وَيُشَارِكُ الْجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَتْ، وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ.
ــ
ماتَ قبلَ ثُبُوتِ اليَدِ عليها، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو ماتَ قبلَ انْقِضاءِ الحَرْبِ. وقال أبو حنيفةَ: إن ماتَ قبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ في دارِ الإِسلامِ، أو قَسْمِها في دارِ الحَرْبِ، فلا شئَ له؛ لأنَّ مِلْكَ المسلمين لا يَتِمُّ عليها إلَّا بذلك. وقال الأوْزَاعِىُّ: إن ماتَ بعدَ ما يُدْرِبُ فاصِلًا في سبيلِ اللَّهِ، قبلُ أو بعدُ، أُسْهِمَ له. ولَنا، على أبى حنيفةَ، أنَّه ماتَ بعدَ الاسْتِيلاءِ عليها في حالٍ لو قُسِمَتْ صَحَّتْ قِسْمَتُها، وكان له سَهْمُه منها، فيَجِبُ أن يَسْتَحِقَّ سَهْمَه فيها، كما لو ماتَ بعدَ إحْرَازِها في دارِ الإسلامِ. وعلى الأوْزاعِىِّ، أنَّه ماتَ قبلَ الاسْتِيلاءِ عليها، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو ماتَ قبلَ دُخولِ الدَّرْبِ، وإن أُسِرَ أو ماتَ أو قُتِلَ قبلَ تَقَضِّى الحَرْبِ، فلا شئَ له، بغيرِ خلافٍ في المَذْهَبِ؛ لأنَّه لم يَمْلِكْ شيئًا. واللَّهُ أعلمُ.
١٤٦٢ - مسألة: (ويُشارِكُ الجَيْشُ سَراياه فِيما غَنِمَتْ، وَيُشارِكُونَه فِيما غَنِمَ) وجُمْلةُ ذلك، أنَّ الجَيْشَ إذا فَصَل غازِيًا، فخَرَجَتْ منه سَرِيَّةٌ أو أكثرُ، فأيُّهما غَنِمَ، شارَكَه الآخَرُ. في قولِ عامَّةِ العُلماءِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وحَمَّادٌ،
стр. 4797
وَإِذَا قُسِمَتِ الْغَنِيمَةُ فِى أَرْضِ الْحَرْبِ،
ــ
والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال النَّخَعِىُّ: إن شاءَ الإِمامُ خَمَّسَ ما تَأْتِى به السَّرِيَّةُ، وإن شاءَ نَفَّلَهُم إيّاه كلَّه. ولَنا، ما رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ لمّا غَزا هَوازِنَ، بَعَث سَرِيَّةً مِن الجَيْشِ قِبَلَ أوْطاسَ، فغَنِمَتِ السَّرِيَّةُ، فأشْرَكَ بينَها وبينَ الجَيْشِ (١). قال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِّينا أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «وتَرُدُّ سَرايَاهُم عَلَى قَعَدَتِهم» (٢). وفى تَنْفِيلِ النبىِّ ﷺ في البَدْأَةِ الرُّبْعَ، وفى الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ، دليلٌ على اشْتِراكِهم فيما سِوَى ذلك؛ لأنَّهم لو اخْتَصُّوا بما غَنِموه، لمَا كان ثُلُثُه نَفَلًا، ولأنَّهم جَيْشٌ واحِدٌ، وكل واحدٍ منهم رِدْءٌ لصاحِبِه، فيَشْتَرِكُون، كما لو غَنِمَ أحَدُ جانِبَى الجيشِ. وإن أقام الأميرُ ببَلَدِ الإِسلامِ، وبَعَث سَرِيَّةً أو جَيْشًا، فما غَنِمَتِ السَّرِيَّةُ فهو لها وَحْدَها؛ لأنَّه إنَّما يشْتَرِكُ المجاهِدُون، والمُقِيمُ في بَلَدِ الإِسلامِ ليس بمُجاهِدٍ. وإن نَفَّذَ مِن بَلَدِ الإِسلامِ جَيْشَيْن أو سَرِيَتيْن، فكلُّ واحِدَةٍ تَنْفَرِدُ بما غَنِمَتْه؛ لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ منهما انْفَرَدَت بالغَزْوِ، فانْفَرَدَت بالغَنِيمَةِ، بخِلافِ ما إذا فَصَل الجَيْشُ، فدَخَل بجُمْلَتِه بلادَ الكُفارِ، فإنَّ جَمِيعَهم اشْتَرَكُوا في الجِهادِ، فاشْتَرَكُوا في الغَنِيمَةِ.
١٤٦٣ - مسألة: (وإذا قُسِمَتِ الغَنِيمَةُ في أرْضِ الحَرْبِ ،
стр. 4798
فَتَبَايَعُوهَا، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَدُوُّ، فَهِىَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِى، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْن. اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ. وَالْأُخْرَى، مِنْ مَالِ الْبَائِعَ. اخْتَارَهَا الْخِرَقِىُّ
ــ
فتَبايَعُوها، ثم غَلَب عليها العَدُوُّ، فهى مالُ المُشْتَرِى في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. اخْتارها الخَلَّالُ، وصاحِبُه. والأُخْرَى، مِن مالِ البائِع. اخْتارَها الخِرَقِىُّ) يَجوزُ للأميرِ البَيْعُ في الغَنِيمَةِ قبلَ القِسْمَةِ للغانِمِين ولغيرِهم، إذا رأى المَصلَحَةَ فيه؛ لأنَّ الوِلايةَ ثابِتَةٌ له عليها، وقد تَدْعُو الحاجَةُ إلى ذلك؛ لإِزالَةِ كُلْفةِ نَقْلِها، أو تَعَذُّر قِسْمَتِها بعَيْنِها، ويَجُوزُ لكلِّ واحِدٍ مِن الغانِمين بَيْعُ ما يَحْصُلُ له بعدَ القَسْمِ، والتصرُّفُ فيه كيفَ شاءَ؛ لأنَّ مِلْكَه ثابِتٌ فيه، فإن باع الأمِيرُ أو بعضُ الغانِمِين في دارِ الحَرْبِ شيئًا، فغَلَبَ عليه العَدُوُّ قبلَ إخْراجِه إلى دارِ الإِسْلامِ، فإن كان التَّفْرِيطُ مِن المُشْتَرِى، مثلَ أن خرَج به مِن العَسْكَرِ، ونحوِ ذلك، فضَمانُه عليه؛ لأنَّ ذَهابَه حَصَل بتَفرِيطِه، فكان مِن ضَمانِه، كما لو أتْلَفَه، وإن كان بغيرِ تَفرِيطِه، ففيه رِوايتان؛ إحداهُما ينْفَسِخُ البيعُ، ويُرَدُّ الثَّمَنُ إلى المُشْتَرِى مِن الغَنِيمَةِ إن باعَه الإِمامُ، أو مِن مالِ البائِعَ، وإن كان الثَّمَنُ لم يُؤْخَذْ مِن المُشْتَرِى، سَقَط عنه. وهى اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ القَبْضَ لم يَكْمُلْ،
стр. 4799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكَوْنِ المالِ في دارِ الحَرْبِ غيرَ مُحْرَزٍ، وكَوْنِه على خَطَرٍ مِن العَدُوِّ، فأشْبَهَ الثَّمرَ المَبِيعَ على رُءُوسِ النَّخْلِ إذا تَلِفَ قبلَ الجِدادِ. والثانيةُ، هو مِن ضَمانِ المُشْتَرِى، وعليه ثَمَنُه. وهذا أكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ، ﵀. واخْتارَه الخَلَّالُ، وصاحِبُه أبو بكرٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مالٌ مَقْبُوضٌ، أُبِيحَ لمُشَتَرِيه، فكان عليه ضَمانُه، كما لو أُحْرِزَ إلى دارِ الإِسلامِ، ولأنَّ أخْذَ العَدُوِّ له تَلَفٌ، فلم يَضْمَنْه البائِعُ، كسائِرِ أنْواعِ التَّلَفِ، ولأنَّ نَماءَه للمُشْتَرِى، فكان ضَمانُه عليه؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (١). وإنِ اشْتَراه مُشْتَرٍ مِن المُشْتَرِى الأوُّلِ، وقُلْنا: هو مِن ضَمانِ البائِعِ. رَجَع البائِعُ الثَّانِى على البائِعِ الأوَّلِ، بما رَجَع به عليه.
стр. 4800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قال أحمدُ، في الرجلِ يَشْتَرِى الجارِيَةَ مِن المَغْنَمِ، معها حَلْىٌ في عُنُقِها والثِّيابُ: يَرُدُّ ذلك في المَغْنَمِ، إلَّا شيئًا تَلْبَسُه، مِن قَمِيصٍ ومِقْنَعَةٍ وإزارٍ. وهذا قولُ حَكِيمِ بنِ حِزامٍ، ومَكْحُولٍ، ويَزِيدَ بنِ أبى مالِكٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. ويُشْبِهُ قولَ الشافعىِّ. واحْتَجَّ إسْحاقُ بقولِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ» (١). وقال الشَّعْبِىُّ: يَجْعَلُه في بَيْتِ المالِ. وكان مالكٌ يُرَخِّصُ في اليَسِيرِ، كالقُرْطَيْنِ وأشْباهِهما، ولا يَرُدُّ ذلك في الكثيرِ. قال شَيْخُنا (٢): ويُمْكِنُ التَّفْصِيلُ في ذلك، فيقالُ: ما كان ظاهِرًا، يُشاهِدُه البائِعُ والمُشْتَرِى، كالقُرْطِ والخاتَمِ والقِلادَةِ، فهو للمُشْتَرِى؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البائِعَ إنَّما باعَها بما عليها، والمُشْتَرِىَ اشْتَراها بذلك، فيَدْخُلُ في البَيْعِ، كثيابِ البِذْلَةِ وحِلْيَةِ السَّيْفِ، وما خَفِىَ، فلم يَعْلَمْ به البائعُ، رَدَّه؛ لأنَّ البَيْعَ وَقَع عليها بدُونِه، فلم يَدْخُلْ في البَيْعِ، كجارِيَةٍ أُخرَى.
стр. 4801
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قال أحمدُ: لا يَجُوزُ لأميرِ الجَيْشِ أن يَشْتَرِىَ مِن مَغْنَمِ المُسْلِمِين شيئًا؛ لأنَّه يُحابَى، ولأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رَدَّ ما اشْتَراه ابنُه في غَزْوَةِ جَلُولاءَ، وقال: إنَّه يُحابَى (١). احْتَجَّ به أحمدُ. ولأنَّه هو البائِعُ أو وَكِيلُه، فكأنَّه يَشْتَرِى مِن نَفسِه أو مِن وَكِيلِه. قال أبو داودَ: قيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: إذا قَوَّمَ أصحابُ المَقاسِمِ (٢) شيئًا مَعْرُوفًا، فقالُوا في جُلُودِ الماعِزِ (٣): بكذا. وفى جُلُودِ الخِرفانِ: بكذا. ويَحْتاجُ إليه، يأْخُذُه بتلك القِيمَةِ، ولا يَأْتِى المَقاسِمَ (٤)؛ فرَخَّصَ فيه؛ لأنَّه يَشُقُّ الاسْتِئْذانُ فيه، فسُومِحَ فيه، كما سُومِحَ في دُخُولِ الحَمّامِ، ورُكوبِ سَفِينَةِ المَلَّاحِ، مِن غيرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ.
فصل: ومَن اشْتَرَى مِن المَغْنَمِ اثْنَيْن أو أكْثَرَ، أو حُسِبُوا عليه
стр. 4802
وَمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ أَوْ لِوَلَدِهِ، أُدِّبَ،
ــ
بنَصِيبِه، بناءً على أنَّهم أقارِبُ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَهم، فبانَ أنَّه لا نَسَبَ بينَهم، رَدَّ الفَضْلَ الذى فيهم على المغْنَمِ؛ لأنَّ قِيمَتَهم تَزِيدُ بذلك، فإنَّ مَن اشْتَرَى اثْنَتَيْن، بِناءً على أنَّ إحْداهما أُمُّ الأُخْرَى، لا يَحِلُّ له الجَمْعُ بينَهما في الوَطْء، ولا بَيْعُ إحْداهما دُونَ الأُخْرَى، كانتْ قِيمَتُهما قلِيلَةً لذلك، فإذا بانَ أنَّ إحْدَاهُما أجْنَبِيَّةٌ مِن الأُخْرَى، أُبِيحَ له وَطْؤُهما، وبَيْعُ إحْداهما، فتَكْثُرُ قِيمَتُهما، فيَجِبُ رَدُّ الفَضْلٍ، كما لو اشْتَراهُما فوَجَدَ معهما حَلْيًا أو ذَهَبًا، وكما لو أخَذَ دراهِمَ، فبانتْ أكْثَرَ ممّا حُسِبَ عليه.
١٤٦٤ - مسألة: [ومَن] (١) وَطِئَ جارِيَةً مِن المَغْنَمِ مِمَّن له فيها
стр. 4803
وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْحَدَّ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا، إِلَّا أَنْ تَلِدَ مِنْهُ، فَيَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَتَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ.
ــ
حَقٌّ أو لوَلَدِه، أُدِّبَ، ولم يَبْلُغْ به الحَدَّ، وعليه مَهْرُها، إلَّا أن تَلِدَ منه، فيكُونَ عليه قِيمَتُها، وتَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ له، والوَلَدُ حُرٌّ ثابِتُ النَّسَب) إذا وَطِئَ جاريَةً مِن المغْنَمِ وكان له في الغَنِيمَةِ حقٌّ أو لوَلَدِه، أُدِّبَ؛ لأنَّه فَعَل ما لا يَحِلُّ له، ولم يَبْلُغ به الحَدَّ، لأنَّ المِلْكَ ثَبَت للغانِمِين في الغنيمةِ، فيكونُ للواطِئَ حَقٌّ في الجارِيَةِ المَوْطُوءَةِ وإن قَلَّ، فيُدْرَأُ عنه الحَدُّ للشُّبْهَةِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وقال مالكٌ، وأبو ثَورٍ: عليه الحَدُّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). وهذا زانٍ، ولأنَّه وَطِئَ في غيرِ مِلْكٍ، عامِدًا، عالِمًا بالتَّحْرِيمِ، فلَزِمَه الحَدُّ، كما لو وَطِئَ جارِيَةَ غيرِه. وقال الأوْزَاعِىُّ: كلُّ مَن سَلَف مِن عُلَمائِنا يقولُ: عليه أدْنَى الحَدَّيْنِ، مائَةُ جَلْدَةٍ. ومَنَع بعضُ الفُقَهاءِ ثُبُوتَ المِلْكِ في الغَنِيمَةِ، وقال: إنَّما يَثْبُتُ بالاحْتِيازِ (٢)، بدليلِ
стр. 4804
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ أحَدَهم لو قال: أسْقَطْتُ حَقِّى. سَقَط، ولو ثَبَت مِلْكُه، لم يَزُلْ بذلك، كالوارِثِ. ولَنا، أنَّ له فيها شُبْهَةَ مِلْكٍ، فلم يَجِبْ عليه الحَدُّ، كوَطْءِ جارِيَةٍ له فيها شِرْكٌ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بوَطْءِ الجاريَةِ المُشْتَرَكَةِ وجارِيَةِ ابْنِه، فنَقِيسُ عليه هذا، ومَنْعُ المِلْكِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مِلْكَ الكُفّارِ قد زالَ، ولا يَزُولُ إلَّا إلى مالِكٍ، ولأنَّه تَصِحُّ قِسْمَتُه، ويَمْلِكُ الغانِمُون طَلَبَ قِسْمَتِها، فأشْبَهَتْ حالَ الوارِثِ، وإنَّما كَثُرَ الغانِمُون فقَلَّ نَصِيبُ الواطِئ، ولم يَسْتَقِرَّ في شئٍ بعَيْنِه، وكان للإِمامِ تَعْيِينُ نَصِيبِ كلِّ واحِدٍ بغيرِ اختِيارِه، فلذلك جازَ أن يَسْقُطَ بالإِسْقاطِ، بخِلافِ الميراثِ، وضَعْفُ المِلْكِ لا يُخْرِجُه عن كَونِه شُبْهَةً في الحَدِّ الذى يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولهذا أُسْقِطَ الحَدُّ بأَدْنَى شئٍ، وإن لم يَكُنْ حَقِيقَةَ المِلْكِ فهو شُبْهَة. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُعَزَّرُ، ولا يَبْلُغُ بالتَّعْزِيرِ الحَدَّ، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى، ويُؤْخَذُ منه مَهْرُها، فيُطْرَحُ في المَغْنَمِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال القاضِى: إنَّه يَسْقُطُ عنه مِن المَهْرِ قَدْرُ حِصَّتِه منها، وتَجِبُ عليه بَقِيَّتُه، كالجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ بينَه وبينَ غيرِه. ولا يَصِحُّ ذلك؛
стр. 4805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّنا إذا أسْقَطْنا عنه حِصَّتَه، وأخَذْنا الباقِىَ فطَرَ حْناه في المَغْنَمِ، ثم قَسَمْناه على الجَميعِ وهو فيهم، عادَ إليه سَهْمُه مِن حِصَّةِ غيرِه، ولأن حِصَّتَه قد لا يمْكِنُ مَعْرِفَتُها؛ لِقِلَّةِ المَهْرِ وكَثْرَةِ الغانِمِين، ثم إذا أخَذْناه، فإن قَسَمْناه مُفْرَدًا على مَن سِواه، لم يُمْكِنْ، وإن خَلَطْناه بالغَنِيمَةِ، ثم قَسَمْنا الجميعَ، أخَذَ سَهْمًا ممّا ليس فيه حَقُّه. فإنْ ولَدَتْ منه، فالوَلَدُ حُرٌّ، يَلْحَقُه نَسَبُه. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: هو رَقِيقٌ، لا يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّ الغانِمِين إنَّما يَمْلِكُون بالقِسْمَةِ، فقد صادَفَ وَطْؤُه غيرَ مِلْكِه. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ سَقَط فيه الحَدُّ بشُبْهَةِ المِلْكِ، فيَلْحَقُ فيه النَّسَبُ، كوَطْءٍ جاريَةِ ابنهِ، وما ذَكَرَه غيرُ مُسَلَّمٍ، ثم يَبْطُلُ بوَطْءِ جارِيَةِ ابنِه. وفارَق الزِّنى؛ فإنَّه يُوجِبُ الحَدَّ. وإذا ثَبَت ذلك، فإنَّ الأمَةَ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له في الحالِ. وقال الشافعىُّ: لا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له في الحالِ؛ لأنَّها ليستْ مِلْكًا له، فإذا مَلَكَها بعدَ ذلك، فهل تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له؛ فيها قَولان. ولَنا، أنَّه وَطءٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ لشُبْهَةِ المِلْكِ، فتَصِيرُ به أُمَّ وَلَدٍ، كوَطْءِ جارِيَةِ
стр. 4806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنِه، وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه ليس له فيها مِلْكٌ، فإَّنا قد تَبَيَّنّا أنَّ المِلْكَ قد ثَبَت في الغَنِيمَةِ بمُجَرَّدِ الاغْتِنامِ، وعليه قِيمَتُها، تُطْرحُ في المَغْنَمِ، لأنَّه فَوَّتَها عليهم بفِعْلِه، فلَزِمَتْه قِيمَتُها، كما لو قَتَلَها. فإن كان مُعْسِرًا، كان في ذِمَّتِه قِيمَتُها. وقال القاضِى: إن كان مُعسِرًا، حُسِبَ قَدْرُ حِصَّتِه مِن الغَنِيمَةِ، فصارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وباقِيها رَقِيقٌ للغانِمِين؛ لأنَّ كَوْنَها أُمَّ وَلَدٍ إنَّما يَثْبُتُ بالسِّرايَةِ إلى مِلْكِ غيرِه، فلم يَسْرِ في حَقِّ المُعْسِرِ، كالإِعْتاقِ. ولَنا، أنَّه اسْتِيلادٌ (١) جَعَلَ بَعْضَها أُمَّ وَلَدٍ، فيَجْعَلُ جميعَها أُمَّ وَلَدٍ، كاسْتِيلادِ (٢) جارِيَةِ الابنِ، وفارَقَ العِتْقَ؛ لأنَّ الاسْتِيلادَ (٣) أقْوَى؛ لكَوْنِه فِعْلًا، وينْفُذُ مِن المجْنُونِ. فأمّا قِيمَةُ الوَلَدِ، فقال أبو بكرٍ: فيها رِوايتان؛ إحداهما، تَلْزَمُه قِيمَتُه حينَ وَضْعِه، تُطْرَحُ في المَغْنَمِ؛ لأنَّه
стр. 4807
وَمَنْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ عَبْدًا، عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرُ حَقِّهِ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إنْ كَان مُوسِرًا. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ.
ــ
فَوَّتَ رِقَّه، فأشْبَهَ وَلَدَ المَغْرُورِ. والثانيةُ، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّه مَلَكَها حينَ عَلِقَتْ، ولم يَثْبُتْ مِلْكُ الغانِمِين في الوَلَدِ بحالٍ، فأشْبَهَ وَلَدَ الأبِ مِن جارِيَةِ ابنِه إذا وَطِئَها، ولأنَّه يَعْتِقُ حينَ عُلُوقِها به، ولا قِيمَةَ له حِينَئِذٍ. وقال القاضِى: إذا صار نِصْفُها أُمَّ وَلَدٍ، يكونُ الوَلَدُ كلُّه حُرًّا، وعليه قِيمَةُ نِصْفِه.
١٤٦٥ - مسألة: (ومَن أعْتَقَ منهم عَبْدًا، عَتَقَ عليه قَدْرُ حِصَّتِه، وقُوِّمَ عليه باقِيه إن كان مُوسِرًا، وكذلك إن كان فيهم مَن يَعْتِقُ عليه) إذا أعْتَقَ بعضُ الغانِمِين أسِيرًا مِن الغَنِيمَةِ وكان رجلًا، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ العباسَ عَمَّ النبىِّ ﷺ وعَمَّ علىٍّ، وعَقِيلًا أخا عَلِىٍّ، كانا في أسْرَى بَدْرٍ، فلم يَعْتِقا عليهما. ولأنَّ الرجلَ لا يَصِيرُ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْى. وإنِ اسْتُرِقَّ، وقُلنا بجوازِ اسْتِرْقاقِه، أو كان امرأةً أو صَبِيًّا، عَتَقَ منه قَدْرُ نَصِيبِه، وسَرَى إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا، وإن كان مُعْسِرًا لم يَعْتِقْ عليه إلَّا ما مَلَكَه منه،
стр. 4808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويُؤْخَذُ منه قيمَةُ باقِيه، تُطْرَحُ في المَغْنَمِ إذا كان موسِرًا، فإن كان بقَدْرِ حَقِّه مِن الغَنِيمَةِ عَتَقَ ولم يَأْخُذْ شيئًا، وإن كان دُونَ حَقِّه أخَذَ باقِىَ حَقِّه، فإن أعْتَقَ عَبْدًا ثانيًا، وفَضَل مِن حَقِّه عن الأوَّلِ شئٌ، عَتَقَ بقَدْرِه مِن الثَّانِى، وإنْ لم يَفْضُلْ شئٌ، لم يَعْتِقْ مِن الثَّانِى شئٌ. وكذلك الحُكْمُ إذا كان فيهم مَن يَعْتِقُ عليه؛ لأنَّه نُسِبَ إلى مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراه. وقال ابنُ أبى مُوسَى، في «الإِرْشادِ»: لا يَعْتِقُ إلَّا أن يَحْصُلَ في سَهْمِه أو بعْضِه. وقال الشافعىُّ: لا يَعْتِقُ منه شئٌ. وهذا مُقْتَضَى قولِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَملِكُه بمُجَرَّدِ الاغْتِنام، ولو مَلَك لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُه فيه، وإن قُسِمَ وحَصَل في نَصِيبِه، واخْتارَ تَمَلُّكَه، عَتَقَ عليه، وإلَّا فلا، وإن جُعِلَ له بعضُه، فاخْتارَ تَمَلُّكَه، عَتَقَ عليه، وقُوِّمَ عليه الباقِى. ولَنا، ما بَيَّنّاه مِن أنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ للغانِمِين؛ لكَوْنِ الاسْتِيلاءِ التّامِّ وُجِدَ منهم، وهو سَبَبٌ للمِلْكِ، ولأنَّ مِلْكَ الكُفّارِ زالَ، ولا يَزُولُ إلَّا إلى المُسْلِمِين.
стр. 4809
وَالْغَالُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ يُحَرَّقُ رَحْلُهُ كُلُّهُ، إِلَّا السِّلَاحَ وَالْمُصْحَفَ وَالْحَيَوَانَ.
ــ
١٤٦٦ - مسألة: (والغالُّ مِن الغَنِيمَةِ يُحَرَّقُ رَحْلُه كُلُّه، إلَّا السِّلاحَ والمُصْحَفَ والحَيَوانَ) الغالُّ: الذى يكْتُمُ ما يأْخُذُه مِن الغَنِيمَةِ، ولا يُطْلِعُ الإِمامَ عليه، ولا يَطْرَحُه في الغَنِيمَةِ، فحُكْمُه أن يُحَرَّقَ رَحْلُه كلُّه. وبه قال الحسنُ، وفُقَهاءُ الشامِ؛ منهم مَكْحُولٌ، والأوْزَاعِىُّ، والوَليدُ بنُ هِشامٍ (١)، ويَزيدُ بنُ يزيدَ بنِ جابِرٍ (٢). وأُتِىَ سعيدُ بنُ عبدِ المَلِكِ بغالٍّ، فجَمَعَ مالَه وأحْرَقَه، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ حاضِرٌ،
стр. 4810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلم يَعِبْه. وقال يزيدُ بنُ يزيدَ بنِ جابِرٍ: السُّنَّةُ في الذى يَغُلُّ أن يُحَرَّقَ رَحْلُه. رَواهما سعيدٌ، في «سُنَنِه» (١). وقال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: لا يُحَرَّقُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يُحَرِّقْ؛ فإنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو روَى أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا أصابَ غَنِيمَةً، أمَرَ بِلالًا فنادَى في الناسِ، فيَجِيئُون بغَنائِمِهم، فيُخَمِّسُه ويَقْسِمُه، فجاءَ رجلٌ بعدَ ذلك بزِمامٍ مِن شَعَرٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هذا فيما كُنّا أصَبْنا مِن الغَنِيمَةِ. فقال: «سَمِعْتَ بِلالًا يُنَادِى؟» ثَلَاثًا. قال: نعم. قال: «فَمَا مَنَعَكَ أنْ تَجِئَ بهِ». فاعْتَذَرَ. فقال: «كُنْ أنْتَ تَجِئُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَنْ أقْبَلَهُ عَنْكَ (٢)». أخْرَجَه أبو داودَ (٣).
стр. 4811
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّ إحْراقَ المتاعِ إضاعَةٌ له، وقد نَهَى النبىُّ ﷺ عن إضاعَةِ المالِ. ولَنا، ما روَى صالحُ بنُ محمدِ بنِ زائِدَةَ، قال: دخَلْتُ مع مَسْلَمَةَ أرْضَ الرُّومِ، فأُتِىَ برَجُلٍ قد غَلَّ، فسألَ سالِمًا عنه، فقال: سَمِعْتُ أبى يُحَدِّثُ، عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ ﷺ قال: «إذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ، فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ، واضْرِبُوهُ». قال: فوَجَدْنا في مَتاعِه مُصْحَفًا، فسألَ سالِمًا عنه، فقال: بِعْه، وتَصَدَّقْ بثَمَنِه. رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ، والأثْرَمُ (١). وروَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ وأبا بكرٍ وعُمَرَ، أحْرَقُوا مَتاعَ الغالِّ. رَواه أبو داودَ (٢). فأمّا حدِيثُهم، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّ الرجلَ لم يَعْتَرِفْ أنَّه أخَذَ ما أخَذَه على سبيلِ الغُلولِ، ولا أخَذَه لنَفْسِه، وإنَّما تَوانَى في المَجِئِ به، وليس الخِلافُ فيه، ولأنَّ الرجلَ جاءَ به مِن عندِ نفْسِه تائِبًا مُعْتَذِرًا، والتَّوْبَةُ تَجُبُّ ما قبلَها. وأمّا النَّهْىُ عن إضاعَةِ المالِ، فإنَّما نَهَى عنه إذا لم يكُنْ فيه مصْلَحَةٌ، فأمَّا إذا كان فيه مَصْلَحَةٌ، فلا بَأْسَ، ولا يُعَدُّ تَضْيِيعًا، كإلْقاءِ المتاعِ في البَحْرِ عندَ خَوْفِ الغَرَقِ، وقَطْعِ يدِ العَبْدِ السّارِقِ، مع أنَّ المالَ لا تكادُ المصْلَحَةُ تَحْصُلُ به إلَّا بذهابِه، فأكْلُه إتْلافُه،
стр. 4812
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنفاقُه (١) إذْهابُه، ولا يُعَدُّ شئٌ مِن ذلك تَضْيِيعًا ولا إفْسادًا، ولا يُنْهَى عنه. إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّ السِّلاحَ لا يُحَرَّقُ؛ لأنَّه يحْتاجُ إليه في القِتالِ، ولا نَفَقَتُه؛ لأنَّه ممّا لا يُحَرَّقُ عادةً. ولا يُحَرَّقُ المُصْحَفُ؛ لحُرْمَتِه، ولِما ذَكرْنا مِن حديثِ سالمٍ فيه. فعلى هذا يَحْتَمِلُ أن يُباعَ ويُتَصَدَّقَ بثَمَنِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سالمٍ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ له، كالحيوانِ والسِّلاحِ، وكذلك الحيوانُ لا يُحَرَّقُ؛ لِنَهْى النبىِّ ﷺ أن يُعَذِّبَ بالنّارِ إلَّا رَبُّها (٢). ولحُرْمَةِ الحيوانِ في نفْسِه، ولأنَّه لا يَدْخُلُ في اسْمِ المَتاعِ المأْمورِ بإحْراقِه. وهذا لا خِلافَ فيه. ولا تُحَرَّقُ آلَةُ الدَّابَّةِ أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه يحْتاجُ إليها للانْتِفاعِ بها، ولأنَّها تابِعَةٌ لِما لا يُحَرَّقُ، أشْبَهَ جِلْدَ المُصْحَفِ وكِيسَه. وقال الأوْزَاعِىُّ: يُحَرَّقُ سَرْجُه وإكافُه (٣). ولَنا، أنَّه مَلْبُوسُ حيوانٍ، فلا يُحَرَّقُ، كثيابِ الغالِّ، فإنَّه لا تُحَرَّقُ ثيابُه التى عليه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يُتْرَكَ عُرْيانًا، ولا يُحَرَّقُ ما غَلَّ؛ لأنَّه مِن غَنِيمَةِ المُسْلِمِين. قيلَ لأحمدَ: فالذى أصابَ في الغُلولِ، أىُّ شئٍ يُصْنَعُ به؟ قال: يُرْفَعُ إلى المَغْنَمِ. وكذلك قال الأوْزَاعِىُّ. وجميعُ ما لا يُحَرَّق وما أبْقَتِ النّارُ مِن حديدٍ أو غيرِه، فهو لصاحِبِه؛ لأنَّ
стр. 4813
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِلْكَه كان ثابِتًا عليه، ولم يُوجَدْ ما يُزِيلُه (١)، وإنَّما عُوقِبَ بإحْراقِ مَتاعِه، فما لم يَحْتَرِقْ يَبْقَى على ما كان. وإن كان معه شئٌ مِن كُتُبِ العِلْمِ والحديثِ، فيَنْبَغِى أن لا يُحَرَّقَ أيضًا؛ لأنَّ نَفْعَ ذلك يَعُودُ إلى الدِّينِ، وليس المَقْصُودُ الإِضْرارَ به في دِينِه، وإنَّما القَصْدُ الإِضْرارُ به في بعضِ دُنْياه.
فصل: فإن لم يُحَرَّقْ رَحْلُه حتى اسْتَحْدَثَ مَتاعًا آخَرَ، أو رَجَع إلى بلَدِه، احْرِقَ ما كان معه حالَ الغُلولِ. نَصَّ عليه أحمدُ في الذى يَرْجِعُ إلى بلَدِه. قال: يَنْبَغِى أن يُحَرَّقَ ما كانَ معه في أرْضِ العَدُوِّ. فإن مات قبلَ إحْراقِ رَحْلِه، لم يُحَرَّقْ. نَصَّ عليه؛ لأنَّه عُقُوبَةٌ، فيَسْقُطُ بالموتِ، كالحُدودِ، ولأنَّه بالموتِ انْتَقَلَ إلى وَرَثَتِه، وإحْراقُه عُقُوبةٌ لغيرِ الجانِى. وإن باعَ مَتاعَه، أو وَهَبَه، احْتَمَلَ أن لا يُحَرَّقَ؛ لأنَّه صارَ لغيرِه، أشْبَهَ انْتِقالَه بالموتِ. واحْتَمَلَ أن يُنْقَضَ البَيْعُ والهِبَةُ ويُحَرَّقَ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقٌّ سابِقٌ على البَيْعِ والهِبَةِ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه، كالقِصاصِ في حَقِّ الجانِى.
فصل: وإن كان الغالُّ صَبِيًّا، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه. وبه قال الأوْزاعِىُّ، لأنَّ الإِحْراقَ عُقُوبَةٌ، وليس هو مِن أهْلِها، فأشْبَهَ الحدَّ. وإن كان عبدًا، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه، لأنَّه لسَيِّدِه، فلا يُعاقَبُ سَيِّدُه بجِنايَةِ عَبْدِه. وإنِ اسْتَهْلَكَ ما غَلَّه، فهو في رَقَبَتِه؛ لأنَّه مِن جِنايَتِه. وإن غَلَّتِ المرأةُ أو ذِمِّىٌّ أُحْرِقَ
стр. 4814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَتاعُهُما؛ لأنَّهما مِن أهْلِ العُقُوبَةِ، ولذلك يُقْطَعان في السَّرِقَةِ، ويُحَدّانِ في الزِّنى. وإن أنْكَرَ الغُلولَ، وذَكَر أنَّه ابْتاعَ ما بيَدِه، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه حتى يَثْبُتَ غُلولُه بِبَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، لأنَّه عُقُوبَةٌ، فلا يَجِبُ قبلَ ثُبُوتِه بذلك، كالحَدِّ، ولا يُقْبَلُ في بَيِّنَتِه إلَّا عَدْلان؛ لذلك.
فصل ولا يُحْرَمُ الغالُّ سَهْمَه. وقال أبو بكرٍ: في ذلك رِوايتان؛ إحْداهما، يُحْرَمُ سَهْمَه، لأنَّه قد جاءَ في الحديثِ: «يُحْرَمُ سَهْمَه». فإن صَحَّ، فالحُكْمُ له. وقال الأوْزَاعِىُّ في الصَّبِىِّ يَغُل: يُحْرَمُ سَهْمَه، ولا يُحَرَّقُ مَتاعُه. ولَنا، أنَّ سَبَبَ الاسْتِحْقاقِ موْجُودٌ، فيَسْتَحِقُّ، كما لو لم يَغُلَّ، ولم يثْبُتْ حِرْمانُ سَهْمِه في خَبَرٍ، ولا يَدُلُّ عليه قِياسٌ، فيَبْقَى بحالِه. ولا يُحَرَّقُ سَهْمُه؛ لأنَّه ليس مِن رَحْلِه.
فصل: إذا تابَ الغالُّ قبلَ القِسْمَةِ، رَدَّ ما أخَذَه في المَغْنَمِ (١)، بغيرِ
стр. 4815
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خِلافٍ؛ لأنَّه حَقٌّ تَعَيَّنَ رَدُّه إلى أهْلِه. فإن تاب بعدَ القِسْمَةِ، فمُقْتَضَى المَذْهَبِ أن يُؤَدِّىَ خُمْسَه إلى الإِمامِ، ويَتَصَدَّقَ بالباقِى. وهذا قولُ الحسنَ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والأَوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، واللَّيْثِ. وقال الشافعىُّ: لا أعْرِفُ للصَّدَقَةِ وَجْهًا، وحديثُ الغالِّ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال له: «لَا أقْبَلُهُ مِنْكَ، حَتَّى تَجِئَ بِهِ إلىَّ يَوْمَ القِيَامَةِ». ولَنا، ما روَى سعيدُ بنُ منصورٍ (١)، عن عبدِ اللَّهِ بنِ المُبارَكِ، عن صَفْوانَ بنِ عمرٍو، عن حَوْشَبِ بنِ سَيْفٍ، قال: غَزا النّاسُ الرُّومَ، وعليهم عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ، فغَلَّ رَجُلٌ مائةَ دِينارٍ، فلمَّا قُسِمَتِ الغَنِيمَةُ وتَفَرَّقَ النّاسُ، نَدِمَ، فأتَى عبدَ الرحمنِ، فقال: قد غَلَلْتُ مائةَ دينارٍ، فاقْبِضْها (٢). فقال: قد تَفَرَّقَ النّاسُ، فلَنْ أقْبِضَها منك حتَّى
стр. 4816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُوافِىَ اللَّهَ بها يومَ القِيامةِ. فأَتَى مُعاوِيَةَ، فذَكَرَ ذلك له، فقال له مثلَ ذلك، فخَرَجَ وهو يَبْكِى، فمَرَّ بعبدِ اللَّهِ بنِ الشاعرِ السَّكْسَكِىِّ، فقال: ما يُبْكِيكَ؟ فأخْبَرَه، فقال: إنَّا للَّه وِإنَّا إلَيْهِ راجِعُون، أمُطِيعٌ أنتَ يا عبدَ اللَّهِ؟ قال: نعم. قال: فانْطَلِقْ إلى مُعاوِيَةَ فقُلْ له: خُذْ مِنِّى خُمْسَكَ. فأعْطِه عشرين دينارًا، وانْظُرْ إلى الثمانين الباقيةِ، فتَصَدَّقْ بها عن ذلك الجَيْشِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى يَعْلَمُ أَسْماءَهم ومَكانَهم، وإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عن عبادِه. فقال مُعاوِيَةُ: أحْسَنَ واللَّهِ، لأنْ أكونَ أنا أفْتَيْتُه بهذا، أحبُّ إلىَّ مِن أن يكونَ لى مثلُ كلِّ شئٍ امْتلَكْتُ. وعن ابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه رَأْى أن يُتَصَدَّقَ بالمالِ الَّذى لا يُعْرَفُ صاحِبُه. فقد قال به ابنُ مسعودٍ، ومُعاوِيَةُ، ومَن بعدَهم، ولا نعْرِفُ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، فيكونُ
стр. 4817
وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ، أَوْ أهْدَاهُ الْكُفَّارُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ.
ــ
إجْماعًا. ولأنَّ تَرْكَه تَضْيِيعٌ له، وتعْطِيلٌ لمَنْفَعَتِه التى خُلِقَ لها، ولا يَتَخَفَّفُ به شئٌ مِن إثْمِ الغالِّ، وفى الصَّدقَةِ به نَفْعٌ لمَن يَصِلُ إليه مِن المَساكينِ، وما يَحْصُلُ مِن أجْرِ الصَّدَقَةِ يَصِلُ إلى صاحِبِه، فيذْهَبُ به الإِثْمُ عن الغالِّ، فيكونُ أوْلَى.
١٤٦٧ - مسألة: (وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ، أَوْ أهْدَاهُ الْكُفَّارُ لأمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ) ما أُخِذَ مِن فِدْيَةِ الأسارَى، فهو غَنِيمَةٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، فإنَّ النبىَّ ﷺ قَسَم فِداءَ أُسارَى بَدْرٍ بينَ الغانِمِين. ولأنَّه مالٌ حَصَل بقُوَّةِ الجيشِ، أشْبَهَ الخَيْلَ والسِّلاحَ. وأمَّا الهَدِيَّةُ للإِمامِ والقُوّادِ، فإن كان في حالِ الغَزْوِ، فهى غَنِيمَةٌ. وهكذا ذَكَر أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يَفْعَلُ ذلك إلَّا لخَوْفٍ مِن المُسْلِمِين. فظاهِرُ هذا يَدُلُّ على أنَّ ما أُهْدِىَ لآحادِ الرَّعِيَّةِ فهو له. وقال القاضى: هو غَنِيمَةٌ؛ لِما ذَكَرْنَا. وإن كانتِ الهَدِيَّةُ مِن دارِ الحَرْبِ إلى دارِ الإِسلامِ،
стр. 4818
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فهى لمَن أُهْدِيَتْ له، سواءٌ كان الإِمامُ أو غيرُه؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قَبِلَ هَدِيَّةَ المُقَوْقِسِ، فكانتْ له دُونَ غيرِه (١) وهذا قولُ الشافعىِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. وقال أبو حنيفةَ: هو للمُهْدَى له بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه خُصَّ بها، أشْبَهَ ما إذا كان في دارِ الإِسلامِ. وحُكِىَ ذلك رِوايَةً عن أحمدَ. ولَنا، أنَّه أخَذَ ذلك بظَهْرِ الجَيْشِ، أشْبَهَ ما لو أخَذَه قَهْرًا، ولأنَّه إذا أُهْدِىَ إلى الإِمامِ أو أميرٍ، فالظَّاهِرُ أنَّه يُدارِى عن نفْسِه به، فأشْبَهَ ما أُخِذَ منه قَهْرًا، وأمّا الهَدِيَّةُ لآحادِ المُسْلِمِين، فلا يُقْصَدُ بها ذلك في الظَّاهِرِ؛ لعَدَمِ الخَوْفِ منه، فيكونُ كما لو أُهْدِىَ إليه إلى دارِ الإِسلامِ. ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ؛
стр. 4819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن كانت بينَهما مُهاداةٌ قبلَ ذلك، فله ما أُهْدِىَ إليه، وإن تجَدَّدَ ذلك بالدُّخُولِ إلى دارِهم، فهو للمُسْلِمِين، كقَوْلِنا في الهَدِيَّةِ إلى القاضِى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكونُ أُجْرَةً لها، وتُقَرُّ بأيْدِى أرْبابِها ما دامُوا يُؤَدُّون خَراجَها، مُسْلِمِين كانوا أو مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، لا يسْقُطُ خَراجُها بإسْلامِ أرْبابِها، ولا بانْتِقالِها إلى مُسْلِمٍ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ أُجْرَتِها، ولم نَعْلَمْ أنَّ شيئًا ممّا فُتِحَ عَنْوَةً قُسِمَ بينَ الغانِمِين إلَّا خَيْبَرَ، فإنَّ النبىَّ ﷺ قَسَم نِصْفَها، فصار لأهْلِه، لا خَراجَ عليه (١). وسائِرُ ما فُتِحَ عَنْوَةً ممَّا فَتَحه عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ومَن بعدَه، كأرْضِ الشامِ، والعِراقِ، ومِصْرَ، وغيرِها، لم يُقسَمْ منه شئٌ، فرَوَى أبو عُبَيْدٍ، في كتابِ «الأمْوالِ» (٢) أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قَدِم الجابِيَةَ (٣)، فأرادَ قَسْمَ الأرضِ بينَ المُسْلِمِين، فقال له مُعَاذٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: واللَّهِ، إِذًا ليكُونَنَّ ما تَكْرَهُ، إنَّك إن قَسَمْتَها اليَوْمَ، صار الرَّيْعُ العَظِيمُ في أَيدِى القَوْمِ، ثم يَبِيدُون فيَصِيرُ ذلك إلى الرجلِ الواحِدِ، والمرأةِ،
стр. 4822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم يَأْتِى مِن بَعْدِهم قَوْمٌ يَسُدُّون (١) مِن الإِسْلامِ مَسَدًّا وهم لا يجِدُون شَيْئًا، فانْظُرْ أمْرًا يَسَعُ أوَّلَهم وآخِرَهم. فصار عُمَرُ إلى قَوْلِ مُعاذٍ. وروَى أيضًا (٢)، قال: قال الماجِشُون: قال بِلالٌ لعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في القُرَى التى افْتَتَحُوها عَنْوَةً: اقْسِمْها بَيْنَنا، وخُذْ خُمْسَها. فقال عُمَرُ: لا، هذا عَيْنُ (٣) المالِ، ولكنِّى أحْبِسُه فَيْئًا يَجْرِى عليهم وعلى المُسْلِمِين. فقال بِلالٌ وأصْحابُه: اقْسِمْها بَيْنَنا. فقال عُمَرُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِى بِلالًا وذَوِيه. قال: فما جاءَ الحَوْلُ وفيهم عَيْنٌ تَطْرِفُ. وروَى (٤)، بإسْنادِه عن سُفْيانَ بنِ وَهْبٍ الخَوْلانِىِّ، قال: لَمَّا افْتَتَحَ عَمْرُو بنُ العاصِ مِصْرَ، قال الزُّبَيْرُ: يا عَمْرُو بنَ العاصِ، اقْسِمْها. فقال عَمْرٌو: لا أقْسِمُها. فقال الزُّبَيْرُ. لَتَقْسِمَنَّها كما قَسَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ. فقال عَمْرٌو: لا أقْسِمُها حتَّى أكتُبَ إلى أميرِ المُؤْمِنِينَ. فكَتَب إلى عُمَرَ، فكَتَب إليه [عُمَرُ، أنْ] (٥) دَعْهَا حتَّى يَغْزُوَ منها حَبَلُ الحَبَلَةِ (٦).
стр. 4823
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القاضِى: ولم يُنْقَلْ عن النبىِّ ﷺ ، ولا عن أحَدٍ مِن الصَّحابَةِ أنَّه قَسَم أرْضًا عَنْوَةً إلَّا خَيْبَرَ.
فصل: قال أحمدُ: ومَن يَقُومُ على أرْضِ الصُّلْحِ وأرْضِ العَنْوَةِ؟ ومِن أيْنَ هى؟ وإلى أين هى؟ وقال: أرْضُ الشامِ عَنْوَةٌ إلَّا حِمْصَ ومَوْضِعًا آخَرَ. وقال: ما دُونَ النَّهْرِ صُلْحٌ، وما وراءَه عَنْوَةٌ. وقال: فَتَح المُسْلِمُون السَّوادَ عَنْوَةً، إلَّا ما كان منه صُلْحٌ، وهى أرْضُ الحِيرَةِ، وَأرْضُ بانِقْيَا (١). وقال: أرْضُ الرَّىِّ خَلَطُوا في أمْرِها، فأمَّا ما فُتِحَ عَنْوَةً فمِن نَهاوَنْدَ (٢) وطَبَرِسْتانَ (٣) خَراجٌ. وقال أبو عُبَيْدٍ: أرْضُ الشامِ عَنْوَةٌ، ما خَلا مُدُنَها، فإنَّها فُتِحَتْ صُلْحًا، إلَّا قَيْسارِيَّةَ (٤)، افْتُتِحَتْ عَنْوَةً، وأرْضُ السَّوادِ والجَبَلِ، ونَهاوَنْدَ والأهْوازِ ومِصْرَ والمَغْرِب. وقال موسى بنُ علىِّ بنِ رَباحٍ (٥)، عن أبِيه: المَغْرِبُ كلُّه عَنْوَةٌ. فأَمَّا أرْضُ
стр. 4824
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصُّلْحِ، فأرْضُ هَجَرَ، والبَحْرَيْنِ، وأيْلَةَ (١)، ودُومَةَ الجَنْدَلِ (٢)، وأذْرُحَ (٣)، فهذه القُرَى التى أدَّتْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ الجِزْيَةَ، ومُدُنُ الشّام ما خَلا أرَضِيها إلَّا قَيْسارِيَّةَ وبلادَ الجَزِيرَةِ كلَّها. وبلادُ خُراسانَ كلُّها أَو أكْثَرُها صُلْحٌ، وكُلُّ مَوْضِع فُتِحَ عَنْوَةً فإنَّه وَقْفٌ على المُسْلِمِين.
النَّوْعُ الثَّانِى، ما اسْتَأْنَفَ المُسْلِمُون فَتْحَه عَنْوَةً، ففيه ثلاثُ رِواياتٍ؛ أحَدُها، أنَّ الإِمامَ مُخَيَّر بينَ قَسْمِها على الغَانِمِين وبينَ وَقْفِها على جَمِيعِ المُسْلِمِين، ويَضْرِبُ عليها خَراجًا مُسْتَمِرًّا، على ما ذَكَرْنا. هذا ظاهِرُ المَذْهَب؛ لأنَّ كِلا الأَمْرَيْن قد ثَبَت فيه حُجَّةٌ عن النبىِّ ﷺ ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ : قَسَم نِصْفَ خيْبَرَ، ووَقَف نِصْفَها لنوائبِه (٤). ووَقَف عُمَرُ الشامَ والعِراقَ ومِصْرَ وسَائِرَ ما فَتَحَه، وأقَرَّه على ذلك عُلَماءُ الصَّحابَةِ، وأشَارُوا عليه به، وكذلك مَن بعدَه مِن الخُلَفاءِ، ولم نَعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنهم قَسَمَ شيئًا مِن الأرْضِ التى افْتَتَحُوها. والثانيةُ، أنَّها تَصِيرُ وَقْفًا بنَفْسِ الاسْتِيلاء عليها؛ لاتِّفاقِ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، عليه، وقِسْمَةُ النبىِّ ﷺ خَيْبَرَ كانت في بَدْءِ الإِسْلامِ، وشِدَّةِ
стр. 4825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحاجَةِ، وكانتِ المَصْلَحَةُ فيه، وقد تَعَيَّنَتَ المَصْلَحَةُ فيما بعدَ ذلك في وَقفِ الأرْضَ، فكان هو الواجِبَ. والثالثةُ، أنَّ الواجِبَ قَسْمُها. وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ فَعَل ذلك، وفِعْلُه أوْلَى مِن فِعْلِ غيرِه مع عُمُوم قَوْلِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١). يُفْهَمُ مِن ذلك أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِها للغانِمِين. والرِّوايَةُ الأُولَى أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعلِ النبىِّ ﷺ ، ولأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: لولا آخِرُ النَّاسِ لقَسَمْتُ الأرْضَ كما قَسَم النبىُّ ﷺ خَيْبَرَ (٢). فقد وَقَف الأرْضَ مع عِلْمِه بفِعْلِ النبىِّ ﷺ ، فدَلَّ على أنَّ فِعْلَه ذلك لم يكُنْ مُتَعَيِّنًا، كيف والنبىُّ ﷺ قد وَقَف نِصْفَ خَيْبَبرَ! ولو كانت لِلْغانِمِين لم يَكُنْ له وَقْفُها. قال أبو عُبَيْدٍ (٣): تَواتَرَتِ الأخْبارُ في افتِتَاحِ الأرْضِ عَنْوَةً بهَذَيْنِ الحُكْمَيْن؛ حُكْمِ رسولِ اللَّهِ ﷺ في خَيْبَرَ حينَ قَسَمَها، وبه أشَار بِلالٌ وأصْحابُه على عُمَرَ في أرْضِ الشامِ، والزُّبَيْرُ في
стр. 4826
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أرْضِ مِصْرَ، وحُكْمِ عُمَرَ في أرْضِ السَّوادِ وغيرِه حينَ وَقَفَه، وبه أشَارَ علىٌّ ومُعاذٌ على عُمَرَ، وليس فِعْلُ النبىِّ ﷺ رَادًّا لفِعْلِ عُمَرَ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما اتَّبَعَ آيَةً مُحْكَمَةً، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (١) الآية. فكان كُلُّ واحِدٍ مِن الأَمْرَيْن جائِزًا، والنَّظَرُ في ذلك إلى الإِمامِ، فما رأَى [مِن ذلك فَعَله] (٢). وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ التَّخْيِيرَ المُفَوَّضَ إلى الإِمامِ تخيِيرُ مَصْلَحَةٍ، لا تَخْيِيرُ تَشَهٍّ، فيَلْزَمُه فِعْلُ ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ، لا يجوزُ له العُدُولُ عنه، كالخِيَرَةِ في الأسْرَى بينَ القَتْلِ، والاسْتِرْقاقِ، والمَنِّ، والفِداءِ، ولا يَحْتاجُ إلى النُّطْقِ بالوَقْفِ، بل تَرْكُه لها مِن غيرِ قِسْمَةٍ وقْفٌ لها كما أنَّ قِسْمَتَها بينَ الغانِمِين لا يَحْتاجُ معه إلى لَفْظٍ، ولأنَّ عُمَرَ وغيرَه لم يُنْقَلْ عنهم في وَقْفِ الأرْضِ لَفْظٌ بالوَقْفِ، ولأنَّ معْنَى وَقْفِها ههنا، أنَّها باقِيَةٌ لجميعِ المسلمين، يُؤْخَذُ خَراجُها يُصْرَفُ في مصالِحِهم، ولا يُخَصُّ أحَدٌ بِمِلْكِ شئٍ منها، وهذا حاصِلٌ بتَرْكِها.
فصل: وكُلُّ ما فَعَلَه النبىُّ ﷺ مِن وَقْفٍ وقِسْمَةٍ، أو فَعَلَه الأئِمَّةُ بعدَه، فليس لأحَدٍ نَقْضُه، ولا تَغْيِيرُه، وإنَّما الرِّواياتُ فيما اسْتُؤْنِفَ فَتْحُه
стр. 4827
الثَّانِى، مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا، فَتَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا. وَعَنْهُ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَنْوَةِ.
ــ
على ما ذكَرْنا. والذي قُسِمَ بينَ الغانِمِين ليس عليه خَراجٌ، وكذلك ما أسْلَمَ أهْلُه عليه، كالمَدِينَةِ ونحوِها، فهى مِلْكٌ لأرْبابِها، لهم التَّصَرُّفُ فيها كيف شاءُوا، وكذلك ما صُولِحَ أهْلُه على أنَّ الأرْضَ لهم، كأرْضِ اليَمَنِ، والحِيرَةِ وبانِقْيا، وما أحْياه المسلمون، كأرْضِ البَصْرَةِ، كانت سَبْخَةً أحْيَاها غتْبَةُ بنُ غَزْوانَ (١)، وعُثمانُ بنُ أبى العاصِ.
١٤٦٨ - مسألة: الضَّرْبُ (الثَّانِى، مَاجَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا) وفَزَعًا، فهذه (تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا) لأنَّ ذلك يتَعَيَّن فيها، لأنَّها ليست غَنِيمَةً فتُقْسَمَ، فكان حُكْمُها حُكْمَ الفَئِ، يكونُ لِلمسلمين كلِّهم. (وعنه) يكونُ (حُكْمُها حكمَ العَنْوَةِ) قِياسًا عليها، فعلى هذا لا تَصِيرُ وَقْفًا حتَّى يَقِفَها الإِمامُ؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يثْبُتُ بنَفْسِه. الضَّرْبُ
стр. 4828
الثَّالِثُ، مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأرْضَ لَنَا، وَنُقِرَّهَا مَعَهُمْ بالْخَرَاج من، فَهَذِهِ تَصِيرُ وَقْفًا أيْضًا.
ــ
(الثالثُ، ما صُولِحوا عليه، وهو قِسمان؛ أحدُهما، أن يُصالِحَهم على أنَّ الأرْضَ لنا، ونُقِرَّها معهم بالخَراجِ، فهذه تَصِيرُ وَقْفا أيضًا) حُكْمُها حُكْمُ ما ذكَرْنا؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ فَتَح خَيْبَرَ، وصالَحَ أهْلَها على أن يَعْمُرُوا أرْضَها، ولهم نِصْفُ ثَمَرَتِها، فكانت للمسلمين دُونَهم (١). وصالَحَ بنى النَّضِيرِ على أن يُجْلِيَهم مِن المدينةِ، ولهم ما أقَلَّتِ الإِبِلُ مِن الأمتِعَةِ (٢) والأمْوَالِ، إلَّا الحَلْقَةَ، يعنى السِّلاحَ، وكانت ممَّا أفاءَ اللَّه على
стр. 4829
الثَّانِى، أنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا، فَهَذِهِ مِلْكٌ لَهُمْ، خَرَاجُهَا كَالْجِزْيَةِ، إِنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ،
ــ
رسُولِه (١). القسمُ (الثَّانِى، أنْ يُصالِحَهُم على أنَّ (٢) الأرْضَ لهم) ويُؤَدُّون إلَيْنا خَراجًا (٣) مَعْلُومًا، (فهذه مِلْكٌ) لأرْبابِها، وهذا الخَراجُ في حُكْمِ الجِزْيَةِ، متى (أسْلَمُوا سَقَط عنهم) لأنَّ الخَراجَ الَّذى ضُرِبَ عليها إنَّما كان مِن أجْلِ كُفْرِهِم، فهو كالجِزْيَةِ على رُءُوسِهِم، فإذا أسْلَمُوا سَقَط، كما تَسْقُطُ الجِزْيَةُ، وتَبْقَى الأرْضُ مِلْكًا لهم، لا خَراجَ عليها،
стр. 4830
وَإِنِ انْتَقَلَتْ إِلَى مُسْلِم، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ، وَيُقَرُّونَ فِيهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ في غَيْرِ دَارِ الإسْلَامِ، بِخِلَافِ الَّتِى قَبْلَهَا.
وَالْمَرْجِعُ في الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ في الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى قَدْر الطَّاقَةِ. وَعَنْهُ، يُرْجَعُ إِلَى مَا ضَرَبَهُ
ــ
يتَصَرَّفُون فيها كيف شاءُوا، بالبَيْعِ والهِبَةِ والرَّهْنِ (وإنِ انْتَقَلَتْ إلى مُسْلِم، فلا خَراجَ عليه) لِما ذَكَرْنا.
١٤٦٩ - مسألة: (ويُقَرُّون فيها بِغيرِ جِزْيَةٍ؛ لأنَّهم في غيرِ دارِ الإِسلامِ، بخِلافِ التى قبْلَها) .
١٤٧٠ - مسألة: (والمَرْجِعُ في الخراجِ والجِزْيَةِ إلى اجْتِهَادِ الإِمامِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ على قَدْرِ الطّاقَةِ. وعنه، يُرْجَعُ إلى ما ضَرَبَهُ
стр. 4831
عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، لَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ. وَعَنْهُ، تَجُوزُ الزِّيادَةُ دُونَ النَّقْصِ.
ــ
عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عَنه، لا يُزَادُ ولا يُنْقَصُ. وعنه، تَجُوزُ الزِّيادَةُ دُونَ النَّقْصِ) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المَرْجِعَ في الخَراجِ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ. وهو اخْتِيارُ الخَلَّالِ، وعامَّةِ شُيُوخِنا؛ لأنَّه أُجْرَة، فلم يُقَدَّرْ بمِقْدارٍ لا يَخْتَلِفُ، كأُجْرَةِ المساكنِ. وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُرْجَعُ إلى ما ضَرَبَه عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لا يُزادُ عليه ولا يُنْقَصُ منه؛ لأنَّ اجْتِهادَ عمرَ أوْلَى مِن قَوْلِ غيرِه، كيف ولم يُنْكِرْه أحَدٌ مِن الصَّحابَةِ مع شُهْرتِه، فكان إجْماعًا. وعنه رِوايَةٌ ثالثَةٌ، أنَّ الزِّيادَةَ تجوزُ دُونَ النَّقْصِ؛ لِما روَى
стр. 4832
قَالَ أحْمَدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى: أَعْلَى وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي أَرْضِ السَّوَادِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ. يَعْنِى، أَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا. وَقَدْرُ الْقَفِيزِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ. يَعْنِى بِالْمَكِّىِّ، فَيَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا
ــ
عمرُو (١) بنُ مَيْمُونٍ، أَنَّه سَمِع عُمَرَ يقول لخذَيْفَةَ وعُثمانَ بنِ حُنَيْفٍ: لَعَلَّكُما حَمَّلْتُما الأرْضَ ما لا تُطِيقُ؟ فقال عثمانُ: واللَّهِ لو زِدْتَ عليهم فلا تُجْهِدْهم (٢). فدَلَّ على إباحَةِ الزِّيادَةِ ما لم تُجْهِدْهم. وأمّا الجِزْيَةُ فتُذْكَر في بابِ عقْدِ الذِّمَّةِ، إن شاءَ اللَّه تعالى. (قال أحمدُ) رَضِىَ اللَّهُ عنه، (وأبو عُبَيْدٍ) القاسِمُ بن سلَّام: (أعْلَى وأصَحُّ حديثٍ في أرْضِ السَّوادِ حَدِيثُ عمرِو بنِ مَيْمُونٍ (٢). يعنى، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، وَضَع على كلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وقَفِيزًا. وقَدْرُ القَفِيزِ ثمانيةُ أرْطالٍ. يعْنِى بالمكِّىِّ) نَصَّ عليه أحمدُ. واخْتارَه القاضى. (فيكونُ سِتَّةَ عشَرَ
стр. 4833
بِالْعِرَاقِىِّ، وَالْجَرِيبُ عَشْرُ قَصَبَاتٍ في عَشْرِ قَصَبَاتٍ، وَالْقَصَبَةُ سِتَّةُ أذْرُعٍ، وَهُوَ ذِرَاعٌ وَسَطٌ
ــ
رَطْلًا بالعِراقِىِّ) وقال أبو بكرٍ: قد قِيلَ: إنَّ قَدْرَه ثَلاثون رَطْلًا. ويَنْبَغِى أن يكونَ مِن جِنْسِ ما تُخْرِجُه الأرْضُ؛ لأنَّه رُوِى عن عمرَ، أنَّه ضَرَب على الطَّعامِ دِرْهَمًا وقَفِيزَ حِنْطَةٍ، وعلى الشَّعِيرِ دِرْهَمًا وقَفِيزَ شعيرٍ. ويُقاسُ عليه غيرُه مِن الحُبوبِ. (والجَرِيبُ عَشْرُ قَصَباتٍ في عَشْرِ قَصَباتٍ، والقَصَبَةُ سِتَّةُ أذْرُعٍ) بذِراعِ عمرَ (وهو ذِراعٌ وسَطٌ) لا
стр. 4834
وَقَبْضَةٌ وَإِبْهَامٌ قَائِمَةٌ.
ــ
أطْوَلُ ذراعٍ ولا أقْصَرُها (وقَبْضَةٌ وإبْهامٌ قائِمَةٌ) وما بينَ الشَّجَرِ مِن بَياضِ الأرْضِ تَبَعٌ لها، فإن ظُلِمَ في خَراجِه لم يَحْتَسِبْه مِن العُشْرِ؛ لأنَّه ظُلِمَ، فلم يَحْتَسِبْ به مِن العُشْرِ، كالغَصْبِ. وعنه، يَحْتَسِبُه مِن العُشْرِ؛ لأنَّ الأَخْذَ لهما واحِدٌ. اخْتارَه أبو بكرٍ. وقد اخْتُلِفَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في قَدْرِ الخَراجِ، فرَوَى أبو عُبَيْدٍ (١)، بإسْنادِه عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ عُمَرَ بَعَث ابنَ حُنَيْفٍ إلى السَّوَادِ، فضَرَب الخَراجَ على جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْن، وعلى جَرِيبِ الحِنْطَةِ أرْبَعَةَ دراهمَ، وعلى جَرِيبِ القَضْبِ، وهو الرَّطْبَةُ، سِتَّةَ دراهِمَ، وعلى جَرِيبِ النَّخْلِ ثمانيةَ درَاهِمَ، وعلى جَريبِ الكَرْمِ عشَرةَ دَراهِمَ، وعلى جَريبِ الزَّيْتُونِ اثْنَىْ عَشَرَ دِرْهَمًا. هذا ذَكَرَه أبو الخَطّابِ في كتابِ «الهِدَايَةِ»، وذَكَر بعدَه حديثَ عمرِو بنِ مَيْمُونٍ الَّذى ذكَرْناه، وهو أصَحُّ، على ما ذَكَرَه أحمدُ وأبو عُبَيْدٍ.
стр. 4835
وَمَا لَا يَنَالُهُ الْمَاءُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، وَجَبَ نِصْفُ خَرَاجِهِ في كُلِّ عَامٍ.
ــ
١٤٧١ - مسألة: (وَمَا لَا يَنَالُهُ الْمَاءُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ) لأنَّ الخَراجَ أُجْرَةُ الأرْضِ، وما لا مَنْفَعَةَ فيه لا أُجْرَةَ له. وعنه، يجبُ فيه الخراجُ إذا كان على صِفةٍ يُمْكِنُ إحْياؤُه، ليُحْيِيَه مَن هو في يَدِه، أو يَرْفَعُ يدَه عنه، فيُحْييه غيرُه ويَنْتَفِعُ به.
١٤٧٢ - مسألة: (فَإِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، وَجَبَ نِصْفُ