَه، أو قاطِعَ الشَّجَرِ، سَلَبُه، وهو أخْذُ جَمِيعِ ثِيابِه، حتى السَّرَاوِيلِ. فإن كان على دابَّةٍ لم يَمْلِكْ أخْذَها؛ لأنَّ الدَّابَّةَ ليست مِن السَّلَبِ، وإنَّما أَخَذَها قاتِلُ الكافِرِ في الجهادِ؛ لأنَّها يُسْتَعانُ بها على (١) الحَرْبِ، بخِلافِ مسألتِنا. فإن لم يَسْلُبُه أحَدٌ، فلا شئَ عليه سوى التَّوْبَةِ. ١٢٥٤ - مسألة: (وحَدُّ حَرَمِها بينَ ثَوْرٍ إلى عَيْرٍ. وجَعَل النبىُّ ﷺ حَوْلَ المَدِينَةِ اثْنَىْ عَشرً مِيلًا حِمًى) حَدُّ حَرَمِ المَدِيتَةِ ما بَيْنَ لابَتَيْها؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا

стр. 4142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ». مُتَّفَقٌ عليه (١). واللَّابَةُ: الحَرَّةُ، وهى أرْضٌ بِها حِجارَةٌ سُودٌ. قال أحمدُ، ﵀: ما بينَ لابتَيْها حَرامٌ. بريدٌ في بَرِيدٍ، كذا فَسَّرَه مالكُ بنُ أنَسٍ. والبَرِيدُ أرْبَعَةُ فَرَاسِخَ. وروَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ جَعَل حَوْلَ المَدينَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى. رَواه مسلمٌ (٢). وقد روَى علىٌّ، رَضِىَ الله عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «حَرَمُ المدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). قال أهْلُ العِلْمِ بالمَدِينَةِ:

стр. 4143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا نَعْرِف بها ثَوْرًا ولا عَيْرًا، وإنَّما هُما جَبلان بمَكَّةَ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ ﷺ أَرادَ قَدْرَ ما بينَ ثَوْرٍ وعَيْرٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ جَبَلَيْن بالمَدِينَةِ، وسَمّاهُما ثَوْرًا وعَيْرًا تَجَوُّزًا (١). واللهُ تَعالَى أعْلَمُ.

стр. 4144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَحْرُمُ صَيْدُ وَجٍّ ولا شَجَرُه، وهو وادٍ بالطّائِفِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَحْرُمُ؛ لأنّ النبىَّ ﷺ ، قال: «صَيْدُ وَجٍّ وَعِضَاهُهَا مُحَرَّمٌ». رَواه الإِمامُ أحْمَدُ (١). ولَنا، أنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، والحَدِيثُ

стр. 4145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضَعَّفَه أحمدُ، ذَكَرَه أبو بكْرٍ الخَلَّالُ، في كتابِ «العِلَلِ» (١).

стр. 4146

بَابُ ذِكْرِ دُخُولَ مَكَّةَ يُسْتَحَبُّ أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أعْلَاهَا، مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، ــ بابُ ذِكرِ دُخُولِ مَكَّةَ يُسْتَحَبُّ الاغْتِسَالُ لدُخُولِ مَكَّةَ؛ لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا دَخَل أدْنَى الحَرَمِ أمْسَكَ عن التَّلْبِيَةِ، ثم يَبِيتُ بذِى طُوَى، ثم يُصَلِّى به الصُّبْحَ ويَغْتَسِلُ، ويُحَدِّثُ أنَّ النبىَّ ﷺ ، كان يَفْعَلُ ذلك. رَواه البخارىُّ (١). ولأنَّ مَكَّةَ مَجْمَعُ أهْلِ النُّسُكِ، فإذا قَصَدَها اسْتُحِبَّ له الاغْتِسَالُ، كالخارِجِ إلى الجُمُعَةِ. والمَرْأةُ كالرَّجُلِ، وإن كانت حائِضًا، لقَوْلِ النبىِّ ﷺ لعائشةَ، وقد حاضَتْ: «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطوفِى بِالْبَيْتِ» (٢). ولأنَّ الغُسْلَ يُرادُ للتَّنْظِيفِ، وهو يَحْصُلُ مع الحَيْضِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وفَعَلَه عُرْوَةُ، والأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ، وعَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ، والحارثُ بنُ سُوَيْدٍ (٣). ١٢٥٥ - مسألة (ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخلَ مَكَّةَ مِن أعْلَاها، مِن ثَنِيَّةِ

стр. 4147

ثُمَّ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِى شَيْبَةَ. ــ كَدَاءٍ، ثم يَدْخُلَ المَسْجِدَ مِن بابِ بَنِى شَيْبَةَ) لِما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ ﷺ دَخَل مَكَّةَ مِن الثَّنِيَّةِ العُلْيَا التى بالبَطْحَاءِ، وخَرَجَ مِن السُّفْلَى. ورَوَتْ عائِشَةُ، أنّ النبىَّ ﷺ لَمّا جاءَ مَكَّةَ دَخَلَ مِن أعْلاهَا، وخَرَجَ بِن أسْفَلِها. مُتَّفَقٌ عليهما (١). ولا بَأْسَ بدُخُولِها لَيْلًا ونَهارًا. لأنَّ النبىَّ ﷺ دَخَل مَكَّةَ لَيْلًا ونَهارًا، رَواهما النَّسائىُّ (٢). فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخُلَ المَسْجدَ مِن بابِ بَنِى شَيْبَةَ؛ لِما روَى

стр. 4148

فَإِذَا رَأى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ، وقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَشْريفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ، مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ ــ جابِرٌ في حَدِيثِه، أنَّ النبىَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفاعَ الضُّحَى، وأناخَ راحِلَتَه عندَ بابِ بَنِى شَيْبَةَ، ودَخَلَ المَسْجِدَ. رَواهُ مسلمٌ وغيرُه (١). ١٢٥٦ - مسألة: (فإذا رَأى البَيْت رَفَعَ يَدَيْه وَكَبَّرَ، وقال: اللَّهُمَّ أنْتَ السّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، حَيِّنا رَبَّنَا بالسَّلامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هذا البَيْتَ تَعْظِيمًا وتَشريفًا وتَكْرِيمًا ومَهابَةً وبِرًّا، وزِدْ مَن عَظَّمَه

стр. 4149

تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، الْحَمْدُ لِلّه رِبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ، وَالحَمْدُ لِلّه اِلَّذِى بَلَّغَنِى بَيْتَهُ، وَرَآنِى لِذَلِكَ أهْلًا، وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إلَى حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى، وَاعْفُ عَنِّى، وَأصْلِحْ لِى شَأْنِى كُلَّهُ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ. يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ. ــ وشَرّفَه، مِمَّن حَجَّه واعْتَمَرَه تَعْظِيمًا وتَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا ومَهابَةً وبرًّا، الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ كَثِيرًا كما هو أهْلُه، وكما يَنْبَغِى لكَرَم وَجْهِه وعِزِّ جَلالِه) وعَظِيمِ شَأْنِه (الحمدُ للهِ الذى بَلَّغَنِي بَيْتَه، ورَآنِى لذلك أهْلًا، والحمدُ لله عِلى كُلِّ حالٍ، اللهُمَّ إنَّكَ دَعَوْتَ إلى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرامِ، وقد جِئْتُك لذلك، اللهُمّ تَقَبَّلْ مِنِّى، واعْفُ عَنِّى، وأصلِحْ لى شَأنِى كُلّه، لا إله إلَّا أَنْتَ. يَرْفَعُ بذلك صَوْتَه) يُسْتَحَبُّ رَفْعُ اليَدَيْن عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ.

стр. 4150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يروَى ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعىُّ، وإسحاقُ. وكان مالكٌ لا يَرَى رَفْعَ اليَدَيْنِ؛ لِما رُوِىَ عن المُهاجِرِ المَكِّىِّ قال: سُئِلَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، عن الرجلِ يَرَى البَيْتَ، أيَرْفَعُ يَدَيْه؟ فقال: ما كُنْتُ أظُنُّ أحَدًا يَفْعَلُ هذا إلَّا اليَهُودَ، حَجَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ فلم نَكُنْ نَفْعَلُه. رَواه النَّسائىُّ (١). ولَنا، ما روَى ابنُ المُنْذِرِ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لَا تُرفَعُ الأيدِى إلَّا فِى سَبْعَةِ مَوَاطِنَ؛ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، واسْتِقْبَالِ البَيْتِ، وَعَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَعَلَى المَوْقِفَيْنِ، وَالجَمْرَتَيْنِ» (٢). وهذا قولُ النبىِّ ﷺ , وذلك قولُ جابِرٍ وخَبَرُه عن ظَنِّه وفِعْلِه، وقد خالَفَه ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ. ولأنَّ الدُّعاءَ مُسْتَحَبٌّ عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ، وقَدْ أُمِرَ برَفْع اليَدَيْن عندَ الدُّعَاءِ.

стр. 4151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ بالدُّعاءِ الذى ذَكَرْناه؛ لِما روَى ابنُ جُرَيْجٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا رَأى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْه، وقال: «اللهُمَّ زِدْ هذَا البَيْتَ تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا وتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَه تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا». وعن سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان حينَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، يقولُ: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بالسَّلَامِ. رَواهُما الشافعىُّ بإسْنادِه (١). وباقِى الدُّعاءِ ذَكَرَه الأثْرَمُ وإبْرَاهِيمُ الحَرْبِى. قال بعضُ أصحابِنا: ويَرْفَعُ بذلك صَوْتَه، وما زادَ في الدُّعاءِ فحَسَنٌ. فصل: إذا دَخَل المَسْجِدَ، فذَكَرَ صلاةً مَفْرُوضَةً أو فائِتَةً، أو أُقِيمَتِ الصلاةُ المَكْتُوبَةُ، قَدَّمَهما على الطَّوافِ؛ لأنَّ ذلك فَرْضٌ، والطَّوافُ تَحِيَّةٌ، ولأنَّه لو أُقِيمَتِ الصلاةُ وهو في طَوافِه، قَطَعَه لأجْلِها، فَلَأن يَبْدَأَ بها أوْلَى. وإن خافَ فَواتَ رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، أو الوِتْرِ، أو حَضَرَتْ جِنازَةٌ، قَدَّمَها؛ لأنَّها تَفُوتُ، بخِلافِ الطَّوافِ.

стр. 4152

ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، أوْ طَوَافِ الْقُدُومِ، إنْ كَانَ مُفْرِدًا أوْ قَارِنًا. ــ ١٢٥٧ - مسألة: (ثم يَبْتَدِئُ بطوافِ العُمْرَةِ، إن كان مُعْتَمِرًا، وبطوافِ القُدومِ، إن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا) يُسْتَحَبُّ لمَن دَخَل المَسْجِدَ أن يَبْدَأ بالطَّوافِ بالبَيْتِ اقْتِداءً برسولِ اللهِ ﷺ ، فإنَّ جابِرًا قال في حَدِيِثه: حتى أتَيْنَا البَيْتَ معه، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فرَمَلَ ثَلاثًا، ومَشَى أرْبَعًا (١). وعن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبِى ﷺ ، حينَ قَدِمَ مَكَّةَ، تَوَضَّأ، ثم طافَ بالبَيْتِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وغيرِهم. ولأنَّ الطوافَ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، فاسْتُحِبَّ البِدايَةُ به، كما اسْتُحِبَّ لداخِلِ غيرِه مِن

стр. 4153

وَيَضْطَبع بِرِدَائِهِ، فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الأيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ. ــ المساجِدِ البِدايَةُ بتَحِيَّةِ المَسْجدِ بصلاةِ رَكْعَتَيْن. فإنْ كان مُعْتَمِرًا، بَدَأ بطوافِ العُمْرَةِ، ولم يَحْتَجْ إلًّا أن يَطوفَ لها طَوافَ قُدُومٍ؛ لأنَّ المَقْصُودَ به تَحِيَّةُ المَسْجِدِ، ومَن دَخَل المَسْجِدَ وقد قامَتِ الصلاةُ، اشْتَغَلَ بها، وأجْزَأتْ عن تَحِيَّةِ المَسْجِدِ، كذلك ههُنا. وإن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا بَدَأ بطَوافِ القُدُومِ، وهو سُنَّةٌ بغَيْرِ خِلافٍ. ١٢٥٨ - مسألة: (ويَضْطَبعُ برِدائِه، فيَجْعَلُ وَسَطَه تحتَ عاتِقِه الأيمَنِ، وَطَرَفَيْه على عاتِقِه الأيْسَرِ) صِفَةُ الاضْطِباعِ ما ذَكَرَه ههُنا، وهو مَأخُوذٌ مِن الضَّبْع، وهو عَضُدُ الإنسانِ، افْتِعالٌ منه، وكان أصْلُه اضْتَبَعَ، فقَلَبُوا التّاءَ طاءً؛ لأنَّ التَّاءَ متى وَقَعَتْ بعد صادٍ أو ضادٍ أو طاءٍ ساكِنَةٍ قُلِبَتْ طَاءً. وهو مُسْتَحَبٌّ في طَوافِ القُدُومِ, وطَوافِ العُمْرَةِ للمُتَمَتِّعِ، ومَن في مَعْناه؛ لِما روَى أبو داودَ، وابنُ ماجَه (١)، عن يَعْلَى

стр. 4154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنِ أُمَيَّةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ طافَ مُضْطَبِعًا. ورَوَيَا (١) عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَه اعْتَمَرُوا مِن الجِعْرانَةِ، فرَمَلُوا بالبَيْتِ، وجَعَلُوا أرْدِيَتَهم تحتَ آباطِهم، ثم قَذَفُوها على عَواتِقِهم اليُسْرَى. وبه قال الشافعىّ، وكَثِيرٌ مِن أهلِ العِلْمِ. وقال مالكٌ: ليس الاضْطِباعُ بسُنَّةٍ. وقال: لم أسْمَعْ أحَدًا ببلدِنا يَذْكُرُ أنَّ الاضْطِباعَ سُنَّة. وقد ثَبَت بما رَوَيْنا أنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَه فَعَلُوه، وقد أمَرَ اللهُ تَعالى باتِّبَاعِه. وقد روَى أسْلَمُ (٢) عن عمرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه اضْطَبَعَ ورَمَلَ، وقال: ففيمَ الرَّمَلُ؟ ولِمَ نُبْدِى مَناكِبَنا وقد نَفَى الله المُشْرِكِينَ؟ بل لن نَدَعَ شَيْئًا فَعَلْناه على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ . رَواه أبو داودَ (٣). فصل: فإذا فَرَغ مِن الطَّوافِ سَوَّى رِداءَه؛ لأنَّ الاضْطِباعَ غيرُ مُسْتَحَبٍّ في الصلاةِ. وقال الأثْرَمُ: يُزِيلُ الاضْطِباعَ إذا فَرَغ مِن الرَّمَلِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ قولَه: طافَ النَّبِى ﷺ مُضْطَبِعًا. يَنْصَرِفُ إلى جَمِيعِه. ولا يَضْطَبعُ في السَّعْىِ. وقال الشَّافعىُّ: يَضْطَبعُ؛ لأنَّه أحَدُ

стр. 4155

ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَيُحاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ، وَيُقَبِّلُهُ، وَإنْ شَاءَ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ، وَإنْ شَاءَ أشَارَ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللهِ وَالله أَكْبَرُ، إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ . كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ. ــ الطَّوافَيْن، فأشْبَهَ الطَّوافَ بالبَيْتِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ لم يَضْطَبع فيه، والسُّنَّةُ في الاقْتِداءِ به. قال أحمدُ، ﵀: ما سَمِعْنا فيه شَيْئًا. ولا يَصِحُّ القِياسُ إلَّا فيما عُقِلَ مَعْناه، وهذا تَعَبُّدٌ مَحْضٌ. ١٢٥٩ - مسألة: (ثم يَبْتَدِئُ مِن الحَجَرِ الأسْوَدِ، فيُحاذِيه بجَمِيع بَدَنِه، ثم يَسْتَلِمُه، ويُقَبِّلُه، وإن شاء اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه، وإن شاءَ أشارَ إليه، ثم يقولُ: اللهُ أكْبَرُ إيمانًا بك، وتَصْدِيقًا بكِتابِكَ، ووَفَاءً بعَهْدِكَ، واتِّباعًا لسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ . كُلَّمَا اسْتَلَمَه) يَبْتَدِئُ الطَّوافَ مِن الحَجَرِ الأسْوَدِ، فيُحاذِيه بجَمِيعِ بَدَنِه، فإن حاذاه ببعضِه احْتَمَلَ أن يُجْزِئَه؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالبَدَنِ، فأجْزَأ فيه بَعْضُه، كالحَدِّ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنّ النبىَّ ﷺ اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ، واسْتَلَمَه. وظاهِرُ هذا أنَّه اسْتَقْبَلَه بجَمِيع بَدَنِه، ولأنَّ ما لَزِمَه اسْتِقْبالُه لَزِمَه بجَمِيع بَدَنِه،

стр. 4156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالقِبْلَةِ. فإذا قُلْنا بوُجُوبِ ذلك، فلم يَفْعَلْه، أول بَدَأ بالطَّوافِ مِن دُونِ الرُّكْنِ، كالبابِ ونحوِه، لم يُحْتَسَبْ له بذلك الشَّوْطِ، ويُحْتَسَبُ بالشَّوْطِ الثانِى وما بعدَه، ويَصِيرُ الثانِى أوَّلَه؛ لأنَّه قد حاذَى فيه الحَجَرَ بجَمِيع بَدَنِه، وأتَى على جَمِيعِه، فمتَى أكمَلَ سَبْعَةَ أشْوَاطٍ غيرَ الأوَّلِ صَحَّ طَوافُه، وأجْزَأه، وإلَا فلا. فصل: ثم يَسْتَلِمُه، ويُقَبِّلُه، ومَعْنَى الاسْتِلامِ المَسْحُ باليَدِ، مَأْخُوذٌ مِن السِّلَامِ، وهى الحِجَارَةُ، فإذا مَسَح الحَجَرَ، قِيلَ: اسْتَلَمَ. أى:

стр. 4157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَسَّ السِّلامَ. قالَه ابنُ قُتَيْبَةَ (١)، وذلك لِما روَى أسْلَمُ، قال: رَأيْتُ عمرَ ابنَ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، قَبَّلَ الحَجَرَ، وقال: إنِّي لأعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَوْلَا أنِّى رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وروَى ابنُ ماجَه (٣)، عن ابنِ عمرَ، رَضِىَ الله عنه، قال: اسْتَقْبَلَ رسولُ اللهِ ﷺ الحَجَرَ ثم وَضَعَ شَفَتَيْه عليه يَبْكِى طَوِيلًا، ثم الْتَفَتَ، فإذا هو بعمرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، يَبْكِى، فقال: «يَا عُمَرُ، ههُنا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ». فإن لم يَكُنِ الحَجَرُ مَوْجُودًا - والعِياذُ باللهِ- فإَّنه يَقفُ مُقابِلًا لمكانِه، ويَسْتَلِمُ الرُّكْنَ. فإن شَقَّ اسْتِلامُه

стр. 4158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتَقْبِيلُه، اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وجابِرٍ، وأبى هُرَيْرَة، وأبى سعيدٍ، وابنِ عباسٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وقال مالكٌ: يَضَعُ يَدَه على فِيهِ مِن غيرِ تَقْبِيلٍ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ اسْتَلَمَه، وقَبَّلَ يَدَه. رَواهُ مسلمٌ (١). فإن شَقَّ عليه، اسْتَلَمَه بشئٍ في يَدِه، وقَبَّلَه. رَواهُ ابنُ عباسٍ مَرْفُوعًا. أخْرَجَه مسلم (٢). وإلَّا قامَ بحِذَائِه واسْتَقْبَلَه بوَجْهِه، وأشارَ إليه، وكَبَّرَ وهَلَّل. وكذا إنْ طافَ راكِبًا، لِما روَى البُخَارِىُّ (٣)، عن ابنِ عباسٍ، قال: طافَ النبىُّ ﷺ

стр. 4159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على بَعِيرٍ كُلَّما أتَى الحَجَرَ أشارَ إليه بشَئٍ في يَدِه وَكَبَّرَ. فإن أمْكَنَه اسْتِلامُه بشئٍ في يَدِه كالعَصَا ونحوِه، فَعَل، فقد روَى ابنُ عباسٍ أنَّ النبىَّ ﷺ طافَ في حَجَّةِ الوَداعِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ (١). وهذا كُلُّه مُسْتَحَبٌّ. ويُسْتَحَبُّ أن يقولَ عندَه ما روَى عبدُ اللهِ بنُ السائِبِ، أنَّ النبىَّ

стр. 4160

ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ، ويَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ. فَإِذَا أتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِىِّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ. ــ ﷺ قال عندَ اسْتِلامِه: «بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أكْبَرُ، إيمَانًا بكَ، وتَصْدِيقًا بكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِك، وَاتِّباعًا لسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ » (١). يقولُ ذلك كُلَّما اسْتَلَمَه. ١٢٦٠ - مسألة: (ثم يَأْخُذُ على يَمِينِه، ويَجْعَلُ البَيْتَ على يسارِه) لأنَّ النبىَّ ﷺ طافَ كذلك، وقد قال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُم» (٢). ولأنَّ الله تعالى أمَر بالطَّوافِ مُجْمَلًا، وَبَيَّنَهَ النبىُّ ﷺ بفِعْلِه. ١٢٦١ - مسألة: (فإذا أتَى على الرُّكْنِ اليَمانىِّ اسْتَلَمَه وقَبَّلَ يَدَه)

стр. 4161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرُّكْن اليَمانِىُّ قِبْلَة أهْلِ اليَمَنِ، وهو آخِر ما يمرُّ عليه مِن الأرْكَانِ في طَوِافِه؛ لأنَّه يَبْدأُ بالرُّكْنِ الذى فيه الحَجَرُ الأسْوَدُ، وهو قِبْلَةُ أهْلِ خرَاسان، ثم يَأْخُذُ على يَمِينِ نَفْسِه، فيَنْتَهِى إلى الرُّكْن الثانى، وهو العِراقِىُّ، ثم يَمُرُّ بالثالِثِ، وهو الشّامِىُّ، وهذان الرُّكْنان يليانِ الحِجْرَ، ثم يَأْتِى على الرَّابعِ، وهو الرُّكْنُ اليَمانِىُّ، واسْتِلامُه مُسْتَحَبٌّ، ولا يُسْتَحَبُّ تقبيلُه. وقال الخِرَقِىُّ: يُقَبِّلُه. والصَّحِيحُ عن أحمدَ الأوَّلُ. وهو قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن أبى حَنيفةَ، أنَّه لا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): جائِزٌ عندَ أهْلِ العِلْمِ أن يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ، والرُّكْنَ الأسْوَدَ، لا يَخْتَلِفُونَ في شئٍ مِن ذلك، وإنَّما الذى فَرَّقُوا به بينَهما التَّقْبيلُ، فرَأوْا تَقْبِيلَ الأسْودِ، ولم يَرَوْا تَقْبِيلَ اليَمانِىِّ، وأمّا اسْتِلامُهما، فأَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عليه. قال: وقد روَى مُجاهِدٌ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ قَبَّلَه ووَضَع خَدَّه الأيمَنَ عليه (٢). قال:

стр. 4162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا لا يَصِحُّ، إنَّما يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ في الحَجَرِ الأسْوَدِ وَحْدَه، وقد روَى ابنُ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان لا يَسْتَلِمُ إلَّا الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمانِىَّ. وقال ابنُ عمرَ: ما تَرَكْتُ اسْتِلامَهما منذُ رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهما، في شِدَّةٍ ولا رَخاءٍ. رَواهما مسلمٌ (١). ولأنَّ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ مَبْنِىٌّ على قَواعِدِ إبراهيمَ ﵇، فسُنَّ اسْتِلامُه، كالرُّكْنِ الأسودِ. فأمَّا تَقْبِيلُه، فلم يَصِحَّ عن النبيِّ ﷺ ، فلا يُسَنُّ. فصل: وأمّا العِراقِىُّ، والشّامِىُّ، وهما الرُّكْنان اللَّذان يَلِيان الحِجْرَ فلا يُسَنُّ اسْتِلامُهما في قَوْلِ الأكْثَرِينَ. ورُوِىَ عن أنَسٍ، ومُعاوِيَةَ، وجابِرٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، والحسنِ، والحسينِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، اسْتِلامُهما. قال مُعاوِيَةُ: ليس شئٌ مِن البَيْتِ مَهْجُورًا. ولَنا، قولُ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما: إنَّ رسولَ اللهِ في كان لا يَسْتَلِمُ إلَّا الحَجَرَ، والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ. وقال: ما أرَاه- يَعْنِى النبىَّ ﷺ لم يَسْتَلِمَ الرُّكْنَيْن اللَّذَيْن يَلِيان الحِجْرَ، إلَّا لأنَّ البَيْتَ لم يَتِمَّ على قَواعِدِ إبراهيمَ، ولا طافَ

стр. 4163

وَيَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ مِنْهَا، وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْى مَعَ تَقَارُبِ الخُطَى، وَلَا يَثِبُ وَثْبًا، وَيَمْشِى أرْبَعًا. ــ النّاسُ مِن وَراءِ الحِجْرِ إلَّا لذلك (١). وروَى ابنُ عباسٍ (٢)، أنَّ مُعاوِيَةَ طافَ، فجَعَلَ يَسْتَلِمُ الأرْكانَ كُلَّها، فقال له ابنُ عباسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هذَيْن الرُّكْنَيْن، ولم يَكُنِ النبيُّ ﷺ يَسْتَلِمُهما؟ فقال مُعاوِيَةُ: ليس شئٌ مِن هذا البَيْتِ مَهْجُورًا. فقال ابنُ عباسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣). فقال مُعاوِيَةُ: صَدَقْتَ. ولأنَّهُما لم يَتِمَّا على قَواعِدِ إبراهيمَ، ﵇، فلم يُسْنُّ اسْتِلامُهما، كالحائِطِ الذى يَلى الحِجْرَ. ١٢٦٢ - مسألة: (ويَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأْوَلِ منها؛ وهو إسْرَاعُ المَشْىِ مع تَقارُب الخُطىَ، ولا يَثِبُ وَثْبًا، ويَمْشِى أرْبَعًا)

стр. 4164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَجِبُ الطَّوافُ سَبْعًا؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ طافَ سَبْعًا. ويَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأُوَلِ منها مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ، ومَعْنَى الرَّمَلِ: إسْراعُ المَشْىِ مع مُقارَبَةِ الخَطْوِ مِن غيرِ وَثْبٍ. وهو سُنَّةٌ في الأشْواطِ الثَّلاثَةِ مِن طَوافِ القُدُومِ، وطَوافِ العُمْرَةِ للمُتَمَتِّعِ. لا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ فيه خِلافًا. ويَمْشِى أرْبَعَةَ أشْواطٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ رَمَل ثَلاثَةَ أشْواطٍ، ومَشَى أرْبَعًا. رَوِاه جابِرٌ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهم. وأحادِيثُهم مُتَّفقٌ عليها (١). فإن قِيلَ: إنَّما رَمَل النبيُّ ﷺ وأصحابُه لإِظْهارِ الجَلَدِ

стр. 4165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للمُشْرِكِين، ولم يَبْقَ ذلك المَعْنَى، إذْ قد نَفَى اللهُ المُشْرِكِين، فَلِمَ قُلْتُم: إنَّ الحُكْمَ يَيْقَى بعدَ زَوالِ عِلَّتِه؟ قُلْنا: قد رَمَلَ النبىُّ ﷺ أصْحابُه واضْطَبَعَ في حَجَّةِ الوَداعِ بعد الفَتْحِ، فثَبَتَ أنَّها سُنَّةٌ ثابِتَةٌ. وقال ابنُ عباس: رَمَل النبيُّ ﷺ في عُمَرِه كُلِّها، وفى حَجِّه، وأبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعثمانُ، والخُلَفاءُ مِن بعدِه. رَواه الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» (١). وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ عمرَ. إذا ثَبَت أنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ في الأشْواطِ الثَّلاثَةِ، فإنَّه يرمُلُ مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ، لا يَمْشِى في شئٍ منها. رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، واييه، وابنِ مسعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وقال طاوُسٌ، وعطاءٌ، والحسنُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والقاسِمُ، وسالِمُ بنُ عبدِ اللهِ: يَمْشِى ما بينَ الرُّكْنَيْن؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: قَدِم رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه مَكَّةَ، وقد وَهَنَتْهم الحُمَّى، فقال المُشْرِكُون: إنَّه يَقْدَمُ عليكم قَوْمٌ قد وَهَنَتْهم حُمَّى يَثْرِبَ، ولَقَوْا منها شَرًّا. فأطْلَعَ الله نَبِيَّه ﷺ على ما قَالُوا، فلَمّا قَدِمُوا قَعَد المُشْرِكُونَ مِمّا يَلِى الحِجْرَ، فأمَرَ النبيُّ ﷺ أصحابَه أن يَرْمُلُوا الأشْواطَ الثَّلاثَةَ، ويَمْشُوا ما بينَ الرُّكْنَيْن؛ ليَرَى المُشْرِكُونَ جَلَدَهم، فلَمّا رَأوْهم رَمَلُوا، قال المُشْرِكُونَ: هؤلاء الذين زَعَمْتُم أنَّ الحُمَّى قد وَهَنَتْهم! هؤلاء أجْلَدُ منَّا. قال ابنُ عباسٍ: ولم يَمْنَعْه أن يَأْمُرَهم

стр. 4166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يَرْمُلُوا الأشْواطَ كُلَّها إلَّا الإِبقاءُ عليهم. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ رَمَل مِن الحَجَرِ إلى الحَجَرِ (٢). ومن رِوايَةِ مسلمٍ (٣) عن جابِرٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ رَمَل مِن الحَجَرِ حتى انْتَهَى إليه. وهذا يُقَدَّمُ على حديثِ ابنِ عباسٍ؛ لوُجُوهٍ، منها: أنَّ هذا إثْباتٌ، ومنها: أنَّ رِوايَةَ ابنِ عباسٍ إخْبارٌ عن عُمْرَةِ القضيَّةِ، وهذا إخْبارٌ عن فِعْلِه في حَجَّةِ الوَداعِ، فيكونُ مُتَأخِّرًا، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ومنها: أنَّ ابنَ عباسٍ كان صَغِيرًا في تلك الحالِ، وجابرٌ وابنُ عُمَرَ كانا رَجُلَيْن يَتَّبعان أفْعالَ النبيِّ ﷺ ، ويَحْرِصَان على حِفْظِها، فهما أعْلَمُ. ويَحْتَمِلُ أَن يكونَ ما قالَه ابنُ عباسٍ اخْتَصَّ بالذِينَ كانُوا في عُمْرَةِ القَضيَّةِ لضَعْفِهم والإِبقاءِ عليهم، وما رُوِّيناه سُنَّةٌ في سائِرِ النّاسِ.

стр. 4167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يُسَنُّ الرَّمَلُ في غيرِ الأشْواطِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ مِن طَوافِ القُدُومِ، [أوْ طَوافِ] (١) العُمْرَةِ، فإن تَرَك الرَّمَلَ والاضْطِباعَ فيها لم يَقْضِه في الأرْبَعَةِ الباقِيَةِ؛ لأنَّها هَيْئَةٌ فاتَ موضِعُها، فسَقَطَتْ، كالجَهْرِ في الرَّكْعَتَيْن الأوَّلَتَيْن، ولأنَّ المَشْىَ هَيْئَةٌ في الأرْبَعَةِ، كما أنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ في الثَّلاثَةِ، فإذا رَمَل في الأرْبَعَةِ الأخِيرَةِ كان تارِكًا للهَيْئَةِ في جَمِيع طَوافِه، كمَن تَرَكَ الجَهْرَ في الأوَّلَتَيْن مِن العِشاءِ، وجَهَر في الآخِرَتَيْنِ. فإن تَرَكَ الرَّمَلَ في شَوْطٍ مِن الثَّلاثَةِ الأُوَلِ أتَى به في الاثْنَيْن الباقِيَيْن، وإن تَرَكَه في اثْنَيْن أتَى به في الثالِثِ. كذلك قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ تَرْكَه للهَيْئَةِ في بعضِ مَحلِّها لا يُسْقِطها في بَقِيَّةِ مَحلِّها، كتاركِ الجَهْرِ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْن الأوَّلَتَيْن، لا يُسْقِطه في الثانِيَةِ. فصل: وإن نَسِىَ الرَّمَلَ، فليس عليه إعادَةٌ؛ لأنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ، فلم تَجِبِ الإعادَةُ بتَرْكِه، كهَيْئاتِ الصلاةِ، وكالاضْطِباعِ في الطَّوافِ. ولو تَرَكَه عَمْدًا، لم يَلْزَمْه. شئٌ. وبه قال عامَّةُ العُلَماءِ. وحُكِىَ عن الحسنِ،

стр. 4168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثَّوْرِيِّ، وابنِ الماجِشُون، أنَّ عليه دَمًا؛ لأنَّه نُسُكٌ. وقد جاءَ في الحديثِ عن النبيِّ ﷺ : «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ» (١). ولَنا، أنَّها هَيْئَةٌ فلم يَجِبْ بتَرْكِها شئٌ، كالاضْطِباعِ. والحَدِيثُ إنَّما يَصِحُّ عن ابنِ عباسٍ، وقد قال: مَن تَرَك الرَّمَلَ فلا شئَ عليه. ثم قد خُصَّ بالاضْطِباعِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِن البَيْتِ في الطَّوافِ؛ لأنَّه المَقْصُودُ، فإن كان قُرْبَه زِحامٌ، فظَنَّ أنَّه إذا وَقَف لم يُؤْذِ أحَدًا، وتَمَكَّنَ مِن الرَّمَلِ، وَقَف ليَجْمَعَ بينَ الرَّمَلِ والدُّنُوِّ مِن البَيْتِ، وإن لم يَظنَّ ذلك، وظَنَّ أنَّه إذا كان في (٢) حاشِيَةِ النّاسِ تَمَكَّنَ مِن الرَّمَلِ، فَعَل، وكان أوْلَى مِن الدُّنُوِّ. وإن كان لا يَتَمَكَّنُ مِن الرَّمَلِ أيضًا، أو يَخْتَلِطُ بالنِّساءِ، فالدُّنُوُّ أوْلَى، ويَطُوفُ كيفما أمْكَنَه، فإذا وَجَد فُرْجَةً رَمَلَ فيها، وإن تَباعَدَ مِن البَيْتِ أجْزَأه، ما لم يَخْرُجْ مِن المَسْجِدِ، سَواءٌ حالَ بينَه وبينَ البَيْتِ حائِلٌ مِن قُبَّةٍ أو غيرِه، أو لم يَحُلْ؛ لأنَّ الحائِلَ لا يَضُرُّ في المَسْجِدِ، كما لو صَلَّى مُؤْتَمًّا بالإمامِ مِن وراءِ حائِلٍ، فقد رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها،

стр. 4169

وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِىَّ، اسْتَلَمَهُمَا أوْ أشَارَ إِلَيْهِمَا. وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ: اللهُ أكْبَرُ وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ. ــ قالت: شَكَوْتُ إلى رسولِ ﷺ أنِّى أشْتَكِى، فقال: «طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ». قالت: فَطُفْتُ ورسولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّى إلى جَنْبِ البَيْتِ. مُتَّفقٌ عليه (١). ١٢٦٣ - مسألة: (وكُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ والرُّكْنَ اليَمانِىَّ، اسْتَلَمَهُما أو أشارَ إليهما. ويقولُ كُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكْبَرُ) يُسْتَحَبُّ اسْتِلامُ الحَجَرِ والرُّكْنِ اليَمَانِيِّ في طَوافِه؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يَدَعُ أن يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمانِىَّ والحَجَرَ،

стр. 4170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في كُلِّ طَوْفَةٍ. قال نافِعٌ: وكان ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُه. رَواه أبو داودَ (١). فإن شَقَّ عليه اسْتِلامُهما، أشارَ إليهما؛ لما روَى البخارىُّ (٢)، بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، قال: طافَ رسولُ اللهِ ﷺ على بَعِيرٍ، كُلَّمَا أتَى الرُّكْنَ أشارَ بِيَدِه، وكَبَّرَ. فصل: ويُكَبِّرُ كُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ الأسْوَدَ؛ لِما رَوَيْناه، ويقولُ: لا إلهَ إلَّا الله واللهُ أكْبَرُ. قالت عائشةُ رَضِىَ اللهُ عنها: قال رسولُ اللهِ ﷺ :
следующие страницы →