. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجمِيعَ ليُنْفِقَه في جِهَةِ قُرْبَةٍ، فلَزِمَه إنْفاقُ الجميعِ فيها، كما لو وَصَّى أن يحُجَّ عنه بألْفٍ.
فصل: ومَن أُعْطِىَ شيئًا يسْتَعِينُ به في الغَزْوِ، فقال أحمدُ: لا يتْرُكُ لأهْلِه منه شيئًا؛ لأنَّه ليس يَمْلِكُه، إلَّا أن يَصِيرَ إلى رَأْسِ مَغْزاهُ، فيَكُونَ كهَيْئَةِ مالِه، فيَبْعَثُ إلى عِيالِه منه، ولا يتَصَرَّفُ فيه قبلَ الخُروجِ؛ لئلَّا يتَخَلَّفَ عن الغَزْوِ، فلا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِما أنْفَقَه، إلَّا أن يَشتَرِىَ منه سِلاحًا، أو آلةَ الغزْوِ. فإن قَصَد إعْطاءَه لمَن يغْزُو به، فقال أحمدُ: لا يتَّخِذُ منها سُفْرَةً فيها طَعام، فيُطْعِمَ منها أحدًا؛ لأنَّه إنَّما أُعْطِيَها ليُنْفِقَها في جِهَةٍ مخْصُوصَةٍ، وهى الجِهادُ.
فصل: وإذا أُعْطِىَ الرجلُ دابَّةً ليَغْزُوَ عليها، فإذا غَزا عليها مَلَكَها، كما يمْلِكُ النَّفَقَةَ المدْفُوعَةَ إليه، إلَّا أن تَكُونَ عارِيَّةً، فتَكُونَ لصاحِبِها، أو حَبْسًا فيكونَ حَبْسًا بحالِه. قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: حَمَلْتُ على فَرَسٍ عَتِيقٍ في سبيلِ اللَّهِ، فأضاعَه صاحِبُه الذى كان عندَه، فأرَدْتُ أن أشْتَرِيَه، وظَنَنْتُ أنَّه بائِعُه بِرُخْصٍ، فسألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقال: «لَا تَشْتَرِه، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ وَإنْ أعْطاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فإنَّ العَائِدَ في صَدَقَتِه كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِى قَيْئهِ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وهذا يدُلُّ على أنَّه مَلَكَه، لولا ذلك ما باعَه، ويدُلُّ على أنَّه مَلَكَه بعدَ الغزْوِ؛ لأنَّه أقامَه للبَيْعِ بالمدينةِ، ولم يكُنْ ليَأْخُذَه مِن عُمَرَ، ثم يُقِيمَه للبَيْعِ في الحالِ، فدَلَّ على أنَّه أقامَه للبَيْعِ بعدَ
стр. 4692
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَزْوِه عليه. ذَكَرَ أحمدُ نحوَ هذا الكلامِ. وسُئِلَ: متى يَطِيبُ له الفَرَسُ؟ قال: إذا غَزا عليه. قيل له: فإنَّ العَدُوَّ جاءَنا فخَرَجَ على هذا الفَرَسِ في الطَّلَبِ إلى خمسةِ فَرَاسِخَ، ثم رَجَع؟ قال: لا، حتى يَكُونَ غَزا (١). قيل له: فحديثُ ابنِ عُمَرَ: إذا بَلَغْتَ وادِىَ القُرَى، فشَأْنُكَ به. قال: ابنُ عُمَرَ كان يصْنَعُ ذلك في مالِه، ورَأى (٢) أنَّه إنَّما يسْتَحِقُّه إذا غَزَا عليه. وهذا قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، وسالمٌ، والقاسِمُ، والأنْصارِىُّ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ. ونخوُه عن الأوْزَاعِىِّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولم أعْلَمْ أنَّ أحَدًا قال: إنَّ (٣) له أن يَبِيعَه في مكانِه. وكان مالكٌ لا يَرَى أن يُنْتَفَعَ بثَمَنِه في غيرِ سبيل اللَّهِ، إلَّا أن يقولَ له: شَأْنُكَ به ما أرَدْتَ. ولَنا، أنَّ حديثَ عُمَرَ ليس فيه ما اشْتَرَطَ مالكٌ. فأمَّا إن قال: هى حَبِيسٌ. فلا يجُوزُ بَيْعُها، وسَنَذْكُرُ ذلك في الوَقْفِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: قال أحمدُ: لا يَرْكَبُ دَوابَّ السَّبِيلِ في حاجةٍ، ويَرْكَبُها ويَسْتَعْمِلُها في سَبيلِ اللَّهِ، ولا يَرْكَبُ في الأمْصارِ والقُرَى، ولا بأْسَ (٤) أن (٥) يَرْكَبَها ويعْلِفَها، وأكْرَهُ سِياقَ الرَّمَكِ (٦) على
стр. 4693
فَإِنْ دَخَلَ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَغَنِمُوا، فَغَنِيمَتُهُمْ فَىْءٌ. وَعَنْهُ، هِىَ لَهُمْ بَعْدَ الْخُمْسِ. وَعَنْهُ، هِىَ لَهُمْ لَا خُمْسَ فِيهَا.
ــ
الفَرَسِ الحبيسِ (١)، وسَهْمُ الفَرَسِ الحَبِيسِ لمَن غَزا عليه. وإذا أرادَ أن يَشْتَرِىَ فَرَسًا ليَحْمِلَ عليه، فقال أحمدُ: يُسْتَحَبُّ شِراؤُها مِن غيرِ الثَّغْرِ؛ ليَكُونَ تَوْسِعَةً على أهْلِ الثَّغْرِ، في الجَلَبِ.
١٤٣٤ - مسألة: (وإن دَخَل قَوْمٌ لا مَنَعَةَ لهم دارَ الحَرْب بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، فَغَنِمُوا) فعَن أحمدَ فيها ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحداهُنَّ، أنَّ غَنِيمَتَهم كغَنِيمَةِ غيرِهم، يُخَمِّسُه الإِمامُ، ويَقْسِمُ باقِيَه بينَهم. هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلمِ، منهم الشافعىُّ؛ لعُمُومِ قولِه سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. الآية. والقِياسُ على ما إذا دَخَلُوا بإذْنِ الإِمامِ. والثانيةُ، هو لهم مِن غيرِ أن يُخَمَّسَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه اكْتِسابٌ مُباحٌ مِنِ غيرِ جِهادٍ، فأشْبَهَ الاحْتِطابَ، فإنَّ الجِهادَ بإذْنِ الإِمامِ، أو مِن طائِفةٍ لهم مَنَعَة وقُوَّةٌ، فأمَّا هذا فتَلَصُّصٌ وسَرِقَةٌ ومُجَرَّدُ اكْتِسابٍ. والثالثةُ، أنَّه لا حَقَّ لهم فيه. قال أحمدُ، في عَبْدٍ أبَقَ إلى الرُّومِ، ثم رَجَع ومعه مَتاعٌ: العَبْدُ لمَوْلاه، وما معه مِن المتاعِ والمالِ فهو للَمُسْلِمِين؛ لاُنَّهم عُصاةٌ بفِعْلِهِم، فلم يكُنْ لهم فيه حَق. والأُولَى أوْلَى. قال
стр. 4694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأوْزَاعِىُّ: لمّا أقْفَلَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيرِ الجيشَ الذى (١) كانُوا مع مَسْلَمَةَ، كُسِرَ مَرْكَبُ بعضِهم، فأخَذَ المُشْرِكُونَ ناسًا مِن القِبْطِ، فكانُوا خَدَمًا لهم، فخرَجُوا يومًا إلى عيدٍ لهم، وخَلَّفُوا القِبْطَ في مَرْكَبِهم، وشَرِبَ الآخَرُونَ، ورَفَع القِبْطُ القِلَعَ، وفى المَرْكَبِ مَتاعُ الآخَرِينَ وسلاحُهم، فلم يضَعُوا قِلَعَهم حتى أتَوْا بيروتَ، فكُتِب في ذلك إلى عُمَرَ ابنِ عبدِ العَزِيزِ، فَكَتَبَ عُمَرُ: نَفِّلُوهم القِلَعَ وكلَّ شئٍ جاءُوا به إلَّا الخُمْسَ. رَواه سعيدٌ، والأثْرَمُ (٢). فإن كانتِ الطائِفَةُ ذاتَ مَنَعَةٍ، غَزَوْا بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، ففيهِم رِوايتان؛ إحْداهما، لا شَئَ لهم، وهو فَىْءُ المسلمين. والثانيةُ، يُخمَّسُ، والباقى لهم. وهى أصَحُّ. ووَجْهُ الرِّوايَتَيْن ما تَقَدَّمَ. ويُخَرَّجُ فيه وَجْه كالرِّوايَةِ الثَّالثةِ، وهو أنَّ الجميعَ لهم؛ لكَوْنِه اكْتِسابًا مُباحًا مِن غيرِ جِهادٍ.
فصل: قال الخِرَقِىُّ: ولا يَتَزَوَّجُ في أرضِ العَدُوِّ، إلَّا أن تَغْلِبَ عليه
стр. 4695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّهْوةُ، فيَتَزَوَّجَ مُسلِمَةً، ويَعْزِلُ عنها، ولا يَتَزَوَّجُ منهم. ومَن اشْتَرى جارِيَةً لم يَطَأْها في الفَرْجِ. وهو في أرْضِهم. قال شيْخُنا (١)، رَحِمَه اللَّهُ تعالى: يريدُ، واللَّهُ أعْلمُ، مَن دَخَل أرْضَ العَدُوِّ بأمانٍ، فأمَّا إن كان في جَيْشِ المُسْلِمِين، فله أن يَتَزَوَّجَ؛ لِما رُوِى عن سعيدِ بنِ (٢) أبى هلالٍ، أنَّه بَلَغَه أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ أسْماءَ بنتَ عُمَيْسٍ أبا بكر، وهم تحتَ الرَّاياتِ. أخْرَجَه سعيدٌ (٣). ولأنَّ الكُفّارَ لا يَدَ لهم عليه، أشبَهَ مَن في دارِ الإِسْلامِ. وأمَّا الأسِيرُ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يَحِلُّ له التَّزَوُّجُ ما دامَ أسِيرًا؛ لأنَّه مَنَعَه مِن وَطْءِ امْرَأتِه إذا أُسِرَتْ معه، مع صِحَّةِ نِكاحِهِما. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، فإنَّه قال: لا يَحِلُّ للأسيرِ أن يتَزَوَّجَ ما كان في أرْضِ المُشْرِكِين. ولأنَّ الأسِيرَ إذا وُلِدَ لَه وَلَدٌ كان رقيقًا لهم، ولا يأْمَنُ أن يَطَأَ امْرَأتَه غيرُه منهم. وسُئِلَ أحمدُ عن أسِيرٍ أسِرَتْ معه امْرأتُه،
стр. 4696
وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ طَعَامًا، أَوْ عَلَفًا،
ــ
أيَطَؤُها؟ فقال: كيفَ يَطَؤُها، ولَعَلَّ غيرَه منهم يَطؤُها! قال الأثْرَمُ: قلتُ له: فلَعَلَّها تَعْلَقُ بوَلَدٍ، فيَكُونُ معهم. فقال: وهذا أيضًا. وأمَّا الذى يدْخُلُ إليهم بأمانٍ، كالتّاجِرِ ونحوِه، فهو الذى أرادَ الخِرَقِىُّ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، فلا يَنْبَغِى له أن يَتَزَوَّجَ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ أن تَأْتِىَ امْرَأتُه بوَلَدٍ، فيَسْتَوْلِىَ عليه الكُفّارُ، ورُبَّما نَشَأَ بينَهم، فيصيرُ على دينِهم. فإن غلَبَتْ عليه الشَّهْوَةُ، أُبِيحَ له نِكاجُ مُسْلِمَةٍ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ، ويَعْزِلُ عنها كيْلا تَأْتِىَ بوَلَدٍ. ولا يَتَزَوَّجُ منهم؛ لأنَّها تَغْلِبُه على وَلَدِها، فيَتْبَعُها على دِينِها. قال القاضى: قولُ الخِرَقِىِّ هذا نَهْىُ كَراهَةٍ، لا نَهْىُ تَحْريمٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١). ولأنَّ الأصْلَ الحِلُّ، فلا يَحْرُمُ بالشَّكِّ والتَّوَهُّمِ، وإنَّما كَرِهْنا له التَّزَوُّجَ منهم مَخافَةَ أن يغْلِبُوا على وَلَدِه، فيَسْتَرِقُّوه، ويُعَلِّمُوه الكفرَ، ففى تَزْويجه تعْرِيضُه لهذا الفَسادِ العظيمِ، وازْدادَتِ الكَراهَةُ إذا تَزَوَّجَ منهم؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ امرأتَه تغْلِبُه على وَلدِها، فتُكَفِّرُه، كما أنَّ حُكْمَ الإِسْلامِ يَغْلِبُ للإسْلامِ فيما إذا أسْلَمَ أحَدُ الأبَوَيْن، أو تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِمِّيَّةً. وإذا اشْتَرَى منهم جارِيَةً، لم يَطَأْها في الفَرْجِ في أرْضِهم؛ مخَافَةَ أن يَغْلِبُوه على وَلَدِها، فيَسْتَرِقُّوه ويُكَفِّرُوه.
١٤٣٥ - مسألة: (ومَن أخَذَ مِن دارِ الحَرْبِ طعامًا، أو عَلَفًا ،
стр. 4697
فَلَهُ أَكْلُهُ، وَعَلْفُ دَابَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ، فَإِنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ في الْمَغْنَمِ،
ــ
فله أكْلُهُ، وعَلْفُ دابَّتِه بغيرِ إذْنٍ، وليس له بَيْعُه، فإن باعَه، رَدَّ ثَمَنَه في المَغْنَمِ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، إلَّا مَن شَذَّ منهم، على أنَّ للغُزاةِ إذا دَخَلُوا أرْضَ الحَرْبِ، أن يَأْكُلُوا ما وَجَدُوا مِن الطَّعامِ، ويَعْلِفُوا دَوابَّهُم مِن عَلَفِهم؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والحسنُ، والشعبىُّ، والقاسمُ، وسالمٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال الزُّهْرِىُّ: لا يُؤْخَذُ إلَّا بإذْنِ الإِمام. وقال سليمانُ ابنُ موسى: لا يُتْرَكُ إلَّا أن يَنْهَى عنه الإِمامُ، فيُتَّقَى (١) نَهْيُه. ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ أبى أوْفَى، قال: أصَبْنَا طعامًا يومَ خيْبَرَ، فكانَ الرجلُ يأْخُذُ منه مِقْدارَ ما يَكْفِيه، ثم ينْصَرِفُ. رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ (٢). ورُوِىَ أنَّ صاحِبَ جيشِ الشامِ، كَتَب إلى عُمَرَ: إنّا أصَبْنا أرْضًا كثيرةَ الطَّعامِ والعَلَفِ، وكَرِهْتُ أن أتَقَدَّمَ في شئٍ مِن ذلك. فكَتَبَ إليه: دَعِ النَّاسَ يَأْكُلُون ويَعْلِفُون، فمَن باعَ منهم شيئًا بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، ففيه
стр. 4698
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خُمْسُ اللَّهِ وسِهامُ المسلمين. رَواه سعيدٌ (١). وقد روَى عبدُ اللَّهِ ابنُ مُغَفَّلٍ، قال: دُلِّىَ جِرابٌ مِن شَحْم يومَ خَيْبَرَ، فالْتَزَمْتُه، وقلتُ: واللَّهِ لا أُعْطِى أحدًا منه شيئًا. فالْتَفَتُّ، فَإذا رسولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ، فاسْتَحْيَيْتُ منه. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى هذا، وفى المَنْعِ مَضَرَّةٌ بالجيشِ وبدَوابِّهم، فإنَّه يعْسُرُ عليهم نَقْلُ الطعامِ والعَلَفِ مِن دارِ الإِسلامِ، ولا يَجِدُونَ بدارِ الحَرْبِ ما يَشْتَرُونَه، ولو وَجدُوه لم يَجِدُوا ثَمَنَه، ولا يُمْكِنُ قِسْمَةُ ما يأْخُذُه الواحدُ منهم، ولو قُسِمَ لم يَحْصُلْ للواحِدِ منهم شئٌ يَنْتَفِعُ به، ولا يَدْفَعُ به حاجَتَه، فأُبِيحَ لهم ذلك، فمَن أخَذَ مِن الطَّعامِ شيئًا ممّا يُقْتاتُ أو يصْلُحُ به القُوتُ، مِن الأُدْمِ أو غيرِه، أو العَلَفِ لدابَّتِه، فهو أحَقُّ به، سواء كان له ما يَسْتَغْنِى به عنه، أو لا، ويكُونُ أحَقَّ بما يأْخُذُه مِن غيرِه، فإن فَضَل منه ما لا حاجَةَ به إليه، رَدَّه على المسلمين؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ له ما يحْتاجُ إليه. وإن أعْطاه أحَدٌ مِن أهْلِ الجيشِ ما يحْتاجُ إليه، جازَ له أخْذُه، وصارَ أحَقَّ به مِن غيرِه. وإن باع شيئًا مِن الطَّعامِ أو العَلَفِ، رَدَّ قِيمَتَه في الغَنِيمَةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عُمَرَ.
стр. 4699
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبه قال سُليمانُ بنُ موسى، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ. وكَرِهَ القاسِمُ، وسالمٌ، ومالكٌ بَيْعَه. وقال القاضى: لا يَخْلُو؛ إمَّا أن يَبِيعَه مِن غازٍ أو غيرِه، فإن باعَه لغيرِه، فالبَيْعُ باطِلٌ؛ لأنّهْ باعَ مالَ الغَنِيمَةِ بغيرِ وِلايةٍ ولا نِيابَةٍ، فيَجِبُ رَدُّ المَبِيعِ، ورَفْضُ البَيْعِ، فإن تَعَذَّرَ رَدُّه، رَدَّ قِيمَتَه، أو ثَمَنَه إن كان أكْثَرَ مِن قِيمَتِه إلى المَغْنَمِ. وإن باعَه لغازٍ، لم يَخْلُ مِن أن يُيْدِلَه بطَعام أو عَلَفٍ ممّا له الانْتِفاعُ به، أو بغيرِه، فإن باعَه بمِثْلِه، فليس هذا بَيْعًا في الحقِيقَةِ، إنَّما سَلَّم إليه مُباحًا وأخَذَ مِثْلَه مُباحًا، ولكلِّ واحدٍ منهما الانْتِفاعُ بما أخَذَه، وصار أحَقَّ به مِن غيرِه؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه. فعلى هذا، لو باع صاعًا بصاعَيْن، أو افْتَرَقا قبلَ القَبْضِ، جازَ. وإن باعَه به نَسِيئَةً، أو أقْرَضَه إيّاه، فأخَذَه، فهو أحَقُّ به، ولا يَلْزَمُه إيفاؤُه، فإن وفّاه، ورَدَّه إليه، عادَتِ اليَدُ إليه، وإن باعَه بغيرِ الطَّعامِ والعَلَفِ، فالبَيْعُ غيرُ صَحِيحٍ، ويَصِيرُ المُشْتَرِى أحَقَّ به؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه، ولا ثَمَنَ عليه، وإن أخَذَه منه، وَجَب رَدُّه إليه.
فصل: وإن وَجَد دُهْنًا، فهو كسائِرِ الطَّعامِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ، ولأنَّه طَعامٌ، فأشْبَهَ البُرَّ والشَّعِيرَ. وإن كان غيرَ
стр. 4700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مأْكُولٍ، فاحْتاجَ أن يَدَّهِنَ به، أو يَدْهُنَ دابَّتَه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ جَوازُه، إذا كان مِن حاجَةٍ. قال في زَيْتِ الرُّومِ: إذا كان مِن ضَرورَةٍ أو صُدَاعٍ، فلا بَأْسَ، فأمَّا التَّزَيُّنُ فلا يُعْجِبُنى. وقال الشافعىُّ: ليس له دَهْنُ دابَّتِه مِن جَرَبٍ إلَّا بالقِيمَةِ؛ لأنَّ ذلك لا تَعُمُّ الحاجَةُ إليه. ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ مثلَ هذا؛ لأنَّه ليسِ بطَعامٍ ولا عَلَفٍ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ هذا ممّا يَحْتاجُ إليه لإصْلاحِ نفْسِه ودابَّتِه، أشْبَهَ الطَّعامَ والعَلَفَ. وله أكْلُ ما يتَداوى به، ويشْرَبُ الشَّرابَ مِن الجُلَّابِ (١) والسَّكَنْجَبِينِ (٢) وغَيْرِهما، عندَ الحاجَةِ إليه؛ لأنَّه مِن الطَّعامِ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: ليس له تَناولُهُ؛ لأنَّه ليس مِن القُوتِ، ولا يصْلُحُ به القُوتُ، ولأنَّه لا يُباحُ مع عَدَمِ الحاجَةِ إليه، فلم يُبَحْ مع الحاجَةِ، كغيرِ الطَّعامِ. ولَنا، أنَّه طَعامٌ احْتِيجَ إليه، أشْبَهَ الفَواكِهَ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالفاكِهَةِ، وإنَّما اعْتَبَرْنا الحاجَةَ ههُنا؛ لأنَّ هذا لا يُتَناوَلُ في العادَةِ إلَّا عندَ الحاجَةِ إليه.
فصل: وللغازِى أن يُطْعِمَ دَوابَّه ورَقِيقَه ممّا يجُوزُ له الأكْلُ منه، سواءٌ كانوا لِلقُنْيَةِ أو للتِّجارَةِ. قال أبو داودَ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: يَشْتَرِى الرجلُ السَّبْىَ في بلادِ الرُّومِ، يُطْعِمُهم مِن طَعامِ الرُّومِ؟ قال: نعم. وروَى
стр. 4701
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنه ابنُه عبدُ اللَّهِ، أنَّه قال: سألتُ أبى عن الرجلِ يدْخُلُ بلادَ الرُّومِ، ومعه الجارِيَةُ والدَّابَّةُ للتِّجارَةِ، أيُطْعِمُهما؟ يعنى الجاريةَ وعَلَفَ الدَّابَّةِ. قال: لا يُعْجِبُنى ذلك. فإن لم يَكُنْ للتِّجارَةِ، فلم يَرَ به بَأْسًا. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يجُوزُ إطْعامُ ما كان للتِّجارَةِ؛ لأنَّه ليس ممّا يسْتَعِينُ به على الغَزْوِ. وقال الخَلَّالُ: رَجَع أحمدُ عن هذه الرِّوايَةِ. وروَى عنه جماعةٌ بعدَ هذا، أنَّه لا بَأْسَ به؛ وذلك لأنَّ الحاجَةَ دَاعِية إليه، فأشْبَهَ ما لا يُرادُ به التِّجارَةُ.
فصل: قال أحمدُ: ولا يَغْسِلُ ثَوْبَه. بالصَّابُونِ؛ لأن ذلك ليس بطَعامٍ ولا عَلَفٍ، ويُرادُ للتَّحسينِ والزِّينَةِ، ولا يَكُونُ في معْناهما. ولو كان مِع الغازِى فَهْدٌ وكَلْبٌ للصَّيْدِ، لم يَكُنْ له إطْعامُه مِن الغَنِيمَةِ، فإن أطْعَمَه غرِمَ قِيمَةَ ما أطْعَمَه؛ لأنَّ هذا يُرادُ للتَّفَرُّجِ والزِّينَةِ، وليس ممّا يُحْتاجُ إليه في الغَزْوِ، بخِلافِ الدَّوابِّ.
فصل: ولا يجُوزُ لُبْسُ الثِّيابِ، ولا رُكوبُ دابَّةٍ مِن دَوابِّ المَغْنَمِ؛ لِما روَى رُوَيْفِعُ بنُ ثابتٍ الأنْصارِىُّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمَ الآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَئِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمَ الْآخِرِ، فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَىْءِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إذَا أخْلَقَه رَدَّهُ فِيهِ». رَواه سعيدٌ (١).
стр. 4702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يجُوزُ الانْتِفاعُ بجُلُودِهم، واتِّخاذُ النَّعْلِ والجُرُبِ منها، ولا الخُيوطِ ولا الحِبالِ. وبهذا قال ابنُ مُحَيْرِيزٍ، ويحيى بنُ أبى كَثِيرٍ، وإسماعيلُ بنُ عَيّاش، والشافعىُّ. ورَخَّصَ في اتِّخاذِ الجُرُبِ مِن جُلُودِ الغَنَمِ سُليمانُ بنُ مُوسَى. ورَخَّصَ مالكٌ في الإِبْرَةِ، وفى الحَبْلِ يُتَّخَذُ مِن الشَّعَرِ، والنَّعْلِ والخُفِّ يُتَّخَذُ مِن جُلُودِ البَقَرِ. ولَنا، ما روَى قَيْسُ بنُ أبى حازِمٍ، أنَّ رَجُلًا أتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ بكُبَّةِ (١) شَعَر مِن المَغْنَمِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ إنَّا نَعْمَلُ الشَّعَرَ، فهَبْها لى. فقال: «نَصِيبِى مِنْهَا لَكَ». رَواه سعيدٌ (٢). ورُوِىَ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «أدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ؛ فَإنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَشَنَارٌ (٣) يَومَ الْقِيَامَةِ» (٤). ولأنَّ ذلك مِن الغَنِيمَةِ، ولا تَدْعُو إلى أخْذِه حاجَةٌ عامَّةٌ، فأشْبَهَ الثِّيابَ.
стр. 4703
وَإنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَىْءٌ فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ، رَدَّهُ في الْغَنِيمَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ــ
فصل: فأمَّا كُتُبُهم، فإن كانتْ ممّا يُنْتَفَعُ به، ككُتُبِ الطِّبِّ واللُّغَةِ والشِّعْرِ، فهى غَنِيمَةٌ، وإن كانتْ ممَّا لا يُنْتَفَعُ به؛ ككُتُبِ التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ، وأمْكَنَ الانْتِفاعُ بجُلُودِها أو وَرَقِها بعدَ غَسْلِه، غُسِلَ، وهو غَنِيمَةٌ، وإلَّا فلا، ولا يجُوزُ بَيْعُها.
فصل: وإن أخَذُوا مِن الكُفّارِ جَوارِحَ للصَّيْدِ، كالفُهُودِ والبُزاةِ، فهى غَنِيمَةٌ تُقْسَمُ. وإن كانتْ كِلابًا، لم يَجُزْ بَيْعُها. وإن لم يُرِدْها أحَدٌ مِن الغانِمينَ، جازَ إرْسالُها، وإعْطاؤُها غيرَ الغانِمِين، وإن رَغِبَ فيها بعضُ الغانِمين دُونَ بعضٍ، دُفِعَتْ إليه، ولم تُحْسَبْ عليه؛ لأنَّها لا قِيمَةَ لها، وإن رَغِبَ فيها الجميعُ، أبى جماعةٌ كثيرةٌ، فأمْكَنَ قِسْمَتُها، قُسِمَتْ عَدَدًا مِن غيرِ تَقْويمٍ، وإن تَعَذَّرَ ذلك، أو تَنازَعُوا في الجَيِّدِ منها، فطَلَبَه كلُّ واحِدٍ منهم، أَقْرِعَ بينَهم. وإن وجَدُوا خَنازِيرَ، قَتَلُوها؛ لأنَّها مُؤْذِيَةٌ، ولا نَفْعَ فيها. وإن وجَدُوا خَمْرًا، أراقُوه، فإن كان في أوْعِيتِه نَفْعٌ للمسلمين، أخَذُوها، وإلَّا كَسَرُوها؛ لئلَّا يَعُودُوا إلى اسْتِعْمالِها.
١٤٣٦ - مسألة: (فإن فَضَل معه منه شئٌ فأدْخَلَه البَلَدَ، رَدَّه في الغَنِيمَةِ، إلَّا أن يَكُونَ يَسِيرًا، فله أكْلُه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) أمّا
стр. 4704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكثيرُ، فيَجِبُ رَدُّه، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّ ما كان مُباحًا له في حالِ الحَرْبِ، فإذا أخَذَه على وَجْهٍ يَفْضُلُ منه كثيرٌ إلى دارِ الإِسْلامِ، فقد أخَذَ ما لا يحْتاجُ إليه، فيَلْزَمُه رَدُّه؛ لأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُه؛ لكَوْنِه مُشْتَرَكًا بينَ الغانِمِين، فهو كسائِرِ المالِ. وإنَّما أُبِيحَ منه ما دَعَتِ الحاجَةُ إليه، فما زادَ يَبْقَي على أصْلِ التَّحْريمِ، ولهذا لم يُبَحْ بَيْعُه. وأمَّا اليَسِيرُ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهُما، يجِبُ رَدُّه أيضًا. اخْتارَه أبو بكْرٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبى ثَوْرٍ، وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا في الكثيرِ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «أدُّوا الْخَيْطَ والْمِخْيَطَ». ولأنَّه مِن الغَنِيمَةِ، ولم يُقْسَمْ، فلم يُبَحْ في دارِ الإِسْلامِ، كالكثيرِ، وكما لو أخَذَه في دارِ الإِسْلامِ. والثانيةُ، يُباحُ. وهو قولُ مَكْحُولٍ، وخالدِ بنِ مَعْدانَ (١)، وعَطاءٍ الخُراسانِىِّ (٢)، ومالكٍ، والأوْزَاعِىِّ. قال أحمدُ:
стр. 4705
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أهلُ الشامِ يتَساهَلُون في هذه. وقد روَى القاسِمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن بعضِ أصحابِ النبىِّ ﷺ قال: كُنّا نَأْكُلُ الجَزَرَ (١) في الغَزْوِ، ولا نَقْسِمُه، حتى إن كُنّا لَنَرْجِعُ إلى رِحالِنا وأخْرِجَتُنا منه مَمْلُوءَةٌ. رَواه أبو داودَ، وسعيدٌ (٢). وعن عبدِ اللَّهِ بنِ يَسارٍ السُّلَمِىِّ، قال: دَخَلْتُ على رجل مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقَدَّمَ إلىَّ تُمَيْرًا (٣) مِن تُمَيْرِ الرُّومِ، فقُلْتُ: لقد سَبَقْتَ النّاسَ بهذا. قال: ليس هذا مِن العامِ، هذا مِن العامِ الأوَّلِ. رَواه الأثْرَمُ في «سُنَنِه». وقال الأوْزَاعِىُّ: أدْرَكْتُ النّاسَ يَقْدَمُون بالقَدِيدِ، فيُهْدِيه بعضُهم إلى بعض، لا يُنْكِرُه إمامٌ ولا عامِل ولا جماعَةٌ. وهذا نَقْلٌ للإِجْماعِ. ولأنَّه أُبِيحَ إمْساكُه عن القِسْمَةِ، فأُبِيحَ في دارِ الإِسْلامِ، كمُباحاتِ دارِ الحَرْبِ التى لا قِيمَةَ لها فيها. ويُفارِقُ الكَثِيرَ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ إمْساكُه عن القِسْمَةِ، ولأنَّ اليَسِيرَ تَجْرى فيه المُسامَحَةُ، ونَفْعُه قليلٌ، بخِلافِ الكثيرِ.
стр. 4706
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا جُمِدَتِ المغانِمُ وفيها طعامٌ أو عَلَفٌ، لم يَجُزْ لأحَدٍ أخْذُه إلَّا للضَّرورَةِ؛ لأنَّنا إنَّما أبَحْنا أخْذَه قبلَ جَمْعِه؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ فيه مِلكُ المسلمين بعدُ، فأشْبَهَ المُباحاتِ مِن الحَطَبِ والحشيشِ، فإذا جُمِعَتْ ثَبَت مِلْكُ المسلمين فيها، فخَرَجَتْ عن حَيِّزِ المُباحاتِ، وصارَتْ كسائِرِ أمْلاكِهم، فلم يَجُزِ الأكْلُ منها إلَّا لضَرُورَةٍ، وهو أن لا يَجِدُوا ما
стр. 4707
وَمَنْ أَخَذَ سِلَاحًا، فَلَهُ أنْ يُقَاتِلَ بِهِ حَتَّى تَنْقَضِىَ الْحَرْبُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ. وَلَيْسَ لَهُ رُكُوبُ الْفَرَسِ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ــ
يأْكُلُونَه، فحِينَئِذٍ يجوزُ، لأنَّ حِفْظَ نُفُوسِهم ودَوابِّهم أهَمُّ، وسواءٌ حِيزَتْ في دارِ الحَرْبِ أو في دارِ الإِسْلامِ. وقال القاضى: يجوزُ الأكْلُ منها ما كانتْ في دارِ الحَرْبِ، وإن حِيزَتْ، لأنَّ دارَ الحَرْبِ مَظِنَّةُ الحاجَةِ، لعُسْرِ نَقْلِ المِيْرَةِ إليها، بخِلافِ دارِ الإِسلامِ. والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّ ما ثَبَت عليه أيْدِى المسلمين، وتَحَقَّقَ مِلْكُهم له، لا يَنْبَغِى أن يُؤْخَذَ إلَّا برِضاهم، كسائِرِ أمْلاكِهم، ولأنَّ حِيازَتَه في دارِ الحَرْبِ تُثْبِتُ المِلْكَ فيه، بدليل جَوازِ قِسْمَتِه، وثُبُوتِ أحْكامِ المِلْكِ فيه، بخِلافِ ما قبلَ الحِيازَةِ، فإنَّ المِلْكَ لم يَثْبُت فيه بعدُ.
١٤٣٧ - مسألة: (ومَن أخَذَ سِلاحًا، فله أن يُقاتِلَ به حتى تَنْقَضِىَ الحَرْبُ، ثم يَرُدُّه. وليس له رُكُوبُ الفَرَسِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) إذا
стр. 4708
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَعَتِ الحاجةُ إلى القِتالِ بسِلاحِهِم، فلا بَأْسَ. قال أحمدُ: إذا كان أبْلَى فيهم، أو خافَ على نفْسِه، فنعم. وذَكَرَ ما رُوِى عن عبدِ اللَّه بِنِ مسعودٍ، قال: انْتَهَيْتُ إلى أبى جهل يومَ بَدْرٍ، وقد ضُرِبَتْ رِجْلُه، فقلتُ: الحمدُ للَّهِ الذى أخْزاك يا أبا جَهْلٍ، فأضْرِبُه بسَيْفٍ معى غيرِ طائلٍ، فوَقَعَ سَيْفُه مِن يَدِه، فأخَذْتُ سَيْفَه، فضَرَبْتُه به حتى بَرَد. رَواه الأثْرَمُ (١). ولأنَّهم أجْمَعُوا على أنَّه يجُوزُ أن يلْتَقِطَ النُّشّابَ ثم يَرْمِىَ به العَدُوَّ، وهذا أبْلَغُ مِنِ الذى يُقاتِلُ بسَيْفٍ ثم يَرُدُّه إلى المَغْنَمِ، أو يَطْعَنُ برُمْح ثم يَرُدُّه؛ لأنَّ النُّشّابَ يُرْمَى به فلا يَرْجِعُ إليه، والسَّيفَ يَرُدُّه في الغَنِيمَةِ. وفى رُكُوبِ الفَرَسِ للجِهادِ عليه رِوايتان؛ إحْداهما، يَجُوزُ، كالسِّلاحِ. والثانيةُ،
وَإنْ أُخِذَ مِنْهُمْ مَالُ مُسْلِمٍ؛ فَأدْرَكَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ قَسْمِهِ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ، وَإنْ أدْرَكَهُ مَقْسُومًا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ. وَعَنْهُ، لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ. وَإنْ أخَذَهُ مِنْهُمْ أحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِثَمَنِهِ، وَإنْ أخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَىْءٍ.
ــ
رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ غَيْرِكُمْ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ تَأْكُلُهَا». مُتَّفَقٌ عليه (١) ثم كانَتْ في أوَّلِ الإِسْلامِ لرسولِ اللَّهِ؛ بقولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢). ثم صار أرْبَعَةُ أخماسِها للغانِمِين، وخُمْسُها لغيرِهم؛ لِما ذَكَرْنا. وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾.
١٤٣٨ - مسألة: (وإن أُخِذَ منهم مالُ مُسْلِمٍ، فأدْرَكَه صاحِبُه قبلَ قَسْمِه، فهو أحَقُّ به، وإن أدْرَكَه مَقْسُومًا، فهو أحَقُّ به بِثَمَنِه. وعنه، لا حَقَّ له (٣) فيه. وإن أخَذَه منهم أحَدُ الرَّعِيَّةِ بِثَمَنٍ، فصاحِبُه أحَقُّ به بِثَمَنِه، وإن أخَذَه بغيرِ عِوَضٍ، فصاحِبُه أحَقُّ به بغيرِ شئٍ) إذا أخَذَ الكُفّارُ
стр. 4712
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمْوالَ المسلمين، ثم أخَذَها المسلمون منهم قَهْرًا، فإن عُلِمَ صاحِبُها قبلَ قَسْمِها، رُدَّتْ إليه بغيرِ شئٍ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، منهم عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وسَلْمانُ بنُ رَبِيعةَ، وَعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال الزُّهْرِىُّ: لا يُرَدُّ إليه، وهو للجَيْشِ. ونحوُه عن عَمْرِو بنِ دينَارٍ؛ لأنَّ الكُفّارَ مَلَكُوه باسْتِيلائِهم، فصار غَنِيمَةً، كسائِرِ أمْوالِهم. ولَنَا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ غُلامًا له أبَقَ إلى العَدُوّ، فظَهَرَ عليه المسلمون، فَردَّه رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى ابنِ عُمَرَ، ولم يُقْسَمْ. وعنه، قال: ذَهَب فَرَسٌ له، فأخَذَها العَدُوُّ، فظَهَرَ عليه المُسْلِمُونَ، فَرُدَّ عليه في زَمَنِ النبىِّ ﷺ . رَواهما أبو داودَ (١). وعن رَجاءِ بنِ حَيْوَةَ، أنَّ أبا عُبَيْدَةَ كَتَب إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فيما أحْرَزَ المُشْرِكُون مِن المسلمين، ثم ظَهَر المسلمون عليه بعدُ. قال: مَن وَجَد مالَه بعَيْنِه، فهو أحَقُّ به ما لم يُقْسَمْ. رَواه سعيدٌ،
стр. 4713
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأثْرَمُ (١). وكذلك إن عَلِمَ الإِمامُ بمالِ مُسْلِمٍ قبلَ قَسْمِه فَقَسَمَه، وَجَب رَدُّه، وصاحِبُه أحَقُّ به بغيرِ شئٍ؛ لأنَّ قِسْمَتَه كانتْ باطِلةً مِن أصْلِها، فهو كما لو لم يُقْسَمْ. فأمَّا إن أدْرَكَه بعدَ القَسْمِ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، يكونُ صاحِبُه أحَقَّ به بالثَّمَنِ الذى حُسِبَ به على آخِذِه، وكذلك إن بِيعَ ثم قُسِمَ ثَمَنُه، فهو أحَقُّ به بالثَّمنِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، ومالكٍ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أن رَجُلًا وَجَد بَعِيرًا له كان المُشْرِكُون أصابُوه، فقال له النبىُّ ﷺ : «إنْ أصَبْتَهُ قَبْلَ أنْ نَقْسِمَهُ، فَهُوَ لَكَ، وَإنْ أصَبْتَهُ بَعْدَ مَا قُسِمَ، أخَذْتَهُ بِالْقِيمَةِ» (٢). ولأنَّه إنَّما امْتَنَعَ أخْذُه له [بغيرِ شئٍ] (٣)؛ كَيْلا يُفْضِىَ إلى حِرْمانِ آخِذِه مِن الغَنِيمَةِ، أو تَضْيِيعِ الثَّمَنِ على المُشْتَرِى، وحقُّهما ينْجَبِرُ بالثَّمَنِ، فيَرْجِعُ صاحبُ المالِ في عَيْنِ مالِه، بمنْزِلَةِ مُشْتَرِى الشِّقْصِ المَشْفُوعِ. إلَّا أنَّ المَحْكِىَّ عن مالكٍ، وأبى حنيفةَ، أنَّه يَأْخُذُه
стр. 4714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالقِيمَةِ. ونحوُه عن مُجاهدٍ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّه لا حَقَّ له فيه بعدَ القِسْمَةِ بِحالٍ. نَصّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبى داودَ وغيرِه. وهو قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وسَلْمَانَ بنِ رَبِيعةَ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، واللَّيْثِ. قال أحمدُ: أمَّا قَوْلُ مَن قال: فهو أحَقُّ بهِ بالقِيمَةِ. فهو قولٌ ضعيفٌ عن مُجاهِدٍ. وقال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يأْخُذُه صاحِبُه قبلَ القِسْمَةِ وبعدَها، ويُعْطَى مُشْتَرِيه ثَمَنَه مِن خُمْسِ المَصالحِ؛ لأنَّه لم يَزُلْ عن مِلْكِ صاحِبهِ، فَوَجَب أن يَسْتَحِقَّ أخْذَه بغيرِ شئٍ، كما قبلَ القِسْمَةِ، ويُعْطَى مَن حُسِبَ عليه القِيمَةَ؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى حِرْمانِ آخِذِه حَقَّه مِن الغَنِيمَةِ، وجُعِلَ مِن سَهْمِ المَصالحِ؛ لأنَّ هذا منها. ولَنا، ما روِىَ أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى السّائِبِ: أيُّما رَجُلٍ مِن المسلمين أصابَ رَقِيقَه ومَتاعَه بعَيْنِه، فهو أحَقُّ به مِن غيرِه، وإن أصابَه في أيْدِى التُّجّارِ بعدَ ما اقْتُسِمَ، فلا سبيلَ إليه. وقال سَلْمانُ بنُ رَبِيعَةَ: إذا قُسِمَ فلا حَقَّ له فيه. رَواهُما سعيدٌ، في «سُنَنِه» (١). ولأنَّه إجْماعٌ. قال أحمدُ: إنَّما قال النّاسُ فيها قَوْلَيْن:
стр. 4715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا اقْتُسِمَ فلا شئَ له. وقال قَوْمٌ: إذا اقْتُسِمَ فهو له بالثَّمنِ. فأمَّا أن يكُونَ له بعدَ القِسْمَةِ بغيرِ ذلك، فلم يَقُلْه أحَدٌ، ومتى انْقَسَمَ أهْلُ العَصْرِ على قوْلَيْن في حُكْمٍ، لم يَجُزْ إحْداثُ قولٍ ثالثٍ؛ لمُخالَفَتِه الإِجْماعَ. وقد روَى أصحابُنا عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنْ أدْرَكَ مَالَهُ قَبْلَ أنْ يُقْسَمَ، فَهُوَ لَهُ، وإنْ أدْرَكَهُ بَعْدَ أنْ قُسِمَ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شَئٌ» (١). والمُعَوّلُ على ما ذَكَرْنا مِن الإِجْماعِ، وقوْلُهم: لم يَزُلْ مِلْكُ صاحِبِه. مَمْنوعٌ.
فصل: فإن أخَذَه أحَدٌ مِن الرَّعِيَّةِ بِهِبَةٍ أو سَرقَةٍ أو بغيرِ شئٍ، فصاحِبُه أحَقُّ به بغيرِ شئٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَأْخُذه إِلَّا بقِيمَةٍ؛ لأنَّه صار مِلْكًا لواحِدٍ بعَيْنِه، أشْبَهَ ما لو قُسِمَ. ولَنا، ما رُوِى أنَّ قَوْمًا أغارُوا على سَرْحِ النبىِّ ﷺ ، فأخَذوا ناقَةً، وجارِيَةً مِن الأنْصارِ، فأقامَتْ عنْدَهم أيّامًا،
стр. 4716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم خَرَجَتْ في بعضِ اللَّيْلِ، قالت: فما وَضَعْتُ يَدِى على ناقةٍ إلَّا رَغَتْ حتى وضَعْتُها على ناقَةٍ ذَلُولٍ، فامْتَطَيْتُها، ثم تَوَجَّهْت إلى المدينةِ، ونَذَرْتُ إن نَجّانِى اللَّهُ عليها أن أنْحَرَها، فلمّا قَدِمْتُ المدينةَ، اسْتَعْرَفْتُ النّاقَةَ، فإذا هى ناقَةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأخَذَها، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّى نَذَرْتُ أن أنْحَرَها. قال: «بِئْسَ مَا جَازَيْتهَا، لَا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ». وفى روايةٍ: «لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». أخْرَجَه مسلمٌ (١). ولأنَّه لم يحْصُلْ في يَدِه بِعوَضٍ؛ فكان صاحِبُه أحَقَّ به بغيرِ شئٍ، كما لو أدْرَكه في الغَنِيمَةِ قبلَ القِسْمَةِ. فأمَّا إنِ اشْتَراهُ رَجُلٌ مِن العَدُوِّ، فليس لصاحِبِه أخْذُه إلَّا بثَمَنِه. وقال القاضى: ما حَصَل في يَدِه بهِبَةٍ أو سَرِقَةٍ أو شِراءٍ، فهو كما لو وَجَدَه صاحِبُه بعدَ القِسْمَةِ، هل يكُونُ صاحِبُه أحَقَّ به بالقِيمَةِ؟ على رِوايَتَيْن. ولَنا، الحديثُ المذْكُورُ، وما روَى سعيدٌ (٢)، بإسْنادِه، قال: أغارَ أهْلُ ماهَ (٣) وجَلُولاءَ (٤) على العَرَب،
стр. 4717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأصابُوا شيئًا مِن سَبايا العَرَبِ ورَقِيقًا ومَتاعًا، ثم إنَّ السّائِبَ بنَ الأكْوَعِ عامِلَ عُمَرَ غَزاهُم، ففَتَحَ ماهَ، فكَتَبَ إلى عُمَرَ في سَبايا المسلمين ورَقِيقِهم ومَتاعِهم، قد اشْتَراه التُّجّارُ مِن أهْلِ ماهَ، فَكَتَبَ إليه عُمَرُ: إنَّ المُسْلِمَ أخو المُسْلِمِ، لا يَخُونُه (١)، ولا يَخْذُلُه، فأيُّما رَجُلٍ مِن المسلمين أصابَ رَقِيقَه ومَتاعَه بعَيْنِه، فهو أحَقُّ به، وإن أصابَه في أيْدِى التُّجّارِ بعدَ ما اقْتُسِمَ، فلا سَبِيلَ إليه، وأيُّما حُرٍّ اشْتَراه التُّجّارُ، فإنَّه يُرَدُّ عليهم رُءُوسُ أمْوالِهم، فإنَّ الحُرَّ لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى.
فصل: وحُكْمُ أمْوالِ أهْلِ الذِّمَّةِ، إذا اسْتَوْلى عليها الكُفّارُ، ثم قُدِرَ عليها، حُكْمُ أمْوالِ المسلمين فيما ذَكَرْنا. قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إنَّما بَذَلُوا الجزْيَةَ لتَكُونَ دِماؤُهم كدِمائِنا، وأمْوالُهم كأمْوالِنا. ولأنَّ أمْوالَهم مَعْصُومَة، فأشْبَهَتْ أمْوالَ المسلمين.
فصل: فإن غَنِمَ المُسلمون مِن المُشْرِكِين شيئًا عليه علامةُ المسلمين، ولم يُعْلَمْ صاحِبُه، فهو غَنِيمَةٌ. قال أحمدُ، في مَراكِبَ تَجِئُ مِن مصرَ، يَقْطَعُ عليها الرُّومُ فيأخُذُونَها، ثم يَأْخُذُها المسلمون منهم: إن عُرِفَ
стр. 4718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صاحِبُها فلا يُؤْكَلُ منها. وهذا يدُلُّ على جَوازِ الأكْلِ منها إذا لم يُعْرَفْ صاحِبُها. ونحوُ هذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، قالا (١) في المُصْحَفِ يَحْصُلُ في الغنائِمِ: يُباعُ. وقال الشافعىُّ: يُوقَفُ حتى يجئَ صاحِبُه. وإن وُجِدَ شئٌ مَوْسُومٌ عليه: حُبِّسَ في سَبِيلِ اللَّهِ. رُدَّ كما كان. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ: يُقْسَمُ، ما لم يَأْتِ صاحِبُه. ولَنا، أنَّ هذا قد عُرِفَ مَصْرِفُه، وهو الحُبُسُ، فهو بمَنْزِلَةِ ما لو عُرِفَ صاحِبُه. قيل لأحمدَ: فالجَوامِيسُ تُدْرَكُ وقد ساقَها العَدُوُّ للمسلمين، وقد رُدَّتْ، يُؤْكَلُ منها؟ قال: إذا عُرِفَ لمَن هى، فلا يُؤْكَلُ منها: قيل: فما حازَه العَدُوُّ للمسلمين، فأصابَه المسلمون، أعليهم أن يَقِفُوه حتى يَبِينَ صاحِبُه؟ قال: إذا عُرِفَ فقيل: هذا لفُلانٍ. وكان صاحِبُه بالقُرْبِ. قيل له: أُصِيب غُلامٌ في بِلادِ الرُّومِ، فقال: أنا
стр. 4719
وَيَمْلِكُ الْكُفَّارُ أمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بالْقَهْرِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِى. وَقَالَ أبُو الْخَطَّاب: ظَاهِرُ كَلَامِ أحْمَدَ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا.
ــ
لفلانٍ. رَجُلٍ بمصرَ؟ قال: إذا عُرِفَ الرَّجُلُ، لم يُقْسَمْ، ورُدَّ على صاحِبِه. قيل له: أصَبْنا مَرْكَبًا في بلادِ الرُّوم، فيها النَّواتِيَّةْ (١)، قالوا: هذا لفُلانٍ، وهذا لفُلانٍ؟ قال: هذا قد عُرِفَ صاحِبُه، لا يُقْسَمُ.
١٤٣٩ - مسألة: (ويَمْلِكُ الكُفَّارُ أمْوالَ المسلمين بالقَهْرِ. ذَكَرَه القاضِى. وقال أبو الخَطّابِ: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّهم لا يَمْلِكُونَها) رُوِى عن أحمدَ في ذلك رِوايتان؛ إحْداهما، أنَّ الكُفّارَ يَمْلِكُونَ أمْوالَ المسلمين
стр. 4720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالقَهْرِ. هذا قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يَمْلِكُونها. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لحديثِ ناقَةِ النبىِّ ﷺ . قال أبو الخَطّابِ: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، حيث قال: إن أدْرَكَه صاحِبُه قبلَ القَسْمِ، فهو أحَقُّ به. قال: وإنَّما مَنَعَه أخْذَه بعدَ القِسْمَةِ؛ لأنَّ قِسْمَةَ الإِمامِ له تَجْرِى مَجْرَى الحُكْمِ، ومتى صادَفَ الحُكْمُ أمْرًا مُجْتَهَدًا فيه نَفَذ حُكْمُه. ولأنَّه مالٌ مَعْصُومٌ طَرَأتْ عليه يَدٌ عادِيَةٌ، فلم يُمْلَكْ بها، كالغَصْبِ، ولأنَّ مَن لا يَمْلِكُ رَقَبَةَ غيرِه بالقَهْرِ، لا يَمْلِكُ مالَه به، كالمُسْلِمِ مع المُسْلِمِ. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ القَهْرَ سَبَبٌ يَمْلِكُ به المُسْلِمُ مالَ الكافِرِ، فمَلَكَ به الكافِرُ مالَ المُسْلِمِ، كالبَيْعِ. فأمَّا الناقَةُ، فإنَّما أخَذَها النبىُّ ﷺ ؛ لأنَّه أدْرَكَها غيرَ مَقْسُومَةٍ ولا مُشْتَراةٍ. فعلى هذا، يَمْلِكُونها قبلَ حِيازَتها إلى دارِ الكُفْرِ. وهو قولُ مالكٍ. وذَكَر القاضى أنَّهم إنَّما يَمْلِكُونها بالحِيازَةِ إلى دارِهم. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وحُكِىَ عن أحمدَ في ذلك رِوايتان. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الاسْتِيلاءَ سَبَبٌ للمِلْكِ، فيَثْبُتُ قبلَ الحِيازَةِ إلى الدّارِ، كاسْتِيلاءِ المسلمين على مالِ الكافِرِ، ولأنَّ ما كان سَبَبًا للمِلْكِ، أثْبَتَهُ حيثُ
стр. 4721
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُجِدَ، كالهِبَةِ والبَيْعِ. وفائِدَةُ الخِلافِ في ثُبُوتِ المِلْكِ وعَدَمِه، أنَّ مَن أثْبَتَ المِلْكَ للكافِرِ في أمْوالِ المسلمين، أباحَ للمسلمين إذا ظَهَرُوا عليها قِسْمَتَها والتَّصَرُّفَ فيها، ما لم يَعْلَمُوا (١) صاحِبَها، وأنَّ الكافِر إذا أسْلَمَ وهى في يَدِه، فهو أحَقُّ بها. ومَن لم يُثْبِتِ المِلْكَ، اقْتَضَى مَذْهَبُه عَكْسَ ذلك. قال الشَّيْخُ (٢)، ﵀: ولا أعلمُ خِلافًا في أنَّ الكافِرَ الحَرْبِىَّ إذا أسْلَمَ، أو دَخَل إلينا (٣) بأمانٍ، بعدَ أنِ اسْتَوْلى على مالِ مُسْلِمٍ فأتْلَفَه، أنَّه لا يَلْزَمُه ضَمانُه. فإن أسْلَمَ وهو في يَدِه، فهو له بغيرِ خِلافٍ في المذهَبِ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أسْلَمَ عَلَى شَئٍ، فَهُوَ لَهُ» (٤). وإن كان أخَذَه مِن المُسْتَوْلِى عليه بهِبَةٍ أو سَرِقَةٍ أو شِراءٍ، فكذلك؛ لأنَّه اسْتَوْلَى عليه في حالِ كُفْرِه، فأشْبَهَ ما لو اسْتَوْلَى عليه بقَهْرِه المُسْلِمَ. وعن أحمدَ، أنَّ صاحِبَه يَكُونُ أحَقَّ به بالقِيمَةِ. وإنِ اسْتَوْلَى على جارِيَةِ مُسْلمٍ فاسْتَوْلَدَها ثم أسْلَمَ، فهى له، وهى أُمُّ وَلَدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها مالٌ، فأشْبَهَتْ سائِرَ الأمْوالِ. وإن غَنِمَها المسلمون وأولادَها
стр. 4722
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلَ إسلامِ سابِيها فعُلِمَ صاحِبُها، رُدَّتْ إليه، وكان أولادُها غَنِيمَةً؛ لأنَّهم أوْلادُ كافِرٍ حَدَثُوا بعدَ مِلْكِ الكافِرِ لها.
فصل: وإنِ اسْتَوْلَوْا على حُرٍّ، لم يَمْلِكُوه، مُسْلِمًا كان أو ذِمِّيًّا. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لا يُضْمَنُ بالقِيمةِ، ولا تَثْبُتُ عليه اليَدُ بحالٍ. وإذا قَدَرَ المسلمون على أهْلِ الذِّمَّةِ بعدَ ذلك، وَجَب رَدُّهم إِلى ذِمَّتِهم، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُهم، في قولِ عامَّةِ العُلَماءِ؛ منهم الشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ. ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لأنَّ ذِمتَّهَم باقِيَةٌ، ولم يُوجَدْ منهمِ ما يُوجِبُ نَقْضَها. وكلُّ ما يُضْمَنُ بالقِيمَةِ، كالعُروضِ، يَمْلِكُونه بالقَهْرِ. وكذلك العَبْدُ القِنُّ، والمُدَبَّرُ، والمُكاتَبُ، وأُمُّ الوَلَدِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَمْلِكُونَ المُكاتَبَ وأُمَّ الوَلَدِ؛
стр. 4723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه لا يجوزُ نَقْلُ المِلْكِ فيهما، فهما كالحُرِّ. ولَنا، أنَّهما يُضْمَنانِ بالقِيمَةِ فمَلَكُوهما، كالقِنِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يمْلِكُوا أُمَّ الوَلَدِ؛ لأنَّها لا يجوزُ نَقْلُ المِلْكِ فيها، ولا يثْبُتُ فيها لغيرِ سَيِّدِها. وفائِدَةُ الخِلافِ، أنَّ مَن قال بثُبُوتِ المِلْكِ فيهما، قال: متى قُسِمَا أو اشْتَراهما إنْسانٌ، لم يكنْ لِسَيِّدِهما أخْذُهما إلَّا بالثَّمَنِ. قال الزُّهْرِىُّ، في أُمِّ الوَلَدِ: يأْخُذُها سَيِّدُها بقِيمَةِ عَدْلٍ. وقال مالكٌ: يَفْدِيها الإِمامُ، فإن لم يَفْعَلْ، يأْخُذُها سَيِّدُها بقِيمَةِ عَدْلٍ، ولا يَدَعُها يَسْتَحِلُّ فَرْجَها مَن لا تَحِلُّ له. ومَن قال: لا يثْبُتُ المِلْكُ فيهما. رُدَّا إلى ما كانا عليه على كلِّ حالٍ، كالحُرِّ. وإنِ إشْتَراهُما إنْسانٌ، فالحُكْمُ فيهما كالحُكْمِ في الحُرِّ إذا اشْتَراه، على ما نذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
стр. 4724
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا أبَقَ عَبْدُ المسلمِ إلى دارِ الحَرْبِ فأخَذُوه، ملَكُوه، كالدَّابَّةِ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى يُوسُفَ، ومحمدٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَمْلِكُونَه. وعن أحمدَ مثلُ ذلك؛ لأنَّه إذا صار في دارِ الحَرْبِ، زالَتْ يَدُ مَوْلاه عنه، وصار في يَدِ نَفْسِه، فلم يُمْلَكْ، كالحُرِّ. ولَنا، أنَّه مالٌ لو أخَذُوه مِن دارِ الإسلامِ مَلَكُوه، فإذا أخَذُوه مِن دارِ الحَرْبِ مَلَكُوه، كالبَهِيمَةِ.
стр. 4725
وَمَا أُخِذَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ رِكَازٍ، أَوْ مُبَاحٍ لَهُ قِيمَةٌ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ.
ــ
١٤٤٠ - مسألة: (وما أُخِذَ (١) مِن دارِ الحَرْبِ؛ مِن رِكازٍ، أو مُباحٍ له قِيمَةٌ، فهو غَنِيمَةٌ) أمَّا الرِّكازُ إذا وَجَدَه في مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عليه بنَفْسِه، فهو له، كما لو وَجَدَه في دارِ الإِسلامِ، فيه الخُمْسُ وباقِيه له، وإن لم يَقْدِرْ عليه إلَّا بجَماعَةٍ مِن المسلمين، فهو غَنِيمَةٌ. ونحوُ هذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ. وقال الشافعىُّ: إن وَجَدَه في مَواتِهِم، فهو كما لو وَجَدَه في دارِ الإسلامِ. ولَنا، ما روَى عاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ، عن أبى [الجُوَيْرِيَةِ الجَرْمِىِّ] (٢)، قال: لَقِيتُ بأرْضِ الرُّومِ جَرَّةً فيها ذَهَبٌ، في إمْرَةِ مُعاوِيَةَ، وعلينا مَعْنُ بنُ يَزيدَ السُّلَمِىُّ، فأتَيْتُه بها، فقَسَمَها بينَ المسلمين، وأعْطانِى مثلَ ما أعْطَى رَجُلًا منهم، ثم قال: لولا أنِّى سَمِعْت رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «لَا نَفَلَ إلَّا بَعْدَ الخُمْسِ». لأعْطَيْتُك. ثم أخَذَ
стр. 4726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْرِضُ علىَّ مِن نَصِيبِه، فأبَيْتُ. أخْرَجَه أبو داودَ (١). ولأنَّه مالٌ مُشْتَرَكٌ مَظْهُورٌ عليه بقُوَّةِ جَيْشِ المسلمين، فكان غَنِيمَةً، كأمْوالِهم الظّاهِرَةِ.
فصل: ومَن وَجَدَ في دارِهم لُقَطَةً، فإن كانتْ مِن مَتاعِ المسلمين، فهو كما لو (٢) وَجَدَه في غيرِ دارِ الحَرْبِ، وإن كانتْ مِن مَتاعِ المُشْرِكِين، فهى غَنِيمَةٌ، وإنِ احْتَمَلَ الأَمْرَيْن، عَرَّفَها حَوْلًا، ثم جَعَلها في الغَنِيمَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ويُعَرِّفُها في بَلَدِ المسلمين؛ لأنها تَحْتَمِلُ الأَمْرَيْن، فغُلِّبَ فيها حُكْمُ مالِ المسلمين في التَّعْرِيفِ، وحُكْمُ مالِ أهْلِ الحَرْبِ في كَوْنِها غَنِيمَةً احْتِياطًا.
فصل: وأمّا غيرُ الرِّكازِ مِن المُباحِ، فما كان له قِيمَةٌ في دارِ الحَرْبِ، كالصُّيُودِ والحِجارَةِ والخَشَبِ، فالمسلمون شُرَكاؤُه فيه. وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ. وقال الشافعىُّ: يَنْفَرِدُ آخِذُه بمِلْكِه؛ لأنَّه لو أخَذَه مِن دارِ الإِسلامِ مَلَكَه، فكذلك إذا أخَذَه مِن دارِ الحَرْبِ، كالشئِ التّافِهِ. وهذا قَوْلُ مَكْحُولٍ، والأوْزاعِىِّ. ونُقِلَ ذلك عن القاسمِ،
стр. 4727
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسالِمٍ. ولَنا، أنَّه مالٌ ذو قِيمَةٍ، مأْخُوذٌ مِن أرضِ (١) الحَرْبِ بقُوَّةِ المسلمين، فكان غَنِيمَةً، كالمَطْعُوماتِ، وفارَقَ ما أخَذَه مِن دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّه لا يَحْتاجُ إلى الجَيْش في أخْذِه. فإنِ احْتاجَ إلى أكْلِه والانْتِفاعِ به، فله أكْلُه، ولا يَرُدُّه؛ لأَنَّه لو وَجَدَ طَعامًا ممْلُوكًا للكافِرِ، كان له أكْلُه إذا احْتاجَ إليه، فما أخَذَه مِن الصُّيُودِ والمُباحاتِ فهو أوْلَى.
فصل: فإن أخَذَ ما لا قِيمَةَ له في أرْضِهم، كالمِسَنِّ، والأقْلامِ، والأدْوِيَةِ، فله أخْذُه، وهو أحَقُّ به، وإن صارَتْ له قِيمَةٌ بمُعالجَتِه أو نَقْلِه. نَصَّ أحمدُ، ﵀، على نحوِ هذا. وبه قال مَكْحُولٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ: إذا جاء به إلى دَارِ الإِسْلامِ رَدَّه في المَقْسِمِ، وإن عالجَه فصارَ له ثَمَنٌ، أُعْطِىَ بقَدْرِ عَمَلِه فيه، وبَقِيَّتُه في المَقْسِمِ. ولَنا، أنَّ القِيمَةَ إنّما صارَتْ له بعَمَلِه أو بنَقْلِه، فلم يَكُنْ غَنِيمَةً، كما لو لم تَصِرْ له قِيمَةٌ.
فصل: وإن تَرَك صاحبُ المَقْسِمِ شيئًا مِن الغَنِيمَةِ، عَجْزًا عن حَمْلِه، فقال: مَن أخَذَ شيئًا فهو له. فمَن أخَذَ شيئًا مَلَكَه. نَصَّ عليه
стр. 4728
وَتُمْلَكُ الْغَنِيمَةُ بِالاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا في دَارِ الْحَرْبِ.
ــ
أحمدُ. وسُئِلَ عن قومٍ غَنِمُوا غَنائِمَ كثيرةً، فَبَقِىَ خُرْثِىُّ المَتاعِ، ممّا لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى، فيدَعُه الوالِى بمَنْزِلَةِ الفَخّارِ وما أشْبَهَ ذلك، أيَأْخُذُه الإِنْسانُ لنَفْسِه؟ قال: نعم، إذا تُرِكَ ولم يُشْتَرَ. ونحوُ هذا قولُ مالكٍ. ونَقَل عنه [أبو طالبٍ] (١)، في المتاعِ لا يَقْدِرُون على جَمْلِه: إذا حَمَلَه رَجُلٌ يُقْسَمُ. وهذا قولُ إبراهيمَ. قال الخلالُ: روَى أبو طالبٍ هذه في ثلاثِةِ مَواضِعَ؛ في مَوْضِعٍ منها وافَقَ أصحابَه، وفى موضِعٍ خالَفَهم. قال: ولا أشُكُّ أنَّ أبا عبدِ اللَّهِ قال هذا أوَّلًا، ثم تَبَيَّنَ له بعدَ ذلك أنّ للإِمامِ أن يُبيحَه وأن يُحَرِّمَه، وأنّ لهم أن يَأْخُذُوه إذا تَرَكَه الإِمامُ إذا لم يَجِدْ مَن يَحْمِلُه؛ لأنَّه إذا لم يَجِدْ مَن يَحْمِلُه، ولم يَقْدِرْ على حَمْلِه، بمَنْزِلَةِ ما لا قِيمَةَ له، فصار كالذى ذَكَرْناه في الفَصْلِ قبلَ هذا.
١٤٤١ - مسألة: (وتُمْلَكُ الغَنِيمَةُ بالاسْتِيلاءِ عليها في دارِ
стр. 4729
وَيَجُوزُ قَسْمُهَا فِيهَا.
ــ
الحَرْبِ، ويَجُوزُ قَسْمُها فيها) والدَّليلُ على ثُبُوتِ المِلْكِ عليها في دارِ الحَرْبِ ثلاثةُ أُمُورٍ؛ أحَدُها، أنَّ سَبَبَ المِلْكِ الاسْتِيلاءُ التّامُّ، وقد وُجِدَ، فإنَّ أيْدِيَنا قد ثَبَتَتْ عليها حَقِيقَةً، وقَهَرْناهُم ونَفَيْناهم عنها، والاسْتِيلاءُ يَدُلُّ على حاجَةِ المُسْتَوْلِى، فيَثْبُتُ به المِلْكُ، كما في المُباحاتِ. الثانى، أنَّ مِلْكَ الكُفّارِ قد زالَ عنها، بدليلِ أنَّه لا ينْفُذُ عِتْقُهم في العَبيدِ الذين حَصَلُوا في الغَنِيمَةِ، ولا ينْفُذُ تَصَرُّفُهم فيها، ولا يَزُولُ مِلْكُهمَ إلى غيرِ مالِكٍ، إذْ ليست في هذه الحالِ مُباحةً، عُلِمَ أنَّ مِلْكَهم زالَ إلى الغانِمِين. الثالثُ، أنَّه لو أسْلَمَ عبدُ الحَرْبِىِّ ولَحِقَ بجَيْشِ المسلمين، صار حُرًّا، وهذا يَدُلُّ على زَوالِ مِلْكِ الكافِرِ، وثُبُوتِ المِلْكِ لمَن قَهَرَه.
فصل: وإذا ثَبَت المِلْكُ فيها، جازَتْ قِسْمَتُها. وبهذا قال مالكٌ،
стр. 4730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أصحابُ الرَّأْى: لا يُقْسَمُ إلَّا في دارِ الإِسْلامِ؛ لأنَّ المِلْكَ لا يَتِمُّ عليها إلَّا بالاسْتِيلاءِ التَّامِّ، ولا يحْصُلُ إلَّا بإحْرازِها في دارِ الإِسْلامِ. فإن قُسِمَتْ أساءَ قاسِمُها، وجازَتْ قِسْمَتُه؛ لأنَّها مَسْألةٌ مُجْتَهَدٌ فيها، فإذا حَكَم فيها الإِمامُ بما يُوافِقُ قولَ بعضِ المُجْتَهِدِين، نَفَذ حُكْمُه. ولَنا، ما روَى أبو إسْحاقَ الفَزارِىُّ، قال: قلتُ للأوْزَاعِىِّ: هل قَسَم رسولُ اللَّهِ ﷺ شيئًا مِن الغنائِمِ بالمدينةِ؟ قال: لا أعْلَمُه، إنَّما كان الناسُ يبْتَغُون غَنائِمَهم، ويقْسِمُونَها في أرْضِ عَدُوِّهم، ولم يَقْفِلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن غَزاةٍ قَطُّ أصابَ فيها غَنِيمَةً إلَّا خَمَّسَه وقَسَمَه مِن قبلِ أن يَقْفِلَ؛ مِن ذلك غَزْوَةُ بنى المُصْطَلِقِ، وهوازِنَ، وخَيْبَرَ. ولأنَّ كلَّ دارٍ صَحَّتِ القِسْمَةُ فيها، جازَتْ، كدارِ الإِسْلامِ، ولأنَّ المِلْكَ ثَبَت فيها بالقَهْرِ بما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، فصَحَّتْ قِسْمَتُها، كما لو أُحْرِزَتْ بدارِ الإِسْلامِ. وبهذا يحْصُلُ الجوابُ عمّا ذَكَرُوه.