. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَذْهَبُ أبى يُوسُفَ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ. ولأنَّه زالَ مِلْكُهْ عنها للَّهِ تعالى، فلم يَجُزْ إبْدَالُها، كالوَقْفِ. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقد تَأوَّلْنَاه على مَعْنَى الإِبْدَالِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْله عليه؛ لاتِّفاقِنا على تَحْرِيمِ بَيْعِها وهِبَتِها، ولأنَّه عَدَل عن العَيْنِ إلى خَيْرٍ منها مِن جِنْسِها، فجازَ, كما لو أخْرَجَ عن بِنْتِ لَبُونٍ حِقَّةً في الزَّكاةِ، ولأنَّ النُّذُورَ مَحْمُولَةٌ على أُصُولِها في الفُرُوضِ، وفى الفُرُوضِ يَجُوزُ إخْرَاجُ البَدَلِ في الزَّكاةِ، فكذلك في النُّذُورِ. وقولُه: قد زال مِلْكُه. مَمْنُوعٌ، بل تَعَلَّقَ بها حَقُّ اللَّهِ تعالى مع بَقاءِ مِلْكِه عليها، بِدَلِيلِ أنَّه لو غَيَّرَ الواجِبَ في ذِمَّتِه، فعَطِبَ أو تَعَيَّبَ، كان له اسْتِرْجَاعُه، ولو زَالَ مِلْكُه عنه لم يَعُدْ إليه، كالوَقْفِ، والفَرْقُ بينَ الإِبدَالِ والبَيْعِ، أنَّ الإبدَالَ لا يُزِيلُ الحَقَّ المُتَعَلِّقَ بها مِن جِنْسِها، والبدَلُ قائِمٌ مَقامَها، فكَأنَّها لم تَزُلْ في المَعْنَى. وقولُه: إلَّا أن يُبْدِلَها بخَيْرٍ منها. يَدُلُّ على أنَّه لا يجوزُ بدُونِها؛ لأنَّه تَفْوِيتُ جُزْءٍ منها، فلم يَجُزْ، كإتْلافِه. وهذا لا خِلافَ فيه، ويَدُلُّ على أنَّه لا يَجُوزُ إبْدالُها بمِثْلِها، لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه. وقال القاضى: في إبْدالِها بمِثْلِها احْتِمالانِ؛
стр. 4447
وَلَهُ رُكُوبُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ، مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا.
ــ
أحَدُهما، لا يَجُوزُ؛ لذلك. والثانى، يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يَنْقُصُ مِمّا وَجَب عليه شئٌ. ولَنا، أنَّه يُغَيِّرُ (١) ما وَجَب عليه لغيرِ فائِدَةٍ، فلم يَجُزْ، كإبْدالِها بدُونِها.
فصل: وإذا عَينَّهَا ثم ماتَ وعليه دَيْنٌ، لم يَجُزْ بَيْعُها فيه، سَواءٌ كان له وَفاءٌ أو لم يَكُنْ. وبه قال أبو ثَوْرٍ. ويُشْبِهُ مَذهَبَ الشافعىِّ. وقال الأوْزَاعِىُّ: تُباعُ إذا لم يَكُنْ لدَايْنِه وَفاءٌ إلَّا منها. وقال مالكٌ: إن تَشاجَرَ الوَرَثَةُ فيها باعُوها. ولَنا، أنَّه تَعَيَّنَ ذَبْحُها، فلم تُبَعْ في دَيْنِه, كما لو كان حَيًّا. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ وَرَثَتَه يَقُومُونَ مَقامَه في الأكْلِ والصدقةِ والهَدِيَّةِ؛ لأنَّهُم يَقُومُونَ مَقامَ مَوْرُوثِهم فيما له وعليه.
١٣٥٥ - مسألة: (وله رُكُوبُها عندَ الحاجِةِ، ما لم يَضُرَّ بها) قال
стр. 4448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحمدُ، ﵀: لا يَرْكَبُها إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ. وهو قولُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا». رَواه أبو داودَ (١). ولأنَّه تَعَلَّقَ بها حَقٌّ للمَساكِينِ، فلم يَجُزْ رُكُوبُها مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، كمِلْكِهم. وإنَّما جَوَّزْنَاه عندَ الضَّرُورَةِ؛ للحَدِيثِ. فإن نَقَصَها الرُّكُوبُ، ضَمِنَ النَّقْصَ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ بها حَقُّ غيرِه. فأمَّا رُكُوبُها مع عَدَمِ الحاجَةِ، ففيه رِوَايَتَان؛ إحداهما، لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا. والثانيةُ، يَجُوزُ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رجلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فقال: «ارْكَبْها». فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها بَدَنَة. فقال: «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ». في الثانِيَة أو في الثالِثَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢).
стр. 4449
وَإِنْ وَلَدَتْ، ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا. وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا.
ــ
١٣٥٦ - مسألة: (وإن وَلَدَتْ ذَبَحَ وَلَدَها معها، ولا يَشْرَبُ مِن لَبَنِها إلَّا ما فَضَلَ عن وَلَدِها) إذا عَيَّنَ أُضْحِيَةً، فوَلَدَتْ، فحُكْمُ وَلَدِها حُكْمُها، سَواءٌ كان حَمْلًا حالَ التَّعْيِينِ، أو حَدَثَ بعدَه. وبهذا قال الشافعىُّ. وعن أبى حنيفةَ: لا يَذْبَحُه، ويَدْفَعُه إلى المساكينِ حيًّا، فإن ذَبَحَه دَفَعَه إليهم مَذْبُوحًا، وأرْشَ ما نَقَصَهُ الذَّبْحُ؛ لأنَّه مِن نَمائِها، فيَلْزَمُه دَفْعُه إليهم على صِفَتِه، كصُوفِها وشَعَرِها. ولَنا، أنَّ اسْتِحْقَاقَ وَلَدِها حُكْمٌ ثَبَتَ للوَلَدِ بطريقِ السِّرايَةِ مِن الأُمِّ، فثَبَتَ له ما ثَبَت لها، كَولَدِ أُمِّ الوَلَدِ، والمُدَبَّرَةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَذْبَحُه كما ذَبَحَها؛ لأنَّه صارَ أُضْحِيَةً على وَجْهِ التَّبَعِ لأُمِّه، ولا يَجُوزُ ذَبْحُه قبلَ وَقْت ذَبْحِ أُمِّه، ولا تَأْخِيرُه عن آخِرِ الوَقْتِ، كأُمِّه. وقد رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رَجُلًا سَأَلَه، فقال: يا أَمِيرَ المُؤْمِنين, إنِّى اشْتَرَيْتُ هذه البَقَرَةَ لأُضَحِّىَ بها، وإنَّها وَضَعَتْ هذا العِجْلَ؟ فقال علىٌّ: لا تَحْلِبْها إلَّا ما فَضَل عن تَيْسِيرِ وَلَدِها، فإذا كان يومُ الأَضْحَى، فاذْبَحْها ووَلَدَها عن سَبْعَةٍ. رَواه سعيدٌ، والأثْرَمُ (١).
стр. 4450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ووَلَدُ الهَدْيَةِ بِمَنْزِلَتِها أيضًا، كوَلَدِ الأُضْحِيَةِ إن أمْكَنَ سَوْقُه، وإلَّا حَمَلَه على ظَهْرِها، وسَقَاهُ مِن لَبَنِها، فإن لم يُمْكِنْه سَوْقُه ولا حَمْلُه، صَنَع به ما يَصْنَعُ بالهَدْىِ إذا عَطِبَ، ولا فَرْقَ في ذلك بينَ ما عَيَّنَه ابْتِداءً، وبينَ ما عَيَّنَه عن الواجِبِ في ذِمَّتِه. وقال القاضِى في المُعَيَّنِ بَدَلًا عن الواجِبِ: يَحْتَمِلُ أن لا يَتْبَعَها وَلَدُها؛ لأنَّ ما في الذِّمَّةِ واحِدٌ، فلا يَلْزَمُه اثْنَانِ. والصَّحِيحُ أنَّه يَتْبَعُ أُمَّه في الوُجُوبِ؛ فإنَّه وَلَدُ هَدْىٍ واجبٍ، فتَبِعَه، كالمُعَيَّنِ ابْتِداءً، ولِمَا ذُكِرَ مِن حَدِيثِ علىٍّ. فإن تَعَيَّبتِ المُعَيَنَّةَ عن واجِبٍ في الذِّمَّةِ، وقُلْنا: يَذْبَحُها. ذَبَح وَلَدَها معها؛ لأنَّه تَبَعٌ لَهَا. وإن قُلْنَا: يَبْطُلُ تَعْيينُها، وتُرَدُّ إلى مالِكِها. احْتَمَلَ أن يَبْطُلَ التَّعْيِينُ في وَلَدِها تَبَعًا، كما ثَبَتَ تَبَعًا، قِياسًا على نَمائِها المُتَّصِلِ بها، واحْتَمَلَ أن لا يَبْطُلَ، ويَكُونَ للفُقَرَاءِ؛ لأنَّه تَبِعَها في الوُجُوبِ حالَ اتِّصَالِه بِها، ولم. يَتْبَعْها في زَوَالِه؛ لأنَّه صارَ مُنْفَصِلًا عنها، فهو كوَلَدِ المَبِيع المَعِيبِ إذا وَلَدَ عندَ المُشْتَرِى، ثم رَدَّه، لا يَبْطُلُ البَيْعُ في وَلَدِها، والمُدَبَّرَةُ إذا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا، فَبَطَلَ تَدْبِيرُها، لا يَبْطُلُ في وَلَدِها. وحُكْمُ الأُضْحِيَةِ المُعَينَّةَ عَمّا في الذِّمَّةِ إذا تَعَيَّبَتْ (١) وَوَلَدَت، كذلك، على قِياسِ الهَدْيَ؛ لأنَّها في مَعْنَاهَا.
فصل: ولا يَشْرَبُ مِن لَبَنِها إلَّا الفاضِلَ عن وَلَدِها، فإن لم يَفْضُلْ عنه شئٌ، أو كان الحَلْبُ يَضُرُّ بها [أو يَنْقُصُ] (٢) لَحْمَها، لم يَكُنْ له
стр. 4451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخْذُه، وإلَّا فله أخْذُه والانْتِفاعُ به. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْلِبُها، وَيَرُشُّ على الضَّرْعِ الماءَ حتى يَنْقَطِعَ اللَّبَنُ، فإنِ احْتَلَبَها، تَصَدَّقَ به؛ لأنَّ اللَّبَنَ مُتَوَلِّدٌ مِن الأُضْحِيَةِ الوَاجبَةِ، فلم يَجُزْ للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كالوَلَدِ. ولَنا، قَوْلُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا يَحْلِبُها إلَّا فَضْلًا عن تَيْسِيرِ وَلَدِها. ولأنَّه انْتِفاعٌ لا يَضُرُّ بها ولا بوَلدِها، فأشْبَهَ الرُّكُوبَ، ويُفارِقُ الوَلَدَ، فإنَّه يُمْكِنُ إيصالُه إلى مَحِلِّه، أمَّا اللَّبَنُ، فإن حَلَبَه وتَرَكَه فَسَد، وإن لم يَحْلِبْه تَعَقَّدَ الضَّرْعُ وأضَرَّ بها، فجُوِّزَ له شُرْبُه، وإن تَصَدَّقَ به كان أفْضَلَ؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ. وإنِ احْتَلَبَ (١) ما يَضُرُّ بها أو بوَلَدِها، لم يَجُزْ له, وعليه الصَّدَقَةُ به، وإن شَرِبَه ضَمِنَه؛ لأنَّه تَعَدَّى بأخْذِه. وهكذا الحُكْمُ في الهَدْيَةِ. فإن قيلَ: فصُوفُها وشَعَرُها إذا جَزَّه تَصَدَّقَ به، ولم يَنْتَفِعْ به، فلِمَ جَوَّزْتُم له الانْتِفَاعَ باللَّبَنِ؟ قُلْنَا: الفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّ لَبَنَها يَتَوَلَّدُ مِن غِذائِها وعَلَفِها، وهو القائِمُ به، فجازَ صَرْفُه إليه, كما أنَّ المُرْتَهِنَ إذا عَلَف الرَّهْنَ، كان له أن يَرْكَبَ ويَحْلِبَ، وليس له أن يأْخُذَ الصُّوفَ ولا الشَّعَرَ. الثانى، أنَّ الصُّوفَ والشَّعَرَ يُنْتَفَعُ به على الدَّوامِ، فجَرَى مَجْرَى جِلْدِها وأجْزائِها، واللَّبَنُ يُشْرْبُ ويُؤْخَذُ شيئًا فشيئًا، فجَرَى مَجْرَى مَنافِعِها ورُكُوبِها، ولأن اللَّبَنَ يَتَجَدَّدُ كلَّ يومٍ، والصُّوفَ والشَّعَرَ عَيْن مَوْجُودَة دَائِمَةٌ في جَمِيعِ الحَوْلِ.
стр. 4452
ويَجُزُّ صُوفَهَا وَوَبَرَهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ، إِنْ كَانَ أَنْفَعَ لَهَا. وَلا يُعْطِى الْجَازِرَ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا.
ــ
١٣٥٧ - مسألة: (و) له أن (يَجُزَّ صُوفَها ووَبَرَها، إذا كان أنْفَعَ لها) مثلَ أن تَكُونَ في زَمَنٍ تَخِفُّ بجَزِّه وتَسْمَنُ، ويَتَصَدَّقُ به، وإن كان لا يَضُرُّ بها لقُرْبِ مُدَّةِ الذَّبْحِ، أو كان بَقاؤُه أنْفَعَ لها؛ لكَوْنِه يَقِيها الحَرَّ والبَرْدَ، لم يَجُزْ له جَزُّه، كما لا يَجُوزُ أخْذُ بعضِ أعْضائِها.
١٣٥٨ - مسألة: (ولا يُعْطِى الجازِرَ بأُجْرَتِه شَيئًا منها) وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. ورَخَّصَ الحسنُ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ (١)، في إعْطائِه الجلْدَ. ولَنا، ما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أمَرَنِى رسولُ اللَّهِ ﷺ أن أقُومَ على بُدْنِه، وأن أقْسِمَ جُلُودَها
стр. 4453
وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَجُلِّهَا. وَلَا يَبِيعُهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا.
ــ
وجِلالَها، وأن لا أُعْطِىَ الجازِرَ منها شيئًا، وقال: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّ ما يَدْفَعُه إلى الجَزَّارِ عِوَضٌ عن عَمَلِه وجِزارَتِه، ولا تَجُوزُ المُعاوضةُ بشئٍ منها. فأمَّا إن دَفَع إليه صَدَقَةً أو هِبَةً، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ للأَخْذِ، فهو كغيرِه، بل هو أوْلَى؛ لأنَّه باشَرَهَا وتَاقَتْ نَفْسُه إليها.
١٣٥٩ - مسألة: (وله أن يَنْتَفِعَ بجِلْدِها وجُلِّها (٢)، ولا يَبِيعُه، ولا شَيْئًا منها) لا خِلافَ في جَوازِ الانْتِفاعِ بجُلُودِها وجِلالِها؛ لأنَّ الجِلْدَ جُزْءٌ منها، فجاز للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كاللَّحْمِ. وكان عَلْقَمَةُ، ومَسْرُوقٌ يَدْبُغان جِلْدَ أُضْحِيَتِهما، ويُصَلِّيان عليه. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، قد كانُوا يَنْتَفِعُونَ مِن ضَحايَاهُم، يَحْمِلُونَ منها الوَدَكَ (٣)، ويَتَّخِذُونَ منها الأسْقِيَةَ. قال: «وَمَا ذَاكَ؟» قالت: نَهَيْتَ عن إمْساكِ لُحُومِ الأَضَاحِى بعدَ ثَلاثٍ. فقال: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدّافَّةِ (٤) الَّتِى دَفَّتْ، فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقوا».
стр. 4454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديثٌ صحيحٌ (١). ولأنَّه انْتِفاعٌ به، فجازَ، كلَحْمِها.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ شئٍ مِن الأُضْحِيَةِ، واجِبَةً كانت أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّها تَعَيَّنَتْ بالذَّبْحِ. قال أحمدُ: لا يَبِيعُها، ولا يَبِيعُ شَيْئًا منها. وقال: سبحان اللَّهِ، كيف يَبِيعُها، وقد جَعَلَها للَّه ﵎! قال المَيْمُونِىُّ: قالُوا لأبى عبدِ اللَّهِ: فجِلْدُ الأُضْحِيَةِ، نُعْطِيهِ السَّلَّاخَ؟ قال: لَا. وحَكَى قولَ النبىِّ ﷺ : «لا يُعْطَ في جِزَارَتِها شيئًا منها» (٢). ثم قال: إسْنادٌ جَيِّدٌ. وبه قال الشافعىُّ. ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ. ورَخَّصَ الحَسَنُ،
стр. 4455
وَإِنْ ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ فِيهَا.
ــ
والنَّخَعِىُّ في الجِلْدِ أن يَبِيعَه ويَشْتَرِىَ به الغِرْبَالَ والمُنْخُلَ وآلةَ البَيْتِ. ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن الأوْزاعِىِّ؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ به هو وغيرُه، فجَرَى مَجْرَى تَفرِيقِ لَحْمِها. وقال أبو حنيفةَ: يَبِيعُ ما شاءَ منها، ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، أنَّه يبيعُ الجِلْدَ، ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه. وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ وإسحاقَ. ولَنا، أمْرُ النبىِّ ﷺ بقَسْمِ جُلُودِها وجِلالِها، وأن لا يُعْطى الجازِرُ شَيْئًا منها، وفيه دَلِيلٌ على وُجُوبِ الصَّدَقَةِ بالجِلالِ، وعلى تَسْوِيَتِها بالجُلُودِ. ولأنَّه جَعَلَه للَّهِ تعالَى، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالوَقْفِ، وما ذَكَرُوه في شِراءِ آلةِ البَيْتِ يَبْطُلُ باللَّحْمِ، لا يَجُوزُ بَيْعُه لشِراءِ الآلةِ، وإن كان يَنْتَفِعُ به.
١٣٦٠ - مسألة: (فإنْ ذَبَحَها فَسُرِقَتْ، فلا شئَ عليه) لأنَّها
стр. 4456
وَإنْ ذَبَحَهَا ذَابِحٌ في وَقْتِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، أَجْزَأَتْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَابِحِهَا.
ــ
أمانَةٌ في يَدِه، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِه لم يَضْمَنْها، كالوَدِيعَةِ.
١٣٦١ - مسألة: (وإن ذَبَحَهَا ذابِحٌ في وَقْتِها بغيرِ إذْنٍ، أجْزَأتْ، ولا ضَمانَ على ذابِحِها) وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال مالكٌ: هى شاةُ لَحْمٍ، لمالِكِها أرْشُها، وعليه بَدَلُها؛ لأنَّ الذَّبْحَ عِبادَةٌ، فإذَا فَعَلَها غيرُ صاحِبِها عنه بغيرِ إذْنِه، لم تَقَعِ المَوْقِعَ، كالزَّكاةِ. وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُ، وله على ذابِحِها أرْشُ ما بينَ قِيمَتِها صَحِيحَةً ومَذْبُوحَةً، لأنَّ الذَّبْحَ أحَدُ مَقْصُودَىِ الهَدْى، فإذا فَعَلَه فاعِلٌ بغيرِ إذْنِ المُضَحِّى ضَمِنَه، كتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ. ولَنا، على مالكٍ، أنَّه فِعْلٌ لا يَفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ، فإذا فَعَلَه غيرُ الصاحِبِ أجْزَأ عنه، كغَسْلِ ثَوْبِه مِن النَّجَاسَةِ. وعلى الشافعىِّ، أنَّها
стр. 4457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُضْحِيَةٌ أجْزَأتْ عن صاحِبِها، ووَقَعَتْ مَوْقِعَها، فلم يَضْمَنْ ذابِحُها، كما لو كان بإذْنٍ، ولأنَّه إرَاقَةُ دَمٍ تَعَينَّتْ إرَاقَتُه لحَقِّ اللَّهِ تَعالَى، فلم يَضْمَنْ مُرِيقُه، كقاتِلِ المُرْتَدِّ بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، ولأنَّ الأَرْشَ لو وَجَب فإنَّما يَجِبُ ما بينَ كَوْنِها مُسْتَحِقَّةَ الذَّبْحِ في هذه الأيّامِ، مُتَعَيِّنَةً له، وما بينَها مَذْبُوحَةً، ولا قِيمَةَ لهذه الحَياةِ، ولا تَفَاوُتَ بينَ القِيمَتَيْن، فتَعَذَّرَ وُجُودُ الأَرْشِ ووُجُوبُه، ولأنَّه لو وَجَب الأرْشُ لم يَخْلُ؛ إمَّا أن يَجِبَ للمُضَحِّى، أو للفُقَراءِ، لا جائِزٌ أن يَجِبَ للفُقَراءِ؛ لأنَّهُم إنَّما يَسْتَحِقُّونَها مَذْبُوحَةً، ولو دَفَعها إليهم في الحياةِ لم يَجُزْ، ولا جائِزٌ أن يَجِبَ له؛ لأنَّه بَدَلُ شئٍ منها، فلم يَجُزْ أن يَأْخُذَه، كبَدَلِ عُضْوٍ مِن أعْضَائِها، ولأنَّهُم وافَقُونَا في أنَّ الأَرْشَ لا يُدْفَعُ إليه، فتَعَذَّرَ إيجابُه؛ لعَدَمِ مُسْتَحِقِّه.
стр. 4458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإنِ اشْتَرَى أُضْحِيَةً، فلم يُوجِبْها حتى عَلِمَ بها عَيْبًا، فإن شاء رَدَّهَا، وإن شاء أخَذَ أَرْشَها، ثم إن كان عَيْبُها يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، لم يَكُنْ له التَّضْحِيَةُ بها، وإن لم يَمْنَعْ، فله ذلك، والأَرْشُ له. فإن أوْجَبَها، ثم عَلِم أنَّها مَعِيبَةٌ، فذَكَر القاضِى، أنَّه مُخَير بينَ رَدِّها، وأخْذِ أرْشِها، فإن أخَذَ أرْشَها، فحُكْمُه حُكْمُ الزّائِدِ عن قِيمَةِ الأُضْحِيَةِ، على ما نَذْكُرُه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الأَرْشُ له؛ لأنَّ الإِيجابَ إنَّما صادَفَها بدُونِ الذى أخَذَ أرْشَه، فلم يَتَعَلَّقِ الإيجابُ بالأرْش، ولا بمُبْدَلِه، فأشْبَهَ ما لو تَصَدَّقَ بها، ثم أخَذَ أرْشَها. وعلى قولِ أبى الخَطّابِ، لا يَمْلِكُ رَدَّها؛ لأنَّه قد زالَ مِلْكُه عنها بإيجابِها، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى عَبْدًا مَعِيبًا، فأعْتَقَه، ثم عَلِم عَيْبَه.
стр. 4459
وَإنْ أتلَفَهَا أجنَبِىٌّ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَإنْ أتلَفَهَا صَاحِبُهَا، ضَمِنَهَا بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مِثْلِهَا أوْ قِيمَتِهَا. فَإِنْ ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا وَأَخْرَجَ فَضْلَ الْقِيمَةِ، جَازَ، وَيَشْتَرِى بِهِ شَاةً أوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ، اشْتَرَى بِهِ لَحْمًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، أو يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ.
ــ
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. فعلى هذا يَتَعَيَّنُ أخْذُ الأَرْشِ. وفى كَوْنِ الأَرْشِ للمُشْتَرِى، ووُجُوبِه في التَّضْحِيَةِ، وَجْهان. ثم يُنْظر، فإن كان عَيْبُها لا يَمْنَعُ إجْزاءَها، فقد صَحَّ إيجابُها والتَّضْحِيَةُ بها، وإن كان يَمْنَعُ إجْزاءَها، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أوْجَبَها عالِمًا بعَيْبِها، على ما ذَكَرْناه.
١٣٦٢ - مسألة: (وإن أَتْلَفَها أجْنَبىٌّ، ضَمِنها بقِيمَتِها، وإن أتْلَفَها صاحِبُها، ضمنَها بأكثَرِ الأَمْرَيْن مِن قِيمَتِها أو مثلِها. فإن ضَمِنَها بمثلِها وأخْرَجَ فَضْلَ القِيمَةِ، جازَ، ويَشْتَرِى به شاةً أو سُبْعَ بَدَنَةٍ، فإن لم يَبْلُغ ،
стр. 4460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اشْتَرَى به لَحْمًا فتَصَدَّقَ به، أو يَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ) إذا أتلَفَ الأُضْحِيَةَ الواجِبَةَ صاحِبُها، فعليه قِيمَتُها، لأنَّها مِن المُتَقَوَّماتِ، وتُعتَبَرُ القِيمَة يومَ أتْلَفَها، فإن غَلَتِ الغَنَمُ بعدَ ذلك، فصارَ مِثلُها خيرًا مِن قِيمَتِها، فقال أبو الخَطّابِ: يَلْزَمُه مثلُها؛ لأنَّها أكثرُ الأَمْرَيْنِ، ولأنَّه يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ اللَّهِ تَعالَى في ذَبْحِها، فَوَجَبَ عليه مثلُها؛ ليُوفِىَ بحَقِّ اللَّهِ تَعالَى، بخِلافِ
стр. 4461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأَجْنَبِىِّ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وظاهِرُ قولِ القاضِى، أنَّه لا يَلْزَمُه إلَّا القِيمَةُ يومَ الإِتْلافِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه إتلاف أوجبَ القِيمَةَ، فلم يَجِبْ به أكثرُ مِن القيمةِ يومَ الإِتلافِ، كما لو أتلَفَها أجْنَبِىٌّ، وكسائِرِ المَضْمُونَاتِ. فإن رَخُصَتِ الغَنَمُ، فزَادَتْ قِيمَتُها على مِثلها، مثلَ أن كانت قِيمَتُها عندَ إتْلافِها عَشَرَةً، فصارَتْ قِيمَةُ مثلِها خَمْسَةً، فعليه عَشَرَةٌ، وَجْهًا واحِدًا، فإن شاء اشْتَرَى بها أضْحِيَةً واحِدَةً تُسَاوِى عشَرَةً، وإن شاءَ اشْتَرَى اثْنَتَيْن، فإنِ اشْتَرَى واحِدَةً وفَضَل مِن العَشَرَةِ ما لا يَجِئُ به أُضْحِيَةٌ، اشْتَرَى به شِرْكًا في بَدَنَةٍ، فإن لم يَتَّسِعْ لذلك، أو لم تُمْكِنْه المُشَارَكَةُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يَشْتَرِى لَحْمًا، ويَتَصَدَّقُ به؛ لأنَّ الذَّبْحَ وتَفْرِقَةَ اللَّحْمِ مَقْصُودان، فإن تَعَذَّرَ أحَدُهما وَجَب الآخرُ.
стр. 4462
فَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْهَا.
ــ
والثانى، يَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ؛ لأنَّه إذا لم يَحْصُلْ له التَّقَرُّبُ بالإِرَاقَةِ، كان اللَّحْمُ وثَمَنُه سَواءً. وإن أتلَفَها أجْنَبِىٌّ، فعليه قِيمَتُها يومَ تَلَفِها، وَجْهًا واحِدًا، ويَلْزَمُه دَفْعُها إلى صاحِبِها، فإن زادَ على ثَمَنِ مِثْلِها، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أتلَفَها صاحِبُها، وإن لم تَبْلُغ القِيمَةُ ثَمَنَ أُضْحِية، فالحُكْمُ فيه على ما مَضَى فيما إذا زادَ على ثَمَنِ الأُضْحِيَةِ في حَقِّ (١) المُضَحِّى.
١٣٦٣ - مسألة: (فإن تَلِفَتْ بغير تَفْرِيطِه) أو سُرِقَتْ، أو ضَلَّتْ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّها أمانَةٌ في يَدِه (فلم يَضْمَنْها) إذا لم يُفرِّطْ، كالوَدِيعَةِ.
стр. 4463
وَإنْ عَطِبَ الْهَدْىُ فِى الطَّرِيقِ، نَحَرَهُ مَوْضِعَهُ، وَصَبَغَ نَعْلَهُ الَّتِى فِى عُنُقِهِ فِى دَمِهِ، وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَتَهُ؛ لِيَعْرِفَهُ الْفُقَرَاءُ فَيَأْخُذُوهُ. وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ.
ــ
١٣٦٤ - مسألة: (وإن عَطِبَ الهَدْىُ في الطَّرِيقِ، نَحَرَه في مَوْضِعِه، وصَبَغ نَعْلَه التى في عُنُقِه في دَمِه، وضَرَب بها صَفْحَةَ سَنامِه؛ ليعْرِفَه الفُقَراءُ، فيَأْخُذُوه. ولا يَأْكُلُ منه هو، ولَا أحَدٌ مِن أهْلِ رُفْقَتِه)
стр. 4464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن تَطَوَّعَ بهَدْىٍ غيرِ واجِبٍ، لم يَخْلُ مِن حالَيْن؛ أحَدُهُما، أن يَنْوِيَه هَدْيًا، ولا يُوجِبَه بلِسانِه ولا تَقْلِيدِه وإشعارِه، فهذا لا يَلْزَمُه إمْضاؤه، وله أولادُه ونماؤُه، والرُّجُوعُ فيه متى شاءَ، ما لم يَذْبَحْه؛ لأنَّه نَوَى الصَّدَقَةَ بشئٍ مِن مالِه، أشْبَهَ ما لو نَوَى الصَّدَقَةَ بدِرْهَمٍ. الثانى، أن يُوجِبَه بلِسَانِه أو يُقَلِّدَه ويُشْعِرَه مع النِّيَّةِ، فيَصِيرَ واجِبًا مُعَينًا، يَتَعَلَّقُ الوُجُوبُ بعَيْنه دُونَ ذِمَّةِ صاحِبِه، ويكونُ في يَدِ صاحِبِه كالوَدِيعَةِ، يَلْزَمُه حِفْظُه وإيصالُه إلى مَحِلِّه، فإن تَلف بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، أو سُرِقَ، أو ضَلَّ، فلا ضَمانَ عليه، كالوَدِيعَةِ؛ لأنَّ الحَقَّ إنَّما تَعَلَّقَ بالعَيْنِ، فسَقَطَ بتَلَفِها. وقد روَى الدّارَقُطْنِىُّ (١)، بإسْنادهِ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا ثُمَّ ضَلَّتْ، فلَيْسَ عَلَيْهِ البَدَلُ، إلَّا أنْ يَشاءَ، فإنْ كَانَ نَذْرًا فَعَلَيْةِ البَدَلُ». فأمَّا إن أتلَفَها، أو تَلِفَتْ بتَفرِيطِه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه أتْلَفَ واجِبًا لغيرِه، فضَمِنَه، كالوَدِيعَةِ. وإن خافَ عَطَبَه، أو عَجْزَه عن المَشْى وصُحْبَةِ الرِّفاقِ، نَحَرَه مَوْضِعَه، وخَلَّى بينَه وبينَ المساكِينِ، ولم يُبَحْ له أكْلُ شئٍ منه، ولا لأحَدٍ مِن صحابتهِ، وإن كانُوا فُقَراءَ. ويُسْتَحَبُّ له أن يَصْبُغ نَعْلَ الهَدْى المُقَلَّدِ في عُنُقِه، ثم يَضْرِبَ بها صَفْحَتَه؛ ليَعْرِفَه الفُقَراءُ، فيَعْلَمُوا أنَّه هَدْىٌ،
стр. 4465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَيَأْخُذُوه. وبهذا قال الشافعىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه أكَلَ من هَدْيه الذى عَطِبَ، ولم يَقْضِ مَكانَه (١). وقال مالكٌ: يُباحُ لرُفْقَتِه ولسائِرِ النَّاس، غيرَ صاحِبِه أو سائِقِه، ولا يَأمُرُ أحَدًا يَأْكُلُ منه، فإن أكَل، أو أمَرَ مَن أكَلَ، أو ادَّخَرَ شَيْئًا مِن لَحْمِه، ضَمِنَه؛ لِما روَى هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن ناجِيةَ بنِ كَعْبٍ (٢) صاحِبِ بُدْنِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَّه قال: يا رسولَ اللَّهِ، كيفَ أصْنَعُ بما عَطِبَ مِن الهَدْى؟ قال: «انْحَرْه، ثُمَّ اغْمِس قَلَائِدَهُ فِى دَمِهِ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفْحَةَ عُنُقِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» (٣). فيَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه: «خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس». رُفْقَتُه وغيرُهم. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ ذُويْبًا أبا قَبِيصَةَ (٤) حَدَّثَه أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان
стр. 4466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَبْعَثُ معه بالبُدْنِ، ثم يقولُ: «إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَئٌ فخَشِيتَ عَلَيْهَا، فانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمس نَعْلَها فِى دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، ولَا تَطْعَمْهَا أنْتَ وَلَا أحَدٌ مِنْ أهْلِ رُفْقَتِكَ». رَواه مسلمٌ (١) وفى لَفْظٍ: «ويُخَلِّيها وَالنَّاسَ، وَلَا يَطْعَمُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أحَدٌ مِنْ أصْحَابِهِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ (٢). وهذا صَحِيحٌ مُتَضَمِّن للزِّيادَةِ ومَعْنًى خاصٍّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه على عُمُومِ ما خالَفَه، ولا يَصِحُّ قِياسُ رُفْقَتِه على غيرِهم؛ لأنَّ الإِنْسانَ يُشْفِقُ على رُفْقَتِه، ويُحِبُّ التَّوْسِعَةَ عليهم، ورُبَّما وَسَّعَ عليهم مِن مُؤْنَتِه. وإنَّما مُنِعَ السّائِقُ ورُفْقَتُه مِن الأَكْلِ منها؛ لئلَّا يُقَصر في حِفْظِها، فيُعْطِبَها، ليَأْكُلَ هو ورُفْقَتُه منها، فتَلْحَقَه التُّهْمَةُ في عَطَبِها لنَفْسِه ورُفْقَتِه، فحُرِمُوها لذلك. فإن أكَلَ منها، أو باعَ، أو أطْعَمَ غَنِيًّا، أو رُفْقَتَه، ضَمِنَه بمثلِه لَحْمًا. وإن أتلَفَهَا، أو تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، أو خافَ عَطَبَها، فلم يَنْحَرْها حتى هَلَكَتْ، فعليه ضَمانُها يُوصِلُه إلى فُقَراءِ الحَرَمِ؛ لأنَّه لا يَتَعَذَّرُ عليه إيصالُ الضَّمانِ إليهم، بخِلافِ العاطِبِ. وإن أطْعَمَ منها فَقِيرًا، أو أمَرَه
стр. 4467
وإنْ تَعَيَّبَتْ، ذَبَحَهَا، وَأَجْزَأَتْهُ، إِلَّا أَنْ تَكُوِنَ وَاجِبَةً فِى ذِمَّتِهِ قَبْلَ التَّعْيِينِ، كَالْفِدْدة وَالْمَنْذُورِ فِى الذِّمَّةِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا.
ــ
بالأَكْلِ منها، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى مُسْتَحِقِّه، فأشْبَهَ ما لو فَعَلَ ذلك بعدَ بُلُوغِ الهَدْى مَحِلَّه، وإن تَعَيَّبَ ذَبَحَه، وأجْزَأه. وقال أبو حنيفةَ: لا يُجْزِئُه. ولَنا، أنه لو عَطِبَ لم يَلْزَمْه شئٌ، فالعَيْبُ أوْلَى؛ لأنَّه أقَلُّ، وكما لو حَدَث به العَيْبُ حالَ إضجاعِه، فإنَّه قد سَلَّمَه. وإن تَعَيَّبَ بفِعْلِ آدَمِىٍّ، فعليه ما نَقَصَه مِن القِيمَةِ، يَتَصَدَّقُ به. وقال أبو حنيفةَ: يُباعُ جَمِيعُه، ويُشْتَرَى بالجميعِ هَدْىٌ. وبَنَى ذلك على أنَّه لا يُجْزِئُ، وقد بَيَّنَّا أنه يُجْزِئُ.
١٣٦٥ - مسألة: (وإن تَعَيَّبَتْ، ذَبَحَها، وأجْزَأته، إلَّا أن تَكونَ واجبَةً في ذِمَّتِه قبلَ التَّعْيينِ، كالفِدْيةِ والمَنْذُورِ في الذِّمَّةِ، فعليه بَدَلُها) إذا أَوْجَبَ أُضْحِيَةً سَلِيمَةً، ثم حَدَث بها عَيْبٌ يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، ذَبَحَها، وأجْزَأته. رُوِى هذا عن عَطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ،
стр. 4468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وقال أصحابُ الرَّأْى: لا تُجْزِئُ. لأنَّ الأُضْحِيَةَ عندَهم واجِبَة، فلا يَبْرأ منها إلَّا بإِراقَةِ دَمِها سَلِيمَةً، كما لو أوْجَبَها في ذِمَّتِه، ثم عَيَّنَهَا، فعابَتْ. ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: ابْتَعْنَا كَبْشًا نُضَحِّى به، فأصابَ الذِّئْبُ مِن ألْيَتِه، فسَألْنَا النبىَّ ﷺ ، فأَمَرَنَا أن نُضَحِّىَ به. رَواه ابنُ ماجَه (١). ولأنَّه عَيْبٌ حَدَث في الأُضْحِيَةِ الواجبَةِ، فلم يَمْنَعِ الإِجْزاءَ، كما لو حَدَث بها عَيْبٌ بمُعالَجَةِ الذَّبْحِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّها واجِبَةٌ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَعَلَّقَ الوُجُوبُ بعَيْنها. فأمَّا إن تَعَيَّبَتْ بفِعْلِه، فعليه بَدَلُها. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا عالَجَ ذَبْحَها، فقَلَعَتِ السِّكِّينُ عَيْنَها، أجْزَأتِ، اسْتِحْسَانًا. ولَنا، أنَّه عَيْبٌ أحْدَثَه قبلَ ذَبْحِها (٢)، فلم يُجْزِئْه، كما لو كان قبلَ مُعالَجَةِ الذَّبْحِ.
стр. 4469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والواجِبُ في الذِّمَّةِ مِن الهَدْى قِسْمان؛ أحَدُهما، وَجَب بالنَّذْرِ في ذِمَّتِه. والثانى، وَجَب بغيرِه، كهَدْىِ المُتْعَةِ والقِرانِ، والدِّماءِ الواجِبَةِ في النُّسُكِ بتَرْكِ واجِبٍ، أو فِعْلِ مَحْظُورٍ. فمتَى عَيَّنَ عمّا في ذِمَّتِه شيْئًا، فقال: هذا الواجِبُ علىَّ. فإنَّه يَتَعَيَّنُ الوُجُوبُ فيه مِن غيرِ (١) أن تَبْرَأ الذِّمَّةُ؛ لأَنه لو أوْجب هَدْيًا ولا هَدْىَ عليه لَتَعَيَّنَ، فكذلك إذا كان واجبًا فعَيَّنَه، إلَّا أنَّه مَضْمُونٌ عليه. فإن عَطِبَ، أو سُرِقَ، أو نَحْوُ ذلك، لم يُجْزِئْه، وعاد الوُجُوبُ إلى ذِمَّتِه، كما لو كان لرجلٍ عليه دَيْنٌ، فاشْتَرَى به مَكِيلًا، فتَلِفَ قبلَ قَبْضِه، انْفَسَخَ البَيْعُ، وعاد الدَّيْنُ إلى ذِمَّتِه، ولأنَّ ذِمته لم تَبْرأْ مِن الواجِبِ بتَعْيِينِه، وإنَّما تَعَلَّقَ الوُجُوبُ بمحِلٍّ آخَرَ، فصارَ كالدَّيْنِ يَضْمَنُه ضامِنٌ، أو يَرْهَنُ به رَهْنًا، فإنَّه يَتَعَلَّقُ الحَقُّ بالضَّامِنِ والرَّهْنِ مع بَقائِه في ذِمَّةِ المَدِينِ، فمتَى تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤه مِن الضَّامِنِ، أو تَلِفَ الرَّهْنُ، بَقِىَ الحَقُّ في الذِّمَّةِ بحالِه. فأمَّا إن ساقَ الهَدْى يَنْوِى به الواجِبَ الذى في ذِمَّتِه، ولم يُعَيِّنْه بالقَوْلِ، فهذا لا يَزُولُ مِلْكُه عنه إلَّا بذَبْحِه ودَفْعِه إلى أهْلِه،
стр. 4470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وله التَّصَرُّفُ فيه بما شاءَ مِن بَيْعٍ وهِبَةٍ وأكْلٍ وغيرِ ذلك؛ لأنَّه لم يَتَعَلَّقْ به حَقٌّ لغيرِه، وله نماؤُه، وإن عَطِبَ تَلِفَ مِن مالِه، وإن تَعَيَّبَ لم يُجْزِئْه ذَبْحُه، وعليه الهَدْىُ الذى كان واجِبًا، ولا يَبْرَأُ إلَّا بإيصالِه إلى مُسْتَحِقِّه، بمَنْزِلَةِ مَن عليه دَيْنٌ، فحَمَلَه إلى مُسْتَحِقِّهِ، يَقْصِدُ دَفْعَه إليه، فتَلِفَ قبلَ أن يُوصِلَه إليه. ومتى عَيَّنَه بالقَوْلِ تَعَيَّنَ، فإن ذَبَحَه، فسُرِقَ، أو عَطِبَ، فلا شئَ عليه. قال أحمدُ، ﵀: إذا نَحَر فلم يُطْعِمْه حتى سُرِقَ، لا شئَ عليه، فإنَّه إذا نَحَر فقد فَرَغ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ القاسِمِ صاحِبُ مالكٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال الشافعىُّ: عليه الإِعادَةُ؛ لأنَّه لم يُوصِلِ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فأشْبَهَ ما لو لم يَذْبَحْه. ولَنا، أنه أدَّى الواجِبَ عليه، فبَرِئَ منه، كما لو فَرَّقَه. ودَلِيلُ أنَّه أدَّى الواجِبَ، أنَّه لم يَبْقَ إلَّا التَّفْرِقَةُ، وليست وَاجِبَةً؛ لأنَّه لو خَلَّى بينَه وبينَ الفُقَراءِ أجْزَأه، ولذلك لَمّا نَحَر النبىُّ ﷺ البَدَناتِ، قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطعَ» (١). وإذا عَطِبَ
стр. 4471
وَهَلْ لَهُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا الْعَاطِبِ وَالْمَعِيبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
هذا المُعَيَّنُ، أو تَعَيَّبَ عَيْبًا يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، لم يُجْزِئْه ذَبْحُه عَمّا في الذِّمَّةِ؛ لأنَّ عليه هَدْيًا سَلِيمًا، ولم يُوجَدْ، وكذلك إذا عَيَّنَ عن الأُضْحِيَةِ التى في الذِّمَّةِ شاةً، فهَلَكَتْ، أو تَعَيَّبَتْ بما يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، لم تُجْزِئُ؛ لأنَّ ذِمَته لم تَبْرَأْ إلَّا بِذَبْحِ شاةٍ سَلِيمَةٍ، كما لو نَذَر عِتْقَ رَقَبَةٍ، أو كان عليه عِتْقُ رَقَبَةٍ في كَفّارَةٍ، فاشْتَرَاها سَلِيمَةً ثم عابَتْ عندَه، لم تُجْزِئْه عمّا في ذِمَّتِه، بخِلافِ ما لو نَذَر عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ، فعابَ، فإنَّه يُجْزِئُ عنه.
١٣٦٦ - مسألة: (وهل له اسْتِرْجَاعُ هذا العاطِبِ والمَعِيبِ؟ على رِوايَتَيْن) إحْداهُما، له اسْتِرْجاعُه إلى مِلْكِه، فيَصْنَعُ به ما شاءَ. هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. ورَواه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى. ونَحْوُه عن عَطاء؛ لأنَّه إنَّما عَينَّهَ عمّا في ذِمَّتِه، فإذَا لم يَقَعْ عنه عادَ إلى صاحِبهِ، كمَن أخْرَجَ زَكاتَه، فبانَ أنَّها غيرُ واجِبَةٍ. وقال مالكٌ: يَأْكُلُ، ويُطْعِمُ مَن أحَبَّ مِن الأغْنِياء والفُقَراءِ،
стр. 4472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يَبِيعُ منه شَيْئًا. ولَنا، ما روَى سعيدٌ بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قال: إذا أهْدَيْتَ هَدْيًا واجِبًا فعَطِبَ، فانْحَرْه، ثم كُلْه إن شِئْتَ، وأهْدِه إن شِئْتَ، وبِعْه إن شِئْتَ وتَقَوَّمْ به في هَدْىٍ آخَرَ. ولأنَّه متى كان له أن يَأْكُلَ ويُطْعِمَ الأغْنِياءَ، كان له بَيْعُه؛ لأنَّه مِلْكُه. والثانيةُ، لا يَرْجِعُ المُعَيَّنُ إلى مِلْكِه؛ لأنَّه قد تَعَلَّقَ به حَقُّ الفُقَراءِ بتَعْيينِه، فلَزِمَ ذَبْحُه، كما لو عَيَّنَه بنَذْرِه ابْتداءً.
فصل: فإن عَيَّنَ مَعِيبًا عَمّا في ذِمَّتِه، لم يُجْزِئْه، ويَلْزَمُه ذَبْحُه على قِياسِ قَوْلِه في الأُضْحِيَةِ، إذا عَيَّنَهَا مَعِيبَةً لَزِمَه ذَبْحُها، ولم يُجْزِئْه. وإن عَيَّنَ صَحِيحًا فهَلَكَ أو تَعَيَّبَ بغَير تَفْرِيطِه، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِمّا كان واجِبًا في الذِّمَّةِ؛ لأنَّ الزَّائِدَ لم يَجِبْ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَعَلَّقَ بالعَيْنِ، فسَقَطَ بتَلَفِها، كأصْلِ الهَدْى إذا لم يَجِبْ بغيرِ التَّعْيينِ. وإذا أتْلَفَه، أو تَلِفَ بتَفْرِيطِه، لَزِمَه مثلُ المُعَيَّنِ إن كان زائِدًا عمّا في الذِّمَّة؛ لأنَّ الزَّائِدَ تَعَلَّقَ به حَقُّ اللَّهِ تَعالَى، فإذا فَوَّتَه لَزِمه ضمانُه، كالهَدْى المُعَيَّنِ ابْتِداءً.
стр. 4473
وَكَذَلِكَ إِنْ ضَلَّتْ فَذَبَحَ بَدَلَهَا ثُمَّ وَجَدَهَا.
ــ
١٣٦٧ - مسألة: (وكذلك إن ضَلَّتْ فذَبَحَ بَدَلَها ثم وَجَدَها) إذا ضَلَّ المُعَيَّنُ، فذَبَحَ غيرَه، ثم وَجَدَه، أو عَيَّنَ غيرَ الضّالِّ بَدَلًا عَمّا في الذِّمَّةِ، ثم وَجَد الضّالَّ، ذَبَحَهما معًا. رُوِى ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وابنِ عباسٍ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ؛ لِمَا رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّها أهْدَتْ هَدْيَيْن، فأضَلَّتْهُما، فبَعَثَ إليها ابنُ الزُّبَيْرِ بهَدْيَيْن، فنَحَرَتْهُما، ثم عادَ الضَّالَّانِ فنَحَرَتْهما، وقالت: هذه سُنَّةُ الهَدْى. رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ (١). وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولأنَّه تَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ تعالَى بهِما، بإيجابِهِما، أو ذَبْحِ أحَدِهما وإيجابِ الآخَرِ. ويَتَخَرَّجُ أن يَرْجِعَ إلى مِلْكِه أحَدُهما، بِناءً على المسألةِ التى قبلَها، فيما إذا عَيَّنَ عَمّا في الذِّمَّةِ شاةً فعَطِبَتْ أو تَعَيَّبَتْ، أنَّها تَرْجِعُ إلى مِلْكِه، لأنَّه قد ذَبَح عَمّا في الذِّمَّةِ، فلم يَلْزَمْه شئٌ آخَرُ، كما لو عَطِبَ المُعَيَّنُ. وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْى.
فصل: إذا غَصَب شاةً، فذَبَحَها عمّا في ذِمَّتِه، لم يُجْزِئْه، وإن رَضِىَ
стр. 4474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مالِكُها، وسَواءً عَوَّضَه عنها أو لم يُعَوِّضْه. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه إن رَضِىَ مالِكُها. ولَنا، أنَّ هذا لم يَكُنْ قُرْبَةً في ابْتِدائِه، فلم يَصِرْ قُرْبَةً في أثْنائِه، كما لو ذَبَحَها للأَكْلِ ثمْ نَوَى بها التَّقَرُّبَ، وكما لو أعْتَقَ عَبْدًا ثم نَواه عن كَفّارَتِه.
فصل: ولا يَبْرَأُ مِن الهَدْى إلَّا بذَبْحِه أو نَحْرِه، لأنَّ النبىَّ ﷺ نَحَر هَدْيَهُ. فإن نحره بنَفْسِه، أو وَكَّلَ مَن نَحَرَه، أجْزَأه، وكذلك إن نَحَرَه إنْسانٌ بغيرِ إذْنِه في وَقْتِه، وفيه اخْتِلاف ذَكَرْناه. وإن دَفَعَه إلى الفُقَراءِ سَلِيمًا فنَحَرُوه، أجْزَأ عنه (١)؛ لأنَّه حَصَل المَقْصُودُ بفِعْلِهِم، فأجْزَأه؛ كما لو ذَبَحَه غيرُهم، وإن لم يَنْحَرُوه، فعليه أن يَسْتَرِدَّه منهم ويَنْحَرَه، فإن لم يَفْعَلْ، أو لم يَقْدِرْ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه فَوَّتَه بتَفْرِيطِه في دَفْعِه إليهم سَلِيمًا.
فصل: ويُباحُ للفُقَراءِ الأَخْذُ مِن الهَدْى إذا لم يَدْفَعْه إليهم بأحَدِ شَيْئَيْن؛ أحَدُهما، الإِذْنُ فيه لَفْظًا، كما قال النبىُّ ﷺ : «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ». والثانى، دَلَالَةُ الحالِ على الإِذْنِ، كالتَّخْلِيَة بينَهم وبينَه. وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يباحُ إلَّا باللَّفْظِ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «اصْبُغْ نَعْلَها فِى دَمِهَا وَاضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا» (٢). دَلِيلٌ على أنَّ ذلك وشِبْهَهُ كافٍ مِن
стр. 4475
فَصْلٌ: سَوْقُ الْهَدْى مَسْنونٌ، لَا يَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ. وَيُسْتحَبُّ أنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَيَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ.
ــ
غيرِ لَفْظٍ، ولولَا ذلك لم يَكُنْ هذا مُفِيدًا.
(فصل): قال، ﵀: (سَوْقُ الهَدْى مَسْنُون، لا يَجِبُ إلَّا بالنَّذْرِ) لأنَّ النبىَّ ﷺ فَعَلَه، فساقَ في حَجَّتِه مائَةَ بَدَنَةٍ، وكان يَبْعَثُ بهَدْيِه وهو بالمَدِينَةِ. وليس بواجِبٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يَأْمُرْ به، والأَصْلُ عدَمُ الوُجُوبِ، فإن نَذَرَه، وَجَبَ؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (١). ولأنَّه نَذْرُ طَاعَةٍ، فوَجَبَ الوَفاءُ به، كنُذُورِ الطَّاعَاتِ.
١٣٦٨ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَه بعَرَفَةَ، ويَجْمَعَ فيه (٢) بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، ولا يَجِبُ ذلك) رُوِى اسْتِحْبابُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وكان
стр. 4476
وَيسَنُّ إِشْعَارُ الْبَدَنَةِ، وَهُوَ أنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا حَتَّى يَسِيل الدَّمُ، وَيُقَلِّدُهَا، وَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ النَّعْلَ وَآذَانَ الْقِرَبِ والْعُرَى.
ــ
ابن عُمَرَ لا يَرَى الهَدْى إلَّا ما عُرِفَ به. ونَحْوُه عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ. وقال مالكٌ: أُحِبُّ للقارِنِ يَسُوقُ هَدْيَه مِنِ حَيْثُ يُحْرِمُ، فإنِ ابْتَاعَه مِن دُونِ ذلك، مِمَّا يَلِى مَكَّةَ، بعدَ أن يقفَه بعَرَفةَ، جازَ. وقال في هَدْى المجامعِ: إن لم يَكُنْ ساقَه فَلْيَشْتَرِه مِن مَكَّةَ، ثم لْيُخْرِجْه إلى الحِلِّ، ولْيَسُقْه إلى مَكَّةَ. ولَنا، أنَّ المُرادَ مِن الهَدْى نَحْرُه وَنَفْعُ المَساكِينِ بلَحمِه، وهذا لا يَقِفُ على شئٍ مِمّا ذَكَرُوه، ولم يَرِدْ بما قالُوه دَلِيلٌ يُوجِبُه، فبَقِىَ على أصْلِه.
١٣٦٩ - مسألة: (ويُسَنُّ إشْعارُ البَدَنَةِ (١)، وهو أن يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِها حتى يَسِيلَ الدَّمُ، ويُقَلِّدُها، ويُقَلِّدُ الغَنَمَ النَّعْلَ وآذانَ القِرَبِ والعُرَى) يُسَنُّ تَقْلِيدُ الإبِلِ والبَقَرِ، وإشْعارُها، وهو أن يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامها الأَيْمَنَ حتى يُدْمِيَها، في قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ:
стр. 4477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا مُثْلَةٌ غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ (١). ولأنَّه إيلامٌ، فهو كقَطْع عُضْوٍ منه. وقال مالك: إن كانتِ البَقَرَةُ ذاتَ سَنامٍ، فلا بَأْسَ بإشْعارِها، وإلَّا فلا. ولَنا، ما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم أشْعَرَها وقَلَّدَها. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفَعَلَه الصَّحَابَةُ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه على عُمُومِ ما احْتَجُّوا به، ولأنَّه إيلامٌ لغَرَضٍ صَحِيحٍ، فجازَ، كالكَىِّ، والوَسْمِ، والحِجامَةِ. وفائِدَتُه أن لا تَخْتَلِطَ بغيرِها، وأن يَتَوَقَّاهَا اللِّصُّ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالتَّقْلِيدِ بمُفْرَدِه؛ لأنَّه يَحْتَمِل أن يَنْحَلَّ وَيَذْهَبَ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالكَىِّ.
стр. 4478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويُشْعِرُ البَقَرَةَ، لأنَّها مِن البُدْنِ، فتُشْعَرُ كذَاتِ السَّنَامِ. أمَّا الغَنَمُ فلا يُسَنُّ إشْعارُها؛ لأنَّها ضَعِيفَة، وصُوفُها وشَعَرُها يَسْتُرُ مَوْضِعَ إشْعارِها. إذا ثَبَت هذا، فالسُّنَّةُ الإِشْعارُ في صَفْحَتِها اليُمْنَى. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مالِكٌ، وأبو يُوسُفَ: بل يُشْعِرُها في صَفْحَتِها اليُسْرَى. وعن أحمدَ مثلُه؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ فَعَلَه. ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، أنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى بذِى الحُلَيْفَةِ، ثم دَعَا ببَدَنَةٍ وأشْعَرَها مِن صَفْحَةِ سَنَامِها الأيْمَنِ، وسَلَتَ الدَّمَ عنها بيَدِه. رَواه مسلمٌ (١). وأمَّا ابنُ عُمَرَ فقد رُوِى عنه كمَذْهَبِنا. رَواه البخارىُّ (٢). ثم فِعْلُ النبىِّ ﷺ أوْلَى مِن فِعْلِ ابنِ عُمَرَ
стр. 4479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بغيرِ خِلافٍ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ كان يُعْجِبُه التَّيَمُّنُ في شَأْنِه كُلِّه (١). وإذا ساقَ الهَدْى مِن قِبَلِ المِيقاتِ، استُحِبَّ إشعارُه وتَقْلِيلُده مِن المِيقاتِ؛ لحَدِيث ابنِ عباسٍ. وإن كانت غَنَمًا اسْتُحِبَّ أن يُقَلِّدَها نَعْلًا، أو آذانَ القِرَبِ، أو عِلاقَةَ إداوَةٍ، أو عُرْوَةً. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ تَقْلِيدُ الغَنَمِ؛ لأنَّه لو كان سُنَّةً لنُقِلَ كما نُقِلَ في الإِبِلِ. ولَنا، ما رُوِى أنَّ عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: كُنْتُ أفْتِلُ القَلائِدَ للنبىِّ ﷺ [فيُقَلِّدُ الغَنَمَ ويُقِيمُ في أهْلِه حَلالًا. وفى لَفْظٍ: كُنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ الغَنَمِ للنبىِّ ﷺ ] (٢). رَواه البخارىُّ (٣). ولأنَّه إذا سُنَّ تَقْلِيدُ الإبِلِ مع أنَّه يُمْكِنُ تَعْرِيفُها بالإشْعارِ، فالغَنَمُ أوْلَى. وإن تَرَك التَّقْلِيدَ والإِشْعارَ فلا شئَ عليه؛ لأنَّه غيرُ واجِبٍ.
стр. 4480
وَإذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ.
ــ
١٣٧٠ - مسألة: (وإذا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، فأقَلُّ ماْ يُجْزِئُه شاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ) أو بَقَرَةٍ؛ لأنَّ المُطْلَقَ في النُّذُورِ يُحْمَلُ على المَعْهُودِ الشَّرْعِىِّ، والهَدْىُ الواجِبُ في الشرعِ إنَّما هو مِن النَّعَمِ، وأقَلُّه ما ذَكَرْناه، فحُمِلَ عليه؛ ولهذا لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالَى في المُتْعَةِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١). حُمِلَ على ما قُلْنَا. فإنِ اخْتارَ إخْراجَ بَدَنَةٍ كامِلَةٍ فهو أفْضَلُ، وهل تكونُ كُلُّها واجِبَةً؟ على وَجْهَيْنِ، ذَكَرْنَاهُما في بابِ الفِدْيةِ.
стр. 4481
وإنْ نَذَرَ بَدَنَةً، أَجْزَأَتْهُ بَقَرَة. فَإن عَيَّنَ بِنَذْرِهِ، أَجْزأَهُ مَا عَيَّنَهُ، صَغِيرًا كَانَ أو كبِيرًا، مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِه، وَعَلَيْهِ إيصَالُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، إِلَّا أنْ يُعَينهُ بِمَوْضِعٍ سِوَاهُ.
ــ
١٣٧١ - مسألة: (ومَن نَذَرَ بَدَنَةً، أَجْزَأَتْه بَقَرَة) قد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الفِدْيَةِ.
١٣٧٢ - مسألة: (فإن عَيَّنَ بنَذْرِه، أجْزَأه ما عَيَّنَه، صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا، مِن الحَيوانِ وغيرِه، وعليه إيصالُه إلى فُقَراءِ الحَرَم، إلَّا أنْ يُعَيِّنَه بمَوْضِعٍ سِواهُ) إذا عَيَّنَ الهَدْى بشئٍ لَزِمَه ما عَيَّنَه، وأجْزَأَه، سَواءٌ
стр. 4482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ أو مِن غيرِها، وسَواءٌ كان حَيَوانًا أو غيرَه، مِمّا يُنْقَلُ أو مِمّا لا يُنقَلُ، فإنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ رَاحَ -يَعْنِى إلَى الجُمُعَةِ- في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً» (١). فذَكَرَ الدَّجَاجَةَ والبَيْضَةَ في الهَدْى. وعليه إيصَالُه إلى فقَراءِ الحَرَمِ؛ لأنَّه سَمَّاه هَدْيًا وأطْلَقَ، فيُحْمَلُ على مَحِلِّ الهَدْى المَشْرُوعِ، وقد قال سُبحانَه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). فإن كان مِمّا لا (٣) يُنْقَلُ، كالعَقَارِ، باعَه، وبَعَث ثَمَنَه إلى الحَرَمِ، فيَتَصدَّقُ به فيه. وكذلك إذا نَذَر هَدْيًا مُطْلَقًا أو مُعَينًا وأطْلَقَ مَكانَه، وَجَب عليه إيصالُه إلى فقَراءِ الحَرَمِ. وجَوَّزَ أبو حنيفةَ ذَبْحَه حيثُ شاءَ، كما لو نَذَر الصَّدَقَةَ بشاةٍ. ولَنا، قولُه تَعالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. ولأنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ على المَعْهُودِ شَرْعًا، والمَعْهُودُ في الهَدْى الوَاجِبِ بالشَّرَعِ، كهَدْىِ المُتْعَةِ وشِبْهِه، أنَّ ذَبْحَه يكونُ في الحَرَم، كذا ههُنا. فإن عَيَّنَ نَذرَه بمَوْضِع غيرِ الحَرَمِ، لَزِمَ ذَبْحُه فيه، ويُفَرِّقُ
стр. 4483
وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ، وَلَا يَأْكُلَ مِنْ وَاجِبٍ، إِلَّا مِنْ دَمِ
ــ
لَحْمَه على مَسَاكِينه، أو إطْلاقُه لهم؛ لِما رُوِى أنَّ رجلًا أتَى النبىَّ ﷺ ، فقال: إنِّى نَذَرْتُ أن أنْحَرَ ببُوَانَةَ (١). قال: «أبِهَا صَنَمٌ؟». قال: لَا. قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ». رَواه أبو داودَ (٢). فإن نَذَر الذَّبْحَ بمَوْضِعٍ فيه صَنَمٌ أو شئٌ مِن الكُفْرِ أو المَعاصِى، كبُيُوتِ النّارِ والكَنائِسِ والبِيَعِ، وأشْباهِ ذلك، لم يَصِحَّ نَذْرُه؛ لعُمُومِ هذا الحَدِيثِ، ولأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فلا يُوفَى به؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ» (٣). ولقَوْلِه ﵇: «مَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِىَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (٤).
١٣٧٣ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ مِن هَدْيهِ، ولا يَأْكُلُ مِن
стр. 4484
الْمُتْعَةِ وَالْقِرَان.
ــ
واجِبٍ، إلَّا مِن دَمِ المُتْعَةِ والقِرانِ) يُسْتَحَبُّ أن يَأكُلَ مِن هَدْيهِ، وسَواءٌ في ذلك ما أوْجَبَه بالتَّعْيينِ مِن غيرِ أن يكونَ واجِبًا في ذِمَّتِه، وما نَحَرَه تَطَوُّعًا مِن غيرِ أن يُوجِبه؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ (١). وأقَلُّ أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبَابُ. ولأنَّ النبىَّ ﷺ أكَلَ مِن بُدْنِه. وقال جابِرٌ: كُنَّا لا نَأْكُلُ مِن بُدْنِنَا فوقَ ثَلاثٍ، فرَخَّصَ لَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقال: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا». فأكَلْنَا وتَزَوَّدْتا. رَواه البخارىُّ (٢). والمُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ اليَسِيرَ، كما روَى جابِرٌ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببِضْعَةٍ، فجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فأكَلَا منها، وحَسَيَا مِن مَرَقِها (٣). ولأنَّه نُسُكٌ، فاسْتُحبَّ الأَكْلُ منه، كالأُضْحِيَةِ. وله التَّزَوُّدُ والأكْلُ كثيرًا، كما جاءَ في حَدِيثِ جابرٍ. وتُجْزِئُه الصَّدَقَةُ باليَسِيرِ منها، كما في الأُضْحِيَةِ.
стр. 4485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن أكَلَها كُلَّها ضَمِنَ المَشْرُوعَ للصَّدَقَةِ منها، كما في الأُضْحِيَةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: حُكْمُه في الأَكْلِ والتَّفْرِيقِ حُكْمُ الأُضْحِيَةِ. وحَدِيثُ جابِرٍ في أنَّ النبىَّ ﷺ إنَّما أمَرَ مِن كُلِّ جَزُورٍ ببِضْعَةٍ، يَدُلُّ على خِلافِ قولِه، ولأنَّ الهَدْى يَكْثُرُ، بخِلافِ الأُضْحِيَةِ. وإن لم يَأْكُلْ فحَسَن، فإنَّ النبىَّ ﷺ لَمَّا نَحَرَ البَدَنَاتِ الخَمْسَ، قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» (١). وظاهِرُه أنه لم يَأكُلْ منهُنَّ شَيْئًا. وقال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: يَجِبُ الأكْلُ منها، لظاهِرِ الأَمْرِ. ولَنا، الحَدِيثُ المَذْكُورُ، ولأنَّها ذَبِيحَة يُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تعالَى بها، فلم يَجِبِ الأكْلُ منها، كالعَقِيقَةِ.