← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَتَسْمَعُ كَلَامِى، وَتَعْلَمُ سِرِّى وَعَلَانِيَتى، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَئٌ مِنْ أمْرِى، أنَا البَائِسُ الفَقِيرُ، المُسْتَغِيثُ المُسْتَجِيرُ، الوَجِلُ المُشْفِقُ، المُقِرُّ المُعْتَرِفُ بِذَنْبِه، أسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ المِسْكِينِ، وأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتهَالَ المُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الخَائِفِ المُسْتجِيرِ، مَنْ خَضَعَتْ (١) لَكَ رَقَبَتُه، وذَلَّ لَكَ جَسَدُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنُهُ، وَرَغَمَ (٢) لَكَ أنْفُهُ» (٣). ورُوِّينا عن سُفْيانَ الثَّوْرِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا، وهو مُسْتَلْقٍ بعَرَفَةَ، يقولُ: إلهِى مَنْ أوْلَى بِالزَّلَلِ والتَّقْصِيرِ مِنِّى وقد خَلَقْتَنِى ضَعِيفًا، ومَنْ أوْلَى بالعَفْوِ عَنِّى مِنْكَ وعِلْمُكَ فىَّ سابِقٌ، وأمْرُكَ بى مُحِيطٌ، أطَعْتُكَ بإذْنِكَ والمِنَّةُ لك، وعَصيْتُكَ بعِلْمِكَ والحُجَّةُ لك، فأسْألُكَ بوُجُوبِ حُجَّتِكَ وانْقِطَاعِ حُجَّتِى، وبفَقْرِى إليكَ، وغِنَاكَ عَنِّى، أن تَغْفِرَ لِى وتَرْحَمَنِى. إلهِى لم أُحْسِنْ حتى أعْطَيْتَنِى، ولم أُسِئْ، حتى قَضَيْتَ علىَّ، اللَّهُمَّ أطعْتُكَ بنِعْمَتِكَ في أحب الأشْياءِ إليك، شَهَادَةِ أن لا إلهَ إلَّا اللَّه، ولم أعْصِكَ في أبْغَضِ الأشْياءِ إليك، الشِّرْكِ بك، فاغْفِرْ لى ما بينَهما، اللَّهُمَّ أنت أُنْسُ المُؤْنِسينَ لأوْلِيَائِك، وأقْرَبُهم بالكِفَايَةِ مِن المُتَوكِّلين عليك، تُشَاهِدُهم في ضَمائِرِهم، وتَطَّلِعُ على سَرائِرِهم، وسِرِّى اللَّهُمَّ لك مَكْشُوفٌ، وأنا إليك مَلْهُوفٌ، إذا أوْحَشَتْنِى الغُرْبَةُ

стр. 4237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ آنَسنِى ذِكْرُكَ، وإذا أصْمَتْ (١) على الهُمُومُ لجَأْتُ إليك، اسْتِجَارَةً بك، عِلْمًا بأنَّ أزِمَّةَ الأُمُورِ بيَدَيْكَ، ومَصْدَرَها عن قَضَائِكَ. وكان إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الحَرْبىُّ يقولُ: اللَّهُمَّ قد آوَيْتَنِى مِن ضَناىَ، وبَصَّرْتَنِى مِن عَمَاىَ، وأنْقَذْتَنِى مِن جَهْلِى وجَفَاىَ، أسْألكَ ما يَتِمُّ به فَوْزِى، وما أُؤمِّلُ في عاجِلِ دُنْياىَ ودِينِى، ومَأْمُولِ أجَلِى ومَعَادِى، ثم ما لا أَبْلُغُ أداءَ شُكْرِه، ولا أنالُ إحْصاءَه وذِكْرَه، إلَّا بتَوْفِيقِكَ وإلْهامِكَ، أنْ هَيَّجْتَ قَلْبِىَ القَاسِىَ على الشُّخُوصِ إلى حَرَمِك، وقَوَّيْتَ أرْكانِىَ الضَّعِيفَةَ لزِيارَةِ عَتِيقِ بَيْتك، ونَقَلْتَ بَدَنِى لإِشْهَادِى مَواقِفَ حَرَمِكَ، اقْتِدَاءً بسُنَّةِ خَلِيلِكَ، واحْتِذاءً على مِثالِ رسولِكَ، واتباعًا لآثارِ خِيرَتِكَ وأنبِيائِكَ وأصْفِيائِكَ، صلّى اللَّهُ عليهم، وأدْعُوكَ في مَواقِفِ الأنْبِيَاءِ، ﵈، ومَناسِكِ السُّعداءِ، ومَشاهِدِ الشُّهَداءِ، دُعاءَ مَن أتَاكَ لرَحْمَتِك رَاجيًا، وعن وَطَنِه نائِيًا، ولِقَضاءِ نُسُكِه مُؤَدِّيًا، ولفَرائِضِك قاضيًا، ولكِتابِك تالِيًا، ولرِّبه دَاعِيًا مُلبيًا، ولقَلْبِه شاكِيًا، ولذَنْبِه خاشِيًا، ولحَظِّه مُخْطِئًا، ولرَهْنِه مُغْلِقًا، ولنَفْسِه ظالِمًا، ولجُرْمِه عالِمًا، دُعاءَ مَن عَمَّتْ عُيُوبُه، وكَثُرَتْ ذُنُوبُه، وتَصَرَّمَتْ أيّامُه، واشْتَدَّتْ فاقَتُه، وانْقَطَعَتْ مُدَّتُه، دُعاءَ مَن ليس لذَنْبِه سواكَ غافِرًا، ولا لعَيْبِه غَيْرُكَ مُصْلِحًا، ولا لضَعْفِه غَيْرُكَ مُقَوِّيًا، ولا لكَسْرِه غَيْرُكَ جابِرًا، ولا لمَأْمُولِ خَيْرٍ غَيْرُكَ مُعْطِيًا، اللَّهُمَّ وقد أصْبَحْتُ في بَلَدٍ حَرامٍ، ويَوْمٍ حَرامٍ في شَهْرٍ حَرامٍ،

стр. 4238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في قِيامٍ مِن خَيْرِ الأنامِ، أسْأَلُكَ أن لا تَجْعَلَنِى أشْقَى خَلْقِكَ المُذْنِبينَ عندَك، ولا أخْيَبَ الرَّاجِين لَدَيْكَ، ولا أحْرَمَ الآمِلِينَ لرَحْمَتِك الزَّائِرِين لبَيْتك، ولا أخْسَرَ المُنْقَلِبِين مِن بلادِكَ، اللَّهُمَّ وقد كان مِن تَقْصِيرِى ما قد عَرَفْتَ، ومِن تَوْبِيقِى نَفْسِى ما قد عَلِمْتَ، ومِن مَظالِمِى ما قد أحْصَيْتَ، فكَم مِن كَرْبٍ منه قد نَجَّيْت، وكم مِن غَم قد جَلَّيْتَ، ومِن هَمٍّ قد فَرَّجْتَ، ودُعاءٍ قد اسْتَجَبْتَ، وشِدَّةٍ قد أزَلْتَ، ورَجاءٍ قد أنَلْتَ، مِنْكَ النَّعْماءُ، وحُسْنُ القَضاءِ، ومِنِّى الجَفاءُ، وطولُ الاسْتِقْصَاءِ، والتَّقْصِيرُ عن أداءِ شُكْرِكَ، لك النَّعْماءُ يا مَحْمُودُ، فلا يَمْنَعُكَ يا مَحْمُودُ مِن إعْطائِى مسألَتِى مِن حاجَتِى إلى حيثُ انْتَهَى لها سُؤْلِى ما تَعْرِف مِن تَقْصِيرِى، وما تَعْلَمُ مِن ذُنُوبِى وعُيُوبِى، اللَّهُمَّ فأدْعُوكَ راغِبًا، وأنْصِبُ لَكَ وَجْهِى طالِبًا، وأضَعُ لَكَ خَدِّى مُذْنِبًا راهِبًا، فَتَقَبَّلْ دُعائِى، وارْحَمْ ضَعْفِى، وأصْلِحِ الفَسادَ مِن أمْرِى، واقْطعْ مِن الدُّنْيَا هَمِّى، واجْعَلْ فيما عندَك رَغْبَتِى، اللَّهُمَّ واقْلِبْنِى مُنْقَلَبَ المُدْرِكِين لرَجائِهم، المَقْبُولِ دُعاؤُهم، المَفْلُوجِ حُجَّتُهُم (١)، المَبْرُورِ حَجُّهم، المَغْفُورِ ذَنْبُهم، المَحْطُوطِ خَطَايَاهُم، المَمْحُوِّ سَيِّئَاتُهم، المَرْشُودِ أمْرُهُم، مُنْقَلَبَ مَن لا يَعْصِى لَكَ بَعْدَه أمْرًا، ولا يَأْتِى مِن بَعْدَه مَأْثَمًا، ولا يَرْكَبُ بَعْدَه جَهْلًا، ولا يَحْمِلُ بَعْدَه وِزْرًا، مُنْقَلَبَ مَن عَمَّرْتَ قَلْبَه بذِكْرِكَ، ولِسَانَه بشُكْرِك، وطَهَّرْتَ الأدْناسَ مِن بَدَنِه، واسْتَوْدَعْتَ

стр. 4239

وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوع الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، فمَنْ حَصَلَ بِعَرَفةَ فِى شَىْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ عَاقِلٌ، تَمَّ حَجُّهُ. ــ الهُدَى قَلْبَه، وشَرَحْتَ بالإِسْلامِ صَدْرَه، وأقْرَرْتَ بعَفْوِكَ قبلَ المَمَاتِ عَيْنَه، وأغْضَضْتَ عن المَآثِمِ بَصَرَه، واسْتُشْهِدَتْ في سَبِيلِكَ نَفْسُه، يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين، وَصلَّى اللَّهُ على سَيِّدِنا محمدٍ وعلى آلِه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، كما يُحِبُّ رَبُنا ويَرْضَى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللَّه العَلِىِّ العَظِيمِ. ويَدْعُو بما أحَبَّ مِن الدُّعاءِ والذِّكْرِ إلى غُرُوبِ الشمسِ. فصل: (ووَقْتُ الوُقُوفِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ عَرَفَةَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ النَّحْرِ، فمَن حَصَل بعَرَفَةَ في شئٍ مِن هذا الوَقْتِ وهو عاقِل، تَمَّ حَجُّه) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ العُلَماءِ، أنَّ آخِرَ وَقْتِ الوُقُوفِ طُلُوعُ الفَجْرِ مِن يومِ النَّحْرِ. قال جابِر، رَضِىَ اللَّه عنه: لا يَفُوتُ الحَجُّ حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ مِن لَيْلَةِ جَمْع. قال أبو الزُّبَيْرِ: فقُلْتُ له: أقَالَ رسولُ اللَّه ﷺ ذلك؟ قال: نَعَمْ. رَواه الأثْرَمُ (١). وأمّا أوَّلُه فمِن طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ

стр. 4240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَرَفةَ، فمتى حَصَل بعَرَفَةَ في شئٍ مِن هذا الوَقْتِ وهو عاقِلٌ، فقد تَمَّ حَجُّه. وقال مالكٌ، والشافعىُّ: أوَّلُ وَقْتِه زَوالُ الشمس يومَ عَرَفَةَ. واخْتاره أبو حَفْص العُكْبَرِىُّ. وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ ذلك إجْماعًا؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ إنَّما وَقَف بعدَ الزَّوَالِ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنا هَذِه، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» (١). ولأنَّه مِن يومِ عَرَفَةَ، فكانَ وَقْتًا للوُقُوفِ، كما بعدَ الزَّوالِ، وتَرْكُ الوُقُوفِ فيه لا يَمْنَعُ كَوْنَه وَقْتًا له، كما بعدَ العِشاءِ. وإنَّما وَقَفُوا في وَقْتِ الفَضِيلَةِ، ولم يَسْتَوْعِبُوا وَقْتَ الوُقُوفِ. فصل: وكيفما حَصَل بعَرَفَةَ وهو عاقل أجْزَأه؛ قائِمًا، أو جالِسًا، أو راكِبًا، أو نائِمًا وإن مَرَّ بها مُجْتازًا (٢)، فلم يَعْلَمْ أنَّها عَرَفَةُ، أجْزأَه أيضًا. وبه قال مالك، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يُجْزِئُه، لأنَّه لا يكونُ واقِفًا إلَّا بالإرادَةِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇:

стр. 4241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أوْ نَهَارًا». ولأنَّه حَصَل بعَرَفَةَ في زَمَنِ الوُقُوفِ وهو عاقِلٌ، فأجْزَأه، كما لو عَلِم. وإن وَقَف وهو مُغْمًى عليه أو مَجْنُونٌ، ولم يُفِقْ حتى خَرَج منها، لم يُجْزِئْه. وهو قولُ الحسنِ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال عَطاءٌ في المُغْمَى عليه: يُجْزِئُه. وهو قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى. وقد تَوَقَّفَ أحمدُ في هذه المسألةِ، وقال: الحَسَنُ يَقُولُ: بَطَل حَجُّه، وعَطاء يُرَخِّصُ فيه. وذلك لأنَّه لا يُعْتَبَرُ له نِيَّةٌ ولا طَهارَةٌ، ويَصِحُّ مِن النّائِمِ، فصَحَّ مِن المُغْمَى عليه، كالمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه رُكْنٌ مِن أرْكانِ الحَجّ، فلم يَصِحَّ مِن المُغْمَى عليه، كسائِرِ أرْكانِه. قال ابنُ عَقِيلٍ: والسَّكْرانُ كالمُغْمَى عليه؛ لأنَّه زائِلُ العَقْلِ بغيرِ نَوْم. فأمّا النّائِمُ فهو في حُكْمِ المُسْتَيْقِظِ، يُجْزِئُه الوُقُوفُ. فصل: وتُسَنُّ له الطَّهارَةُ. قال أحمدُ: يُسْتَحَبُّ أن يَشْهَدَ المَنَاسِكَ كلَّها على وُضُوءٍ، كان عَطاءٌ يقولُ: لا يُقْضَى شئٌ مِن المَناسِكِ إلَّا على وُضُوءٍ. ولا يَجِبُ ذلك. وحَكَاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا. وفى قولِ النبىِّ

стр. 4242

وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ، فَاتَهُ الْحَجُّ. وَمَنْ وَقَفَ بِهَا نَهَارًا، وَدَفَعَ قَبْلَ ــ ﷺ لعائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ» (١). دَلِيلٌ على أنَّ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ جائِزٌ على غيرِ طهارةٍ. ووَقَفَتْ عائشةُ بعَرَفَةَ حائِضًا، بأمْرِ النبىِّ ﷺ . ولا يُشْتَرَطُ سِتارَةٌ، ولا اسْتِقْبالٌ، ولا نِيَّةٌ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لا تُشْتَرَطُ له الطهارةُ، فلم يُشْتَرَطْ له شئٌ مِن ذلك، قِياسًا عليها. ١٢٨٧ - مسألة: (ومَن فاتَه ذلك، فاتَهُ الحَجُّ) لقولِ النبىِّ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْع، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ». رَواه أبو داودَ (٢). يَدُلُّ على فَواتِه بخُرُوجِ لَيْلَةِ جَمْعٍ. ولحَديثِ جابِرٍ الذى ذَكَرْناه. ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، ولأنَّه رُكْنٌ للعِبادَةِ، فلم يَتمَّ بدُونِه، كسائِرِ العِباداتِ. ١٢٨٨ - مسألة: (ومَن وَقَف بها نَهارًا، ودَفَع قبلَ غُرُوبِ

стр. 4243

غُرُوبِ الشَّمْسِ، فعَليْهِ دَمٌ. ــ الشمسِ، فعليه دَمٌ) يَعْنِى أنَّه يَجِبُ عليه الوُقُوفُ إلى غُرُوبِ الشمسِ؛ ليَجْمَعَ بينَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في الوُقُوفِ بعَرَفَةَ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ فَعَل ذلك. رَواه جابِرٌ وغيرُه. وقال ﵇: «خُذُوا عنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (١). فإن دَفَع قبلَ الغُرُوبِ، فحَجُّه صَحِيحٌ في قولِ جَماعَةِ الفُقهاءِ، إلَّا مالكًا، فإنَّه قال: لا حَجَّ له. قال ابنُ عبد البَرِّ (٢): لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن العُلَماءِ قال بقولِ مالكٍ، ووَجْهُ قولِه ما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ أدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ، فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَات بِلَيْلى، فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَلْيُحْلِلْ بعُمْرَةٍ، وعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (٣). ولَنا، ما روَى عُرْوَةُ بنُ مُضَرِّسٍ، قال: أَتَيْتُ النبىَّ ﷺ بالمُزْدَلِفَةِ، حينَ خَرَج إلى الصَّلاةِ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّه، إنِّى جِئْتُ مِن جَبَلِ طَىٍّ، أكْلَلْتُ راحِلَتِى، واتعَبْتُ نَفْسِى، واللَّهِ ما تَرَكْتُ

стр. 4244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن جَبَلٍ إلَّا وقَفْتُ عليه، فهل لى مِن حَجٍّ؟ فقالَ رسوِلُ اللَّه ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هذِه، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفعَ، وَقَدْ وَقَف بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، لَيْلًا أوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» (١). قال التِّرْمِذِىّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه وَقَف في زَمَنِ الوُقُوفِ، أشْبَهَ اللَّيْلَ. فأمَّا خَبَرُه، فإنَّما خَصَّ اللَّيْلَ؛ لأنَّ الفَواتَ يَتَعَلَّقُ به إذا كان بعدَ النَّهارِ، فهو آخِرُ وَقْتِ الوُقُوفِ، كما قال ﵇: «مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمس فَقَدْ أدْرَكَهَا» (٢). وعلى مَن دَفَع قبلَ الغُرُوبِ دَمٌ في قَوْلِ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، ومَن تَبِعَهم؛ لقَوْلِ ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: مَن تَرَك نُسُكًا فعليه دَمٌ (٣). ويُجْزِئُه شاة. وقال ابنُ جُرَيْجٍ: عليه بَدَنَةٌ. ونَحْوُه قولُ الحسنِ. ولَنا، أنَّه واجِبٌ لا يَفْسُدُ الحَجُّ بفَواتِه، فلم يُوجِبْ بَدَنَةً، كالإِحْرامِ مِن المِيقاتِ.

стр. 4245

وَإنْ وَافَاهَا لَيْلًا فَوَقَفَ بِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. ــ فصل: فإن دَفَع قبلَ الغُرُوبِ، ثم عادَ نَهارًا، فوَقَفَ حتى غَرَبَتِ الشمسُ فلا دَمَ عليه. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال الكُوفِيُّونَ، وأبو ثَوْرٍ: عليه دَمٌ؛ لأنَّه بالدَّفْع لَزِمَه الدَّمُ، فلم يَسْقُطْ برُجُوعِه، كما لو عادَ بعدَ الغُرُوبِ. ولَنا، أنَّه أتى بالواجِبِ، وهو الوُقُوفُ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، فلم يَجِبْ عليه دَمٌ، كمَن تجاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، ثم رَجَع فأحْرَمَ منه. فإن لم يَعُدْ حتى غَرَبَتِ الشمسُ فعليه دَمٌ؛ لأنَّ عليه الوُقُوفَ حالَ الغُرُوبِ، وقد فاتَه بخُرُوجِه، فأشْبَهَ مَن تَجاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِم، فأحْرَمَ دُونَه، ثم عادَ إليه. ١٢٨٩ - مسألة: (ومَن وافَاها لَيْلًا فوَقَفَ بها، فلا دَمَ عليه) إذا

стр. 4246

ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً أَسْرَعَ. ــ لم يَأْتِ عَرَفةَ حتى غابَتِ الشمسُ، ولم يُدْرِكْ جُزْءًا مِن النَّهارِ، فوَقَفَ بها لَيْلًا، فقد تَمَّ حَجُّه، ولا شئَ عليه. لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ أدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ، فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ» (١). ولأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا مِن النَّهارِ، فأشْبَهَ مَن مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ إذا أَحْرَمَ منه. ١٢٩٠ - مسألة: (ثم يَدْفَعُ بعدَ غُرُوبِ الشمسِ إلى مُزْدَلِفَةَ، وعليه السَّكِينَةُ) والوَقارُ (فإذا وَجَد فَجْوَةً أسرعَ) لقَوْلِ جابِرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في حَدِيثِه: فلم يَزَلْ واقِفًا حتى غَرَبَتِ الشمسُ وذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حتى غابَ القُرْصُ، فأرْدَفَ أسامَةَ خَلْفَه، ودَفع رسولُ اللَّه ﷺ ، وقد شَنَق القَصْواءَ بالزِّمامِ، حتى إنَّ رَأسَها ليُصِيبُ مَورِكَ رَحْلِه، ويقول بيَدِه اليُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» (٢). وقال أُسامَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: كان رسولُ اللَّه ﷺ يَسِيرُ العَنَقَ (٣)، فإذا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. يَعْنِى أسْرَعَ. قال هِشامٌ: النَّصُّ فوقَ العَنَقِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤).

стр. 4247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ دَفْعُه مع الإِمامِ، أو الوَالِى الذى إليه أمْرُ الحَجِّ مِن قِبَلِه، ولا يَنْبَغِى للنَّاسِ أن يَدْفَعُوا حتىِ يَدْفَعَ. قال أحمدُ: ما يُعْجِبُنِى أن يَدْفَعَ إلَّا مع الإِمامِ. وسُئِلَ عن رجل دَفع قبلَ الإِمامِ بعدَ غُرُوبِ الشمسِ، قال: ما وَجَدْتُ عن أحَدٍ أنه سَهَّلَ فيه، كُلُّهم يُشَدِّدُ فيه. فصل: ويكونُ مُلَبِّيًا ذاكِرًا للَّهِ ؛ لأنَّ ذِكْرَ اللَّه مُسْتَحَبٌّ في كلِّ الأوْقاتِ، وهو في هذا الوَقْتِ أشَدُّ تَأْكيدًا، لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ (١). الآية. ولأنَّه زَمَنُ الاسْتِشْعارِ بطاعَةِ اللَّه تعالى، والتَّلَبُّس بعِبادَتِه، والسَّعْى إلى شَعائِرِه. ويُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ. وقال قَوْم: لا يُلَبِّى. ولَنا، ما روَى الفَضْلُ بنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ ﷺ لم يَزَلْ يُلَبِّى حتى رَمَى الجَمْرَةَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢).

стр. 4248

فَإِذَا وَصَلَ مُزْدَلِفةَ، صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ. ــ ويُستَحَبُّ أن يَمْضِىَ على طَرِيقِ المَأْزِمَيْن (١)؛ لأنَّه رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ سَلَكَها (٢). وإن سَلَك غيرَها، جازَ؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ به. ١٢٩١ - مسألة: (فإذا وَصَل مُزْدَلِفَةَ، صَلَّى المَغْرِبَ والعِشاءَ قبلَ حَطِّ الرِّحالِ) السُّنَّةُ لمَن دَفَع مِن عَرَفَةَ أن لا يُصَلِّىَ المَغْرِبَ حتى يَصِلَ مُزْدَلِفَةَ، فيَجْمَعَ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، لا اخْتِلافَ بينَهم، أنَّ السُّنَّةَ أن يَجْمَعَ الحاجُّ بجَمْعٍ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ جَمَع بينَهما. رواه جابِرٌ، وابنُ عُمَرَ، وأسامَةُ (٣)، وغيرُهم. وأحادِيثُهم صِحاحٌ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَجْمَعَ قبلَ حَطِّ الرِّحالِ، وأن يقيِمَ لكلِّ صلاةٍ إقامَةً؛ لِما روَى أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما، قال: دَفع رسولُ اللَّه ﷺ مِن عَرَفَةَ، حتى إذا كان بالشِّعْبِ نَزَل فَبَالَ، ثم تَوَضَّأَ، فقُلْتُ له:

стр. 4249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصلاةَ يا رسولَ اللَّه. فقال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فرَكِبَ، فلَمَّا جاءَ مُزْدَلِفَةَ نَزَل فتَوَضَّأَ فأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثم أُقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلَّى المَغْرِبَ، ثم أناخَ كلُّ إنْسانٍ بَعِيرَه في مَنْزِلِه، ثم أقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلَّى، ولم يُصَلِّ بينَهما. مُتَّفَقٌ عليه (١). ومِمَّن رُوِى عنه أنَّه يَجْمَعُ بينَهما بإقامَتَيْن بلا أذانٍ؛ ابنُ عُمَرَ، وسالِمٌ، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، والشافعىُّ، وإسحاقُ. وإنِ اقْتَصَرَ على إقامَةٍ للأولَى فلا بَأْسَ. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ أيضًا. وبه قال الثَّوْرِىُّ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما، قال: جَمَع رسولُ اللَّه ﷺ بينَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بجَمْع، صَلَّى المَغْرِبَ ثَلاثًا، والعِشاءَ رَكْعَتَيْن، بإِقامَةٍ واحِدَةٍ. رَواه مسلمٌ (٢). وإن أذَّنَ للأولَى وأقامَ للثانِيَةِ، فحَسَنٌ؛ فإنَّه مَرْوِىٌّ في حَدِيثِ جابِرٍ، وهو مُتَضَمِّنٌ للزِّيادَةِ، وهو مُعْتَبَرٌ بسائِرِ الفَوائِتِ والمَجْمُوعاتِ. وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ، وأبى ثَوْرٍ. واخْتارَ

стр. 4250

وَإنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِى الطرَّيقِ، تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَهُ. ــ الخِرَقِىُّ القولَ الأوَّلَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هو آخِرُ قَوْلَىْ أحمدَ؛ لأنَّ رَاوِيَه أُسامَةُ، وهو أعْلَمُ بحالِ رسولِ اللَّه ﷺ ؛ فإنَّه كان رَدِيفَه، وإنَّما لم يُؤَذَّنْ للأولَى ههُنا؛ لأنَّها في غيرِ وَقْتِها، بخِلافِ المَجْمُوعَتَيْن بعَرَفَةَ. وقال مالكٌ: يَجْمَعُ بينَهما بأذانَيْن (١) وإقامَتَيْن. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وابنِ مسعودٍ. واتباعُ السنَّةِ أوْلَى. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): لا أعْلَمُ فيما قالَه مالكٌ حَدِيثًا مَرْفُوعًا بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ. وقال قَوْمٌ: إنَّما أمَرَ عمرُ بالتَّأْذِينِ للثَّانِيَةِ؛ لأنَّ النّاسَ كانُوا قد تَفَرَّقُوا لعَشائِهِم، فأذَّنَ لجَمْعِهم، وكذلك ابنُ مسعودٍ، فإنَّه كان يَجْعَلُ العَشاءَ بمُزْدَلِفَةَ بينَ الصَّلَاتيْن. فصل: والسُّنَّةُ أن لا يَتَطَوَّعَ بينَهما. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُهم يَخْتَلِفُونَ في ذلك. وقد رُوِى عن ابن مسعودٍ، أنه يَتَطَوَّعُ بينَهما. ورَواه عن النبىِّ ﷺ (٣). ولَنا، حَدِيثُ أُسامَةَ وابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ ﷺ لم يُصَلِّ بينَهما. وحَدِيثُهما أصَحُّ. ١٢٩٢ - مسألة: (وإن صَلَّى المَغْرِبَ في الطرَّيقِ، تَرَك السُّنَّةَ، وأجْزَأه) وبه قال عَطاء، وعُرْوَةُ، والقاسِمُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يُوسُفَ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو

стр. 4251

وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الإِمَامِ بِمُزْدَلِفَةَ أوْ بِعَرَفَةَ، جَمَعَ وَحْدَه. ــ حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ جَمَع بينَ الصَّلَاتيْن، فكان نُسُكًا، وقد قال ﵇: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (١). ولَنا، أنَّ كلَّ صَلاتَيْن جازَ الجَمْعُ بينَهما جازَ التَّفْرِيقُ بينَهما، كالظُّهْرِ والعَصْرِ بعَرَفةَ، وفِعْلُ النبىِّ ﷺ مَحْمُولٌ على الأفْضَلِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُل بالجَمْعِ بعَرَفَةَ. ١٢٩٣ - مسألة: (ومَن فاَتَتْه الصلاةُ مع الإِمامِ بعَرَفَةَ أو بمُزْدَلِفَةَ، جَمَع وَحْدَه) لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّه إذا فاتَه الجَمْعُ مع الإِمامِ بمُزْدَلِفَةَ، أنَّه يَجْمَعُ وَحْدَه؛ لأنَّ الثانِيَةَ منهما تُصَلَّى في وَقتِها. وكذلك لو فَرَّقَ بينَهما، لم يَبْطُلِ الجَمْعُ. وقد روَى أسامَةُ، قال: ثم أُقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلَّى المَغْرِبَ، ثم أناخَ كلُّ إنْسانٍ بَعِيرَه في مَنْزِلِه، ثم أُقِيمتِ العِشَاءُ، فصَلَّاها (٢). وكذلك حُكْمُ مَن فاتَه الجَمْعُ مع الإِمامِ بعَرَفَةَ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، فإنَّه يَجْمَعُ وَحْدَه أيضًا. فَعَلَه ابنُ عُمَرَ. وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وقال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَجْمَعُ إلَّا مع الإِمامِ؛ لأنَّ لكلِّ صلاةٍ وَقْتًا مَحْدُودًا، وإنَّما تُرِكَ ذلك في الجَمْعِ مع الإِمامِ، فإذا لم يَكُنْ إِمامٌ، رَجَعْنَا إلى الأصْلِ. ولَنا، فِعْلُ ابنِ عُمَرَ، ولأنَّ كلَّ

стр. 4252

ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا، فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَعَلَيْهِ دَم، وَإنْ دَفَعَ بَعْدَهُ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإنْ وَافَاهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإنْ جَاءَ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَحَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَا بَينَ الْمَأْزِمَيْنِ وَوَادِى مُحَسِّرٍ. ــ جَمْعٍ جازَ مع الإِمامِ جازَ مُنْفَرِدًا، كالجَمْعِ بينَ العِشاءَيْن بجَمْعٍ. قَوْلُهم: إنَّما جازَ الجَمْعُ في الجماعَةِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّهم قد سَلَّمُوا أنَّ الإِمامَ يَجْمَعُ، وإن كان مُنْفَرِدًا. ١٢٩٤ - مسألة: (ثم يَبِيتُ بها، فإن دَفَع قبلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فعليه دَمٌ، وإن دَفَع بعدَه، فلا شئَ عليه، وإن وافَاها بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فلا شئَ عليه، وإن جاءَ بعدَ الفَجْرِ، فعليه دَمٌ. وحَدُّ المُزْدَلِفَةِ ما بَيْنَ المَأْزِمَيْنِ ووادِى مُحَسِّرٍ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَبِيتَ بمُزدَلِفَةَ واجِبٌ، مَن تَرَكَه فعليه دَمٌ. هذا قولُ عَطاءٍ , والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ باتَ بها، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ». وقال عَلْقَمَةُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ: مَن فاتَه جَمْعٌ، فاتَه الحَجُّ؛ لقَوْلِه تَعالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (١). وقولِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنا هَذِهِ، وَوَقف مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ

стр. 4253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَلِكَ، لَيْلًا أوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» (١). ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (٢). يَعْنِى مَن جاءَ عَرَفَةَ. وما احْتَجُّوا به مِن الآية والخَبَرِ، فالمَنْطُوقُ فيهما ليس برُكْنٍ في الحَجِّ إجْماعًا، فإنَّه لو باتَ بجَمْعٍ، ولم يَذْكُرِ اللَّهَ تعالى، ولم يَشْهَدِ الصلاةَ، صَحَّ حَجُّه، فما هو من ضَرُوَرةِ ذلك أوْلَى، ولأنَّ المَبِيتَ ليس مِن ضَرُوِرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالَى بها، وكذلكْ شُهُودُ صلاةِ الفَجْرِ، فإنَّه لو أفاضَ مِن عَرَفةَ في (٣) آخِرِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، أمْكَنَه ذلك، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ ذلك على الإِيجابِ، أو الفَضِيلَةِ و (٤) الاسْتِحْبابِ. فصل: وليس له الدَّفْعُ قبلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فإن فَعَل، فعليه دَمٌ، وإن دَفَع بعدَه، فلا شئَ عليه. وبه قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: إن مَرَّ بها فلم يَنْزِلْ، فعليه دَمٌ، وإن نَزَل فلا دَمَ عليه متى ما دَفَع. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ باتَ بها، وقال: «خُذُوا (٥) عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ». وإنَّما أُبِيحَ الدَّفْعُ بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ بما وَرَد مِن الرُّخْصَةِ فيه، فرَوَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: كُنْتُ في مَن قَدَّمَ النبىُّ ﷺ في ضَعَفَةِ أهْلِه مِن مُزْدَلِفَةَ إلى

стр. 4254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنًى. مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالت: أرْسَلَ رسولُ اللَّه ﷺ بِأُمِّ سَلَمَة لَيْلَةَ النَّحْرِ، فرَمَتِ الجَمْرَةَ قبلَ الفَجْرِ، ثم مَضَتْ فأفاضَتْ. رَواه أبو داودَ (٢). فمَن دَفَع مِن مُزْدَلِفَةَ قبلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، ولم يَعُدْ في اللَّيْلِ، فعليه دَمٌ، وإن عادَ، فلا دَمَ، كالذى دَفع مِن عَرَفَةَ نَهارًا، ثم عادَ نَهارًا. فصل: ويَجِبُ الدَّمُ على مَن دَفَع قبلَ نِصْفِ اللَّيْلِ ولم يَرْجِعْ في اللَّيْلِ، وعلى مَن تَرَك المَبِيتَ بمِنًى، سَواءٌ فَعَل ذلك عامِدًا أو ساهِيًا، عالِمًا (٣) أو جاهِلًا؛ لأنَّه تَرَك نُسُكًا، والنِّسْيانُ أثره في جَعْلِ المَوْجُودِ كالمَعْدُومِ، لا في جَعْلِ المَعْدُومِ كالمَوْجُودِ، إلَّا أنه رُخِّصَ لأهْلِ السِّقايَة والرِّعاءِ في تَرْكِ البَيْتُوتَةِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ رَخَّصَ للرُّعاةِ في تَرْكِ البَيْتُوتَةِ (٤).

стр. 4255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفى حَدِيثِ عَدِىٍّ (١). وأرْخَصَ للعباسِ في تَرْكِ المَبِيتِ لأجْلِ سِقَايتِه (٢). ولأنَّ عليهم مَشَقَّةً في المَبِيتِ؛ لحاجَتِهم إلى حِفْظِ مَواشِيهم، وسَقْى الحاجِّ، فكان لهم تَركُ المَبِيتِ، كلَيَالِى مِنًى. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ المَبِيت بمُزْدَلِفَةَ غيرُ واجِبٍ. والمَذْهَبُ الأوَّلُ. فصل: فإن وَافَاها بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا مِن النِّصْفِ الأوَّلِ، فلم يَتَعَلَّقْ به حُكْمُه، كمَن أدْرَكَ اللَّيْلَ بعَرَفَاتٍ دُونَ النَّهارِ. وإن جاءَ بعدَ الفَجْرِ، فعليه دَم؛ لتَرْكِه الواجِبَ، وهو المَبِيتُ. والمُستحَبُّ الاقْتِداءُ برسولِ اللَّه ﷺ ، والمَبِيتُ إلى أن يُصْبِحَ، ثم يقف حتى يُسْفِرَ. ولا بَأْسَ بتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ والنِّساءِ. ومِمَّن كان يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أهْلِه؛ عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، وعائشةُ. وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ فيه رِفْقًا بهم، ودَفْعًا لمَشَقَّةِ الزِّحامِ عنهم، والاقْتِداءَ بنَبِيِّهم ﵊. فصل: وللمُزْدَلِفَةِ ثَلَاثةُ أسماءٍ؛ مُزْدَلِفَةُ، وجَمْعٌ، والمَشْعَرُ الحَرامُ.

стр. 4256

فَإِذَا أصْبَحَ بِهَا، صَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ يَأتِى الْمَشْعَرَ الْحَامَ فَيَرْقَى عَلَيْهِ، أَوْ يَقِفُ عِنْدَه، وَيَحمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُهُ وَيَدْعُو، ــ وحَدُّها مِن مَأْزِمَىْ عَرَفَةَ إلى قَرْنِ مُحَسِّرٍ، وما على يَمِينِ ذلك وشِمالِه مِن الشِّعابِ، ففى أىِّ مَوْضِعٍ وَقَف منها أجْزَأه؛ لِقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «كُلُّ المُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ». رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (١). وعن جابرٍ، عن النبىِّ ﷺ أنه قال: «وَقَفْتُ ههُنا بجَمْعٍ، وجَمْعٌ كُلُّها مَوْقِفٌ» (٢). وليس وَادِى مُحَسِّرٍ مِن مُزْدَلِفَةَ؛ لقولِه: «وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» (٣). ١٢٩٥ - مسألة: (فإذا أصْبَحَ بها، صَلَّى الصُّبْحَ، ثم يَأتِى المَشْعَرَ الحَرامَ فيَرْقَى عليه، أو يقفُ عندَه، ويَحْمَدُ اللَّهَ تعالى، ويُكَبَر، ويَدْعُو)

стр. 4257

فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ كَمَا وَقَّفْتَنَا فِيهِ وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بقَوْلِكَ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ، ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ــ يُسْتَحَبُّ أن يُعَجِّلَ صلاةَ الصُّبْحِ؛ ليَتَّسِعَ وَقْتُ الوُقُوفِ عندَ المَشْعَرِ الحَرامِ، لقولِ جابِرٍ (١): إنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ حينَ تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ. ثم إذا صَلَّى أتى المَشْعَرَ الحَرامَ فوَقَفَ عندَه، أو رَقِىَ عليه إن أمْكَنَه، فذَكَرَ اللَّهَ تعالى، ودَعاه، واجْتَهَدَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. وفى حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ أتى المَشْعَرَ الحَرامَ، فَرَقِىَ عليه، فحَمِدَ اللَّهَ وَكَبَّرَه وهَلَّلَه ووَحَّدَه. وفى لَفْظٍ: ثم رَكِب القَصْواءَ حتى أتَى المَشْعَرَ الحَرامَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فدَعَا اللَّهَ، وهَلَّلَه وكَبَّرَه واجْتَهَدَ. ويُسْتَحَبُّ أن يكون مِن دُعائِه: (اللَّهُمَّ كَمَا وَقَّفْتَنا فيه وأرَيْتَنَا إيَّاه، فوَفِّقْنَا لذِكْرِك كما هَدَيْتَنَا، واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا كما وَعَدْتَنا بقَوْلِكَ، وقَوْلُك الحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ -إلى- ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) (٢) الآيَتَيْن. (إلى أن يُسْفِرَ) لأنَّ في حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ لم يَزَلْ واقِفًا حتى أسْفَرَ جِدًّا. ١٢٩٦ - مسألة: (ثم يَدْفَعُ قبلَ طُلُوعِ الشمس) لا نَعْلَمُ خِلافًا

стр. 4258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في اسْتِحْبابِ الدَّفْع قبلَ طُلُوعِ الشمس؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ كان يَفْعَلُه. قال عُمَرُ (١)، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يُفِيضُونَ، ويَقُولُون؛ أشْرِقْ ثَبِيرُ (٢)، كيما نُغِيرُ. وإنَّ رسولَ اللَّه ﷺ خالَفَهم، فأفاضَ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ. رَواه البخارىُّ (٣). والسُّنَّة الإِسْفارُ جِدًّا. وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وكان مالكٌ يَرَى الدَّفْعَ قبلَ الإِسْفارِ. ولَنا، حَدِيثُ جابِرٍ الذى ذَكَرْناه. وعن نافِعٍ، أنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ أخَّرَ في الوَقْتِ حتى كادَت الشمسُ تَطْلُعُ. فقالَ ابنُ عُمَرَ: إنِّى أراه يُريدُ أن يَصْنَعَ كما صَنَع أهلُ الجاهِلِيَّةِ. فدَفعَ ودَفَع النّاسُ معه. وكان ابنُ مسعودٍ يَدْفَعُ كانْصِرافِ القَوْمِ المُسْفِرِينَ مِن صلاةِ الغَداةِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَسِيرَ وعليه السَّكِينَةُ. قال ابنُ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ثم أرْدَفَ النبىُّ ﷺ الفَضْلَ ابنَ عباسٍ، وقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ البِرَّ لَيْسَ بإيجَافِ الخَيْلِ وَالإِبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» (٤). فما رَأيتُها رافِعَةً يَدَيْها حتى أتَى مِنًى.

стр. 4259

فَإِذَا بَلَغ مُحَسِّرًا، أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ. وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ، أوْ مِنْ ــ ١٢٩٧ - مسألة: (فإذا بَلَغ مُحَسِّرًا، أسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بحَجَرٍ) يُسْتَحَبُّ الإِسْراعُ في وادِى مُحَسِّرٍ، وهو ما بينَ المُزْدَلِفَةِ ومِنًى، فإن كان ماشِيًا أسْرَعَ، وإن كان راكِبًا حَرَّكَ دَابَّتَه؛ لأنَّ جابِرًا قال في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ ﷺ : إنَّه لَمَّا أتُى بَطنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ قَلِيلًا. ويُرْوَى أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لمَّا أتَى مُحَسرًا أسْرَعَ، وقال: إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضمِينُها (١) مُخالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُها مُعْتَرِضًا في بَطْنِهَا جَنِينُهَا وذلك قَدْرُ رَمْيَةٍ بحَجَرٍ، ويكونُ مُلَبِّيًا في طَرِيقه، فإنَّ الفَضْلَ بنَ عباسٍ روَى أنَّ النبىَّ ﷺ لم يَزَلْ يُلَبِّى حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّ التَّلْبِيَةَ مِن شِعارِ الحَجِّ، فلا تُقْطَعُ إلَّا بالشُّرُوعِ في الإِحْلالِ، وأوَّلُه رَمْىُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ. ١٢٩٨ - مسألة: (ثم يَأْخُذُ حَصَى الجِمارِ مِن طَرِيقه، أو مِن

стр. 4260

مُزْدَلِفَةَ, وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ، جَازَ. وَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنَ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ, ــ مُزْدَلِفَةَ، ومِن حيث أخَذَه، جازَ. ويكونُ أكْبَرَ مِن الحِمَّصِ ودُونَ البُنْدُقِ) إنَّما يُسْتَحَبُّ أخْذُ حَصَى الجِمارِ قبلَ أن يَصِلَ مِنًى؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عندَ قُدُومِه بشئٍ قبلَ الرَّمْىِ؛ لأنَّها تَحِيَّة له, كما أنَّ الطَّوافَ تَحِيَّة المَسْجِدِ، فلا يَبْدَأُ بشئٍ قبلَه. وكان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، يَأْخُذُ حَصَى الجِمارِ مِن جَمْعٍ. وفَعَله سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وقال: كانُوا يَتَزَوَّدُونَ الحَصَى مِن جَمْعٍ. واسْتَحَبَّه الشافعىُّ. وقال أحمدُ: خُذِ الحَصَى من حيثُ شِئْتَ. اخْتارَه عَطاءٌ، وابنُ المُنْذِرِ. وهو أصَحُّ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ غداةَ العَقَبَةِ، وهو على ناقَتِه: «الْقُطْ لِى حَصًى». فلَقَطْتُ له سَبعَ حَصَياتٍ مِن حَصَى الخَذْفِ، فجَعَلَ يَقْبِضُهُنَّ في كَفِّه، ويقولُ: «أمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا». ثم قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِى الدِّينِ، فَإنَّمَا أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ فِى الدِّينِ». رَواه ابنُ ماجه (١). وكان ذلك بمِنًى، ولا خِلافَ أنَّه يُجْزِئُه أخْذُه مِن حيث كان. والْتِقاطُه أوْلَى مِن تَكْسِيرِه؛ لهذا الخَبَرِ،

стр. 4261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّه لا يُؤْمَنُ في تَكْسِيرِه أن يَطِيرَ إلى وَجْهِه شئٌ يُؤْذِيه. ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ كحَصَى الخَذْفِ؛ للخَبَرِ، ولقولِ جابِرٍ في حَدِيثه (١): كُلُّ حَصَاةٍ منها مِثْلُ حَصَى الخَذْفِ. وروَى سُليمانُ بنُ عَمْرِو بنِ الأحْوَصِ، عن أُمِّه، قالت: قال النبىُّ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إذَا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ فَارْمُوا بمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ». رَواه أبو داودَ (٢). قال الأثْرَمُ: يَكُونُ أكْبَرَ مِن الحِمَّصِ ودُونَ البُنْدُقِ. وكان ابنُ عُمَرَ يَرْمِى بمِثْلِ بَعْرِ الغَنَمِ. فإن رَمَى بحَجَرٍ كَبِيرٍ، فقال أصحابُنا: يُجْزِئُه، مع تَرْكِ السُّنَّةِ؛ لأنَّه قد رَمَى بحَجَرٍ. وكذلك الحُكْمُ في الصَّغِيرِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا يَجُوزُ حتى يَأْتِىَ بالحَصَى على ما فَعَل النبىُّ ﷺ ؛ لأنَّه أمَرَ بهذا القَدْرِ، ونَهَى عن تَجاوُزِه، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى فَسادَ المَنْهِىِّ عنه. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في اسْتِحْبابِ غَسْلِهَ، فرُوِىَ عنه أنَّه مُسْتَحَبٌّ. ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. لأنَّه رُوِى عن ابنِ عُمَرَ، وكان طاوُسٌ

стр. 4262

وَعَدَدُهُ سَبْعُونَ حَصَاةً. فَإِذَا وَصَلَ مِنًى، وَحَدُّهَا مِنْ وَادِى مُحَسِّرٍ إِلَى الْعَقَبَةِ، بَدَأ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ، وَلَا يَقِف عِنْدَهَا. ــ يَفْعَلُه، وكان ابنُ عُمَرَ يَتَحَرَّى سُنَّةَ النبىِّ ﷺ . وعن أحمدَ، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ. وقال: لم يَبْلُغْنا أنَّ النبىَّ ﷺ فَعَلَه. وهذا الصَّحِيحُ. وهو قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، وكثيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، فإنَّ النبىَّ ﷺ لَمَّا لُقِطَتْ له الحَصَى، وهو راكِبٌ على بَعِيرِه، جَعَل يَقْبِضُهُنَّ في يَدِه، لم يَغْسِلْهُنَّ، ولا أمَرَ بغَسْلِهِنَّ، ولا فيه مَعْنًى يَقْتَضِيه. فإن رَمَى بحَجَرٍ نَجِسٍ أجْزَأه؛ لأنَّه حَصَاةٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنَّه يُؤَدِّى به العِبادَةَ، فاعْتُبِرَتْ طهارتُه، كحَجَرِ الاسْتِجْمارِ، وتُرابِ التَّيَمُّمِ. وإن غَسَلَه ورَمَى به، أجْزَأه، وَجْهًا واحِدًا. واللَّهُ تعالى أعْلَمُ. ١٢٩٩ - مسألة: (وعَدَدُه سَبْعُونَ حَصَاةً) يَرْمِى منها بسَبعٍ يومَ النَّحْرِ، وباقِيها في أيامِ مِنًى، كلَّ يَوْم بإحْدَى وعِشْرِينَ (فإذا وَصَل مِنًى، وحَدُّها مِن وادِى مُحَسِّرٍ إلى العَقَبَةِ، بَدَأ بجَمْرَةِ العَقَبَةِ، فرَمَاهَا بسَبْعِ حَصَياتٍ، واحِدَةً بعدَ واحِدَةٍ، يُكَبر مع كلِّ حَصاةٍ، ويَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بَياضُ إبْطِه) حَدُّ مِنًى ما بينَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ ووادِى مُحَسِّرٍ. كذلك

стр. 4263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال عَطاءٌ، والشافعىُّ. وليس مُحَسِّرٌ والعَقَبَةُ مِن مِنًى. ويُسْتَحَبُّ سُلُوكُ الطرَّيقِ الوُسْطَى التى تَخْرُجُ على الجَمْرَةِ الكُبْرَى، فإنَّ النبىَّ ﷺ سَلَكَها. كذا في حَدِيثِ جابِرٍ. فإذا وَصَل مِنًى بَدَأ بجَمْرَةِ العَقَبَةِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ بَدَأ بها، ولأنَّها تَحِيَّةُ مِنًى، فلم يَتَقَدَّمْها شئٌ، كالطَّوافِ في المَسْجِدِ، وهى آخِرُ الجَمَراتِ مِمّا يلى مِنًى، وأوَّلُها مِمّا يَلى مَكَّةَ، وهى عندَ العَقَبَةِ، لذلك سُميَت بهذا، فَيَرْميها بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوادِى، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ثم يَنْصَرِفُ

стр. 4264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (ولا يَقِفُ) وهذا بجُمْلَتِه قولُ مَن عَلِمْنا قولَه مِن أهلِ العِلْمِ. وإن رَماها مِن فوقِها جازَ، ولأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، جاءَ والزِّحَامُ عندَ الجَمْرَةِ، فرَماها مِن فوقِها. والأوَّلُ أفْضَلُ؛ لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ، أنه مَشَى مع عبدِ اللَّه، وهو يَرْمِى الجَمْرَةَ، فلَمَّا كانَ في بَطْنِ الوَادِى اعْتَرَضَها، فرَماها، فقِيلَ له: إنَّ نَاسًا يَرْمُونَها مِن فوقِها. فقالَ: مِن ههُنا، والذى لا إلهَ غيرُه، رَأَيْتُ الذى أُنْزِلَ عليه سُورَةُ البَقَرَةِ رَمَاهَا. مُتَّفَقٌ عليه. وفى لَفْظٍ: لَمّا أتَى عبدُ اللَّه جَمْرَةَ العَقَبَةِ اسْتَبْطنَ الوادِى، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وجَعَل يَرْمِى الجَمْرَةَ على حاجِبِه الأَيْمَنِ، ثم رَمَى جَمْرَةً بسَبْع حَصَياتٍ، ثم قال: والذى لا إلهَ إلَّا هو، مِن ههنا رَمَى الذى أُنْزِلَت عليه سُورَةُ البَقَرَةِ (١). قال التِّرمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ولا يُسَنُّ الوُقُوفُ

стр. 4265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عندَها؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ، وابنَ عباسٍ رَوَيَا أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ انْصَرَفَ ولم يَقِفْ. رَواه ابنُ ماجَه (١). ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ؛ لأنَّ جابِرًا قال: فرَماها بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ معِ كلِّ حَصاةٍ. وإن قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنبًا مَغْفُورًا، وعَمَلَا مَشْكُورًا. فحَسَنٌ؛ فإنَّ ابنَ مسعودٍ، وابنَ عُمَرَ، كانا يَقُولَان نَحْوَ ذلك. وروَى حَنْبَلٌ في «المَنَاسِكِ» بإسْنادِه عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، قال: رَأَيْتُ سالِمَ بنَ عبدِ اللَّه اسْتَبْطنَ الوَادِى، ورَمَى الجَمْرَةَ بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّه أَكْبَرُ. ثم قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا، وعَمَلًا مَشْكُورًا. فسَأَلْتُه عَمّا صَنَع؟ فقال: حَدَّثَنِى أبى أنَّ النبىَّ ﷺ رَمَى الجَمْرَةَ مِن هذا المَكانِ، ويقولُ كُلَّمَا رَمَى حَصاةً مثلَ ما قُلْتُ (٢). ويَرْمِى الحَصَى واحِدَةً بعدَ واحِدَةٍ, كما ذُكِرَ. وإن رَمَاها دَفْعَةً واحِدَةً، لم يُجْزِئْه إلَّا عن واحِدَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مالكٍ،

стр. 4266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى. وقال عَطاءٌ: يُجْزِئُه، ويُكَبِّرُ لكُلِّ حَصَاةٍ. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ رَمَى سَبْعَ رَمَياتٍ، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (١). ويَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بَياضُ إبْطِه. قاله بعضُ أصحابِنا. فصل: ويَرْمِيها راجِلًا وراكِبًا، وكيفما شاءَ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ رَمَاهَا على راحِلَتِه. رَواه جابرٌ، وابنُ عُمَرَ، وغيرُهما. قال جابِر، رَضِىَ اللَّهُ عنه: رَأَيْتُ النبىَّ ﷺ يَرْمِى على رَاحِلَتِه يَوْمَ النَّحْرِ، ويقولُ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَناسِكَكُمْ، فإنِّى لَا أَدْرِى لَعَلِّى لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هذِه». رَواه مسلمٌ. وقال نافِعٌ: كان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ على دَابَّتِه يومَ النَّحْرِ، وكان لا يَأْتِى سائِرَها بعدَ ذلك إلَّا ماشِيًا، ذاهِبًا ورَاجِعًا، وزَعَم أنَّ النبىَّ ﷺ كانَ لا يَأْتِيها إلَّا ذاهِبًا وراجِعًا. رَواه أحمدُ

стр. 4267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في «المُسْنَدِ» (١). وفى هذا بَيانٌ للتَّفْرِيقِ بينَ هذه الجَمْرَةِ وغيرِها. ولأنَّ رَمْىَ هذه الجَمْرةِ مِمّا تُسْتَحَبُّ البِدايَةُ به، وهى في هذا اليَوْمِ عندَ قُدُومِه، ولا يُسَنُّ عندَها وُقُوفٌ، فلو سُنَّ له المَشْىُ إليها، لشَغَلَه النُّزُولُ عن الابْتِداءِ بها والتَّعْجِيلِ إليها، بخِلافِ سائِرِها. فصل: ولا يُجْزِئُه الرَّمْىُ إلَّا أن يَقَعَ الحَصَى في المَرْمَى، فإن وَقَع دُونَه لم يُجْزِئْه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك إن وَضَعَها بِيَدِه في المَرْمَى، لا يُجْزِئُه في قَوْلِهم جَمِيعًا؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالرَّمْى ولم يَرْمِ. وإن طَرَحَها طَرْحًا، أجْزَأه؛ لأنَّه يُسَمَّى رَمْيًا. وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْى. وقال ابنُ القاسِمِ: لا يُجْزِئُه. وإن رَمَى حَصاةً، فوَقَعَتْ في غيرِ المَرْمَى، فأَطارَتْ حَصَاةً أُخْرَى، فوَقَعَتْ في المَرْمَى، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ التى رَماها لم تَقَعْ في المَرْمَى.

стр. 4268

وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْىِ. ــ وإن رَمَى حَصَاةً، فالْتَقَطَها طائِر قبلَ وُصُولِها، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّها لم تَقَعْ في المَرْمَى. وإن وَقَعَتْ على مَوْضِع صُلْبٍ في غيرِ المَرْمَى، ثم تَدَحْرَجَتْ إلى المَرْمَى، أو على ثَوْبِ إنْسانٍ، ثم طارَتْ فوَقَعَت في المَرْمَى، أجْزَأتْه؛ لأنَّ حُصُولَها في المَرْمَى بفِعْلِه. وإن نَفَضَها الإِنْسانُ عن ثَوْبِه، فوَقَعَتْ في المَرْمَى، فعن أحمدَ، أنَّها تجزِئُه؛ لأنَّه انْفَرَدَ برَمْيِها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا تُجْزِئُه؛ لأنَّ حُصُولَها في المَرْمَى بفِعْل الثَّانِى، فأشْبَهَ ما لو أخَذَها بيَدِه فرَمَى بها. وإن رَمَى حَصَاةً، فشَكَّ هل وَقَعَت في المَرْمَى أو لَا؟ لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الرَّمْىِ في ذِمَّتِه، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ. وعنه، يُجْزِئه. ذَكَرَه ابنُ البَنَّا في «الخِصالِ». وإن غَلَب على ظَنِّه أنَّها وَقَعَتْ فيه، أجْزَأتْه؛ لأنَّ الظاهِرَ دَلِيلٌ. ١٣٠٠ - مسألة: (ويَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مع ابْتِداءِ الرَّمْى) يُرْوَى ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباس، ومَيْمُونَةَ، رَضِىَ اللَّه عَنهم. وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ،

стр. 4269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأصحابُ الرَّأْى. ورُوِىَ عن سعدِ (١) بنِ أبى وَقَّاصٍ، وعائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: يَقْطَعُ التَّلْبيَةَ إذا راحَ إلى (٢) المَوْقف. وعن علىٍّ، وأُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهُما كانا يُلَبِّيان حتى تَزُولَ الشمس يومَ عَرَفَةَ. وقال مالكٌ: يَقْطعُ التَّلْبِيَةَ إذا راحَ إلى (٢) المَسْجِدِ. وكان الحسنُ يقولُ: يُلَبِّى حتى يُصَلِّىَ الغَداةَ يومَ عَرَفَةَ. ولَنا، أنَّ الفَضْلَ بنَ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، روَى أنَّ النبىَّ ﷺ لم يَزَلْ يُلَبِّى حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ (٣). وكان رَدِيفَه يَوْمَئِذٍ، وهو أعْلَمُ بحَالِه مِن غيرِه، وفِعْلُ النبىِّ ﷺ يُقَدَّمُ على ما خالَفَه. ويُسْتَحَبُّ قَطْعُ التَّلْبِيَةِ عندَ أوَّلِ حَصَاةٍ، للخَبَرِ، وفى بعضِ ألفاظِه: حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ قَطَعَ عندَ أوَّلِ حَصَاةٍ. رَواه حَنْبَلٌ في «المَناسِكِ». وهذا بيانٌ يَتَعَيَّنُ الأخْذُ به. وفى رِوايَةِ مَن روَى أنَّ النبىَّ ﷺ كان يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، دَلِيلٌ على أنَّه لم يَكُنْ يُلَبِّى، ولأنَّه يَتَحَلَّلُ بالرَّمْىِ، وإذا شَرَع فيه قَطَع التَّلْبِيَةَ، كالمُعْتَمِرِ يَقْطعُ التَّلْبِيَةَ بالشُّرُوعَ في الطَّوافِ.

стр. 4270

فَإِنْ رَمَى بِذَهَبٍ، أو فِضَّةٍ، أو غَيْرِ الْحَصَى، أو حَجَرٍ قَدْ رُمِىَ بِهِ مَرَّةً، لَمْ يُجْزِئْهُ. ــ ١٣٠١ - مسألة: (وإن رَمَى بذَهَبٍ، أو فِضَّةٍ، أو غيرِ الحَصَى، أو) رَمَى (بحَجَرٍ رُمِىَ به مَرَّةً، لم يُجْزِئْه) يُجْزِئُ الرَّمْىُ بكلِّ ما يُسَمَّى حَصًى، وهى الحِجَارَةُ الصِّغَارُ، سَواءٌ كان أسودَ، أو أبيضَ، أو أحمرَ، مِن المَرْمَرِ، أو البرام (١)، أو المَرْوِ، وهو الصَّوَّانُ، أو الرُّخَام، أو الكَذَّانِ (٢)، أو حَجَرِ المِسَنِّ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. وقال القاضى: لا يُجْزِئُ الرُّخامُ، والبرامُ، والكَذّانُ. ومُقْتَضَى قولِه، أن لا يُجْزِئُ المَرْوُ ولا حَجَرُ المِسَنِّ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُ بالطِّينِ والمَدَرِ (٣)، وما كان من جنْسِ الأرْضِ. ونَحْوُه قولُ الثَّوْرِىِّ. ورُوِىَ عن سُكَيْنَةَ بنتِ الحُسَيْنِ، أنَّها رَمَتِ الجَمْرَةَ ورجلٌ يُناوِلُها الحَصَى،

стр. 4271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسَقَطَتْ حَصَاةٌ، فرَمَتْ بخاتَمِها. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ رَمَى بالحَصَى، وأمَرَ بالرَّمْى بمثلِ حَصَى الخَذْفِ. فلا يَتَناوَلُ غيرَ الحَصَى، وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أنْواعِه، فلا يَجُوزُ تَخْصِيصُه بغيرِ دَلِيلٍ، ولا إلحاقُ غيرِه به، والذَّهَبُ والفِضَّةُ لا يَتَناوَلُه اسمُ الحَصَى. فصل: وإن رَمَى بحَجَرٍ أُخِذَ من المَرْمِىِّ لم يُجْزِئْه. وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه حَصًا، فيَدْخُلُ في العُمُومِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ أخَذَه مِن غيرِ المَرْمِىِّ. وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (١). ولأنَّه لو جازَ الرَّمْىُ بما رُمِىَ به، لما احْتاجَ أحَدٌ إلى أخْذِ الحَصَى مِن غيرِ مَكانِه، ولا

стр. 4272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَكْسِيرِه، ولأنَّ ابنَ عباسٍ، قال: ما تُقُبِّلَ منه رُفِعَ. وإن رَمَى بخاتَمِ فِضَّةٍ [فيه] حَجَرٌ، لم يُجْزِئْه، في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه تَبَعٌ، والرَّمْىُ بالمَتْبُوعِ لا بالتَّابعِ.

стр. 4273

وَيَرْمِى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أَجْزَأَهُ. ــ ١٣٠٢ - مسألة: (ويَرْمِى بعدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فإن رَمَى بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أجْزَأَه) وجُمْلته أنَّ لرَمْى هذه الجَمْرَةِ وَقْتَيْن؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووَقْتُ إجْزَاءٍ، فأمَّا وَقْتُ الفَضِيلَةِ فعندَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ علماءُ المسلِمين على أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ إنَّما رَمَاهَا ضُحَى ذلك اليومِ. وقال جابِرٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِى الجَمْرَةَ ضُحَى يومِ النَحْرِ وَحْدَه. أخْرَجَه مسلمٌ (١). وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ». رَواه الإِمامُ أحمدُ (٢). وأمَّا وَقْتُ الجَوازِ، فأوَّلُهُ نِصْفُ اللَّيْلِ

стр. 4274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ. وبذلك قال عَطاءٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، والشافعىُّ. وعن أحمدَ أنَّه يُجْزِئُ بعدَ الفَجْرِ، قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وهو قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ. وقال مُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ: لا يَرْمِيها إلَّا بعدَ طُلُوعِ الشمسِ؛ لحَدِيثِ ابنِ عباسٍ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ (١)، عن عائشةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فرَمَتْ جَمْرَةَ العَقَبَةِ قبلَ الفَجْرِ، ثم مَضَتْ، فأفَاضَتْ. ورُوِىَ أنَّه أمَرَها أن تُعَجِّلَ الإِفاضَةَ، وتُوَافِىَ مَكَّةَ معِ صلاةِ الصُّبْحِ. احْتَجَّ به أحمدُ. ولأنَّه وَقْتٌ للدَّفْعِ مِن المُزْدَلِفَةِ، فكان وَقْتًا للرَّمْىِ، كبعدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، والأخْبارُ المَذْكُورَةُ مَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْبابِ. فصل: وإن أخَّرَ الرَّمْىَ إلى آخِرِ النَّهارِ، جازَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن رَماها يومَ النَّحْرِ قبلَ المَغِيبِ، فقد رَماهَا في وَقْتٍ لها، وإن لم يَكُنْ ذلك مُسْتَحَبًّا. وروَى ابنُ عباسٍ، قال: كان النبىُّ ﷺ

стр. 4275

ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا، إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَيَحْلِقُ أوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ شَعَرِهِ. وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ، كَالْمَسْحِ. ــ يُسْألُ يومَ النَّحْرِ بِمنًى، قال رَجُلٌ: رَمَيْتُ بعدَ ما أمْسَيْتُ؟ قال: «لَا حَرَجَ». رَواه البخارىُّ (١). فإنْ أخَّرَها إلى اللَّيْلِ، لم يَرْمِها حتى تَزُولَ الشمسُ مِن الغَدِ. وبه قال أبو حنيفةَ، وإسحاقُ. وقال الشافعىُّ، ومحمدٌ، وأبو يُوسُفَ، وابنُ المُنْذِرِ: يَرْمِى لَيْلًا؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «ارْم وَلَا حَرَجَ». ولَنا، أنَّ ابنَ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: مَن فاتَه الرَّمْىُ حتى تَغِيبَ الشمسُ، فلا يَرْمِ حتى تَزُولَ الشمسُ مِن الغَدِ. وقولُ النبىِّ ﷺ : «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». إنَّما كان في النَّهارِ؛ لأنَّه سَأَلَه في يَوْمِ النَّحْرِ، ولا يَكُونُ اليَوْمُ إلَّا قبلَ مَغِيبِ الشمسِ. وقال مالكٌ: يَرْمِى لَيْلًا، وعليه دَمٌ. ومَرَّةً قال: لَا دَمَ عليه. وإذا رَمَى انْصَرَفَ ولم يَقِفْ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يَقِفْ عندَها. ١٣٠٣ - مسألة: (ثم يَنْحَرُ هَدْيًا، إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ مِن جَمِيعِ شَعرِه. وعنه، يُجْزِئُه بعضُه، كالمَسْحِ) إذا فَرَغ مِن رَمْى
следующие страницы →