← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

إحْدَاهُمَا، عَلَيْهِ هَدْىٌ يَذْبَحُهُ فِى حَجَّةِ الْقَضَاءِ، إِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ قَضَاءٌ. وَإلَّا ذَبَحَهُ فِى عَامِهِ. ــ عليه هَدْىٌ يَذْبَحُه في حَجَّةِ القَضاءِ، إن قُلْنا: عليه قَضاءٌ. وإلَّا ذَبَحَه في عامِه) يَجِبُ الهَدْىُ على مَن فاتَه الحَجُّ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن. وهو قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحَابَةِ والفُقَهاءِ، إلَّا أصحابَ الرَّأْى، فإنَّهُم قالُوا: لا هَدْىَ عليه. وهى الرِّوايَةُ الثانِيَةُ عن أحمدَ؛ لأنَّه لو كان الفَواتُ سَبَبًا لوُجُوبِ الهَدْى، لَزِم المُحْصَرَ هَدْيانِ؛ للفَواتِ والإِحْصَارِ. ولَنا، حَدِيثُ عَطاءٍ، وإجْماعُ الصَّحَابَةِ، ولأنَّه حَلَّ مِن إحْرامِه قبلَ إتْمامِه، فلَزِمَه هَدْىٌ، كالمُحْصَرِ، والمُحْصَرُ لم يَفُتْ حَجُّه؛ لأنَّه يَحِل قبلَ فَواتِه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُخْرِجُ الهَدْىَ في سَنَةِ القَضاءِ، إِن قُلْنا بوُجُوبِه، وإلَّا أخْرَجَه في عامِه. وإذا كان معه هَدْىٌ قد سَاقَه، نحَرَه، ولا يُجْزِئُه إن قُلْنا بوُجُوبِ القَضاءِ، بل عليه في السَّنَةِ الثانِيَةِ هَدْىٌ أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ؛

стр. 4377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِمَا روَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، أنَّ هَبَّارَ بنَ الأسْوَدِ (١) حَجَّ مِن الشامِ، فقَدِمَ يومَ النَّحْرِ، فقال له عُمَرُ: ما حَبَسَكَ؟ قال: حَسِبْتُ أنَّ اليَوْمَ يومُ عَرَفَةَ. قال: فانْطَلِقْ إلى البَيْتِ فَطُفْ به سَبْعًا، وإن كان مَعَكَ هَدْيَةٌ فانْحَرْها، ثم إذا كان عامٌ قابلٌ فاحْجُجْ، فإن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، فإن لم تَجِدْ فصُمْ ثَلَاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتَ، إن شاءَ اللَّهُ (٢). والهَدْىُ: ما اسْتَيْسَرَ، مثل هَدْىِ المُتْعَةِ؛ لحَدِيثِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. والمُتَمَتِّعُ والمُفْرِدُ والقارِنُ والمَكِّىُّ وغيرُه سَواءٌ فيما ذَكَرْنا.

стр. 4378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإنِ اخْتارَ مَن فاتَه الحَجُّ البَقاءَ على إحْرامِه للحَجِّ مِن قابِلٍ، فله ذلك. رُوِىَ ذلك عن مالكٍ؛ لأنَّ تَطَاوُلَ المُدَّةِ بينَ الإِحْرامِ وفِعْل النُّسُكِ لا تَمْنَعُ إتْمامَه، كالعُمْرَةِ، والمُحْرِمِ بالحَجِّ في غيرِ أشْهُرِه. ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس له ذلك. وهو قولُ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ، ورِوَايَةٌ عن مالكٍ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ. وقولِ الصَّحَابَةِ، ولكَوْنِ إحْرام الحَجِّ يَصِيرُ في غيرِ أشْهُرِه، فصارَ كالمُحْرِمِ بالعِبادَةِ قبلَ وَقْتِها. فصل: فإن كان الذى فاتَه الحَجُّ قارِنًا، حَلَّ، وعليه مثلُ ما أهَلَّ به مِن قابِلٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسحاقَ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه ما فَعَلَه عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، ولا يَلْزَمُه إلَّا قَضاءُ الحَجِّ؛ لأنَّه لم يَفُتْه غَيْرُه. وقال الثَّوْرِىُّ وأصحابُ الرَّأْى: يَطُوفُ

стр. 4379

وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ، فَوَقَفُوا فِى غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ. وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ. ــ ويَسْعَى لعُمْرَتِه، ثم لا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ ويَسْعَى لحَجِّه. إلَّا أنَّ سُفْيانَ قال: ويُهَرِيقُ دَمًا. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه يَجِبُ القَضاءُ على حَسَبِ الأداءِ في صُورَتِه ومَعْناه، فيَجِبُ أن يكونَ ههُنا كذلك، ويَلْزَمُه هَدْيان؛ لقِرانِه وفواتِه. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقيلَ: يَلْزَمُه هَدْىٌ ثالثٌ للقَضاءِ. وليس بشئٍ، فإنَ القَضاءَ لا يَجِبُ له شئٌ، وإنَّما الهَدْىُ الذى في سَنَةِ القَضاءِ للفَواتِ، ولذلك لم يَأْمُرْه الصَّحَابَةُ بأكثرَ مِن هَدْىٍ واحِدٍ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ١٣٣٣ - مسألة: (وإن أخْطَأَ الناسُ، فوَقَفُوا في غيرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أجْزَأهم. وإن أخْطَأ بعضُهم، فقد فاتَه الحَجُّ) إذا أخْطَأ الناسُ، فَوَقَفُوا في غيرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، ظنًّا منهم أنَّه يومُ عَرَفَةَ، أجْزَأهم؛ لِما روَى

стр. 4380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدَّرَقُطْنىُّ (١) بإسْنادِه، عن عبدِ العزيزِ بن عبدِ اللَّهِ بنِ جابِرِ بنِ أُسَيْدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِى يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ». وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «فِطْرُكُمْ (٢) يَوْمَ تفْطِرُونَ، وَأضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ». رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ وغيرُه (٣). ولأنَّه لا يُؤْمَنُ مثلُ ذلك في القَضاءِ. فإنِ اخْتَلَفُوا، فأصابَ بعضٌ وأخْطَأ بعضٌ، لم يُجْزِئُ مَن أخْطَأ؛ لأنَّهم غيرُ مَعْذُورِينَ في ذلك، وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ هَبَّارٍ (٤)، حينَ قال لعُمَرَ: ظَنَنْتُ أنَّ اليومَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فلم يُعْذَرْ بذلك.

стр. 4381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كان عَبْدًا لم يَلْزَمْه الهَدْىُ؛ لأنَّه عاجِزٌ عنه، بكَوْنِه لا مالَ له، فهو كالمُعْسِرِ، ويَجِبُ عليه الصَّوْمُ بدلَ الهَدْى. فإن أذِنَ له سَيِّدُه في الهَدْى، لم يَكُنْ له أن يُهْدِىَ في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ، ولا يُجْزِئُه إلَّا الصِّيامُ. هذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عنهم في الصَّيْدِ. وعلى قِياسِ هذا كلُّ دَمٍ لَزِمَه في الإِحْرامِ، لا يُجْزِئُه عنه إلَّا الصِّيَامُ. وقال غيرُ الخِرَقِىِّ مِن أصحابِنا: إن مَلَّكَه السَّيِّدُ هَدْيًا، وأذِنَ له في ذَبْحِه، خُرِّجَ على الرِّوَايَتَيْن في مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْلِيكِ. فإن قُلْنا: يَمْلِكُ. لَزِمَه الهَدْىُ، وأجْزَأ عنه؛ لأنَّه قادِرٌ عليه، مالكٌ له، أشْبَهَ الحُرَّ. وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ. لم يُجْزِئْه إلَّا الصِّيامُ؛ لأنَّه ليس بمالكٍ، ولا سَبِيلَ له إلى المِلْكِ، فهو كالمُعْسِرِ. وإذا صامَ فإنَّه يَصُومُ عن كلِّ مُا مِن قِيمَةِ الشاةِ يَوْمًا. ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. ويَنْبَغِى أن يُخَرَّجَ فيه مِن الخِلافِ ما ذَكَرْناه في الصَّيْدِ. فإن بَقِىَ مِن قِيمَتِها دُونَ المُدِّ، صامَ عنه يَوْمًا؛ لأنَّ الصَّومَ لا يَتَبَعَّضُ، فيَجِبُ تَكْمِلَتُه. قال شيخُنا (١):

стр. 4382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأَوْلَى أن يكونَ الواجِبُ مِن الصَّوْمِ عَشَرَةَ أيَّامٍ، كصَوْمِ المُتْعَةِ، كما جاءَ في حَدِيثِ عُمَرَ، أنَّه قال لهَبَّارِ بن الأسْوَدِ: فإن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، فإن لم تَجِدْ سَعَةً، فصُمْ ثَلَاثَّةَ أيَّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتَ، إن شاءَ اللَّه. وروَى الشافعىُّ (١)، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، مثلَ ذلك. وأحمدُ ذَهَب إلى حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، واحْتَجَّ به. ولأنَّه صَوْمٌ وَجَب لحِلِّه مِن إحْرامِه قبلَ إتمامِه، فكان عَشَرَةَ أيَّامٍ، كصَوْمِ المُحْصَرِ. والمُعْسِرُ في الصَّوْمِ كالعَبْدِ، ولذلك قال عُمَرُ، رَضِى اللَّه عنه، لهَبَّارٍ: إن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، وإن لم تَجِدْ فصُمْ. ويُعْتَبَرُ اليَسارُ والإِعْسَارُ في زَمَنِ الوُجُوبِ، وهو في سَنَةِ القَضاءِ إن قُلْنا بوُجُوبِه، أو في سنَةِ الفَواتِ إن قُلْنَا: لا يَجِبُ القَضاءُ. وقال الخِرَقِىُّ في العَبْدِ: ثم يُقَصِّرُ، ويَحِلُّ. يُرِيدُ أنَّ العَبْدَ لا يَحْلِقُ؛ لأنَّ الحَلْقَ يُزِيلُ الشَّعَرَ الذى يَزِيدُ في قِيمَتِه ومَالِيَّتِه، وهو مِلْكٌ لسَيِّدِه، ولم يَتَعَيَّن إزالَتُه، فلم يَكُنْ له ذلك، كغيرِ حالَةِ الإِحْرامِ. فإن أذِنَ له سَيِّدُه فيه، جازَ؛ لأنَّ المَنْعَ منه لحَقِّه.

стр. 4383

وَمَنْ أَحْرَمَ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحَجِّ، ذَبَحَ هَدْيًا فِى مَوْضِعِهِ، وَحَلَّ. ــ ١٣٣٤ - مسألة: (ومَن أحْرَمَ فحَصَرَه عَدُوٌّ، ولم يَكُنْ له طَرِيقٌ إلى الحَجِّ، نَحَر هَدْيًا في مَوْضِعِه، وحَلَّ) لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ المُحْصَرَ إذا حَصَرَه عَدُوٌّ، ومَنَعُوه الوُصُولَ إلى البَيْتِ، ولم يَجدْ طَرِيقًا آمِنًا، أنَّ له التَّحَلُّلَ، مُشْرِكًا كان العَدُوُّ أو مُسْلِمًا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١). ولأنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ أصْحَابَه حينَ حُصِرُوا في الحُدَيْبِيَةِ أن يَنْحَرُوا ويَحْلِقُوا ويَحِلُّوا (٢). وسَواءٌ كان الإِحْرامُ بحَجٍّ، أو عُمْرَةٍ، أو بهما. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ. وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّ المُعْتَمِرَ لا يَتَحَلَّلُ؛ لأنَّه لا يَخافُ الفَواتَ. ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ، وإنَّما كانُوا مُحْرِمِينَ بعُمْرَةٍ، فحَلُّوا (٣) جَمِيعًا. وعلى مَن تَحَلَّلَ بالإِحْصَار الهَدْىُ، في قولِ الأكْثَرَينَ. وعن مالكٍ، ليس عليه هَدْىٌ؛ لأنَّه تَحَلُّل أُبِيحَ له مِن غيرِ

стр. 4384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَفْرِيطٍ، أشْبَهَ مَن أتَمَّ حَجَّه. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال الشافعىُّ: لا خِلافَ بينَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ هذه الآيَةَ نزَلَتْ في حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ. ولأنَّه أُبِيحَ له التَّحَلُّلُ قبلَ إتْمامِ نُسُكِه، أشْبَهَ مَن فاتَه الحَجُّ، وبهذا فارَقَ مَن أتَمَّ حَجَّه. فصل: ولا فَرْقَ بينَ الحَصْرِ العامِّ في حَقِّ كلِّ الحاجِّ، وبينَ الخاصِّ في حَقِّ شَخْصٍ واحِدٍ، مثلَ أن يُحْبسَ (١) بغيرِ حَقٍّ، أو تَأْخُذَه اللُّصُوصُ؛ لعُمُومِ النَّصِّ، ووُجُودِ المَعْنَى في الكلِّ. فأمَّا مَن حُبِسَ بحَقٍّ عليه يُمْكِنُه الخُرُوجُ منه، فلا يَجُوزُ له التَّحَلُّلُ في الحَبْسِ فإن كان عاجِزًا عن أدائِه، فحُبِسَ بغيرِ حَقٍّ، فله التَّحَلُّلُ، كمَن ذَكَرْناه. وإن كانَ عليه دَيْن مُؤَجَّل يَحِلُّ قبلَ تُدُومِ الحاجِّ، فمَنَعَه صاحِبُه مِن الحَجِّ، فله التَّحَلُّلُ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. ولو أحْرَمَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، أو المَرْأةُ للتَّطَوُّعِ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، فلهما مَنْعُهما، وحُكْمُهُما حُكْمُ المُحْصَرِ. فصل: فإن أمْكَنَ المُحْصَرَ الوُصُولُ مِن طَرِيقٍ أُخْرَى، لم يُبَحْ لَه التَّحَلُّلُ، ولَزِمَه سُلُوكُها، بَعُدَتْ أو قَرُبَتْ، خَشِىَ الفَواتَ أو لم يَخْشَه، فإن كان مُحْرِمًا بعُمْرَةٍ لم تَفُتْ، وإن كان بحَجٍّ ففاتَه، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ، وكذا لو لم يَتَحَلَّلِ المُحْصَرُ حتى زالَ الحَصْرُ، لَزِمَه السَّعْىُ وإن كان بعدَ فَواتِ الحَجِّ، ليَتَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ. ثم هل يَلْزَمُه القَضاءُ إن فاتَه الحَجُّ؟ فيه

стр. 4385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رِوايَتان؛ إحْداهُما، يَلْزَمُه، كمَن فاتَه بخَطَأ الطَّرِيقِ. والثانِيَةُ، لا يَجِبُ؛ لأنَّ سَبَبَ الفَواتِ الحَصْرُ، أشْبَهَ مَن لم يَجِدْ طَرِيقًا أُخْرَى، وبهذا فارَقَ المُخْطِئَ. فصل: وإذا كان العَدُوُّ الذين حَصَرُوا الحاجَّ مُسْلِمينَ، فأمْكَنَه الانْصِرافُ، كان أوْلَى مِن قِتالِهم؛ لأنَّ في قِتالِهم المُخاطَرَةَ بالنَّفْسِ والمالِ وقَتْلَ مُسْلمٍ، فكان تَرْكُه أوْلَى. ويَجُوزُ قِتالُهم؛ لأنَّهُم تَعَدَّوْا على المُسْلِمينَ لمَنْعِهِم طَرِيقَهم، فأشْبَهُوا سائِرَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ. وإن كانُوا مُشْركِينَ، لم يَجِبْ قِتالُهم؛ لأنَّه إنَّما يَجِبُ بأحَدِ أمْرَيْن؛ إذا بَدَءُوا بالقِتالِ، أو وَقَع النَّفِيرُ، فاحْتِيجَ إلى مَدَدٍ، وليس ههُنا واحِدٌ منهما. لكن إن غَلَب على ظَنِّ المُسْلِمينَ الظَّفَرُ، اسْتُحِبَّ قِتالُهم؛ لِما فيه مِن الجِهادِ، وحُصولِ النَّصْرِ، وإتمامِ النُّسُكِ. وإن كان بالعَكْسِ، فالأوْلَى الانْصِرافُ؛ لِئَلَّا يُغَرِّرُوا بالمُسْلِمينَ. ومتى احْتَاجُوا في القِتالِ إلى لُبْسِ ما تَجِبُ فيه الفِدْيَةُ، فلهم فِعْلُه، وعليهم الفِدْيَةُ؛ لأنَّ لُبسَهم لأجْلِ أنْفُسِهِم، فأشْبَهَ ما لو لَبِسُوا للاسْتِدْفاء مِن بَرْدٍ. فإن أذِنَ لهم العَدُوُّ في العُبُورِ فلم يَثِقُوا بهم، فلهم الانْصِرافُ؛ لأَنَّهُم خائِفُونَ على أنْفُسِهم، فكَأنَّهُم لم يُؤَمِّنُوهم، وإن وَثِقوا بأمانِهِم، وكانُوا مَعْرُوفِينَ بالوَفاءِ، لَزِمَهم المُضِىُّ

стр. 4386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على إحْرامِهِم؛ لأنَّه قد زالَ حَصْرُهم، وإن طَلَب العَدُوُّ خُفارَةً (١) على تَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وكان مِمَّن لا يُؤْمَنُ بأَمانهِ، لم يَلْزَمْهُم بَذْلُه؛ لأن الخَوْفَ باقٍ مع البَذْلِ، وإن كان مَوْثُوقًا بأمانِه، والخُفارَةُ كَثِيرَةٌ، لم يَجِبْ بَذْلُه، بل يُكْرَهُ إن كان العَدُوُّ كافِرًا؛ لأنَّ فيه صَغارًا وتَقْوِيَةً للكافِرِ، وإن كانَتْ يَسِيرَةً، فقِياسُ المَذْهَبِ وُجُوبُ بَذْلِه، كالزِّيادَةِ في ثَمَنِ الماءِ للوُضُوءِ. وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَجِبُ بَذْلُ خُفارَةٍ بحالٍ، وله التَّحَلُّلُ، كما في ابْتِداءِ الحَجِّ لا يَلْزَمُه إذا لم يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا مِن غيرِ خُفارَةٍ. فصل: متى قَدَرَ المُحْصَرُ على الهَدْى، فليس له التَّحَلُّلُ قبلَ ذَبْحِه. فإن كان معه هَدْىٌ قد ساقَه، أجْزَأه، وإن لم يَكُنْ معه، لَزِمَه شِراؤُه إن أمْكَنَه، ويُجْزِئُه أدْنَى الهَدْى، وهو شَاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وله نَحْرُه في مَوْضِعِ حَصْرِه، مِن حِلٍّ أو حَرَمٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، إلَّا أن يكونَ قادِرًا على أطْرافِ الحَرَمِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه نَحْرُه فيه؛ لأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَنْحَرٌ، وقد قَدَر عليه. والثانِى، يَنْحَرُه في مَوْضِعِه؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ نَحَر هَدْيَه في مَوْضِعِه. وعن أحمدَ، ليس للمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيهِ إلَّا في الحَرَمِ، ويُواطِئُ رجلًا على نَحْرِه في وَقْتٍ يَتَحَلَّلُ فيه. يُرْوَى هذا عن ابنِ مسعودٍ، في مَن لُدِغَ في الطَّرِيقِ.

стр. 4387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وعَطاءٍ. قال شيخُنا (١): وهذا، واللَّهُ أعْلمُ، في مَن كان حَصْرُه خاصًّا، وأمَّا الحَصرُ العامُّ، فلا يَنْبَغِى أن يَقُولَه أحَدٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعَذُّر الحِلِّ، لتَعَذُّر وُصُولِ الهَدْى إلى مَحِلِّه، ولأنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَه نَحَرُوا هَدَايَاهُم في الحُدَيْبيَةِ، وهى مِن الحِلِّ. قال البخارىُّ: قال مالكٌ (٢) وغيرُه: إنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَه حَلَقُوا وحَلُّوا مِن كلِّ شئٍ قبلَ الطَّوافِ، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْىُ إلى البَيْتِ. ولم يُذْكَرْ أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ أحَدًا أن يَقْضِىَ شيئًا، ولا أن يَعُودُوا له. ويُرْوَى أنَّ النبىَّ ﷺ نَحَر هَدْيَهُ عندَ الشَّجَرَةِ التى كان تَحْتَها بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ (٣). وهى مِن الحِلِّ باتِّفاقِ أهْلِ السِّيَرِ. وقد دَلَّ عليه قَوْلُه تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٤). ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكانَ مَوْضِعَ نَحْرِه، كالحَرَمِ. فإن قِيلَ: فقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٥). وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٦). ولأنَّه ذَبْحٌ يَتَعَلَّقُ بالإِحْرامِ، فلم يَجُزْ في غيرِ الحَرَمِ، كدَمِ الطِّيبِ واللُّبْسِ. قُلْنا: الآيَة في غيرِ

стр. 4388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُحْصَرِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ المُحْصَرِ عليه؛ لأنَّ تَحَلُّلَ المُحْصَرِ في الحِلِّ، وتَحَلُّلَ غيرِه في الحَرَمِ، فكلُّ واحِدٍ منهما يَنْحَرُ في مَوضِعِ تَحَلُّلِهِ. وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: حتى يُذْبَحَ. وذَبْحُه في حَقِّ المُحْصَرِ في مَوْضِعِ حِلِّهِ، اقْتِداءً بالنبىِّ ﷺ ، وما قَاسُوا عليه مَمْنُوعٌ. فصل: وإذا أُحْصِرَ المُعْتَمِرُ، فله التَّحَلُّلُ ونَحْرُ هَدْيِه وَقْتَ حَصْرِه؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابهَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، حَلُّوا ونَحَرُوا هَدَايَاهُمْ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ (١). وإن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا، فكذلك، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْن، أشْبَهَ العُمْرَةَ، ولأنَّ العُمْرَةَ لا تَفُوتُ، وجَمِيعُ الزَّمانِ وَقْتٌ لها، فإذا جاز الحِلُّ منها ونَحْرُ هَدْيِها مِن غيرِ خَشْيَةِ فَواتِها، فالحَجُّ الذى يُخْشَى فَواتُه أوْلَى. والثانِيَةُ، لا يَحِلُّ، ولا يَنْحَرُ هَدْيَه إلى يَوْمِ النَّحْرِ.

стр. 4389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَصَّ عليه في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وحَنْبَلٍ؛ لأنَّ للهَدْىِ مَحِلَّ زَمانٍ ومَحِلَّ مَكانٍ، فإذا سَقَط مَحِلُّ المَكَانِ للعَجْزِ عنه، بَقِىَ مَحِلُّ الزَّمَانِ واجبًا؛ لإِمْكانِه، وإذا لم يَجُزْ له نَحْرُ الهَدْى قبلَ يومِ النَّحْرِ، لم يَجُزْ له التَّحَلُّلُ؛ لقولِه سُبْحانَه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. وإذا قُلْنا بجَوازِ التَّحَلُّلِ قبلَ يومِ النَّحْرِ، فالمُسْتَحَبُّ له الإِقامَةُ على إحْرامِه، رَجاءَ زَوالِ الحَصْرِ، ومتى زَالَ قبلَ تَحَلُّلِه، فعليه المُضِىُّ لإِتْمامِ نُسُكِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. قال ابنُ المُنْذِرِ: قال كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَن يَئِسَ أن يَصِلَ إلى البَيْتِ، فجازَ له الحِلُّ، فلم يَحِلَّ حتى خُلِّىَ سَبِيلُه، أنَّ عليه أن يَقْضِىَ مَناسِكَه. وإن زالَ الحَصْرُ بعدَ فَواتِ الحَجِّ، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ، فإن فاتَ الحَجُّ قبلَ زَوالِ الحَصْرِ، تَحَلَّلَ بهَدْىٍ. وقد قِيلَ: إنَّ عليه ههُنا هَدْيَيْن؛ هَدْىٌ للفَواتِ، وهَدْىٌ للإِحْصَارِ. ولم يَذْكُرْ أحمدُ، ﵀، في رِوايَةِ الأثرَمِ، هَدْيًا ثانِيًا في حَقِّ مَن لم يَتَحَلَّلْ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ.

стр. 4390

فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ. وَلَوْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ ذلِكَ، لَمْ يَحِلَّ. ــ ١٣٣٥ - مسألة: (فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثم حَلَّ، ولو نَوَى التَّحَلُّلَ قبلَ ذلك، لم يَحِلَّ) إذا عَجَز المُحْصَرُ عن الهَدْى، انْتَقَلَ إلى صَوْمِ عَشَرَةِ أيَّامٍ، ثم حَلَّ. وبه قال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا بَدَلَ له؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ في القُرْآنِ. ولَنا، أنَّه دَمٌ واجِبٌ للإِحْرامِ، فكان له بَدَلٌ، كدَمِ التَّمَتُّعِ والطِّيبِ واللِّبَاسِ، وتَرْكُ النَّصِّ عليه لا يَمْنَعُ قِياسَه على غَيْرِه، ويَتَعَيَّنُ الانْتِقَالُ إلى صِيامِ عَشَرَةِ أيَّام، كبَدَلِ هَدْىِ التَّمَتُّعِ، وليس له أن يَتَحَلَّلَ إلَّا بعدَ الصِّيامِ،؛ لا يَتَحَلَّلُ واجِدُ الهَدْى إلَّا بنَحْرِه. وهل يَلْزَمُه الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ مع ذَبْحِ الهَدْى والصيامِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يَلْزَمُه. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَر الهَدْى وَحْدَه، ولم يَشْرُطْ سِوَاهُ. والثانيةُ، عليه الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ؛ لأن النبىَّ ﷺ حَلَق يومَ الحُدَيْبِيَةِ، وفِعْلُه في النُّسُكِ دَالٌّ على الوُجُوبِ، ولَعَلَّ هذا يَنْبَنِى على الخِلافِ في الحَلْقِ، هل هو نُسُكٌ أو إطْلاقٌ مِن مَحْظورٍ، وفيه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى (١).

стр. 4391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَتَحَلَّلُ إلَّا بالنِّيَّةِ مع ما ذَكَرْنا، فيَحْصُلُ الحِلُّ بشَيْئَيْنِ؛ النَّحْرِ، والصَّوْمِ، مع النِّيَّةِ، على قَوْلِنا: إنَّ الحِلاقَ ليس بنُسُكٍ. وإنْ قُلْنَا: هو نُسُكٌ. حَصَلَ بثَلَاثَةِ أشْيَاءَ؛ الحِلاقُ مع ما ذَكَرْنا. فإن قيلَ: فلِمَ اعْتَبَرْتُم النِّيَّةَ ههُنا ولم تَعْتَبِرُوها في غيرِ المُحْصَرِ؟ قُلْنَا: لأنَّ مَن أتَى بأفْعالِ النُّسُكِ، فقد أتَى بما عليه، فيَحِل منها بإكْمالِها، فلم يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ، بخِلافِ المُحْصَرِ، فإنَّه يُرِيدُ الخُروجَ مِن العِبادَةِ قبلَ إكْمالِها، فافْتَقَرَ إلى قَصْدِه، ولأنَّ الذَّبْحَ قد يكونُ لغيرِ الحِلِّ، فلم يَتَخَصَّصْ إلَّا بقَصْدِه، بخِلافِ الرَّمْى، فإنَّه لا يكونُ إلَّا للنُّسُكِ، فلم يَحْتَجْ إلى قَصْدٍ.

стр. 4392

وَفِى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُحْصَرِ رِوَايَتَانِ. ــ فصل: فإن نَوَى التَّحَلُّلَ قبلَ الهَدْى أو الصِّيامِ، لم يَحِلَّ، وكان على إحْرامِه حتى يَنْحَرَ الهَدْى أو يَصُومَ؛ لأَنَّهُما أُقِيمَا مُقامَ أفْعالِ الحَجِّ، فلم يَحِلَّ قبلَهما، كما لا يَتَحَلَّلُ القادِرُ على أفْعالِ الحَجِّ قبلَها. وليس عليه في نِيَّةِ الحِلِّ فِدْيَةٌ؛ لأنَّها لم تُؤَثِّرْ في العِبادَةِ، فإن فَعَل شيئًا مِن مَحْظُوراتِ الإِحْرامِ قبلَ ذلك، فعليه فِدْيَتُه، كما لو فَعَل القادِرُ ذلك قبلَ أفْعالِ الحَجِّ. ١٣٣٦ - مسألة: (وفى وُجُوبِ القَضاءِ على المَحْصُورِ رِوايَتان)

стр. 4393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إحْداهما، لا قَضاءَ عليه، إلَّا أن يكونَ واجِبًا، فيَفْعَلُه بالوُجُوبِ السَّابِقِ. هذا هو الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ. والثانيةُ، عليه القَضاءُ. رُوِى ذلك عن مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِىِّ. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لَمَّا تَحلَّلَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ قَضَى مِن قابِلٍ، وسُمِّيَتْ عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، ولأنَّه حَلَّ مِن إحْرامِه قبلَ إتْمامِه، فَلَزِمَه القَضاءُ، كما لو فاتَه الحَجُّ. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّه تَطَوُّعٌ جازَ التَّحَلُّلُ منه مع صَلاحِ الوَقْتِ له، فلم يَجِبْ قَضاؤُه، كما لو دَخَل في الصَّوْم يَعْتَقِدُ أنَّه واجِبٌ فلم يَكُنْ، فأمَّا الخَبَرُ، فإنَّ الذين صُدُّوا كانوا ألْفًا وأربَعَمائَةٍ، والذين اعْتَمَرُوا مع النبىِّ ﷺ كانُوا نَفَرًا يَسِيرًا، ولم يُنْقَلْ إلينا أنَّ النبىِّ ﷺ أمَر أحَدًا بالقَضاءِ، وأمَّا تَسْمِيَتُها عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، فإنَّما يَعْنِى بها القَضِيَّةَ التى اصْطَلَحُوا عليها، واتَّفَقُوا عليها، ولو أرادُوا غيرَ ذلك لقالُوا: عُمْرَةَ القَضاءِ. ويُفارِقُ الفَواتَ، فإنَّه مُفَرِّطٌ بخِلافِ مسألتِنا.

стр. 4394

فَإِنْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ دُونَ الْبَيْتِ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، وَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ. ــ ١٣٣٧ - مسألة: (فإن صدَّ عن عَرَفَةَ دُونَ البَيْتِ، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ، ولا شَئَ عليه) إذا تَمَكَّنَ مِن الوُصُولِ إلى البَيْتِ، وصُدَّ عن عَرَفَةَ، فله أن يَفْسَخَ نِيَّةَ الحَجِّ، ويَجْعَلَه عُمْرَةً، ولا هَدْىَ عليه؛ لأنَّنا أَبَحْنا له ذلك فِي غيرِ حَصْرٍ، فمع الحَصْرِ أوْلَى. فإن كان قد طافَ وسَعَى للقُدُوم، ثم أُحْصِرَ أو مَرِضَ حتى فاتَه الحَجُّ، تَحَلَّلَ بطَوافٍ وسَعْىٍ آخَرَ؛ لأَنَّ الأوَّلَ لم يَقْصِدْ به طَوافَ العُمْرَةِ ولا سَعْيَها، وليس عليه أن يُجَدِّدَ إحْرامًا. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الزُّهْرِىُّ: لا بُدَّ أن يَقِفَ بعَرَفَةَ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: لا يكُونُ مُحْصَرًا بمَكَّةَ. ورُوِىَ ذلك عن أحمدَ، ﵀؛ لأنَّه إنَّما جازَ له التَّحَلُّلُ بعُمْرَةٍ في مَوْضِع يُمْكِنُه أن يَحُجَّ مِن عامِه، فيَصِيرُ مُتَمَتِّعًا، وهذا مَمْنُوعٌ مِن الحَجِّ، ولا يُمْكِنُه أن يَصِيرَ مُتَمَتِّعًا. فعلى هذا يُقِيمُ على إحْرامِه حتى يَفُوتَه الحَجُّ، ثم يَتَحَلَّلُ بعُمْرَةٍ، فإن فاتَه الحَجُّ فحُكْمُه حُكْمُ مَن فاتَه بغيرِ حَصْرٍ. وقال مالكٌ: يَخْرُجُ إلى الحِلِّ، ويَفْعَلُ ما يَفْعَلُ المُعْتَمِرُ. فإن أحَبَّ أن يَسْتَنِيبَ مَن يُتَمِّمُ عنه أفْعالَ الحَجِّ، جازَ في التَّطَوُّعِ؛ لأنَّه جازَ أن يَسْتَنِيبَ في جُمْلَتِه، فجازَ في بَعْضِه، ولا يَجُوزُ في حَجِّ الفَرْضِ، إلَّا أن يَيْأسَ مِن القُدْرَةِ عليه في جَمِيعِ العُمُرِ، كما في الحَجِّ كلِّه. فصل: فإن أُحْصِرَ عن البَيْتِ بعدَ الوُقُوفِ بعَرَفَةَ، فله التَّحَلُّلُ؛ لأنَّ

стр. 4395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحَصْرَ يُفْسِدُ التَّحَلُّلَ مِن جَمِيعِه، فأفادَ التَّحَلُّلَ مِن بَعْضِه. وإن كان ما حُصِرَ عنه ليس مِن أرْكانِ الحَجِّ، كالرَّمْى، وطَوافِ الوَداعِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، أو بمِنًى في لَياليها، فليس له التَّحَلُّلُ؛ لأنَّ صِحَّةَ الحَجِّ لا تَقِفُ على ذلك، ويكونُ عليه دَمٌ؛ لتَرْكِه ذلك، وحَجُّه صَحِيحٌ، كما لو تَرَكَه مِن غيرِ حَصْرٍ، وإن حُصِرَ عن طَوافِ الإِفاضَةِ بعدَ رَمْى الجَمْرَةِ، فليس له أن يَتَحَلَّلَ أيضًا؛ لأنَّ إحْرامَه إنَّما هو عن النِّساءِ، والشَّرْعُ إنَّما وَرَد بالتَّحَلُّلِ عن الإِحْرامِ التامِّ الذى يُحَرِّمُ جَمِيعَ مَحْظُوراتِه، فلا يَثْبُتُ بما ليس مثلَه، ومتى زالَ الحَصْرُ أتَى بالطَّوافِ، وتَمَّ حَجُّهُ. ١٣٣٨ - مسألة (١): وإذا تَحَلَّلَ المُحْصَرُ مِن الحَجِّ، فزَالَ الحَصْرُ، وأمْكَنَه الحَجُّ، لَزِمَه ذلك إن كانت حَجَّةَ الإِسْلامِ، أو كانت واجبَةً في الجُمْلَةِ، أو قُلْنا بوُجُوبِ القَضاءِ؛ لأنَّ الحَجَّ يَجِبُ على الفَوْرِ، فأمًّا إن كانت تَطَوُّعًا، ولم نَقُلْ بوُجُوبِ القَضاءِ، فلا شئَ عليه، كمَن لم يُحْرِمْ. فصل: فإن أُحْصِرَ في حَجٍّ فاسِدٍ، فله التَّحَلُّلُ؛ لأنَّه إذا أُبِيحَ له في الحَجِّ الصَّحِيحِ، فالفَاسِدِ بطَرِيقِ الأَوْلَى. فإن حَلَّ ثمَ زَالَ الحَصْرُ،

стр. 4396

وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ، ــ وفى الوَقْتِ سَعَةٌ، فله أن يَقْضِىَ في ذلك العامِ، وليس يُتَصَوَّرُ القَضَاءُ في العامِ الذى أفْسَدَ فيه الحَجَّ، في غيرِ هذه المسألةِ. ١٣٣٩ - مسألة: (ومَن أُحْصِرَ بمَرَضٍ أو ذَهابِ نَفَقَةٍ، لم يَكُنْ له التَّحَلُّلُ) في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. اخْتَارَها الخِرَقِىُّ. رُوِى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، ومَرْوانَ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ. والثانِيَةُ، له التَّحَلُّلُ بذلك. ورُوِىَ نَحْوُه عن ابنِ مسعودٍ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «مَنْ كُسِرَ، أوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّة أُخْرَى». رَواه النَّسَائِىُّ (١). ولأنَّه مَحْصُورٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). يُحَقِّقُه أنَّ لَفْظَ الإِحْصارِ إنَّما هو للمَرَضِ

стр. 4397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونَحْوِه، يُقالُ: أحْصَرَه المَرَضُ إحْصارًا، فهو مُحْصَرٌ، وحَصَرَه العَدُوُّ، فهو مَحْصُورٌ. فيكونُ اللَّفْظُ صَرِيحًا في مَحَلِّ النِّزاعِ، وحَصْرُ العَدُوِّ مَقِيسٌ عليه. ولأنَّه مَصْدُودٌ عن البَيْتِ، أشْبَهَ مَن صَدَّه العَدُوُّ. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّه لا يَسْتَفِيدُ بالإِحْلالِ الانْتِقالَ مِن حَالِه، ولا التَّخَلُّصَ مِن الأَذَى الذى به، بخِلافِ حَصْرِ العَدُوِّ. ولأنَّ النبىَّ ﷺ دَخَلَ على ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فقالت: إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، وأنا شاكِيَةٌ، فقال:

стр. 4398

وَإنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ. وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ؛ كَمَنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ. ــ «حُجِّى، وَاشْتَرِطِى أنَّ مَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى» (١). فلو كان المَرَضُ يُبِيحُ الحِلَّ، ما احْتَاجَتْ إلى شَرْطٍ. وحَدِيثُهم مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، فإنَّ مُجَرَّدَ الكَسْرِ والعَرَجِ لا يَصِيرُ به حَلالًا، فإن حَمَلُوه على أنَّه يُبِيحُ له التَّحَلُّلَ، حَمَلْناه على ما إذا اشْتَرَطَ الحِلَّ، على أنَّ في حَدِيثِهم كَلامًا؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ يَرْوِيهِ، ومَذْهَبُه بخِلافِه. فإذا قُلْنا: يَتَحَلَّلُ. فحُكْمُه حُكْمُ مَن حَصَرَه العَدُوُّ، على ما مَضَى. وإن قُلْنا: لا يَتَحَلَّلُ. فإنَّه يُقِيمُ على إحْرامِه، ويَيْعَثُ ما معه مِن الهَدْى، ليُذْبَحَ بالحَرَمِ، وليس له نَحْرُه في مَكانِه؛ لأنَّه لم يَتَحَلَّلْ (فإن فاتَه الحَجُّ، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ) كغَيْرِ المَرِيضِ.

стр. 4399

وَمَنْ شَرَطَ فِى ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ؛ أنَّ مَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى، فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ. ــ ١٣٤٠ - مسألة: (ومَن شَرَط في ابْتِداءِ إحْرامِه؛ أنَّ مَحِلِّى حيثُ حَبَسْتَنِى، فله التَّحَلُّلُ بجَمِيعِ ذلك، ولا شئَ عليه) إذا شَرَط في وَقْتِ إحْرامِه أن يحِلَّ متى مَرِضَ، أو ضاعَتْ نَفَقَتُه، أو نَفِدَتْ، أو نحوَه، أو قال: إن حَبَسَنِى حابِسٌ فمَحِلِّى حيثُ حَبَسْتَنِى. فله التَحَلُّلُ متى وَجَد ذلك، وليس عليه هَدْىٌ ولا صَوْمٌ ولا قَضاءٌ، ولا غيرُه، فإنَّ للشَّرْطِ تَأْثِيرًا في العِبادَاتِ، بدَلِيلِ أنَّه لو قال: إن شَفَى اللَّهُ مَرِيضى صُمْتُ شَهْرًا مُتَتابِعًا، أو: مُتَفَرِّقًا. كان على شَرْطِه، وإنَّما لم يَلْزَمْه هَدْىٌ ولا قَضاءٌ؛ لأَنَّه إذا شَرَط شَرْطًا كان إحْرامُه الذى فَعَلَه إلى حينِ وُجُودِ الشَّرْطِ، فصارَ بمَنْزِلَةِ مَن أَكْمَلَ أفْعالَ الحَجِّ. ثم يُنْظَرُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ، فإن قال: إن مَرِضْتُ فلى أن أحِلَّ. أو: إن حَبَسَنِى حابِسٌ، فمَحِلِّى حيثُ حَبَسْتَنِى. فإذا حُبِسَ كان بالخِيارِ بينَ الحِلِّ وبينَ البَقاءِ على الإِحْرامِ، وإن قال: إن مَرِضْتُ فأنا حلالٌ. فمتى وُجِدَ الشَّرْطُ حَلَّ بوُجُودِه؛ لأنَّه شَرْطٌ صَحِيحٌ، فكانَ على ما شَرَط، وفى هذه المسألةِ اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في بابِ الإِحْرَامَ.

стр. 4400

بَابُ الْهَدْى وَالْأَضَاحِى ــ بابُ الهَدْى والأضَاحِى الأَصْلُ في مَشْرُوعِيَّةِ الأُضْحِيَةِ، الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١). قال بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: والمُرَادُ به الأُضْحِيَةُ بعدَ صَلاةِ العِيدِ. وأمَّا السُّنَّةُ، فإنَّه رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ ضَحَّى بكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُما بيَدِه، وسَمَّى وكَبَّرَ، ووَضَعَ رِجْلَه على صِفاحِهِما. مُتَّفَقٌ عليه (٢). الأمْلَحُ: الذى فيه بَياضٌ وسَوَادٌ، وبَيَاضُه أكْثَرُ. قاله الكِسَائِىُّ. وقال ابنُ الأعْرَابِىِّ: هو النَّقِىُّ البَيَاضِ. قال الشاعِرُ (٣):

стр. 4401

وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ. وَالذَّكَرُ وَالأنْثَى سَوَاءٌ. ــ حَتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعًا أَشْيَبَا ... أَمْلَحَ لا لذًّا وَلَا مُحَبَّبَا وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على مَشْرُوعِيَّةِ الأُضْحِيَةِ. ويُسْتَحَبُّ لمَن أتَى مَكَّةَ أن يُهْدِىَ هَدْيًا؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ أهْدَى في حَجَّتِه مائَةَ بَدَنَةٍ (١)، وقد كان النبىُّ ﷺ يَبْعَثُ الهَدْى، ويُقِيمُ بالمَدِينَةِ. ١٣٤١ - مسألة: (والأَفْضَلُ فيهما الإِبِلُ، ثم البَقَرُ، ثم الغَنَمُ. والذَّكَرُ والأُنْثَى سَواءٌ) أفْضَلُ الهَدَايَا والأضَاحِى الإِبِلُ، ثم البَقَرُ، ثم الغَنَمُ، ثم شِرْكٌ في بَدَنةٍ، ثم شِرْكٌ في بَقَرَةٍ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.

стр. 4402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال به مالكٌ في الهَدْى. وقال في الأُضْحِيَةِ: الأَفْضَلُ الجَذَعُ، ثم الضَّأْنُ، ثم البَقَرَةُ، ثم البَدَنَةُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ ضَحَّى بكَبْشَيْنِ، ولا يَفْعَلُ إلَّا الأفْضَلَ، ولو عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَه خَيْرًا منه لفَدَى به إسحاقَ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّه ذَبْحٌ يُتَقَرَّبُ به إلى اللَّهِ تَعالَى، فكانتِ البَدَنَةُ فيه أفْضَلَ،

стр. 4403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالهَدْىِ، ولأنَّها أكثرُ ثَمَنًا ولَحْمًا، وأنْفَعُ للفُقَرَاءِ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ سُئِلَ: أىُّ الرِّقابِ أفْضَلُ؟ فقال: «أَغلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» (١). والإِبِلُ أَغْلَى ثَمَنًا وأَنْفَسُ مِن الغَنَمِ. فأَمَّا التَّضْحِيَةُ بالكَبْشِ، فلأنَّه أفْضَلُ أجْناسِ الغَنَمِ، وكذلك حُصُولُ الفِداء به أفْضَلُ، والشّاةُ أفْضَلُ مِن شِرْكٍ في بَدَنَةٍ؛ لأنَّ إراقَةَ الدَّمِ مَقْصُودٌ في الأُضْحِيَةِ، والمُنْفَرِدُ يَتَقَرَّبُ بإرَاقَتِه كلِّه. فصل: والذَّكَرُ والأُنْثَى سَواءٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٢). وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣). ولم يَقُلْ: ذَكَرًا ولا أُنْثَى. ومِمَّن أجَازَ ذُكْرانَ الإِبِلِ في الهَدْى ابنُ المُسيَّبِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالكٌ، وعَطاءٌ، والشافعىُّ. وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، قال: ما رَأَيْتُ أحَدًا فاعِلًا ذلك، وأن أَنْحَرَ أُنْثَى أَحَبُّ إلَىَّ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنا مِن النَّصِّ،

стр. 4404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ ﷺ أهْدَى جَمَلًا لأبى جَهْلٍ، في أنْفِه بُرَةٌ (١) مِن فِضَّةٍ. رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (٢). ولأنَّه يَجُوزُ ذبْحُ الذَّكَرِ مِن سائِرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فكذلك مِن الإِبِلِ، ولأنَّ القَصْدَ اللَّحْمُ، ولَحْمُ الذَّكَرِ أوْفَرُ، ولَحْمُ الأُنْثَى أَرطَبُ، فتَسَاوَيَا. قال أحمدُ: الخَصِىُّ أحَبُّ إلَيْنا مِن النَّعْجَةِ؛ لأنَّ لَحْمَه أوْفَرُ وأطْيَبُ. قال شيخُنا (٣): والكَبْشُ في الأُضْحِيَةِ أفْضَلُ النَّعَمِ؛ لأنَّها أُضْحِيَةُ النبىِّ ﷺ . وذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى. والضَّأْنُ أفْضَلُ مِن المَعْزِ؛ لأنَّه أطْيَبُ لَحْمًا. وقال القاضى: جَذَعُ الضَّأنِ أفْضَلُ مِن ثَنِىِّ المَعْزِ؛ لذلك، ولِما رُوى أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «نِعْمَ الأُضْحِيَةُ الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ» (٤). حَدِيث غَرِيبٌ. قال شيخُنا (٥) ﵀: ويَحْتَمِلُ أنَّ الثَّنِىَّ مِنٍ المَعْزِ أفْضَلُ مِن الجَذَعِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فإنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ، فَاذْبَحُوا الجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ» رَواه مسلمٌ (٦). وهذا يَدُلُّ على فَضْلِ الثَّنِىِّ على الجَذَعِ، لكَوْنِه جَعَل

стр. 4405

وَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ؛ وَهُوَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالثَّنِىُّ ــ الثَّنِىَّ أصْلًا، والجَذَعَ بَدَلًا، لا يُنْتَقلُ إليه إلَّا عندَ عَدَمِ الثَّنِىِّ. فصل: ويُسَنُّ اسْتِسْمَانُها واسْتِحْسَانُها؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١). قال ابنُ عباسٍ: تَعْظِيمُها اسْتِسْمانُها واسْتِعْظَامُها واسْتِحْسَانُها (٢). ولأنَّ ذلك أعْظَمُ لأجْرِها، وأعْظَمُ لنَفْعِها. والأفْضَلُ في لَوْنِ الغَنَمِ البَيَاضُ؛ لِما رُوِى عن مَوْلَاةِ أبى ورقَةَ بنِ سعيدٍ، قالت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «دَمُ عَفْرَاءَ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَم سَوْدَاوَيْن». رَواه أحمدُ بمَعْنَاه (٣). وقال أبو هُرَيْرَةَ: دَمُ بَيْضَاءَ أَحَبُّ إلى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْن (٤). ولأنَّه لَوْنُ أُضْحِيَةِ النبىِّ ﷺ ثم ما كان أحْسَنَ لَوْنًا فهو أَفْضَلُ. ١٣٤٢ - مسألة: (ولا يُجْزِئُ إلَّا الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ؛ وهو ما له

стр. 4406

مِمَّا سِوَاهُ. ــ سِتَّةُ أشْهُرٍ، والثَّنِىُّ مِمّا سِوَاه) وهو قولُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْى. وقال ابنُ عُمَرَ، والزُّهْرِىُّ: لا يُجْزِئُ الجَذَعُ؛ لأنَّه لا يُجْزِئُ مِن غيرِ الضَّأْنِ، فلا يُجْزِئُ منه، كالحَمَلِ. وعن عطاءٍ، والأوْزَاعِىِّ، أنَّهُما قالا: يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن جَمِيعِ الأجْنَاسِ؛ لِما روَى مُجَاشِعُ بنُ سُلَيْمٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، يقول: «إنَّ الجَذَعَ يُوفِى بِمَا يُوفِى بِهِ الثَّنِىُّ». رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، وابنُ ماجه (١). ولأنَّه يُجْزِئُ مِن بَعْضِ الأجْناسِ، فأجْزَأ مِن جَمِيعِها، كالثَّنِىِّ. ولَنا على إجْزاءِ الجَذَعِ مِن الضَّأْنِ، حَدِيث مُجاشِعٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعلى أنَّ الجَذَعَةَ مِن غيرِها لا تُجْزِئُ، قولُ النبىِّ ﷺ : «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فإنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ فَاذْبَحُوا الجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ». وقال أبو بُرْدَةَ بنُ نِيَارٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: عِنْدِى جَذَعَةٌ مِن المَعْزِ أحَبُّ إلَىَّ مِن شَاتَيْن، فهل تُجْزِئُ عَنِّى؟ قال: «نَعَمْ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على الجَذَعِ مِن الضَّأْنِ؛

стр. 4407

وَثَنِىُّ الإِبِلِ مَا كَمَلَ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَمِنَ الْبَقَرِ مَا لَهُ سَنَتَانِ، وَمِنَ ــ لِما ذَكَرْنا. قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ: إنَّما يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ؛ لأنَّه يَنْزُو فيَلْقَحُ، فإذا كان مِن المَعْزِ لم يَلْقَحْ حتى يكون ثَنِيًّا. فصل: ولا يُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ غيرُ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ، وإن كان أحَدُ أبَوَيْه وَحْشِيًّا. وحُكِىَ عن الحسنِ بنِ صالِحٍ، أنَّ بَقرَة الوَحْشِ تُجْزِئُ عن سَبْعَةٍ، والظَّبْىَ عن واحِدٍ. وقال أصحابُ الرَّأْى: يُجْزِئُ وَلَدُ البَقَرَةِ الإِنْسِيَّةِ إذا كان أبوه وَحْشِيًّا. وقال أبو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ إذا كان مَنْسُوبًا إلى بَهِيمَةِ الأنْعَام. ولَنا، قَوْلُه سبحانه: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١). وهى الإِبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ. وعلى أصحاب الرَّأْى، أنَّه مُتَوَلِّدٌ بينَ ما يُجْزِئُ وبينَ ما لَا يُجْزِئُ، أشْبَهَ ما لو كانَتِ الأُمُّ وَحْشِيَّةً. والجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ما له سِتَّةُ أشْهُرٍ. قال وَكِيعٌ: الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ يكونُ ابنَ سَبْعَةِ أشْهُرٍ، أو سِتَّةِ أشْهُرٍ. قال الخِرَقِىُّ: وسَمِعْتُ أبى يقولُ: سَأَلْتُ بعضَ أهْلٍ البادِيَةِ: كيف تَعْرِفُونَ الضَّأْنَ إذا أجْذَعَ؟ قالُوا: لا تَزالُ الصُّوفَةُ قائِمَةً على ظَهْرِه ما دامَ حَمَلًا، فإذا نامَتِ الصُّوفَةُ على ظَهْرِه عُلِمَ أنَّه قد أجْذَعَ. وفيه قولٌ، أنَّ الجَذَعَ مِن الضَّأْنِ ما له ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ. ذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى. ١٣٤٣ - مسألة: (وثَنِىُّ الإبِلِ ما كَمَلَ له خَمْسُ سِنِينَ، ومِن البَقَرِ

стр. 4408

الْمَعْزِ مَا لَهُ سَنَةٌ. ــ ما له سَنَتَانِ، ومِن المَعْزِ ما له سَنَةٌ) قال الأصْمَعِىُّ، وأبو زيادٍ الكِلابِىُّ، وأبو زيدٍ الأنصارِىُّ: إذا مَضَتِ السنةُ الخامسة على البَعِيرِ، ودَخَل في السادسةِ، وأَلْقَى ثَنِيَّتَه، فهو حِينئِذٍ ثَنِىٌّ. ويُرْوَى أنَّه يُسَمَّى ثَنِيًّا لأنَّه ألْقى ثَنِيَّتَه. وأمَّا البَقَرَةُ، فهى التى لها سَنَتان. وقد قال النبىُّ ﷺ : «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً». ومُسِنَّةُ البَقَرِ التى لها سَنَتَان، على ما ذَكَرْنا في الزَّكاةِ (١). وثَنِىُّ المَعْزِ ما له سَنَةٌ. وقال ابنُ أبى مُوسَى: فيه قَوْلٌ، أنَّ ثَنِىَّ البَقَرِ ما دَخَل في السنَّةَ الرَّابِعَةِ. والأوَّلُ المَشْهُورُ في المَذْهَبِ.

стр. 4409

وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ، وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، سَوَاءٌ أَرَادَ جَمِيعُهُمُ الْقُرْبَةَ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَالْبَاقُونَ اللَّحْمَ. ــ ١٣٤٤ - مسألة: (وتُجْزِئُ الشاةُ عن واحِدٍ، والبَدَنَةُ والبَقَرَةُ عن سَبْعَةٍ، سَواءٌ أرادَ جَمِيعُهم القُرْبَةَ، أو بَعْضُهم والباقُون اللَّحْمَ) أمَّا إجْزاءُ الشَّاةِ عن واحِدٍ، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وقد روَى أبو أيُّوبَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: كان الرجلُ في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يُضَحِّى بالشَّاةِ عنه وعن أهْلِ بَيْتِه، فَيَأْكُلُونَ ويُطْعِمُونَ (١). حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وتُجْزِئُ البَدَنَة والبَقَرَةُ عن سَبْعَةٍ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. رُوِى ذلك عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسالِمٌ، والحسنُ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، والثَّوْرىُّ، والأوْزَاعِىُّ،

стр. 4410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قال: لا تُجْزِئُ نَفْسٌ واحِدَةٌ عن سَبْعَةٍ. ونَحْوُه قولُ مالكٍ، إلَّا أن يَذْبَحَ عنه وعن أهْلِ بَيْتِه. قال أحمدُ: ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا لا يُرَخِّصُ في ذلك إلَّا ابنَ عُمَرَ. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ الجَزُورَ عن عَشَرَةٍ، والبَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ. وبه قال إسحاقُ؛ لِما روَى رافِعٌ، أنَّ النبىَّ ﷺ قَسَم فعَدَلَ عن عَشَرَةٍ مِن الغَنَمِ ببَعِيرٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن ابنِ عباسٍ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ، فحَضَرَ الأضْحَى، فاشْتَرَكْنَا في الجَزُورِ عن عَشَرَةٍ، والبَقَرَةِ عن سَبْعَةٍ. رَواه ابنُ ماجه (٢). ولَنا، ما

стр. 4411

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ روَى جابِرٌ، قال: نَحَرْنَا بالحُدَيْبِيَةِ مع النبىِّ ﷺ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ (١). وقال أيضًا: كنّا نَتَمَتَّعُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَذْبَحُ البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فيها. رَواه مسلمٌ (٢). وهذا أصَحُّ مِن حَدِيثهم. وأمّا حَدِيثُ رَافعٍ، فهو في القِسْمَةِ، لا في الأُضْحِيَةِ. إذا ثَبَت هذا، فسَواءٌ كان المشْتَرِكُونَ مِن أهْلِ بَيْتٍ، أو لم يَكُونوا، مُتَطَوِّعِينَ أو مُفْتَرِضِينَ، أو كان بَعْضهم يُرِيدُ القُرْبَةَ، وبعضُهم يُرِيدُ اللَّحْمَ. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ إذا كانُوا كلُّهم مُتَقَرِّبينَ، ولا يَجُوز إذا لم يُرِدْ بعضهم القُرْبَةَ. ولَنا، أنَّ الجُزْءَ المُجْزِئُ لا يَنقُصُ بإرَادَةِ الشَّرِيكِ غيرَ القُرْبَةِ، فجازَ, كما لو اخْتَلَفَت جهاتُ القُرَبِ، فأرادَ بَعْضهم المُتْعَةَ، والآخَرُ القِرانَ، ولأنَّ كُلَّ إنْسَانٍ إنَّما يُجْزِئُ عنه نَصِيبُه، فلا يَضُرُّه نِيَّةُ غَيْرِه في نَصِيبه. ويَجُوزُ أن يَقْتَسِمُوا

стр. 4412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّحْمَ؛ لأنَّ القِسْمَةَ إفْرازُ (١) حَقٍّ، وليست بَيْعًا. ومَنَعَ منه أصْحابُ الشافعىِّ في وَجْهٍ، بناءً على أنَّ القِسْمَةَ بَيْعٌ، وبَيْعُ لَحْمِ الهَدْى والأُضْحِيَةِ غيرُ جائِزٍ. ولَنا، أنَّ أمْرَ النبىِّ ﷺ بالاشْتِراكِ، مع أنَّ سُنَّةَ الهَدْى والأُضْحِيَةِ الأكْلُ منها، دَلِيلٌ على تَجْوِيزِ القِسْمَةِ، إذ به يُتَمَكَّنُ مِنْ الأكْلِ، وكذلك الصَّدَقَةُ والهَدِيَّة. فصل: ولا بَأْسَ أن يَذْبَحَ الرجلُ عن أهْلِ بَيْتِه شاةً واحِدَةً، أو بَدَنَةً، أو بَقَرَةً، يُضَحِّى بها. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ. قال صالِحٌ: قُلْتُ لأبى: يُضَحِّى بالشَّاةِ عن أهْلِ البَيْتِ؟ قال: نعم، لا بَأْسَ، قد ذَبَحَ النبىُّ ﷺ كَبْشَيْن، قال: «بِسْمِ اللَّهِ، هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِه». وقَرَّبَ الآخَرَ، وقال: «اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَمَّنْ وَحَّدَكَ مِنْ أُمَّتِى» (٢). وحُكِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يُضَحِّى

стр. 4413

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالشَّاةِ، فتَجِئُ ابْنَتُه، فتَقُولُ: عَنِّى؟ فيقُولُ: وعنك. وكَرِهَ ذلك الثَّوْرِىُّ، وأبَو حنيفةَ؛ لأنَّ الشاةَ لا تُجْزِئُ عن أكْثَرَ مِن واحِدٍ، فإذا اشْتَرَكَ فيها اثْنانِ لم تُجْزِئ عنهما، كالأجْنَبِيَّيْن. ولَنا، الحَدِيثُ الذى ذَكَرَه أحمدُ، وروَى جابِرٌ، قال: ذَبَح رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ الذَّبْحِ كَبْشَيْن أقْرَنَيْن أمْلَحَيْن مَوْجُوءَيْنِ (١)، فلَمَّا وَجَّهَهُما، قال: «وَجَّهْتُ وَجْهِىَ للَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا أنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاِتى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَن مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِه، بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ». ثم ذَبَح. رَواه أبو داودَ (٢). وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ أبى أيُّوبَ في أوَّلِ المسألةِ.

стр. 4414

وَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا؛ وَهِىَ الَّتِى انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا، وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِى لَا تُنْقِى، وَهِىَ الْهَزِيلَةُ الَّتِى لَا مُخَّ فِيهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْىِ مَعَ الْغَنَمِ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَضْبَاءُ؛ وَهِىَ الَّتِى ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أوْ قَرْنِهَا. ــ ١٣٤٥ - مسألة: (ولا يُجْزِئُ فيهما (١) العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُها؛ وهى التى انْخَسَفَتْ عَيْنُها، ولا العَجْفَاءُ التى لا تُنْقِى؛ وهى الهَزِيلَةُ التى لا مُخَّ فيها، ولا العَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، فلا تَقْدِرُ على المَشْىِ مع الغَنَمِ، ولا المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، ولا العَضْبَاءُ؛ وهى التى ذَهَبَ أكْثَرُ أُذُنِها أو قَرْنِها) أمَّا العُيُوبُ الأرْبَعَةُ الأُوَلُ، فلا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا في أنَّها تَمْنَعُ الإِجْزاءَ في الهَدْى والأُضْحِيَةِ؛ لِما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، رَضِىَ

стр. 4415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّهُ عنه، قال: قامَ فِينَا رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ في الأَضَاحِى؛ العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، والعَجْفَاءُ التى لا تُنْقِى». رَواه أبو داودَ، والنَّسَائِىُّ (١). نَصَّ على الأَضَاحِى، والهَدْىُ في مَعْنَاهَا. ومَعْنَى العَوْرَاءِ البَيِّنِ عَوَرُها: التى قد انْخَسَفَتْ عَيْنُها، والعَيْنُ عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ، فإن كان على عَيْنِها بَيَاضٌ، ولم تَذْهَبْ، جازَتِ التَّضْحِيَةُ بِها؛ لأنَّ عَوَرَها ليس بِبَيِّنٍ، ولا يَنْقُصُ ذلك لَحْمَها. والعَجْفَاءُ: المَهْزُولَةُ، والتى لا تُنْقِى، هى التى لا مُخَّ فيها في عِظَامِها؛ لهُزالِها، والنِّقْىُ: المُخُّ. قال الشاعِرُ (٢): لا يَشْتَكِينَ عملًا ما أنْقَينْ مَا دَامَ مُخٌّ في سُلامَى أو عَيْنْ (٣)
следующие страницы →