← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كسائِرِ الطّاهِراتِ إذا خَرَجَتْ مِن البَدَنِ. والأوَّلُ أولَى. وقَوْلُه: لا يَصِلُ الدُّهْنُ إلى مَوْضِعٍ نَجِسٍ. مَمْنُوعٌ، فإنَّ باطِنَ الذَكَرِ نَجِسٌ مِن آثارِ البَوْلِ، والماءُ لا يَصِلُ إليه فيُطَهِّرُه، فيَتَنَجَّسُ به الدُّهْنُ. ولو احْتَشَى قُطْنًا في ذَكَرِه، ثم أخْرَجَه وعليه بَلَلٌ، نَقَض الوُضُوءَ أَيضًا، كما لو خَرَج البَلَلُ مُنْفَرِدًا. وإن خَرَج ناشِفًا، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، يَنْقُضُ، لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ سائِرَ الخارِجِ. والثاني، لا يَنْقُضُ، لأنَّه ليس بينَ المَثانَةِ والجَوْفِ مَنْفَذٌ، ولم تَصْحَبْه نَجاسَةٌ، فلم يَنْقُضْ، كسائِرِ الطَّاهِراتِ. ونَقَل القاضي في «المُجَرَّدِ» عن أحمدَ، في رِوايَةِ عبدِ اللهِ: إذا احْتَشَى القُطْنَ في ذَكَرِه وصَلَّى، ثم أخْرَجَه ووَجَد بَلَلًا، فلا بَأْسَ ما لم يَظْهَرْ. يَعْنِي: جارِيًا. وهذا يَدُلُّ على أنَّ نَفْسَ البَلَلِ لا يَنْقُضُ. ولو احْتَقَنَ في دُبُرِه، فرَجَعَتْ أجْزاءٌ مِن الحُقْنَةِ، فخَرَجَتْ مِن الفَرْجِ، نَقَضَتِ الوُضُوءَ. وهكذا لو وَطِئَ امْرَأْتَه دُونَ الفَرْجِ، فدَبَّ ماؤُه فدَخَلَ الفَرْجَ

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم خَرَج، نَقَض الوُضُوءَ، وعليها (١) الاسْتِنْجاءُ؛ لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، لا يَخْلُو مِن بِلَّةٍ تَصْحَبُه مِن الفَرْجِ. فإن لم يَعْلَمْ خُرُوجَ شيءٍ منه، احْتَمَلَ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، النَّقْضُ فيهما؛ لأنَّ الغالِب أَنَّه لا يَنْفَكُّ عن الخُرُوجِ، فنَقَضَ كالنَّوْمِ. والثاني، لا يَنْقُضُ، عَمَلًا بالأصْلِ. لكنْ إن كان المُحْتَقِنُ قد أدْخَلَ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ ثم أخْرَجَه، نَقَض الوُضُوءَ، وكذلك إن أدْخَلَ فيه مِيلًا أو غيرَه ثم خَرَج؛ لأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فنَقَضَ كسائِرِ الخارِجِ.

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: قال أبو الحارِثِ: سَألْتُ أحمدَ عن رجلٍ به عِلَّةٌ، رُبَّما ظَهَرَتْ مَقْعَدَتُه؟ قال: إن عَلِمَ أنَّه يَظْهَرُ معها نَدًى تَوَضَّأَ، وإن لم يَعْلَمْ فلا شيءَ عليه. قال شيخُنا (١)، ﵀: يحْتَمِلُ أنَّه إنَّما أرادَ نَدًى يَنْفَصِلُ عنها، فأمّا الرُّطُوبَةُ اللّازِمَةُ لها فلا تَنْقُضُ، لأنَّها لا تَنْفَكُّ عن رُطُوبَةٍ، فلو نَقَضَتْ لنَقَضَ خُرُوجُها على كلِّ حالٍ، وذلك لأنَّه شيءٌ لم ينْفَصِلْ عنها، فلم يَنْقُضْ كسائِرِ أجْزائِها، وقد قالوا في مَن أخْرَجَ لِسانَه وهو صائِمٌ، وعليه بَلَلٌ، ثم أدْخَلَه وابْتَلَعَ ذلك البَلَلَ: لم يُفْطِرْ، لأنَّه لم يَثْبُتْ له حُكْمُ الانْفِصالِ. واللهُ أعلمُ. فصل: والمَذْيُ ما يَخْرُجُ عَقِيبَ الشَّهْوَةِ زَلِجًا مُتَسَبْسِبًا، فيَكُونُ على رَأسِ الذَّكَرِ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ إجماعًا، وهل يَجِبُ غَسْلُ الذَّكَرِ والأُنْثَيَين منه؟ فيه رِوايتان؛ إحْداهُما، يُوجِبُ ذلك؛ لما رُوِيَ أنَّ عليًّا، ﵁، قال: كُنتُ رجلًا مَذّاءً، فاسْتَحَيَتُ أن أسألَ رسولَ اللهِ ﷺ ؛ لمَكانِ ابْنَتِه، فأمَرْتُ المِقْدادَ بنَ الأسْوَدِ فسألَه، فقال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيهِ، وَيَتَوَضَّأُ». رَواه أبو داودَ (٢). وفي لفظٍ: «تَوَضَّأْ وَانْضَحْ

стр. 424

الثَّانِي، خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَتْ غَائِطًا أو بَوْلًا نَقَضَ قَلِيلُهَا، ــ فَرْجَكَ». رَواه مسلمٌ (١). والأمْرُ للوُجُوبِ، ولأنَّه خارِجٌ بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فأوْجَبَ غَسْلًا زائِدًا على مُوجَبِ البَوْلِ كالمَنِيِّ، فعلى هذا يُجْزِئُه غَسْلَةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ المَأْمُورَ به غَسْلٌ مُطْلَقٌ، فيَكْفِي ما يَقَعُ عليه الاسمُ، وقد بَيَّنَه قولُه في اللَّفْظِ الآخَرِ: «وَانْضَحْ فَرْجَكَ». وسَواءٌ غَسْلُه قبلَ الوُضُوءِ أو بعدَه؛ لأنَّه غَسْلٌ غيرُ مُرْتَبِطٍ بالوُضُوءِ، أشْبَهَ غَسْلَ النجاسةِ. والثانيةُ، لا يُوجبُ إلَّا الاسْتِنْجاءَ والوُضوءَ. رُوِيَ ذلك عنْ ابنِ عباسِ، وهو قولُ أكثرِ أَهلِ العلمِ؛ لما روَى سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ، قال: كُنْتُ ألْقَى مِن المَذْيِ شِدَّةً وعَناءً، وكنتُ أُكْثِرُ منه الاغْتِسالَ، فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: «إنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ». رَواه التِّرْمِذِيُّ (٢)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّه خارِجٌ لا يُوجِبُ الغُسْلَ، أشْبَهَ الوَدْيَ، والأمْرُ بالنَّضْحِ والغَسْلِ في حديثِ عليٍّ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ. وقولُه: «إنَّمَا يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ». صَرِيحٌ في حُصُولِ الإِجْزاءِ به. والوَدْيُ ماءٌ أَبْيَضُ، يَخْرُجُ عَقِيبَ البَوْلِ، ليس فيه وفي بَقِيَّةِ الخارِجِ إلَّا الوُضوءُ، سِوَى المَنِيِّ. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ. واللهُ أعلمُ. ١٣٢ - مسألة: (الثاني، خُرُوجُ النَّجاساتِ مِن سائِرِ البَدَنِ، فإن

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كانتْ غائِطًا أو بَوْلًا، نَقَضَ قَلِيلُها) لا يَخْتَلِفُ المذهبُ في نَقضِ الوُضُوءِ بخُرُوجِ الغائِطِ والبَوْلِ؛ سَواءٌ كان مِن مَخْرَجِهِما، أو مِن غيرِه، ويَسْتَوِي قَلِيلُهما وكَثِيرُهما في ذلك، سَواءٌ كان السَّبِيلان مُنْسَدَّين أو مَفْتُوحَين، مِن فوقِ المَعِدَةِ أو مِن تحتِها. وقال أصحابُ الشافعيِّ: إنِ انْسَدَّ المَخْرَجُ، وانْفَتَحَ آخَرُ دُونَ المَعِدَةِ، لَزِم الوُضُوءُ بالخارِجِ منه، قولًا واحدًا. وإنِ انْفَتَح فوقَ المَعِدَةِ، ففيه قَوْلان. وإن كان المَخْرَجُ مَفْتُوحًا، فالمَشْهُورُ أَنَّه لا يُنْقَضُ الوُضوءُ بالخارِجِ مِن غيرِه، وبَناه على أصْلِه في أنَّ الخارِجَ مِن غيرِ السَّبِيلَين لا يَنْقُضُ. ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿أوْ جَاءَ أحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾ (١). وقولُ صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ إذا كُنّا مُسافِرِين، أو سَفْرًا، أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثَةَ أَيَّامٍ ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ، لكنْ مِن غائِطٍ وَبَوْلٌ ونَوْمٍ (٢). هذا حديثٌ صحيحٌ. قاله التِّرْمِذِيُّ. ولأنَّه غائِطٌ وبَوْلٌ خارِجٌ مِن البَدَنِ، فنَقَضَ، كالخارِجِ مِن السَّبِيلَين.

стр. 426

وَإنْ كَانَتْ غَيرَهُمَا لَمْ يَنْقُضْ إلا كَثِيرُهَا، وَهُوَ مَا فَحُشَ في النَّفْسِ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ قَلِيلَهَا يَنْقُضُ. ــ ١٣٣ - مسألة؛ قال: (وإن كَانَتْ غيرَهما، لم يَنْقُض إلَّا كَثِيرُها، وهو ما فَحُش في النَّفْسِ، وحُكِيَ عنه أنَّ قَلِيلَها يَنْقُضُ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الخارِجَ النَّجِسَ مِن غيرِ السَّبِيلَين، غيرَ البَوْلِ والغائِطِ، يَنْقُض كثيرُه بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعطاءٍ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وقال مالكٌ، والشافعيّ، ويَحْيى الأنْصارِيُّ (١) وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا وُضُوءَ فيه، لأنَّه خارِجٌ مِن غيرِ المَخْرَجِ مع بقاءِ المَخْرَج، فلم يَنْقُضْ،

стр. 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالبُصاقِ. ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الخارِجِ مِن السَّبِيلِ؛ لكَوْنِ الحُكْمِ فيه غيرَ مُعَلَّلٍ. ولأنَّ الخارِجَ مِن السَّبِيلِ لا فَرْقَ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه، وطاهِرِه ونَجسِه، وههُنا بخِلافِه، فامْتَنَعَ القِياسُ. ولَنا، ما روَى أبو الدَّرْدَاءِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قاءَ فتَوَضَّأْ. قال ثَوْبانُ: صَدَقَ، أنا سَكَبْتُ له وَضُوءَه. رَواه التِّرْمِذِيُّ (١)، وقال: هذا أصَحُّ شيءٍ في البابِ. قِيلَ لأحمدَ: حديثُ ثَوْبانَ ثَبَتَ عِنْدَك؟ قال: نعم. ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال لفاطِمَةَ: «إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ، فَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ». رَواه التِّرْمِذِيُّ (٢). عَلَّلَ بكَوْنِه دَمَ عِرْقٍ وهذا كذلك. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم. ولأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، فنَقَضَ، كالخارِجِ مِن السَّبِيلَين. وقِياسُهُم مَنْقُوضٌ بِما إذا انْفَتَحَ مَخْرَجٌ دُونَ المَعِدَةِ، والبُصاق طاهِرٌ، بخِلافِ هذا.

стр. 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا القَلِيلُ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ. حَكاه القاضي رِوايَةً واحِدَةً. وقال بَعْضُ أصْحابِنا: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَلِيلَ يَنْقُضُ، قِياسًا على الخارِجِ المُعْتادِ. رُوِيَ ذلك عن مُجاهِدٍ. وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، وسعيدِ بن جُبَيرٍ، فيما إذا سالَ الدَّمُ. قال: وإن وَقَف على رَأْسِ الجُرْحِ، لم يَجِبْ؛ لقَوْلِه ﷺ : «مَنْ قَاءَ أوْ رَعَفَ في صَلَاتِهِ، فَلْيَتَوَضَّأْ» (١). ووَجْهُ الرِّواية الأُولَى، أَنَّه قد رُوِيَ ذلك عن جَماعَةٍ مِن الصَّحابَةِ، قال أبو عبدِ اللهِ: عِدَّةٌ مِن الصَّحابَةِ تَكَلَّمُوا فيه، وأبو هُرَيرَةَ كان يُدْخِلُ أصابِعَه في أنْفِه، وابنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً، فخَرَجَ دَمٌ، فصَلَّى ولم يَتَوَضَّأَ، وابنُ أبي أوْفَى (٢) عَصَرَ دُمَّلًا، وابنُ عباسٍ قال: إذا كان فاحِشًا فعليه الإِعادَةُ. وجابرٌ أدْخَلَ أصابِعَه في أنْفِه. ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم فكانَ إجماعًا وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَه، ولم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَّنَ، وقد تَرَكُوا العَمَلَ به، فقالوا: إذا كان دُونَ مِلْءِ الفَمِ، لم يَجِبْ منه الوُضُوءُ.

стр. 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ الكَثِيرَ الَّذي يَنْقُضُ الوُضوءَ، لا حَدَّ له إلَّا أنْ يَكُونَ فاحِشًا. قيلَ: يا أبا عبدِ اللهِ، ما قَدْرُ الفاحِشِ؟ قال: ما فَحُشَ في قَلْبِك. ورُوي نَحْوُ ذلك عن ابنِ عباسٍ. قال الخَلّالُ: الَّذي اسْتَقَرَّتْ عليه الرِّوايَةُ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ الفاحِشَ ما يَسْتَفْحِشُه كلُّ إنْسانِ في نِفْسِه. لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لا يَرِيبُكَ» (١). وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُعْتَبَرُ ما يَفْحُشُ في نُفُوسِ أوْساطِ الناسِ، لا المُتَبَذِّلِينَ، ولا المُوَسْوسِينَ كما رَجَعْنا في يَسِيرِ اللُّقَطَةِ إلى ما لا تَتْبَعُه نُفُوسُ أوْساطِ الناسِ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن الكَثِيرِ، فقال: شِبْرٌ في شِبْرٍ. وفي مَوْضِعٍ قال: قَدْرُ الكَفِّ فاحِشٌ. وقال في موضعٍ: إذا كان مِقدارَ ما يَرْفَعُه الإِنْسانُ بأصابِعِه الخَمْسِ من القَيحِ، والصَّدِيدِ، وَالقَىْءِ، فلا بأْسَ به. قيلَ له: فعَشْرُ أصابِعَ. فرآه كَثِيرًا. وقال قَتادَةُ

стр. 430

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في مَوْضِعٍ: الدِّرْهَمُ فاحِشٌ. وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وأصحاب الرَّأي؛ لأنه رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمَ مِنَ الدَّمِ» (١). والصَّحِيحُ أنَّ ذلك إنَّما يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ، فإنَّه لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، وما رَوَوْه فلا يَصِحُّ، قال الحافِظُ المَقْدِسِيُّ (٢): هو مَوْضُوعٌ (٣). وقال القاضي: إذا كان الدَّمُ قَطرةً أو قَطْرَتَين، لم يَنْقُضْ، وإن كان قَدْرُه إذا انْفَرَشَ شِبْرًا في شِبْرٍ، نَقَضَ، وما كان بَينَهما ففيه رِوايتان. وقال في القَىْءِ: إن كان مِلْءَ الفَمِ نَقَض، وإن كان مِثْلَ الحِمَّصَةِ والنَّواةِ، لم يَنْقضْ، رِوايةً واحدةً فيهما، وما بيَنْهَما على رِوايَتَين، وما نَقَلَه الخَلّالُ عنه أوْلَى، لما ذَكَرْنا، ولأنَّ اعْتِبارَ حالِ الإِنْسانِ بما يَسْتَفْحِشُه غيرُه حَرَجٌ، فيَكُونُ مَنْفِيًّا.

стр. 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والقَيحُ والصَّدِيدُ كالدَّمِ فيما ذَكَرْنا. قال أحمدُ: هما أخَفُّ حُكْمًا مِن الدَّمِ. لوُقُوعِ الخِلافِ فيهما، فإنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ والحَسَنِ [أنَّهم لم يَرَوا] (١) القَيحَ والصَّدِيدَ كالدَّمِ. وقال إسحاقُ: كلُّ ما سِوَى الدَّمِ لا يُوجِبُ وُضُوءًا. وقال مُجاهِدٌ، وعطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، والحَكَمُ: هو بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ. واخْتِيارُ أبي عبدِ اللهِ مع ذلك إلْحاقُه بالدَّمِ وإثْباتُ مِثْلِ حُكْمِه فيه، قِياسًا عليه، لأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، أشْبَهَ الدَّمَ، لكن الَّذي يَفْحُشُ منه يَكُونُ أكثَرَ مِن الَّذي يَفْحُشُ مِن الدَّمِ. والقَلْسُ كالدَّمِ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ منه ما فَحُشَ. قال الخَلّالُ: الَّذي أجْمَعَ عليه أصحابُ أبي عبدِ اللهِ، أنَّه إذا كان فاحِشًا أعادَ الوُضُوءَ. وقد حُكِى عنه، إذا كان مِلْءَ الفَمِ نَقَض، وإن كان أقلَّ مِن نِصْفِ الفَمِ لا يَتَوَضَّأُ. ومِمَّن كان يَأْمُرُ بالوُضُوءِ مِن القَىْءِ؛ عليٌّ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ،

стр. 432

الثَّالِثُ، زَوَالُ الْعَقْلِ إلا النَّوْمَ الْيَسِيرَ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا. وَعَنْهُ، أَنَّ نَوْمَ الرَّاكِعِ وَالْسَّاجِدِ لَا يَنْقُضُ يسِيرُهُ. ــ والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. والمذهبُ إلْحاقُه بالدَّمِ؛ لأنَّه في مَعْناه. وهذا قَوْلُ حَمّادِ بنِ أبي سُلَيمانَ (١). وكذلك الحُكْمُ في الدُّودِ الخارِجِ مِن الجُرُوحِ، لأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ، أشْبَهَ الدَّمَ. فأمّا الجُشاءُ والبُصاق، فلا وُضُوءَ فيه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك النُّخامَةُ، سَواءٌ خَرَجَتْ مِن الرَّأْسِ أو مِن الصَّدْرِ، لأنَّه لا نَصَّ فيها، ولا هي في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولأنَّها طاهِرَةٌ، أشْبَهَتِ البُصاقَ. واللهُ أعلمُ. ١٣٤ - مسألة؛ قال: (الثَّالِثُ، زَوالُ العَقْلِ، إلَّا النَّوْمَ اليَسِيرَ

стр. 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جالسًا أو قائِمًا. وعنه، أنَّ نَوْمَ الرّاكِعِ والسّاجِدِ لا يَنْقُضُ يَسِيرُه) زَوالُ العَقْلِ على ضَرْبَينِ؛ نَوْمٍ، وغيرِه. فأمّا غيرُ النَّوْمِ، وهو الجُنُونُ والإِغْماءُ والسُّكْرُ، ونَحْوُه مِمّا يُزِيلُ العَقْلَ، فيَنْقُضُ الوُضُوءَ يَسِيرُه وكَثِيرُه إجْماعًا، ولأنَّ في إيجابِ الوُضُوءِ على النّائِمِ تَنْبِيهًا على وُجُوبِه بِما هو آكَدُ مِنه. الضَّربُ الثاني، النَّوْمُ، وهو ناقِضٌ للوُضُوءِ في الجُمْلَةِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا ما حُكِي عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ وأبي مِجْلَزٍ (١)، أنَّه لا يَنْقُضُ. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان يَنامُ مِرارًا مُضْطَجِعًا يَنْتَظِرُ الصلاةَ، ثم يُصَلِّي ولا يُعِيدُ الوُضُوءَ. ولَعَلَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ النومَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، والحَدَثُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «العَينُ وكَاءُ السَّهِ (٢)، فمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ». رَواهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَة (٣). وقولُ

стр. 434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: لكنْ مِن غائطٍ وبَولٍ ونَوْمٍ. حديثٌ صحيحٌ (١). ولأنَّ النومَ مَظِنَّةُ الحَدَثِ، فأُقِيم مُقامَه، كالْتِقاءِ الخِتانَين في وُجُوبِ الغُسْلِ، أُقِيم مُقامَ الإِنْزالِ. إذا ثَبَت هذا، فالنَّوْمُ يَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ: أحَدُها، نَوْمُ المُضْطَجِعِ، فيَنْقُضُ يَسِيرُه وكَثِيرُه، عندَ جَمِيعِ القائِلِين بنَقضِ الوُضُوءِ بالنَّوْمِ. الثاني، نَوْمُ القاعِدِ، فإن كان كثيرًا نَقَض، رِوايَةً واحِدَةً، وإن كان يسيرًا لَم يَنْقُضْ. وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وقال قَوْمٌ: متى خالطَ النَّوْمُ القَلْبَ نَقَض بكلِّ حالٍ. وهذا قولُ الحسنِ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ. ورُوي مَعْنى ذلك عن أبي هُرَيرَةَ، وابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لعُمُوم الأحاديث الدَّالَّةِ على أنَّ النَّوْمَ يَنْقُضُ. ولَنا، ما روَى مسلمٌ (٢)، عن أنَسٍ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَنامُون، ثم يُصَلُّون ولا يَتَوَضَّئُون. وعنه قال:

стр. 435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان أصحابُ رسولَ اللهِ ﷺ على عَهْدِ رسولَ اللهِ ﷺ يَنْتَظِرُون العِشاءَ الآخِرَةَ حتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُم، ثم يُصَلُّون ولا يَتَوَضَّؤُن. رَواه أبو داودَ (١). ولأنَّ النَّوْمَ يَكْثُرُ مِن مُنْتَظِرِى الصلاةِ، فعُفِي عنه لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عنه. وقال الشافعيُّ: لا يَنْقُضُ وإن كَثُرَ، إذا كان القاعِدُ مُتَمَكِّنًا مُفْضِيًا بمَحَلِّ الحَدَثِ إلى الأرضِ، لحَدِيثَيْ أنسٍ، وبهما يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الحَدِيثَينِ الأوَّلَين، ولأنَّه مُتَحَفِّظٌ عن خُرُوجِ الحَدَثِ، فلم يَنْقضْ، كاليَسِيرِ. ولَنا، عُمُومُ الحديثَين الأوَّلَين، خَصَّصْناهُما بحديثِ أنسٍ، وليس فيه بَيانُ كَثْرَةٍ ولا قِلَّةٍ، فحَمَلْناه على القَلِيلِ، لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ عليه مُحْتَمِلٌ لا يُتْرَكُ له العُمُومُ المُتَيَقَّنُ، ولأنَّ نَقْضَ الوُضُوءِ بالنَّوْمِ مُعَلَّلٌ بإِفْضائِه إلى الحَدَثِ، ومع الكَثْرَةِ والغَلَبَةِ لا يُحِسُّ بما يَخْرُجُ منه، بخِلافِ اليَسِيرِ، وبهذا فارَقَ اليَسِيرُ الكَثِيرَ، فلا يَصِحُّ قياسُه عليه. الثالثُ، ما عدا ذلك، وهو نَوْمُ القائِمِ والرَّاكِعِ والسّاجِدِ، ففيه رِوايتَان؛ إحْداهما، يَنْقُضُ. وهو قَوْلُ الشافعيِّ، لأنَّه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ،

стр. 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، لكَوْنِ القاعِدِ مُتَحَفِّظًا مُعْتَمِدًا (١) بمَحَلِّ الحَدَثِ على الأرضِ، فهو أبْعَدُ مِن خُرُوجِ الخارِجِ، بخِلافِ غيرِه. والثانيةُ، حُكْمُه حُكْمُ الجالِسِ قِياسًا عليه، ولأنَّه على حالةٍ مِن أحْوالِ الصلاةِ، أشْبَهَ الجالِسَ. والظّاهِرُ عن أحمدَ، ﵀، التَّسْويَة بينَ نَوْمِ القائِمِ والجالِسِ. وهذا قولُ الحَكَمِ، وسُفْيانَ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: بِتُّ لَيلَةً عندَ خالتِي مَيمُونَةَ، فقُلتُ لها: إذا قامَ رسولُ اللهِ ﷺ فأيقِظِيني. فقامَ ﷺ ، فقُمْتُ إلى جَنْبِه الأيسَرِ، فأخَذَ بيَدِي فجَعَلَنِى في شِقِّه الأيمَنِ، فجَعَلْتُ إذا أغْفَيتُ يَأْخُذُ بشَحْمَةِ أُذُنِي. رَواه مسلمٌ (٢). ولأنَّهما يَشْتَبِهان في الانْخِفاضِ واجْتِماعِ المَخْرَجِ، ورُبَّما كان القائِمُ أبْعَدَ مِن الحَدَثِ، لكَوْنِه لو اسْتَثْقَل في النَّوْمِ سَقَط،

стр. 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأمّا الراكِعُ والسّاجدُ فالطاهِرُ إلْحاقُهُما بالمُضْطَجِعِ؛ لأنَّه يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الحَدَثِ، فلا يَتَحَفَّظُ، فهو كالمُضْطَجعِ. ويَحْتَمِلُ التَّفْرِقَةَ بينَ الرّاكِعِ والسّاجِدِ، فيُلْحَقُ الرّاكِعُ بالقائِمِ؛ لَكَوْنِه لا يَسْتَثْقِلُ في النَّوْمِ، إذْ لو اسْتَثْقَل سَقَط، فالظّاهِرُ أنَّه يُحِسُّ بما يَخْرُجُ منه، بخِلافِ السَّاجِدِ، فإنَّه يَعْتَمِدُ بأعْضائِه على الأرضِ ويَسْتَثْقِلُ في النَّوْم، فيُشْبِهُ المُضْطجِعَ، فلا يُحِسُّ بما يَخْرُجُ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ روايةً عن أَحمدَ، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا نَوْمُ السّاجِدِ وَحْدَه. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، في القاعِدِ المُسْتَنِدِ والمُحْتَبِي، فعنه: لا يَنْقُضُ يَسِيرُه، كالقاعِدِ الَّذي ليس بمُسْتَنِدٍ. وعنه: يَنْقُضُ بكلِّ حالٍ. وهو ظاهِرُ المذهبِ. قال القاضي: متى نامَ مُضْطَجِعًا أو مُسْتَنِدًا، أو مُتَّكِئًا إلى شيءٍ، متى أُزِيلَ عنه سَقَط، نَقَض الوُضُوءَ قَلِيلُه وكَثِيرُه؛ لأنَّه

стр. 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُعْتَمِدٌ على شيءٍ، فهو كالمُضْطَجِعِ. وعنه ما يَدُلُّ على التَّفْرِقَةِ بَينَ المُحْتَبِي والمُسْتَنِدِ، فإنَّه قال في روايَةِ أبي داودَ: المُتَسانِدُ كأنَّه أشَدُّ. يَعْنِي مِن المُحْتَبِي. قال شَيخُنا (١): والأوْلَى أنَّه متى كان مُعْتَمِدًا بمَحَلِّ الحَدَثِ على الأرضِ، أن لا يَنْقُضَ منه إلَّا الكثيرُ؛ لأنَّ دَلِيلَ انْتِفاءِ النَّقْضِ في القاعِدِ لا تَفْرِيقَ فيه، فيُسَوَّى بينَ أحْوالِه. فصل: واخْتَلَفَ أصحابُنا في حَدِّ اليَسِيرِ مِن النَّوْمِ الَّذي لا يَنْقُضُ، فقال القاضي: ليس للقَلِيلِ حَدٌّ يُرْجَعُ إليه، فعلى هذا يُرْجَعُ إلى العُرْفِ. وقِيلَ: حَدُّ الكَثِيرِ ما يَتَغَيَّرُ به النّائِمُ عن هَيئَتِه، مِثْلَ أن يَسْقُطَ على الأرضِ، أو يَرَى حُلْمًا. قال شَيخُنا (٢): والصَّحِيحُ أنَّه لا حَدَّ له؛ لأنَّ التَّحْدِيدَ إنَّما يُعْلَمُ بالتَّوْقِيفِ، ولا تَوْقِيفَ، فمتى وُجِدَ ما يَدُلُّ على الكَثْرَةِ، مِثْلَ سُقُوطِ المُتَمَكِّنِ، انتَقَض وُضُوءُه، وإلَّا فلا، وإن شَكَّ في كَثْرَتِه لم يَنْتَقِضْ؛ لأنَّ الأصْلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ.

стр. 439

الرَّابِعُ، مَسُّ الذَّكَرِ بِيَدِهِ، بِبَطنِ كَفِّهِ، أَوْ بِظَهْرِهِ، ــ فصل: والنَّوْمُ الغَلَبَةُ علي العَقْلِ، فمَنْ لم يُغْلَبْ على عَقْلِه فلا وضوءَ عليه. وقال بَعْضُ أهلِ اللُّغَةِ، في قولِهِ تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (١). السِّنَةُ ابْتِداءُ النُّعاسِ في الرَّأْسِ، فإذا وَصَل إلى القَلْبِ صارَ نَوْمًا، قال الشاعرُ (٢): وَسْنانُ أقْصَدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ... في عَينِه سِنَةٌ وليس بنائِمِ ولأنَّ النّاقِضَ زَوالُ العَقْلِ، فمتى كان العقلُ ثابِتًا وحِسُّه غيرَ زائِلٍ، مِثْلَ مَن يَسْمَعُ ما يُقالُ عندَه ويَفْهَمُه، لم يُوجَدْ سَبَبُ النَّقْضِ. وإن شَكَّ في النَّوْمِ، أو خَطرَ ببالِه شيءٌ لا يَدْرِي أرُؤْيا أو حَدِيثُ نَفْسٍ، فلا وُضُوءَ عليه. ١٣٥ - مسألة: (الرابعُ، مَسُّ الذَّكَرِ بيَدِه، ببَطنِ كَفِّه أو بظَهْرِه)

стр. 440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في مَسِّ الذَّكَرِ على ثلاثِ رِواياتٍ، إحْداها، لا يَنْقُضُ بحالٍ. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيفَةَ (١)، وعِمْرانَ بنِ حُصَينٍ (٢)، وأبي الدَّرْداءِ (٣). وهو قولُ رَبِيعَةَ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحاب الرَّأْي؛ لما روَى قَيسُ بنُ طَلْقٍ، عن أبيه، قال: كُنتُ جالِسًا عندَ النبيِّ ﷺ ، فقال رجلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي -أو- الرجلُ يَمَسُّ ذَكَرَه في الصلاةِ، عليه وُضُوءٌ؟ قال: «لَا، إنَّمَا هُوَ

стр. 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَضْعَةٌ مِنْكَ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ (١). ولأنَّه عُضْوٌ منه (٢)، فلم يَنْقضْ، كسائِرِ أعضائِه (٣). والرِّوايَةُ الثانيةُ، يَنْقُضُ الوُضُوءَ بكلِّ حالٍ. وهي ظاهِرُ المذهبِ. وهو مذهبُ ابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وعُرْوَةَ، وسُلَيمانَ بنِ يَسارٍ (٤)، والزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وهو المَشْهُورُ عن مالكٍ؛ لما رَوَتْ بُسْرَةُ بنتُ صَفْوانَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ

стр. 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ». وعن جابرٍ مِثْلُ ذلك. رَواهُما ابنُ ماجَه (١). قال التِّرْمِذِيُّ: حديثُ بُسْرَةَ حسنٌ صحيحٌ. وقال البُخارِيُّ: أصَحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ بُسْرَةَ. وصَحَّحَه الإِمامُ أحمدُ. فأمّا حديثُ قَيس، فقال أبو زُرْعةَ وأبو حاتِمٍ (٢): قَيسٌ مِمَّن لا تَقُومُ برِوايَتِه حُجَّةٌ. ووَهَّناه. ولم يُثْبِتاه. ثم إنَّ حَدِيثَنا مُتأخِّرٌ، لأنَّ أبا هُرَيرَةَ قد رَواه (٣)، وهو مُتأخِّرُ الإِسلام، إنَّما صَحِبَ النبيَّ ﷺ أربعَ سِنِينَ، وكان قُدُومُ طَلْقٍ على رسولِ اللهِ ﷺ ، وهم يُؤْسِّسُونَ المسجدَ، فيَكُونُ حَدِيثُنا ناسِخًا له. وقياسُ الذَّكَرِ على سائِرِ البَدَنِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به أحكامٌ يَنْفَرِدُ بها؛ مِن وُجُوبِ الغُسْلِ بإيلاجِه والحَدِّ والمَهْرِ، وغيرِ ذلك. والرِّوايَةُ الثالثةُ، لا يَنْقُضُ إلَّا أن يَقْصِدَ مَسَّه، قال أحمدُ بنُ الحُسينِ (٤): قِيلَ

стр. 443

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأحمدَ: الوُضُوءُ مِن مَسِّ الذَّكَرِ؛ فقال: هكذا. وقَبَض على يَدِه. يَعْنِي إذا قَبَض عليه. وهو قولُ مَكْحُولٍ. وقال طاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وحُمَيدٌ الطَّويل (١): إن مَسَّه يُرِيدُ وُضُوءًا، وإلَّا فلا شيءَ عليه، لأنَّه لَمْسٌ، فلا يَنْقُضُ الوُضُوءَ لغيرِ قَصْدٍ كلَمْسِ النِّساءِ. وسَواءٌ مَسُّه ببَطنِ كَفِّه أو بظَهْرِه. وهذا قولُ عَطاءٍ، والأوْزاعِيِّ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ: لا يَنْقُضُ مَسُّه بظاهِرِ الكَفِّ. وحَكاه أبو الخَطابِ رِوايَةً عن أحمدَ؛ لأنَّه ليس بآلَةٍ للْمَسِّ، فأشْبَهَ ما لو مَسَّه (٢) بفَخِذِه. ولَنا، قَوْلُ

стр. 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أفْضَى بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ، لَيسَ دُونَه سِتْرٌ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيهِ الْوُضُوءُ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، والدّارَقُطْنِيُّ (١). وظاهِرُ كَفِّه مِن يَدِه، وإلإِفْضاءُ اللَّمْسُ مِن غيرِ حائِلٍ. ولأنَّه جُزْءٌ مِن يَدِه أشْبَهَ باطِنَ الكَفِّ. وإنَّما يَنْتَقِضُ وُضُوءُه إذا لَمَسَه مِن غيرِ حَائِلٍ؛ لِما ذَكَرْنا. وذَكَر القاضي عن أحمدَ رِوايَةً، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا مَسُّ الثَّقْبِ الَّذي في رَأْسِ الذَّكَرِ، ولا يَنْقُضُ لَمْسُ غيرِه. قال: والأوَّلُ أصَحُّ؛ لعُمُوم الأحادِيثِ الدّالَّةِ على النَّقْضِ، وذكر أبو الخَطّابِ رِوايَةً عن أحمدَ (٢)، أنَّه لا يَنْقُضُ إلَّا لَمْسُ الحَشَفَةِ خاصَّةً. والأوَّلُ أصَحُّ، لعُمُومِ النَّصِّ.

стр. 445

وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ. ــ ١٣٦ - مسألة؛ قال: (ولا يَنْقُضُ مَسُّه بذِراعِه) . وعنه، يَنْقُضُ؛ لأنَّه مِن يَدِه، وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ. والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ، لأنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ على مُطْلَقِ اليَدِ في الشَّرْعِ إنَّما يَنْصَرِف إلى الكُوعِ، بدَلِيلِ قَطْعِ السّارِقِ وغَسْلِ اليَدِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ، ولأنَّه ليس بآلةٍ لِلْمَسِّ، أشْبَهَ العَضُدَ، وقِياسُهُم يَبْطُلُ بالعَضُدِ، فإنَّه لا خِلافَ بينَ العُلَماءِ فيه. فصل: ولا فَرْقَ بينَ ذَكَرِه وذَكَرِ غيرِه، خِلافًا لداودَ، قال: لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في ذَكَرِه. ولَنا، أنَّه إذا نَقَض الوُضُوءَ مَسُّ ذَكَرِه مع كَوْنِ الحاجَةِ تَدْعُو إلى مَسِّه، وهو جائِزٌ، فَلَأنْ يَنْتَقِضَ بمَسِّ ذَكَرِ غيرِه مع كَوْنِه مَعْصِيَة أَولَى، ولأنَّ نَصَّه على نَقْضِ الوُضوءِ بمَسِّ ذَكَرِه مع أنِّه لم يَهْتِكْ حُرْمَةً، تَنْبِيهٌ على نَقْضِه بِمَسِّ ذَكَرِ غيرِه. ولأنَّ في بَعْضِ ألْفاظِ خَبَرِ بُسْرَةَ: «مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ فَلْيَتَوَضَّأْ». وحُكْمُ ذَكَرِ الكِبيرِ والصَّغِيرِ واحِدٌ. وهو قولُ الشافعيِّ. وقال الزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ: لا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَرِ الصَّغِيرِ، لأنَّه يَجُوزُ مَسُّه، والنَّظر إليه، بخِلافِ الكبيرِ، ولما رُوِيَ أنَّه ﷺ مَسَّ زُبَيبَةَ الحَسَنِ ولم يَتَوَضَّأْ (١). وذَكَرَه الآمِدِىُّ رِوايَةً عن أحمدَ. ولَنا، عُمُومُ الأحاديثِ، وخَبَرُهم ليس بثابِتٍ، ثم ليس فيه

стр. 446

وَفِي مَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ وَجْهَانِ. ــ أنَّه صَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ، فيَحْتَمِلُ أنَّه لم يَتَوَضَّأْ في مَجْلِسِه ذلك، وجَوازُ مَسِّه والنَّظرِ إليه يَبْطُلُ بذَكَرِ نَفْسِه. وذَكَرُ المَيِّتِ كذَكَرِ الحَيِّ؛ لبَقاءِ الاسمِ والحُرْمَةِ، وهو قولُ الشافعيِّ. وقال إسحاقُ: لا وُضُوءَ عليه. وهو قَوْلُ بَعْضِ أصحابِنا، كالمرأةِ المَيِّتَةِ. ١٣٧ - مسألة: (وفي مَسِّ الذَّكَرِ المَقْطُوع وَجْهانِ) أحَدُهما، ينْقُضُ، لبَقاءِ اسم الذَّكَرِ. والثاني، لا يَنْقُضُ، لذَهابِ الحُرْمَةِ، فهو كيَدِ المرأةِ المَقْطُوعَةِ. ولو مَسَّ القُلْفةَ التي تُقْطعُ في الخِتانِ قبلَ قَطْعِها، انْتَقَضَ وُضُوءُه، لأنَّها مِن جُمْلَةِ الذَّكَرِ، وإن مَسَّها بعدَ القَطْعِ، فلا وُضُوءَ عليه، لزَوالِ الاسمِ والحُرْمَةِ، وإنِ انْسَدَّ المَخْرَجُ وانْفَتَحَ غيرُه، لم يَنْقُضْ مَسُّه، لأنَّه ليس بفَرْجٍ.

стр. 447

وَإذَا لَمَسَ قُبُلَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَذَكَرَهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، فَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَنْتَقِضْ، إلا أن يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ لِشَهْوَةٍ. ــ ١٣٨ - مسألة: (وإذا لَمَسَ قُبُلَ الخُنْثَى المُشْكِلِ وذَكَرَه، انْتَقَضَ وُضُوءُه. وإن مَسَّ أحَدَهُما، لم يَنْتَقِضْ، إلَّا أن يَمَسَّ الرَّجلُ ذَكَرَه لشَهْوَةٍ) لَمْسُ الخُنْثَى المُشْكِلِ يَنْقَسِمُ أربعةَ أقسامٍ، أحَدُها، أن يَمَسَّ فَرْجِ نَفْسِه، فمتى لَمَس أحَدَ فَرْجَيه لم ينْتَقِضْ وُضُوءُه؛ لِجَوَازِ أن يَكُونَ خِلْقَةَ زائِدَةً. وإن لَمَسَهُما جميعًا، انْتَقَض وُضوءُه إن قُلْنا: إنَّ مَسَّ المرأةِ فَرْجَها يَنْقُضُ الوُضوءَ. لأنَّ أحَدَهما فَرْجٌ بيَقِينٍ، وإلَّا فلا. الثاني، أن يَكُونَ اللّامِسُ رجلًا، فإن مَمسَّهُما جميعًا لغيرِ شَهْوَةٍ، فهي كالتي قَبْلَها. وإن مَسَّهُما لشهوةٍ، انْتَقَض وُضُوءُه في ظاهِرِ المذهبِ، لأنَّه إن كان رجلًا فقد مَسَّ ذَكَرَه، وإن كان أُنْثَى فقد مَسَّها لشهوةٍ، وكذلك الحُكْمُ إذا لَمَس ذَكَرَه لشَهْوَةٍ، لما ذَكَرْنا. فأمّا إن مَسَّ القُبُلَ وَحْدَه، أو مَسَّ الذَّكَرَ لغيرِ شهوةٍ، لم يَنْتَقِضْ؛ لجَوازِ أن يَكُونَ خِلْقَةً زائِدَةً، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ المُلامَسَةَ تَنْقُضُ

стр. 448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوُضُوءَ بكلِّ حالٍ. فإنَّه يَنْتَقِضُ بلَمْسِ الذَّكَرِ وَحْدَه؛ لأنَّه إن كان رجلًا فقد مَسَّ ذَكَرَه، وإن كانت أُنْثَى فقد مَسَّها. الثالثُ، أن تكونَ امرأةً، فإن مَسَّتْهُما جميعًا انْتَقَضَ وُضُوءُها، إن قُلْنا: إنَّ مَسَّ فَرْجِ المرأةِ يَنْقُضُ الوُضوءَ. وإلَّا فلا. وإن مَسَّتْ أحَدَهُما لغيرِ شَهْوَةٍ لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُها. وكذلك إن مَسَّتِ الذَّكَرَ لشهوةٍ؛ لجَوازِ أن يَكُونَ خِلْقَةً زائِدَةَ مِن امرأةٍ. وإن مَسَّتِ الفَرْجَ لشَهْوَةٍ، انْتَقَضَ وُضُوءُها في ظاهِرِ المَذْهَبِ، لأنَّه إن كان رجلًا فقد مَسَّتْه لشهوةٍ، وإن كانت أُنْثَى فقد مَسَّتْ فَرْجَها. الرابعُ، أن يكونَ اللّامِسُ خُنْثَى مُشْكِلًا، فإن مَسَّ أحَدَهُما لم يَنْتَقِضْ، سَواءٌ كان لشَهْوَةٍ أوْ لا. وإن مَسَّهما جَمِيعًا انتقَضَ وُضُوءُه، إذا قُلْنا: إنَّ مَسَّ الفَرْجِ يَنْقُضُ

стр. 449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوْضوءَ. وإن مَسَّ أحَدُ الخُنْثَيين ذَكَرَ الآخَرِ، ومَسَّ الآخَرُ فَرْجَه، وكان اللَّمْسُ لشَهْوَةٍ، انْتَقَض وُضوءُ أحَدِهِما قَطْعًا، لأنَّهما إن كانا ذَكَرَين فقد وُجِدَ بَينَهُما لمسُ ذَكَرٍ، وإن كانا أُنْثَيَين فقد وُجِد بينَهما مَسُّ فَرْجِ امرأة، وإن كانا ذَكَرًا وأُنْثَى فقد وُجِدَتْ بَينَهما مُلامَسَةٌ لشهْوَةٍ، ولا يُحْكَمُ بنَقْضِ وُضوءِ واحِدٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنُ الطهارةِ، شَاكٌّ في الحَدَثِ. وإن كان لغيرِ شَهْوَةٍ لِم يَنْتَقضْ؛ لجَوازِ أن يَكُونَ المَمْسُوسُ ذَكَرُه امرأةً، والمَمْسُوسُ فَرْجُه رجلًا. وإن مَسَّ كلُّ واحِدٍ منهما ذَكَرَ الآخَرِ أو قُبُلَه لم يَنْتَقِضْ؛ لاحْتِمالِ أن يَكُونا امرَأتَين في الأولَى ورَجُلَين في الثّانِيَةِ. واللهُ أعلم.

стр. 450

وَفِي مَسِّ الدُّبُرِ وَمَسِّ الْمَرْأةِ فْرْجهَا رِوَايَتَانِ. ــ ١٣٩ - مسألة: (وفي مَسِّ الدُّبُرِ، ومَسِّ المرأةِ فَرْجَها رِوايَتان) إحْداهُما، يَنْقُضُ الوُضُوءَ؛ لعُمُومِ قَوْلِه ﷺ : «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأ». رواه ابنُ ماجَه عن أُمِّ حَبِيبَةَ (١). قال أحمدُ، وأبو زُرْعَةَ: حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ صَحِيحٌ. وبه قال الشافعيّ في مَسِّ الدُّبُرِ. ولأنَّه أحَدُ الفَرْجَين، أشْبَه الذَّكَرَ. والثانيةُ، لا يَنْقُضُ. قال الخَلّالُ: العَمَلُ والأشْيَعُ في قولِه، أنَّه لا يَتَوَضَّأ مِن مَسِّ الدُّبُرِ. وكذلك روَى المَرُّوذيُّ، أنَّه قِيل لأحمدَ، في الجارِيِةَ إذا مسَّتْ فَرْجَها: عليها وُضُوء؟ قال: لم أسْمَعْ في هذا بشيء. لأنَّ الحديثَ المَشْهُورَ إنَّما هو في مَسِّ الذَّكَرِ، وهذا ليس في مَعْناه؛ لأنَّه لا يَقْصِدُ مَسَّه، ولا يُفْضِي إلى خُرُوجِ خارِجٍ، فلم يَنْقُضْ، كلَمْسِ الأَنْثَيَين.

стр. 451

وَعَنْهُ، لَا يَنْقُضُ مَسُّ الْفَرْجِ بِحَالٍ. ــ ١٤٠ - مسألة؛ قال: (وعنه: لا يَنْقُضُ مَسُّ الفَرْجِ بحال) لحَدِيثِ قَيسِ بن طَلْقٍ (١)، وقِياسًا على سائِرِ الأعْضاءِ. فصل: ولا يَنْتَقِضُ (٢) الوُضُوءُ بِمَسِّ غيرِ الفرْجَين مِن البَدَنِ في قَوْلِ الأَكْثَرين، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن عُرْوَةَ الوُضوءُ مِن مَسِّ الأنْثَيَين. وقال عِكْرِمَةُ: مَن مَسَّ ما بينَ الفَرْجَين فليَتَوَضَّأ. وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنى المَنْصُوصِ. ولا يَنْتَقِضُ وُضوءُ المَلْمُوسِ فَرْجُه أيضًا؛ لأنَّ السُّنَّةَ إنَّما وَرَدَتْ في اللّامِسِ. ولا يَنْتَقِضُ بمَسِّ فَرْجِ البَهِيمَةِ. وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: عليه الوُضُوءُ. وما عليه الجُمْهُورُ أَوْلَى؛ لأنَّه ليس بمَنْصُوصِ، ولا هو (٣) في مَعْناه.

стр. 452

الْخَامِسُ، أَنْ تَمَسَّ بَشَرَتُهُ بَشَرَةَ أنْثَى لِشَهْوَةٍ. وَعَنْهُ، لَا يَنْقُضُ. وَعَنْهُ، يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِكُلِّ حَالٍ. ــ ١٤١ - مسألة: (الخامسُ، أن تَمَسَّ بَشَرَتُه بَشَرَةَ أُنْثَى لشَهْوَةٍ. وعنه: لا يَنْقُضُ. وعنه: يَنْقُضُ لمْسُها بكلِّ حالٍ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، ﵀، في المُلامَسَةِ، فرُوىَ عنه أنَّها تَنْقُضُ الوُضُوءَ بكلِّ حالٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. ويُرْوَى إيجابُ الوُضُوءِ مِن القُبْلَةِ مُطْلَقًا عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، والزُّهْرِيِّ، وعَطاءٍ، والشّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، والأوْزاعِيِّ، لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١). قال ابنُ مسعودٍ: القُبْلَةُ مِن اللمْسِ وفِيها

стр. 453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوُضُوءُ. رَواه الأثْرَمُ. وروى عن أحمدَ رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا يَنْقُضُ بحالٍ. يُروَى ذلك. عن ابنِ عباسٍ. وهو قولُ طاوسٍ، والحسنِ، ومَسْرُوقٍ (١). وبه قال أبو حَنِيفَةَ وصاحِباه. وقال قَوْمٌ: مَن قَبَّلَ حَلالًا فلا وُضُوءَ عليه، ومَن قَبَّل حَرامًا فعليه الوُضوءُ. وهو قولُ عَطاءٍ. فإن باشَرَ لشَهْوَةٍ وليس بينهما ثَوْبٌ، وانْتَشَرَ، فعليه الوُضُوءُ في قَوْلِ أبي حنيفةَ، ويعقوبَ. وقال محمدٌ: لا وُضُوءَ عليه، إلَّا أن يَخْرُجَ منه شيءٌ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قَبَّلَ عائِشَةَ، وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأ. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيّ (٢) مِن رِواية التَّيمِيِّ (٣)، وقالا: لم يَسْمَعْ مِن عائشةَ. وقال

стр. 454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّسائِيّ: ليس في هذا البابِ شيءٌ أحْسَنُ من هذا الحديثِ، وإن كان مُرسَلًا. وعن عائشةَ، ﵂، قالت: فَقَدْتُ رسولَ اللهِ ﷺ لَيلَةً منِ الفِراش فالْتَمَسْتُه، فوَقَعَتْ يَدِي على بَطنِ قَدَمِه وهو في المسجدِ، وهما مَنْصُوبَتانِ. رَواه مسلمٌ (١). وعنها، قالت: كُنتُ أنامُ بينَ يَدَي

стр. 455

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسولِ اللهِ ﷺ ورِجْلايَ في قِبْلَتِه، فإذا سَجَد غَمَزَنِي فقَبَضْتُ رِجْلَيَّ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وللنَّسائِيِّ: مَسَّنِي برِجْلِه (٢). والآَيةُ أُرِيدَ بها الجِماعُ، قاله ابنُ عباسِ. ولأنَّ المُرادَ بالمَسِّ الجِماعُ، فكذلك اللَّمْسُ. ولأنَّه ذَكَره بلَفْظِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ لا تَكُونُ مِن أقَلَّ مِن اثْنَين. والرِّوايَةُ الثالثةُ وهي ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّه يَنْقُضُ إذا كان لشَهْوةٍ ولا يَنْقُضُ لغَيرِها، جمْعًا بينَ الآية والأخبارِ. ولأنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى وهو حامِلٌ أُمامَةَ بنتَ أبي العاصِ

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنِ الرَّبِيعِ، إذا سَجَد وَضَعَها، وإذا قامَ حَمَلَها. مُتَّفَقٌ عليه (١). والظّاهِرُ أنَّه لا يَسْلَمُ مِن مَسِّها. ولأنَّ اللَّمْسَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، وإنَّما هو داعٍ إلى الحَدَثِ، فاعْتُبِرَتِ الحالةُ التي يَدْعُو فيها إلى الحَدَثِ، وهي حالةُ الشَّهْوَةِ. ولأنَّه لَمْسٌ لغيرِ شهوةٍ فلم يَنْقُضْ، كلَمْسِ ذَواتِ المَحارِمِ. وهذا مذهبُ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِيّ، وإسحاقَ. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ، وذَواتِ المَحارِمِ وغَيرِهِنَّ. وقال الشافعيُّ في أحَدِ

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلَيه: لا يَنْقُضُ لمْسُ ذاتِ المَحْرَمِ، ولا الصَّغِيرَة؛ لأنَّ لَمْسهَما لا يُفْضِي إلى خُرُوجِ خارِج، أشْبَه لَمْسَ الرجلِ. ولَنا، عُمُومُ النَّصِّ، واللَّمْسُ النّاقِضُ مُعْتَبَرٌ بالشَّهْوَةِ، فمتى وُجِدَتْ فلا فَرْقَ بينَ الجَمِيعِ. فأمّا لَمْسُ المرأةِ المَيِّتةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَنْقُضُ. اخْتارَه القاضي؛ لعُمُومِ الآيةِ، وكما يَجِبُ الغُسْلُ بوَطْئِها. والثاني، لا يَنْقُضُ. اخْتارَه الشرَّيفُ أبو جَعفَرٍ، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّها ليست مَحَلًّا للشَّهْوَةِ، فهي كالرجلِ. فصل: ولا يَخْتَصُّ اللَّمْسُ النّاقِضُ باليَدِ، بل أيُّ شيءٍ منه لاقَى شيئًا مِن بَشَرَتِها مع الشَّهْوَةِ، انْتَقَضَ الوُضُوءُ به، سَواءٌ كان عُضْوًا أصْلِيًّا، أو زائِدًا. وحُكِي عن الأوْزاعِي، لا يَنْقُضُ اللّمْسُ إلَّا بأحَدِ أعْضاءِ الوُضوءِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ، والتَّخْصِيصُ بغيِر دَلِيلٍ تَحَكُّمٌ، فلا يُصارُ إليه.

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن لَمَسَها مِن وراءِ حائِلٍ، لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُه. هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وقال مالكٌ واللَّيثُ: يَنْقُضُ إذا كان ثَوْبًا رَقِيقًا. وكذلك قال رَبِيعَةُ: إذا غَمَزَها مِن وراءِ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لشَهْوَةٍ، وذلك لأنَّ الشهوةَ مَوْجُودَةٌ. ولَنا، أنَّه لَمْسٌ، فلم يَنْقُضْ مِن وراءِ حائِل، كلَمسِ الذَّكَرِ، ولأنَّه لم يَلْمِسْ جِسْمَ المرأةِ، أشْبَه ما لو لَمَس ثِيابَها لشَهْوَةٍ، والشهوةُ لا تُوجِبُ الوُضُوءَ بمُجَرَّدِها، كما لو وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ بغيرِ لَمْسٍ. فصل: فإن لَمَسَتِ المرأةُ رجلًا لشَهْوَةٍ، انْتَقَض وُضُوءُها في إحدَى الرِّوايَتَين، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ. وقد سُئِل أحمدُ عن المرأةِ إذا مَسَّتْ زَوْجَها؟ قال: ما سَمِعْتُ فيه شَيئًا، ولكنْ هي شَقِيقَةُ الرجلِ، يُعْجِبُنِي أن تَتَوَضَّأَ؛ لأنَّها مُلامَسَةٌ تَنْقُضُ الوُضوءَ، فاسْتَوَى فيها الرجلُ والمرأةُ، كالجِماعِ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يَنْتَقِضُ وُضُوءُها. وللشافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في الرِّجالِ، ولا يَصِحُّ قِياسها عليه؛ لأنَّ اللَّمْس مِن الرجلِ مع الشَّهْوَةِ مَظِنَّةٌ لخُرُوجِ المَذي النّاقِضِ، فأُقِيمَ مَقامَه، ولا يُوجَدُ ذلك في حَقِّ المرأةِ، وإذا لم يَكُنْ نَصٌّ ولا قِياسٌ فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ.

стр. 459

وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعَرِ وَالسِّنِّ وَالظُفْرِ وَالأْمْرَدِ. ــ ١٤٢ - مسألة: (ولا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعَرِ والسِّنِّ والظّفْرِ) وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، وكذلك لَمْسُها بشَعَرِه وسِنِّه وظُفْرِه؛ لأنَّ ذلك مِمّا لا يَقَعُ عليه الطَّلاقُ بإيقاعِه عليه ولا الظِّهارُ، فأشْبَة الثَّوْبَ. ويَتَخَرَّجُ أن يَنْقُضَ لَمْسُ السِّنِّ والشَعَرِ والظُّفْرِ والأمْرَدِ؛ إذا كان لشَهْوَةٍ، ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ لمْسَ المرأةِ إنَّما نَقَض لوُجُودِ الشَّهْوَةِ الدّاعِيَةِ إلى خُرُوجِ المَذْي، ولا يَنْقض لمْسُ الأمْرَدِ، ولا لَمْسُ الرجلِ، ولا لَمْسُ المرأةِ المرأةَ؛ لأنَّه ليس بداخِلٍ في الآَيَة، ولا في مَعْناه؛ لكَوْنِه ليس مَحَلًّا لشَهْوَةِ الآخَرِ شَرْعًا. وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: إذا لَمَسَ الرجلُ الرجلَ، أو المرأةُ المرأةَ، [وكان بَينَهما شهوةٌ] (١) انتقَض وُضُوءُه في قِياسِ المَذْهبِ. والأوَّلُ أَولَى؛ لِما ذَكَرنا. ولا يَنْتَقِضُ الوُضوءُ بلَمسِ

стр. 460

وَفِي نَقْضِ وُضوءِ الْمَلْمُوس رِوَايَتَانِ. ــ البَهِيمَةِ؛ لِما ذَكَرنا، ولا بمَس خُنْثَى مُشْكِل؛ لأنَّه لا يَعلَمُ كَوْنَه رجلًا ولا امرأةً. ولا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الخُنْثَى بمسَ امرأةٍ ولا رجلٍ؛ لأنَّه مُتَيَقِّن بالطهارةِ، شاكٌّ في الحَدَثِ، قال شَيخُنا: ولا أعلَمُ في هذا كله خِلافًا (١). كان مَس عُضْوَ امرأةٍ مَقْطُوعًا لم يَنْتَقِضْ وُضهوءُه؛ لأنَّه لا يَقَعُ عليه اسمُ المرأةِ، ولا هو مَحَلّ للشَّهْوَةِ. ١٤٣ - مسألة: (وفي نَقْضِ وُضُوءِ المَلْمُوسِ رِوايَتان) ، إحداهُما، يَنْتَقِض، لأنَّ ما يَنْتَقض الْتِقاءِ البَشَرَتَين يَسْتَوى فيه اللّامِسُ والمَلْمُوسُ، كالجِماعِ. والثانيةُ، لا يَنْتَقِضُ؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد بالنَّقْضِ في اللّامِسِ، فاخْتَصَّ به، كلَمس الذَّكَرِ، ولأنَّ الشَّهْوَةَ مِن اللّامِسِ أشَدُّ منها في المَلْمُوسِ فامتَنَعَ القِياسُ. وللشافعيِّ قَوْلان كهذَينِ.
следующие страницы →