. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ. وبذلك قال عَطاءٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، والشافعىُّ. وعن أحمدَ أنَّه يُجْزِئُ بعدَ الفَجْرِ، قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وهو قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ. وقال مُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ: لا يَرْمِيها إلَّا بعدَ طُلُوعِ الشمسِ؛ لحَدِيثِ ابنِ عباسٍ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ (١)، عن عائشةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فرَمَتْ جَمْرَةَ العَقَبَةِ قبلَ الفَجْرِ، ثم مَضَتْ، فأفَاضَتْ. ورُوِىَ أنَّه أمَرَها أن تُعَجِّلَ الإِفاضَةَ، وتُوَافِىَ مَكَّةَ معِ صلاةِ الصُّبْحِ. احْتَجَّ به أحمدُ. ولأنَّه وَقْتٌ للدَّفْعِ مِن المُزْدَلِفَةِ، فكان وَقْتًا للرَّمْىِ، كبعدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، والأخْبارُ المَذْكُورَةُ مَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْبابِ.
فصل: وإن أخَّرَ الرَّمْىَ إلى آخِرِ النَّهارِ، جازَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن رَماها يومَ النَّحْرِ قبلَ المَغِيبِ، فقد رَماهَا في وَقْتٍ لها، وإن لم يَكُنْ ذلك مُسْتَحَبًّا. وروَى ابنُ عباسٍ، قال: كان النبىُّ ﷺ
стр. 4275
ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا، إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَيَحْلِقُ أوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ شَعَرِهِ. وَعَنْهُ، يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ، كَالْمَسْحِ.
ــ
يُسْألُ يومَ النَّحْرِ بِمنًى، قال رَجُلٌ: رَمَيْتُ بعدَ ما أمْسَيْتُ؟ قال: «لَا حَرَجَ». رَواه البخارىُّ (١). فإنْ أخَّرَها إلى اللَّيْلِ، لم يَرْمِها حتى تَزُولَ الشمسُ مِن الغَدِ. وبه قال أبو حنيفةَ، وإسحاقُ. وقال الشافعىُّ، ومحمدٌ، وأبو يُوسُفَ، وابنُ المُنْذِرِ: يَرْمِى لَيْلًا؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «ارْم وَلَا حَرَجَ». ولَنا، أنَّ ابنَ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: مَن فاتَه الرَّمْىُ حتى تَغِيبَ الشمسُ، فلا يَرْمِ حتى تَزُولَ الشمسُ مِن الغَدِ. وقولُ النبىِّ ﷺ : «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». إنَّما كان في النَّهارِ؛ لأنَّه سَأَلَه في يَوْمِ النَّحْرِ، ولا يَكُونُ اليَوْمُ إلَّا قبلَ مَغِيبِ الشمسِ. وقال مالكٌ: يَرْمِى لَيْلًا، وعليه دَمٌ. ومَرَّةً قال: لَا دَمَ عليه. وإذا رَمَى انْصَرَفَ ولم يَقِفْ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يَقِفْ عندَها.
١٣٠٣ - مسألة: (ثم يَنْحَرُ هَدْيًا، إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ مِن جَمِيعِ شَعرِه. وعنه، يُجْزِئُه بعضُه، كالمَسْحِ) إذا فَرَغ مِن رَمْى
стр. 4276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجَمْرَةِ يومَ النَّحْرِ لم يَقِفْ وانْصَرَفَ، فأوَّلُ شئٍ يَبْدَأُ به نَحْرُ الهَدْىِ، إن كان معه هَدْىٌ، واجِبًا كانَ أو تَطَوُّعًا. فإن لم يَكُنْ معه هَدْىٌ، وعليه هَدْىٌ واجِبٌ، اشْتَراه. وإن لم يَكُنْ عليه واجِب، فأحَبَّ أن يُضَحِّىَ، اشْتَرَى ما يُضَحِّى به. ويَنْحَرُ الإِبِلَ ويَذْبَحُ ما سواها. والمُسْتَحَبُّ أن يَتَوَلَّى ذلك بيَدِه، ويَجُوزُ أن يَسْتَنِيبَ فيه. هذا قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى. وذلك لِما روَى جابِرٌ في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ ﷺ أنَّه رَمَى مِن بَطنِ الوَادِى، ثم انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فنَحَرَ ثَلاثًا وستينَ بَدَنَةً بيَدِه، ثم أعْطَى عَلِيًّا، فنَحَرَ ما غَبَر منها، وأشْرَكَه في هَدْيِه (١). ويُسْتَحَبُّ تَوْجِيهُ الذَّبيحَةِ إلى القِبْلَةِ، ويقولُ: بسمِ اللَّه واللَّهُ أكبرُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا ذَبَحَ يقولُ: «بِسْمِ اللَّه واللَّهُ أكْبَرُ» (٢).
فصل: وإذا نَحَر الهَدْىَ فَرَّقَه على مَسَاكِينِ الحَرَمِ، وهم مَن كان في الحَرَم. وإن أطْلَقَها لهم، جازَ, كما روَى أنس، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ نَحَر خَمْسَ بَدَنَاتٍ، ثم قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ». رَواه
стр. 4277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو داودَ (١). وإن قَسَمَها فهو أحْسَنُ وأفْضَلُ؛ لأنَّه بقَسْمِها يَتَيَقَّنُ إيصالَها إلى مُسْتَحِقِّها، ويَكْفِى المَساكِينَ تَعَبَ النَّهْبِ والزِّحامِ. ويَقْسِمُ جُلُودَها وجِلالَها (٢)؛ لِما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أمَرَنِى النبىُّ ﷺ أن أقُومَ على بُدْنِه، وأن أقْسِمَ بُدْنَه كُلَّها؛ جُلُودَها، وجِلالَها، وأن لا نُعْطِىَ الجازِرَ منها شَيْئًا، وقال: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» (٣). وإنَّما لَزِمَه قَسْمُ جِلالِها؛ للخَبَرِ، ولأنَّه سَاقَها للَّهِ على تلك الصِّفةِ، فلا يَأْخُذُ شَيْئًا مِمّا جَعَلَه للَّهِ تعالَى. وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَلْزمُه إعْطاءُ جِلالِها؛ لأنَّه إنَّما أهْدَى الحَيَوانَ دُونَ ما عليه. والسُّنَّةُ النَّحْرُ بِمنًى؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ نَحَر بها. وحيثُ نَحَر مِن الحَرَمِ أجْزَأَه؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : «كُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَطَرِيقٌ». رَواه أبو داودَ (٤).
فصل: يَلْزَمُه الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ مِن جَمِيع شَعَرِه، وكذلك المَرْأَةُ.
стр. 4278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبه قال مالكٌ. وعنه، يُجْزِئُه بَعْضُه، كالمَسْحِ. كذلك قال ابنُ حامِدٍ. وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُه التَّقْصِيرُ مِن ثَلاثِ شَعَراتٍ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: يُجْزِئُه ما يَقَعُ عليه اسمُ التَّقْصِيرِ؛ لتَنَاوُلِ اللَّفْظِ له. ولَنا، قولُه تعالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ (١). وهذا عامٌّ في جَمِيعِه، ولأنَّ النبىَّ ﷺ حَلَق جَمِيعَ رَأْسِه، تَفْسِيرًا لمُطْلَقِ الأمْرِ به، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إليه. فإن كان الشَّعَرُ مَضْفُورًا قَصَّرَ مِن رُءُوس ضَفائِرِه. كذلك قال مالكٌ: تُقَصِّرُ المَرْأَةُ مِن جَمِيع قُرونِها. ولا يَجبُ التَّقْصِيرُ مِن كلِّ شَعَرِه؛ لأنَّ ذلك لا يُعْلَمُ إلَّا بحَلْقِه. وأَىُّ قَدْرٍ قَصَّرَ منه أجْزَأَ؛ لأنَّ الأمْرَ مُطْلق، فيَتَناوَلُ أقَلَّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ. قال أحمدُ: يُقَصر قَدْرَ الأُنْمُلَةِ. وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، والشافعىِّ. وهو مَحْمُولٌ على الاسْتِحْباب. وبأىِّ شئٍ قَصَّرَ الشَّعَرَ أجْزَأَه. وكذلك إن نَتَفَه، أو أزالَه بنُورَةٍ؛ لأنَّ القَصْدَ إزالَتُه، ولَكِنَّ السُّنَّةَ الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ حَلَق رَأْسَه، فروَى أنَسٌ أنَّ النبىَّ ﷺ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النَّحْر، ثم رَجَع إلى مَنْزله بمِنًى،
стр. 4279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فدَعَا بذِبْحٍ، فذَبَحَ، ثم دَعَا بالحَلَّاقِ، فأخَذَ شِقَّ رَأسِه الأَيْمَنَ، فحَلَقَه، فجَعَل يَقْسِمُ بينَ مَن يلِيهِ الشَّعَرَةَ والشَّعَرَتَيْن، ثم أخَذَ (١) شِقَّ رَأْسِه الأيْسَرَ، فحَلَقَه، ثم قال: «هَهُنا أَبُو طَلْحَةَ؟». فدَفَعَه إلى أبى طَلْحَةَ. رَواه أبو داودَ (٢). والسُّنَّةُ أن يَبْدأ بشِقِّ رَأْسِه الأيْمَنِ، ثم الأيْسَرِ؛ لهذا الخَبَرِ، فإن لم يَفْعَلْ أجْزَأَه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ؛ لأنَّ خيرَ المَجالِسِ ما اسْتُقْبِلَ به القِبْلَةُ. ويُكَبِّرُ وَقْتَ الحَلْقِ؛ لأنَّه نُسُكٌ، ويكونُ ذلك بعدَ النَّحْرِ.
فصل: وهو مُخَيَّرٌ بينَ الحَلْقِ والتَّقْصِير، في قولِ الجُمْهُورِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ. يَعْنِى في حَقِّ مَن لم يُوجَدْ منه مَعْنًى يَقْتَضِى وُجُوبَ الحَلْقِ عليه، إلَّا أنَّه يُرْوَى عن الحَسَنِ، أنَّه كان يُوجِبُ الحَلْقَ في الحَجَّةِ الأُولَى. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالَى قال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾. ولم يُفَرِّقْ. والنبىُّ ﷺ قال: «رَحِمَ اللَّه المُحَلِّقِينَ وَالمُقَصِّرِينَ». وقد كان معه مَن قَصَّرَ فَلم
стр. 4280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُنْكِرْ عليه. والحَلْقُ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ فَعَلَه، وقال: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ». قالُوا: يا رسولَ اللَّه، والمُقَصِّرِينَ؛ قال: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ». قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ وَالمُقَصِّرِينَ». رَواه مسلم (١). فأمَّا مَن لَبَّدَ، أو عَقَص، أو ضَفَر، فقال أحمدُ: مَن فَعَل ذلك فلْيَحْلِقْ. وهو قولُ النَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ. وكان ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يقولُ: مَن لَبَّدَ، أو قَصَّرَ، أو عَقَدَ، أو فَتَلَ، أو عَقَصَ، فهو على ما نَوَى، إن نَوَى الحَلْقَ فلْيَحْلِقْ، وإلَّا فلا يَلْزَمُه. وقال أصحابُ الرَّأْى: هو مُخَيَّرٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما ذَكَرْنَاه يَقْتَضِى التَّخْيِيرَ على العُمُوم، ولم يَثْبُتْ في خِلافِ ذلك دَلِيلٌ. ووَجْهُ القولَ الأوَّلَ، ما رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَنْ لَبَّدَ فَلْيَحْلِقْ» (٢). وثَبَت عن عُمَرَ، وابنهِ، أنَّهُما أمَرا مَن لَبَّدَ رَأْسَه أن
стр. 4281
وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعَرِهَا قَدْرَ الأُنْمُلَةِ.
ــ
يَحْلِقَه، والنبىُّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَه وحَلَقَ. والصَّحِيحُ أَنَّه مُخَيَّرٌ، إلَّا أن يَثْبُتَ الخَبَرُ. وقولُ عُمَرَ وابنهِ قد خالَفَهما فيه ابنُ عباسٍ، وفِعْلُ النبىِّ ﷺ لا يَدُلُّ على وُجُوبِه بعدَ ما بَيَّنَ جَوازَ الأمْرَيْن. واللَّهُ أعْلَمُ.
١٣٠٤ - مسألة: (والمَرْأةُ تُقَصِّرُ مِن شَعَرِها قَدْرَ الأُنْمُلَةِ) والأُنْمُلَةُ: رَأْسُ الإِصْبَعِ مِن المَفْصِلِ الأعْلَى. والمَشْرُوعُ للمَرْأةِ التَّقْصِيرُ دُونَ الحَلْقِ، بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا أهلُ العِلْمِ. لأنَّ الحَلْقَ في حَقِّهِنَّ مُثْلَةٌ. وقد روَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إنَّما عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ». رَواه أبو داودَ (١). وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أن تَحْلِقَ المَرْأةُ رَأْسَها رَواه التِّرْمِذِىُّ (٢). وكان أحمدُ يقولُ:
стр. 4282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُقَصِّرُ مِن كلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ. وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ، سُئِلَ عن المَرْأةِ تُقَصِّرُ مِن كلِّ رَأْسِها؟ قال: نعم، تَجْمَعُ شَعَرَها إلى مُقَدَّم رَأْسِها، ثم تَأْخُذُ مِن أطْرافِ شَعَرِها قَدْرَ الأُنْمُلَةِ. والرجلُ الذى يُقَصِّرُ كالمَرْأةِ في ذلك. وقد ذَكَرْنا فيه خِلافًا.
فصل: والأصْلَعُ الذى ليس على رَأْسِه شَعَرٌ، يُسْتَحَبُّ أن يُمِرَّ المُوسَى على رَأْسِه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ. وبه قال مَسْرُوقٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم. وليس بواجِبٍ. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١). وهذا لو كان ذا شَعَرٍ وَجَبَ عليه إزالَتُه وإمْرارُ المُوسَى على رَأْسِه، فإذا سَقَط أحَدُهما لتَعَذُّرِه، بَقِىَ الآخَرُ. ولَنا، أنَّ الحَلْقَ مَحِلُّه الشَّعَرُ، فسَقَطَ بعَدَمِه، كما يَسْقُطُ وُجُوبُ غَسْلِ العُضْوِ في الوُضُوءِ بفَقْدِه. ولأنَّه إمْرارٌ لو فَعَلَه في الإِحْرامِ لم يَجِبْ به دَمٌ، فلم يَجِبْ عندَ التَّحَلُّلِ، كإمْرارِه على الشَّعَرِ مِن غيرِ حَلْقٍ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ أظْفارِه، والأَخْذُ مِن شارِبه. قال ابنُ المُنْذِرِ:
стр. 4283
ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ إلَّا النِّسَاءَ. وَعَنْهُ، إلَّا الْوَطْءَ فِى الْفَرْجِ.
ــ
ثَبَت أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لمّا حَلَق رَأْسَه قَلَّمَ أظْفَارَه (١). وكان ابنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِن شارِبِه وأظْفارِه. وكان عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والشافعىُّ، يُحِبُّونَ لو أخَذَ مِن لِحْيَتِه شَيْئًا. ويُسْتَحَبُّ إذا حَلَق، أن يَبْلُغَ العَظْمَ الذى عندَ مُنْقَطَعِ الصُّدْغِ مِن الوَجْهِ. كان ابنُ عُمَرَ يقولُ للحالِقِ: ابْلُغِ العَظْمَيْن، افْصِلِ الرَّأْسَ مِن اللِّحْيَةِ. وكان عَطاءٌ يقولُ: مِن السُّنَّةِ إذا حَلَق أن يَبْلُغَ العَظْمَيْن.
١٣٠٥ - مسألة: (ثم قد حَلَّ له كلُّ شَئٍ إلَّا النِّساءَ. وعنه، إلَّا الوَطْءَ في الفَرْجِ) وجُمْلَتُه أنَّ المُحْرِمَ إذا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، ثم حَلَق أو قَصَّر، حَلَّ له كلُّ ما كانَ مُحَرَّمًا بالإِحْرامِ، إلَّا النِّساءَ. هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. فيَبْقَى ما كان مُحَرَّمًا عليه مِن النِّساءِ؛ مِن الوَطْءِ، والقُبْلَةِ، واللَّمْسِ بشَهْوَةٍ، وعَقْدِ النِّكاحِ، ويَحِلُّ له ما سِوَى ذلك. هذا قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ، وعائشةَ، وعَلْقَمَةَ،
стр. 4284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسالِمٍ، والنَّخَعِىِّ، وعبدِ اللَّهِ بنِ الحسنِ، وخارِجَةَ بنِ زَيْدٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ. وعن (١) أحمدَ، أنَّه يَحِلُّ له كُلُّ شَئٍ إلَّا الوَطْءَ في الفَرْجِ؛ لأنَّه أغْلَظُ المُحَرَّماتِ، ويُفْسِدُ النُّسُكَ، بخِلافِ غيرِه. وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: يَحِلُّ له كلُّ شَئٍ، إلَّا النِّساءَ، والطِّيبَ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِه، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وغيرِهما؛ لأنَّه مِن دَوَاعِى الوَطْءِ، أشْبَهَ القُبْلَةَ. وعن عُرْوَةَ، أنَّه لا يَلْبَسُ القَمِيصَ، ولا العِمامَةَ، ولا يَتَطَيَّبُ. ورُوِىَ في ذلك عن النبىِّ ﷺ حَدِيثٌ ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ، وَالثِّيَابُ، وَكُلُّ شَئٍ، إلَّا النِّسَاءَ». رَواه سعيدٌ (٢). وقالت عائشةُ: طَيَّبْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ لحُرْمِهِ (٣) حينَ أحْرَمَ، ولِحِلِّهِ قبلَ أن يَطُوفَ بالبَيْتِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن سالِمٍ، عن أبيهِ، قال: قال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إذَا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ بسَبْعِ حَصَياتٍ، وذَبَحْتُمْ، وحَلَقْتُمْ، فقد حَلَّ لكُمْ كُلُّ شَئٍ إلَّا الطِّيبَ. فقالت عائشةُ: أنا طَيَّبْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ . فسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ
стр. 4285
وَالْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ، إِنْ أخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟
ــ
أحَقُّ أن تُتَّبَعَ. رَواهُ سعيدٌ (١). [وعن] (٢) ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: إذا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ، فقد حَلَّ لكم كلُّ شَئٍ، النِّساءَ. فقال له رجلٌ: والطِّيبُ؟ فقال: أمَّا أنا فقد رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يُضَمِّخُ رَأْسَه بالمِسْكِ، أفطِيبٌ هو ذاك أم لا؟ رَواه ابنُ ماجَه (٣). وقال مالكٌ: لا يَحِلُّ له النِّساءُ، ولا الطِّيبُ، ولا قَتْلُ الصَّيْدِ؛ لقَوْلِه سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٤). وهذا حَرامٌ. وقد ذَكَرْنا ما يَرُدُّ هذا القولَ، ويَمْنَعُ أنَّه مُحْرِمٌ، وإنَّما بَقِىَ بعضُ أحكامِ الإِحْرامِ.
١٣٠٦ - مسألة: (والحِلاقُ (٥) والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ، إن أخَّرَه عن
стр. 4286
عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ، أنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ، لَا شَىْءَ فِى تَرْكِهِ. وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْى وَحْدَهُ.
ــ
أيّامِ مِنًى، فهل يَلزَمُه دَمٌ؟ على رِوايَتَيْن. وعنه، أنَّه إطْلَاقٌ مِن مَحْظُورٍ، لا شئَ في تَرْكِه. ويَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بالرَّمْىِ وَحْدَه) الحَلْقُ والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ. وعن أحمدَ، أنَّه ليس بنُسُكٍ، وإنَّما هو إطْلاقٌ مِن مَحْظُورٍ كان مُحَرَّمًا عليه بالإِحْرامِ، فأُطْلِقَ فيه بالحِلِّ، كاللِّباسِ، وسائِرِ مَحْظوراتِ الإِحْرامِ. فعلى هذه الرِّوايَةِ لا شئَ على تارِكِه، ويَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بدُونِه. ووَجْهُها، أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ بالحِلِّ مِن العُمْرَةِ قَبْلَه، فروَى أبو موسى، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قَدِمْتُ على النبىِّ ﷺ ، فقال: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قُلْتُ: لَبَّيْكَ بإهْلَالٍ كإهْلَالِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: «أَحْسَنْتَ». وأمَرَنِى فطُفْتُ بالبَيْتِ، وبينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم قال لى: «أَحِلَّ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن جابِرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ لَمّا
стр. 4287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، قال: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً». رَواه مسلمٌ (١). ولأنَّ ما كان مُحَرَّمًا في الإِحْرام، إذا أُبِيحَ كان إطْلاقًا مِن مَحْظُورٍ، كسائِرِ مُحَرَّماتِه. والرِّوايَةُ الأُولَى أصَحُّ، فإنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ به، فروَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ» (٢). وعن جابِرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «أُحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا». وأمْرُه يَقْتَضِى الوُجُوبَ. ولأنَّ اللَّهَ تعالى وَصَفَهم بقَوْلِه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٣). ولو لم يَكُنْ مِن المَناسِكِ لَما وَصَفهم به، كاللُّبْسِ وقَتْلِ الصَّيْدِ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ تَرَحَّمَ على المُحَلِّقِينَ ثَلاثًا، وعلى المُقَصِّرِينَ مَرَّةً، ولو لم يَكُنْ مِن المَناسِكِ، لَما دَخَلَه التَّفْضِيلُ، كالمُباحَاتِ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَه فَعَلُوه في جَمِيع حَجِّهِم وعُمَرِهم، لم يُخِلُّوا به، ولو لم يَكُنْ نُسُكًا لَما دَاوَمُوا عليه، بل لم يَفْعَلُوه إلَّا نادِرًا؛ لأنَّه لم يَكُنْ مِن عادَتِهم فيَفْعَلُوه عادَةً، ولا فيه فَضْل فيَفْعَلُوه لفَضْلِه. فأمَّا أمْرُه بالحِلِّ، فإنَّما مَعْنَاه، واللَّه أعْلَمُ، الحِلُّ
стр. 4288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَفْعَلُه؛ لأنَّ ذلك كان مَشْهُورًا عندَهم، فاسْتُغْنِىَ عن ذِكْرِه، ولا يَمْنَعُ الحِلُّ مِن العِبادَةِ بما كان مُحَرَّمًا فيها، كالسلامِ في الصَّلاةِ.
فصل: فإذا قُلْنا: إنَّه نُسُكٌ. جاز تَأْخِيرُه إلى آخِرِ أيَّامِ النَّحْرِ؛ لأنَّه إذا جازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ المُقَدَّمِ عليه، فتَأْخِيرُه أوْلَى، فإن أخَّرَه عن ذلك، فلا دَمَ عليه، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالَى بَيَّنَ أوَّلَ وَقْتِه، ولم يُبَيِّنْ آخِرَه، فمتى أتَى به أجْزَأ، كالطَّوافِ للزِّيارَةِ والسَّعْى. والثّانِيَةُ، عليه دَمٌ، لأنَّه نُسُكٌ أخَّرَه عن مَحِلِّه. ومَن تَرَك نُسُكًا فعليه دَمٌ. ولا فَرْقَ في التَّأخِيرِ بينَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، والعامِدِ والسَّاهِى. وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ،
стр. 4289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ: مَن تَرَكَه حتى حَلَّ، فعليه دَمٌ؛ لأنَّه نُسُكٌ، فوَجَبَ أن يَأْتِىَ به قبلَ الحِلِّ، كسائِرِ مَناسِكِه. ولَنا، ما تَقَدَّمَ. وهل يَحِلُّ قبلَه؟ فيه رِوَايَتان؛ إحداهُما، أنَّ التَّحَلُّلَ إنَّما يَحْصُلُ بالحَلْقِ والرَّمْى مَعًا. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وقولُ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «إذَا رَمَيْتُمْ، وحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَئٍ، إلَّا النِّسَاءَ» (١). وتَرْتِيبُ الحِلِّ عليهما دَلِيلٌ على حُصُولِه بهما، ولأنَّهما نُسُكان يَتَعَقَّبُهما الحِلُّ، فكان حاصِلًا بهما، كالطَّوافِ والسَّعْى في العُمْرَةِ. والثانِيَةُ، يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بالرَّمْى وَحْدَه. وهذا قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، وأبى ثَوْرٍ. قال شيخُنا (٢): وهو الصَّحِيحُ، إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى؛
стр. 4290
فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْى أَوِ النَّحْرِ، جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، فَلَا شَىْءَ
ــ
لقولِه في حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «إذَا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَئٍ، إلَّا النِّسَاءَ». وكذلك قال ابنُ عباسٍ. قال بعضُ أصحابِنا: هذا يَنْبَنِى على الخِلافِ في الحَلْقِ، إن قُلْنا: هو نُسُكٌ. حَصَل الحِلُّ، وإلَّا حَصَل بالرَّمْى وَحْدَه، وهو الذى ذَكَرَه شيخُنا في كتابِه المَشْرُوحِ.
١٣٠٧ - مسألة: (وإن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى والنَّحْرِ، جاهِلًا أو
стр. 4291
عَلَيْهِ. وَإنْ كَانَ عَالِمًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
ناسِيًا، فلا شئَ عليه. وإن كان عالِمًا، فهل يَلْزَمُه دَمٌ؟ على رِوايَتَيْن) السُّنَّةُ في يَوْمِ النَّحْرِ أن يَرْمِىَ، ثم يَنْحَرَ، ثم يَحْلِقَ، ثم يَطُوفَ، تَرتِيبُها هكذا؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ رَتَّبَهَا كذلك، فروَى أنَسٌ، أنَّ النبىَّ ﷺ رَمَى، ثم نَحَر، ثم حَلَق. رَواه أبو داودَ (١). فإن أخَلَّ بتَرْتِيبِها ناسِيًا أو جاهِلًا، فلا شئَ عليه. هذا قولُ الحسنِ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ، ومحمدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: إن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى، أو على النَّحْرِ، فعليه دَمٌ، فإن كان قارِنًا فعليه دَمان. وقال زُفَرُ: عليه ثَلاثَةُ دِماءٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، أشْبَهَ ما لو حَلَق قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ. ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّه بِنُ عَمْرٍو، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ؟ قال: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ». فقالَ آخَرُ: ذَبَحْتُ قبلَ أن أرْمِىَ؟ قال: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفى لَفْظٍ، قال:
стр. 4292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فجاءَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، لم أشْعُرْ، فحَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ. وذَكَر الحَدِيثَ. قال: فما سَمِعْتُه يُسْألُ يَوْمَئِذٍ عن أمْرٍ مِمّا يَنْسَى المرءُ أو يَجْهَلُ، مِن تَقْدِيمِ بعضِ الأمُورِ على بَعْضٍ وأشباهِها، إلَّا قال: «افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ». رَواه مسلم. وعن ابنِ عباسٍ، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قيلَ له يومَ النَّحْرِ، وهو بمِنًى: في النَّحْرٍ، والحَلْقِ، والرَّمْى، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، [فقالَ: «لَا حَرَجَ»] (١). مُتَّفقٌ عليه (٢). ورَواه عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عيسى بنِ طَلْحَةَ، عن عبدِ اللَّه بِن عَمْرٍو، وفيه: فحَلَقْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ. وسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ أحَقُّ أن تُتَبَّعَ. فأمَّا إن فَعَلَه عامِدًا، عالِمًا مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ، فإنَّه لا دَمَ عليه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. وهو قولُ عَطاءٍ، وإسحاقَ؛ لإطْلاقِ حَدِيثِ ابنِ عباسٍ، وكذلك حديثُ عبدِ اللَّهِ ابنِ عَمْرٍو، مِن رِوايَةِ سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ. والثانيةُ، عليه دَمٌ. رُوِى نَحْوُ ذلك عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وجابرِ بنِ زَيْدٍ، وقتادَةَ، والنَّخَعِىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ
стр. 4293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١). ولأنَّ النبىَّ ﷺ رَتَّبَ، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٢). والحديثُ المُطْلَقُ قد جاء مُقَيَّدًا، فيُحْمَلُ المُطْلَقُ على المُقَيَّدِ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْألُ عن رجلٍ حَلَق قبلَ أن يَذْبَحَ؟ فقال: إن كان جاهِلًا، فليس عليه دَمٌ، فأمَّا مع التَّعَمُّدِ فلا؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ سَألَه رجلٌ، فقال: لم أشْعُرْ. قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ لا يقولُ: لم أشْعُرْ. فقالَ: نَعَمْ، ولكنَّ مالكًا والناسَ عن الزُّهْرِىِّ (٣): لم أشْعُرْ. وهو في الحَدِيثِ. وقال مالكٌ: إن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى، فعليه دَمٌ، وإن قَدَّمَه على النَّحْرِ، أو النَّحْرَ على الرَّمْى، فلا شَئَ عليه؛ لأنَّه بالإجْماعِ مَمْنُوعٌ مِن حَلْقِ شَعَرِه قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا برَمْى الجَمْرَةِ، فأمَّا النَّحْرُ قبلَ الرَّمْى، فجائِزٌ؛ لأنَّ الهَدْىَ قد بَلَغَ مَحِلَّه. ولَنا الحَدِيثُ، فإنَّه لم يُفَرِّقْ بَيْنَهما، فإنَّ النبىَّ ﷺ قيلَ له: في الحَلْقِ، والنَّحْرِ، والتَّقْدِيمِ، والتَّأْخِيرِ. فقال: «لَا حَرَجَ». ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَهم في أنَّ مُخالَفَةَ التَّرْتِيبِ لا تُخْرِجُ هذه الأفْعالَ عن الإِجْزاءِ، ولا تَمْنَعُ وُقُوعَها
стр. 4294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَوْقِعَها، وإنَّما اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الدَّمِ على ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن قَدَّمَ الإِفاضَةَ على الرَّمْى، أجْزَأ طَوافُه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: لا تُجْزِئُه الإِفاضَةُ، فلْيَرْمِ، ثم لْيَنْحَرْ، ثم لْيُقَصِّرْ. وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ في مَن أفاضَ قبلَ أن يَحْلِقَ: يَرْجِعُ فيَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ثم يُفِيضُ. ولَنا، ما روَى عَطاءٌ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال له رجلٌ: أفَضْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ؟ قال: «ارْم وَلَا حَرَجَ». وعنه، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَئٍ فَلَا حَرَجَ». رَواهما سعيدٌ في «سُنَنِه». ورُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، أنَّ النبىَّ ﷺ ، أتاه آخَرُ، فقالَ: إنِّى أفَضْتُ إلى البَيْتِ قبلَ أن أرْمِىَ؟ فقالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». فما سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن شئٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». رَواه أبو داودَ، والنَّسائىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (١). ولأنَّه أتَى بالرَّمْى في وَقْتِه، فأجْزَأه، كما لو رَتَّبَ. ومُقْتَضَى كَلامِ أصحابِنا أنَّه يَحْصُلُ له بالإِفاضَةِ قبلَ الرَّمْى التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، كمَن رَمَى ولم يُفِضْ. فعلى هذا لو واقَعَ أهلَه قبلَ الرَّمْى بعدَ الإِفاضَةِ، فعليه دَمٌ، ولا يَفْسُدُ حَجُّه. وكذلك قال الأوْزاعِىُّ. فإن رَجَع إلى أهْلِه ولم يَرْمِ، فعليه دَمٌ لتَرْكِ الرَّمْى، وحَجُّه صَحيحٌ؛ فإنَّ ابنَ عباسٍ قال: مَن نَسِىَ أو تَرَك شَيْئًا مِن نُسُكِه، فَلْيُهَرِقْ لذلك دَمًا (٢).
стр. 4295
ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ خُطْبَةً، يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالإفَاضَةَ وَالرَّمْىَ.
ــ
١٣٠٨ - مسألة: (ثم يَخْطُبُ الإِمامُ خُطبَةً، يُعَلِّمُهم فيها النَّحْرَ والإِفاضَةَ والرَّمْى) يُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ الإِمامُ بمِنًى يومَ النَّحْرِ خُطْبَةً، يُعَلِّمُهُم فيها النَّحْرَ والإِفاضَةَ والرَّمْى. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وذَكَر بعضُ أصحابِنا أنَّه لا يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّها تُسَنُّ في اليَوْمِ الذى قبلَه، فلا تُسَنُّ فيه. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ ﷺ ، خَطَب الناسَ يومَ النَّحْرِ، يَعْنِى بمِنًى. أخْرَجَه البخارىُّ (١). وعن رافِعِ بنِ عَمْرٍ والمُزَنِىِّ قال: رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ الناسَ بمِنًى، حينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، على بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ وعلىٌّ يُعَبِّرُ عنه (٢)، والناسُ بينَ قائمٍ وقاعِدٍ. وقال أبو أُمَامَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: سَمِعْتُ خُطْبَةَ رسولِ اللَّه ﷺ بمِنًى يومَ النَّحْرِ. وقال عبدُ الرحمنِ بنُ مُعاذٍ: خَطَبَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ونحن بمِنًى، ففُتِحَتْ (٣) أسْماعُنا، حتى كُنَّا نَسْمَعُ ونحن في مَنازِلنا، فطَفِقَ يُعَلِّمُهم مَنَاسِكَهُم حتى بَلَغ الجِمارَ. رَواهُنَّ أبو داودَ (٤) غيرَ حَدِيثِ
стр. 4296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنِ عباسٍ. ولأنَّه يَوْمٌ تَكْثُرُ فيه أفعالُ الحَجِّ، ويَحْتاجُ إلى تَعْلِيمِ الناسِ أحْكامَ ذلك، فاحْتِيجَ إلى الخُطْبَةِ مِن أجْلِه، كيوم عَرَفَةَ.
فصل: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يومُ النَّحْرِ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ قال في خُطْبَتِه يومَ النَّحْرِ: «هَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ». رَواه البخارىُّ (١). وسُمِّىَ بذلك لكَثْرَةِ أفْعالِ الحَجِّ فيه؛ مِن الوُقُوفِ بالمَشْعَرِ، والدَّفْعِ منه إلى مِنًى،
стр. 4297
ثُمَّ يفيضُ إلَى مَكَّةَ، وَيَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ، وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ؛ وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الَّذِى بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ.
ــ
والرَّمْى، والنَّحْرِ، والحَلْقِ، وطَوافِ الإِفاضَةِ، والرُّجُوعِ إلى مِنًى ليَبِيتَ بها، وليس في غيرِه مِثْلُه، وهو مع ذلك يَوْمُ عِيدٍ، ويومٌ يَحِلُّ فيه مِن أفْعالِ الحَجِّ.
١٣٠٩ - مسألة: (ثم يُفِيضُ إلى مَكَّةَ، ويَطُوفُ للزِّيارَةِ، ويُعَيِّنُه بالنِّيَّةِ، وهو الطَّوافُ الواجِبُ الذى به تمامُ الحَجِّ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا رَمَى رنَحَر وحَلَقَ، أفاضَ إلى مَكَّةَ يومَ النَّحْرِ، فطافَ طَوافَ الزِّيارَةِ، وسُمِّىَ بذلك؛ لأنَّه يَأْتِى مِن مِنًى فيَزُورُ البَيْتَ، ولا يقيمُ بمَكَّةَ، بل يَرْجِعُ إلى مِنًى، ويُسَمَّى طَوافَ الإِفاضَةِ؛ لكَوْنِه يَأْتِى به عندَ إفاضَتِه مِن مِنًى إلى مَكَّةَ. وصِفَةُ هذا الطَّوافِ، كصِفَةِ طَوافِ القُدُومِ، إلَّا أنَّه يَنْوِى به طَوافَ الزِّيارَةِ، ويُعَيِّنُهُ بالنِّيَّةِ. ولا رَمَلَ فيه، ولا اضْطِباعَ؛ لقَوْلِ ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما: إنَّ النبىَّ ﷺ لم يَرْمُلْ في السَّبْعِ الذى أفاضَ فيه (١). والنِّيَّةُ شَرْطٌ في هذا الطَّوَافِ. هذا قولُ إسحاقَ، وابنِ القاسمِ
стр. 4298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صاحِبِ مالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: يُجْزِئُه، وإن لم يَنْوِ الفَرْضَ الذى عليه. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «إنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١). ولأنَّ النبىِّ ﷺ سَمَّاه صلاةً، والصلاةُ لا تَصِحُّ إلَّا بِنيَّةٍ اتِّفاقًا. وهذا الطَّوافُ رُكْنٌ للحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو مِن فرائِضِ الحَجِّ، لا خِلافَ في ذلك بينَ العُلَماءِ. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). وعن عائشةَ، قالت: حَحجْنَا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأفَضْنَا يومَ النَّحْرِ، فحاضَتْ صَفِيَّةُ، فأرادَ النبىُّ ﷺ منها ما يُرِيدُ الرجلُ مِن أهْلِه، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها حائِضٌ. فقال: «أحَابِسَتُنَا هِىَ؟». قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها قد أفاضَتْ يومَ النَّحْرِ. قال: «اخْرُجُوا». مُتَّفَقٌ عليه (٣). فدَلَّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأنَّه
стр. 4299
وَأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ وَعَنْ أَيَّامِ مِنًى، جَازَ.
ــ
حابِسٌ لمَن لم يَأْتِ به.
١٣١٠ - مسألة: (وأوَّلُ وَقْتِه بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ، والأفْضَلُ فِعْلُه يومَ النَّحْرِ، فإن أخَّرَه عنه وعن أيَّامِ مِنًى، جازَ) لهذا الطَّوافِ وَقْتانِ؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووَقْتُ إجْزاءٍ؛ فأمَّا وَقْتُ الفَضِيلَةِ، فيَوْمُ النَّحْرِ بعدَ الرَّمْى والنَّحْرِ والحَلْقِ؛ لقولِ جابِرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ ﷺ يومَ النَّحْرِ: فأفاضَ إلى البَيْتِ، فصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ (١). وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ عائشةَ، قالت: فَأفَضْنَا يومَ النَّحْرِ. وقال ابنُ عُمَرَ: أفاضَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عليهما (٢). وإن أخَّرَه إلى اللَّيْلِ فلا بَأْسَ؛ فإنَّ ابنَ عباسٍ، وعائشةَ، رَوَيَا أنَّ النبىَّ ﷺ أخَّرَ طَوافَ الزِّيارَةِ إلى اللَّيْلِ. رَواهما أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (٣). وأمَّا وَقْتُ
стр. 4300
ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أوْ لَمْ يَكُنْ سَعَى
ــ
الجَوازِ، فأوَّلُه مِن نِصْفِ اللَّيْلِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: أوَّلُه طُلوعُ الفَجْرِ يومَ النَّحْرِ، وآخِرُه آخِرُ أيَّامِ النَّحْرِ. وهذا مَبْنِىٌّ على أوَّلِ وَقْتِ الرَّمْى، وقد مَضَى الكَلامُ فيه. واحْتجَّ على آخِرِ وَقْتِه بأنَّه نُسُكٌ يُفْعَلُ في الحَجِّ، فكان آخِرُه مَحْدُودًا، كالوُقُوفِ والرَّمْى. والصَّحِيحُ أنَّ آخِرَ وَقْتِه غيرُ مَحْدُودٍ؛ لأنَّه متى أتَى به صَحَّ بغيرِ خِلافٍ، وإنَّما الخِلافُ في وُجُوبِ الدَّمِ، فنقولُ: طافَ فيما بعدَ أيَّامِ النَّحْرِ طَوافًا صَحِيحًا، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كما لو طَافَ في أيَّامِ النَّحْرِ. وأمَّا الوُقُوفُ والرَّمْىُ، فإنَّهُما لَمّا كانا مُوَقَّتَيْن كان لهما وَقْتٌ يَفُوتان بفَواتِه، وليس كذلك الطَّوافُ، فإنَّه متى أتَى به صَحَّ.
١٣١١ - مسألة: (ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، إن كان مُتَمَتِّعًا ،
стр. 4301
مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَإنْ كَانَ قَدْ سَعَى، لَمْ يَسْعَ.
ــ
أو لم يَكُنْ سَعَى مع طَوافِ القُدُومِ، وإن كان قد سَعَى، لم يَسْعَ) لأنَّ السَّعْىَ الذى سَعَاه المُتَمَتِّعُ إنَّما كان للعُمْرَةِ، فيُشْرَعُ له أن يَسْعَى للحَجِّ. وإن كان المُفْرِدُ والقارِنُ لم يَسْعَيَا مع طَوافِ القُدُومِ، سَعَيَا بعدَ طَوافِ الزِّيارَةِ؛ لأنَّ السَّعْىَ لا يكُونُ إلَّا بعدَ الطَّوافِ، لكَوْنِ النبىِّ ﷺ إنَّما سَعَى بعدَ الطَّوافِ، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (١). وإن كان قد سَعَى مع طَوافِ القُدُومِ، لم يَسْع؛ فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ التَّطَوُّعُ بالسَّعْى، كسائِرِ الأنْساكِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، فأمَّا الطَّوافُ فيُسْتَحَبُّ التَّطوُّعُ به؛ لأنَّه صلاةٌ.
стр. 4302
ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ.
ــ
١٣١٢ - مسألة: (ثم قد حَلَّ له كلُّ شئٍ) . يَعْنِى إذَا طافَ للزِّيارَةِ بعدَ الرَّمْى والنَّحْرِ والحَلْقِ، وكان قد سَعَى، حَلَّ له كلُّ شئٍ حَرَّمَه الإِحْرامُ. وقد ذَكَرْنا أنَّه لم يَكُنْ بَقِىَ عليه مِن المَحْظُوراتِ سِوَى النِّساءِ، فبهذا الطَّوافِ حَلَّ له النِّساءُ. قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما: لم يَحِلَّ النبىُّ ﷺ مِن شئٍ حَرُمَ منه، حتى قَضَى حَجَّه، ونَحَر هَدْيَه يَوْمَ النَّحْرِ، فأفاضَ بالبَيْتِ، ثم حَلَّ مِن كلِّ شئٍ حَرُمَ منه. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، مثلُه. مُتَّفَقٌ عليهما (١). ولا نَعْلَمُ خِلافًا في حُصُولِ الحِلِّ بما ذَكَرْناه على هذا التَّرْتِيبِ، فإن طافَ ولم يَكُنْ سَعَى، لم يَحِلَّ حتى يَسْعَى، إن قُلْنا: إنَّ السَّعْىَ رُكْنٌ. وإن قُلْنا: هو سُنَّةٌ. فهل يَحِلُّ قبلَه؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، يَحِلُّ؛ لأنَّه لم يَبْقَ عليه شئٌ مِن واجِباتِه. والثانى، لا يَحِلُّ؛ لأنَّه مِن أفْعالِ الحَجِّ، فيَأْتى به في إحْرامِ الحَجِّ، كالسَّعْىِ في العُمْرَةِ.
فصل: قال الخِرَقِىُّ: يُسْتَحَبُّ للمُتَمَتِّعِ إذا دَخَل مَكَّةَ لطَوافِ الزِّيارَةِ، أن يَطُوفَ طَوافًا يَنْوِى به القُدُومَ، ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا
стр. 4303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمَرْوَةِ، ثم يَطُوفَ طَوافَ الزِّيارَةِ؛ لأنَّ المُتَمَتِّعَ لم يَأْتِ به قبلَ ذلك، فإنَّ الطَّوافَ الذى طافَه في الأوَّلِ كان طَوافَ العُمْرَةِ. وقد نَصَّ أحمدُ، ﵀، على ذلك في رِوايَةِ الأثْرَمِ. قال: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: فإذَا رَجَع -يَعْنِى المُتَمَتِّعَ- كم يَطُوفُ ويَسْعَى؟ قال: يَطُوفُ ويَسْعَى لحَجِّه، ويَطُوفُ طَوافًا آخَرَ للزِّيارَةِ. عاوَدْناه في هذا غيرَ مَرَّةٍ، فثَبَتَ عليه. وكذلك الحُكْمُ في القارِنِ والمُفْرِدِ، إذا لم يَكُونَا أتَيَا مَكَّةَ قبلَ يومِ النَّحْرِ، ولا طافا طَوافَ القُدُومِ، فإنَّهُما يَبْدآن بطَوافِ القُدُومِ قبلَ طَوافِ الزِّيارَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا. واحْتَجَّ بما رَوَتْ عائشةُ، رَضىَ اللَّه عنها، قالت: فطافَ الذين أهَلُّوا بالعُمْرَةِ، وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم حَلُّوا، ثم طافُوا طَوافًا آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى لحَجِّهم، وأمَّا الذين جَمَعُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ فإنَّما طافُوا طَوافًا واحِدًا (١). فحَمَلَ أحمدُ، رَضِىَ اللَّه عنه، قولَ عائشةَ على أنَّ طَوافَهم لحَجِّهم هو طَوافُ القُدُومِ، ولأنَّه قد ثَبَت أنَّ طَوافَ القُدُومِ مَشْرُوعٌ، فلم يَكُنْ طَوافُ الزِّيارَةِ مُسْقِطًا له، كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ عندَ دُخُولِه قبلَ التَّلبُّسِ بصلاةِ الفَرْضِ. قال شيخُنا (٢)، ﵀: ولم أعْلَمْ أحَدًا وَافَقَ أبا عبدِ اللَّهِ على هذا الطَّوافِ الذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ، بل المَشْرُوعُ طَوافٌ واحِدٌ للزِّيارَةِ، كمَن دَخَل المَسْجِدَ، وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فإنَّه يَكْتَفِى بها مِن تَحِيَّةِ المَسْجِدِ. ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبىِّ ﷺ ،
стр. 4304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا أصحابِه الذين تَمَتَّعُوا معه في حَجَّةِ الوادعِ، ولا أمَرَ به النبىُّ ﷺ أحدًا، وحَدِيثُ عائشةَ دَلِيلٌ على هذا، فإنَّها قالت: طافُوا طَوافًا واحِدًا بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى لحَجَّتِهم. وهذا هو طَوافُ الزِّيارَةِ، ولم تَذْكُرْ طَوافًا آخَرَ، ولو كان هذا الذى ذَكَرَتْه طَوافَ القُدُومِ، لكانَتْ قد أخَلَّتْ بذِكْرِ طَوافِ الزِّيارَةِ الذى هو رُكْنُ الحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به، وذَكَرَتْ ما يُسْتَغْنَى عنه، وعلى كلِّ حالٍ فما ذَكَرَتْ إلَّا طَوافًا واحِدًا، فمِن أين يُسْتَدَلُّ على طَوافَيْن؟ وأيضًا فإنَّها لَمَّا حاضَتْ، فقَرَنَتِ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ بأمْرِ النبىِّ ﷺ ، ولم تَكُنْ طافَتْ للقُدُومِ، لم تَطُفْ للقُدُومِ، ولا أمَرَها به النبىُّ ﷺ ، ولأنَّ طَوافَ القُدُومِ لو لم يَسْقُطْ بالطَّوافِ الواجبِ، لَشُرِعَ في حَقِّ المُعْتَمِرِ طوافٌ للقُدُومِ مع طَوافِ العُمْرَةِ، ولأنَّه أوَّلُ قُدُومِه إلى البَيْتِ، فهو به أوْلَى مِن المُتَمَتِّعِ الذى يَعُودُ إلى البَيْتِ بعدَ رُؤْيَتِه وطَوافِه. وفى الجُمْلَةِ، هذا الطَّوافُ المُخْتَلَفُ فيه ليس بواجِبٍ، إنَّما الواجِبُ طَوافٌ واحِدٌ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، وهو في حَقِّ المُتَمَتِّعِ كهو في حَقِّ القارِنِ والمُفْرِدِ، لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به.
فصل: والأطْوِفَةُ المَشْرُوعَةُ في الحَجِّ ثَلَاَثَةٌ؛ طَوافُ الزِّيارَةِ، وهو رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به، بغيرِ خِلافٍ. وطوافُ القُدُومِ، وهو سُنَّةٌ، لا شئَ على تَارِكِه. وطَوافُ الوَداعِ، واجِبٌ، يَجِبُ بتَرْكِه دَمٌ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه. وقال مالكٌ: على تارِكِ
стр. 4305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طَوافِ القُدُوم دَمٌ، ولا شئَ على تارِكِ طَوافِ الوداعِ. وحُكِىَ عن الشافعىِّ كقولِنا في طَوافِ الوَداعِ، وكقولِه في طَوافِ القُدُومِ. وما زادَ على هذه الأطْوِفَةِ فهو نَفْلٌ، ولا يُشْرَعُ في حَقِّهِ أكثرُ مِن سَعْىٍ واحِدٍ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. قال جابِرٌ: لم يَطُفِ النبىُّ ﷺ ولا أصحابُه بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ إلَّا طَوافًا واحِدًا، طَوافَه الأوَّلَ. رَواه مسلمٌ (١). ولا يكونُ السَّعْىُ إلَّا بعدَ طَوافٍ، وقد ذَكَرناه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخُلَ البَيْتَ، فيُكَبِّرَ في نَواحِيهِ، ويُصَلِّىَ فيه رَكْعَتَيْن، ويَدْعُوَ اللَّهَ . قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: دَخَل النبىُّ ﷺ البَيْتَ، وبِلالٌ، وأُسامَةُ بنُ زَيْدٍ، فقُلْتُ لبلالٍ: هل صَلَّى فيه رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: نعم. قُلْتُ: أين؟ قال: بينَ العَمُودَيْن تِلْقَاءَ وَجْهِه. قال: ونَسِيتُ أن أسْألَه كم صَلَّى. وقال ابنُ عباسٍ (٢): أخْبَرَنِى أُسَامَةُ، أنَّ النبىَّ ﷺ لَمَّا دَخَل البَيْتَ، دَعَا في نَواحِيه كلِّها، ولم يُصَلِّ فيه حتى خَرَج. مُتَّفَقٌ عليهما (٣). فقَدَّمَ أهْلُ العِلمِ رِوايَةَ بِلالٍ على رِوايَةِ أُسامَةَ؛
стр. 4306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه مُثْبِتٌ، وأُسامَةُ نافٍ، ولأنَّ أُسامَةَ كان حَدِيثَ السِّنِّ، فيَجُوزُ أن يكونَ اشْتَغَلَ بالنَّظَر إلى ما في الكَعْبَةِ عن صلاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وإن لم يَدْخُلِ البَيْتَ، فلا بَأْسَ، فإنَّ إسْماعِيلَ بنَ أبى (١) خالدٍ قال: قُلْتُ لعبدِ اللَّهِ ابِن أبى أوفَى: دَخَل النبى ﷺ البَيْتَ في عُمْرَتِه؟ قال: لا. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عَنها، أنَّ النبىَّ ﷺ خَرَجَ مِن عندِها وهو مَسْرُورٌ، ثم رَجَعَ وهو كَئِيبٌ. فقال: «إنِّى دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا، إنِّى أَخَافُ أنْ أكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِى» (٣).
стр. 4307
ثُمَّ يَأْتِى زَمْزَمَ، فَيَشْرَبُ مِنْهَا لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِى، وَامْلأهُ مِنْ خَشْيَتِكَ وَحِكْمَتِكَ.
ــ
١٣١٣ - مسألة: ويُسْتَحَبُّ أن (يأْتِىَ زَمْزَمَ، فيَشْربُ مِن مائِها لِما أحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ (١) منه) قال جابِرٌ في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ ﷺ : ثم أتَى بنى عبدِ المُطَّلِبِ وهم يَسْقُونَ، فَنَاوَلُوه دَلْوًا، فشَرِبَ منه (٢). ورُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (٣). وعن [محمدِ بنِ] (٤) عبدِ الرحمنِ بنِ أبىِ بكرٍ، قال: كُنْتُ عندَ ابنِ عباسٍ جالِسًا، فجاءَه رجلٌ، فقالَ: مِن أينَ جِئْتَ؟ قال: مِن زَمْزَمَ. قال: فَشَرِبْتَ منها كما يَنْبَغى؟ قال: فكيف؟ قال: إذا شَرِبْتَ منها، فاسْتَقْبِلِ الكَعْبَةَ، واذْكُرِ اسمَ اللَّهِ، وتَنَفَّسْ ثَلَاثًا مِن زَمْزَمَ، وتَضَلَّعْ منها، فإذَا فَرَغْتَ فاحْمَدِ اللَّهَ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ، أنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ». رَواهما ابنُ ماجه (٥). (ويَقُولُ) عندَ الشُّرْبِ (بِسْمِ اللَّه، اللَّهُمَّ اجْعَلْه لَنا عِلْمًا نافِعًا، ورِزْقًا واسِعًا، ورِيًّا وشِبَعًا، وشِفَاءً مِن كلِّ
стр. 4308
فَصْلٌ: ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى، وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى،
ــ
دَاءٍ، واغْسِلْ به قَلْبِى، وامْلَأه مِن خشْيَتِكَ وحِكْمَتِكَ).
فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (ثم يَرْجِعُ إلى مِنًى، ولا يَبِيتُ بمَكَّةَ لَيالِىَ مِنًى) السُّنَّةُ لمَن أفاضَ يومَ النَّحْرِ أن يَرْجِعَ إلى مِنًى؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ ﷺ أفاضَ يومَ النَّحْرِ، ثم رَجَع، فصَلَّى الظُّهْرَ بمِنًى. مُتَّفَقٌ عليه (١). والمَبِيتُ بمِنًى في لَيالِيها واجِبٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، وإبراهيمَ، وعَطاءٍ. ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ. والثانيةُ، ليس بواجِبٍ. رُوِى ذلك عن الحسنِ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ: إذا رَمَيْتَ الجَمْرَةَ فبِتْ حيثُ شِئْتَ، ولأنَّه قد حَلَّ مِن حَجِّه، فلم يَجِبْ عليه المَبِيتُ بمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، كلَيْلَةِ الحَصْبةِ (٢). ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنّ ابنَ عُمَرَ روَى أنَّ النبىَّ ﷺ رَخَّصَ للعباسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ أن يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى، مِن أجْلِ سِقَايَتِه. مُتّفَقٌ عليه (٣). وتَخْصِيصُ العباسِ بالرُّخْصَةِ