← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنِ الرَّبِيعِ، إذا سَجَد وَضَعَها، وإذا قامَ حَمَلَها. مُتَّفَقٌ عليه (١). والظّاهِرُ أنَّه لا يَسْلَمُ مِن مَسِّها. ولأنَّ اللَّمْسَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، وإنَّما هو داعٍ إلى الحَدَثِ، فاعْتُبِرَتِ الحالةُ التي يَدْعُو فيها إلى الحَدَثِ، وهي حالةُ الشَّهْوَةِ. ولأنَّه لَمْسٌ لغيرِ شهوةٍ فلم يَنْقُضْ، كلَمْسِ ذَواتِ المَحارِمِ. وهذا مذهبُ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِيّ، وإسحاقَ. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ، وذَواتِ المَحارِمِ وغَيرِهِنَّ. وقال الشافعيُّ في أحَدِ

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلَيه: لا يَنْقُضُ لمْسُ ذاتِ المَحْرَمِ، ولا الصَّغِيرَة؛ لأنَّ لَمْسهَما لا يُفْضِي إلى خُرُوجِ خارِج، أشْبَه لَمْسَ الرجلِ. ولَنا، عُمُومُ النَّصِّ، واللَّمْسُ النّاقِضُ مُعْتَبَرٌ بالشَّهْوَةِ، فمتى وُجِدَتْ فلا فَرْقَ بينَ الجَمِيعِ. فأمّا لَمْسُ المرأةِ المَيِّتةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَنْقُضُ. اخْتارَه القاضي؛ لعُمُومِ الآيةِ، وكما يَجِبُ الغُسْلُ بوَطْئِها. والثاني، لا يَنْقُضُ. اخْتارَه الشرَّيفُ أبو جَعفَرٍ، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّها ليست مَحَلًّا للشَّهْوَةِ، فهي كالرجلِ. فصل: ولا يَخْتَصُّ اللَّمْسُ النّاقِضُ باليَدِ، بل أيُّ شيءٍ منه لاقَى شيئًا مِن بَشَرَتِها مع الشَّهْوَةِ، انْتَقَضَ الوُضُوءُ به، سَواءٌ كان عُضْوًا أصْلِيًّا، أو زائِدًا. وحُكِي عن الأوْزاعِي، لا يَنْقُضُ اللّمْسُ إلَّا بأحَدِ أعْضاءِ الوُضوءِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ، والتَّخْصِيصُ بغيِر دَلِيلٍ تَحَكُّمٌ، فلا يُصارُ إليه.

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن لَمَسَها مِن وراءِ حائِلٍ، لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُه. هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. وقال مالكٌ واللَّيثُ: يَنْقُضُ إذا كان ثَوْبًا رَقِيقًا. وكذلك قال رَبِيعَةُ: إذا غَمَزَها مِن وراءِ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لشَهْوَةٍ، وذلك لأنَّ الشهوةَ مَوْجُودَةٌ. ولَنا، أنَّه لَمْسٌ، فلم يَنْقُضْ مِن وراءِ حائِل، كلَمسِ الذَّكَرِ، ولأنَّه لم يَلْمِسْ جِسْمَ المرأةِ، أشْبَه ما لو لَمَس ثِيابَها لشَهْوَةٍ، والشهوةُ لا تُوجِبُ الوُضُوءَ بمُجَرَّدِها، كما لو وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ بغيرِ لَمْسٍ. فصل: فإن لَمَسَتِ المرأةُ رجلًا لشَهْوَةٍ، انْتَقَض وُضُوءُها في إحدَى الرِّوايَتَين، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ. وقد سُئِل أحمدُ عن المرأةِ إذا مَسَّتْ زَوْجَها؟ قال: ما سَمِعْتُ فيه شَيئًا، ولكنْ هي شَقِيقَةُ الرجلِ، يُعْجِبُنِي أن تَتَوَضَّأَ؛ لأنَّها مُلامَسَةٌ تَنْقُضُ الوُضوءَ، فاسْتَوَى فيها الرجلُ والمرأةُ، كالجِماعِ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يَنْتَقِضُ وُضُوءُها. وللشافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في الرِّجالِ، ولا يَصِحُّ قِياسها عليه؛ لأنَّ اللَّمْس مِن الرجلِ مع الشَّهْوَةِ مَظِنَّةٌ لخُرُوجِ المَذي النّاقِضِ، فأُقِيمَ مَقامَه، ولا يُوجَدُ ذلك في حَقِّ المرأةِ، وإذا لم يَكُنْ نَصٌّ ولا قِياسٌ فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ.

стр. 459

وَلَا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعَرِ وَالسِّنِّ وَالظُفْرِ وَالأْمْرَدِ. ــ ١٤٢ - مسألة: (ولا يَنْقُضُ لَمْسُ الشَّعَرِ والسِّنِّ والظّفْرِ) وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، وكذلك لَمْسُها بشَعَرِه وسِنِّه وظُفْرِه؛ لأنَّ ذلك مِمّا لا يَقَعُ عليه الطَّلاقُ بإيقاعِه عليه ولا الظِّهارُ، فأشْبَة الثَّوْبَ. ويَتَخَرَّجُ أن يَنْقُضَ لَمْسُ السِّنِّ والشَعَرِ والظُّفْرِ والأمْرَدِ؛ إذا كان لشَهْوَةٍ، ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ لمْسَ المرأةِ إنَّما نَقَض لوُجُودِ الشَّهْوَةِ الدّاعِيَةِ إلى خُرُوجِ المَذْي، ولا يَنْقض لمْسُ الأمْرَدِ، ولا لَمْسُ الرجلِ، ولا لَمْسُ المرأةِ المرأةَ؛ لأنَّه ليس بداخِلٍ في الآَيَة، ولا في مَعْناه؛ لكَوْنِه ليس مَحَلًّا لشَهْوَةِ الآخَرِ شَرْعًا. وقال القاضي في «المُجَرَّدِ»: إذا لَمَسَ الرجلُ الرجلَ، أو المرأةُ المرأةَ، [وكان بَينَهما شهوةٌ] (١) انتقَض وُضُوءُه في قِياسِ المَذْهبِ. والأوَّلُ أَولَى؛ لِما ذَكَرنا. ولا يَنْتَقِضُ الوُضوءُ بلَمسِ

стр. 460

وَفِي نَقْضِ وُضوءِ الْمَلْمُوس رِوَايَتَانِ. ــ البَهِيمَةِ؛ لِما ذَكَرنا، ولا بمَس خُنْثَى مُشْكِل؛ لأنَّه لا يَعلَمُ كَوْنَه رجلًا ولا امرأةً. ولا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الخُنْثَى بمسَ امرأةٍ ولا رجلٍ؛ لأنَّه مُتَيَقِّن بالطهارةِ، شاكٌّ في الحَدَثِ، قال شَيخُنا: ولا أعلَمُ في هذا كله خِلافًا (١). كان مَس عُضْوَ امرأةٍ مَقْطُوعًا لم يَنْتَقِضْ وُضهوءُه؛ لأنَّه لا يَقَعُ عليه اسمُ المرأةِ، ولا هو مَحَلّ للشَّهْوَةِ. ١٤٣ - مسألة: (وفي نَقْضِ وُضُوءِ المَلْمُوسِ رِوايَتان) ، إحداهُما، يَنْتَقِض، لأنَّ ما يَنْتَقض الْتِقاءِ البَشَرَتَين يَسْتَوى فيه اللّامِسُ والمَلْمُوسُ، كالجِماعِ. والثانيةُ، لا يَنْتَقِضُ؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد بالنَّقْضِ في اللّامِسِ، فاخْتَصَّ به، كلَمس الذَّكَرِ، ولأنَّ الشَّهْوَةَ مِن اللّامِسِ أشَدُّ منها في المَلْمُوسِ فامتَنَعَ القِياسُ. وللشافعيِّ قَوْلان كهذَينِ.

стр. 461

السَّادِسُ، غُسْل الْمَيِّت. ــ ١٤٤ - مسألة: (السّادِسُ، غُسْلُ المَيِّتِ) وهو ناقِضٌ للوُضُوءِ في قولِ أكْثَرِ الأصحابِ، سَواء كان المَغْسُولُ صغيرًا أو كبيرًا، ذَكَرًا أو أُنْثَى، مُسْلِمًا أو كافِرًا. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وإسحاقَ، لأنَّ ابنَ عُمَرَ، وابنَ عباس، كانا يَأمُرانِ غاسِلَ المَيِّتِ بالوُضُوءِ. وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: أقَلّ ما فيه الوُضوءُ. ولا نَعلَمُ لهم مُخالِفًا في الصَّحابَةِ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الغاسِلَ لا يَسْلَمُ مِن مَسِّ عَوْرَةِ المَيِّتِ غالِبًا، فأقِيمَ مُقامَه؛ كالنَّوْم مع الحَدَثِ. وقال أبو الحسنِ التَّمِيمِيّ: لا يَنْقُضُ. وهو قولُ أكثرِ العُلَماءِ. قال شيخُنا: وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّه لم يَرِدْ فيه نَصٌّ

стр. 462

السَّابعُ، أكْلُ لَحمِ الْجَزُورِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الإبِلِ، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ». ــ صحيحٌ، ولا هو في مَعنَى المَنْصُوص عليه، ولأنَّه غُسْلُ آدَمِي، أشْبَه غُسْلَ الحَيِّ (١). وكلامُ أحمدَ يَدُلّ على أنه مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِب؛ فإنَّه قال: أحَبُّ إليَّ أن يَتَوَضَّأ. وعَلَّلَ نَفْيَ وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّتِ، بكَوْنِ الخَبَرِ الوارِدِ فيه مَوْقُوفًا على أبي هُرَيرَةَ، فإذا لم يُوجِبِ الغُسْلَ بقَوْلِ أبي هُرَيرَةَ، مع احتِمالِ أن يكُونَ مَرفُوعًا، فلَأنْ لا يُوجِبَ الوُضُوءَ بقَوْلِه، مع عَدَمِ هذا الاحتِمالِ أوْلَى، ولأنَّ الأصلَ عَدَمُ وُجُوبِه، فيَبْقَى على الأصلِ. ١٤٥ - مسألة: (السّابع، أكْلُ لَحمِ الجَزُورِ) وجُملَةُ ذلك أنَّ أكْلَ لَحْمِ الإِبِلِ يَنْقُضُ الوُضُوءَ، سَواءٌ أنْ لَه عالِمًا أو جاهِلًا، نَيِّئًا أو

стр. 463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَطْبُوخًا، في ظاهِرِ المَذْهبِ. وهو قولُ جابِرِ بنِ سَمُرَةَ (١)، ومحمدِ بنِ إسحاقَ (٢)، وأبي خَيثَمَةَ (٣)، ويَحيَى بن يَحيَى (٤)، وابنِ المُنْذِرِ، وأحدُ قَوْلَي الشافعيِّ. قال الخَطّابِيُّ: ذَهب إلى هذا عامَّةُ أصحابِ الحديثِ. ورُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ أنَّه قال: إن كان لا يَعلَمُ، فليس عليه وُضُوءٌ، وإن كان قد عَلِمَ وسَمِعَ؛ عليه الوُضوءُ واجِبٌ، ليس هو كمَنْ لا يَعلَمُ. قال الخَلّالُ: وعلى هذا اسْتَقَرَّ قَوْلُ أبي عبدِ اللهِ. وقال الثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأيِ: لا وُضُوءَ عليه بحالٍ. وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ روايةً عن أحمدَ؛ لما روَى ابنُ عباس عن النبيِّ ﷺ ، قال: «الْوُضُوءُ

стр. 464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِمَّا يَخْرُجُ لَا مِمَّا يَدخُلُ» (١). وقال جابِرٌ: كان آخِرَ الأمرَين مِن رسولَ الله ﷺ تَركُ الوُضُوءِ مِمّا مسَّتِ النّارُ. رَواه أبو داودَ (٢). ولأنَّه مَأكُولٌ فلم يَنْقضْ، كسائِرِ المَأكُولاتِ. ولنَا، ما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئِل: أنَتَؤَضَّأ مِن لُحُوم الإِبِلِ؟ قال: «نَعم». قال: أفنَتَوَضّأ مِن لُحُوم الغَنَمِ؟ قال: «لَا». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه، والترمِذِيُّ (٣). ورَوى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ مِثْلَه. أخْرَجَه مسلمٌ (٤). قال أحمدُ: فيه حَدِيثان صَحِيحان؛

стр. 465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حديثُ البَراءِ، وجابِرِ بنِ سَمُرَةَ. فأمّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فإنَّما هو مِن قَوْلِه، مَوْقُوفٌ عليه، ولو صَحَّ لوَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنا عليه، لكَوْنِه أصَحَّ وأخَص، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العامِّ. وحديثُ جابِرٍ لا يُعارِضُ حَدِيثَنا أيضًا، لصِحَّتِه وخُصُوصِه. فإن قِيلَ: فحَدِيثُ جابِرٍ مُتأخِّرٌ، فيَكُونُ ناسِخًا. قُلْنا: لا يَصِحُّ أن يكُونَ ناسِخًا، لوُجُوهٍ أربعةٍ؛ أحَدُها، أنَّ الأمرَ بالوُضُوءِ مِن لُحُومِ الإِبِلِ مُتأخِّرٌ عن نَسْخِ الوُضوءِ مِمّا مَسَّتِ النّارُ، أو مُقارِن له، بدَلِيلِ أنه قَرَن الأمرَ بالوُضُوءِ مِن لُحُوم الإِبِلِ بالنَّهْي عن الوُضُوء مِن لُحُومِ الغَنَمِ، وهي مِمّا مَسَّتِ النَّارُ، فإمّا أن يَكُونَ النَّسْخُ حَصَل بهذا النَّهْي، أو بشيءٍ قبلَه، [فإن كان حَصَل به، كان الأمرُ بالوُضُوءِ مِن لحومِ الإِبِلِ مُقارِنًا لنَسْخِ الوُضوءِ مِمّا مَسَّتِ النّارُ، فلا] (١) يَكُونُ ناسِخًا له، إذ مِن شُرُوطِ النَّسْخِ تأخُّرُ النّاسِخِ، وكذلك إن كان بما قبلَه؛ لأنَّ الشيءَ لا يُنْسَخُ بما قبلَه. الثاني، أنَّ النَّقْضَ بلُحُومِ الإِبِلِ يَتَناوَلُ ما مَسَّتِ النّارُ وغيرَه، ونَسخُ إحدَى الجِهاتِ لا يَثْبُتُ به نَسْخُ الأخْرَى، كما لو حُرِّمتِ المرأة بالرَّضاعِ، وبكَوْنِها رَبِيبَةً، فنَسْخُ تَحرِيمِ الرَّضاعِ لم يَكُنْ نَسْخا لتَحرِيمِ الرَّبِيبَةِ. الثالثُ، أنَّ خَبرهم عامٌّ، وخَبَرُنا خاصٌّ، فالجَمعُ بَينَهما مُمكِنٌ بحَملِ خَبَرِهِم على ما سِوَى صُورَةِ التَّخْصِيصِ، ومِن شُرُوطِ النَّسْخِ تَعَذُّرُ الجَمع بينَ النَّصينِ. الرابعُ، أنَّ خَبَرَنا أصَحُّ مِن خَبَرِهِم وأخصُ، والنّاسِخُ لا بدَّ أن يَكُونَ مُساويًا للمَنْسُوخِ، أو راجِحًا عليه. فإن قِيلَ: الأمرُ بالوُضُوءِ في خَبَرِكُم يَحتَمِلُ الاسْتِحبابَ، ويَحتَمِل

стр. 466

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّه أرادَ بالوُضُوءِ غَسْلَ اليَدِ، لأنَّ إضافَتَه إلى الطَّعامِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على ذلك، كما كان ﷺ يَأْمُرُ بالوُضُوءِ قبلَ الطَّعام وبعدَه، وخُصَّ ذلك بلَحمَ الإِبِلِ؛ لأنَّ فيه مِن الحَرارَةِ والزُّهُومَةِ (١) مَا ليس في غيرِه. قُلْنا: أمّا الأوَّل فمُخالِفٌ للظّاهِرِ، مِن وجُوهٍ، أحَدُها، أنَّ مُقْتَضَى الأمرِ الوُجُوبُ. الثاني، أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِل عن حُكْمَ هذا اللّحمَ، فأجابَ بالأمرِ بالوُضُوء منه، فلو حُمِل على غيرِ الوُجُوبِ كان تَلْبِيسًا لا جَوابًا. الثالثُ، أنَّه ﷺ قَرَنَه بالنَّهْي عن الوُضُوءِ مِن لُحُومِ الغَنَمِ، والمُرَادُ بالنَّهْي ههُنا نَفْيُ الإِيجابِ لا التَّحريمُ، فتَعَيَّنَ حَملُ الأمرِ على الإِيجابِ؛ ليَحصُلَ الفَرقُ. وأمّا الثاني، فلا يَصِحُّ؛ لوُجُوهٍ أربعةٍ؛ أحَدُها، أنَّه يَلْزَمُ منه حَملُ الأمرِ على الاسْتِحباب؛ لكَوْنِ غَسْلِ اليَدِ بمُفْرَدِها غيرَ واجِبٍ، وقد بَيَّنّا فَسادَه. الثاني، أنَّ الوُضُوءَ في لِسانِ الشّارِعِ إنَّما يَنْصَرِفُ إلى المَوْضُوعِ الشَّرعِيِّ، إذ الظّاهِرُ منه التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه. الثالثُ، أنَّه خَرَج جَوابًا للسُّؤالِ عن حُكْمِ الوُضُوءِ مِن لُحُومِها، والصلاةِ في مَبارِكِها، فلا يُفهمُ مِن ذلك سِوَى الوُضُوءِ المُراد للصلاةِ ظاهِرًا. الرابعُ، أنَّه لو أراد غَسْلَ اليَدِ لَما فَرَّقَ بينَه وبينَ لَحمِ الغَنَمِ؛ فإنَّ غَسْلَ اليَدِ منهما مُسْتَحَبٌّ، وما ذَكَرُوه مِن زِيادَةِ الزُّهُومَةِ مَمنُوعٌ، كان ثَبَت فهو أمرٌ يَسيرٌ، لا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، وصَرفُ اللَّفْظِ عن ظاهِره إنَّما يكُونُ بدَلِيلٍ قَوي بقَدرِ قُوَّةِ الظَّواهِرِ المَتْرُوكَةِ، وأقْوَى منها، فأمّا قِياسُهم فهو طَردِيٌّ لا مَعْنَى فيه، وانْتِفاء الحُكْمِ في سائِرِ المَأْكُولاتِ؛ لانْتِفاءِ المُقْتَضِي، لا لكَوْنِه

стр. 467

فَإِنْ شَرِبَ مِنْ لَبَنِها، فَعَلَى رِوَايَتَين، ــ مَأْكُولًا. ومِن العَجَبِ أنَّ مُخالِفِينا في هذه المَسْأَلَةِ أوْجَبُوا الوُضُوءَ بأحادِيثَ ضَعِيفَةٍ تُخالِف الأصُولَ، فأبو حَنِيفَةَ أوْجَبَه بالقَهْقهةِ في الصلاةِ دُونَ خارِجِها، بحَدِيثٍ مُرسَلٍ من مَراسِيلِ أبي العالِيَةِ، ومالكٌ والشافعيُّ أوْجَباه بمَسِّ الذَّكَرِ، بحَدِيثٍ مُخْتَلَفٍ فيه، مُعارَضِ بمِثْلِه، دُونَ مَسِّ سائِرِ الأعضاءِ، وتَرَكُوا هذا الحديثَ الصَّحِيحَ الذي لا مُعارِضَ له، مع بُعدِه عن التَّأْويلِ وقوَّةِ دَلالتِه، لقِياس طَردِي لا مَعْنَى فيه. ١٤٦ - مسألة: (فإن شَرِبَ مِن لَبَنِها، فعلى رِوايَتَين) إحداهُما، يَنْقُضُ الوُضُوءَ، لِما روَى أسَيدُ بنُ حُضَيرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ سئُل عن ألبانِ الإِبِلِ، فقال: «تَوَضَّئُوا مِنْ ألْبَانها». وسئُل عن ألبانِ الغَنَمِ، فقال:

стр. 468

وَإنْ أكلَ مِنْ كَبِدِها أو طِحَالِها، فَعَلَى وَجْهينِ. ــ «لَا تَتَوضَّئُوا مِنْ ألْبَانِها». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه (١). وروَى عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ نَحوَه (٢). والثانيةُ، لا وُضُوءَ فيه، لأنَّ الحديثَ الصَّحِيحَ إنَّما وَرَد في اللَّحمِ. وحديثُ أسَيدِ بنِ حُضَيرٍ في طَرِيقه الحَجّاجُ بنُ أرطَاةَ، قال الإِمامُ أحمدُ والدّارَقُطْنِيُّ: لا يُحتَجُّ به. وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَواه ابنُ ماجَه مِن رِواية عَطاء بنِ السّائِبِ، وقد قِيلَ: عطاءٌ اخْتَلَطَ في آخِرِ عمرِه. قال أحمدُ: مَن سَمِع منه قَدِيمًا فهو صَحِيحٌ، ومَن سَمِع منه حَدِيثًا لم يَكُنْ بشيءٍ. والحُكْمُ في اللَّحمِ غيرُ مَعقُول، فيَجِبُ الاقْتِصارُ عليه. ١٤٧ - مسألة: (وإن أكَلَ مِنْ كَبِدِها أو طِحالِها، فعلى وَجْهين) أحَدُهُما، لا يَنْقُضُ، لأنَّ النَّصَّ لم يَتَناوَلْه. والثاني، يَنْقُضُ؛ لأنَّه مِن

стр. 469

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جملَةِ الجَزُورِ، واللَّحمُ يُعَبَّرُ به عن جُملَةِ الحَيَوانِ، فإنَّ تَحرِيمَ لَحم الخِنْزِيرِ يَتَناوَلُ جُملَتَه، كذلك ها هنا، وحُكْمُ سائِرِ أجْزائِه غيرِ اللَّحمِ؛ كالسَّنامِ، والكَرِشِ، والدُّهْنِ، والمَرَقِ؛ والمُصرانِ، والجِلْدِ، حُكْمُ الكَبِدِ والطِّحالِ؛ لِما ذَكَرنا. فصل: ولا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بِما سِوَى لَحمِ الجَزُورِ مِن الأطْعِمَةِ. وهذا قَوْلُ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، ﵃، ولا نَعلَمُ اليَوْمَ فيه خِلافًا. وحَكَى ابنُ عَقِيلٍ، عن أحمدَ، رِوايَةً في نَقْضِ الوُضوءِ بأَكْلِ لَحم الخِنْزِيرِ، والصَّحِيحُ عنه الأوَّلُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشرعِ، ولم يَرِدْ. وقد ذَهب حماعةُ مِن الصحابَةِ ومَن بَعدَهم إلى إيجابِ الوُضُوءِ مِمّا غَيَّرَتِ النّارُ؛ منهم ابنُ عُمَرَ، وزَيدُ بنُ ثابِتٍ، وأبو موسى، وأبو هُرَيرَةِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والحسنُ، والزُّهرِي، وغَيرُهم؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ وعائِشَةُ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ». رَواهُما

стр. 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مسلمٌ (١). ولَنا، قَوْلُ النبي ﷺ : «لَا تَتَوَضّأ مِنْ لُحُوم الغَنَمَ». وحديثُ جابِرٍ: كان آخِرُ الأمرَين مِن رسولَ الله ﷺ تَركَ الوُضُوءِ مِمّا مسَّتِ النّارُ. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ (٢). وثَبَت أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أكَلَ مِن كَتِفِ شاةٍ، وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأ. مُتَّفَق عليه (٣).

стр. 471

الثَّامِنُ، الرِّدَّة عَنِ الإسْلَامَ. ــ ١٤٨ - مسألة: (الثامنُ، الرِّدَّةُ عن الإِسلام) الرِّدَّةُ عن الإِسلام يَبْطُلُ بها الوُضُوءُ والتَّيَمُّمُ، وهي الإِتْيانُ بما يَخْرُجُ به عَن الإِسلامِ؛ نُطْقًا،

стр. 472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو اعتِقادًا، أو شَكًّا، فمتى عاوَدَ الإِسلامَ لم يُصلِّ كلِّ حتى يَتَوَضَّأَ. وهذا قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ. وقال أبو حَنِيفةَ، ومالك، والشافعي: لا يَبْطُلُ الوُضُوءُ بذلك. وللشافعيِّ في بُطْلانِ التَّيَمُّمِ به قَوْلان، لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (١). ولأنَّها طهارة، فلم تَبْطُلُ بالرِّدَّةِ، كالطهارةِ الكُبْرَى. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطنَّ عَمَلُكَ﴾ (٢). والطهارةُ عَمَلٌ، وحكْمُها باقٍ، فيَجِب أن يَحْبَطَ بالآية، ولأنَّها عِبادَة يُفْسِدُها الحَدَثُ، فبَطَلَتْ بالشركِ، كالصلاةِ. ولأنَّ الرِّدَّةَ حَدَث، لِما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «الْحَدَثُ حَدَثَانِ، حَدَثُ الْفَرجِ، وَحَدَثُ اللِّسَانِ. [وَحَدَثُ اللِّسَانِ] (٣) أشَدُّ مِنْ حَدَثِ الفَرجِ، وَفِيهِمَا الوُضُوءُ». رَوَاه الشيخُ أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزِيِّ في كتاب «التّحقِيقِ». وتَكَلَّمَ فيه وقال: بَقِيَّةُ يُدَلَسُ (٤). وما ذَكَرُوه تَمَسُّك بالمَفْهُومِ، والمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه. وأمّا غُسْلُ الجَنابَةِ فقد زال حُكْمُه، وعندَنا يَجِبُ الغُسْلُ على مَن أسْلَمَ أيضًا.

стр. 473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَنْقُضُ الوُضُوءَ ما عدا الرِّدَّةَ مِن الكَذِبِ، والغِيبَةِ، والرَّفَثِ، والقَذفِ، ونَحوها. نَصَّ عليه أحمدُ. قال ابنُ المنذِرِ: أجْمَعَ مَن نَحْفَظُ قَوْلَه مِن علماءِ الأمصارِ على أنَّ القَذْفَ، وقَوْلَ الزُّورِ، والكَذِبَ، والغِيبَةَ، لا يُوجِبُ طهارةً ولا يَنْقُضُ وُضُوءًا. وقد رَوَينا عن غيرِ واحِدٍ مِن الأوائِلِ، أنَّهم أمَرُوا بالوضوءِ مِن الكلامِ الخَبِيثِ، وذلك اسْتِحبابٌ عندَنا مِمَّن أمَرَ به، ولا نَعلَمُ حُجَّة تُوجِبُ وُضُوءًا في شيءٍ مِن الكلام، وقد ثَبَت أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال.: «مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ فَلْيَقُلْ: لَا إلَه إلَّا اللهُ». ولم يَأمُر في ذلك بوُضُوءٍ. رَواه البُخارِي (١).

стр. 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والقَهْقَهةُ لا تَنْقُضُ الوُضُوءَ بحالٍ. رُوِيَ ذلك عن عُروَة؛ وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ،. ومالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وابن المُنْذِرِ. وذهب الثَّوْريُّ، والحسنُ، وأصحابُ الرَّأْي، إلى أنَّها تُبْطِلُ الوُضُوءَ داخِلَ الصلاةِ دُونَ خارِجها؛ لِما روَى أسامَةُ، عن أبيه، قال: بَينا نحن نُصَلِّي خلفَ رسولِ اللهِ ﷺ ، إذ أقْبَلَ رجلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فتَرَدَّى في حُفْرَةٍ، فضَحِكْنا منه، فأمَرَنا رسولُ الله ﷺ بإعادَةِ الوُضُوءِ كامِلًا، وإعادَةِ الصلاةِ مِن أوَّلِها. رَواه الدّارَقُطْنِيُّ (١) مِن طُرُقٍ كثيرةٍ، وضَعَّفَها وقال: إنَّما رُوِيَ هذا الحديثُ عن أبي العالِيَةِ (٢) مُرسَلًا. وقال نَحوَ ذلك الإِمامُ أحمدُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيّ (٣). ولَنا، أنَّه مَعْنًى لا يُبْطِل

стр. 475

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوُضُوءَ خارِج الصلاةِ، فلم يُبْطِلْه داخِلَها كالكلامِ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا في شيءٍ يُقاسُ عليه، وحَدِيثُهم قد ذَكَرنا الكلامَ عليه. قال ابنُ سِيرِينَ: لا تَأخُذُوا بمَراسِيلِ الحسنِ وأبي العالِيَةِ؛ فإنَّهما لا يُبالِيان، عمَّن أخَذا. والقَهْقَهةُ أن يَضْحَكَ حتى يَتَحَصَلَ مِن ضَحِكِه حَرْفان. ذَكَره ابنُ عَقِيلٍ.

стр. 476

وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهارَةِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ. ــ ١٤٩ - مسألة: (ومَن تَيَقَّنَ الطهارةَ، وشَكَّ في الحَدَثِ، أو تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ، بَنَى على اليَقِينِ) أنها إذا تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ، فهو مُحْدِثٌ يُلْغِي الشكَّ ويَبْنِي على اليَقِينِ. لا نعلَمُ في ذلك خِلافًا. فإن تَيَقَّنَ أنَّه تَوَضَّأ، وشَكَّ هل أحدَثَ أوْ لا، بَنَى على أنَّه مُتَطَهِّرٌ. وبهذا قال عامَّةُ أهلِ العلمِ. وقال الحسنُ: إن شَكَّ وهو في الصلاةِ، مَضَى فيها، وإن كان قبلَ الدُّخُولِ فيها، تَوَضَّأ. وقال مالكٌ: إذا شَكَّ في الحَدَثِ إن كان يَلْحَقُه كثيرًا، فهو على وُضُوئِه، وإن كان لا يَلْحَقُه كثيرًا، تَوَضَّأَ؛

стр. 477

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه (١) لا يَدخُلُ في الصلاةِ مع الشَّكِّ. ولَنا، ما روَى عبدُ الله بنُ زَيدٍ، قال: شُكِي إلى النبيِّ ﷺ ، الرجلُ يُخَيَّلُ إليه وهو (١) في الصلاةِ أنَّه يَجِدُ الشيءَ، فقال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أوْ يَجدَ رِيحًا». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذَا وَجَدَ (٣)

стр. 478

فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، نَظرَ فِي حَالِهِ قَبْلَهُمَا؛ فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ مُحدِثٌ، وَإنْ كَانَ مُحدِثًا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ. ــ أحَدُكُم فِي بَطْنِهِ شَيئًا فَأشْكَلَ عَلَيهِ، أخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أم لَا (١)، فَلَا يَخْرُجُ (٢) مِنَ الْمَسجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أوْ يَجِدَ رِيحًا». رَواه مسلمٌ (٣). ولأنَّه إذا شَكَّ تَعارَضَ عندَه الأمرانِ، فيَجِبُ سُقُوطُهُما، كالبَيَنتَينِ إذا تَعارَضَتا، ويَرجِعُ إلى اليَقِينِ، ولا فَرقَ بينَ أن يَغْلِبَ على ظَنِّه أحَدُهما، أو يَتَساوَى الأمرانِ، لأنَّ غَلَبَةَ الظنِّ إذا لم تَكُنْ مَضْبُوطَةً بضابطٍ شَرعِيٍّ، لم يُلْتَفَتْ إليها، كما لا يَلْتَفِتُ الحاكِمُ إلى قَوْلَ أحَدِ المُتَداعِيَين إذا غَلَب على ظَنِّه صِدقُه بغيرِ دَلِيلٍ. ١٥٠ - مسألة: (فإن تَيَقَّنَهما، وشَكَّ في السّابِقِ منهما، نَظرَ في حالِه قَبْلَهما؛ فإن كان مُتَطَهِّرًا، فهو مُحْدِثٌ، وإن كان مُحدِثًا، فهو مُتَطَهِّرٌ) مِثالُه أن يَتَيَقَّنَ أنَّه كان في وَقْتِ الظُّهْرِ مُتَطَهِّرًا مَرَّةً، ومُحدِثًا

стр. 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أُخْرَى، ولا يَعلَم أيهما كان قبلَ الآخَرِ، فإنَّه يَنْظرُ في حالِه قبلَ الزَّوالِ، فإن كان متَطَهِّرًا، فهو الآنَ مُحدِثٌ، لأنَّه تَيَقَّنَ زَوال تلك الطهارةِ بحَدَثٍ، ولم يَتَيَقَّنْ زَوال ذلك الحَدَثِ بطهارةٍ أخْرَى، لاحتِمالِ أن تَكُونَ الطهارةُ التي يَتَيَقَّنُها بعدَ الزَّوالِ هي التي كانت قبلَه، فلم يَزُلْ يَقِينُ الحَدَثِ بالشَّكِّ. وإن كات مُحدِثًا قبلَ الزَّوالِ، فهو الآن مُتَطَهِّرٌ، لِما ذَكرنا في التي قَبلها. فصل: فإن تَيَقَّنَ أنَّه نَقَض طَهارَتَه وتَوَضَّأ عن حَدَثٍ، في وَقْتٍ واحِدٍ، وشَكَّ في السّابِقِ مكما، نَظرَ في حالِه قَبْلَهُما، فإن كان مُتَطَهِّرًا، فهو الآنَ مُتَطَهِّرٌ، لأنَّه تَيَقَّنَ أنَّه نَقَض تلك الطهارةَ، ثم تَوَضَّأَ، إذ لا يُمكِنُ أن يَتَوَضَّأَ عن حَدَثِ مع بَقاءِ تلك الطهارةِ، ونَقْضُ هذه الطهارةِ الثّانِيَةِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ. وإن كان مُحدِثًا، فهِو الآنَ مُحدِثٌ، لأنَّه تَيَقَّنَ أنَّه انْتَقَلَ عنه إلى طهارةٍ ثم أحدَثَ منها، ولم يَتَيَقنْ بعدَ الحَدَثِ الثّاني طهارةً. واللهُ أعلمُ. فهذه جَمِيعُ نَواقِضِ الطهارةِ، ولا يَنْتَقِضُ بغَيرِها في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّه قد حُكِي عن مُجاهِدٍ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، في قَصِّ الشّارِبِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، ونَتْفِ الإِبطِ، الوُضُوءُ. وقَوْلُ جُمهُورِ العُلَماءِ بخِلافِهِم، وهو أوْلَى، ولا نَعلَمُ لهم فيما يَقُولُونَ حُجَّةً. واللهُ أعلمُ.

стр. 480

وَمَنْ أحدَثَ حَرُمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَمَسُّ الْمُصحَف. ــ ١٥١ - مسألة؛ قال: (ومَن أحدَثَ حَرُم عليه الصلاةُ والطَّوافُ ومَسُّ المصحفِ) أنها الصلاةُ؛ فلقَوْلِه ﷺ : «لَا يَقبَلُ اللهُ صَلَاةَ مَنْ أحدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). والطَّواف؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «الطَّوَاف بِالْبَيتِ صَلَاةٌ، إلّا أنَّ الله أباحَ فِيهِ الْكَلَامَ». رَواه الشافعيُّ في مسنده (٢). ومسُّ المصحفِ، رُوِيَ هذا عن ابن عمَرَ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وطاوُسِ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعي (٣)، وأصحابِ الرَّأي. وقال داودُ: يُباحُ مَسُّه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كَتَب في كتابِه إلى قَيصَرَ آيَةً مِن القرآنِ. وأباحَ الحَكَم، وحَمّادٌ مَسَّه بظاهِرِ الكَفِّ؛ لأنَّ آلةَ

стр. 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّمسِ باطِنُ اليَدِ، فيَنْصَرِفُ إليه النَّهْيُ دُونَ غيرِه. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١). وفي كتابِ النبيِّ ﷺ لعَمرِو بنِ حَزْمٍ (٢): «أنْ لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأنتَ طَاهِرٌ». رواه الأثْرَمُ (٣). فأمّا الآيَة التي كَتَب بها النبيُّ ﷺ فإنَّما قَصَد بها المُراسلَةَ، والآيَةُ في الرِّسالةِ أو في كتابِ فِقْهٍ ونَحوه لا تَمنَعُ مَسَّه، ولا يَصِيرُ بها الكتابُ مصحفًا. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَجُوزُ مَسُّه بشيءٍ مِن جَسَده قِياسًا على اليَدِ. قَوْلُهم: إنَّ المَسَّ يَخْتَصُّ باطِنَ اليَدِ. مَمنُوعٌ، بل كلّ شيءٍ لاقَى شَيئًا فقد مَسَّه.

стр. 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَجُوزُ حَمْلُه بعِلاقَتِه. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ. ورُوي ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ، والشَّعبِيِّ، وحَمّادٍ. ومَنَع منه الأوزاعِيّ، ومالكٌ، والشافعيُ؛ تَعظِيمًا للقرآنِ. ولأنَّه مكَلَّف مُحدِثٌ قاصِدٌ لحَملِ المصحفِ، فهو كما لو حَمَلَه مع مَسِّه. ولَنا، أنَّه غيرُ ماسٍّ، فلم يُمنَع، كما لو حَمَلَه في رَحلِه، ولأنَّ النَّهْيَ إنَّما تَناوَلَ المَسَّ، والحَملُ ليس بمَسٍّ، وقِياسُهُم لا يَصِحُّ، لأنَّ العِلَّةَ في الأصلِ مَسُّه، وهو غيرُ مَوْجُودٍ في الفَرعِ، والحَملُ لا أثَرَ له، فلا يَصِحُّ التَّعلِيلُ به. وعلى هذا لو حَمَلَه بحائِلٍ بَينَه

стр. 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبينَه مِما لا يَتْبَعُ في البَيعِ، جازَ، وعِنْدَهم لا يَجُوزُ. ويجُوزُ تقْلِيبُه بعُودٍ ومَسُّه به، وكَتْبُ المصحفِ بيَدِه مِن غيرِ أن يَمَسَّه، وذَكر ابنُ عَقِيلٍ في ذلك كلِّه، وفي حَملِه بعِلاقَتِه رِوايَتَين. وفي مَسِّه بكُمِّه رِوايَتان، ووَجْهُهُما ما تَقَدَّمَ. والصَّحِيحُ في ذلك كلِّه الجَوازُ، قاله شَيخُنا؛ لأنَّ النَّهْيَ إنَّما تَناوَلَ مَسَّه، وهذا ليس بمَسٍّ (١).

стр. 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَجُوزُ مَس كُتُب الفِقْهِ والتَّفْسِيرِ، والرَّسائِلِ، وإن كان فيها آيات مِن القرآنِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كَتَب إلى قَيصَرَ كِتابًا فيه آيَةٌ، ولأنَّها لا يَقَعُ عليها اسْمُ المُصحَفِ، ولا يَثْبُتُ لها حُرمَتُه. وكذلك إن مَس ثَوْبًا مُطرًّزًا بآيةِ مِن القرآنِ. وفي مَسِّ الصِّبْيانِ ألْواحَهُم التي فيها القُرآنُ وَجْهان؛ أحَدهما، الجَوازُ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ، فلو اشْتَرَطْنا الطهارةَ أدَّى إلى تَنْفِيرِهم عن حِفْظِه. والثاني، المَنْعُ؛ لعُمُومِ النَّصِّ. وفي الدَّراهِم

стр. 485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَكْتُوب عليها القُرآنُ وَجْهان؛ أحَدُهما، المَنْعُ، وهو مَذْهبُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ القُرآنَ مَكْتُوبٌ عليها، أشبهتِ الوَرَقَ. والثاني، الجَوازُ؛ لأنَّها لا يَقَعُ عليها اسْمُ المُصحَفِ، أشْبَهتْ كُتُبَ الفِقْهِ، ولأنَّ في الاحتِرازِ منها مَشَقَّةٌ، أشْبَهتْ ألْواحَ الصِّبْيانِ. ومَن كانْ مُتَطَهِّرًا، وبَعْضُ أعضائِه

стр. 486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَجِسٌ، فمَسَّ المصحفَ بالعُضْو الطّاهِرِ، جازَ؛ لأنَّ حُكْمَ النَّجاسَةِ لا يَتَعَدَّى مَحَلَّها، بخِلافِ الحَدَثِ. وإنِ احتاجَ المُحْدِثُ إلى مَسِّ المصحف عندَ عَدَمِ الماءِ، تَيَمَّمَ ومَسَّه؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ الماءِ. ولو غَسَل المُحدِثُ بعضَ أعضاءِ الوُضُوءِ، لم يَجُز لهْ مَسُّه به قبلَ إتْمامِ وُضُوئِه؛ لأنَّه لا يَكونُ مُتَطَهِّرًا إلَّا بغَسْلِ الجَمِيعِ.

стр. 487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَجُوزُ المُسافَرَةُ بالمصحفِ إلى دارِ الحَربِ؛ لما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُسَافِرُوا بِالْقرآنِ إلَى أرضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أنْ تَنَالهُ أيدِيهم» (١).

стр. 488

بَابُ الْغسْلِ وَمُوجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ؛ خُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ، ــ بابُ الغُسْلِ (ومُوجباتُه سبعَةٌ) غَسْلُ الجنابَة، بفتح الغَين. ذَكَره ابنُ بَرِّيٍّ (١). والغُسل بالضَّمِّ: الماءُ الذي يُغْتَسَلُ به. قاله ابنُ السكِّيتِ (٢). والغِسْلُ ما غُسِل به الرّأسُ. أحَدُها (خُرُوجُ المَنِيِّ الدّافِقِ بلَذَّةٍ) وهو مُوجِبٌ للغُسْلِ من الرجلِ والمرأةِ، في اليَقَظَةِ والنَّوْمِ. وهذا قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ حَكاه الترمِذِيُّ (٣). ولا نَعلَم فيه خِلافًا، وذلك لِما رُوِيَ أنَّ أمَّ سُلَيمٍ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الله لا يَسْتحيِي مِن الحَقِّ، هل على المرأةِ مِن غُسْلٍ إذا هي احتَلَمَتْ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «نَعم، إذَا رَأتِ

стр. 489

فَإِنْ خَرَجَ لِغَيرِ ذلِكَ لَمْ يُوجِبْ. ــ الْمَاءَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وماءُ الرجلِ غَلِيظٌ أبيَضُ، وماءُ المرأةِ رَقِيقٌ أصفَرُ؛ لأنَّ في حَدِيثِ أُمِّ سُلَيمٍ، في بَعضِ رِواياتِه: فقالت: وهل يكُون هذا؟ فقال نبيُّ اللهِ ﷺ : «نَعَم، فَمِن أينَ يَكُونُ الشَّبّه! إنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظ أبيض، وَمَاءُ الْمرأةِ رَقِيق أصفَرُ، فَمِنْ أيِّهِمَا عَلَا أوْ سَبَقَ، يَكُون مِنْهُ الشَّبّه». رَواه مسلمٌ (٢). ١٥٢ - مسألة: (فإن خَرَجَ لغَيرِ ذلك لم يُوجِبْ) يَعنِي إذا خَرجَ شَبِيهُ المَنِيِّ؛ لمَرَضٍ أو إِبْرَدَةٍ (٣)، مِن غيرِ شَهْوَةٍ. وهذا قولُ أبي حَنِيفة

стр. 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومالكٍ. وقال الشافعيّ: يَجِبُ. ويَحتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ، وذلك لقَوْلِه ﵇: «نعم، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ». وقَوْلِه: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (١). ولأنَّه منيٌّ خارِجٌ فأوْجَبَ الغُسْلَ، كما لو خَرَج حال الإِغْماءِ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ وَصَف المَنِيَّ المُوجِبَ بأنَّه غَلِيظٌ أبْيَضُ، وقال لعَلِيٍّ «إذا فَضَخْتَ الْمَاءَ (٢) فَاغْتَسِلْ». رَواه أبو داودَ (٣). والفَضْخُ خُرُوجُه على وَجْهِ الشِّدَّةِ. وقال إبراهيمُ الحربِيّ (٤): بالعجَلَةِ. وقَوْلُه ﵇: «إذَا رَأتِ الْمَاءَ». يَعنِي في الاحتِلام، وإنَّما يَخْرُجُ في الاحتِلامِ لشَهوَةٍ، والحَدِيثُ الآخَرُ مَنْسُوخٌ، ويُمكِنُ مَنْعُ كَوْنِ هذا مَنِيًّا؛ لأنَّ النبيّ ﷺ وَصَف المَنِيَّ بصِفَةٍ غيرِ مَوْجُودَةٍ في هذا.

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن رَأى أنَّه قد احتَلَمَ، ولم يَرَ بَللًا، فلا غُسْلَ عليه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ ﷺ : «نَعم، إذَا رَأتِ الْمَاءَ». يَدُلُّ بمَفْهُومِه (١) على أنَّه لم يَجِبْ إذا لم تَرَه، ورَوَتْ عائِشَةُ، قالت: سُئِل رسولُ الله ﷺ عن الرجلِ يَجِدُ البَلَلَ، ولا يَذْكُرُ احتِلامًا، قال: «يَغْتَسِلُ». وعن الرجلِ يَرَى أن قد احتَلَمَ، ولم يَجِدِ البلَلَ، قال:. «لَا غُسْلَ عَلَيهِ». قالت أمُّ سُلَيمٍ: المرأةُ تَرَى ذلك، أعليها غُسْلٌ؟ قال: «نَعَم، إنَّما النِّسَاءُ شَقَائِقُ

стр. 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرِّجَالِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (١). وذَكَر ابنُ أبي موسى في مَن احتَلَمَ ووَجَدَ لذَّة الإِنْزالِ، ولم يَرَ بَلَلًا، رِوايَةً في وُجُوبِ الغُسْلِ عليه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذَكَرنا مِن النَّصِّ والإِجماعِ، لكن إن مَشَى فخَرَجَ منه المَنِيُّ، أو خَرَج بعدَ اسْتِيقاظِه، فعليه الغُسْلُ. نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه كان انْتَقَل، وتَخَلَّف خُرُوجُه إلى ما بعدَ الاسْتِيقاظِ، وإن انْتَبَه فرَأى مَنِيًّا، ولم يَذْكُرِ احتِلامًا، فعليه الغُسْلُ، قال شيخُنا: لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٢). ورُوي نحوُ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ. وبه قال ابنُ عباسِ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والشَّعبِي، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاق؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ خُرُوجَه كان لاحتِلامٍ نَسِيَه؛ وذلك لِما ذَكَرنا مِن حديثِ عائشةَ.

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإنِ انْتَبَه مِن النَّوْمِ فوَجَدَ بَلَلًا، لا يَعلمُ هل هو مَنِيٌّ أو غيرُه، فقال أحمدُ: إذا وَجَد بِلَّةً اغْتَسَلَ، إلَّا أن يَكُونَ به إِبرِدَةٌ، أو لاعَبَ أهْلَه؛ فإنَّه رُبَّما خَرَج منه المَذْيُ، فأرجُو أن لا يكُون به بَأسٌ. وكذلك إن كان انْتَشَرَ مِن أوَّلِ اللَّيلِ بتَذَكُّرٍ أو رُؤيَةٍ. وهو قَوْلُ الحسنِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مَذْيٌ، لوُجُودِ سَبَبِه، فلا يَجِبُ الغُسْلُ بالاحتِمالِ. وإن لم يَكُنْ وَجَد ذلك، فعليه الغُسْلُ؛ لحَدِيثِ عائِشَةَ. وقد تَوَقَّف أحمدُ في هذه المَسْأَلَةِ. وقال مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: لا غُسْلَ عليه حتى يُوقِنَ بالماءِ الدّافِقِ. وهذا هو القِياس، والأوْلَى الاغْتِسالُ؛ لمُوافَقَةِ الخَبَرِ، وعَمَلًا بالاحتِياطِ.

стр. 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن رَأى في ثَوْبِه مَنِيًّا، وكان لا يَنامُ فيه غيرُه، وهو مِمَّن يمكنُ أن يَحتَلِمَ، كابنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فعليه الغُسْلُ، وإلَّا فَلا؛ لأنَّ عُمَرَ وعثمانَ اغْتَسَلا حينَ رأياه في ثوبيهما، ولأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مَنِيُّه (١)، ويَلْزَمُه إعادَةُ الصلاةِ مِن أحدَث نَوْمَةٍ نامَها فيه، إلَّا أن يَرَى أمارَةً تَدُلُّ على أنَّه قَبْلَها، فيُعِيدَ مِن أدنَى نَوْمَةٍ يَحتَمِلُ أنَّه منها. فأمّا إن كان يَنامُ فيه هو وغيرُه مِمَّن يَحتَلِمُ، فلا غُسْلَ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا (٢) شاكٌّ فيما يُوجِبُ الغُسْلَ، والأصلُ عَدَمُ وُجْوبِه، وليس لأحَدِهما الائْتِمامُ بالآخَرِ؛ لأنَّ أحَدَهما جُنُبٌ يَقِينًا. فصل: فإن وَطِئَ امرأته دُونَ الفَرجِ، فدَبَّ ماؤه إلى فَرجِها ثم خَرَج، أو وَطِئَها في الفَرجِ، فاغْتَسَلَتْ ثم خَرَج ماؤه مِن فَرجِها، فلا غُسْلَ عليها. وبه قال قَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاق. وقال الحسنُ: تَغْتَسِلُ؛ لأنَّه مَنِيٌّ خارِجٌ، فأشْبَه ماءَها. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه ليس مَنِيَّها، أشْبَه غيرَ المَنِيِّ؛ ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعنى المَنْصُوصِ.

стр. 495

وَإِنْ أحسَّ بِانْتِقَالِهِ فَأمسَكَ ذَكَرهُ، فَلَم يَخْرُجْ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ. ــ ١٥٣ - مسألة: (فإنْ أحَسَّ بانْتِقالِه فأمسَكَ ذَكَرَه، فلم يَخْرُج، فعلى رِوايَتَين) إحداهما، يَجِبُ عليه الغُسْل، وهو المَشْهُورُ عن أحمدَ، وأنْكَرَ أن يكُونَ الماءُ يَرجِعُ. اخْتاره ابنُ عَقِيلٍ، والقاضي، ولم يَذْكُر فيه خِلافًا، قال: لأنَّ الجَنابَةَ تَباعُدُ الماءِ عن مَحَلِّه، وقد وُجِد، فتَكُونُ الجَنابَةُ مَوجُودَةً، فيَجِبُ بها الغُسْلُ. ولأنَّ الغُسْلَ تُراعَى فيه الشَّهْوَةُ، وقد حَصَلَتْ بانْتِقالِه، أشْبَه ما لو ظَهر. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا غُسْلَ عليه، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِي، وقَوْلُ أكثَرِ الفقهاءِ، وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّقَ الاغْتِسال على رُؤيةِ الماءِ بقَوْلِه: «إذَا رَأتِ الْمَاءَ». وقَوْلِه: «إذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ». فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بدُونِه، وما ذَكَرُوه مِن الاشتِقاقِ مَمنُوعٌ؛ لأنَّه يَجُوزُ أن يُسَمَّي جُنُبًا لمُجانَبَتِه الماءَ، ولا يَحصُلُ إلَّا بخُرُوجِه، أو لمُجانَبَتِه الصلاةَ أو المسجدَ، وإذا سُمِّيَ بذلك
следующие страницы →