. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا نَفَلَ في الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ. وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ القاتِلَ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا منها، فكذلك غيرُه. ولَنا، حديثُ حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ، وعُبادَةَ، فإنَّ النبىَّ ﷺ جَعَل لهم الثُّلُثَ والرُّبْعَ، وهو عامٌّ في كلِّ ما غَنِمُوه، ولأنَّه نَوْعُ مالٍ، فجازَ النَّفَلُ فيه، كسائِرِ الأمْوالِ. وأمّا القاتِلُ، فإنَّما نُفِّلَ السَّلَبَ، وليستِ الدَّراهمُ والدَّنانِيرُ مِن السَّلَبِ، فلم يَسْتَحِقَّ غيرَ ما جُعِلَ له.
فصل: نَقَل أبو داودَ، عن أحمدَ، أنَّه قال له: إذا قالَ: مَن رَجَع إلى السّاقَةِ فله دينارٌ. والرجلُ يَعْمَلُ في سِياقَةِ الغَنَمِ؟ قال: لم يَزَلْ أهْلُ الشَّامِ يفعلُون هذا، وقد يكونُ في رُجُوعِهم إلى السّاقَةِ وسِياقَةِ الغَنَمِ مَنْفَعَةٌ. قيلَ له: فإنْ أغارَ على قَرْيَةٍ فنَزَلَ فيها، والسَّبْىُ والدَّوابُّ والخُرْثِىُّ (١) معهم في القريةِ، ويمْنَعُ الناسَ مِن جَمْعِه الكَسَلُ، لا يخافُون عليه العَدُوَّ، فيَقُولُ الإِمامُ: مَن جاءَ بعَشَرَةِ أثْوابٍ فله ثَوْبٌ، ومَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوسٍ فله رأْسٌ؟ قال: أرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ. قيلَ له: فإن قال (٢): مَن جاءَ بعِدْلٍ مِن دَقِيقِ الرُّومِ فلَهُ دِينارٌ. يُرِيدُه لطَعامِ السَّبْى، ما تَرَى في أخْذِ الدِّينارِ؟ فما رَأى به بأْسًا. قيل: فالإِمامُ يُخْرِجُ السَّرِيَّةَ وقد نَفَّلَهم جميعًا، فلمّا كان يَوْمُ المَغارِ نادَى: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوسٍ فله رأْسٌ، ومَن جاءَ بكذا فله كذا. فذَهَبَ النّاسُ فطَلَبُوا، فما تَرَى في هذا النَّفَلِ؟ قال: لا بَأْسَ به إذا كان يُحَرِّضُهم على ذلك، ما
стр. 4657
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يسْتَغْرِقِ الثُّلُثَ. قلتُ: لا بأْسَ بنَفَلَيْن في شئٍ واحدٍ؟ قال: نعم، ما لم يَسْتَغْرِقِ الثُّلُثَ. سَمِعْتُه غيرَ مَرَّةٍ يقولُ ذلك.
فصل: قال أحمدُ: والنَّفَلُ مِن أرْبعةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ. هذا قولُ أنَسِ ابنِ مالكٍ، وفُقَهاءِ الشامِ؛ منهم رجاءُ بنُ حَيْوَةَ (١)، وعُبادَةُ بنُ نُسَىٍّ، وعَدِىُّ بنُ عَدِىٍّ (٢)، ومَكْحُولٌ، والقاسِمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، ويزيدُ بنُ أبى مالكٍ (٣)، ويحيى بنُ جابِرٍ (٤)، والأوْزَاعِىُّ. وبه قال إسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. قال أبو عُبَيْدٍ: والناسُ اليومَ على هذا. قال أحمدُ: وكان سعيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، ومالكُ بنُ أنَسٍ، يقولان: لا نَفَلَ إلَّا مِن الخُمْسِ. فكيفَ خَفِىَ عنهما هذا مع عِلْمِهِما؟، قالَ النَّخَعِىُّ، وطائِفَةٌ: إن شاءَ الإِمامُ نَفَّلَهم قبلَ الخُمْسِ، وإنْ شاءَ بعدَه. وقال أبو ثَوْرٍ: إنَّما النَّفَلُ قبلَ الخُمْسِ. واحْتَجَّ مَن ذهَب إلى هذا بحدِيثِ ابنِ عُمَرَ الذى أوْرَدْناه. ولَنا، ما روَى مَعْنُ بنُ يَزِيدَ السُّلَمِىُّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الخُمْسِ». رَواه أبو داودَ (٥)، وابنُ عبدِ البَرِّ.
стр. 4658
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا صريحٌ. وحديثُ حَبِيبِ بنِ (١) مَسْلَمَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ كان يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بعدَ الخُمْسِ، والثُّلُثَ بعدَ الخُمْسِ. وحدِيثُ جَرِيرٍ حينَ قال له عُمَرُ: لك الثُّلُثُ بعدَ الخُمْسِ. ولأنَّ النبىَّ ﷺ نَفَّلَ الثُّلُثَ، ولا يُتَصَوَّرُ إخْراجُه مِن الخُمْسِ. ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢). يَقْتَضِى أن يَكُونَ الخُمْسُ خارجًا مِن الغَنِيمَةِ كلِّها. وأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقد رَواه شُعَيْبٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: بَعَثَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ في جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ، وابْتَعَثْتُ (٣) السَّرِيَّةً مِن الجَيْشِ، فكان سُهْمانُ الجيشِ اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا، ونَفَلُ أهلِ السَّرِيَّةِ بعيرًا بعيرًا، فكانتْ سُهْمانُهم ثَلاثَةَ عَشَرَ بعيرًا (٤). فهذا يُمْكِنُ أن يَكُونَ نَفَّلَهم مِن أرْبَعَةِ أخْماسِ الغَنِيمَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الجَيْشِ، كما يُنَفِّلُ (٥) السَّرايَا. ويتَعَيَّنُ حَمْلُ هذا الخَبَرِ على هذا؛ لأنَّه لو أعْطَى جميعَ الجَيْشِ، لم يَكُنْ ذلك نَفَلًا، وكان قد قَسَمَ لهم أكثرَ مِن أرْبَعةِ الأخْماسِ، وهو خلافُ الآيَةِ والأخْبارِ.
فصل: وكلامُ أحمدَ في أنَّ النَّفَلَ مِن أرْبَعةِ الأخْماسِ عامٌّ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ فيه، ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْن مِن النَّفَلِ. فأمَّا
стр. 4659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القِسْمُ الثالِثُ، وهو أن يَقُولَ: مَن جاءَ بشئٍ فلَه كذا. أو: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوس فلَه رأْسٌ منها. فَيَحْتَمِلُ أن يَسْتَحِقَّ ذلك مِن الغَنِيمَةِ كلِّها؛ لأنَّه يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الجُعْلِ، فأشْبَهَ السَّلَبَ، فإنَّه غيرُ مَخْمُوس. ويَحْتَمِلُ في القسمِ الثانى، وهو زِيادَةُ بعضِ الغانِمين على سَهْمِه، أن يَكُونَ مِن خُمْسِ الخُمْسِ المُعَدِّ للمَصالِحِ؛ لأنَّ عَطيَّةَ هذا مِن المَصالِحِ. والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأنَّ عَطِيَّةَ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ سَهْمَ الفارسِ زِيادَةً على سَهْمِه، إنَّما كان مِن أرْبعةِ الأخْماسِ.
فصل: قال الخِرَقِىُّ: ويَرُدُّ مَن نُفِّلَ على مَن معه في السَّرِيَّةِ، إذْ بقُوَّتِهم صارَ إليه. ومعْناه: إذا بَعَث سَرِيَّةً ونَفَّلَها الثُّلُثَ أو الرُّبْعَ، فخَصَّ به بعضَهم، أو جاءَ بعضُهم بشئٍ فنفَّلَه، ولم يأْتِ بعضُهم بشئٍ فلم يُنَفِّلْه، شارَكَ مَن نُفِّلَ مَن لم يُنَفَّلْ. وقد نَصَّ أحمدُ على هذا؛ لأنَّ هؤلاء إنَّما أخَذُوا بقُوَّةِ هؤلاء، ولأنَّهم اسْتَحَقُّوا النَّفَلَ على وَجْهِ الإشاعَةِ بينَهم بالشَّرْطِ السّابقِ، فلم يخْتَصَّ واحِدٌ منهم، كالغَنِيمَةِ. فأمَّا النَّفَلُ في القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْن، مثلَ أن يَخُصَّ بعضَ الجيش بنَفَلٍ؛ لغَنائِه، أو لجَعْلِه له، كقَوْلِه: مَن جاءَ بعَشَرَةِ رُءُوس فله رأسٌ. فجاءَ واحِدٌ بعَشَرَةٍ دُونَ سائِرِ الجَيْشِ، فيَخْتَصُّ بنَفَلِه دُونَ غيره؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لمّا خَصَّ مَن قَتَل بسَلَبِ قَتِيلِه اخْتَصَّ به (١)، ولمّا خَصَّ سَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ بسَهْمِ الفارسِ والرّاجِلِ اخْتَصَّ به (٢). ولذلك اخْتَصَّ بالمرأةِ التى نَفَّلَها إيّاه
стр. 4660
فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْجَيْشَ طَاعَةُ الْأَمِيرِ، وَالنُّصْحُ لَهُ، وَالصَّبْرُ مَعَهُ. وَلَا يَجُوزُ لأَحَدٍ أنْ يَتَعَلَّفَ، وَلَا يَحْتَطِبَ، وَلَا يُبَارِزَ، وَلَا يَخْرُجَ مِنَ الْمُعَسْكَرِ، وَلَا يُحْدِثَ حَدَثًا، إِلَّا بِإِذْنِهِ.
ــ
أبو بكرٍ دُونَ النّاسِ (١)، ولأن هذا جُعِلَ تحْرِيضًا على القِتالِ، وَحَثًّا على فِعْلِ ما يَحْتاجُ المُسْلِمُون إليه؛ لتَحَمُّلِ فاعِلِه كُلْفَةَ فِعْلِه، رَغْبَةً فيما جُعِلَ له، فلو لم يَخْتَصَّ به فاعِلُه، ما خَاطَرَ أحدٌ بنَفْسِه فيه، ولا حصَلَتْ مَصْلَحَةُ النَّفَلِ، فوَجَبَ أن يَخْتَصَّ الفاعِلُ لذلك بنَفَلِه، كثَوابِ الآخِرَةِ.
فصل: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (ويَلْزَمُ الجَيْشَ طاعَةُ الأميرِ، والنُّصْحُ له، والصَّبْرُ معه) لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢). وقولِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ أطَاعَنِى فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أطَاعِ أمِيرِى فَقَدْ أطَاعَنِى، وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى أمِيرى فقَدْ عَصَانِى». رَواه النَّسائِىُّ (٣).
١٤٢٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ لأحَدٍ أن يَتَعَلَّفَ، ولا يَحْتَطِبَ، ولا يُبارِزَ، ولا يَخْرُجَ مِن المُعَسْكَرِ، ولا يُحْدِثَ حَدَثًا، إلَّا بِإذنِ الأمِيرِ)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فبَلَغَ ثَلاثينَ ألفًا (١). ورُوِىَ عنه أنَّه قال: قَتَلْتُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَئِيسًا مِن المُشْرِكِين مُبارَزَةً، سِوَى مَن شارَكْتُ فيه (٢). ولم يَزَلْ أصحابُ النبىِّ ﷺ ، يُبارِزُون في عَصْرِ النبىِّ ﷺ ومِن بعدِه، لم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا، وكان أبوِ ذَرٍّ يُقْسِمُ أنَّ قَوْلَه تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٣). نَزَلَتْ في الذين تَبارَزُوا يومَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ وعَلِىٌّ وعُبَيْدَةُ، بارَزُوا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بنَ عُتْبَةَ. رَواه البخارىُّ (٤). إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَنْبَغِى أن يُسْتَأْذَنَ الأمِيرُ في المُبارَزَةِ إذا أمْكَنَ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ. ورَخَّصَ فيها مالِكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ أبا قَتادَةَ، قال: بارَزْتُ رَجُلًا يومَ حُنَيْنٍ وقَتَلْتُه (٥). ولم يُعْلَمْ أنَّه اسْتَأْذَنَ النبىَّ ﷺ ، وكذلك أكثرُ مَن حَكَيْنا عنهم المُبارَزَةَ، لم نَعْلَمْ منهم اسْتِئْذانًا. ولَنا، أنَّ الإِمامَ أعْلَمُ بفُرْسانِه وفُرْسانِ عَدُوِّه، ومَتى بَرَزَ الإِنْسانُ إلى مَن لا يُطِيقُه، كان مُعَرِّضًا نفْسَه للهَلاكِ، فيَكْسِرُ (٦) قلوبَ المُسْلِمِين،
стр. 4663
فَإِنْ دَعَا كَافِرٌ إِلَى الْبِرَازِ، اسْتُحِبَّ، لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ اْلأَمِيرِ.
ــ
فيَنْبَغِى أن يُفَوَّضَ ذلك إلى الإِمامِ، ليَخْتَارَ للمُبارَزَةِ مَن يَرْضاهُ لها، فيَكُونَ أقْرَبَ إلى الظَّفَرِ، وجَبْرِ قُلوبِ المُسْلِمِين، وكَسْرِ قُلوبِ الكافِرِين. فإن قيل: فقد أبَحْتُم له أن ينْغَمِسَ في الكُفّارِ، وهو سَبَبُ قَتْلِه. قُلْنا: إذا كان مُبارِزًا تعَلَّقَتْ قُلوبُ الجَيْشِ به، وارْتَقَبُوا ظَفَرَهُ، فإنْ ظَفِرَ جَبَرَ قُلُوبَهم وسَرَّهم، وكَسَرَ قُلُوبَ الكافِرِين، وإن قُتِلَ كان بالعكسِ، والمُنْغَمِسُ يطْلُبُ الشَّهادَةَ، لا يُتَرَقَّبُ منه ظَفَرٌ، ولا مُقاوَمةٌ، فافْتَرَقا. وأمَّا مُبارَزَةُ أبى قَتادَةَ، فغَيْرُ لازِمَةٍ، فإنَّها كانتْ بعدَ الْتِحامِ الحَرْبِ، رَأى رَجُلًا يُرِيدُ أن يَقْتُلَ مُسْلِمًا، فضَرَبَه أبو قتادَةَ، فالْتَفَتَ إلى أبى قَتادَةَ، فضَمَّه ضَمَّةً كاد يَقْتُلُه. وليس هذا هو المُبارَزَةَ المُخْتَلَفَ فيها، بل المبارَزَةُ المُخْتَلَفُ فيها أنْ يَبْرُزَ رَجُلٌ بينَ الصَّفَّيْن قبلَ الْتِحامِ الحَرْبِ، يدْعُو إلى المُبارَزَةِ، فهذا هو الذى يَتَعَيَّنُ له إذْنُ الإِمامِ؛ لأنَّ أعْيُنَ الطَّائِفَتَيْن تَمْتَدُّ إليهما، وقُلُوبَ الفَرِيقَيْن تَتَعَلَّقُ بهما، بخِلافِ غيرِ ذلك.
١٤٢٤ - مسألة: (فإن دَعا كافرٌ إلى البِرازِ، اسْتُحِبَّ لمَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ أن يُبارِزَه بإِذْنِ الأمِيرِ) المُبارَزَةُ تَنْقَسِمُ ثلَاثَةَ
стр. 4664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أقْسامٍ؛ مُسْتَحَبَّةٌ، ومُباحَةٌ، ومَكْرُوهَةٌ، فالمُسْتَحَبَّةُ؛ إذا خَرَج كافِرٌ يَطْلُبُ البِرازَ، فيُسْتَحَبُّ لمَن يعْلَمُ مِن نفْسِه القُوَّةَ والشَّجاعَةَ أن يُبارِزَه بإذْنِ الأمِيرِ؛ لأنَّ فيه رَدًّا عن المُسْلِمِين، وإظْهارًا لقُوَّتِهم. والمُباحَةُ؛ أن يَبْتَدِئَ الرَّجلُ الشُّجاعُ فيَطْلُبَها، فتُباحُ، ولا تُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليها، ولا يُؤْمَنُ أن يُغْلَبَ، فيَكْسِرَ قُلُوبَ المُسْلِمِين، إلَّا أنَّه لمّا كان شُجاعًا واثِقًا مِن نفْسِه، أُبِيحَتْ له؛ لأنَّه بحُكْمِ الظّاهِرِ غالِبٌ. والمَكْرُوهَةُ؛ أن يَبْرُزَ الضَّعِيفُ المُنَّةِ (١)، الذى لا يَثِقُ مِن نفْسِه، فتُكْرَهُ له المُبارَزَةُ؛ لِما فيه مِن كَسْرِ قُلُوبِ المُسْلِمِين بقَتْلِه ظاهِرًا.
стр. 4665
فَإنْ شَرَطَ الْكَافِرُ أَنْ لا يُقَاتِلَهُ غَيْرُ الْخَارِجِ إِلَيْهِ، فَلَهُ شَرْطُهُ، فَإنِ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُ، أوْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ، جَازَ الدَّفْعُ عَنْهُ،
ــ
١٤٢٥ - مسألة: (فإن شَرَطَ الكافِرُ أن لا يُقاتِلَه غيرُ الخارِجِ إليه، فلَه شَرْطُه) إذا خَرَج كافِرٌ يَطْلُبُ البِرازَ، فشَرَطَ أن لا يُعِينَ الذى يُبارِزُه غيرُه، فله شَرْطُه؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١). ولقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» (٢). ويجُوزُ رَمْيُه وقَتْلُه قبلَ المُبارَزَةِ؛ لأنَّه كافِرٌ لا عَهْدَ له ولا أمانَ، فأُبِيحَ قَتْلُه كغَيْرِه، إلَّا أن تَكُونَ العادَةُ جارِيَةً بينَهم أن مَن خَرَج يطْلُبُ المُبارَزَة لا يُعْرَضُ له، فيَجْرِى ذلك مَجْرَى الشَّرْطِ.
١٤٢٦ - مسألة: (فَإنِ انْهَزَمَ المُسْلِمُ، أو أُثْخِنَ بالجِراحِ، جازَ الدَّفْعُ عنه) إذا انهَزَمَ المُسْلِمُ تارِكًا للقِتالِ، أو مُثْخَنًا بالجِراحِ، جازَ لكُلِّ أحَدٍ قِتالُ الكافِرِ؛ لأن المُسْلِمَ إذا صارَ إلى هذه الحالِ، فقد انْقَضَى قِتالُه، والأمانُ إنَّما كان حالَ القِتالِ، وقد زالَ. وإن كان المُسْلِمُ شَرَط
стр. 4666
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه أن لا يُقاتِلَ حتى يَرْجِعَ إلى صَفِّه، وَفَّى له بالشَّرْطِ، إلَّا أن يَتْرُكَ قِتالَه، أو يُثْخِنَه بالجِراحِ، فيَتْبَعَه ليَقْتُلَه أو يُجْهِزَ عليه، فيَجُوزُ أن يَحُولُوا بينَه وبينَه، وإن قاتَلَهم قاتَلُوه، لأنَّه إذا مَنَعهم إنْقاذَه فقد نَقَض أمانَه، وإن أعانَ الكُفّارُ صاحِبَهم، فعلى المُسْلِمِين أن يُعِينُوا صاحِبَهم، ويُقاتِلُوا مَن أعانَ عليه، ولا يُقاتِلُون المُبارِزَ، لأنَّه ليس بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، فإن كان قد اسْتَنْجَدَهم، أو عُلِمَ منه الرِّضا بفِعْلِهم، انْتَقَضَ أمانُه، وجازَ قَتْلُه. وذَكَر الأوْزَاعِىُّ، أنَّه ليس للمُسْلِمِين مُعاوَنَةُ صاحِبِهم، وإن أُثْخِنَ بالجِراحِ. قيل له: فخافَ المُسْلِمُون على صاحِبِهم؟ قال: وإن؛ لأنَّ المُبارَزَةَ إنَّما تَكُونُ هكذا، ولكنْ لو حَجَزُوا بينَهما، وخَلَّوْا سَبِيلَ العِلْجِ. قال: فإن عان العَدُوُّ صاحِبَهم، فلا بَأْسَ أن يُعِينَ المسلمون صاحِبَهم. ولَنا، أنَّ حَمْزَةَ وعَلِيًّا أعانا عُبَيْدَةَ بنَ الحارِثِ على قَتْلِ شَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، حين أُثْخِنَ عُبَيْدَةُ.
فصل: وتجُوزُ الخُدْعَةُ في الحَرْبِ، للمُبارِزِ وغيرِه، لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» (١). وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ورُوِىَ أنَّ عَمْرَو بنَ عَبْدِ وُدٍّ لمّا بارَزَ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال علىٌّ: ما بَرَزْتُ لأُقاتِلَ
стр. 4667
وَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُ، فَلَهُ سَلَبُهُ،
ــ
اثْنَيْن. فالْتَفَتَ عَمْرٌو، فوَثَبَ عليه فضَرَبَه، فقال عَمْرٌو: خَدَعْتَنِى. فقال: الحَرْبُ خُدْعَةٌ.
فصل: قال أحمدُ: وإذا غَزَوْا في البَحْرِ، فأرادَ رجلٌ أن يُقِيمَ بالسّاحِلِ، يَسْتأْذِنُ الوالِىَ الذى هو على جميعِ المَراكِبِ، ولا يَكْفِيه أن يَسْتأْذِنَ الوالِىَ الذى في مَرْكَبِه.
١٤٢٧ - مسألة: (وإن قَتَلَه المُسْلِمُ، فله سَلَبُه) أمَّا اسْتِحْقاقُ سَلَبِ القَتِيلِ في الجملةِ، فلا نعلمُ فيه خِلافًا، وقد دَلَّ عليه قولُ النبىِّ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ». رَواه جماعةٌ عن النبىِّ ﷺ ، منهم أنَسٌ، وسَمُرَةُ بنُ جُنْدُبٍ، وغيرُهما (١). وروَى أبو قتادَةَ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ عامَ حُنَيْنٍ، فلمّا التَقَيْنا، رأيتُ رجُلًا مِن المُشْرِكِينَ قد عَلَا رجُلًا مِن المُسْلِمِين، فاسْتَدَرْتُ له حتى أتَيْتُه مِن وَرائِه، فضَرَبْتُه بالسُّيْفِ على حَبْلِ عاتِقهِ ضَرْبةً، فأدْرَكَه الموتُ، ثم إنَّ النّاسَ رجَعُوا، وقال رسولُ اللَّه ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ». قال: فقُمْتُ فقُلْتُ: مَن يشْهَدُ لى؟ فقال لى رسولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 4668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«ما لَكَ يا أبا قَتادَةَ؟». فاقْتَصَصْتُ عليه القِصَّةَ، فقال رجلٌ مِن القَوْمِ: صَدَق يا رسولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذلك القتيلِ عندِى، فأرْضِه منه، فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: لا هَا اللَّهِ (١)، إذًا يَعْمِدُ (٢) إلى أسَدٍ مِن أُسْدِ اللَّهِ، يُقاتِلُ عن اللَّهِ وعن رسول اللَّهِ، يُعْطِيكَ سَلَبَه. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «صَدَقَ، فَأَسْلِمْهُ إلَيْهِ». قال: فأعْطانِيه. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن أنَسٍ، قال: قال
стр. 4669
وَكُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ غَيْرَ مَخْمُوسٍ، إِذَا قَتَلَهُ حَالَ الْحَرْبِ مُنْهَمِكًا عَلَى الْقِتَالِ، غَيْرَ مُثْخَنٍ، وغَرَّرَ بِنَفْسِهِ فِى قَتْلِهِ. وَعَنْهُ، لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا مِنْ شُرِط لَهُ.
ــ
رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ حُنَيْن: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ». فقَتَلَ أبو طَلْحَةَ يومَئِذٍ عِشرين رجلًا، فأخَذَ أسْلابَهم. رَواه أبو داودَ (١).
١٤٢٨ - مسألة: (وكلُّ مَن قَتَلَ قَتِيلًا، فله سَلَبُهُ غيرَ مَخْمُوسٍ، إذا قَتَلَه حالَ الحَرْبِ مُنْهَمِكًا على القِتالِ، غيرَ مُثْخَنٍ، وغَرَّرَ بنَفْسِه في قَتْلِه. وعنه، لا يَسْتَحِقُّه إلَّا مَن شُرِط له) الكلامُ في هذه المَسْألةِ في فُصولٍ؛ أحَدُها، في أنَّ القاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ، وقد ذَكَرْناه.
стр. 4670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثانى، أنَّ السَّلَبَ لكلِّ قاتِلٍ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ أو الرَّضْخَ، كالعَبْدِ، والمرأةِ، والصبىِّ، والمُشْرِكِ. وقال ابنُ أبى موسى: مَن بارَزَ بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، لم يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ. ذَكَرَه في «الإِرْشَادِ». ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّ العبدَ إذا بارَزَ بإذْنِ مَوْلاه، لم يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ، ويُرْضَخُ له منه. وللشافعىِّ في مَن لا سهمَ له قَوْلان؛ أحدُهما، لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ؛ لأنَّ السَّهْمَ آكَدُ منه، للإِجْماعِ عليه، فإذا لم يسْتَحِقَّه، فالسَّلَبُ أوْلَى. ولَنا، عُمُومُ الخبرِ، ولأنَّه قاتِلٌ مِن أهْلِ الغَنِيمَةِ، فاسْتَحَقَّ السَّلَبَ، كذِى السَّهْمِ، ولأنَّ الأمِيرَ لو جَعَل جُعْلًا لمَن صَنَع (١) شيْئًا فيه نفْعٌ للمُسْلِمِين، لاسْتَحَقَّه فاعِلُه مِن هؤلاء، فالذى جَعَلَه النبىُّ ﷺ أوْلَى. وفارَقَ السهمَ؛ لأنَّه عُلِّقَ على المَظِنَّةِ، ولهذا يُسْتَحَقُّ بالحُضُورِ، ويَسْتَوِى فيه الفاعِلُ وغيرُه، والسَّلَبُ يُسْتَحَقُّ بحَقِيقَةِ الفِعْلِ، وقد وُجِدَ منه ذلك، فاسْتَحَقَّه، كالمَجْعُولِ له جُعْلًا على فِعْلٍ إذا فَعَلَه. فإن كان القاتِلُ ممَّن لا يَسْتَحِقُّ سَهْمًا ولا رَضْخًا، كالمُرْجِفِ والمُخَذِّلِ والمُعِينِ على المُسْلِمِين، لم يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ وإن قَتَل (٢). وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه
стр. 4671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ليس مِن أهْلِ الجِهادِ. وكذلك إن بارَزَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ مَوْلاه، لا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ؛ لأنَّه عاصٍ. وكذلك كلُّ عاصٍ، مثلَ مَن دَخَل بغيرِ إذْنِ الأمِيرِ. وعن أحمدَ في مَن دَخَل بغيرِ إذْنٍ، أنَّه يُؤْخَذُ منه الخُمْسُ، وباقِيه له، كالغَنِيمَةِ. ويُخَرَّجُ مثلُ ذلك في العَبْدِ المُبارِزِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سَلَبُ قَتِيلِ العبدِ له على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما كان له فهو لسَيِّدِه، ففى حِرْمانِه حِرْمانُ سَيِّدِه، ولم يَعْصِ.
الفصلُ الثالثُ، السَّلَبُ للقاتِلِ في كُلِّ حالٍ، إلَّا أن يَنْهَزِمَ العَدُوُّ. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال مَسْرُوقٌ: إذا الْتَقَى الزَّحْفان، فلا سَلَب له، إنَّما النَّفَلُ قبلُ وبعدُ. ونحوُه قَوْلُ نافعٍ. وكذلك قال الأوْزَاعِىُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، وأبو بَكْرِ ابنُ أبى مريمَ: السَّلَبُ للقاتِلِ، ما لم تَمْتَدَّ الصُّفُوفُ بعضُها إلى بعضٍ، فإذا كان كذلك، فلا سَلَبَ لأحَدٍ. ولَنا، عُمُومُ قوْلِه ﵇: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ». ولأنَّ أبا قَتادَةَ إنَّما قَتَل الذى أخَذَ سَلَبَه في حالِ الْتِقاءِ الزَّحْفَيْن، ألا تَراه يَقُولُ: فلمّا الْتَقَيْنا رأيتُ رجلًا مِن المُشْرِكِين قد عَلا رَجُلًا مِن المسلمين؟ وكذلك قولُ أنَسٍ: قَتَل أبو طَلْحَةَ يومَئِذٍ عشرين رجُلًا، وأخَذَ أسْلابَهم. وكان ذلك بعدَ الْتِقاءِ الزَّحْفيْن؛ لأنَّ هَوازِنَ لَقُوا المسلمين فَجْأةً، فألْحَمُوا الحَرْبَ قبلَ تَقَدُّمِ مُبارَزَةٍ.
стр. 4672
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفصلُ الرابعُ، أنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بشُرُوطٍ أربعةٍ؛ أحدُها، أن يَكُونَ المَقْتُولُ مِن المُقاتِلَةِ الذين يجُوزُ قَتْلُهم، فأمَّا إن قَتَل امرأةً، أو صَبِيًّا، أو شَيْخًا فانِيًا، أو ضَعِيفًا مَهِينًا، ونحوَهم ممَّن لا يُقاتِلُ، لم يسْتَحِقَّ سَلَبَه. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وإن كان أحَدُ هؤلاء يُقاتِلُ، اسْتَحَقَّ قاتِلُه سَلَبَه؛ لجَوازِ قَتْلِه، ومَن قَتَل أسِيرًا له أو لغيرِه، لم يَسْتَحِقَّ سَلَبَه؛ لذلك. الثانى، أن يَكُونَ المَقْتُولُ فيه مَنَعَةٌ، غيرَ مُثْخنٍ بالجراحِ، فإن كان مُثْخَنًا، فليس لقاتِلِه شئٌ مِن سَلَبِه. وبهذا قال مَكْحُولْ، وَحرِيزُ (١) بنُ عُثْمَانَ، والشافعىُّ؛ لأن مُعاذَ بنَ عمرِو بنِ الجَمُوحِ أثْبَتَ أبا جَهْلٍ، وذَفَّفَ عليه ابنُ مسعودٍ، فقَضَى النبىُّ ﷺ بسَلَبِه لمُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ، ولم يُعْطِ ابنَ مسعودٍ شيئًا (٢). الثالثُ، أن يَقْتُلَه أو يُثْخِنَه بالجِراحِ، فيَجْعَلَه في حُكْمِ المَقْتُولِ، فيَسْتَحِقَّ سَلَبَه؛ لحديثِ مُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ. الرابعُ، أن يُغرِّرَ بنَفْسِه في قَتْلِه، فإن رَماه بسَهْمٍ مِن صَفِّ المسلمين فَقَتَلَه، فلا سَلَبَ له. قال أحمدُ: السَّلَبُ للقاتِلِ إنَّما هو في المُبارَزَةِ، لا يَكُونُ في الهَزِيمَةِ. وإن حَمَل جَماعةٌ مِن المسلمين
стр. 4673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على واحِدٍ فقَتَلُوه، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ؛ لأنَّهم لم يُغَرِّرُوا بأنْفُسِهم في قَتْلِه.
فصل: وإنَّما يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إذا قَتَلَه حالَ الحَرْب، فإنِ انْهَزَمَ الكُفّارُ كلُّهم، فأدْرَكَ إنْسانًا مُنْهَزِمًا فقَتَلَه، فلا سَلَبَ له؛ لأنَّه لم يُغَرِّرْ في قَتْلِه، وإن كانتِ الحَرْبُ قائِمَةً، فانْهَزَمَ أحَدُهم، فقَتَلَه إنْسانٌ، فله سَلَبُه؛ لأنَّ الحَرْبَ كَرٌّ وفَرٌّ، وقد قَتَل سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ طَلِيعةً للكفّارِ وهو مُنْهَزِمٌ، وقال النبىُّ ﷺ : «مَنْ قَتَله؟» قالوا: ابن الأكْوَعِ. قال: «لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ» (١). وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ: السَّلَبُ لكلِّ قاتلٍ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، واحْتِجاجًا بحديث سَلَمَةَ هذا. ولَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ ذَفَّفَ على أبى جَهْلٍ، فلم يُعْطِه النبىُّ ﷺ سَلَبَه، وأمَرَ بقَتْلِ عُقْبَةَ بنِ أبى مُعَيْطٍ، والنَّضْرِ بنِ الحارِثِ صَبْرًا، ولم يُعْطِ سَلَبَهما مَن قَتَلَهما، وقَتَل بنى قُرَيْظَةَ صَبْرًا (٢)، فلم يُعْطِ مَن قَتَلَهم أسْلابَهم، وإنَّما أعْطَى السَّلَبَ مَن قَتَل مُبارِزًا، أو كفَى المسلمين شَرَّه، وغَرَّرَ في قَتْلِه، والمُنْهَزِمُ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، قد كفَى المسلمين شَرَّ نَفْسِه، ولم يُغَرِّرْ قاتِلُه بنَفْسِه في قَتْلِه، فهو كالأسيرِ. وأمَّا الذى قَتَلَه سَلَمَةُ
стр. 4674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فكان مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ. وكذلك مَن قُتِلَ حالَ قِيامِ الحَرْبِ، فإنَّه وإن كان مُنْهَزِمًا فهو مُتَحَيِّزٌ إلى فِئَةٍ، وراجِعٌ إلى القِتالِ، فأشْبَهَ الكارَّ، فإنَّ القِتالَ كَرٌّ وفَرٌّ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ في اسْتِحْقاقِ السَّلَبِ أن تَكُونَ المُبارَزَةُ بإذْنِ الأمِيرِ؛ لأن كلَّ مَن قُضِىَ له بالسَّلَب في عَصْرِ النبىِّ ﷺ ليس فيهم مَن نُقِلَ إلينا أنَّه أُذِنَ له في المُبارَزَةِ، مع أنَّ عُمُومَ الخَبَرِ يقْتَضِى اسْتِحْقاقَ السَّلَبِ لكلِّ قاتلٍ، إلَّا مَن خَصَّه الدَّليلُ.
الفصلُ الخامسُ، أنَّ السَّلَبَ لا يُخَمَّسُ. رُوِى ذلك عن سَعْدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ عباسٍ: يُخمَّسُ. وبه فال الأوْزَاعِىُّ، ومَكْحُولٌ؛ لعُمُوم قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١). وقال إسحاقُ: إنِ اسْتَكْثَرَ الإِمامُ السَّلَبَ خَمَّسَهُ، وذلك إليه؛ لِما روَى ابنُ سِيرِينَ، أنَّ البَراءَ بنَ مالكٍ بارَزَ مَرْزُبانَ الزَّأْرةِ (٢) بالبَحْرَيْن، فطَعَنَه فدَقَّ صُلْبَه، وأخَذَ سِوارَيْه وسَلَبَه، فلمّا صَلَّى عُمَرُ الظُّهْرَ، أتَى أبا طَلْحَةَ في دارِه، فقال: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وإنُّ سَلَبَ الْبَراءِ قد بَلَغ مالًا، وأنا خَامِسُه. فكان أوَّلُ سَلَب خُمِّسَ في الإِسْلامِ سَلَبَ البَراءِ. رَواه سعيدٌ في «السُّنَنِ» (٣). وفيها أنَّ سَلَبَ البَراءِ بَلَغ ثلاثين ألفًا. ولَنا، ما روَى
стр. 4675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَوْفُ بنُ مالكٍ، وخالِدُ بنُ الوليدِ، أنَّ النبىَّ ﷺ قَضَى في السَّلَبِ للقاتِل، ولم يُخَمِّسِ السَّلَبَ. رَواه أبو داودَ (١). وخبرُ عُمَرَ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه قال: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ. وقولُ الرَّاوِى: كان أوَّلُ سَلَبٍ خُمِّسَ في الإِسْلامِ. يَعْنِى أن النبىَّ ﷺ ، وأبا بكرٍ، وعُمَرَ صَدْرًا مِن خِلافَتِه، لم يُخَمِّسُوا سَلَبًا، واتِّباعُهم أوْلَى. قال الجُوزْجانِىُّ: لا أظُنُّه يجُوزُ لأحَدٍ في شئٍ سَبَق فيه مِن رسول اللَّهِ ﷺ شئٌ إلَّا اتِّباعُه، ولا حُجَّةَ في قولِ أحَدٍ مع قولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وما ذَكَرْناه يَصْلُحُ أن يُخصَّصَ به عُمومُ الآيةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ السَّلَبَ مِن أصْلِ الغَنِيمَةِ. وقال مالكٌ: يُحْسَبُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ قَضَى به للقاتِل مُطْلَقًا، ولم يُنْقَلْ عنه أنَّه احْتَسَب به مِن خُمْسِ الخُمْسِ، ولأنَّه لو احْتَسَبَ به مِن خُمْسِ الخُمْسِ، احْتِيجَ إلى مَعْرِفَةِ قِيمَتِه وقَدْرِه، ولم يُنْقَلْ ذلك، ولأنَّ سَبَبَه لا يفْتَقِرُ إلى اجْتهادِ الإِمامِ، فلم يَكُنْ مِن خُمْسِ الخُمْسِ، كسَهْمِ الفارسِ والرّاجِلِ.
الفصلُ السادسُ، أنَّ القاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ، قال الإِمامُ ذلك أو لم يَقُلْه. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا يسْتَحِقُّه إلَّا أن يَشْرُطَه الإِمامُ. وكذلك قال مالكٌ. ولم يَرَ أن يَقُولَ الإِمامُ ذلك إلَّا بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ،
стр. 4676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على ما تَقَدَّمَ مِن مَذْهَبِه في النَّفَلِ، وجَعَلُوا السَّلَبَ ههُنا مِن جُمْلَةِ الأنْفالِ. وقد رُوِى عن أحمدَ مثلُ قوْلِهم. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لِما روَى عَوْفُ ابنُ مالكٍ، أنَّ مَدَدِيًّا اتَّبَعَهُم، فقَتَلَ عِلْجًا، فأخَذَ خالدٌ بعضَ سَلَبِه، وأعْطاهُ بعضَه، فذَكَرَ ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: «لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ». رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ (١) بمعْناه بأطْوَلَ مِن هذا. ورُوِّينا بإسْنادِهما، عن شَبْرِ بنِ عَلْقَمَةَ، قال: بارَزْتُ رجلًا يومَ القادِسِيَّةِ، فقَتَلْتُه، وأخَذْتُ سَلَبَه، فأتَيْتُ به سعدًا، فخَطَبَ سعدٌ أصحابَه، وقال: إنَّ هذا سَلَبُ شَبْرٍ، خَيْرٌ مِن اثْنَىْ عَشَرَ ألفًا، وإنَّا قد نَفَّلْناه إيَّاه (٢). ولو كان حقًّا، لم يَحْتَجْ أن يُنَفِّلَه. ولأنَّ عُمَرَ أخَذَ الخُمْسَ مِن سَلَبِ البَراءِ، ولو كان حَقًّا له، لم يَجُزْ أن يأْخُذَ منه شيئًا، ولأن النبىَّ ﷺ دَفَع سَلَبَ أبى قَتادَةَ إليه مِن غيرِ بَيِّنةٍ ولا يَمِينٍ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلبُهُ». وهذا من قَضايا رسولِ اللَّهِ ﷺ المَشْهُورَةِ، التى
стр. 4677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَمِلَ بها الخُلفاءُ بعدَه، وأخْبارُهم التى احْتَجُّوا بها تَدُلُّ على ذلك؛ فإنَّ عَوْفَ بنَ مالكٍ احْتَجَّ على خالِدٍ حينَ أخَذَ بعضَ سَلَبِ المَدَدِىِّ، فقال له عَوْفٌ: أما تَعْلَمُ أنَّ النبىَّ ﷺ قَضَى بالسَّلَبِ للقاتِلِ؟ قال: بلى. وقولُ عُمَرَ: إنَّا كُنَّا لا نُخَمِّسُ السَّلَبَ. يَدُلُّ على أنَّ هذه قَضِيَّةٌ عامَّةٌ في كل غَزْوَةٍ، وحُكمٌ مُسْتَمِرٌّ لكلِّ قاتلٍ، وإنَّما أمَرَ النبىُّ ﷺ خالِدًا أن لا يَرُدَّ على المَدَدِىِّ عُقوبةً، حينَ أغْضَبَهُ عَوْفٌ بتَقْرِيعِه خالِدًا بينَ يَدَيْه، وقولُه: قد أنْجَزْتُ لك ما ذَكَرْتُ لك مِن أمْرِ رسول اللَّهِ ﷺ . وأمَّا خَبَرُ شَبْرٍ، فإنَّما أنْفَذَ له سعدٌ ما قَضَى له به رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وسَمَّاهْ نَفَلًا؛ لأنَّه في الحَقِيقَةِ نَفَلٌ، لأنَّه زيادةٌ على سَهْمِه. وأمَّا أبو قَتادَةَ، فإنَّ خَصْمَه اعْتَرَفَ له به، وصدَّقَه، فجَرَى مَجْرَى البَيِّنَةِ، ولأنَّ السَّلَبَ مأْخُوذٌ مِن الغَنِيمَةِ بغيرِ تَقْدِيرِ الإِمامِ واجْتهادِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى شَرْطِه، كالسَّهْمِ (١). إذا ثَبَت هذا، فإنَّ أحمدَ قال: لا يُعْجِبُنِى أن يأْخُذَ السَّلَبَ إلَّا بإذْنِ الإِمامِ. وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ. وقال ابنُ المُنْذِرِ، والشافعىُّ: له أخْذُه بغيرِ إذْنٍ؛ لأنَّه اسْتَحَقَّه بجَعْلِ النبىِّ ﷺ له ذلك، ولا يَأْمَنُ إن أظْهَرَه عليه أن لا يُعْطاهُ. ووَجْهُ قولِ أحمدَ، أنَّه فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فيه، فلم ينْفُذْ أمرُه فيه إلَّا بإذْنِ الإِمامِ، كأخْذِ سَهْمِه. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ هذا مِن أحمدَ على سبيلِ الاسْتِحْبابِ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، لا على سَبِيلِ الإِيجابِ. فعلى هذا، إن أخَذَه بغيرِ إذْنٍ، ترَك الفَضِيلَةَ، وله ما أخَذَه.
стр. 4678
وَإنْ قَطَعَ أَرْبَعَتَهُ، وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَسَلَبُهُ لِلْقَاطِعِ، وَإِنْ قَتَلَهُ اثْنَانِ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِى: هُوَ لَهُمَا.
ــ
١٤٢٩ - مسألة: (وإن قَطَع أرْبَعَتَه، وقَتَلَه آخَرُ، فسَلَبُه للقاطِعِ) دُونَ القاتِلِ؛ لأنَّ القاطِعَ هو الذى كَفَى المُسْلِمِين شَرَّه، ولأنَّ مُعاذَ بنَ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ أثْبَتَ أبا جَهْلٍ، وذَفَّفَ عليه ابنُ مسعودٍ، فقَضَى النبىُّ ﷺ بسَلَبِه لمُعاذٍ (١).
١٤٣٠ - مسألة: (وإن قَتَلَه اثْنان، فَسَلَبُه غَنِيمَةٌ) هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فإِنَّه قال، في رِوايةِ حَرْبٍ: له السَّلَبُ إذا انْفَرَدَ بقَتْلِه. وقال القاضى: إنَّهما يشتَرِكان في سَلَبِه؛ لقَوْلِه: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ». وهو يَتَناوَلُ الاثْنَيْن، ولأنَّهما اشْتَركا في السَّبَبِ، فاشْتَركا في السَّلَبِ. ولَنا، أنَّ السَّلَبَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بالتَّغْرِيرِ في قَتْلِه، ولا يحْصُلُ ذلك بقَتْلِ
стр. 4679
وَإنْ أَسَرَهُ، فَقَتَلَهُ الإِمَامُ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِى: هُوَ لِمَنْ أَسَرَهُ.
ــ
الاثْنَيْن، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه جماعةٌ، ولم يَبْلُغْنا أنَّ النبىَّ ﷺ شَرَّكَ بينَ اثْنَيْن في سَلَبٍ. فإنِ اشْتَرَكَ اثْنانِ في ضَرْبِه، وكان أحَدُهما أبْلَغَ في قَتْلِه مِن الآخَرِ، فالسَّلَبُ له؛ لأنَّ مُعاذَ بنَ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ، ومُعاذَ بنَ عَفْراءَ، ضَرَبا أبا جَهْلٍ، وأتَيَا النبىَّ ﷺ فأخْبَراه، فقال: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ». وقَضَى بسَلَبِه لمُعاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ.
١٤٣١ - مسألة: (وإن أسَرَه، وقتَلَه الإِمامُ، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ) إذا أسَرَ رَجُلًا، لم يسْتَحِق سَلَبَه، سواءٌ قَتَلَه الإِمامُ أو لم يَقْتُلْه. وقال مَكْحُولٌ: لا يَكُونُ السَّلَبُ إلَّا لمَن أسَرَ عِلْجًا أو قَتَلَه. وقال القاضى: إذا أسَرَ رَجُلًا، فقَتَلَه الإِمامُ صَبْرًا، فسَلَبُه لمَن أسَرَه؛ لأنَّ الأسْرَ أصْعَبُ مِن القَتْلِ، فإذا اسْتَحَقَّ سَلَبَه بالقَتْلِ، كان تَنْبِيهًا على اسْتِحْقاقِه بالأسْرِ. قال: وإنِ اسْتَبْقاه الإِمامُ، كان له فِداؤُه، أو رقبتُه وسَلَبُه؛ لأنَّه كَفَى المُسْلِمِين شَرَّه. ولَنا، أنَّ المُسْلِمِين أسَرُوا أسْرَى يومَ بَدْرٍ، فقَتَلَ النبىُّ ﷺ عُقْبَةَ والنَّضْرَ بن الحارِثِ، واسْتَبْقَى سائِرَهم، فلم يُعْطِ مَن أسَرَهم أسْلابَهم، ولا فِداءَهم، وكان فِداؤُهم غنيمةً. ولأنَّ النبىَّ ﷺ إنَّما جَعَل السَّلَبَ للقاتلِ، وليس الأسْرُ بقَتْلٍ، ولأنَّ الإِمامَ مُخَيَّرٌ في الأسْرَى، ولو كان لمَن أسَرَه، كان أمْرُه إليه دُونَ الإمامَ.
стр. 4680
وَإنْ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ لِلْقَاتِل.
ــ
١٤٣٢ - مسألة: (وإن قَطَع يَدَه ورِجْلَه، وقَتَلَه آخَرُ، فسَلَبُه غَنِيمَةٌ. وقيل: هو للقاتِلِ) إذا قَطَع يَدَه ورِجْلَه، وقَتَلَه آخرُ، فالسَّلَبُ للقاطِعِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّه عَطَّلَه، فأشْبَهَ الذى قَتَلَه. والثانى، هو غنِيمَةٌ؛ لأنَّه لم يَنْفَرِدْ أحَدُهما بقَتْلِه، ولا يَسْتَحِقُّه القاتِلُ؛ لأنَّه مُثْخَنٌ بالجِراحِ. وقيلَ: هو للقاتِلِ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ. وكذلك إن قَطَع يَدَيْه، أو رِجْلَيْه. وإن قَطَع إحْدَى يَدَيْه، أو إحْدَى رِجْلَيْه، ثم قَتَلَه آخرُ، احْتَمَلَ أن يَكُونَ سَلَبُه غَنِيمَةً؛ لأنَّهما اشْتَرَكا في قَتْلِه، فلم ينْفَرِدْ به أحَدُهما. واحْتَمَلَ أنَّه للقاتلِ؛ لأنَّه قَتَل مَن لم يَكْتَفِ المُسْلِمُون شَرَّه. وإن عانَقَ رَجُلًا، فقَتَلَه آخرُ، فالسَّلَبُ للقاتِلِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال الأوْزَاعِىُّ: هو للمُعانِقِ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ» (١). ولأنَّه كَفَى المُسْلِمِين شَرَّه، أشْبَهَ ما لو لم يُعانِقْه الآخرُ. وكذلك لو كان الكافِرُ مُقْبِلًا على رجلٍ يُقاتِلُه، فجاءَ آخرُ من ورائِه، فضَرَبَه فقَتَلَه، فسَلَبُه لقاتِلِه، بدَلِيلِ قَضِيَّةِ (٢) قتيلِ أبى قتادَةَ (٣).
стр. 4681
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا تُقْبَلُ دَعْوَى القَتْل إلَّا ببَيِّنةٍ. وقال الأوْزَاعِىُّ: يُعْطَى السَّلَبَ إذا قال: أنا قَتَلْتُه. ولا يُسْألُ بَيِّنةً؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قَبِلَ قولَ أبى قَتادَةَ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، فَلَهُ سَلَبُهُ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وأمّا أبو قتادَةَ فإنَّ خَصْمَه اعْتَرَفَ له، فاكْتُفِىَ بإقْرارِه. قال أحمدُ: لا يُقْبَلُ إلَّا شاهِدان. وقالت طائفةٌ مِن أهْلِ الحديثِ: يُقْبَلُ شاهِدٌ ويَمِينٌ؛ لأنَّها دَعْوَى في المالِ. ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ شاهِدٌ بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قَبِلَ قولَ الذى شَهِدَ لأبى قتادةَ مِن غيرِ يمينٍ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ النبىَّ ﷺ اعْتَبَرَ البَيِّنَةَ، وإطْلاقُها ينْصَرِفُ إلى شاهِدَيْن، ولأنَّها دَعْوَى للقَتْلِ، فاعْتُبِرَ شاهِدان، كدَعْوَى قَتْلِ العَمْدِ.
стр. 4682
وَالسَّلَبُ مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ مِنْ ثِيَابٍ، وَحَلْىٍ، وَسِلَاحٍ، وَالدَّابَّةُ بِآلتِهَا. وَعَنْهُ، أنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ. وَنفَقَتُهُ، وَخَيْمَتُهُ، وَرَحْلُهُ غَنِيمَةٌ.
ــ
١٤٣٣ - مسألة: (والسَّلَبُ ما كانَ عليه؛ مِن ثِيَابٍ، وحَلْىٍ، وسلاحٍ، والدُّابَّةُ بآلتِها. وعنه، أنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنَ السَّلَبِ. ونَفَقَتُه، وخَيْمَتُه، ورَحْلُه غَنِيمَةٌ) سَلَبُ القَتِيلِ ما كان لابِسَهُ؛ مِن ثِيابٍ، وعِمامَةٍ، وقَلَنْسُوَةٍ، ومِنْطقَةٍ، ودِرْعٍ، ومِغْفَرٍ، وبَيْضَةٍ، وتاجٍ، وأسْوِرَةٍ، ورَأنٍ (١)، وخُفٍّ، بما في ذلك مِن حِلْيَةٍ؛ لأنَّ المَفْهُومَ مِن السَّلَبِ اللِّبَاسُ، وكذلك السِّلاحُ؛ مِن السَّيْفِ، والرُّمْحِ، واللُّتِّ (٢)، والقَوْسِ، ونحوِه؛ لأنَّه يسْتَعِينُ به في قِتالِه، فهو أوْلَى بالأخْذِ مِن اللِّباسِ. فأمَّا المالُ الذى معه في هِمْيانِه وخَرِيطَتِه، فليس بسَلَبٍ؛ لأنَّه ليس مِن المَلْبُوسِ، ولا ممّا يَسْتَعِينُ به في الحَرْبِ، وكذلك رَحْلُه وإناؤُه، وما ليستْ يدُه عليه مِن مالِه. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، ومَكْحُولٌ،
стр. 4683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافعىُّ، إلَّا أنَّ الشافعىَّ قال: ما لا يَحْتاجُ إليه في الحَرْبِ، كالتَّاجِ، والسِّوارِ، والطَّوْقِ والهِمْيانِ الذى للنَّفَقَةِ، ليس مِن السَّلَبَ في أحَدِ القَوْلَيْن؛ لأنَّه ممّا لا يُسْتَعَانُ به في الحَرْبِ، فأشْبَهَ المالَ الذى في خَرِيطَتِه. ولَنا، أنَّ البَراءَ بارَزَ مَرْزُبانَ الزَّأْرةِ (١)، فقَتَلَه، فبَلَغَ سِوارُه ومِنْطَقَتُه ثلاثين ألْفًا، فخَمَّسَه عُمَرُ، ودَفَعَه إليه. وفى حديثِ عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكَرِبَ، أنَّه حَمَل على أُسْوارٍ (٢)، فطَعَنَه، فدَقَّ صُلْبَه فَصَرَعَه، فنَزَلَ إليه فقَطَع يَدَه، وأخَذَ سِوارَيْن كانا عليه، ويَلْمَقًا (٣) مِن دِيباجٍ، وسَيْفًا، ومِنْطَقَةً، فسُلِّمَ ذلك إليه (٤). ولأنَّه مِن مَلْبُوسِه، أشْبَهَ ثِيابَه، ولأنَّه داخِلٌ في اسْمِ السَّلَبَ، أشْبَهَ الثِّيابَ والمِنْطَقَةَ، ويدْخُلُ في عُمُومِ قولِه ﷺ : «فَلَهُ سَلَبُهُ». واخْتَلَفَتِ الروايةُ عن أحمدَ، ﵀، في الدَّابَّةِ، فنُقِلَ عنه أنَّها ليستْ مِن السَّلَبِ. اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ السَّلَبَ ما كان على بَدَنِه، والدَّابَّةُ ليستْ كذلك، فلا تَدْخُلُ في الخبرِ. وذَكَر أبو عبدِ اللَّهِ حديثَ عمرِو بنِ مَعْدِيكَرِبَ، فأخَذَ سِوارَيْه، ومِنْطَقَتَه.
стр. 4684
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْنِى ولم يذْكُرِ الدَّابَّةَ. ونُقِلَ عنه أنَّها مِن السَّلَبِ. وهو ظاهرُ المَذْهَبِ. وبه قال الشافعىُّ؛ لِما روَى عوفُ بنُ مالكٍ، قال: خرجْتُ مع زيدِ بنِ حارِثَةَ، في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، ورافَقَنِى مَدَدِىٌّ مِن أهلِ اليَمَنٍ، فلَقِينا جُموعَ الرُّومِ، وفيهم رجلٌ على فَرَسٍ أشْقَرَ، عليه سَرْجٌ مُذهَّبٌ، وسِلاحٌ مُذَهَّبٌ، فجَعَلَ يُفْرِى (١) بالمسلمين، وقَعَد له المَدَدِىُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فمرَّ به الرُّومِى فعَرْقَبَ فرَسَه، فعَلاه فقَتَلَه، وحازَ فرَسَه وسِلاحَه، فلمّا فتحَ اللَّهُ للمسلمين، بَعَث إليه خالدُ بنُ الوليدِ، فأخَذَ مِن السَّلَب، قال عَوْفٌ: فأتَيْتُه، فقُلْتُ: يا خالدُ، أما عَلِمْتَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بالسَّلَبِ للقاتِلِ؟ قال: بَلَى. رَواه الأثْرَمُ (٢). وفى حديثِ شَبْرِ بنِ عَلْقَمَةَ، أنَّه أخَذَ فَرسَه (٣). كذلك قال أحمدُ: هو (٤) فيه. ولأنَّ الفَرَسَ يُسْتعانُ بها في الحَرْبِ، فأشْبَهَتِ السِّلاحَ، وما ذَكَرُوه يبْطُلُ بالرُّمْحِ والقَوْسِ، واللُّتِّ، فإنَّها مِن السَّلَبِ وليستْ مَلْبُوسَةً. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الدَّابَّةَ وما عليها؛ مِن سَرْجِها، ولِجامِها، وتَجْفِيفِها (٥)، وحِلْيَةٍ إن
стр. 4685
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانت عليها (١)، وجميعِ آلتِها، مِن السَّلَبِ؛ لأنَّه تابعٌ لها، ويُسْتَعانُ به في الحَرْبِ، وإنَّما تَكُونُ مِن السَّلَبِ إذا كان راكِبًا عليها، فإن كانتْ في مَنْزِلِه، أو مع غيرِه، أو مُنْقَلِبَةً، لم تكُنْ مِن السَّلَبِ، كالسِّلاحِ الذى ليس معه. وإن كان عليها، فصَرَعَه عنها، أو أشْعَرَه (٢) عليها، ثم قَتَلَه بعد نُزُولِه عنها، فهى مِن السَّلَبِ. وهذا قولُ الأوْزَاعِىِّ. وإن كان مُمْسِكًا بعِنانِها، غيرَ راكبٍ عليها، فعن أحمدَ فيها روايتان؛ إحْداهما، هى سَلَبٌ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مُتَمَكِّن مِن القِتالِ عليها، فأشبَهَتْ سَيْفه ورُمْحَه في يَدِه. والثانيةُ، ليستْ مِن السَّلَبِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه ليس براكبٍ عليها، فأشْبَهَ ما لو كانتْ مع غُلامِه. وإن كان على فرَسٍ، وفى يَدِه جَنِيبَةٌ، لم تكُنِ الجَنِيبَةُ مِن السَّلَبِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه رُكُوبُهُما معًا.
فصل: ويجُوزُ سَلْبُ القَتْلَى وتَرْكُهم عُراةً. وهذا قولُ الأوْزَاعِىِّ. وكَرِهَه الثَّوْرِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، لِما فيه مِن كَشْفِ عَوْرَاتِهم. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ في قتيلِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ: «لَهُ سَلَبُهُ أجْمَعُ» (٣). وقال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ». وهذا يتَناولُ جَميعَه.
стр. 4686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُكْرَهُ نَقْلُ رُءُوسِ المُشْرِكِين مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، والمُثْلَةُ بقَتْلاهُم وتَعْذِيبُهم؛ لِما روَى سَمُرَةُ (١) بنُ جُنْدُبٍ قال: كان النبىُّ ﷺ يَحُثُّنا على الصَّدَقَةِ، ويَنْهانا عن المُثْلَةِ. وعن عبدِ اللَّه قِال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ أعَفَّ النَّاسِ قِتْلَةً أهْلُ الإيمَانِ». رَواهما أبو داودَ (٢). وعن شَدَّادِ بنِ أوْس، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ». رَواه النِّسائِىُّ (٣). وعن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، أنَّه قَدِمَ على أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، برأسِ يَناقَ البِطْرِيقِ، فأنْكَرَ ذلك، فقال: يا خليفةَ رسولِ اللَّهِ، فإنَّهم يَفْعَلُون ذلك بِنَا. قال: فَاسْتِنَانٌ بفارِسَ
стр. 4687
وَلَا يَجُوزُ الْغَزْوُ إِلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، إِلَّا أنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافوُنَ كَلَبَهُ.
ــ
والرُّومِ! لا يُحْمَلُ إلىَّ رَأْسٌ، فإنَّما يَكْفِى الكتابُ والخَبَرُ (١). وقال الزُّهْرِىُّ: لم يُحْمَلْ إلى النبىِّ ﷺ رأْسٌ قَطُّ، وحُمِلَ إلى أبى بكرٍ فأنْكَرَه، وأوَّلُ مَن حُمِلَتْ إليه الرُّءُوسُ عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ. ويُكْرَهُ رَمْيُها في المَنْجَنِيقِ. نصَّ عليه أحمدُ. وإنْ فَعَلُوا ذلك لمَصْلَحَةٍ جازَ؛ لِما رُوِّينا، أنَّ عَمْرَو بنَ العاص حينَ حاصَرَ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ، ظَفِرَ أهْلُها برَجُلٍ مِن المسلمين، فأخَذُوا رَأْسَه، فجاءَ قوْمُه عَمْرًا مُتَغَضِّبِينَ، فقال لهم عَمْرو: خُذُوا رَجُلًا منهم فاقْطَعُوا رَأسَه، فارْمُوا به إليهم في المَنْجَنِيقِ، فَفَعَلُوا ذلك، فرَمَى أهْلُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ رأسَ المُسْلِمِ إلى قَوْمِه (٢).
فصل: (ولا يجُوزُ الغَزْوُ إلَّا بإذْنِ الأميرِ، إلَّا أن يَفْجَأَهُم عَدُوٌّ يخافُونَ كَلَبَهُ) إذا جاءَ العَدُوُّ، لَزِمَ جميعَ الناس، ممَّن هو مِن أهْلِ القِتالِ،
стр. 4688
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخُرُوجُ إليهم، إذا احْتِيجَ إليهم، ولا يجوزُ لأحَدٍ التَّخَلفُ إلَّا مَن يُحْتاجُ إلى تَخَلُّفِه لحِفْظِ المَكانِ والأهْلِ والمالِ، ومَن يَمْنَعُه الأمِيرُ الخروجَ، ومَن لا قُدْرَةَ له على الخروجِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (١). وقولِ النبىِّ ﷺ : «إذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (٢). وقد ذَمَّ اللَّهُ تعالى الذين أرادُوا الرُّجُوعَ إلى منازِلِهم يومَ الأحْزابِ، فقال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (٣). ولأنَّهم يصِيرُ الجِهادُ عليهم فَرْضَ عَيْنٍ إذا جاءَ العَدُوُّ، فلا يجُوزُ لأحَدٍ التُّخَلُّفُ عنه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّهم لا يخْرُجُونَ إلَّا بإذْنِ الأميرِ؛ لأنَّ أمْرَ الحَرْبِ مَوْكُولٌ إليه، وهو أعلمُ بكَثْرةِ العَدُوِّ وقِلَّتِهم، ومَكامِنِهم وكَيْدِهم، فيَنْبَغِى أن يُرْجَعَ إلى رَأْيِه؛ لأنَّه أحْوَطُ للمسلمين، إلَّا أن يَتَعَذَّرَ اسْتِئْذانُه، لمُفاجَأةِ عَدُوهم، فلا يجبُ اسْتِئْذانُه حينَئِذٍ؛ لأنَّ المَصْلَحَةَ تَتَعَيَّنُ في قِتالِهم والخُرُوجِ إليهم، لِتَعَيُّنِ الفَسادِ في تَرْكِهم، ولذلك لَمّا أغارَ الكُفّارُ على لِقاحِ النبىِّ ﷺ ، فصادَفَهم سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ خارجًا مِن المدينةِ، تَبِعَهم، فقاتَلَهم مِن غيرِ إذْنٍ، فمَدَحَه النبىُّ ﷺ ، وقال: «خَيْرُ رَجَّالَتِنا (٤) سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ». وأعْطاهُ سهمَ فارِسٍ
стр. 4689
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وراجلٍ (١). وكذلك إن عَرَضَتْ لهم فُرْصَةٌ يخافُون فَوْتَها إن تَرَكُوها حتى يَسْتَأْذِنوا الأمِيرَ، فلهم الخُرُوجُ بغيرِ إذْنِه؛ لئلَّا تَفُوتَهم.
فصل: وسُئِل أحمدُ عن الإِمامِ إذا غَضِبَ على الرَّجُلِ، فقال: اخْرُجْ، عليك أن لا تَصْحَبَنِى. فنادَى بالنَّفِيرِ، يَكُونُ إذْنًا له؟ قال: لا، إنَّما قَصَد له وحدَه، فلا يَصْحَبُه حتى يأْذَنَ له. قال: وإذا نُودِىَ بالصلاةِ والنَّفِيرِ، فإن كان العَدُوُّ بالبُعْدِ، إنَّما جاءَهم طَلِيعَةُ العَدُوِّ، صَلَّوْا ونَفَرُوا إليهم، وإذا اسْتَغاثُوهم وقد جاءَ العَدُوُّ، أغاثُوا ونَصَرُوا وصَلَّوْا على ظُهورِ دَوابِّهم ويُومِئُون، والغِياثُ عندِى أفْضَلُ مِن صلاةِ الجماعَةِ، والطالِبُ والمطلوبُ في هذا الموضعِ يُصلِّى على ظَهْرِ دابَّتِه، وهو يسيرٌ إن شاءَ اللَّهُ. وإذا سَمِعَ النَّفِيرَ وقد أُقِيمَتِ الصلاةُ يُصَلِّى، ويُخَفِّفُ، ويُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ، ويَقْرأُ بسُوَرٍ قِصارٍ، وقد نَفَر مِن أصْحابِ النبىِّ ﷺ وهو جُنُبٌ، يَعْنِى حَنْظَلَةَ بنَ الرَّاهِبِ غَسِيلَ الملائِكَةِ (٢)، قال: ولا يقْطَعُ الصلاةَ إذا كان فيها. وإذا جاءَ النَّفِيرُ والإِمامُ يخْطُبُ يومَ الجُمُعَةِ، لا نَرَى أن ينْفِرُوا. قال: ولا تَنْفِرُ الخيلُ إلَّا على حقيقةٍ، ولا تَنْفِرُ على الغُلامِ إذا أبَقَ إذا نَفّرُوهم، ولا يكونُ هلاكُ الناسِ بسَبَبِ غُلام، وإذا نادَى الإِمامُ: الصلاةَ جامعة. لأمْرٍ يحْدُثُ، فيُشاوِرُ فيه، لم يتَخَلَّفْ عنه أحَدٌ إلَّا لعُذْرٍ.
стр. 4690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلَيْن يشْتَرِيان الفَرَسَ بينَهما، يَغْزُوانِ عليه، يركبُ هذا عُقْبَةً، وهذا عُقْبَةً، فقال: ما سَمِعْتُ فيه بشئٍ، وأرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ. قيل له: أيُّما أحَبُّ إليك، يعْتَزِلُ الرجلُ في الطَّعام أو يُرافِقُ؟ قال: يُرافِقُ، هذا أرْفَقُ، يتَعاوَنُون، وإذا كُنْتَ وَحْدَك لم يُمْكِنْكَ الطَّبْخُ ولا غيرُه، ولا بَأْسَ بالنِّهْدِ، قد تناهَدَ الصَّالحُون، كان الحسَنُ إذا سافَرَ ألْقَى معهم، ويَزِيدُ أيضًا بعدَ ما يُلْقِى. ومعنى النِّهْدِ، أن يُخْرِجَ كلُّ واحدٍ مِن الرُّفْقَةِ شيئًا مِن النَّفَقَةِ، يدْفَعُونَه إلى رجل يُنْفِقُ عليهم منه، ويأْكُلُونَ جميعًا، وكان الحسَنُ يدْفَعُ إلى وَكِيلِهم مثلَ واحِدٍ منهم، ثم يعودُ فيَأتِى سِرًّا بمثلِ ذلك، يدْفَعُه إليه. قال أحمدُ: ما أرَى أن يغْزُوَ ومعه مُصْحَفٌ. يعنى لا يدْخُلُ به أرْضَ العَدُوِّ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أرْضِ العَدُوِّ». رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ (١).
فصل: ومَن أُعْطِىَ شيئًا يسْتَعِينُ به في غَزاتِه، فما فَضَل فهو له، إذا كان قد أُعْطِىَ لغَزْوَةٍ بعَيْنِها. هذا قولُ عطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ. وكان ابنُ عُمَرَ إذا أعْطى شيئًا في الغَزْوِ، يقولُ لصاحِبِه: إذا بَلَغْتَ وادِىَ القُرَى (٢) فشَأْنُكَ به. ولأنَّه أعْطاه على سَبِيلِ المُعاوَنَةِ والنَّفَقَةِ، لا على سبيلِ الإجارَةِ، فكان الفاضِلُ له، كما لو وَصَّى له أن يحُجَّ عنه فلانٌ حجَّةً بألْفٍ. وإن أعْطاه شيئًا ليُنْفِقَه في سبيلِ اللَّهِ، أو في الغَزْوِ مطلقًا، ففَضَلَ منه فَضْلٌ، أنْفَقَه في غَزاةٍ أُخْرَى؛ لأنَّه أعْطاهُ
стр. 4691
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجمِيعَ ليُنْفِقَه في جِهَةِ قُرْبَةٍ، فلَزِمَه إنْفاقُ الجميعِ فيها، كما لو وَصَّى أن يحُجَّ عنه بألْفٍ.
فصل: ومَن أُعْطِىَ شيئًا يسْتَعِينُ به في الغَزْوِ، فقال أحمدُ: لا يتْرُكُ لأهْلِه منه شيئًا؛ لأنَّه ليس يَمْلِكُه، إلَّا أن يَصِيرَ إلى رَأْسِ مَغْزاهُ، فيَكُونَ كهَيْئَةِ مالِه، فيَبْعَثُ إلى عِيالِه منه، ولا يتَصَرَّفُ فيه قبلَ الخُروجِ؛ لئلَّا يتَخَلَّفَ عن الغَزْوِ، فلا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِما أنْفَقَه، إلَّا أن يَشتَرِىَ منه سِلاحًا، أو آلةَ الغزْوِ. فإن قَصَد إعْطاءَه لمَن يغْزُو به، فقال أحمدُ: لا يتَّخِذُ منها سُفْرَةً فيها طَعام، فيُطْعِمَ منها أحدًا؛ لأنَّه إنَّما أُعْطِيَها ليُنْفِقَها في جِهَةٍ مخْصُوصَةٍ، وهى الجِهادُ.
فصل: وإذا أُعْطِىَ الرجلُ دابَّةً ليَغْزُوَ عليها، فإذا غَزا عليها مَلَكَها، كما يمْلِكُ النَّفَقَةَ المدْفُوعَةَ إليه، إلَّا أن تَكُونَ عارِيَّةً، فتَكُونَ لصاحِبِها، أو حَبْسًا فيكونَ حَبْسًا بحالِه. قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: حَمَلْتُ على فَرَسٍ عَتِيقٍ في سبيلِ اللَّهِ، فأضاعَه صاحِبُه الذى كان عندَه، فأرَدْتُ أن أشْتَرِيَه، وظَنَنْتُ أنَّه بائِعُه بِرُخْصٍ، فسألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقال: «لَا تَشْتَرِه، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ وَإنْ أعْطاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فإنَّ العَائِدَ في صَدَقَتِه كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِى قَيْئهِ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وهذا يدُلُّ على أنَّه مَلَكَه، لولا ذلك ما باعَه، ويدُلُّ على أنَّه مَلَكَه بعدَ الغزْوِ؛ لأنَّه أقامَه للبَيْعِ بالمدينةِ، ولم يكُنْ ليَأْخُذَه مِن عُمَرَ، ثم يُقِيمَه للبَيْعِ في الحالِ، فدَلَّ على أنَّه أقامَه للبَيْعِ بعدَ
стр. 4692
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَزْوِه عليه. ذَكَرَ أحمدُ نحوَ هذا الكلامِ. وسُئِلَ: متى يَطِيبُ له الفَرَسُ؟ قال: إذا غَزا عليه. قيل له: فإنَّ العَدُوَّ جاءَنا فخَرَجَ على هذا الفَرَسِ في الطَّلَبِ إلى خمسةِ فَرَاسِخَ، ثم رَجَع؟ قال: لا، حتى يَكُونَ غَزا (١). قيل له: فحديثُ ابنِ عُمَرَ: إذا بَلَغْتَ وادِىَ القُرَى، فشَأْنُكَ به. قال: ابنُ عُمَرَ كان يصْنَعُ ذلك في مالِه، ورَأى (٢) أنَّه إنَّما يسْتَحِقُّه إذا غَزَا عليه. وهذا قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، وسالمٌ، والقاسِمُ، والأنْصارِىُّ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ. ونخوُه عن الأوْزَاعِىِّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولم أعْلَمْ أنَّ أحَدًا قال: إنَّ (٣) له أن يَبِيعَه في مكانِه. وكان مالكٌ لا يَرَى أن يُنْتَفَعَ بثَمَنِه في غيرِ سبيل اللَّهِ، إلَّا أن يقولَ له: شَأْنُكَ به ما أرَدْتَ. ولَنا، أنَّ حديثَ عُمَرَ ليس فيه ما اشْتَرَطَ مالكٌ. فأمَّا إن قال: هى حَبِيسٌ. فلا يجُوزُ بَيْعُها، وسَنَذْكُرُ ذلك في الوَقْفِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: قال أحمدُ: لا يَرْكَبُ دَوابَّ السَّبِيلِ في حاجةٍ، ويَرْكَبُها ويَسْتَعْمِلُها في سَبيلِ اللَّهِ، ولا يَرْكَبُ في الأمْصارِ والقُرَى، ولا بأْسَ (٤) أن (٥) يَرْكَبَها ويعْلِفَها، وأكْرَهُ سِياقَ الرَّمَكِ (٦) على
стр. 4693
فَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَغَنِمُوا، فَغَنِيمَتُهُمْ فَىْءٌ. وَعَنْهُ، هِىَ لَهُمْ بَعْدَ الْخُمْسِ. وَعَنْهُ، هِىَ لَهُمْ لَا خُمْسَ فِيهَا.
ــ
الفَرَسِ الحبيسِ (١)، وسَهْمُ الفَرَسِ الحَبِيسِ لمَن غَزا عليه. وإذا أرادَ أن يَشْتَرِىَ فَرَسًا ليَحْمِلَ عليه، فقال أحمدُ: يُسْتَحَبُّ شِراؤُها مِن غيرِ الثَّغْرِ؛ ليَكُونَ تَوْسِعَةً على أهْلِ الثَّغْرِ، في الجَلَبِ.
١٤٣٤ - مسألة: (وإن دَخَل قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لهم دارَ الحَرْب بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، فَغَنِمُوا) فعَن أحمدَ فيها ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحداهُنَّ، أنَّ غَنِيمَتَهم كغَنِيمَةِ غيرِهم، يُخَمِّسُه الإِمامُ، ويَقْسِمُ باقِيَه بينَهم. هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلمِ، منهم الشافعىُّ؛ لعُمُومِ قولِه سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. الآية. والقِياسُ على ما إذا دَخَلُوا بإذْنِ الإِمامِ. والثانيةُ، هو لهم مِن غيرِ أن يُخَمَّسَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه اكْتِسابٌ مُباحٌ مِنِ غيرِ جِهادٍ، فأشْبَهَ الاحْتِطابَ، فإنَّ الجِهادَ بإذْنِ الإِمامِ، أو مِن طائِفةٍ لهم مَنَعَة وقُوَّةٌ، فأمَّا هذا فتَلَصُّصٌ وسَرِقَةٌ ومُجَرَّدُ اكْتِسابٍ. والثالثةُ، أنَّه لا حَقَّ لهم فيه. قال أحمدُ، في عَبْدٍ أبَقَ إلى الرُّومِ، ثم رَجَع ومعه مَتاعٌ: العَبْدُ لمَوْلاه، وما معه مِن المتاعِ والمالِ فهو للَمُسْلِمِين؛ لاُنَّهم عُصاةٌ بفِعْلِهِم، فلم يكُنْ لهم فيه حَق. والأُولَى أوْلَى. قال
стр. 4694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأوْزَاعِىُّ: لمّا أقْفَلَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيرِ الجيشَ الذى (١) كانُوا مع مَسْلَمَةَ، كُسِرَ مَرْكَبُ بعضِهم، فأخَذَ المُشْرِكُونَ ناسًا مِن القِبْطِ، فكانُوا خَدَمًا لهم، فخرَجُوا يومًا إلى عيدٍ لهم، وخَلَّفُوا القِبْطَ في مَرْكَبِهم، وشَرِبَ الآخَرُونَ، ورَفَع القِبْطُ القِلَعَ، وفى المَرْكَبِ مَتاعُ الآخَرِينَ وسلاحُهم، فلم يضَعُوا قِلَعَهم حتى أتَوْا بيروتَ، فكُتِب في ذلك إلى عُمَرَ ابنِ عبدِ العَزِيزِ، فَكَتَبَ عُمَرُ: نَفِّلُوهم القِلَعَ وكلَّ شئٍ جاءُوا به إلَّا الخُمْسَ. رَواه سعيدٌ، والأثْرَمُ (٢). فإن كانتِ الطائِفَةُ ذاتَ مَنَعَةٍ، غَزَوْا بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، ففيهِم رِوايتان؛ إحْداهما، لا شَئَ لهم، وهو فَىْءُ المسلمين. والثانيةُ، يُخمَّسُ، والباقى لهم. وهى أصَحُّ. ووَجْهُ الرِّوايَتَيْن ما تَقَدَّمَ. ويُخَرَّجُ فيه وَجْه كالرِّوايَةِ الثَّالثةِ، وهو أنَّ الجميعَ لهم؛ لكَوْنِه اكْتِسابًا مُباحًا مِن غيرِ جِهادٍ.
فصل: قال الخِرَقِىُّ: ولا يَتَزَوَّجُ في أرضِ العَدُوِّ، إلَّا أن تَغْلِبَ عليه
стр. 4695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّهْوةُ، فيَتَزَوَّجَ مُسلِمَةً، ويَعْزِلُ عنها، ولا يَتَزَوَّجُ منهم. ومَن اشْتَرى جارِيَةً لم يَطَأْها في الفَرْجِ. وهو في أرْضِهم. قال شيْخُنا (١)، رَحِمَه اللَّهُ تعالى: يريدُ، واللَّهُ أعْلمُ، مَن دَخَل أرْضَ العَدُوِّ بأمانٍ، فأمَّا إن كان في جَيْشِ المُسْلِمِين، فله أن يَتَزَوَّجَ؛ لِما رُوِى عن سعيدِ بنِ (٢) أبى هلالٍ، أنَّه بَلَغَه أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ أسْماءَ بنتَ عُمَيْسٍ أبا بكر، وهم تحتَ الرَّاياتِ. أخْرَجَه سعيدٌ (٣). ولأنَّ الكُفّارَ لا يَدَ لهم عليه، أشبَهَ مَن في دارِ الإِسْلامِ. وأمَّا الأسِيرُ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يَحِلُّ له التَّزَوُّجُ ما دامَ أسِيرًا؛ لأنَّه مَنَعَه مِن وَطْءِ امْرَأتِه إذا أُسِرَتْ معه، مع صِحَّةِ نِكاحِهِما. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، فإنَّه قال: لا يَحِلُّ للأسيرِ أن يتَزَوَّجَ ما كان في أرْضِ المُشْرِكِين. ولأنَّ الأسِيرَ إذا وُلِدَ لَه وَلَدٌ كان رقيقًا لهم، ولا يأْمَنُ أن يَطَأَ امْرَأتَه غيرُه منهم. وسُئِلَ أحمدُ عن أسِيرٍ أسِرَتْ معه امْرأتُه،