. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دُونَ حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو أُعْطِىَ بعضُ الرجالِ دُونَ حَقِّه غَلَطًا.
فصل: والصَّبِى يُرْضَخُ له. وبه قال الثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وعن القاسِمِ، في الصَّبِىِّ [يُغْزَى به] (١)، ليس له شئٌ. وقال مالكٌ: يُسْهَمُ له إذا قاتَلَ وأطاق ذلك ومثلُه قد بَلَغ القِتالَ؛ لأنَّه حُرٌّ ذَكَرٌ مُقاتِلٌ، فيُسْهَمُ له، كالرجلِ. وقال الأوْزَاعِىُّ: يُسْهَمُ له. وقال: أسْهَمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ للصِّبْيانِ بخيْبَرَ (٢)، وأسْهَمَ أئِمَّةُ المُسْلِمِين لكلِّ مَوْلُودٍ وُلِدَ في أرْضِ الحَرْبِ. وروَى الجُوزْجانِىُّ، بإسْنادِه عن الوَضِينِ بنِ عَطاءٍ، قال: حدَّثَتْنِى جَدَّتِى، قالتْ: كُنْتُ مع حَبِيبِ بنِ مَسْلَمَةَ (٣)، وكان يُسْهِمُ لأمَّهاتِ الأوْلادِ، لِما في بُطُونِهِنَّ. ولَنا، ما رُوى عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: كان الصِّبْيانُ والعبيدُ يُحْذَونَ مِن الغَنِيمَةِ إذا حَضَرُوا الغَزْوَ، في صَدْرِ هذه الأمَّةِ. وروَى الجُوزْجانِىُّ، بإسْنادِه، أنَّ تَمِيمَ بنَ فِرَعٍ (٤) المَهْرِىَّ، كان في الجَيْشِ الذى فَتَح الإِسْكَنْدَرِيَّةَ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ، قال: فلم يَقْسِمْ لى عمرٌو مِن الفَىْءٍ شيئًا، وقال: غُلامٌ لم يَحْتَلِمْ. حتى كادَ يكونُ بينَ قَوْمِى وبينَ أُناسٍ مِن قريشٍ لذلك ثائِرَةٌ، فقال بعضُ القومِ: فيكم أُناسٌ مِن أصحابِ رسولِ
стр. 4762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللَّهِ ﷺ ، فاسْأَلُوهم. فسأَلُوا أبا بَصْرَةَ (١) الغِفارِىَّ، وعُقْبَةَ بنَ عامرٍ، فقالوا: انْظُرُوا؛ فإن كان قد أشْعَرَ، فاقْسِمُوا له. فنَظَرَ إلىَّ بعضُ القَوْمِ، فإذا أنا قد أنْبَتُّ، فقَسَمَ لى. قال الجُوزْجانِىُّ: هذا مِن مَشاهِيرِ حديثِ مصرَ وجَيِّدِه. ولأنَّه ليس مِن أهْلِ القِتالِ، فلم يُسْهَمْ له، كالعَبْدِ، ولم يَثْبُتْ أنَّ النبىَّ ﷺ قَسَم لِصَبىٍّ، بل كان لا يُجِيزُهم في القِتالِ، قال ابنُ عُمَرَ: عُرِضْتُ على النبىِّ ﷺ وأنا ابنُ أربعَ عَشَرَةَ، فلم يُجِزْنِى في القِتالِ، وعُرِضْتُ عليه وأنا ابنُ خمْسَ عَشْرَةَ، فأَجازَنِى (٢). وما ذَكَرُوه يَحْتَمِلُ أنَّ الرَّاوِىَ سَمَّى الرَّضْخَ سَهْمًا، بدليلِ ما ذَكَرْناه.
فصل: فإنِ انْفَرَدَ بالغَنِيمَةِ مَن لا يُسْهَمُ له، مثل عَبِيدٍ دَخَلُوا دارَ الحَرْبِ فغَنِمُوا، أو صِبْيانٍ، أو عَبِيدٍ وصِبْيانٍ، أُخِذَ خُمْسُه، وما بَقِىَ لهم. فيَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ بينَهم؛ للفارِسِ ثلاثةُ أسْهُمٍ، وللرّاجِلَ سَهْمٌ؛ لأنَّهم تساوَوْا، فأشْبَهُوا الرِّجالَ الأحْرارَ. ويَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ بينَهم على ما يَراهُ الإِمامُ مِن المُفاضَلَةِ؛ لأنَّه لا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بينَهم مع غيرِهم، فلا تَجِبُ مع الانْفِرادِ، قياسًا لإِحْدَى الحالَتَيْن على الأُخْرَى. وإن كان فيهم رَجُلٌ حُرٌّ، أُعْطِىَ سَهْمًا، وفُضِّلَ عليهم، بقَدْرِ ما يُفَضَّلُ الأحْرارُ على العَبِيدِ والصِّبْيانِ في غيرِ هذا الموضِعِ، ويُقْسَمُ الباقِى بينَ مَن بَقِىَ على ما يَراه الإِمامُ مِن التَّفْضِيلِ؛ لأنَّ فيهم مَن له سَهْمٌ، بخِلافِ التى قبلَها.
стр. 4763
وَفِى الْكَافِرِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا يَرْضَخُ لَهُ، وَالأُخْرَى، يُسْهِمُ لَهُ.
ــ
١٤٤٩ - مسألة: (وفِى الكافِرِ رِوايَتانِ؛ إحْداهما، يَرْضَخُ له. والأُخْرَى، يُسْهِمُ له) اختلفتِ الرِّوايَةُ في الكافِرِ يَغْزُو مع الإِمامِ بإذْنِه، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يُسْهَمُ له كالمُسْلِمِ. وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ. قال الجُوزجانِىُّ: هذا قولُ أهْلِ الثُّغُورِ، وأهْلِ العِلْمِ بالصَّوَائِفِ والبُعُوثِ. وعن أحمدَ: لا يُسْهَمُ له. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه مِن غيرِ أهْلِ الجِهادِ، فلم يُسْهَمْ له، ولكنْ يُرْضَخُ له، كالعَبْدِ. ولَنا، ما روَى الزُّهْرِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعانَ بناسٍ مِن اليَهُودِ في حَرْبِه، فأسْهَمَ لهم. رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» (١). ورُوِىَ أنَّ صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ خَرَج مع النبىِّ ﷺ يومَ حُنَيْنٍ، وهو على شِرْكِه، فأسْهَمَ له، وأعْطاهُ مِن سَهْمِ المُؤَلَّفَةِ (٢).
стр. 4764
وَلَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ لِلرَّاجِلِ سَهْمَ رَاجِلٍ،
ــ
ولأنَّ الكُفْرَ نَقْصٌ في الدِّينِ، فلم يَمْنَعِ اسْتِحْقاقَ السَّهْمِ، كالفِسْقِ، وبهذا فارَقَ العَبْدَ؛ فإنَّ نَقْصَه في دُنْياه وأحْكامِه. وإن غَزَا بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، فلا سَهْمَ له؛ لأنَّه غيرُ مَأْمُونٍ على الدِّينِ، فهو كالمُرْجِفِ، وشَرٌّ منه. وإن غَزَا جماعَةٌ مِن الكُفّارِ وحدَهم فغَنِمُوا، احْتَمَلَ أن تَكُونَ غَنِيمَتُهم لهم، لا خُمْسَ فيها؛ لأنَّ هذا اكْتِسابٌ مُباحٌ، لم يُوجَدْ على وَجْهِ الجِهادِ، فكان لهم، لا خُمْسَ فيه، كالاحْتِشاشِ والاحْتِطابِ. ويَحْتَمِلُ أن يُؤْخَذَ خُمْسُه، والباقِى لهم؛ لأنَّه غَنِيمَةُ قومٍ مِن أهْلِ دارِ الإِسْلامِ، فأشْبَهَتْ غَنِيمَةَ المسلمين.
١٤٥٠ - مسألة: (ولا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ لِلرّاجِلِ سَهْمَ راجِلٍ، ولا
стр. 4765
وَلَا لِلْفَارِسِ سَهْمَ فَارِسٍ. فَإِنْ تَغَيَّرَ حَالُهُمْ قَبْلَ تَقَضِّى الْحَرْبِ، أُسْهِمَ لَهُمْ.
ــ
لِلفارِسِ سَهْمَ فارِسٍ) كما لا يَبْلُغُ بالتَّعْزِيرِ الحَدَّ، ولا بالحُكُومَةِ دِيَةَ العُضْوِ. ويَقْسِمُ الإِمامُ بينَ أهْلِ الرَّضْخِ كما يَرَى؛ فيُفَضِّلُ العَبْدَ المُقاتِلَ وذا البأْسِ على مَن ليس مثلَه، ويُفَضِّلُ المرأةَ المُقاتِلَةَ، والتى تَسْقِى الماءَ وتُداوِى الجَرْحَى وتَنْفَعُ على غيرِها. فإن قِيلَ: هلَّا سَوَّيْتُم بينَهم، كما سَوَّيْتُم بينَ أهْلِ السُّهْمانِ؟ قُلْنا: السَّهْمُ منْصُوصٌ عليه غيرُ مَوْكُولٍ إلى الاجْتِهادِ، فلم يَخْتَلِفْ، كالحَدِّ، ودِيَةِ الحُرِّ، والرَّضْخُ غيرُ مُقَدَّرٍ، بل هو مُجْتَهَدٌ فيه، مَرْدُودٌ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ، فاخْتَلَفَ، كالتَّعْزِيرِ، وقِيمَةِ العَبْدِ. والرَّضْخُ بعدَ الخُمْسِ في أحَدِ الوَجْهَيْن. وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه مِن أصْلِ الغَنِيمَةِ. وقد ذَكَرْناه.
١٤٥١ - مسألة: (فإن تَغَيَّرَتْ حالُهم قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ، أُسْهِمَ لهم) يَعْنِى إن بَلَغ الصَّبِىُّ، أو عَتَق العَبْدُ، أو أسْلَمَ الكافِرُ، أُسْهِمَ لهم؛
стр. 4766
وَإِنْ غَزَا الْعَبْدُ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ، قُسِمَ لِلْفَرَسِ، وَرُضِخَ لِلْعَبْدِ.
ــ
لأنَّهم شَهِدُوا الوَقْعَةَ وهم مِن أهْلِ القِتالِ، فأُسْهِمَ لهم، كغيرِهم، ولقولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ (١).
١٤٥٢ - مسألة: (وإن غَزا العَبْدُ على فَرَسٍ لِسَيِّدِه، قُسِمَ للفَرَسِ، ورُضِخَ لِلْعَبْدِ) أمّا الرَّضْخُ للعَبْدِ، فلِما تَقَدَّمَ. وأمّا الفَرَسُ الذى تَحْتَه، فيَسْتَحِقُّ مالِكُها سَهْمَها. فإن كان معه فَرَسان أو أكثرُ، أُسْهِمَ لفَرَسَيْن، كما لو كانَتا مع السَّيِّدِ. ويُرْضَخُ للعَبْدِ. نَصَّ على هذا أحمدُ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: لا يُسْهَمُ للفَرَسِ؛ لأنَّه تحتَ مَن لا يُسْهَمُ له، فلم يُسْهَمْ له، كما لو كان تحتَ مُخَذِّلٍ. ولَنا، أنَّه فَرَسٌ حَضَر الوَقْعَةَ، وقُوتِلَ عليه، فأُسْهِمَ له، كما لو كان السَّيِّدُ راكِبَه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ
стр. 4767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَهْمَ الفَرَسِ ورَضْخَ العَبْدِ لسَيِّدِه؛ لأنَّه مالِكُه ومالكُ فَرَسِه، وسواءٌ حَضَر السَّيِّدُ القِتالَ أو غابَ عنه. وفارَقَ فَرَسَ المُخَذِّلِ؛ لأنَّ الفَرَسَ له، فإذا لم يَسْتَحِقَّ شيئًا بحُضُورِه، فلَأن لا يسْتَحِقَّ بحُضورِ فرَسِه أوْلَى.
فصل: فإن غزا الصَّبِىُّ على فَرَسٍ، أو المرأةُ أو الكافِرُ -إذا قُلْنا: لا يُسْهَمُ له- لم يُسْهَمْ للفَرَسِ، في ظاهِرِ قولِ أصحابِنا؛ لأنَّهم قالوا: لا يَبْلُغُ بالرَّضْخِ للفَرَسِ سَهْمَ فارِسٍ. وظاهِرُ هذا أنَّه يُرْضَخُ له ولفَرَسِه، ما لم يَبْلُغْ سَهْمَ الفارِسِ، ولأنَّ سَهْمَ الفَرَسِ له، فإذا لم يَسْتَحِقَّ السَّهْمَ بحُضورِه، فبِفَرَسِه أوْلَى، بخِلافِ العَبْدِ، فإنَّ الفَرَسَ لغيرِه.
فصل: وإن غَزا المُخَذِّلُ أو المُرْجِفُ على فرسٍ، فلا شئَ له ولا للفَرَسِ؛ لِما ذَكَرْنا. وإن غَزا العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، لم يُرْضَخْ له؛ لأنَّه عاصٍ بغَزْوِه، فهو كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ. وإن غَزا الرجلُ بغيرِ إذْنِ والِدَيْه، أو بغيرِ إذْنِ غَرِيمِه، اسْتَحَقَّ السَّهْمَ؛ لأنَّ الجِهادَ تَعَيَّنَ عليه بحُضُورِ الصَّفِّ، فلا يَبْقَى عاصِيًا به، بخِلافِ العبدِ.
فصل: ومَن اسْتَعارَ فَرَسًا ليَغْزُوَ عليه، ففَعَلَ (١)، فسَهْمُ الفَرَسِ للمُسْتَعِيرِ. وبهذا قال الشافعىُّ؛ لأنَّه مُتَمَكِّنٌ مِن الغَزْوِ عليه بإذْنٍ صَحِيحٍ شَرْعِىٍّ، أشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَه. وعن أحمدَ، أنَّ سَهْمَ الفَرَسِ لمالِكِه؛ لأنَّه
стр. 4768
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن نَمائِه، فأشْبَهَ وَلَدَه. وبهذا قال بعضُ الحَنَفِيَّةِ. وقال بعضُهِم: لا سَهْمَ للفَرسِ، لأنَّ مالِكَه لم يَسْتَحِقَّ سَهْمًا، فلم يَسْتَحِقَّ الفَرَسُ شيئًا، كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ. والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّه فَرَسٌ قاتَلَ عليه مَن يَسْتَحِقُّ سَهْمًا، وهو مالكُ نَفْعِه، فاسْتَحَقَّ يسهْمَ الفَرَسِ، كالمُسْتَأْجِرِ، ولأنَّ سَهْمَ الفَرَسِ مُسْتَحَقٌّ بمَنْفَعَتِه، وهى للمُسْتَعِيرِ بإذْنِ المالِكِ فيها، وفارَقَ النَّماءَ، فإنَّه غيرُ مَأْذُونٍ فيه. فأمَّا إنِ اسْتعارَه لغيرِ الغَزْوِ، ثم غَزا عليه، فهو كالفَرَسِ المَغْصوبِ، على ما سَنَذْكُرُه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: فإنِ اسْتَأْجَرَ فَرَسًا للغَزْوِ، فَغَزا عليه، فَسَهْمُ الفَرَسِ له. لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ لنَفْعِه اسْتِحْقاقًا لازِمًا، أشْبَهَ المالِكَ. وإن كان المُسْتَأْجِرُ والمُسْتَعِيرُ ممَّن لا سَهْمَ له، إمَّا لكَوْنِه لا شئَ له، كالمُخَذِّلِ والمُرْجِفِ، أو ممَّن يُرْضَخُ له، كالصَّبِىِّ، فحُكْمُه حُكْمُ فَرَسِه، على ما ذَكَرْنا. وإن غَزا على فَرَسٍ حَبِيسٍ، فسَهْمُ الفَرَسِ له، كما لو اسْتَأْجَرَه.
فصل: يَنْبَغِى أن يُقَدِّمَ قَسْمَ أرْبَعةِ الأخْماسِ على قَسْمِ الخُمْسِ؛ لأنَّ أهْلَها حاضِرُون، وأهلَ الخُمْسِ غائِبونَ، ولأنَّ رُجُوعَ الغانِمِين إلى أوْطانِهم يَقِفُ على قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، وأهْلُ الخُصْرِ في أوْطانِهم، ولأنَّ الغَنِيمَةَ حَصَلَتْ بتَحْصِيلِ الغانِمِين وتَعَبهم، وأهْلُ الخُمْسِ بخلافِ ذلك، فكان الغانِمُون أوْلَى بالتَّقْدِيمِ، ولأنَّ الغَنِيمَةَ إذا قُسِمَتْ بينَ الغانِمِين، أخَذَ كلُّ واحِدٍ نَصِيبَه، فكَفَى الإِمامَ هَمَّه ومُؤْنَتَه، بخِلافِ الخُمْسِ؛
стр. 4769
ثُمَّ يَقْسِمُ بَاقِىَ الْغَنِيمَةِ؛ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ؛ سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ،
ــ
فإِنَّ الإِمامَ لا يَكْتَفِى مُؤْنَتَه بقَسْمِه، فلا تحْصُلُ الفائِدَةُ به، ولأنَّ الخُمْسَ لا يُمْكِنُ قَسْمُه بينَ أهْلِه كلِّهم؛ لأنَّه يُحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِهم وعَدَدِهم، ولا يُمْكِنُ ذلك مع غَيْبَتِهم، ولأنَّ الغانِمِين ينْتَفِعُونَ بسِهامِهم، ويتَمَكَّنُون مِن التَّصَرُّفِ فيها. واللَّهُ تعالى أعلمُ.
١٤٥٣ - مسألة: (ثم يَقْسِمُ باقِىَ الغَنِيمَةِ؛ للرّاجِلِ سَهْمٌ، وللفارِسِ ثَلاثةُ أسْهُمٍ؛ سَهمٌ له، وسَهْمان لِفَرَسِه) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ للغانِمِين أرْبعةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ، وقد دَلَّ النَّصُّ على ذلك بقولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١). يُفْهَمُ منه أنَّ أربعةَ أخْماسِها الباقِيَةَ لهم؛ لأنَّه أضافَها إليهم، ثم أخَذَ منها سَهْمًا لغيرِهم، فبَقِىَ سائِرُها لهم، كقولِه تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٢). فَفُهِمَ منه أنَّ الباقِىَ للأبِ. وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِد الوَقْعَةَ.
فصل: ويَقْسِمُ بينَهم، للرّاجِلِ (٣) سَهْمٌ، وللفارِسِ ثَلاثةُ أسْهُمٍ؛
стр. 4770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَهْمٌ له، وسَهْمان لفَرَسِه. هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ الغَنِيمَةَ تُقْسَمُ للفارِسِ ثلاثةُ أسْهُمٍ؛ له سَهْمٌ، ولفَرَسِه سَهْمان، وللرّاجِلِ سَهْمٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مَذْهَبُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وحَبِيبِ بنِ أبى ثابِتٍ، وعَوامِّ عُلماءِ الإِسلامِ في القَدِيم والحديثِ؛ منهم مالكٌ، ومَن تَبِعَه مِن أهْلِ المدينَةِ، والثَّوْرِىُّ ومَن وافَقَه مِن أهْلِ العِراقِ، واللَّيْثُ ومَن تَبِعَه مِن أهْلِ مصرَ، والشافعىُّ، وأحمدُ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: للفَرَسِ سَهْمٌ واحِدٌ؛ لِما روَى مُجَمِّعُ بنُ جارِيةَ (١)، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ خَيْبَرَ على أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ فأعْطىَ الفارِسَ سَهْمَيْن، وأعْطىَ الرّاجِلَ سَهْمًا. رَواه أبو داودَ (٢). ولأنَّه حيوانٌ ذو سَهْمٍ، فلم يَزِدْ على سَهْمٍ، كالآدَمِىِّ. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أسْهَمَ يومَ خيْبَرَ للفارسِ ثلاثَةَ أسْهُمٍ؛ سَهْمان لفَرَسِه، وسَهْمٌ له. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن أبى رُهْمٍ، وأخِيه، أنَّهما كانا فارِسَيْن يومَ خَيْبَرَ، فأُعْطِيا سِتَّةَ أسْهُمٍ؛
стр. 4771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أربعةَ أسْهُمٍ لفَرَسَيْهما، وسَهْمَيْن لهما. رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ (١). وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ أعْطَى الفارِسَ ثلاثةَ أسْهُمٍ، وأعْطَى الرّاجِلَ سَهْمًا (٢). وقال خالدٌ الحَذّاءُ (٣): لا يُخْتَلَفُ فيه عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه أسْهَمَ هكذا؛ للفَرَسِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِه سَهْمًا، وللرّاجِلِ سَهْمًا. وكَتَب عُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ إلى عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ: أمّا بعدُ؛ فإنَّ سُهْمانَ الخيلِ ممّا (٤) فَرَض رسولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَيْن للفَرَسِ، وسَهْمًا للرّاجِلِ، ولعَمْرِى لقد كان حدِيثًا ما أشْعُرُ أنَّ أحدًا مِن المسلمين هَمَّ بانْتِقاصِ ذلك، [فمَن هَمَّ بانْتِقاصِ ذلك] (٥) فعاقِبْه (٦)، والسلامُ عليك. رَواهما سعيدٌ، والأثْرَمُ (٧). وهذا يَدُلُّ على ثُبُوتِ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بهذا، وأنَّه اجْمِعَ عليه، فلا يُعَوَّلُ على ما خالَفَه. فأمّا حديثُ
стр. 4772
إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَرَسُهُ هَجِينًا أَوْ بِرْذَوْنًا؛ فَيَكُونُ لَهُ سَهْمٌ. وَعَنْهُ، لَهُ سَهْمَانِ، كَالْعَرَبِىِّ.
ــ
مُجَمِّعٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ: أعْطَى الفارِسَ سَهْمَيْن لفَرَسِه، وأعْطَى الرّاجِلَ سَهْمًا، يعنى صاحِبَه، فيَكُونُ ثلاثةَ أسْهُمٍ، على أنَّ حديثَ ابنِ عُمَرَ أصَحُّ منه، وقد وافَقَه حديثُ أبى رُهْمٍ، وأخيه، وابنِ عباسٍ، وهؤلاء أحْفَظُ وأعْلَمُ، وابنُ عُمَرَ، وأبو رُهْمٍ، وأخُوه ممَّن شَهِدُوا وأخَذُوا السُّهْمانَ، وأخْبَرُوا عن أنْفُسِهم، فلا يُعارَضُ ذلك بخَبَرٍ شاذٍّ تَعَيَّنَ غَلَطُه، أو حَمْلُه على ما ذَكَرْنا، وقِياسُ الفَرَسِ على الآدَمِىِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ أثَرَها في الحَرْبِ أكثرُ، وكُلْفَتَها أعْظَمُ، فيَنْبَغِى أن يَكُونَ سَهْمُها أكثرَ.
١٤٥٤ - مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ فَرَسُه هَجِينًا أوْ بِرْذَوْنًا؛ فيَكُونُ له سَهْمٌ. وعنه، له سَهْمان، كالعَرَبِىِّ) الهَجِينُ: الذى أبُوه عرَبىٌّ وأُمُّه بِرْذَوْنَةٌ. والمُقْرِفُ (١) بالعَكْسِ. قالتْ هندُ بنتُ النُّعْمانِ بنِ بَشيرٍ (٢):
وما هِنْدُ إلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ ... سَلِيلَةُ أفْراسٍ تَجَلَّلَها بَغْلُ
فإنْ وَلَدَتْ مُهْرًا كَرِيمًا فبالحَرَى ... وإنْ يَكُ إقْرافٌ فما أنْجَبَ الفَحْلُ
стр. 4773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد حُكِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: الهَجِينُ: البِرْذَوْنُ. واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عنه في سُهْمانِها، فقال الخَلَّالُ: تواتَرَتِ الرِّواياتُ عن أبى عبدِ اللَّه فِى سِهامِ البِرْذَوْنِ، أنَّه سَهْمٌ واحِدٌ. واخْتارَه أبو بكرٍ، والخِرَقِىُّ. وهو قولُ الحسنِ. قال الخَلَّالُ: وروَى عنه ثلاثةٌ مُتَيَقِّظُون (١) أنَّه يُسْهَمُ للِبرْذَوْنِ سَهْمُ العَرَبِىِّ. اخْتارَه الخَلَّالُ. وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ﴾ (٢). وهذه مِن الخَيْلِ. ولأنَّ الرُّواةَ رَوَوْا أنَّ النبىَّ ﷺ أسْهَمَ للفَرسِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِه سَهْمًا. وهذا عامٌّ في كُلِّ فَرَس، ولأنَّه حيوانٌ ذو سَهْمٍ، فاسْتَوَى فيه العَرَبِىُّ وغيرُه، كالآدَمِىِّ. وحَكَى أبو بكرٍ عن أحمدَ رِوايَةً ثالثةً، أنَّ البَراذِينَ إن أدْرَكَتْ إدْراكَ العِرابِ، أُسْهِمَ لها مثلُ (٣) سَهْمِ العَرَبِىِّ، وإلَّا فلا. وهذا قولُ ابنِ أبى شَيْبَةَ، وابنِ أبى خَيْثَمَةَ، وأبى أيُّوبَ، والجُوزْجانِىِّ؛ لأنَّها مِن الخَيْلِ، وقد عَمِلَتْ عَمَلَ العِرابِ، فأُعْطِيَتْ سَهْمًا، كالعَرَبِىِّ. وحَكَى القاضِى رِوايَةً رابعةً، أنَّها
стр. 4774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا سَهْمَ لها. وهو قولُ مالكِ بنِ عبدِ اللَّهِ الخَثْعَمِىِّ (١)؛ لأنَّه حيوانٌ لا يَعْمَلُ عَمَل الخَيْلِ العِرابِ، فأشْبَهَ البِغالَ. ويَحْتَمِلُ أن تكُونَ هذه الرِّوايَةُ فيما لا يُقارِبُ العِتاقَ منها؛ لِما روَى الجُوزْجانِىُّ، بإسْنادِه، عن أبى موسى، أنَّه كَتَب إلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ: إنَّا وجَدْنا بالعِراقِ خَيْلًا عِراضًا (٢) دُكْنًا، فما تَرَى يا أميرَ المؤمنين في سُهْمانِها؟ فكَتَب إليه: تِلْكَ البَراذِينُ، فما قارَبَ العِتاقَ منها، فاجْعَلْ له سَهْمًا واحدًا، وألْغِ ما سِوَى ذلك (٣). ووَجْهُ الأُولَى، ما روَى سعيدٌ (٤)، بإسْنادِه عن أبى الأقْمَرِ، قال: أغارَتِ الخَيْلُ على الشّامِ، فأدْرَكَتِ العِرابُ مِن يَوْمِها، وأدْرَكَتِ الكَوادِنُ (٥) ضُحَى الغَدِ، وعلى الخَيْلِ رجلٌ مِن هَمْدانَ، يُقالُ له:
стр. 4775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُنْذِرُ بنُ أبى حُمَيْضَةَ، فقال: لا أجْعَلُ الذى أدْرَكَ مِن يومِه مثلَ الذى لم يُدْرِكْ. ففَضَّلَ الخيْلَ العِرابَ. فقال عُمَرُ: هَبِلَتِ الوادِعِىَّ أُمُّه، أمْضُوها على ما قال. ولم يُعْرَفْ عن الصحابةِ خلافُ هذا القوْلِ. وروَى مَكْحُولٌ، أنَّ النبىَّ ﷺ أعْطَى الفَرَسَ العَرَبِىَّ سَهْمَيْن، وأعْطىَ الهَجِينَ سَهْمًا. رَواه سعيدٌ (١). ولأنَّ نَفْعَ العَرَبِىِّ وأثرَه في الحَرْبِ أكثرُ، فيَكُونُ يسهْمُه أرْجَحُ، كتفاضُلِ مَن يُرْضَخُ له. وأمّا قولُهم: إنَّه مِن الخَيْلِ. قُلْنا: الخَيْلُ في أنْفُسِها تتَفاضَلُ، فتَتَفاضَلُ سِهامُها. وقوْلُهم: إنَّ النبىَّ ﷺ قَسَم للفَرَسِ سَهْمَيْن، مِن غيرِ تَفْريقٍ. قُلْنا: هذه قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، لا عُمُومَ لها، فيَحْتَمِلُ أنَّه لم يَكُنْ فيها بِرْذَوْنٌ، وهو الظاهِرُ، فإنَّها مِن خَيْلِ العَرَبِ، ولا بَراذِينَ فيها، ويَدُلُّ على صِحَّةِ ذلك، أنَّهم لمّا وَجَدُوا البَراذِينَ في العراقِ، أشْكَلَ عليهم أمْرُها، وأنَّ عُمَرَ فَرَض لها سَهْمًا واحِدًا، وأمْضَى ما قال المُنْذِرُ بنُ أبى حُمَيْضَةَ في تَفْضِيلِ العِرابِ عليها، ولو خالَفَه [لم يَسْكُتِ] (٢) الصحابَةُ عن إنْكارِه عليه، سيَّما وابنُه هو راوِى الخَبَرِ، فكيف يَخْفَى عليه ذلك! ويَحْتَمِلُ
стр. 4776
وَلَا يُسْهَمُ لأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ.
ــ
أنَّه فَضَّلَ العِرابَ، فلم يَذْكُرِ الرّاوِى ذلك؛ لغَلَبَةِ العِرابِ، وقِلَّةِ البَراذِينِ، وقد دَلَّ على ذلك التَّأوِيلِ خبرُ مَكْحُولٍ الذى رَوَيْناه، وقِياسُها على الآدَمِىِّ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ العَرَبِىَّ منهم لا أثَرَ له في الحَرْبِ زِيادَةً على غيرِه، بخِلافِ العَرَبِىِّ مِن الخَيْلِ، فإنَّه يُفَضَّلُ على غيرِه. واللَّهُ أَعْلمُ.
فصل: ويُعطَى الرّاجِلُ سَهْمًا. بغيرِ خِلافٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ، ولأنَّ الرّاجِلَ لا يَحْتاجُ إلى ما يَحْتاجُ إليه الفارِسُ مِن النَّفَقَةِ، ولا يُغْنِى كغَنائِه، فاقْتَضَى أن يَنْقُصَ سَهْمُه عن سَهْمِه، وسواءٌ كانتِ الغَنِيمَةُ مِن فَتْحِ مَدِينةٍ، أو [مِن جَيْشٍ] (١). وبه قال الشافعىُّ. وقال الوليدُ بنُ مُسْلِمٍ: سألتُ الأوْزَاعِىَّ عن إسْهامِ الخَيْلِ مِن غنائِمِ الحُصُونِ، فقال: كانتِ الوُلاةُ قبلَ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ لا يُسْهِمُون للخَيْلِ مِن الحُصُونِ، ويَجْعَلُون النّاسَ كلَّهم رَجّالةً، حتى وَلِىَ عُمَرُ، فأنْكَرَ ذلك، وأمَرَ بإسْهامِ الخَيْلِ مِن الحُصُونِ والمَدائنِ. ووجْهُهُ، أنَّ النبىَّ ﷺ قَسَم غنائِمَ خيْبَرَ، ففَضَّلَ الفارِسَ، وهى حُصونٌ، ولأنَّ الخَيْلَ رُبَّما احْتِيجَ إليها إن خَرَج أهْلُ الحِصْنِ، ويَلْزَمُ صاحِبَه مُؤْنَةٌ له، فأشْبَهَ الغَنِيمَةَ مِن غيرِ الحِصْنِ.
١٤٥٥ - مسألة: (ولا يُسْهَمُ لأكْثَرَ مِن فَرَسَيْن) يَعْنِى إذا كان
стр. 4777
وَلَا يُسْهَمُ لِغَيْرِ الْخَيْلِ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ، قُسِمَ لَهُ وَلِبَعِيرِهِ سَهْمَانِ.
ــ
مع الرجلِ خيلٌ، أُسْهِمَ لفَرَسَيْن أربعةُ أسْهُمٍ، ولصاحِبِهما سَهْمٌ، ولم يُزَدْ على ذلك. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا يُسْهَمُ لأكْثَرَ مِن فَرَسٍ واحدٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يُقاتِلَ على أكْثَرَ منها، فلم يُسْهَمْ لِما زادَ عليها، كالزّائِدِ على الفَرَسَيْن. ولَنا، ما روَى الأوْزَاعِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يُسْهِمُ للخَيْلِ، وكان لا يُسْهِمُ للرَّجُلِ فوقَ فرَسَيْن، وإن كانتْ معه عَشَرَةُ أفْرَاسٍ. وعن أزْهَرَ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنَّ عُمَرَ ابنَ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى أبى عُبَيْدَةَ بنِ الجَرّاحِ، أن يُسْهِمَ للفَرَسِ سهْمَيْن، وللفَرَسَيْن أرْبَعَةَ أسْهُمٍ، ولصاحِبِها سَهْمًا، فذلك خَمْسَةُ أسْهُمٍ، وما كان فوقَ الفَرَسَيْن فهى جنائِبُ. رَواهما سعيدٌ (١). ولأنَّ به إلى الثَّانِى حاجَةً، فإنَّ إدامَةَ رُكوبِ واحدٍ تُضْعِفُه، وتَمْنَعُ القِتالَ عليه، فيُسْهَمُ له، كالأوَّلِ، بخِلافِ الثالثِ، فإنَّه مُسْتَغْنًى عنه.
١٤٥٦ - مسألة: (ولا يُسْهَمُ لغيرِ الخَيْلِ. وقال الخِرَقِىُّ: مَن غَزا على بَعِيرٍ لا يَقْدِرُ على غيرِه، قُسِمَ له ولِبَعِيرِه سَهْمانِ) أمَّا ما عدا الخَيْلَ
стр. 4778
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والإِبِلَ، مِن البِغالِ والحَمِيرِ والفِيَلَةِ وغيرِها، فلا سَهْمَ لها، وإن عَظُمَ غَناؤُها وقامَتْ مَقامَ الخَيْلِ. ذَكَر القاضِى أنَّ الفِيَلَةَ حُكْمُها حُكْمُ الهَجِينِ، لها سَهْمٌ. ذَكَره في «الأحْكام السُّلْطانِيَّةِ» (١). والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يُسْهِمْ لها، ولا أحَدٌ مِن خُلَفائِه، ولأنَّها ممّا لا تَجُوزُ المُسابَقَةُ عليه بعِوَضٍ، فلم يُسْهَمْ لها، كالبَقَرِ. وأمّا الإِبِلُ، فقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه يُسْهَمُ للبَعِيرِ سَهْمٌ. ولم يَشْتَرِطْ عَجْزَ صاحِبهِ عن غيرِه. وحُكِىَ نحوُ هذا عن الحسنِ، لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (٢). ولأنَّه حَيوانٌ (٣) تَجُوزُ المُسابَقَة عليه بعِوَضٍ، فيُسْهَمُ له، كالفَرَسِ. يُحَقِّقُه أنَّ تجْوِيزَ المُسابَقَةِ
стр. 4779
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعِوَضٍ إنَّما أُبِيحَ في ثلَاثةِ أشْياءَ دُونَ غيرِها؛ لأنَّها آلاتُ الجِهادِ، فأُبِيحَ أخْذُ الرَّهْنِ في المُسابَقَةِ بها؛ تَحْرِيضًا على رِياضَتِها (١)، وتَعَلُّمِ الإِتْقانِ فيها. ورُوِىَ عن أحمدَ مثلُ ما ذَكَر الخِرَقِىُّ. وظاهِرُ ذلك، أن لا يُسْهَمَ للبعيرِ مع إمْكانِ الغَزْوِ على فَرَسٍ. إذا ثَبَت ذلك، فلا يُزادُ على سَهْمِ البِرْذَوْنِ؛ لأنَّه دُونَه، ولا يُسْهَمُ له إلَّا أن يَشْهَدَ الوَقْعَةَ عليه، ويكُونَ ممّا يُمْكِنُ القِتالُ عليه، فأمّا هذه الإِبِلُ الثَّقِيلَةُ التى لا تَصْلُحُ إلَّا للحَمْلِ، فلا تَسْتَحِقُّ شيئًا؛ لأنَّ راكِبَها لا يَكِرُّ ولا يَفِرُّ، فهو أدْنَى حالًا مِن الرّاجِلِ.
стр. 4780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه لا سَهْمَ له. وهو قولُ الأكْثَرِين. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ مَن غَزا على بَعيرٍ، فله سَهْمُ راجِلٍ. كذلك قال الحسنُ، ومَكْحُولٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يُنْقَلْ عنه أنَّه أسْهَمَ لغيرِ الخَيْلِ مِن البَهائِمِ، وقد كان معه يومَ بَدْرٍ سَبْعونَ بَعِيرًا، ولم تَخْلُ غَزْوَةٌ مِن غَزَواتِه مِن الإِبِلِ، بل هى كانتْ غالِبَ دَوابِّهم، فلم يُنْقَلْ أنَّه أسْهَمَ لها، ولو أسْهَمَ لها لَنُقِلَ، وكذلك مَن بعدَ النبىِّ ﷺ مِن خُلَفائِه وغيرِهم، مع كَثْرَةِ غَزَواتِهمِ، لم يُنْقَلْ عن أحَدٍ منهم فيما عَلِمْناه أنَّه أسْهَمَ لبعيرٍ، ولو أسْهَمَ لم يَخْف ذلك، ولأنَّه يُمَكِّنُ صاحِبَه الكَرَّ والفَرَّ، فلم يُسْهَمْ له، كالبَغْلِ.
стр. 4781
وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ رَاجِلًا، ثُمَّ مَلَكَ فرَسًا، أَوِ اسْتَعَارَهُ، أَوِ اسْتَأْجَرَهُ، وَشَهِدَ بِهِ الْوَقْعَةَ، فَلَهُ يسهْمُ فَارِسٍ. وَإِنْ دَخَلَ فَارِسًا، فَنَفَقَ فَرَسُهُ، أَوْ شَرَدَ حَتَّى تَقَضِّى الْحَرْبِ، فَلَهُ يسهْمُ رَاجِلٍ.
ــ
١٤٥٧ - مسألة: (ومَن دَخَل دارَ الحَرْبِ راجِلًا، ثم مَلَك فَرَسًا، أو اسْتَعارَه، أو اسْتَأْجَرَه، فشَهِدَ به الوَقْعَةَ، فله سَهْمُ فارِسٍ. ومَن دَخَل فارِسًا، فنَفَقَ فَرَسُه، أو شَرَد حتى تَقَضِّى الحَرْب، فله سَهْمُ راجِلٍ) قال أحمدُ: أنا (١) أرَى أنَّ كلَّ مَن شَهِدَ الوَقْعَةَ على أَىِّ حالة كان يُعْطَى؛ إن كان فارِسًا ففارِسٌ، ؤإن كان راجِلًا فراجِلٌ، لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ (٢). وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ،
стр. 4782
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وإسْحاقُ. ونحوَه قال ابنُ عُمَرَ. وقال أبو حنيفةَ: الاعْتِبارُ بدُخُولِ دارِ الحَرْبِ، فإن دَخَل فارِسًا فله سَهْمُ فارِسٍ، وإن نَفَق فرَسُه قبلَ القِتالِ، وإن دَخَل رَاجِلًا فله سَهْمُ الرّاجلِ (١)، وإنِ اسْتَفادَ فَرَسًا فقاتَلَ عليه. وعنه رِوايةٌ أُخْرَى كقولِنا. قال أَحمدُ: كان سليمانُ ابنُ موسى يَعْرِضُهم إذا أدْرَبُوا (٢)، الفارِسُ فارِسٌ، والرّاجِلُ راجلٌ؛ لأنَّه دَخَل في الحَرْبِ بنِيَّةِ القِتالِ، فلا يَتَغَيَّرُ سَهْمُه بذَهابِ دابَّتِه، أو حُصولِ
стр. 4783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دابَّةٍ له، كما لو كان بعدَ القِتالِ. وقال الخِرَقِىُّ: الاعْتِبارُ بحال إحْرازِ الغَنِيمَةِ، فإن أُحْرِزَتِ الغَنِيمَةُ وهو راجِلٌ، فله سَهْمُ راجلٍ، وإن أُحْرِزَتْ وهو فارِسٌ، فله سَهْمُ فارسٍ. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بحِيازَةِ الغَنِيمَةِ الاسْتِيلاءَ عليها، فيكُونُ كما ذَكَرْنا. ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ أراد جَمْعَ الغَنِيمَةِ وضَمَّها وإحْرازَها، وقد ذَكَرْنا فيما إذا لَحِقَ مدَدٌ أو هَرَب أسِيرٌ بعدَ تَقَضِّى الحَرْبِ، وقبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، هل يُسْهَمُ له منها؟ على وَجْهَيْن، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُ ذلك. واللَّهُ أعلمُ. ولَنا، أنَّ الفَرَسَ حيوانٌ يُسْهَمُ له، فاعْتُبِرَ وُجُودُهُ حالَةَ القِتالِ، فيُسْهَمُ له مع (١) الوُجُودِ فيه، ولا يُسْهَمُ له مع العَدَمِ، كالآدَمِىِّ. والأصْلُ في هذا أنَّ حالةَ اسْتِحْقاقِ السَّهْمِ حالَ تَقَضِّى الحَرْبِ، بدَليلِ قولِ عُمَرَ: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِد الوَقْعَةَ. ولأنَّها الحالُ التى يَحْصُلُ فيها الاسْتِيلاءُ الذى هو سَبَبُ المِلْكِ، بخِلافِ ما قبلَ ذلك، فإنَّ الأمْوالَ في أيْدِى أصحابِها، فلا نَدْرِى هل يُظْفَرُ بهم أو لا؟ ولأنَّه لو ماتَ
стр. 4784
وَمَنْ غَصَبَ فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ، فَسَهْمُ الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ.
ــ
بعضُ المُسْلِمِين قبلَ الاسْتِيلاءِ، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا، ولو وُجِدَ مَدَدٌ في تلك الحالِ، اسْتَحَقُّوا السَّهْمَ، فدَلَّ على أنَّ الاعْتِبارَ بحالَةِ الاسْتِيلاءِ، فوَجَبَ اعْتِبارُه دُونَ غيرِه.
١٤٥٨ - مسألة: (ومَن غَصَب فَرَسًا فقاتَلَ عليه، فسَهْمُ الفَرَسِ لِمالِكِه) نَصَّ عليه أحمدُ. وقال بعضُ الحَنَفِيَّةِ: لا سَهْمَ للفَرَسِ. وهو وَجْهٌ لأصحابِ الشافعىِّ. وقال بعضُهم: سَهْمُ الفَرَسِ للغاصِبِ، وعليه أُجْرَتُه لمالِكِه؛ لأنَّه آلةٌ، فكان الحاصِلُ بها لمُسْتَعْمِلِها، كما لو غَصَبَ مِنْجَلًا فاحْتَشَّ بها، أو سَيْفًا فقاتَلَ به. ولَنا، أنَّه فَرَسٌ قاتَلَ عليه مَن يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، فاسْتَحَقَّ السَّهْمَ، كما لو كان مع صاحِبِه، وإذا ثَبَت أنَّ له سَهْمًا، كان لمالِكِه؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ جَعَل للفَرَسِ سَهْمَيْن، ولصاحِبِه سَهْمًا، وما كان للفَرَسِ كان لصاحِبِه، وفارَقَ ما يَحْتَشُّ به، فإنَّه لا شئَ له، ولأنَّ السَّهْمَ مُسْتَحَقٌّ بِنَفْعِ الفَرَسِ، ونَفْعُه لمالِكِه، فوَجَبَ أن يكُونَ ما يَسْتَحِقُّ به له.
стр. 4785
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن [كان] (١) الغاصِبُ ممَّن لا سَهْمَ له؛ إمّا لكَوْنِه لا شئَ له، كالمُخَذِّلِ، أو مِمَّن يُرْضَخُ له، كالصَّبِىِّ، احْتَمَلَ أن يكُونَ حُكْمُ فرَسِه حُكْمَه، على ما ذَكَرْنا؛ لأنَّ الفَرَسَ تَتْبَعُ الفارِسَ في حُكْمِه، فتَتْبَعُه إذا كان مَغْصُوبًا، قياسًا على فرَسِه. واحْتَمَلَ أن يكُونَ سَهْمُ الفَرَسِ لمالِكِه؛ لأنَّ الجِنايَةَ مِن راكِبه، والنَّقْصَ فيه، فيُخَصُّ المَنْعُ به، وبما هو تابعٌ له، وفَرَسُه تابِعَةٌ له؛ لأَنَّ ما كان لها فهو له، والفَرسُ ههُنا لغيرِه،
стр. 4786
وَإذَا قَالَ الإِمَامُ: مَنْ أخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. أوْ فَضَّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ، لَمْ يَجُزْ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن، وَيَجُوزُ فِى الْأُخْرَى.
ــ
وسَهْمُها لمالِكِها، فلا يَنْقُصُ سَهْمُها بنَقْصِ سَهْمِه، كما لو قاتَلَ العَبْدُ على فرَسٍ لسَيِّدِه. ولو قاتَلَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه علىِ فَرَسٍ لسَيِّدِه، خُرِّجَ فيه الاحْتِمالان اللَّذان ذَكَرْناهُما فيما إذا غَصَب فرَسًا فقاتَلَ عليه؛ لأنَّه ههُنا بمَنْزِلَةِ المغْصُوبِ.
١٤٥٩ - مسألة: (وإذا قال الإِمامُ: مَن أخَذَ شيئًا فهو له. أو فَضَّلَ بعضَ الغانِمِينَ على بعضٍ، لم يَجُزْ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، ويَجُوزُ في الأُخرَى) إذا قال الإِمامُ: مَن أخَذَ شيئًا فهو له. جازَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. وبه قال أبو حنيفةَ. وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ. قال أحمدُ -في السَّرِيَّةِ تَخْرُجُ فيقولُ الوالِى: مَن جاءَ بشئٍ فهو له، ومَن لم يجِئْ بشئٍ فلا شئَ له-: الأنْفالُ إلى الإِمامِ، ما فَعَل مِن شئٍ جازَ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ ، قال في يومِ بَدْرٍ: «مَنْ أخَذَ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ» (١). ولأنَّهم على هذا غَزَوْا ورَضُوا به. والثانيةُ، لا يَجُوزُ. وهو القولُ الثَّانِى للشافعىِّ؛
стр. 4787
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّ النبىَّ ﷺ كان يَقْسِمُ الغنائِمَ والخُلَفَاءُ بعدَه، ولأنَّ ذلك يُفْضِى إلى اشْتِغالِهم بالنَّهْبِ عن القِتالِ، وظَفَرِ العَدُوِّ بهم، فلا يَجُوزُ، ولأنَّ الاغْتِنامَ سَببٌ لاسْتِحْقاقِهم لها على سَبِيلِ التَّساوِى، فلا يَزُولُ ذلك بقولِ الإِمامِ، كسائِرِ الاكْتِسابِ. فأمّا قَضِيَّةُ بَدْرٍ، فإنَّها مَنْسُوخَةٌ، فإنَّهم اخْتَلَفُوا فيها، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) الآية.
стр. 4788
وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلْجِهَادِ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ،
ــ
فصل: فأمّا تَفْضِيلُ بعضِ الغانِمِين على بعضٍ، فإن كان على سَبيلِ النَّفَلِ لبعضِهم زِيادَةً على سَهْمِه، فقد ذَكَرْناه في الأنْفالِ، فأمَّا غيرُ ذلك، فلا يَجُوزُ، لأنَّ النبىَّ ﷺ قَسَم للفارِسِ ثلاثَةَ أسْهُمٍ، وللرّاجِلِ سَهْمًا، وسَوَّى بينَهم. ولأنَّهم اشْتَرَكُوا في الغَنِيمَةِ على سبيلِ التَّسْوِيَةِ، فتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بينَهم، كسائِرِ الشُّرَكاءِ، ولأنَّه يُفْضِى إلى إيقاعِ العَداوَةِ بينَهم، وإفْسادِ قُلُوبِهم.
١٤٦٠ - مسألة: (ومَن اسْتُؤْجِرَ للجِهادِ ممَّن لا يَلْزَمُه مِن العَبِيدِ
стр. 4789
فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الأُجْرَةُ.
ــ
والكُفّارِ، فليس له إلَّا الأُجْرَةُ) إذا اسْتَأْجَرَ الإِمامُ قَوْمًا يغْزُون مع المسلمين، لم يُسْهِمْ لهم، وأُعْطُوا ما اسْتُؤْجِرُوا به. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ جماعةٍ، فقال، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ، وحَنْبَل، في الإِمامِ يَسْتَأْجِرُ قَوْمًا يَدْخُلُ بهم في بلادِ العَدُوِّ: لايُسْهِمُ لهم، ويُوفِى لهم بما اسْتُؤْجِرُوا عليه. وقال القاضِى: هذا مَحْمُولٌ على اسْتِئْجارِ مَن لا يَجِبُ عليه الجِهادُ، كالعَبِيدِ والكُفّارِ. أمّا الرِّجالُ المسلمون الأحْرارُ، فلا يَصِحُّ اسْتِئْجارُهم على الجِهادِ؛ لأنَّ الغَزْوَ يتَعَيَّنُ بحُضُورِه على مَن كان مِن أهْلِه، فإذا تَعَيَّنَ عليه الفَرْضُ، لم يَجُزْ أن يَفْعَلَه عنه غيرُه، كمَن عليه حِجَّةُ الإِسْلامِ، لا يَجُوزُ أن يَحُجَّ عنه غيرُه. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. قال شيْخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ على ظاهِرِه، في صِحَّةِ الاسْتِئْجارِ على الغَزْوِ لمَن لم يَتَعَيَّنْ عليه. وهو ظاهِرُ ما ذَكَرَه الخِرَقِىُّ؛ لِما روَى أبو داودَ (٢)، بإسْنادِه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّ النبىَّ ﷺ
стр. 4790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: «لِلْغَازِى أجْرُهُ، ولِلْجَاعِلِ أجْرُهُ وَأجْرُ الغَازِى». وروَى سعيدُ ابنُ منصورٍ (١)، عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِى ويَأْخُذُونَ الْجُعْلَ، وَيَتَقَوَّوْنَ بهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، مَثَلُ أُمِّ مُوسَى، تُرْضِعُ وَلَدَها، وتَأْخُذُ أجْرَهَا». ولأنَّه أمْر لا يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكُونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فصَحَّ الاسْتِئْجارُ عليه، كبِناءِ المساجِدِ، أو لم يتَعَيَّنْ عليه الجهادُ، فصَحَّ أن يُؤْجِرَ نَفْسَه عليه، كالعَبْدِ. ويُفارِق الحَجَّ، حيثُ إنَّه ليس (٢) بفرْضِ عَيْنٍ، وإنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، وفى المَنْعِ مِن أخْذِ الجُعْلِ عليه تَعْطيلٌ له، ومَنْعٌ له ممّا للمسلمين فيه نَفْعٌ، وبهم إليه حاجَة، فيَنْبَغِى أن يجوزَ، بخِلافِ الحَجِّ. إذا ثَبَت هذا، فإن قُلْنا بالأوَّلِ، فالإِجارَةُ فاسِدَةٌ، وعليه رَدُّ الأُجْرَةِ، وله سَهْمُه؛ لأنَّ غَزْوَه بغيرِ أُجْرَةٍ. وإن قُلْنا بصِحَّةِ الإِجارَةِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ، أنَّه لا يُسْهَمُ له؛ لِما روَى أبو داودَ (٣)، بإسْنادِه، عن يَعْلَى بنِ مُنْيَةَ (٤)،
стр. 4791
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: أذَّنَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بالغَزْوِ وأنا شيْخٌ كبيرٌ ليس لى خادِمٌ، فالْتَمَسْتُ أجِيرًا يَكْفِينى، وأُجْرِىَ له سَهْمَه، فوَجَدْتُ رَجُلًا، فلما دَنا الرَّحِيلُ، قال: ما أدْرِى ما السُّهْمانُ؟ وما يَبْلُغُ سَهْمِى؟ فَسَمِّ لى شيئًا كان السَّهْمُ أو لم يَكُنْ. فسَمَّيْتُ له ثلاثةَ دنانيرَ، فلمّا حضَرَتْ غَنِيمَةٌ أرَدْتُ أن أُجْرِىَ له سَهْمَه، فذَكَرْتُ الدَّنانيرَ، فجِئْتُ إلى النبىِّ ﷺ ، فذَكَرْتُ له أمْرَه، فقال: «مَا أجِدُ لَهُ فِى غَزْوَتِه هذِهِ فِى الدُّنْيَا والآخِرَةِ إلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِى سَمَّى». ولأنَّ غَزْوَه بعِوَضٍ، فكأنَّه واقِعٌ مِن غيرِه، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا. ويَحْتَمِلُ أن يُسْهَمَ له. وهو اخْتيارُ الخَلَّالِ. قال: وروَى جماعةٌ عن أحمدَ، أنَّ للأجِيرِ السَّهْمَ إذا قاتَلَ. وروَى عنه جماعةٌ، أنَّ كُلَّ مَنْ شَهِدَ القتالَ، فله السَّهْمُ إذا قاتَلَ. قال: وهذا أعْتَمِدُ عليه مِن قَوْلِ أبى عبدِ اللَّهِ. ووَجْهُه ما تَقَدَّمَ مِن حديثِ عبدِ اللَّه بِنِ عمرٍو، وحَدِيثِ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، وقولِ عمرَ: الغَنِيمَةُ لمَن شَهِدَ الوَقْعَةَ. ولأنَّه حَضَر الوَقْعَةَ وهو مِن أهْلِ القِتالِ، فيُسْهَمُ له، كغيرِ الأجيرِ. فأمّا الذين يُعْطَوْن مِن (١) حَقِّهم مِن الفَىْءِ، فلهم سِهامُهم، لأنَّ ذلك حَقٌّ جَعَلَه اللَّهُ لهم ليَغْزُوا، [لا أنَّه] (٢) عِوَضٌ عن جِهادِهِم، بل نَفْعُ جهادِهم لهم لا لغيرِهم.
стр. 4792
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذلك مَن يُعْطَى مِن الصَّدَقاتِ للغَزْوِ، فإنَّهم يُعْطَوْن مَعُونَةً لهم، لا عِوَضًا، وكذلك إذا دَفَع دافِعٌ إلى الغُزاةِ ما يَتَقَوَّوْنَ به، ويَسْتَعِينُونَ به، كان له فيه الثَّوابُ، ولم يكُنْ عِوَضًا، فقد قال النبىُّ ﷺ : «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا، كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ» (١).
فصل: فأمّا الأجِيرُ للخِدْمَةِ في الغَزْوِ، والذى يَكْرِى دابَّةً له ويَخْرُجُ معها ويَشْهَدُ الوَقْعَةَ، فعن أحمدَ فيه رِوايتان؛ إحداهما، لا سَهْمَ له. وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ، وإسْحاقَ، قالا: المُسْتَأجَرُ على خِدْمَةِ القوْمِ لا سَهْمَ له؛ لحديثِ يَعْلَى بنِ مُنْيَةَ. والثانيةُ، يُسْهَمُ له إذا شَهِدَ القِتالَ مع المسلمين. وهو قولُ مالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وبه قال اللَّيْثُ إذا قاتَلَ، وإنِ اشْتَغَلَ بالخِدْمَةِ فلا سَهْمَ له. واحْتَجَّ ابنُ المُنْذِرِ بحَدِيثِ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ،
стр. 4793
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه كان أجِيرًا لطَلْحَةَ حينَ أدْرَكَ عبدَ الرحمنِ بنَ عُيَيْنَةَ، حينَ أغارَ على سَرْحِ النبىِّ ﷺ ، فأعْطاه النبىُّ ﷺ سَهْمَ الفارِسِ والرّاجِلِ (١). وقال القاضِى: يُسْهَمُ له إذا كان مع المُجاهِدِين وقَصَد الجِهادَ، فأمّا لغيرِ ذلك فلا. وقال الثَّوْرِىُّ: يُسْهَمُ له إذا قاتَلَ، ويُرْفَعُ عمَّن اسْتأْجَرَه نَفَقَةُ ما اشْتَغَلَ عنه.
فصل: ومَن أجَرَ نَفْسَه بعدَ أن غنِمُوا على حِفْظِ الغَنِيمَةِ وحَمْلِها، وسَوقِ الدَّوابِّ ورَعْيِها، أُبِيحَ له أخْذُ الأُجْرَةِ على ذلك، ولم يَسْقُطْ مِن سَهْمِه شئٌ؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَةِ الغَنِيمَةِ، فهو كعَلَفِ الدَّوابِّ وطعامِ السَّبْى؛ يَجُوزُ للإِمامِ بَذْلُه، ويُباحُ للأجِيرِ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه؛ لأنَّه أجَرَ نَفْسَه لفِعْلٍ بالمسلمين إليه حاجَةٌ، فحلَّتْ له الأُجْرَةُ، كالدِّلالَةِ على الطريقِ. ولا يَجُوزُ له أنْ يَرْكَبَ مِن دَوابِّ المَغْنَمِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «مَن كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دابَّةً مِن فَىْءِ المُسْلِمِين حَتَّى إذَا أعْجَفَهَا رَدَّهَا» (٢). قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يُؤْجِرَ الرجلُ نَفْسَه على دابَّتِه. وكَرِهَ أن يَسْتَأْجِرَ القَوْمَ على سِياقِ الرَّمَكِ (٣) على فَرَسٍ حَبيسٍ؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُ الفَرَسَ الموْقُوفَةَ للجهادِ فيما يخْتَصُّ نَفْعُه بنَفْسِه. فإن أجر نَفْسَه، فرَكِبَ الدَّابَّةَ الحَبِيسَ، أو دابَّةً مِن
стр. 4794
وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، فَسَهْمُهُ لِوَارِثِهِ.
ــ
المَغْنَمِ، لم تَطِبْ له أُجْرَةٌ؛ لأنَّ المُعِينَ له على العَمَلِ يخْتَصُّ نَفْعَ نفْسِه، فلا يَجُوزُ أن يَسْتَعْمِلَ فيه دَوابَّ المَغْنَمِ، ولا دَوابَّ الحَبْسِ. ويَنْبَغِى أن يَلْزَمَه بقَدْرِ أُجْرَةِ الدَّابَّةِ، تُرَدُّ في الغَنِيمَةِ إن كانتْ مِن الغَنِيمَةِ، أو تُصْرَفُ في نَفَقَةِ دوابِّ الجَيْشِ إن كانتْ حَبِيسًا (١). فإن شَرَط في الإِجارَةِ رُكُوبَ دَابَّةٍ مِن الحَبْسٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّها إنَّما حُبِسَتْ على الجِهادِ، وليس هذا بجهادٍ، وإنَّما هو نفْعٌ لأهْلِ الغَنِيمَةِ. وإن شَرَط رُكُوبَ دابَّةٍ مِن الغَنِيمَةِ، جازَ؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ أُجْرَةٍ تُدْفَعُ إليه مِن المَغْنَمِ. ولو أجَرَ نَفْسَه بِدابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن المَغْنَمِ، صَحَّ، فإذا جُعِلَتْ أُجْرَتُه رُكوبَها، كان أوْلَى. ويُشْتَرطُ أن يكُونَ العَمَلُ مَعْلُومًا، فإن كان مَجهُولًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ إجارَتِها كَوْنَ عِوَضِها معْلُومًا.
١٤٦١ - مسألة: (ومَن ماتَ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، فسَهْمُه
стр. 4795
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِوارِثِه) إذا ماتَ الغازِى أو قُتِلَ قبلَ حِيازَةِ الغَنِيمَةِ، فلا سَهْمَ له، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه مات قبلَ ثُبُوتِ مِلْكِ المسلمين عليها، وسواءٌ ماتَ حالَ القِتالِ أو قبلَه. وإن ماتَ بعدَ ذلك، فسَهْمُه لوَرَثَتِه؛ لأنَّه ماتَ بعدَ ثبوتِ مِلْكِه عليها، فكان سَهْمُه لوَرَثَتِه، كسائِرِ أمْوالِه. وإن ماتَ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ وقبلَ حيازَةِ الغَنِيمَةِ، فقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ: متى حَضَر القِتالَ أُسْهِمَ له، سواءٌ ماتَ قبلَ حِيازَةِ الغَنِيمَةِ أو بعدَها، وإن لم يَحْضُرْ فلا سَهْمَ له. ونحوَه قال مالكٌ، واللَّيْثُ. والذى ذَكَره شَيْخُنا في هذا الكتابِ، أنَّه إذا ماتَ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، أنَّه يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، ويَقْتَضيه كلامُ القاضِى؛ لأنَّه قال في الأسيرِ يَهْرُبُ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، وقبلَ حِيازَةِ الغَنِيمَةِ: لا يَسْتَحِقُّ شيئًا. فدَلَّ على أنَّهمِ يَمْلِكُونَها بالاسْتِيلاءِ عليها ونَفْىِ الكُفّارِ عنها. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه إذا مات قبلَ حِيَازَتها، فقد
стр. 4796
وَيُشَارِكُ الْجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَتْ، وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ.
ــ
ماتَ قبلَ ثُبُوتِ اليَدِ عليها، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو ماتَ قبلَ انْقِضاءِ الحَرْبِ. وقال أبو حنيفةَ: إن ماتَ قبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ في دارِ الإِسلامِ، أو قَسْمِها في دارِ الحَرْبِ، فلا شئَ له؛ لأنَّ مِلْكَ المسلمين لا يَتِمُّ عليها إلَّا بذلك. وقال الأوْزَاعِىُّ: إن ماتَ بعدَ ما يُدْرِبُ فاصِلًا في سبيلِ اللَّهِ، قبلُ أو بعدُ، أُسْهِمَ له. ولَنا، على أبى حنيفةَ، أنَّه ماتَ بعدَ الاسْتِيلاءِ عليها في حالٍ لو قُسِمَتْ صَحَّتْ قِسْمَتُها، وكان له سَهْمُه منها، فيَجِبُ أن يَسْتَحِقَّ سَهْمَه فيها، كما لو ماتَ بعدَ إحْرَازِها في دارِ الإسلامِ. وعلى الأوْزاعِىِّ، أنَّه ماتَ قبلَ الاسْتِيلاءِ عليها، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو ماتَ قبلَ دُخولِ الدَّرْبِ، وإن أُسِرَ أو ماتَ أو قُتِلَ قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ، فلا شئَ له، بغيرِ خلافٍ في المَذْهَبِ؛ لأنَّه لم يَمْلِكْ شيئًا. واللَّهُ أعلمُ.
١٤٦٢ - مسألة: (ويُشارِكُ الجَيْشُ سَراياه فِيما غَنِمَتْ، وَيُشارِكُونَه فِيما غَنِمَ) وجُمْلةُ ذلك، أنَّ الجَيْشَ إذا فَصَل غازِيًا، فخَرَجَتْ منه سَرِيَّةٌ أو أكثرُ، فأيُّهما غَنِمَ، شارَكَه الآخَرُ. في قولِ عامَّةِ العُلماءِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وحَمَّادٌ،
стр. 4797
وَإِذَا قُسِمَتِ الْغَنِيمَةُ فِى أَرْضِ الْحَرْبِ،
ــ
والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال النَّخَعِىُّ: إن شاءَ الإِمامُ خَمَّسَ ما تَأْتِى به السَّرِيَّةُ، وإن شاءَ نَفَّلَهُم إيّاه كلَّه. ولَنا، ما رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ لمّا غَزا هَوازِنَ، بَعَث سَرِيَّةً مِن الجَيْشِ قِبَلَ أوْطاسَ، فغَنِمَتِ السَّرِيَّةُ، فأشْرَكَ بينَها وبينَ الجَيْشِ (١). قال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِّينا أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «وتَرُدُّ سَرايَاهُم عَلَى قَعَدَتِهم» (٢). وفى تَنْفِيلِ النبىِّ ﷺ في البَدْأَةِ الرُّبْعَ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ، دليلٌ على اشْتِراكِهم فيما سِوَى ذلك؛ لأنَّهم لو اخْتَصُّوا بما غَنِموه، لمَا كان ثُلُثُه نَفَلًا، ولأنَّهم جَيْشٌ واحِدٌ، وكل واحدٍ منهم رِدْءٌ لصاحِبِه، فيَشْتَرِكُون، كما لو غَنِمَ أحَدُ جانِبَى الجيشِ. وإن أقام الأميرُ ببَلَدِ الإِسلامِ، وبَعَث سَرِيَّةً أو جَيْشًا، فما غَنِمَتِ السَّرِيَّةُ فهو لها وَحْدَها؛ لأنَّه إنَّما يشْتَرِكُ المجاهِدُون، والمُقِيمُ في بَلَدِ الإِسلامِ ليس بمُجاهِدٍ. وإن نَفَّذَ مِن بَلَدِ الإِسلامِ جَيْشَيْن أو سَرِيَتيْن، فكلُّ واحِدَةٍ تَنْفَرِدُ بما غَنِمَتْه؛ لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ منهما انْفَرَدَت بالغَزْوِ، فانْفَرَدَت بالغَنِيمَةِ، بخِلافِ ما إذا فَصَل الجَيْشُ، فدَخَل بجُمْلَتِه بلادَ الكُفارِ، فإنَّ جَمِيعَهم اشْتَرَكُوا في الجِهادِ، فاشْتَرَكُوا في الغَنِيمَةِ.
١٤٦٣ - مسألة: (وإذا قُسِمَتِ الغَنِيمَةُ في أرْضِ الحَرْبِ ،
стр. 4798
فَتَبَايَعُوهَا، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ، فَهِىَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِى، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن. اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ. وَالْأُخْرَى، مِنْ مَالِ الْبَائِعَ. اخْتَارَهَا الْخِرَقِىُّ
ــ
فتَبايَعُوها، ثم غَلَب عليها العَدُوُّ، فهى مالُ المُشْتَرِى في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. اخْتارها الخَلَّالُ، وصاحِبُه. والأُخْرَى، مِن مالِ البائِع. اخْتارَها الخِرَقِىُّ) يَجوزُ للأميرِ البَيْعُ في الغَنِيمَةِ قبلَ القِسْمَةِ للغانِمِين ولغيرِهم، إذا رأى المَصلَحَةَ فيه؛ لأنَّ الوِلايةَ ثابِتَةٌ له عليها، وقد تَدْعُو الحاجَةُ إلى ذلك؛ لإِزالَةِ كُلْفةِ نَقْلِها، أو تَعَذُّر قِسْمَتِها بعَيْنِها، ويَجُوزُ لكلِّ واحِدٍ مِن الغانِمين بَيْعُ ما يَحْصُلُ له بعدَ القَسْمِ، والتصرُّفُ فيه كيفَ شاءَ؛ لأنَّ مِلْكَه ثابِتٌ فيه، فإن باع الأمِيرُ أو بعضُ الغانِمِين في دارِ الحَرْبِ شيئًا، فغَلَبَ عليه العَدُوُّ قبلَ إخْراجِه إلى دارِ الإِسْلامِ، فإن كان التَّفْرِيطُ مِن المُشْتَرِى، مثلَ أن خرَج به مِن العَسْكَرِ، ونحوِ ذلك، فضَمانُه عليه؛ لأنَّ ذَهابَه حَصَل بتَفرِيطِه، فكان مِن ضَمانِه، كما لو أتْلَفَه، وإن كان بغيرِ تَفرِيطِه، ففيه رِوايتان؛ إحداهُما ينْفَسِخُ البيعُ، ويُرَدُّ الثَّمَنُ إلى المُشْتَرِى مِن الغَنِيمَةِ إن باعَه الإِمامُ، أو مِن مالِ البائِعَ، وإن كان الثَّمَنُ لم يُؤْخَذْ مِن المُشْتَرِى، سَقَط عنه. وهى اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ القَبْضَ لم يَكْمُلْ،
стр. 4799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكَوْنِ المالِ في دارِ الحَرْبِ غيرَ مُحْرَزٍ، وكَوْنِه على خَطَرٍ مِن العَدُوِّ، فأشْبَهَ الثَّمرَ المَبِيعَ على رُءُوسِ النَّخْلِ إذا تَلِفَ قبلَ الجِدادِ. والثانيةُ، هو مِن ضَمانِ المُشْتَرِى، وعليه ثَمَنُه. وهذا أكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ، ﵀. واخْتارَه الخَلَّالُ، وصاحِبُه أبو بكرٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مالٌ مَقْبُوضٌ، أُبِيحَ لمُشَتَرِيه، فكان عليه ضَمانُه، كما لو أُحْرِزَ إلى دارِ الإِسلامِ، ولأنَّ أخْذَ العَدُوِّ له تَلَفٌ، فلم يَضْمَنْه البائِعُ، كسائِرِ أنْواعِ التَّلَفِ، ولأنَّ نَماءَه للمُشْتَرِى، فكان ضَمانُه عليه؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (١). وإنِ اشْتَراه مُشْتَرٍ مِن المُشْتَرِى الأوُّلِ، وقُلْنا: هو مِن ضَمانِ البائِعِ. رَجَع البائِعُ الثَّانِى على البائِعِ الأوَّلِ، بما رَجَع به عليه.
стр. 4800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قال أحمدُ، في الرجلِ يَشْتَرِى الجارِيَةَ مِن المَغْنَمِ، معها حَلْىٌ في عُنُقِها والثِّيابُ: يَرُدُّ ذلك في المَغْنَمِ، إلَّا شيئًا تَلْبَسُه، مِن قَمِيصٍ ومِقْنَعَةٍ وإزارٍ. وهذا قولُ حَكِيمِ بنِ حِزامٍ، ومَكْحُولٍ، ويَزِيدَ بنِ أبى مالِكٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. ويُشْبِهُ قولَ الشافعىِّ. واحْتَجَّ إسْحاقُ بقولِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ» (١). وقال الشَّعْبِىُّ: يَجْعَلُه في بَيْتِ المالِ. وكان مالكٌ يُرَخِّصُ في اليَسِيرِ، كالقُرْطَيْنِ وأشْباهِهما، ولا يَرُدُّ ذلك في الكثيرِ. قال شَيْخُنا (٢): ويُمْكِنُ التَّفْصِيلُ في ذلك، فيقالُ: ما كان ظاهِرًا، يُشاهِدُه البائِعُ والمُشْتَرِى، كالقُرْطِ والخاتَمِ والقِلادَةِ، فهو للمُشْتَرِى؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البائِعَ إنَّما باعَها بما عليها، والمُشْتَرِىَ اشْتَراها بذلك، فيَدْخُلُ في البَيْعِ، كثيابِ البِذْلَةِ وحِلْيَةِ السَّيْفِ، وما خَفِىَ، فلم يَعْلَمْ به البائعُ، رَدَّه؛ لأنَّ البَيْعَ وَقَع عليها بدُونِه، فلم يَدْخُلْ في البَيْعِ، كجارِيَةٍ أُخرَى.