← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

وإنْ نَذَرَ بَدَنَةً، أَجْزَأَتْهُ بَقَرَة. فَإن عَيَّنَ بِنَذْرِهِ، أَجْزأَهُ مَا عَيَّنَهُ، صَغِيرًا كَانَ أو كبِيرًا، مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِه، وَعَلَيْهِ إيصَالُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، إِلَّا أنْ يُعَينهُ بِمَوْضِعٍ سِوَاهُ. ــ ١٣٧١ - مسألة: (ومَن نَذَرَ بَدَنَةً، أَجْزَأَتْه بَقَرَة) قد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الفِدْيَةِ. ١٣٧٢ - مسألة: (فإن عَيَّنَ بنَذْرِه، أجْزَأه ما عَيَّنَه، صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا، مِن الحَيوانِ وغيرِه، وعليه إيصالُه إلى فُقَراءِ الحَرَم، إلَّا أنْ يُعَيِّنَه بمَوْضِعٍ سِواهُ) إذا عَيَّنَ الهَدْى بشئٍ لَزِمَه ما عَيَّنَه، وأجْزَأَه، سَواءٌ

стр. 4482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ أو مِن غيرِها، وسَواءٌ كان حَيَوانًا أو غيرَه، مِمّا يُنْقَلُ أو مِمّا لا يُنقَلُ، فإنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ رَاحَ -يَعْنِى إلَى الجُمُعَةِ- في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً» (١). فذَكَرَ الدَّجَاجَةَ والبَيْضَةَ في الهَدْى. وعليه إيصَالُه إلى فقَراءِ الحَرَمِ؛ لأنَّه سَمَّاه هَدْيًا وأطْلَقَ، فيُحْمَلُ على مَحِلِّ الهَدْى المَشْرُوعِ، وقد قال سُبحانَه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). فإن كان مِمّا لا (٣) يُنْقَلُ، كالعَقَارِ، باعَه، وبَعَث ثَمَنَه إلى الحَرَمِ، فيَتَصدَّقُ به فيه. وكذلك إذا نَذَر هَدْيًا مُطْلَقًا أو مُعَينًا وأطْلَقَ مَكانَه، وَجَب عليه إيصالُه إلى فقَراءِ الحَرَمِ. وجَوَّزَ أبو حنيفةَ ذَبْحَه حيثُ شاءَ، كما لو نَذَر الصَّدَقَةَ بشاةٍ. ولَنا، قولُه تَعالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. ولأنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ على المَعْهُودِ شَرْعًا، والمَعْهُودُ في الهَدْى الوَاجِبِ بالشَّرَعِ، كهَدْىِ المُتْعَةِ وشِبْهِه، أنَّ ذَبْحَه يكونُ في الحَرَم، كذا ههُنا. فإن عَيَّنَ نَذرَه بمَوْضِع غيرِ الحَرَمِ، لَزِمَ ذَبْحُه فيه، ويُفَرِّقُ

стр. 4483

وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ، وَلَا يَأْكُلَ مِنْ وَاجِبٍ، إِلَّا مِنْ دَمِ ــ لَحْمَه على مَسَاكِينه، أو إطْلاقُه لهم؛ لِما رُوِى أنَّ رجلًا أتَى النبىَّ ﷺ ، فقال: إنِّى نَذَرْتُ أن أنْحَرَ ببُوَانَةَ (١). قال: «أبِهَا صَنَمٌ؟». قال: لَا. قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ». رَواه أبو داودَ (٢). فإن نَذَر الذَّبْحَ بمَوْضِعٍ فيه صَنَمٌ أو شئٌ مِن الكُفْرِ أو المَعاصِى، كبُيُوتِ النّارِ والكَنائِسِ والبِيَعِ، وأشْباهِ ذلك، لم يَصِحَّ نَذْرُه؛ لعُمُومِ هذا الحَدِيثِ، ولأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فلا يُوفَى به؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ» (٣). ولقَوْلِه ﵇: «مَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِىَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (٤). ١٣٧٣ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ مِن هَدْيهِ، ولا يَأْكُلُ مِن

стр. 4484

الْمُتْعَةِ وَالْقِرَان. ــ واجِبٍ، إلَّا مِن دَمِ المُتْعَةِ والقِرانِ) يُسْتَحَبُّ أن يَأكُلَ مِن هَدْيهِ، وسَواءٌ في ذلك ما أوْجَبَه بالتَّعْيينِ مِن غيرِ أن يكونَ واجِبًا في ذِمَّتِه، وما نَحَرَه تَطَوُّعًا مِن غيرِ أن يُوجِبه؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ (١). وأقَلُّ أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبَابُ. ولأنَّ النبىَّ ﷺ أكَلَ مِن بُدْنِه. وقال جابِرٌ: كُنَّا لا نَأْكُلُ مِن بُدْنِنَا فوقَ ثَلاثٍ، فرَخَّصَ لَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقال: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا». فأكَلْنَا وتَزَوَّدْتا. رَواه البخارىُّ (٢). والمُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ اليَسِيرَ، كما روَى جابِرٌ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببِضْعَةٍ، فجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فأكَلَا منها، وحَسَيَا مِن مَرَقِها (٣). ولأنَّه نُسُكٌ، فاسْتُحبَّ الأَكْلُ منه، كالأُضْحِيَةِ. وله التَّزَوُّدُ والأكْلُ كثيرًا، كما جاءَ في حَدِيثِ جابرٍ. وتُجْزِئُه الصَّدَقَةُ باليَسِيرِ منها، كما في الأُضْحِيَةِ.

стр. 4485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن أكَلَها كُلَّها ضَمِنَ المَشْرُوعَ للصَّدَقَةِ منها، كما في الأُضْحِيَةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: حُكْمُه في الأَكْلِ والتَّفْرِيقِ حُكْمُ الأُضْحِيَةِ. وحَدِيثُ جابِرٍ في أنَّ النبىَّ ﷺ إنَّما أمَرَ مِن كُلِّ جَزُورٍ ببِضْعَةٍ، يَدُلُّ على خِلافِ قولِه، ولأنَّ الهَدْى يَكْثُرُ، بخِلافِ الأُضْحِيَةِ. وإن لم يَأْكُلْ فحَسَن، فإنَّ النبىَّ ﷺ لَمَّا نَحَرَ البَدَنَاتِ الخَمْسَ، قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» (١). وظاهِرُه أنه لم يَأكُلْ منهُنَّ شَيْئًا. وقال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: يَجِبُ الأكْلُ منها، لظاهِرِ الأَمْرِ. ولَنا، الحَدِيثُ المَذْكُورُ، ولأنَّها ذَبِيحَة يُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تعالَى بها، فلم يَجِبِ الأكْلُ منها، كالعَقِيقَةِ.

стр. 4486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وَلَا يَأْكُلُ مِن واجِبٍ، إلَّا دَمَ المُتْعَةِ والقِرانِ دُونَ ما سِواهُما. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ سَبَبَهُما غيرُ مَحْظورٍ، فأشْبَهَا هَدْىَ التَّطوُّعِ. وهذا قَوْلُ أصحابِ الرَّأْى. وعن أحمدَ، أنَّه يَحْرُمُ الأَكْلُ مِن النُّذُورِ وجَزاءِ الصَّيْدِ، ويَأْكُلُ مِمّا سِواهُما. وهو قَوْلُ ابنِ عَمرَ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، وإسحاقَ؛ لأنَّ جَزاءَ الصَّيْدِ بَدَل، والنَّذْرُ جَعَلَه للَّهِ تَعالَى، بخِلافِ غيرِهما. وقال ابنُ أبى مُوسى: لا يَأْكُلُ أيضًا مِن الكَفَّارةِ، ويَأْكُلُ مِمّا سِوَى الثَّلاثَةِ. ونَحْوُه مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّ ما سِوَى الثَّلاثَةِ لم يُسَمِّه للمَسَاكِينِ، ولا مَدْخَلَ للإِطْعَامِ فيه، فأَشْبَهَ التَّطَوُّعَ. وقال الشافعىُّ: لا يَأْكُلُ مِن واجِبٍ؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَب بالإِحْرامِ، فلم يَجُزِ الأَكْلُ منه، كدَمِ الكَفَّارَةِ. ولَنا، أن أزْوَاجَ النبىِّ ﷺ تَمَتَّعْنَ معه في حَجَّةِ الوَدَاعِ (١). وأدْخَلَتْ عائشةُ الحَجَّ على العُمْرَةِ، فصارَتْ قارِنَةً (٢)، ثم

стр. 4487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَبَحَ عنهُنَّ النبىُّ ﷺ البَقَرَةَ، فأكَلْنَ مِن لُحُومِها. قال أحمدُ: قد أكَلَ مِن البَقَرِ أزْوَاجُ النبىِّ ﷺ ، في حَدِيثِ عائشةَ خاصَّةً (١). وقالت عائشةُ: إنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ مَن لم يَكُنْ معه هَدْى إذا طافَ بالبَيْتِ، أن يَحِلَّ، فدُخِلَ علينا يومَ النَّحْرِ بلَحْمِ بَقَر، فَقُلْتُ: ما هذا؟ فقِيلَ: ذَبَحَ النبىُّ ﷺ عن أزْوَاجِه (٢). وقال ابنُ عُمَرَ: تَمَتَّعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فساقَ الهَدْى مِن ذِى الحُلَيْفَةِ. مُتَّفقٌ عليه (٣). وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِيِضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فأكَلَ هو وَعَلِىٌّ مِن لَحْمِها، وشَرِبَا مِن مَرَقِها. رَواه مسلمٌ (٤). ولأنَّهما دَمَا نُسُكٍ، أشْبَها التَّطَوُّعَ. ولا يَجُوزُ الأَكْلُ مِن غيرِهِما؛ لأنَّه وَجَب بفِعْلِ مَحْظُورٍ، أشْبَهَ جَزاءَ الصَّيْدِ. فصل: فإن أكَلَ مِمّا مُنِعَ مِن أكْلِه، ضَمِنَه بمِثْلِه لَحْمًا؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَضْمُونٌ عليه بمثلِه حَيَوانًا، فكذلك أبعاضُه. وكذلك إن أعْطَى الجازِرَ

стр. 4488

فَصْلٌ: وَالأُضْحِيَة سُنَّةٌ مؤكَّدَةٌ. وَلَا تَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ. ــ منها شَيْئًا ضَمِنَه بمثلِه. فإن أطْعَمَ غَنِيًّا منها على سَبِيلِ الهَدِيَّة، جازَ، كما يَجُوزُ له ذلك في الأُضْحِيَةِ؛ لأنَّ ما مَلَك أكْلَه مَلَك هَدِيَّتَه. وإن باعَ شَيْئًا منها أو أتْلَفَه، ضَمِنَه بمثلِه؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ مِن ذلك، فأشْبَهَ عَطِيَّتَه للجَازِرِ. وإن أتْلَفَ أجْنَبِىٌّ منه شيئًا، ضَمِنَه بقِيمَتِه؛ لأنَّه مِن غيرِ ذَواتِ الأمْثالِ، فضَمِنَه بقِيمَتِه، كما لو أتلَفَ لَحْمًا لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ. (فصل): قال، ﵀: (والأُضْحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لا تَجِبُ إلَّا بالنَّذْرِ) أكثرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ الأُضْحِيَةَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً غيرَ واجِبَةٍ. رُوِى ذلك عن أبى بَكْرٍ، وعُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال سُوَيْدُ ابنُ غَفَلَةَ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وعَطاءٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال رَبِيعَةُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والأوزَاعِىُّ، وأبو حنيفةَ: هى واجِبَةٌ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، قال: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (١). وعن مِخْنَفِ بنِ سُلَيْمٍ، أنَّ النبىَّ

стр. 4489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ ، قال: «يَاأَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ في كُلِّ عَامٍ أُضْحَاةً وعَتِيرَةً» (١). ولَنا، ما روَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٢)، بإسْنَادِه عن ابنِ عباسٍ، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «ثَلَاثٌ كُتِبْنَ عَلىَّ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطوُّعٌ». وفى رِوايةٍ: «الْوِتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ». ولأنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «مَنْ أَرَادَ أنْ يُضَحِّىَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِه وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا». رَواه مسلمٌ (٣). عَلَّقَه على الإِرادَةِ. والواجِبُ لا يُعَلَّقُ على الإِرادَةِ، ولأنَّها ذَبِيحَةٌ لم يَجِبْ تَفْرِيقُ لَحْمِها، فلم تَكُنْ وَاجِبَةً، كالعَقِيقَةِ، وحَدِيثُهم قد ضَعَّفَه أصحابُ الحَدِيثِ، ثم نَحْمِلُه على الاسْتِحْبَابِ، كما

стр. 4490

وَذَبْحُهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا. ــ قال: «غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم» (١). وقال: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (٢). وقد رُوِى عن أحمدَ، في اليَتِيمِ: يُضَحِّى عنه وَلِيُّه إذا كان مُوسِرًا. قال أبو الخَطَّابِ: وهذا يَدُلُّ على أنَّها واجِبَةٌ. والصَّحِيح أنَّ هذا على وَجْهِ التَّوْسِعَةِ عليه، لا على سَبيلِ الإِيجابِ. فإن نَذَرَها، وَجَبَتْ؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (٣). وهذا نَذْرُ طاعَةٍ. ١٣٧٤ - مسألة: (وذَبْحُها أفْضَلُ مِن الصَّدَقَةِ بثَمَنِها) نَصَّ عليه. وبهذا قال رَبِيعَةُ، وأبو الزِّنادِ (٤). ورُوِىَ عن بلال أنه قال: ما أبالِى ألَّا أُضَحِّىَ إلَّا بدِيكٍ؛ ولأنْ أضَعَه في يَتِيمٍ قد تَرِبَ فُوهُ، أحَبُّ إلَىَّ مِن أن أُضَحِّىَ (٥). وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقالت عائشةُ: لأن أتَصَدَّقَ

стр. 4491

وَالسُّنَّةُ أنْ يَأْكُلَ ثُلُثَهَا، وَيُهْدِىَ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا، فَإِنْ أَكَلَ أَكْثَرَ، جَازَ. ــ بخاتَمِى هذا أحَبُّ إلَىَّ مِن أنْ أهْدِىَ إلى البَيْتِ ألْفًا. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ ضَحَّى والخُلَفَاءُ بعدَه، ولو عَلِمُوا أنَّ الصَّدَقَةَ أفْضَلُ لَعَدَلُوا إليها. ورَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أحَبَّ إلَى اللَّه مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ، وَإنَّهُ لَيُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بقُرُونِها وَأظْلَافِهَا وَأشْعَارِهَا، وَإنَّ الدَّمَ ليَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا». رَواه ابنُ ماجَه (١). ولأنَّ إيثارَ الصَّدَقَةِ على الأُضْحِيَةِ يُفْضِى إلى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّها رسولُ اللَّهِ ﷺ . وقولُ عائشةَ في الهَدْى لا في الأُضْحِيَةِ. ١٣٧٥ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ ثُلُثَها، ويُهِدىَ ثُلُثَها، ويَتَصَدَّقَ بثُلُثِها، وإن أكل أكثرَ، جازَ) قال أحمدُ: نحن نَذْهَبُ إلى حَدِيثِ

стр. 4492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عبدِ اللَّهِ؛ يَأْكُلُ هو الثُّلُثَ، ويُطْعِمُ مَن أرادَ الثُّلُثَ، ويَتَصَدَّقُ على المَسَاكِينِ بالثُّلُثِ. قال عَلْقَمَةُ: بَعَث معى عبدُ اللَّهِ بِهَدْيِه، فأمَرَنِى أن آكُلَ ثُلُثَها، وأن أُرْسِلَ إلى أهْلِ أخِيه بثُلُثٍ، وأن أتصَدَّقَ بثُلُثٍ. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: الضَّحَايَا والهَدَايَا، ثُلُثٌ لَكَ، وثُلُثٌ لأهْلِكَ، وثُلُثٌ للمَسَاكِينِ. وهذا قولُ إسْحاقَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ. وقال في الآخَرِ: يَجْعَلُها نِصْفَيْن؛ يَأْكُلُ نِصْفًا (١)، ويَتَصَدَّقُ بنِصْفٍ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢). وقال أصحابُ الرَّأْى: ما كَثُرَ مِن الصَّدَقَةِ فهو أَفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ أهْدَى مائَةَ بَدَنَةٍ، وأمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فأَكَلَ هو وعَلِىٌّ مِن لَحْمِها، وحَسَيَا مِن مَرَقِها (٣). ونَحَرَ خَمس بَدَناتٍ أو سِتَّ بَدَناتٍ، وقال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ». ولم يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا (٤). ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ في صِفَةِ

стр. 4493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أُضْحِيَةِ النبىِّ ﷺ ، قال: ويُطْعِمُ أهْلَ بَيْته الثُّلُثَ، ويُطْعِمُ فُقَراءَ جِيرانِه الثُّلُثَ، ويَتَصَدَّقُ على السُّؤالِ بالثُّلُثِ. رَواه الحافِظُ أبو مُوسَى (١) في «الوَظائِفِ»، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ولأنَّه قَوْلُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، ولم يُعْرَفْ لهما مُخَالِفٌ في الصحابةِ. ولأنَّ اللَّهَ تَعالَى: قال ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢). والقَانِعُ: السَّائِلُ. يُقالُ: قَنَعَ قُنُوعًا. إذا سَألَ. والمُعْتَرُّ: الذى يَعْتَرِيكَ. أى يَتَعَرَّضُ لَكَ لتُطْعِمَه،

стр. 4494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يَسْألُ، فذَكَرَ ثَلَاثَةَ أصْنَافٍ، فيَنْبَغِى أن يُقْسَمَ بينَهم أثْلاثًا. وأمَّا الآيَةُ التى احْتَجَّ بها أصحابُ الشافعىِّ، فإنَّ اللَّهَ تَعالَى لم يُبَيِّنْ قَدْرَ المَأْكُولِ منها والمُتَصَدَّقِ به، وقد نَبَّهَ عليه في آيَتِنا، وفَسَّرَه النبىُّ ﷺ بفِعْلِه، وابنُ عُمَرَ بقَوْلِه. وأمَّا خَبَرُ أصحاب الرَّأْى، فهو في الهَدْى، والهَدْىُ يَكْثُرُ، فلا يَتَمَكَّنُ الإِنْسانُ مِن قَسْمِه وَأخْذِ ثُلُثِه، فتَتَعَيَّنُ الصَّدَقَةُ. والأمْرُ في هذا واسِعٌ، فلو تَصَدَّقَ بها كلِّها، أو بأكْثَرِها، جَازَ، وإن أكَلَها كلَّها إلَّا أُوقِيَّةً تَصَدَّقَ بها، أجْزَأ؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالَى أمَرَ بالأكْلِ والإطْعَامِ منها، ولم يُقَيِّدْه بشَئٍ، فمتى أكَلَ وأطْعَمَ، فقد أتَى بما أُمِرَ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَجُوزُ أكْلُها كلِّها. ولَنا، أنَّ اللَّهَ تَعالَى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. وظاهِرُ الأَمْرِ الوُجُوبُ. وقال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: يَجبُ الأَكْلُ منها، ولا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ بجَمِيعِها؛ للأمْرِ بالأكْلِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ نَحَرَ خَمْسَ بَدَناتٍ، وقال: «مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ».

стр. 4495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا (١). ولأنَّها ذَبِيحَة يُتَقَرَّبُ بها إلى اللَّهِ تَعالَى، فلم يَجِبِ الأكْلُ منها، كالعَقِيقَةِ، فيكونُ الأَمْرُ للاسْتِحْبابِ أو للإباحَةِ، كالأمْرِ بالأَكْلِ مِن الثِّمارِ والزُّرُوعِ، والنَّظَرِ إليها. فصل: ويَجُوزُ أن يُطْعِمَ منها كافِرًا. وبهذا قال الحَسَنُ، وأبو ثَوْرِ، وأصحابُ الرَّأْى. وكَرِهَ مالك، واللَّيْثُ إعْطاءَ النَّصْرَانِىِّ جلْدَ الأُضْحِيَةِ. وقال مالكٌ: غيرُهم أحَبُّ إلينا. ولَنا، أنَّه طَعامٌ له أكْلُهَ، فجازَ إطْعامُه الذِّمِّىَّ، كسائِرِ طَعامِه، ولأنَّه صَدَقَةُ تَطوُّعٍ، فأشْبَهَ سائِرَ صَدَقَةِ التَّطوُّعِ. وأمّا الصَّدَقَةُ الواجِبَةُ منها، فلا يُجْزِئُ دفْعُها (٢) إلى كافِرٍ؛ لأنَّها واجِبَةٌ، فأشْبَهَتِ الزَّكَاةَ وكَفَّارَةَ اليَمِين.

стр. 4496

وَإنْ أَكلَهَا كُلَّهَا، ضَمِنَ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ فِى الصَّدَقَةِ مِنْهَا. ــ ١٣٧٦ - مسألة: (فإن أكلَها كُلَّها، ضَمِنَ أقَلَّ ما يُجْزِئُ في الصَّدَقَةِ منها) لقَوْلِ اللَّهِ تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوب. ولأنَّ ما أُبِيحَ له أكْلُه لا يَلْزَمُه غَرامَتُه، ويَلْزَمُ غُرْمُ ما وَجَبَتْ به الصَّدَقَةُ؛ لأنَّه حَق يَجِبُ عليه مع بَقَائِه، فلَزِمَتْه غَرَامَتُه إذا أتْلَفَه، كالوَدِيعَةِ، ويَضْمَنُه بمثلِه لَحْمًا؛ لأنَّ ما ضُمِنَ جَمِيعُه بحَيوانٍ، ضُمِنَ بَعْضُه بمثلِه. وفيه قول آخَرُ، أنه يَجِبُ عليه ضَمانُ ثُلُثِها. ذَكَرَه صاحِبُ «المُحَرَّر». والأوَّلُ أقْيَسُ وأصَحُّ. فصل: وإذا نَذَر أُضْحِيَةً في ذِمَّتِه، ثم ذَبَحَها، فله أن يَأْكُلَ منها. وقال القاضى: مِن أصحابِنا مَن (١) يَمْنَعُ مِن الأكْلِ منها. وهو ظاهِرُ كَلامِ

стр. 4497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحمدَ، وَبناه على الهَدْى المَنْذُورِ. ولَنا، أن النَّذْرَ مَحْمُولٌ على المَعْهُودِ، والمَعْهُودُ مِن الأُضْحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ ذَبْحُها، والأكْلُ منها، والنَّذْرُ لا يُغَيَّرُ مِن صِفَةِ المَنْذُورِ إلَّا الإيجابَ، وفارَقَ الهَدْى، فإنَّ الهَدْى الواجِبَ بأصْلِ الشَّرْعِ لا يَجُوزُ الأَكْلُ منه، فالمَنْذُورُ مَحْمُولٌ عليه. فصل: ويَجُوزُ ادِّخارُ لُحومِ الأضاحِى فوقَ ثَلاثٍ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. ولم يُجِزْه على، وابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، لأنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن ادِّخارِ لُحُومِ الأضاحِى فوقَ ثلاثٍ (١). ولَنا، أنّ النبىَّ ﷺ قال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأضَاحِى فَوْقَ ثَلاثٍ، فأمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ». رَواه مسلمٌ (٢). ورَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِى دَفَّتْ، فَكُلُوا، وتَزَوَّدُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا» (٣). قال أحمدُ، ﵀: فيه

стр. 4498

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّىَ، فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرَتِهِ شَيْئًا. وَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ أسَانِيدُ صِحاحٌ. فأمَّا علىٌّ، وابنُ عُمَرَ، فلم تَبْلُغْهُما الرُّخْصَةُ، وقد كانَا سَمِعَا النَّهْىَ، فرَوَيَاه على ما سَمِعُوه. فصل: ولا يُضَحِّى عَمّا في البَطْنِ. رُوِى ذلك عن ابنِ عُمَرَ. وبه قال الشافعىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. وليس للعَبْدِ والمُدَبَّرِ والمُكاتَبِ وأُمِّ الوَلَدِ أن يُضَحُّوا إلَّا بإذْنِ سادَتِهم؛ لأنَّهُم مَمْنُوعُونَ مِن التَّصَرُّفِ بغيرِ إذْنهِم، والمُكاتَبُ مَمْنُوع مِن التَّبَرُّعِ، والأُضْحِيَةُ تَبَرُّعٌ. فأمَّا مَن نِصْفُه حُرٌّ إذا مَلَكَ بِجُزْئِه الحُرِّ، فله أن يُضَحِّىَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ له التَّبَرُّعَ بغيرِ إِذْنِه (١). ١٣٧٧ - مسألة: (ومَن أرادَ أن يُضَحِّىَ، فدَخَلَ العَشْرُ، فلا يَأْخُذْ مِن شَعَرِه ولا بَشَرَتِه شَيْئًا) حتى يُضَحِّىَ (وهل ذلك حَرَامٌ؟ على وَجْهَيْن)

стр. 4499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِما رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَّه قال: «إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأرادَ أحَدُكُمْ أنْ يُضَحِّىَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا مِنْ أظْفَارِه شَيْئًا حَتَّى يُضَحىَ». رَواه مسلم. وفى رِواية: «وَلَا مِنْ بَشَرَتِهِ». رَواه مسلمٌ (١). ظاهِرُ هذا التَّحْرِيمُ. وهو قولُ بعضِ أصحابِنا. وحَكَاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، وإسحاقَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ. وقال القاضى وجَماعَةٌ مِن أصحابِنا: هو مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٌ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ؛ لقولِ عائشةَ: كُنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ هَدْىِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم يُقَلِّدُها بِيَدِه، ثم يَبْعَثُ بها، ولا يَحْرُمُ عليه شئٌ أحَلَّهُ اللَّهُ له حتى يَنْحَرَ الهَدْى. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وقال أبو حنيفةَ: لا يُكْرَهُ ذلك؛ لأنَّه لا يَحْرُمُ

стр. 4500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه الوَطْءُ واللِّباسُ، فلا يُكْرَهُ له حَلْقُ الشَّعَرِ وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، كما لو لم يُرِدْ أن يُضَحِّىَ. ولَنا، الحَدِيثُ المَذْكُورُ، وظاهِرُه التَّحْرِيمُ، وهذا يَرُدُّ القِياسَ، وحَدِيثُهم عامٌّ، وهذا خاصٌّ يَجِبُ تَقْدِيمُه، وتَنْزِيلُ العامِّ على ما عَدا ما تَنَاوَلَه الحَدِيثُ الخاصُّ، ولأنَّه يَجِبُ حَمْلُ حَدِيثهم على غيرِ ما تَنَاوَلَه مَحَلُّ النِّزاعِ؛ لوُجُوه؛ منها، أنَّ أقَلَّ أحْوالِ النَّهْى الكَراهَةُ، والنبىُّ ﷺ لم يَكُنْ ليَفْعَلَ ما نَهَى عنه وإن كان مَكْرُوهًا، قال اللَّه تَعالَى إخْبارًا عن شُعَيْبٍ، ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (١). ومنها، أنَّ عائشةَ إنَّما تَعْلَمُ ظاهِرًا ما يُباشِرُها به مِن المُباشَرَةِ، أو ما يَفْعَلُه دائِمًا، كاللِّباس والطِّيب، أمَّا قَصُّ الشَّعَرِ وتَقْلِيمُ الأظْفَارِ مِمَّا لا يَفْعَلُه في الأيَّامِ إلَّا مَرَّةً، فالظاهِرُ أنَّها لم تُرِدْه بخَبَرِها، فإنِ احْتَمَلَ إرَادَتَه، فهو احْتِمالٌ بَعِيد، وما كان هكذا، فاحْتِمالُ تَخْصِيصِه

стр. 4501

فَصْلٌ: وَالْعَقِيقَةُ سنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ. ــ قَرِيبٌ، فيَكْفِى فيه أدْنَى دَلِيلٍ، وخَبَرُنا دَلِيلٌ قَوِىٌّ، فكانَ أوْلَى بالتَّخْصِيصِ، ولأنَّ عائشةَ تُخْبِرُ عن فِعْلِه، وأمَّ سَلَمَةَ تُخْبِرُ عن قَوْلِه، والقَوْلُ يُقَدَّمُ على الفِعْلِ؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ فِعْلُه خَاصًّا له. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَتْرُكُ قَطْعَ الشَّعَرِ وتَقْلِيمَ الأظْفَارِ، فإن فَعَل اسْتَغْفَرَ اللَّهَ. ولا فِدْيَةَ عليه إجْمَاعًا، سَواءٌ فَعَلَه عَمْدًا أو ناسِيًا. فصل: قال ابنُ أبى مُوسَى: يُسْتَحَبُّ أن يَحْلِقَ رَأسَه عَقِيبَ الذَّبْحِ. ولم يَذْكُرْ له وَجْهًا، واللَّهُ أعْلَمُ، ولَعَلَّه لَمَّا كان مَمْنُوعًا منه قبلَ الذَّبْحِ، اسْتُحِبَّ له ذلك، كالمُحْرِم. (فصل): قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (والعَقِيقَة سُنَّةٌ مَؤَكَّدَةٌ) العَقِيقَةُ: الذَّبِيحَةُ التى تُذْبَحُ عن المَوْلُودِ. وقيلَ: هى الطَّعامُ الذى يُصْنَعُ ويُدْعَى

стр. 4502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إليه مِن أجْلِ المَوْلُودِ. قال أبو عُبَيْدٍ (١): العَقِيقَةُ الشَّعَر الذى على المَوْلُودِ، وجَمْعُها عَقَائِقُ، ثم إنَّ العَرَبَ سَمَّتِ الذَّبِيحَةَ عندَ حَلْق شَعَرِ المَوْلُودِ عَقِيقَةً على عادَتِهم في تَسْمِيَةِ الشئِ باسْمِ سَبَبِه أو ما يُجاوِرُه، ثم اشْتُهِرَ ذلك حتى صارَ مِن الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، بحيثُ لا يُفْهَمُ مِن العَقِيقَةِ عندَ الإطْلاقِ إلَّا الذَّبِيحَةُ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: أنْكَرَ أحمدُ هذا التَّفْسِيرَ، وقال: إنَّما العَقِيقَةُ الذَّبْحُ نَفْسُه. ووَجْهُه أنَّ أصْلَ العَقِّ القَطْعُ، ومنه عَقَّ وَالِدَيْه، إذا قَطَعَهما. والذَّبْحُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِئِ والوَدَجَيْنِ. والعَقِيقَةُ سُنَّةٌ في قولِ عامَّةِ أهْلِ العلمِ؛ منهم ابنُ عباسٍ، وابنُ عُمَرَ، وعائشةُ، وفُقَهاءُ التَّابِعِينَ، وأئِمَّةُ الأمْصَارِ. وقال أصحابُ الرَّأْى: ليست سُنَّةً، وهى مِن أمْرِ الجاهِليَّة؛ لِما رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ سُئِلَ عن العَقِيقَةِ، فقال: «إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْعُقُوقَ» (٢). فكأنَّه كَرِهَ الاسْمَ، وقال: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ، فَأحب أنْ يَنْسُكَ عَنْهُ، فَلْيَفْعَلْ». رَواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ» (٣). وقال الحسنُ، وداودُ: هى واجِبَةً. ورُوِىَ عن بُرَيْدَةَ، أنَّ الناسَ يُعْرَضُونَ عليها كما يُعْرَضُونَ على الصَّلواتِ الخَمْسِ؛ لِما

стр. 4503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ روى سَمُرَةُ (١) بنُ جُنْدُبٍ عن النبىِّ ﷺ ، أنه قال: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، ويُسَمَّى، وَيُحْلَقُ رَأسُهُ» (٢). وعن أَبي هُرَيْرَةَ مثلُه (٣). قال أحمدُ: إسْنادُه جَيِّدٌ. وروَى حَدِيثَ سَمُرَةَ الأثْرَمُ، وأبو داودَ. وعن عائشةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَهُم عن الغُلامِ بشَاتَيْن مكافِئَتَيْن، وعن الجارِيَة بشاةٍ (٤). وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ. ولَنا على أنها مُسْتَحَبَّة، هذه الأحادِيثُ، وعن أُمِّ كُرْزٍ الكَعْبِيَّةِ، قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَة شَاةٌ». وفى لَفْظٍ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَة شَاةٌ». رَواه أبو داودَ (٥). وقد دَلَّ على اسْتِحْبابِها الإِجْماعُ. قال أبو الزِّنادِ: مِن

стр. 4504

وَالْمَشْرُوعُ ان يَذْبَحَ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً، ــ أمْرِ الناير كانُوا يَكْرَهُونَ تَرْكَه. وقال أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: العَقِيقَة سُنَّةٌ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، قد عَقَّ عن الحَسنِ والحسينِ، وفَعَلَه أصحابُه. وقال النبىُّ ﷺ : «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» وهو إسْنادٌ جَيِّدٌ يَرْوِيه أبو هُرَيْرَةَ عن النبىِّ ﷺ . ومَن جَعَلَها مِن أمْرِ الجاهِلِيَّة، فهو لأنَّ هذه الأخْبارَ لم تَبْلُغْه. والدَّلِيلُ على عَدَمِ وُجُوبِها، ما احْتَجَّ به أصحابُ الرَّأْى مِن الخَبَرِ، وما رُوِى فيها مِن الأخْبارِ مَحْمُولَة على تَأْكِيدِ الاسْتِحْبابِ، جَمْعًا بينَ الأخْبَارِ، فإنَّه أوْلَى مِن التَّعَارُضِ، ولأنَّها ذَبِيحَة لسُرُورٍ حادِثٍ، فلم تَكُنْ واجِبَةً، كالوَلِيمَةِ. فصل: وهى أفْضَلُ مِن الصَّدَقَةِ (١) بقِيمتِها. نَصَّ عليه أحمدُ، قال: إذا لم يَكُنْ عندَه ما يَعُقُّ، فاسْتَقْرَضَ، رَجَوْتُ أن يُخْلِفَ اللَّه عليه، أحْيَا سُنَّةً. قال [ابنُ المُنْذِرِ: صَدَقَ] (٢) أحمدُ، إحْياءُ السُّنَنِ واتِّباعُها أفْضَلُ. وقد وَرَد فيها مِن تَأْكِيدِ الأحَادِيثِ التى رَوَيْناها ما لم يَرِدْ في غيرِها. ١٣٧٨ - مسألة: (عن الغُلامِ شَاتان، وعن الجارِيَةِ شاةٌ) يُرْوَى

стр. 4505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وعائشةَ. وهو قولُ أكثرَ القَائِلِينَ بها؛ منهم الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ: شاةٌ شاةٌ عن الغُلامِ والجارِيَةِ (١). لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ عَقَّ عن الحَسنِ شاةً، وعن الحسينِ شاةً. رَواه أبو داودَ (٢). وكان الحسنُ، وقَتَادَةُ، لا يَرَيَان عن الجارِيَة عَقِيقَةً، لأنَّ العَقِيقَةَ شُكْرٌ للنِّعْمَةِ الحاصِلَةِ بالوَلَدِ، والجارِيَةُ لا يَحْصُلُ بها سُرُورٌ، فلا يُشْرَعُ لها عَقِيقَةٌ. ولَنا، حَدِيثُ عائشةَ، وأُمِّ كُرْزٍ، وما رَوَوْه مَحْمُولٌ على الجَوازِ. إذا ثَبَت هذا، فيُسْتَحَبُّ أن تكونَ الشَّاتَانِ مُتَمَاثِلَتَيْن؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «شَاتَانِ مُكافِئَتَانِ». وفى رِوَايةٍ: «مِثْلَانِ». قال أحمدُ: يَعْنِى مُتَقَاربَتَيْن، أو مُتَسَاوِيَتَيْن؛ لِما جاءَ مِن الحَدِيثِ فيه. ويَجُوزُ فيها الذَّكَرُ والأُنْثَى؛ لأنَّه رُوِى في حديثِ أُمِّ كُرْزٍ، أنَّها سَمِعَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، يقولُ: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافئتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَة شَاةٌ، وَلَا بَأْسَ أن تَكونَ ذُكُورًا أوْ إنَاثًا». رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ (٣). والذَّكَرُ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ عَقَّ عن الحسنِ والحسينِ

стр. 4506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بكَبْشٍ كَبْشٍ، وضَحَّى بكَبْشَيْنِ. والعَقِيقَةُ تَجْرِى مَجْرَى الأُضْحِيَةِ. والأفْضَلُ في لَوْنِها البَياضُ. ويُسْتَحَبُّ اسْتِحْسانُها واسْتِسْمَانُها واسْتِعْظَامُها؛ لِما ذَكَرْنا في الأُضْحِيَةِ؛ لأنَّها تُشْبِهُهَا. فإن خالَفَ ذلك، أو عَقَّ بكَبْش واحِدٍ، أجْزَأ؛ لِما رَوَيْنا مِن حَدِيثِ الحسنِ والحسينِ.

стр. 4507

تُذْبَح يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا. فَإِنْ فَاتَ، فَفِى أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ، فَفِى إِحْدَى وَعِشْرِينَ. ــ ١٣٧٩ - مسألة: (وتُذْبَحُ يومَ سابِعِه، ويُحْلَقُ رَأْسُه، ويُتَصَدَّقُ بوَزْنه وَرِقًا. فإن فاتَ، ففى أربَعَ عَشْرَةَ، فإن فاتَ، ففى إحْدَى وعِشْرِينَ) السُّنَّةُ أن تُذْبَحَ العَقِيقَةُ يومَ السَّابعِ، لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ سَمُرَةَ. قال شيخُنا (١): ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلْمِ القَائِلِينَ بمَشْرُوعِيَّتِها في اسْتِحْبابِ ذَبْحِها يومَ السابِعِ. ويُسْتَحَبُّ أن يُحْلَقَ رَأسُ الصَّبِىِّ يَومَ السابعِ، ويُسَمَّى، لحَدِيثِ سَمُرَةَ، وأن يُتَصَدَّقَ بوَزْنِ شَعَرِه مِن الفِضَّةِ؛ لِما رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال لفاطِمَةَ، لَمّا وَلَدَتِ الحَسَنَ: «احْلِقِى رَأسَهُ، وَتَصَدَّقِى بوَزْنِ شَعَرِهِ فِضَّةً عَلَى المَسَاكِينِ والأوْفاضِ (٢)». يَعْنِى أهْلَ الصُّفَّةِ. رَواه الإِمامُ أحمدُ (٣). وروَى سعيدٌ في «سُنَنِه» عن محمدِ بنِ علىٍّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ عقَّ عن الحسنِ والحسينِ بكَبْشٍ كَبْشٍ، وأنَّه تَصَدَّقَ بوَزْنِ شُعُورِهما وَرِقًا، وأنَّ فاطِمَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، كانت إذا وَلَدَتْ وَلَدًا حَلَقَتْ شَعَرَه، وتَصدَّقَتْ

стр. 4508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بوَزْنِ شَعَرِه وَرِقًا (١). وإن سَمَّاه قبلَ السّابع، فحَسنٌ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «وُلِدَ لِىَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِى إبْرَاهِيمَ» (٢). والغُلامُ الذى جاءَ به أنَسُ بنُ مالكٍ، فحنَّكَه، وسَمَّاه عبدَ اللَّهِ (٣). ويُسْتَحَبُّ أن يُحْسِنَ اسْمَه؛ لأنَّه رُوىَ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «إنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ». رَواه أبو داودَ (٤). وقال ﵊: «أحبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّه، وَعَبْدُ الرَّحْمنِ». رَواه مسلمٌ (٥). وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه قال: أحَبُّ الأسمَاءِ إلى اللَّهِ أسْماءُ

стр. 4509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأنْبياءِ. وقال النبىُّ ﷺ : «تَسَمَّوْا بِاسْمِى، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِى» (١). وفى رِوايَةٍ: «لَا تَجْمعُوا بَيْنَ اسْمِى وكُنْيَتى» (٢). فصل: فإن فاتَ الذَّبْحُ في السابعِ، ففى أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فإن فاتَ، ففى إحْدَى وعِشْرِينَ. وهذا قولُ إسحاقَ؛ لأنَّه رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها. والظاهِرُ أنَّها لا تَقُولُه إلَّا تَوْقِيفًا. فإن ذَبَح قبلَ ذلك أو بعدَه، أجْزَأَ؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ بذلك. فإن تجاوَزَ إحْدَى وعشرين، احْتَمَلَ أن يُسْتَحَبَّ في كلِّ سابعٍ، فيَجْعَلَه في ثمانٍ وعِشْرِينَ، فإن لم يَكُنْ، ففى خَمْس وثَلاثِينَ، وعلى هذا، قِياسًا على ما قَبْلَه، واحْتَمَلَ أن يَجُوْزَ في كلِّ وَقْتٍ، لأنَّ هذا قَضاءُ فائِتٍ، فلم يَتَوَقف، كقَضَاءِ الأُضْحِيَةِ وغيرِها. فإن لم يَعُقَّ أصْلًا، فبَلَغَ الغُلامُ وكَسَب، فقد سُئِلَ أحمدُ عن هذه المسألةِ، فقال: ذلك على الوَالِدِ. يَعْنِى لا يَعُقُ عن نَفْسِه؛ لأنَّ السُّنَّةَ في حَقِّ غيرِه. وقال عَطاءٌ، والحسنُ: يَعُقُّ عن نَفْسِه؛ لأنَّها مَشْرُوعَةٌ

стр. 4510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه، ولأنَّه مُرْتَهَنٌ بها، فيَنْبَغِى أن يُشْرَعَ له فِكاكُ نَفْسِه. ولَنا، أنَّها مَشْرُوعَةٌ في حَقِّ الوَالِدِ، فلا يَفْعَلُها غيرُه، كالأجْنَبِىِّ، وكصَدَقَةِ الفِطْرِ. فصل: يُكْرَهُ أن يُلَطَّخَ رَأسُ الصَّبِىِّ بدَمٍ، عندَ (١) أحمدَ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن الحسن، وقَتادَةَ، أنَّه مُسْتَحَبٌّ. وحَكاه ابنُ أبى مُوسَى قَوْلًا في المَذْهَبِ؛ لما رُوِى في حَدِيثِ سَمُرَةَ، عن النبىِّ ﷺ ، قال: «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، ويُدْمَى» (٢). رَواه هَمّامٌ، عن قَتادَةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ أحَدًا قال هذا إلَّا الحسنَ، وقَتادَةَ، وأَنْكَرَه سائِرُ أهْلِ العِلْمِ، وكَرهُوه؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَعَ الْغُلَامِ الْعَقِيقَةُ، فَهَرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وأميطُوا عَنْهُ الأَذَى». رَواه أبو داودَ (٣).

стр. 4511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا يَقْتَضِى أن لا يُمَسَّ بدَمٍ؛ لأنَّه أذًى. وروَى يَزِيدُ بنُ عبدٍ المُزَنِىُّ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «يُعَقُّ عَنِ الْغُلَامِ، وَلَا يُمَسُّ رَأسُهُ بِدَمٍ» -قال مُهَنّا: ذَكَرْتُ هذا الحَدِيثَ لأحمدَ، فقال: ما أظْرَفَه. رَواه ابنُ ماجه (١). ولم يَقُلْ: عن أبِيه. ولأنَّ هذا تَنْجِيسٌ له، فلا يُشْرَعُ، كلَطْخِه بغيرِه مِن النَّجَاسَاتِ. وقال بُرَيْدَةُ: كُنّا في الجَاهِليَّةِ، إذا وُلِدَ لأحَدِنَا غُلامٌ، ذَبَح شاةً، ويُلَطِّخُ رَأسَه بدَمِها، فَلمّا جاءَ الإِسْلامُ، كُنَّا نَذْبَحُ شاةً، ونَحْلِقُ رَأسَهُ، ونُلَطِّخُه بزَعْفَران. رَواه أبو داودَ (٢). فأمَّا رِوايَةُ مَن روَى: «وَيُدْمَى». فقال أبو داودَ (٣):

стр. 4512

وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً، وَلَا يَكْسِرُ عَظْمَهَا، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الأُضْحِيَةِ ــ «وَيُسَمَّى» أصَحُّ. هكذا قال سَلَّامُ بنُ أبى مُطِيعٍ عن قَتادَةَ، وإياسُ بنُ دَغْفَلٍ عن الحسنِ، ووَهِمَ هَمّامٌ، وقال: «وَيُدْمَى». قال أحمدُ: قال فيه ابنُ أبى عَرُوبَةَ: «يُسَمَّى». وقال هَمّام: «يُدْمَى». وما أراه إلَّا خَطَأً. وقيلَ: هو تَصْحِيفٌ مِن الرَّاوِى. ١٣٨٠ - مسألة: (ويَنْزِعُها أعْضاءً، ولا يَكْسِرُ عَظْمَها، وحُكْمُها حُكْمُ الأُضْحِيَةِ) يُسْتَحَبُّ أن يَفْصِلَها أعْضَاءً، ولا يَكْسِرَ

стр. 4513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عِظَامَها؛ لِما رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّها قالت: السُّنَّةُ شَاتَانِ مُكافِئتَانِ عن الغُلامِ، وعن الجارِيةِ شَاة، تُطْبَخُ جُدُولًا، لا يُكْسَرُ عَظْمٌ، وَيأْكُلُ، ويُطْعِمُ، ويَتَصَدَّقُ، وذلك يومَ السَّابعِ (١). قال أبو عُبَيْدٍ الهَرَوِىُّ (٢) في العَقِيقَةِ: تُطْبَخُ جُدُولًا، لا يُكْسَرُ لها عَظْم. أى عُضْوًا عُضْوًا، وهو الجَدْلُ بالدّالِ غيرِ المُعْجَمَةِ، والإِرْبُ، والشِّلْوُ، والعُضْوُ، والوصْلُ، كُلُّه واحِدٌ. إنَّما فُعِل بها ذلك؛ لأنَّها أوَّلُ ذَبِيحَةٍ ذُبِحَتْ عن الغُلامِ، فاسْتُحِبَّ ذلك تَفاؤُلًا بالسَّلَامَةِ. كذلك قالت عائشةُ. ورُوِىَ أيضًا عن عَطاءٍ، وابنِ جُرَيْج. وبه قال الشافعىُّ. فصل: وحُكْمُها حُكْمُ الأُضْحِيَةِ، في سِنِّها، وما يُجْزِئُ منها، وما لا يُجْزِئُ، ويُسْتَحَبُّ فيها مِن الصِّفَةِ ما يُسْتَحَبُّ فيها. وكانت عائشةُ تقولُ: ائْتُونِى به أعْيَنَ أقْرَنَ. قال عَطاءٌ: الذَّكَرُ أحبُّ إلىَّ مِن الأُنْثَى، والضَّأْنُ أحَبُّ إلَيْنا مِن المَعْزِ. ويُكْرَهُ فيها ما يُكْرَهُ في الأُضْحِيَةِ، وهى:

стр. 4514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّرْقاءُ، والخَرْقاءُ، والمُقابَلَةُ، والمُدابَرَةُ. ويُسْتَحَبُّ اسْتشْرَافُ العَيْنِ والأُذُنِ، كما ذَكَرْنا في الأُضْحِيَةِ سَواءً؛ لأنَّها تُشْبِهُهَا، فتُقاسُ عليها. وحُكْمُها في الأَكْلِ والهَديَّةِ والصَّدَقَةِ حُكْمُ الأُضْحِيَةِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال ابنُ سِيرينَ: اصْنَعْ بلَحْمِها كيف شئْتَ. وقال ابنُ جُرَيْجٍ: تُطْبَخُ بماءٍ ومِلْحٍ، وتُهْدَى في الجيرانِ والصَّديقِ، ولا يُتَصَدَّقُ منها بشئٍ. وسُئِلَ أحمدُ عنها، فحَكَى قولَ ابنِ سيرِينَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه ذَهَب إليه. وسُئِلَ هل يَأْكُلُها كلَّها؟ قال: لم (١) أقُلْ يَأْكُلُها كُلَّها ولا يَتَصَدَّقُ منها بشئٍ. والأشْبَهُ قِياسُها على الأُضْحِيَةَ؛ لأنَّها نَسِيكَة مَشْرُوعَة غيرُ واجِبَةٍ، أشْبَهَتِ الأُضْحِيَةَ، ولأنَّها أشْبَهَتْها في صِفَتِها وسِنِّها وقَدْرِها وشُرُوطِها، فكذلك في مَصْرِفِها. وإن طَبَخَها ودَعَا مَن أكَلَها، فحَسَنٌ.

стр. 4515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: قال أحمدُ، ﵀: يُباعُ الجِلْدُ والرَّأْسُ والسِّقْطُ، ويُتَصَدَّقُ به. ونَصَّ في الأُضْحِيَةِ على خِلافِ هذا، وهو أقْيَسُ في مَذْهَبِه؛ لأنَّها ذَبِيحَةٌ للَّهِ، فلا يُباعُ منها شئٌ، كالهَدْىِ، ولأنَّه يُمْكِنُ الصَّدَقَةُ به، فلا حاجَةَ إلى بَيْعِه. وقال أبو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أن يُنْقَلَ حُكْمُ إحْداهُما إلى الأُخْرَى. فيُخَرَّجُ في المسألتين رِوايَتان، ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بينَهما من حيثُ إنَّ الأُضْحِيَةَ ذَبِيحة شُرِعَتْ يومَ النَّحْرِ، فأشْبَهَتِ الهَدْى، والعَقِيقَةُ شُرِعَتْ عندَ سُرُورٍ حادِثٍ وتَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، أشْبَهَتِ الذَّبْحَ في الوَلِيمَةِ، ولأنَّ الذَّبِيحَةَ ههنا لم تَخْرُجْ عن مِلْكِه، فكانَ له أن يَفْعَلَ بها ما شاءَ، مِن بَيْعٍ وغيرِه، والصَّدَقَةُ بثَمَنِ ما يَبِيعُ منها، بمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ به في فَضْلِها وثَوابِها وحُصُولِ النَّفْع به، فكانَ له ذلك. فصل: قال بعضُ أهْلِ العِلمِ: يُسْتَحَبُّ للوَالِدِ أن يُؤَذِّنَ في أذُنِ ابْنِه

стр. 4516

وَلَا تُسَنُّ الْفَرَعَةُ؛ وَهِىَ ذَبْحُ أَوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ، وَلَا الْعَتِيرَةُ؛ وَهِىَ ــ حينَ يُولدُ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ رافِعٍ، عن أبيهِ، أنَّ النبىَّ ﷺ أذَّنَ في أُذُنِ الحسنِ حينَ وَلَدَتْه فاطِمَةُ (١). وعن عمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، أنَّه كان إذا وُلِدَ له موْلُودٌ أخَذَه في خِرْقَةٍ، فأذَّنَ في أذُنِه اليُمْنَى، وأقامَ في اليُسْرَى، وسَماهُ. ورُوِّينا أنَّ رجلًا قال لرجل عندَ الحسنِ يُهَنِّئُه بابْن: ليَهْنِكَ الفارِسُ. فقال الحسنُ: وما يُدْرِيكَ أفارِسٌ هو أو حِمارٌ؟ فقال: كيف نقولُ؟ قال: قُلْ: بُورِكَ لك في المَوْهُوب، وشَكَرْتَ الواهِبَ، وبَلَغَ أشُدَّه، ورُزِقْتَ بِرَّه. ورُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنه كان يُحَنِّك أوْلادَ الأنْصارِ بالتَّمْرِ (٢). وروَى أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: ذُهِبَ بعبدِ اللَّهِ بنِ أبى طَلْحَةَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، حينَ وُلِدَ، قال: «هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ؟». فَناوَلْتُه تَمَراتٍ، فلَاكَهُنَّ، ثم فَغَرَ فاهُ، ثم مَجهُ فيه، فجَعَلَ يَتَلمَّظُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «[انْظروا إلى] (٣) حُبِّ الأنْصَارِ التَّمْرَ». وسَمَّاه عبدَ اللَّهِ. ١٣٨١ - مسألة: (ولا تُسَنُّ الفَرَعَةُ؛ وهى ذَبْحُ أوَّلِ وَلَدِ النَّاقَةِ ،

стр. 4517

ذَبِيحَةُ رَجَبٍ. ــ ولا العَتِيرَةُ؛ وهى ذَبِيحَةُ رَجَبٍ) هذا قولُ عُلماءِ الأمْصارِ، سِوَى ابنِ سِيرِينَ، فإنَّه كان يَذْبَحُ العَتِيرَةَ في رَجب، ويَرْوِى فيها شيئًا. والفَرَعَة والفَرَعُ، بفَتْحِ الرّاءِ: أوَّلُ وَلَدِ النّاقَةِ. كانُوا يَذْبَحُونَه لآلِهَتِهم في الجاهِليَّة، فنُهُوا عنها. قال ذلك أبو عَمْرٍو الشَّيْبانِىُّ. وقال أبو عُبَيْدٍ: العَتِيرَةُ هى الرَّجَبِيَّةُ، كان أهْلُ الجاهِليَّة إذا طَلَب أحَدُهم أمْرًا نَذَر أن يَذْبَحَ مِن غَنَمِه شَاةً في رَجَبٍ، هى العَتائِرُ. والصَّحيحُ، إن شاء اللَّهُ تعالى، أنَّهم كانُوا يَذْبَحُونَها في رَجَبٍ مِن غيرِ نَذْرٍ، جَعَلُوا ذلك سُنَّةً فيما بينَهمِ، كالأُضْحِيَةِ في الأَضْحَى، وكان منهم مَن يَنْذُرُها كما قد يَنْذِرُ الأُضْحِيَةَ، بدَلِيلِ قولِ النبىِّ ﷺ : «عَلَى كُلِّ أهْلِ بَيْتٍ أُضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ» (١). وهذا الذى قالَه النبىُّ ﷺ في بَدْءِ الإِسْلامِ تَقْرِير لِما كان في الجَاهِليَّة، وهو يَقْتَضِى ثُبُوتَها بغيرِ نَذْرٍ، ثم نُسِخَ بعدُ. ولأنَّ العَتِيرَةَ لو كانتْ هى المَنْذُورَةَ، لم تَكُنْ مَنْسُوخَةً، فإنَّ الإِنْسانَ لو نَذَر ذَبْحَ شاةٍ في أىِّ وَقْتٍ كان، لَزِمَه الوَفاءُ بنَذْرِه. ورُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: أمَرَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ بالفَرَعَةِ مِن كلِّ خَمْسِينَ واحِدَةٌ (٢). قال

стр. 4518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنُ المُنْذِرِ: هذا حَدِيثٌ ثابتٌ. ولَنا، على أنَّها لا تُسَنُّ، ما روَى أبوِ هُرَيْرةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وهذا الحَدِيثُ مُتَأخِّرٌ على الأمْر بها، فيكونُ ناسِخًا، ودَلِيلُ تَأخُّرِه أمْرَانِ؛ أحَدُهُما، أنَّ رَاوِيَه أبو هُرَيْرَةَ، وهو مُتَأَخِّرُ الإِسْلامِ، فإنَّ إسْلَامَه في سَنَةِ فَتْحِ خَيْبَرَ، وهى السَّنَةُ السابِعَةُ مِن الهِجْرَةِ. والثانِى، أنَّ الفَرَعَ والعَتِيرَةَ كان فِعْلُها أمْرًا مُتَقَدِّمًا على الإِسْلامِ، فالظّاهِرُ بَقاؤُهم عليه إلى حينِ نَسْخِه، واسْتِمْرارُ النَّسْخِ مِن غيرِ رَفْعٍ له، ولو قَدَّرْنَا تَقَدُّمَ النَّهْى عن الأمْرِ بها، لكانت قد نُسِخَتْ، ثم نُسِخَ ناسِخُها، وهذا خِلافُ الظاهِرِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ المُرادَ بالخَبَرِ نَفْىُ كَوْنِها سُنَّةً، لا تَحْرِيمُ فِعلِها، ولا كَرَاهَتُه، فلو ذَبَحَ إنْسانٌ ذَبِيحَةً في رَجَبٍ، أو ذَبَح وَلَدَ الناقةِ؛ لحاجَتِه إلى ذلك، أو للصَّدَقَةِ به وإطْعامِه، لم يَكُنْ ذلك مَكْرُوهًا. واللَّه تَعالى أعلمُ.

стр. 4519

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة

стр. 4520

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
следующие страницы →