عَنْ بَيْتِكَ دَارِى، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِى إِنْ أَذنْتَ لِى، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصحِبْنِى الْعَافِيَةَ فِى بَدَنِى، وَالصِّحَّةَ فِى جسْمِى، وَالْعِصْمَةَ فِى دِينِى، وَأَحسِنْ مُنْقَلَبِى، وَارْزُقْنِى طَاعَتَكَ مَا أَبقَيْتَنِى، وَاجمَعْ لِى بَيْنَ خَيْرَىِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.
ــ
أن تَنْأَى عن بَيْتِك دارِى، فهذا أوانُ انْصِرَافِى إن أَذِنْتَ لى، غيرَ مُسْتَبْدِلٍ بك ولا ببَيْتِكَ، ولا راغِبٍ عنك ولا عن بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فأصْحِبْنِى العافِيَةَ في بَدَنِى، والصَّحَّةَ في جسْمِى، والعِصْمَةَ في دِينى، وأحْسِنْ مُنْقَلَبِى، وارْزُقْنِى طَاعَتَك) أبَدًا (ما أبْقَيْتَنِى، واجْمَعْ لى بين خَيْرَىِ (١) الدُّنْيَا والآخِرَةِ، إنَّكَ على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ). وعن طَاوُسٍ قال: رَأيْتُ أَعْرابِيًّا أتَى المُلْتَزَمَ، فَتَعَلَّقَ بأسْتَارِ الكَعْبَةِ، فقال: بك أعُوذُ، وبك ألُوذُ، اللَّهُمَّ فاجْعَلْ لى في اللَّهَفِ إلى جُودِكَ والرِّضَا. بضَمانِكَ مَنْدُوحًا عن مَنْعِ البَاخِلِينَ، وغِنًى عَمَّا في أيْدِى المُسْتَأْثِرِينَ، اللَّهُمَّ فَرَجَك القَرِيبَ، وَمْعُروفَكَ التّامَّ، وعادَتَك الحَسَنَةَ. ثم أضَلَّنِى في الناسِ، فألْفَيْتُه بعَرَفَاتٍ قائِمًا، وهو يقولُ: اللَّهُمَّ إن كُنْتَ لم تَقْبَلْ حَجَّتِى وتَعَبِى ونَصَبِى، فلا تَحْرِمْنِى أجْرَ المُصابِ على مُصِيبَتِه، فلا أعْلَمُ أعْظَمَ مُصِيبَةً مِمَّن وَرَدَ
стр. 4342
وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، وَيُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ ،
ــ
حَوْضَكَ، وانْصَرَفَ مَحْرُومًا مِن وَجْهِ رَغْبَتِك (١). وقال آخَرُ: يا خَيْرَ مَوْفُودٍ إليه، قد ضَعُفَتْ قوَّتِى، وذَهَبَتْ مُنَّتِى (٢)، وأتَيْتُ إليك بذُنُوبٍ لا تَسَعُها البِحارُ، أسْتَجِيرُ برِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبعفْوِكَ مِن عُقُوبَتِك، رَبِّ ارْحَمْ مَن شَمِلَتْه الخَطَايَا، وغَمَرَتْه الذُّنُوبُ، وظَهَرَتْ منه العُيُوبُ، ارْحَمْ أسِيرَ ضُرٍّ، وطَرِيدَ فقرٍ، أسْألَك أن تَهَبَ لى عظيمَ جُرْمِى، يا مُسْتَزادًا مِن نِعَمِه، ومُسْتَعاذًا مِن نِقَمِه، ارْحَمْ صوتَ حزينٍ دَعاك بزَفيرٍ وشَهِيقٍ، اللَّهُمَّ إن كُنْتُ بَسَطْتُ إلَيْكَ يَدَىَّ دَاعِيًا، فطَالَمَا كَفَيْتَنِى ساهِيًا، فنِعْمَتُكَ التى تَظَاهَرَتْ عَلىَّ عندَ الغَفْلَةِ، لا أيْأَسُ منها عندَ التَّوْبَةِ، فلا تَقْطَعْ رَجَائِى مِنْكَ لِما قَدَّمْتُ مِن اقْتِرَافٍ، وهَبْ لىَ الإِصْلاحَ في الوَلَدِ، والأمْنَ في البَلَدِ، والعَافِيةَ في الجَسَدِ، إنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، اللَّهُمَّ إنَّ لكَ علىَّ حُقُوقًا، فتَصَدَّقْ بها علىَّ، وللنَّاس قِبَلى تَبِعَاتٍ، فتَحَمَّلْها عَنِّى، وقد أوْجَبْتَ لكلِّ ضَيْفٍ قِرًى، وأنا ضَيْفُكَ اللَّيْلَةَ، فاجْعَلْ قِرَاىَ الجَنَّةَ، اللَّهُمَّ إنَّ سائِلَك عندَ بابِكَ، مَن (٣) ذَهَبَتْ أيَّامُه، وبَقِيَتْ آثامُه، وانْقَطَعَتْ شَهْوَتُه، وبَقِيَتْ تَبِعَتُه، فارْضَ عنه، وإن لم تَرْضَ عنه فاعْفُ عنه، فقد يَعْفُو السِّيِّدُ عن عَبْدِه، وهو غيرُ راض عنه. ثم يُصَلِّى على
стр. 4343
إِلَّا أنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، لَمْ تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ، بَلْ وَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ فَدَعَتْ بِذَلِك.
ــ
النبىِّ ﷺ (إلَّا أنَّ المَرْأةَ إذا كانت حائِضًا) أو نُفَساءَ (لم تَدْخُلِ المَسْجِدَ، ووَقَفتْ على بابِه فدَعَتْ بذلك).
فصل: قال أحمدُ: إذا وَدَّعَ البَيْتَ، يقومُ عندَ البابِ إذا خَرَج ويَدْعُو، فإذا تَلَا لا يَقِفُ ولا يَلْتَفِتُ، فإنِ الْتَفَتَ رَجَع ووَدَّعَ. وروَى حَنْبَلٌ في «المَناسِكِ» عن المُهاجِرِ (١)، قال: قُلْتُ لجابِرٍ بنِ عبدِ اللَّهِ: الرجلُ يَطُوفُ بالبَيْتِ ويُصَلِّى، فإذا انْصَرَفَ خَرَج، ثم اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فقامَ؟ فقالَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ يَصْنَعُ هذا إلَّا اليَهُودُ والنَّصَارَى. قال أبو عبدِ اللَّهِ: أكْرَهُ ذلك. وقولُ أبى عبدِ اللَّهِ: إنِ الْتَفَتَ رَجَع فوَدَّعَ. على سَبِيلِ الاسْتِحْسانِ، إذْ لا نَعْلَمُ لإِيجابِ ذلك عليه دَلِيلًا. وقد قال مُجَاهِدٌ: هذا إذا كِدْتَ تَخْرُجُ مِن بابِ المَسْجِدِ فالْتَفِتْ، ثم انْظُرْ إلى الكَعْبَةِ، ثم قُلْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْه آخِرَ العَهْدِ.
فصل: فإن خَرَج قبلَ طَوافِ الزِّيارَةِ، رَجَع حَرامًا حتى يَطُوفَ بالبَيْتِ؛ لأنَّه رُكْن لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به، ولا يَحِل مِن إحْرامِه حتى يَفْعَلَه، فمتَى لم يَفْعَلْه، لم يَنْفَكَّ إحْرامُه، ورَجَع متى أمْكَنَه مُحْرِمًا، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك. وبذلك قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الحسنُ:
стр. 4344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَحُجُّ مِن العامِ المُقْبِلِ. وحُكِىَ نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ أيضًا. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ حينَ ذُكِرَ له أنَّ صَفِيَّةَ حاضَتْ، قال: «أحَابِسَتُنَا هِىَ؟» قيلَ: إنَّها قد أفاضَتْ يومَ النَّحْرِ. قال: «فَلْتَنْفِرْ إذًا» (١). يَدُلُّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأنَّه حابِسٌ لمَن لم يَأْتِ به. فإن نَوَى التَّحَلُّلَ، ورَفَض إحْرامَه، لم يَحِلَّ بذلك؛ لأنَّ الإِحْرامَ لا يُخْرَجُ منه بنِيَّةِ الخُرُوجِ. ومتى رَجَع إلى مَكَّةَ، فَطافَ بالبَيْتِ، حَلَّ بطوافِه؛ لأنَّ الطَّوافَ لا يَفُوتُ وَقْتُه، علىَ ما قَدَّمْنَاه.
فصل: وتَرْكُ بعضِ الطَّوافِ كتَرْكِ الجَمِيعِ فيما ذَكَرْنا. وسَواءٌ تَرَك شَوْطًا أو أقَلَّ أو أكْثَرَ. وهذا قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أصحابُ الرَّأْى: مَن طافَ أرْبَعَةَ أشْواطٍ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ وَطَوافِ العُمْرَةِ، وسَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم رَجَع إلى الكُوفَةِ، إنَّ سَعْيَه يُجْزِئُه، وعليه دَمٌ لِما تَرَك مِن الطَّوافِ بالبَيْتِ. ولَنا، أنَّ ما أتَى به لا يُجْزِئُه إذا كان بمَكَّةَ، فلم يُجْزِئْه إذا خَرَج منها، كما لو طَافَ دُونَ أرْبَعَةِ أشْواطٍ.
فصل: فإن تَرَك طَوافَ الزِّيارَةِ بعدَ رَمْى جَمْرَةِ العَقَبَةِ، لم يَبْقَ مُحْرِمًا، إلَّا عن النِّساءِ خاصَّةً؛ لأنَّه قد حَصَل له التَّحَلُّلُ الأوَّلُ برَمْى الجَمْرَةِ، فحَلَّ له كلُّ شئٍ إلَّا النِّساءَ، فإن وَطِئَ لم يَفْسُدْ حَجُّه، ولم تَجِبْ عليه بَدَنةٌ، لكنْ عليه دَمٌ، ويُجَدِّدُ إحْرامَه ليَطُوفَ في إحْرامٍ
стр. 4345
فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ، اسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبىِّ ﷺ وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
ــ
صحِيحٍ. وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْنَاه فيما مَضَى.
١٣٢٦ - مسألة: (فإذا فَرَغ مِن الحَجِّ، اسْتُحِبَّ زيارَةُ قَبْرِ النبىِّ ﷺ وقَبْرِ صاحِبَيْه، رَضِىَ اللَّه عنهما) تسْتَحَبُّ زيارَةُ قَبْرِ النبىِّ ﷺ ؛ لِما روَى الدَّارَقُطْنِىُّ (١) بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِى بَعْدَ وَفَاتِى، فَكَأنَّمَا زَارَنِى فِى حَيَاتِى». وفى رِوايَةٍ: «مَنْ زَارَ قَبْرِى وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِى». رَواه باللَّفْظِ الأوَّلِ سَعِيدٌ. وقال أحمدُ (٢)، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ، عن يَزِيدَ ابنِ قُسَيْطٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَا مِنْ أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ عِنْدَ قَبْرِى إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أرُدَّ ﵇». قال: وإذا حَجَّ الذى لم يَحُجَّ قَطُّ، يَعْنِى مِن غيرِ طَربقِ الشَّامِ، لا يَأْخُذُ على طَرِيقِ المَدِينَةِ؛ لأنِّى أخافُ أن يَحْدُثَ به حَدَثٌ، فَيَنْبَغِى أن يَقْصِدَ مَكَّةَ مِن أقْصَدِ الطُّرُقِ، ولا يَتَشَاغَلُ بغيرِه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَخَل المَسْجِدَ أن يُقَدِّمَ رِجْلَه اليُمْنَى، ثم يقولُ: بسمِ اللَّهِ والصلاةُ على رسولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لى، وافْتَحْ لى أبْوابَ رَحْمَتِك. فإذا خَرَج قَدَّمَ رِجْلَه اليُسْرَى، وقال مثلَ ذلك، إلَّا أنَّه يقولُ: وافْتَحْ لى أبْوابَ فَضْلِكَ. لِما رُوِى عن فاطِمَةَ بنتِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَها أن تَقُولَ ذلك إذا دَخَلَتِ المَسْجِدَ (١). ثم تَأْتِى القَبْرَ (٢) فَتُوَلِّى ظَهْرَكَ القِبْلَةَ، وتَسْتَقْبِلُ وَسَطَه، وتقولُ: السلامُ عليك أيُّها النبىَّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُه، السلامُ عليك يا نَبِىَّ اللَّهِ وخِيرَتَه مِن خَلْقِه وعبادِه، أشْهَدُ أنْ لا إله إلَّا اللَّه وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورسولُه، وأشْهَدُ أنَّكَ قد بَلَّغْتَ رِسَالَاتِ رَبِّك، ونَصَحْتَ لأُمَّتِكَ، ودَعَوْتَ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وعَبَدْتَ اللَّهَ حتى أتاك اليَقِينُ، فصَلى اللَّهُ عليك كَثِيرًا كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرْضَى، اللَّهُمَّ اجْزِ عَنَّا نَبِيَّنا أفْضَلَ ما جَزَيْتَ أحَدًا مِن النَّبِيينَ والمرْسَلِين، وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الذى وَعَدْتَه، يَغْبِطُه الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ،
стр. 4348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما صَلَّيْتَ على إبْراهِيمَ، وآلِ إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبَارِكْ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بَارَكْتَ على إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ (١)، وقَوْلُكَ الحَقُّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقد أَتَيْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِن ذُنُوبى، مُسْتَشْفِعًا بِك إلى رَبِّى، فأسْألُكَ يارَبِّ أن تُوجِبَ لى المَغْفِرَةَ، كما أوْجَبْتَها لمَن أتاه في حَياتِه، اللَّهُمَّ اجْعَلْه أوَّلَ الشافِعِينَ، وأنْجَحَ السائِلِينَ، وأكْرَمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، برَحْمَتِك يا أرْحَمَ الرَّاحِمين. ثم يَدْعُو لوَالِدَيْه ولإِخوانِه، وللمُسْلِمِينَ أجْمَعِين، ثم يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا، ويقولُ: السلامُ عليك يا أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، السلامُ عليك يا عمرُ الفارُوقُ، السلامُ عليكما يا صَاحِبَىْ رسولِ اللَّهِ ﷺ وضَجِيعَيْه
стр. 4349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ووزِيرَيْه، ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُه، اللَّهُمَّ اجْزِهما عن نَبيِّهما وعن الإِسْلَامِ خَيْرًا ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١). اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْه آخِرَ العَهْدِ مِن قَبْرِ نَبِيِّكَ ﷺ ، ومِن حَرَمِ مَسْجِدِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ التَمَسُّحُ بحائِطِ قَبْرِ النبىِّ ﷺ ، ولا تَقْبِيلُه. قال أحمدُ، ﵀: ما أعْرِفُ هذا. قال الأثْرَمُ: رَأيْتُ أهْلَ العِلْمِ مِن أهلِ المَدِينَةِ لا يَمَسُّونَ قَبْرَ النبىِّ ﷺ ، يَقُومُون مِن ناحِيَةٍ فَيُسلِّمُونَ. قال أبو عبدِ اللَّهِ: وهكذا كان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، يَفْعَلُ. قال: أمَّا المِنْبَرُ، فقد جاءَ فيه ما رَواه إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَبْدٍ القارىُّ (٢)، أنَّه نَظَر إلى ابنِ عُمَرَ، وهو يَضَعُ يَدَه على مَقْعَدِ النبىِّ ﷺ مِن المِنْبَرِ، ثم يَضَعُها على وَجْهِه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن رَجَع مِن الحَجِّ أن يَقُولَ ما روَى البخارىُّ (٣)، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ
стр. 4350
فَصْلٌ فِى صِفَةِ الْعُمْرَةِ: مَنْ كَانَ فِى الْحَرَمِ، خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ، فأَحْرَمَ مِنْهُ،
ــ
ﷺ كان إذا قَفَل مِن غَزْوٍ أو حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، يُكَبِّرُ على كلِّ شَرَفٍ مِن الأرْضِ، ثم يقولُ: «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» وصلَّى اللَّهُ على مُحَمِّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. روَى سعيدٌ: حدثنا هُشَيمٌ، أنا لَيْثٌ، عن كثيرِ بنِ جَعْفَرٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: يُقالُ إذا قَدِمَ الحاجُّ: تَقَبَّلَ اللَّهُ نُسُكَكَ، وأعْظَمَ أجْرَكَ، وأخْلَفَ نَفَقَتَكَ.
(فصل في صِفَةِ العُمْرَةِ) قال الشَّيْخُ، ﵀: (مَن كانَ في الحَرَمِ، خَرَج إلى الحِلِّ، فأحْرَمَ منه) مَن أرادَ العُمْرَةَ مِن أهْلِ
стр. 4351
وَالأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمَ.
ــ
الحَرَمِ، خَرَج إلى الحِلِّ، فأحْرَمَ منه، وكان مِيقاتًا له. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا (والأَفْضَلُ أن يُحْرِمَ مِن التَّنْعِيمِ) لأنَّ النبىَّ ﷺ أمَر عبدَ الرَّحْمنِ بنَ أبى بَكْرٍ أن يُعْمِرَ عائشةَ مِن التَّنْعِيمِ (١). وقال ابنُ سِيرينَ: بَلَغنِى أنَّ النبىَّ ﷺ وَقَّتَ لأهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ (٢). وإنَّما لَزِم الإِحْرَامُ مِن الحِلِّ؛ ليَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ. ومِن أىِّ الحِلِّ أحْرَمَ، جازَ. وإنَّما أعْمَرَ النبىُّ ﷺ عائشةَ مِن التَّنْعِيمِ؛ لأنَّه أقْرَبُ الحِلِّ إلى مَكَّةَ. وقد رُوِى عن أحمدَ في المَكِّىِّ، كُلَّمَا تَبَاعَدَ في العُمْرَةِ، فهو أعْظَمُ للأجْرِ، هى على قَدْرِ تَعَبِها.
стр. 4352
فَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يَجُزْ، وَيَنْعَقِدُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
ــ
١٣٢٧ - مسألة: (فإن أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، لم يَجُزْ، ويَنْعَقِدُ، وعليه دَمٌ) وذلك لتَرْكِه الإِحْرامَ مِن المِيقاتِ. فإن خَرَج قبلَ الطَّوافِ، ثم عادَ، أجْزَأه؛ لأنَّه قد جَمَع بينَ الحِلِّ والحَرَمِ. وإن لم يَخْرُجْ حتى قَضَى عُمْرَتَه، صَحَّ أيْضًا؛ لأنَّه قد أتَى بأرْكَانِها، وإنَّما أحَلَّ بالإِحْرامِ مِن مِيقَاتِها، وقد جَبَرَه، فأشْبَهَ مَن أحْرَمَ دُونَ المِيقاتِ بالحَجِّ. وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ. والقَوْلُ الثَّانِى، لا تَصِحُّ عُمْرَتُه؛ لأنَّه نُسُكٌ، فكانَ مِن شَرْطِه الجَمْعُ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، كالحَجِّ. فعلى هذا، وُجُودُ هذا الطَّوافِ كعَدَمِه، وهو باقٍ على إحْرامِه حتى يَخْرُجَ إلى الحِلِّ، ثم يَطُوفُ بعدَ ذلك ويَسْعَى. وإن حَلَق قبلَ ذلك،
стр. 4353
ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى، ثُمَّ يَحْلِقُ أوْ يُقَصِّرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ. وَهَلْ يَحِلُّ قَبْلَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
فعليه دَمٌ. وكذلك كلُّ ما فَعَلَه مِن مَحْظُورَاتِ إحْرامِه عليه فِدْيَةٌ. وإن وَطِئ أفْسَدَ عُمْرَتَه، ويَمْضِى في فاسِدِها، وعليه دَمٌ لإفْسَادِها، ويَقْضِيها بعُمْرَةٍ مِن الحِلِّ. فإن كانتِ العُمْرَةُ التى أفْسَدَها عُمْرَةَ الإِسْلامِ، أجْزَأه قَضاؤُها عن عُمْرَةِ الإِسْلام، وإلَّا فلا.
١٣٢٨ - مسألة: (ثم يَطُوفُ ويَسْعَى، ثم يَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ثم قد حَلَّ) لأنَّ هذه أفعالُ العُمْرَةِ، فحَلَّ بفِعْلِها، كحِلِّهِ مِن الحَجِّ بأفْعالِه (وهل يَحِلُّ قبلَ الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ؟ على رِوَايَتَيْن) أصْلُهما، هل الحَلْقُ
стр. 4354
وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَالْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ، عَنْ عُمْرَةِ الإِسْلَامِ فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
ــ
والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ، أو ليس بنُسُكٍ؟ فإن قُلْنا: إنَّه نُسُكٌ. لم يَحِلَّ قبلَه، كالرَّمْى. وإن قُلْنا: ليس بنُسُكٍ، بل إطْلاقٌ مِن مَحْظُورٍ. حَلَّ قَبْلَه، كاللُّبْسِ والطِّبِ. وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك في الحَجِّ، وهذا مُقاسٌ عليه.
١٣٢٩ - مسألة: (وتُجْزِئُ عُمْرَةُ القارِنِ، والعُمْرَةُ مِن التَّنْعِيمِ، عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن) لا نَعْلَمُ في إجْزاءِ عُمْرَةِ المُتَمَتِّعِ خِلافًا. كذلك قال ابنُ عُمَرَ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ولا نَعْلَمُ
стр. 4355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن غيرِهم خِلافَهم. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ عُمْرَةَ القارِنِ لا تُجْزِئُ. اخْتَارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ أعْمَرَ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، حينَ حاضَتْ مِن التَّنْعِيمِ (١). ولو كانت عُمْرَتُها في قِرانِها أجْزَأتْها، لَمَا أعْمَرَها بعدَها. ولأنَّها ليست عُمْرَةً تامَّةً؛ لأنَّه لا طَوافَ لها. وعنه، أنَّ العُمْرَةَ مِن أدْنَى الحِلِّ لا تُجْزِئُ عن العُمْرَةِ الواجِبَةِ، قال: إنَّما هى مِن أرْبَعَةِ أمْيَالٍ، وثَوابُها على قَدْرِ تَعَبِها. ورُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّها قالت: واللَّهِ ما كانَتْ عُمْرَةً، إنَّما كانت زِيارَةً. وإذا لم تَكُنْ تامَّةً لم تُجْزِئُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢). قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إتمامُهما أن تَأْتِىَ بهما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ. ووَجْهُ الأُولَى قولُ الصُّبَىِّ (٣) بنِ مَعْبَدٍ: إنِّى وَجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْن علىَّ، فأهْلَلْتُ بهما. فقالَ عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّكَ (٤). وحديثُ
стр. 4356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عائشةَ، حينَ قَرَنَتِ الحَجَّ والعُمْرَةَ، فقال لها النبىُّ ﷺ حينَ حَلَّتْ منهما: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ». وإنَّما أعْمَرَها مِن التَّنْعِيمِ قَصْدًا لتَطْيِيبِ قَلْبِها، وإجابَةِ مَسْألَتِها، لا لأنَّها كانت واجبَةً عليها. ثم إن لم تَكُنْ أجْزَأتْها عُمْرَةُ القِرانِ، فقد أجْزَأتْها العُمْرَةُ بِن أدْنَى الحِلِّ، وهى أحَدُ ما قَصَدْنا الدَّلَالَةَ عليه. ولأن الواجِبَ عُمْرَة واحِدَة، وقد أتَى بها صَحِيحَةً، فأجْزَأتْه، كعُمْرَةِ المُتَمَتِّعِ. ولأنَّ عُمْرَةَ القارِنِ أحَدُ النُّسُكَيْن للقارِنِ، فأجْزَأتْ، كالحَجِّ، ولأنَّ الحَجَّ مِن مَكَّةَ يُجْزِئُ في حَقِّ المُتَمَتِّعِ، فالعُمْرَةُ مِن أدْنَى الحِلِّ في حَقِّ المُفْرِدِ أوْلَى. وإذا كان الطَّوافُ المُجَرَّدُ يُجْزِئُ عن العُمْرَةِ في حَقِّ المَكِّىِّ، فلَأن تُجْزِئُ العُمْرَةُ المُشْتَمِلَةُ على الطَّوافِ وغيرِه أوْلَى.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَعْتَمِرَ في السَّنَةِ مِرَارًا. رُوِى ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، وعائشةَ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ، والشافعىِّ. وكَرِهَ العُمْرَةَ في السَّنَةِ مَرَّتَيْن الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ. قال النَّخَعِىُّ: ما كانُوا يَعْتَمِرُونَ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً. ولأنَّ
стр. 4357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبىَّ ﷺ لم يَفْعَلْه. ولَنا، أنَّ عائشةَ اعْتَمَرَتْ في شَهْرٍ مَرَّتَيْن بأمْرِ النبىِّ ﷺ ؛ عُمْرَةً مع قِرانِها، وعُمْرَةً بعدَ حَجِّها. ولأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا». مُتَّفَقٌ عليه (١). وقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه: في كلِّ شَهْرٍ مَرَّةً. وكان أنَسٌ إذا حَمَّمَ رَأسُه (٢) خَرَج فاعْتَمَرَ. رَواهما الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» (٣). وقال عِكْرمَةُ: يَعْتَمِرُ إذا مَكَّنَ المُوسَى مِن شَعَرِه. وقال عَطاءٌ: إن شاءَ اعْتَمَرَ في كلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْن. فأمَّا الإكْثارُ مِن الاعْتِمارِ، والمُوالَاةُ بَيْنَهما، فلا يُسْتَحَبُّ في ظاهِرِ قولِ السَّلَفِ الذى حَكَيْنَاه. وكذلك قال أحمدُ: إذا اعْتَمَرَ فلا بُدَّ أنْ يَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ، وفى عَشَرَةِ أيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرأسِ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُسْتَحَبُّ أن يَعْتَمِرَ في أقَلَّ مِن عَشَرَةِ أيَّامٍ. وقال في رِوَايَةِ الأثْرَمِ: إن شاءَ اعْتَمَرَ في كلِّ شَهْرٍ (٤). وقال بعضُ أصحابِنا: يُسْتَحَبُّ الإكْثارُ مِن الاعْتِمارِ،
стр. 4358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالطَّوافِ. قال شيخُنا (١)، ﵀: وأحْوالُ السَّلَفِ وأقْوالُهم على ما قُلْناه، ولأنَّ النبىَّ ﷺ لم تُنْقَلْ عنه المُوالَاةُ بينَهما، وإنَّما نُقِلَ عن السَّلَفِ إنْكارُ ذلك، والحَقُّ في اتِّباعِهم. قال طاوُسٌ: الذين يَعْتَمِرُونَ مِن التَّنْعِيم ما أدْرِى يُؤْجَرُونَ عليها أم يُعَذَّبُونَ. قيلَ له: فلِمَ يُعَذَّبُونَ؟ قال: لأنَّه يَدَعُ الطَّوافَ بالبَيْتِ، ويَخْرُجُ إلى أرْبَعَةِ أمْيَالٍ ويَجِئَ، وإلى أن يَجِئَ مِن أرْبَعَةِ أمْيَالٍ قد طافَ مائةَ طَوافٍ، وكُلَّمَا طافَ بالبَيْتِ، كان أفْضَلَ مِن أن يَمْشِىَ في غيرِ شئٍ.
فصل: روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «عُمْرَةٌ فِى رَمَضَانَ تعْدِلُ حَجَّةً». مُتَّفَقٌ عليه (٢). قال أحمدُ:
стр. 4359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَن أدْرَكَ يَوْمًا مِن رمضانَ، فقد أدْرَكَ عُمْرَةَ رمضانَ. وقال إسحاقُ: مَعْنَى هذا الحَدِيثِ مثلُ ما رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنه قال: «مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ، فَقَدْ قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ» (١). وقال أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: حَجَّ النبىُّ ﷺ حَجَّةً واحِدَةً، واعْتَمَرَ أرْبَعَ عُمَرٍ؛ واحِدَةً في ذِى القَعْدَةِ، وعُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وعُمْرَةً مع حَجَّتِه، وعُمْرَةَ الجعْرانَةِ، إذ قَسَّمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وقال أحمدُ: حَجَّ النبىَّ ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ. قال: ورُوِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: حَجَّ قبلَ ذلك حَجَّةً أُخْرَى. وما هو يَثْبُتُ عندى. ورُوِىَ عن جابرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: حَجَّ النبىُّ ﷺ ثَلاثَ حِجَجٍ؛ حَجَّتَيْن فبلَ أن يُهاجِرَ، وحَجَّةً بعدَ ما هاجَرَ (٣). وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَمَا عَدَا هَذَا سُنَنٌ.
ــ
وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى، وذَكَرْنا الدَّلِيلَ عليه (وما عَدَا هذا سُنَنٌ) وهو الاغْتِسالُ، وطَوافُ القُدُومِ، والرَّمَلُ، والاضْطِباعُ،
بَابُ الْفَوَاتِ وَالإِحْصَارِ
وَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْىٍ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ لِعُمْرَةٍ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا. وَعَنْهُ، عَلَيْهِ القَضَاءُ.
ــ
بابُ الفَواتِ والإِحْصارِ
١٣٣١ - مسألة: (ومَن طَلَع عليه الفَجْرُ يومَ النَّحْرِ ولم يَقِفْ بعَرَفَةَ، فقد فاته الحَجُّ، ويَتَحَلَّلُ بطَوافٍ وسَعْىٍ. وعنه، أنَّه (١) يَنْقَلِبُ إحْرامُه لعُمْرَةٍ، ولا قَضاءَ عليه، إلَّا أن يكونَ فَرْضًا. وعنه، عليه القَضاءُ) الكلامُ في هذه المسألةِ في ثَلَاثَةِ أُمُورٍ؛ أوَّلُها، أنَّ آخِرَ وَقْتِ الوُقُوفِ آخِرُ لَيْلَةِ النَّحْرِ، فمَن لم يُدْرِكِ الوُقُوفَ حتى طَلَع الفَجْرُ يَوْمَئِذٍ، فاتَه الحَجُّ،
стр. 4371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال جابِرٌ، رَضِىَ اللَّه عنه: لا يَفُوتُ الحَجُّ حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ مِن لَيْلَةِ جَمْعٍ. قال أبو الزُّبيْرِ: فقُلْتُ له: أقَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ذلك؟ قال: نعم. رَواه الأثْرَمُ (١). وقولُ النبىِّ ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّه» (٢). يَدُلُّ على فَواتِه بخُرُوجِ لَيْلَةِ جَمْع. الثَّانِى، أنَّ مَن فاتَه الحَج يَتَحَلَّلُ بَطوافٍ وسَعْىٍ وحِلاقٍ (٣). هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ. رُوِى ذلك عن عُمَرَ ابنِ الخَطَّابِ، وابنِه، وزَيْدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى. وقال ابنُ أبى مُوسَى: في المَسْألَةِ رِوايَتان؛ إحْداهُما، كما ذَكَرْنا. والثانِيَةُ، يَمْضِى في حَجٍّ فاسِدٍ. وهو قولُ المُزَنِىِّ، قال: يَلْزَمُه جَمِيعُ (٤)
стр. 4372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أفْعالِ الحَجِّ؛ لأنَّ سُقُوطَ ما فاتَ وَقْتُه لا يَمْنَعُ وُجُوبَ ما لم يَفُتْ. ولَنا، قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحَابَةِ، ولم نَعْرِفْ له مُخالِفًا، فكان إجْماعًا. وروَى الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» (١) أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال لأبى أيُّوبَ، حينَ فاتَه الحَجُّ: اصْنَعْ ما يَصنَعُ المُعْتَمِرُ، ثم قد حَلَلْتَ، فإن أدْرَكْتَ الحَجَّ قابِلًا فحُجَّ، وأهْدِ ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْى. وروَى النَّجَّادُ بإسْنادِه عن عَطاءٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ دَمٌ، ولْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَلْيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ» (٢). ولأنَّه يَجُوزُ فَسْخُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ مِن غيرِ فَواتٍ، فمع الفَواتِ أوْلَى. إذا ثَبَت هذا، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يَجْعَلُ إحْرامَه بعُمْرَةٍ. وقد نَصَّ عليه أحمدُ. واختارَه أبو بَكْرٍ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
стр. 4373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعنه، لا يَصِيرُ إحْرامُه بعُمْرَةٍ، بل يَتَحَلَّلُ بطَوافٍ وسَعْىٍ وحَلْقٍ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ إحْرامَه انْعَقَدَ بأحَدِ النُّسُكَيْن، فلم يَنْقَلِبْ إلى الآخَرِ، كما لو أحْرَمَ بالعُمْرَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ مَن قال؛ يَجْعَلُ إحْرامَه بعُمْرَةٍ. أرادَ أنَّه يَفْعَلُ فِعْلَ المُعْتَمِرِ، مِن الطَّوافِ والسَّعْى، فلا يكونُ بينَ القَوْلَيْن خِلافٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّه يَصِيرُ إحْرامُه بحَجٍّ إحْرامًا بعُمْرَةٍ، بحيثُ تجْزِئُه عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، إن لم يَكُنِ اعْتَمَرَ، ولو أدْخَلَ الحَجَّ عليها لصارَ قارِنًا، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُه الحَجُّ بذلك الإِحْرامِ، إلَّا أنَّه يَصِيرُ مُحْرِمًا به في غيرِ أشْهُرِه، فيكونُ كمَن أحْرَمَ بالحَجِّ في غيرِ أشْهُرِه، ولأنَّ قَلْبَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ يَجُوزُ مِن غيرِ سَبَبٍ على ما قَرَّرْناه في فَسْخِ الحَجِّ، فمع الحاجَةِ أوْلَى، ويُخَرَّجُ على هذا قَلْبُ العُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فإنَّه لا يَجُوزُ، ولأنَّ العُمْرَةَ لا يَفُوتُ وَقْتُها، ولا حاجَةَ إلى انْقِلابِ إحْرامِها بخِلافِ الحجِّ.
стр. 4374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمْرُ الثالِثُ، في وُجُوبِ القَضاءِ، وفيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، يَجِبُ، سَواءٌ كان الفائِتُ واجِبًا أوَ تَطَوُّعًا. اخْتارَه الخِرَقِىُّ. ويُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وزَيْدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، ومَرْوَانَ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى. والثانِيَة، لا قَضاءَ عليه، بل إن كانت فَرْضًا فَعَلَها بالوُجُوبِ السابقِ، وتَسْقُطُ إن كانت نَفْلًا. رُوِى هذا عن عَطاءٍ، وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْن عن مالكٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عن الحَجِّ أكثرَ مِن مَرَّةٍ، قال: «مَرَّةً وَاحِدَةً» (١). ولو أوْجَبْنا القَضاءَ، كان أكثرَ مِن مَرَّةٍ، ولأنَّه مَعْذُورٌ في تَرْكِ إتْمامِ حَجِّه، فلم يَلْزَمْه القضاءُ، كالمُحْصَرِ، ولأنَّها عِبَادَةُ تَطَوُّعٍ، فلم يَجِبْ قَضاؤُها إذا فاتَتْ، كسائِرِ التَّطَوُّعاتِ. ووَجْهُ الأُولَى ما ذَكَرْناه مِن الحَدِيثِ وإجْماعِ الصَّحَابَةِ، وروَى الدَّارَقُطنِىُّ (٢)، بإسْنادِه، عن ابنِ عباس، رَضِىَ اللَّه
стр. 4375
وَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْىٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛
ــ
عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَات فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَتَحَلَّلْ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ». ولأنَّ الحَجَّ يَلْزَمُ (١) بالشُّرُوعِ فيه، فيَصِيرُ كالمَنْذُورِ، بخِلافِ سائِرِ التَّطَوُّعاتِ. وأمَّا الحَدِيثُ فإنَّه أرادَ الوَاجِبَ بأصْلِ الشَّرْعِ حَجَّة واحِدَةً، وهذه إنَّما تَجِبُ بإيجابِه لها بالشُّرُوعِ فيها، فهى كالمَنْذُورَةِ، وأمَّا المُحْصَرُ فإنَّه غيرُ مَنْسُوبٍ إليه التَّفْرِيطُ، بخِلافِ مَن فاتَه الحَجُّ، على أنَّ في المُحْصَرِ رِوايَةً، أنَّه يَجِبُ عليه القَضاءُ، فهو كمَسْألتِنا. وإذا قَضَى، أجْزَأه القَضاءُ عن الحَجَّةِ الواجِبَةِ. لا نَعْلَمُ فيهِ خِلافًا؛ لأنَّ الحَجَّةَ المَقْضِيَّةَ لو تَمَّتْ لأجْزَأتْ عن الواجِبَةِ عليه، فكذلك قضاؤُها؛ لأنَّ القَضاءَ يَقُومُ مَقامَ الأدَاءِ.
١٣٣٢ - مسألة: (وهل يَلْزَمُه هَدْىٌ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما ،
стр. 4376
إحْدَاهُمَا، عَلَيْهِ هَدْىٌ يَذْبَحُهُ فِى حَجَّةِ الْقَضَاءِ، إِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ قَضَاءٌ. وَإلَّا ذَبَحَهُ فِى عَامِهِ.
ــ
عليه هَدْىٌ يَذْبَحُه في حَجَّةِ القَضاءِ، إن قُلْنا: عليه قَضاءٌ. وإلَّا ذَبَحَه في عامِه) يَجِبُ الهَدْىُ على مَن فاتَه الحَجُّ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن. وهو قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحَابَةِ والفُقَهاءِ، إلَّا أصحابَ الرَّأْى، فإنَّهُم قالُوا: لا هَدْىَ عليه. وهى الرِّوايَةُ الثانِيَةُ عن أحمدَ؛ لأنَّه لو كان الفَواتُ سَبَبًا لوُجُوبِ الهَدْى، لَزِم المُحْصَرَ هَدْيانِ؛ للفَواتِ والإِحْصَارِ. ولَنا، حَدِيثُ عَطاءٍ، وإجْماعُ الصَّحَابَةِ، ولأنَّه حَلَّ مِن إحْرامِه قبلَ إتْمامِه، فلَزِمَه هَدْىٌ، كالمُحْصَرِ، والمُحْصَرُ لم يَفُتْ حَجُّه؛ لأنَّه يَحِل قبلَ فَواتِه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُخْرِجُ الهَدْىَ في سَنَةِ القَضاءِ، إِن قُلْنا بوُجُوبِه، وإلَّا أخْرَجَه في عامِه. وإذا كان معه هَدْىٌ قد سَاقَه، نحَرَه، ولا يُجْزِئُه إن قُلْنا بوُجُوبِ القَضاءِ، بل عليه في السَّنَةِ الثانِيَةِ هَدْىٌ أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ؛
стр. 4377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِمَا روَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، أنَّ هَبَّارَ بنَ الأسْوَدِ (١) حَجَّ مِن الشامِ، فقَدِمَ يومَ النَّحْرِ، فقال له عُمَرُ: ما حَبَسَكَ؟ قال: حَسِبْتُ أنَّ اليَوْمَ يومُ عَرَفَةَ. قال: فانْطَلِقْ إلى البَيْتِ فَطُفْ به سَبْعًا، وإن كان مَعَكَ هَدْيَةٌ فانْحَرْها، ثم إذا كان عامٌ قابلٌ فاحْجُجْ، فإن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، فإن لم تَجِدْ فصُمْ ثَلَاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتَ، إن شاءَ اللَّهُ (٢). والهَدْىُ: ما اسْتَيْسَرَ، مثل هَدْىِ المُتْعَةِ؛ لحَدِيثِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. والمُتَمَتِّعُ والمُفْرِدُ والقارِنُ والمَكِّىُّ وغيرُه سَواءٌ فيما ذَكَرْنا.
стр. 4378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإنِ اخْتارَ مَن فاتَه الحَجُّ البَقاءَ على إحْرامِه للحَجِّ مِن قابِلٍ، فله ذلك. رُوِىَ ذلك عن مالكٍ؛ لأنَّ تَطَاوُلَ المُدَّةِ بينَ الإِحْرامِ وفِعْل النُّسُكِ لا تَمْنَعُ إتْمامَه، كالعُمْرَةِ، والمُحْرِمِ بالحَجِّ في غيرِ أشْهُرِه. ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس له ذلك. وهو قولُ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ، ورِوَايَةٌ عن مالكٍ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ. وقولِ الصَّحَابَةِ، ولكَوْنِ إحْرام الحَجِّ يَصِيرُ في غيرِ أشْهُرِه، فصارَ كالمُحْرِمِ بالعِبادَةِ قبلَ وَقْتِها.
فصل: فإن كان الذى فاتَه الحَجُّ قارِنًا، حَلَّ، وعليه مثلُ ما أهَلَّ به مِن قابِلٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسحاقَ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه ما فَعَلَه عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، ولا يَلْزَمُه إلَّا قَضاءُ الحَجِّ؛ لأنَّه لم يَفُتْه غَيْرُه. وقال الثَّوْرِىُّ وأصحابُ الرَّأْى: يَطُوفُ
стр. 4379
وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ، فَوَقَفُوا فِى غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ. وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
ــ
ويَسْعَى لعُمْرَتِه، ثم لا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ ويَسْعَى لحَجِّه. إلَّا أنَّ سُفْيانَ قال: ويُهَرِيقُ دَمًا. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه يَجِبُ القَضاءُ على حَسَبِ الأداءِ في صُورَتِه ومَعْناه، فيَجِبُ أن يكونَ ههُنا كذلك، ويَلْزَمُه هَدْيان؛ لقِرانِه وفواتِه. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقيلَ: يَلْزَمُه هَدْىٌ ثالثٌ للقَضاءِ. وليس بشئٍ، فإنَ القَضاءَ لا يَجِبُ له شئٌ، وإنَّما الهَدْىُ الذى في سَنَةِ القَضاءِ للفَواتِ، ولذلك لم يَأْمُرْه الصَّحَابَةُ بأكثرَ مِن هَدْىٍ واحِدٍ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
١٣٣٣ - مسألة: (وإن أخْطَأَ الناسُ، فوَقَفُوا في غيرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أجْزَأهم. وإن أخْطَأ بعضُهم، فقد فاتَه الحَجُّ) إذا أخْطَأ الناسُ، فَوَقَفُوا في غيرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، ظنًّا منهم أنَّه يومُ عَرَفَةَ، أجْزَأهم؛ لِما روَى
стр. 4380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدَّرَقُطْنىُّ (١) بإسْنادِه، عن عبدِ العزيزِ بن عبدِ اللَّهِ بنِ جابِرِ بنِ أُسَيْدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِى يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ». وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «فِطْرُكُمْ (٢) يَوْمَ تفْطِرُونَ، وَأضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ». رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ وغيرُه (٣). ولأنَّه لا يُؤْمَنُ مثلُ ذلك في القَضاءِ. فإنِ اخْتَلَفُوا، فأصابَ بعضٌ وأخْطَأ بعضٌ، لم يُجْزِئُ مَن أخْطَأ؛ لأنَّهم غيرُ مَعْذُورِينَ في ذلك، وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ هَبَّارٍ (٤)، حينَ قال لعُمَرَ: ظَنَنْتُ أنَّ اليومَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فلم يُعْذَرْ بذلك.