عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، لَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ. وَعَنْهُ، تَجُوزُ الزِّيادَةُ دُونَ النَّقْصِ.
ــ
عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عَنه، لا يُزَادُ ولا يُنْقَصُ. وعنه، تَجُوزُ الزِّيادَةُ دُونَ النَّقْصِ) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المَرْجِعَ في الخَراجِ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ. وهو اخْتِيارُ الخَلَّالِ، وعامَّةِ شُيُوخِنا؛ لأنَّه أُجْرَة، فلم يُقَدَّرْ بمِقْدارٍ لا يَخْتَلِفُ، كأُجْرَةِ المساكنِ. وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُرْجَعُ إلى ما ضَرَبَه عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، لا يُزادُ عليه ولا يُنْقَصُ منه؛ لأنَّ اجْتِهادَ عمرَ أوْلَى مِن قَوْلِ غيرِه، كيف ولم يُنْكِرْه أحَدٌ مِن الصَّحابَةِ مع شُهْرتِه، فكان إجْماعًا. وعنه رِوايَةٌ ثالثَةٌ، أنَّ الزِّيادَةَ تجوزُ دُونَ النَّقْصِ؛ لِما روَى
стр. 4832
قَالَ أحْمَدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى: أَعْلَى وَأَصَحُّ حَدِيثٍ فِي أَرْضِ السَّوَادِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ. يَعْنِى، أَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا. وَقَدْرُ الْقَفِيزِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ. يَعْنِى بِالْمَكِّىِّ، فَيَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا
ــ
عمرُو (١) بنُ مَيْمُونٍ، أَنَّه سَمِع عُمَرَ يقول لخذَيْفَةَ وعُثمانَ بنِ حُنَيْفٍ: لَعَلَّكُما حَمَّلْتُما الأرْضَ ما لا تُطِيقُ؟ فقال عثمانُ: واللَّهِ لو زِدْتَ عليهم فلا تُجْهِدْهم (٢). فدَلَّ على إباحَةِ الزِّيادَةِ ما لم تُجْهِدْهم. وأمّا الجِزْيَةُ فتُذْكَر في بابِ عقْدِ الذِّمَّةِ، إن شاءَ اللَّه تعالى. (قال أحمدُ) رَضِىَ اللَّهُ عنه، (وأبو عُبَيْدٍ) القاسِمُ بن سلَّام: (أعْلَى وأصَحُّ حديثٍ في أرْضِ السَّوادِ حَدِيثُ عمرِو بنِ مَيْمُونٍ (٢). يعنى، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، وَضَع على كلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وقَفِيزًا. وقَدْرُ القَفِيزِ ثمانيةُ أرْطالٍ. يعْنِى بالمكِّىِّ) نَصَّ عليه أحمدُ. واخْتارَه القاضى. (فيكونُ سِتَّةَ عشَرَ
стр. 4833
بِالْعِرَاقِىِّ، وَالْجَرِيبُ عَشْرُ قَصَبَاتٍ في عَشْرِ قَصَبَاتٍ، وَالْقَصَبَةُ سِتَّةُ أذْرُعٍ، وَهُوَ ذِرَاعٌ وَسَطٌ
ــ
رَطْلًا بالعِراقِىِّ) وقال أبو بكرٍ: قد قِيلَ: إنَّ قَدْرَه ثَلاثون رَطْلًا. ويَنْبَغِى أن يكونَ مِن جِنْسِ ما تُخْرِجُه الأرْضُ؛ لأنَّه رُوِى عن عمرَ، أنَّه ضَرَب على الطَّعامِ دِرْهَمًا وقَفِيزَ حِنْطَةٍ، وعلى الشَّعِيرِ دِرْهَمًا وقَفِيزَ شعيرٍ. ويُقاسُ عليه غيرُه مِن الحُبوبِ. (والجَرِيبُ عَشْرُ قَصَباتٍ في عَشْرِ قَصَباتٍ، والقَصَبَةُ سِتَّةُ أذْرُعٍ) بذِراعِ عمرَ (وهو ذِراعٌ وسَطٌ) لا
стр. 4834
وَقَبْضَةٌ وَإِبْهَامٌ قَائِمَةٌ.
ــ
أطْوَلُ ذراعٍ ولا أقْصَرُها (وقَبْضَةٌ وإبْهامٌ قائِمَةٌ) وما بينَ الشَّجَرِ مِن بَياضِ الأرْضِ تَبَعٌ لها، فإن ظُلِمَ في خَراجِه لم يَحْتَسِبْه مِن العُشْرِ؛ لأنَّه ظُلِمَ، فلم يَحْتَسِبْ به مِن العُشْرِ، كالغَصْبِ. وعنه، يَحْتَسِبُه مِن العُشْرِ؛ لأنَّ الأَخْذَ لهما واحِدٌ. اخْتارَه أبو بكرٍ. وقد اخْتُلِفَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في قَدْرِ الخَراجِ، فرَوَى أبو عُبَيْدٍ (١)، بإسْنادِه عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ عُمَرَ بَعَث ابنَ حُنَيْفٍ إلى السَّوَادِ، فضَرَب الخَراجَ على جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْن، وعلى جَرِيبِ الحِنْطَةِ أرْبَعَةَ دراهمَ، وعلى جَرِيبِ القَضْبِ، وهو الرَّطْبَةُ، سِتَّةَ دراهِمَ، وعلى جَرِيبِ النَّخْلِ ثمانيةَ درَاهِمَ، وعلى جَريبِ الكَرْمِ عشَرةَ دَراهِمَ، وعلى جَريبِ الزَّيْتُونِ اثْنَىْ عَشَرَ دِرْهَمًا. هذا ذَكَرَه أبو الخَطّابِ في كتابِ «الهِدَايَةِ»، وذَكَر بعدَه حديثَ عمرِو بنِ مَيْمُونٍ الَّذى ذكَرْناه، وهو أصَحُّ، على ما ذَكَرَه أحمدُ وأبو عُبَيْدٍ.
стр. 4835
وَمَا لَا يَنَالُهُ الْمَاءُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، وَجَبَ نِصْفُ خَرَاجِهِ في كُلِّ عَامٍ.
ــ
١٤٧١ - مسألة: (وَمَا لَا يَنَالُهُ الْمَاءُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ) لأنَّ الخَراجَ أُجْرَةُ الأرْضِ، وما لا مَنْفَعَةَ فيه لا أُجْرَةَ له. وعنه، يجبُ فيه الخراجُ إذا كان على صِفةٍ يُمْكِنُ إحْياؤُه، ليُحْيِيَه مَن هو في يَدِه، أو يَرْفَعُ يدَه عنه، فيُحْييه غيرُه ويَنْتَفِعُ به.
١٤٧٢ - مسألة: (فَإِنْ أَمْكَنَ زَرْعُهُ عَامًا بَعْدَ عَامٍ، وَجَبَ نِصْفُ
стр. 4836
وَالْخَرَاجُ عَلَى الْمَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ.
ــ
خَراجِه في كلِّ عامٍ) لأنَّ نَفْعَ هذه الأرْضِ على النِّصْفِ، فكذلك الخراجُ؛ لكَوْنِه في مُقابَلَةِ النَّفْعِ.
١٤٧٣ - مسألة: (و) يَجِبُ (الخَراجُ على المَالِكِ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ) لأنَّه يَجِبُ على رَقَبَةِ الأرْضِ، فكان على مالِكِها، كما تجِبُ الفِطْرَةُ على مالِكِ العَبْدِ. وعنه، أنَّه على الْمُسْتَأْجِرِ، كالعُشْرِ.
стр. 4837
وَهُوَ كَالدَّيْنِ، يُحْبَسُ بِهِ الْمُوسِرُ، وَيُنْظَرُ بِهِ الْمُعْسِرُ. وَمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أرْضِهِ، أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا، أوْ رَفْعِ يَدِهِ عَنْهَا.
ــ
والأوَّلُ أصَحُّ.
١٤٧٤ - مسألة: (وَالخراجُ كَالدَّيْنِ، يُحْبَسُ بِهِ الْمُوسِرُ، وَيُنْظَرُ بِهِ الْمُعْسِرُ) لأنَّه أُجْرَةٌ، أشْبَهَ أُجْرَةَ المساكنِ.
١٤٧٥ - مسألة: (وَمَنْ عَجَزَ عَنْ عِمَارَةِ أرْضِهِ، أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا، أوْ رَفْعِ يَدِهِ عَنْهَا) مَن كانت في يَدِه أرْضٌ، فهو أحَقُّ بها بالخراجِ، كالمُسْتَأْجِرِ، وتَنْتَقِلُ إلى وَارِثِه بعدَه، على الوَجْهِ الَّذى كانت في يَدِ مَوْرُوثِه، فإن آثَرَ بها أحَدًا، صارَ الثانى أحَقَّ بها، فإن عَجَزَ مَن هى في يَدِه عن عِمَارَتِها، وأدَاءِ خَرَاجِها، أُجْبِرَ على رَفْعِ يَدِه عنها بإجارَةٍ أو غيرِها، ويَدْفَعُها إلى مَن يَعْمُرُها ويَقُومُ بخَراجِها؛ لأنَّ الأرْضَ للمسلمين، فلا يجوزُ تَعْطِيلُها عليهم.
فصل: ويُكْرَهُ للمُسْلِمِ أَن يَشْتَرِىَ مِن أَرْضِ الخَراجِ المُزارَعِ؛ لأنَّ في الخَراجِ مَعْنى الذِّلَّةِ. وبهذا ورَدَتِ الأخْبارُ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وغيرِه. ومعْنى الشِّراءِ ههُنا أنْ يتَقَبَّلَ الأرْضَ بما عليها مِن خَراجِها؛ لأنَّ شِراءَ هذه الأرْضِ غيرُ جائِزٍ، أو يكونُ على الرِّوايَةِ التى أجازَتْ شِراءَها؛ لكَوْنِه اسْتِنْقاذًا لها، فهو كاسْتِنْقَاذِ الأسِيرِ.
стр. 4838
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْشُوَ الْعَامِلَ وَيُهْدِىَ لَهُ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ في خَرَاجِهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِيَدَعَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا. وَإنْ رَأْى الإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ في إِسْقَاطِ الْخَرَاجِ عَنْ إِنْسَانٍ، جَازَ.
ــ
١٤٧٦ - مسألة: (ويجوزُ لصاحِبِ الأرْضِ أنْ يَرْشُوَ العامِلَ ليَدْفَعَ عنه الظُّلْمَ في خَرَاجِه) لأنَّه يَتَوَصَّلُ بمالِه إلى كَفِّ اليَدِ العادِيَةِ عنه (ولا يجُوزُ له ذلك ليَدَعَ (١) له شيئًا) مِن خَراجِه؛ لأنَّه رِشْوَةٌ لإِبطالِ حَقٍّ، فحَرُمَتْ على الآخِذِ والمُعْطِى، كرِشْوَةِ الحَاكمِ ليَحْكُمَ له بغيرِ الحَقِّ.
١٤٧٧ - مسألة: (وإن رَأَى الإِمامُ المَصْلَحَةَ في إسْقَاطِ الخَراجِ)
стр. 4839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو تَخْفِيفِه (عن إنْسَانٍ، جاز) لأنَّه فَىْءٌ، فكان النَّظَرُ فيه إلى الإِمام. ولأنَّه لو أخَذَ الخَراجَ وصارَ في يَدِه، جازَ له أن يَخُصَّ به شَخْصًا إذا رَأَى المصْلَحَةَ فيه، فجازَ له تَرْكُه بطرِيقِ الأُوْلَى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذَكَر أحمدُ، ﵀، الفَىْءَ، فقال: فيه حقٌّ لكلِّ المسلمين، وهو بينَ الغَنِىِّ والفقيرِ. وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عَنه: ما مِن أحَدٍ مِن المسلمين إلَّا له في هذا المالِ نَصِيبٌ، إلَّا العبيدَ ليس لهم فيه شئٌ، وقرَأ عمرُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتَّى بَلغَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١). فقال: هذه (٢) اسْتَوْعَبَتِ المسلمين عامَّةً، ولَئِنْ عِشْتُ ليَأْتِيَنَّ الرَّاعِىَ [بسَرْوِ حِمْيَرَ] (٣) نَصِيبُه منها، لم يَعْرَق فيه جَبِينُه (٤). وذَكَر القاضى أنَّ الفَىْءَ مُخْتَصٌّ بأهلِ الجهادِ، مِن المُرابِطِين في الثُّغورِ، وجُنْدِ المسلمين، ومَن يقومُ بمصالِحِهم؛ لأنَّ ذلك كان للنبىِّ ﷺ في حياتِه، لحُصُولِ النُّصْرَةِ والمصْلَحَةِ به، فلمَّا ماتَ، صارت مخْتَصَّةً بالجُنْدِ،
стр. 4842
وَيَبْدَأُ بِالأَهَمِّ فَالأهَمِّ؛ مِنْ سَدِّ الثُّغُورِ، وَكِفَايَةِ أَهْلِهَا،
ــ
ومَن يَحْتاجُ إليه المسلمون، فصارَ لهم ذلك دُونَ غيرِهم. فأمّا الأعْرابُ ونحوُهم ممَّن لا يُعِدُّ نفْسَه للجهادِ، فلا حَقَّ لهم فيه. والذين يَغْزُون (١) إذا نَشِطُوا، يُعْطَوْن مِن سَهْمِ سبيلِ اللَّه مِن الصَّدَقَةِ. قال القاضى: ومعْنى كلامِ أحمدَ، أنَّه بينَ الغَنِىِّ والفقيرِ. يعْنى الغَنِىَّ (٢) الَّذى فيه مصلحةُ المُسْلِمين مِن المُجاهِدين والقُضاةِ والفُقَهاءِ. قال: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ معْنى كلامِه، أنَّ لجميعِ المسلمين الانْتِفاعَ بذلك المالِ؛ لكَوْنِه يُصْرَفُ إلى مَن يَعُودُ نَفْعُه إلى جميعِ المسلمين، وكذلك ينْتَفِعون بالعُبورِ على القناطِرِ والجُسورِ المعْقودَةِ بذلك المالِ، وبالأنْهارِ والطُّرُقاتِ التى أُصْلِحَتْ به. وسياقُ كلامِ أحمدَ يَدُلُّ على أنَّه غيرُ مُخْتَصٍّ بالجُنْدِ، وإنَّما هو مَصْرُوفٌ (٣) في مصالِحِ المسلمين، لكنْ يبدأُ بجُنْدِ المسلمين؛ لأنَّهم أهَمُّ المصالِحِ، لكَوْنِهم يَحْفَظُون المسلمين، فيُعْطَوْن كِفَاياتِهم، فما فَضَل قُدِّمَ الأهَمُّ فالأهَمُّ؛ مِن عِمارَةِ الثُّغُورِ وكِفَايَتِها بالكُراعِ (٤)
стр. 4843
وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ الأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ؛ مِنْ سَدِّ الْبُثُوقِ، وَكَرْىِ الأَنْهَارِ، وَعَمَلِ الْقَنَاطِرِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
ــ
والسِّلاحِ، وما يُحْتاجُ إليه، ثم الأهَمُّ فالأهَمُّ؛ مِن عِمارَةِ المساجدِ والقَناطِرِ، وإصْلاحِ الطُّرُقِ، وكِراءِ الأَنْهارِ، وسَدِّ بُثُوقِها، وأرْزاقِ القُضاةِ والأئمةِ والمُؤَذنين والفُقَهاءِ، وما يَحْتاجُ إليه المسلمون، وكلِّ ما يعودُ نَفْعُه على المسلمين، ثم يُقْسَمُ ما فَضَل على المسلمين، لِما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ، وقَولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وللشافعىِّ قَوْلان، كنحوِ ما ذَكَرْناه. واسْتَدَلُّوا على أنَّ أربعةَ أخْماسِ الفَىْءِ كان لرسولِ اللَّهِ ﷺ في حياتِه، بما روَى مالكُ ابنُ أوْسِ بنِ الحَدَثانِ، قال: سَمِعْتُ عمرَ بنَ الخَطَّاب، والعباسُ وعلىٌّ يخْتَصِمان إليه في أمْوالِ النبىِّ ﷺ ، فقال عمرُ: كانت أَمْوالُ بنى النَّضِيرِ ممَّا أفاءَ اللَّهُ على رَسُولِه، ممَّا لم يُوجِفِ المسلمون (١) عليه بِخَيْلٍ ولا رِكَابٍ، وكانتْ لرسولِ اللَّهِ ﷺ خالِصًا دونَ المسلمين، وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ منها على أهْلِه نَفَقَةَ سَنَةٍ، فما فَضَل جَعَلَه في الكُراعِ والسِّلاحِ، ثم تُوُفِّىَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فوَلِيَها أبو بكر بمِثْلِ ما وَلِيَها رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ثم وَلِيتُها بمثلِ ما وَلِيَها رسولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكرٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). إلَّا أنّ
стр. 4844
وَلَا يُخَمَّسُ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يُخَمَّسُ؛ فَيُصْرَفُ خُمسُهُ إِلَى أَهلِ الْخُمْسِ، وَبَاقِيَهُ لِلْمَصَالِحِ:
ــ
فيه: فيَجْعَلُ ما بَقِىَ أُسْوةَ المالِ. قال شيْخُنا (١): وظاهرُ أخْبارِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، تدُلُّ على أنَّ لجميعِ المسلمين في الفَىْءِ حَقًّا. وهو ظاهِرُ الآيَةِ، فإنَّه لمَّا قَرَأ الآيَةَ التى في سُورَةِ الحَشْرِ، قال: هذه اسْتَوْعَبَت جميعَ المسلمين. وقال: ما أحدٌ إلَّا له في هذا المالِ نَصِيبٌ. فأمَّا أمْوالُ بنى النَّضِيرِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ ﷺ كان يُنْفِقُ منها على أهْلِه؛ لأنَّ ذلك مِن أهَمِّ المصالِحِ، فبَدَأ بهم، ثم جَعَل باقِيَه أُسْوةَ المالِ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ أمْوالُ بنى النَّضِيرِ اختصَّ بها رسولُ اللَّه ﷺ من الفَىْءِ، وتَرَك سائِرَه لمَن سُمِّىَ في الآيةِ. وهذا مُبَيَّن في قَوْلِ عمرَ: كانت لرسولِ اللَّهِ ﷺ خالِصًا دُونَ المُسْلِمِينَ.
١٤٧٨ - مسألة: (وَلَا يُخَمَّسُ. وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: يُخَمَّسُ؛ فَيُصْرَفُ خُمسُهُ إِلَى أَهلِ الْخُمْسِ، وَبَاقِيَهُ لِلْمَصَالِحِ) ظاهِرُ المَذْهَبِ
стр. 4845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ الفَىْءَ لا يُخَمَّسُ. نَقَلَها أبو طالبٍ، فقال: إنَّما تُخَمَّسُ الغَنِيمَةُ. وعنه، يُخَمَّسُ كما تُخمَّسُ الغَنِيمَةُ. اخْتارَها الخِرَقِىُّ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١). فظاهِرُ هذا أنَّ جَمِيعَه لهؤلاءِ، وهم أهلُ الخُمْسِ، وجاءَتِ الأخْبارُ دَالَّةً على اشْتِراكِ جميعِ المسلمين فيه عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، مُسْتَدِلًّا بالآياتِ التى بعدَها، فوَجَبَ الجَمْعُ بينهما؛ كيلا تَتَناقَضَ الآيةُ والأخبارُ وتَتَعارَضَ، وفى إيجابِ الخُمْسِ فيه جَمْعٌ بينَهما وتَوْفِيقٌ (٢)، فإنَّ خُمْسه لمَن سُمِّىَ في الآيةِ، وسائِرَه يُصْرَفُ إلى مَن (٣) ذُكِر في الآيَتَين الأخيرتَين والأخْبارِ. وقد روَى البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ، قال: لَقِيتُ خالِى ومعه الرّايَةُ، فقُلْتُ: إلى
стр. 4846
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أين؟ قال: بَعَثَنِى رسولُ اللَّهِ ﷺ رَجُل عَرَّسَ بامْرأةِ أبِيه، أن أضْرِبَ عُنُقَه، وأُخَمِّسَ مالَه (١). والرِّوايَةُ الأُولَى هى المشْهُورَةُ. قال القاضى: لم أجِدْ بما قال الخِرَقِىُّ، مِن أنَّ الفَىْءَ مَخْمُوسٌ، نَصًّا فأحْكِيه، وإنَّما نُصَّ على أنَّه غيرُ مَخْموسٍ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يُحْفَظُ عن أحَدٍ قبلَ الشافعىِّ في أنَّ في الفَىْءِ خُمْسًا، كخُمْسِ الغَنِيمَةِ. والدَّلِيلُ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآياتُ إلى قوْلِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢). فجَعَلَهَ كلَّه لهم، ولم يَذْكُرْ خُمْسًا. ولمَّا قَرَأ عُمَرُ هذه الآيةَ، قال: هذه اسْتَوْعَبَتْ جميعَ المسلمين.
فصل: فإن قُلْنا: إنَّه يُخَمَّسُ. صُرِفَ خُمْسُه إلى أهلِ الخُمْسِ في الغَنِيمَةِ عندَ مَن يَرَى تَخْمِيسَ الفَىْءِ مِن أصْحابِنا، وأصحابِ الشافعىِّ، وحُكْمُهُما واحِدٌ، لا اخْتِلافَ بينهم في هذا؛ لأنَّه في مَعْنى خُمْسِ الغَنِيمَةِ. ثم يُصْرَفُ الباقى في مَصالِحِ المسلمين، على ما ذَكَرْنا، ويبْدَأَ بالأهَمِّ فالأهَمِّ مِن سَدِّ الثُّغُورِ، وأرْزاقِ الجُنْدِ، ونحوِ ذلك.
стр. 4847
وَإنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، قُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَيَبْدَأُ بِالْمُهَاجِرِينَ، وَيُقَدِّمُ الْأقْرَبَ فَالأَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ،
ــ
١٤٧٩ - مسألة: (وَإنْ فَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، قُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَيَبْدَأُ بِالْمُهَاجِرِينَ، وَيُقَدِّمُ الْأقْرَبَ فَالأَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ -)، يَنْبَغِى أن يَبْدَأُ في القِسْمَةِ بالمهاجِرِ بن، ويُقَدِّمَ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قَدِمَتْ على عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ثَمانُمِائَةِ ألفِ دِرْهمٍ، فلمَّا أصْبَحَ أرْسَلَ إلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال لهم: قد جاءَ النَّاسَ مالٌ لم يَأْتِهم مِثْلُه منذُ كان الإِسلامُ، أَشِيروا علىَّ بمَن أَبدَا. قالوا: بك يا أميرَ المؤمنين، إنَّك وَلِىُّ ذلك. قال: لا، ولكنْ أبْدَأُ برسولِ اللَّهِ ﷺ ، [ثمَّ] الأقْرَبِ فالأقْرَبِ. فَوَضَعَ الدِّيوانَ على ذلك (١). ويَنبَغِى للإِمام أِن يَضَعَ دِيوانًا يكْتُبُ فيه أسْماءَ المُقاتِلَةِ. وقَدْرَ أَرْزاقِهم، ويَجْعَلَ لكلِّ طائِفَةٍ عَرِيفًا يقومُ بأمْرِهم، ويَجْمَعُهم وقْتَ العَطاءِ ووَقْتَ الغَزْوِ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ النبىَّ ﷺ جَعَل عامَ خَيْبَرَ على كلِّ
стр. 4848
ثُمَّ الْأَنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ المُسْلِمِين. وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
ــ
عشرةٍ عَرِيفًا. ويَجْعَلُ العَطاءَ في كلِّ عامٍ مرَّةً أو مَرَّتَيْن، ولا يَجْعَل في أقَلَّ مِن ذلك؛ لئلَّا يشْغَلَهم عن الغَزْوِ. ويَبْدَأُ ببنى هاشمٍ؛ لأنَّهم أقارِبُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِما ذَكَرْنا مِن خَبَرِ عُمَرَ، ثم ببَنِى المُطَّلِبِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو هَاشِم وَبَنُو المُطَّلِبِ شَئٌ واحِدٌ». وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه (١). ثم ببَنِى عبدِ شَمْسٍ؛ لأنَّه أخو هاشِم لأبِيه وأُمِّه، ثم بَنى نَوْفَلٍ؛ لأنَّه أخو هاشِمٍ لأبِيه، ثم يُعْطِى بنى عبدِ الدَّارِ، وعبدِ العُزَّى، ويُقَدِّمُ عبدَ العُزَّى؛ لأنَّ فيهم أصْهارَ رسولِ اللَّه ﷺ ، فإنَّ خَدِيجَةَ منهم، وعلى هذا يعْطِى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ، حتَّى تَنْقَضِىَ قُرَيْشٌ، وهم بنو النَّضْرِ ابنِ كِنانَةَ، وقيلَ: بنو فِهْرِ بينِ مالِكٍ.
١٤٨٠ - مسألة: (ثُمَّ الْأنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ المُسْلِمِين. وَهَلْ يُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ) يُقَدِّمُ الأَنْصارَ بعدَ قُرَيْشٍ؛ لفَضْلِهم، وسابِقَتِهم،
стр. 4849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وآثارِهم الجميلةِ، ثم سائِرَ العربِ، ثم العَجَمَ والمَوالِىَ، فإنِ اسْتَوى اثْنانِ في الدَّرَجَةِ، قَدَّم أسَنَّهما، ثم أقْدَمَهما هِجْرَةً وسابِقَةً، ويَخُصُّ في كلُّ ذا الحاجَةِ.
فصل: واخْتَلَفَ الخُلَفاءُ الراشدونَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهم، في قَسْمِ الفَىْءِ بينَ أهْلِه، فذَهَبَ أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى التَّسْوِيَةِ بينَهم. وهو المَشْهُورُ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. فرُوِىَ أنَّ أبا بكرٍ سَوَّى بينَ الناسِ في العَطاءِ، وأدْخَلَ فيه العَبِيدَ، فقال له عمرُ: يا خليفةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ أتَجْعَل الذين جاهَدُوا في سَبِيْلِ اللَّهِ بأمْوالِهم وأنْفسِهم، وهَجَروا دِيارَهم له، كمَن إنَّما دَخَلُوا في الإِسْلامِ كَرْهًا! فقال أبو بكرٍ: إنَّما عَمِلُوا للَّهِ، وإنَّما أُجُورُهم على اللَّهِ، وإنَّما الدُّنْيا بَلَاغٌ. فلمَّا وَلِىَ عُمَر، رَضِىَ اللَّه عنه، فاضَلَ بينَهم، وأخْرَجَ العَبِيدَ، فلمَّا وَلِىَ علىّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، سَوَّى بينَهم، وأخْرَجَ العَبِيدَ. وذُكِرَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَضَّلَ بينَهم في القِسْمَةِ. فعلى هذا مذهبُ اثْنَيْن منهم، أبى بكرٍ وعلىٍّ، التَّسْويةُ،
стр. 4850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومذهَبُ اثْنَيْنِ، عمرَ وعُثمانَ، التَّفْضِيلُ. وقد رُوِى عن أحمدَ، ﵀ [جَوازُ التَّفْضِيلِ] (١)، فرَوَى عنه الحسَنُ بنُ علىِّ بنِ الحسَنِ (٢)، أنَّه قال: للإِمامِ أن يُفَضِّلَ قَوْمًا على قَوْمٍ؛ لأنَّ عمرَ قَسَمَ بينهم على السَّوابِقِ، وقال: لا أجْعَلُ مَن قاتَلَ على الإِسْلامِ، كمَن قُوتِلَ عليه. ولأنَّ النبىَّ ﷺ قَسَم النَّفَلَ بينَ أهْلِه مُتَفاضِلًا على قَدْرِ غَنائِهم (٣). وهذا في مَعْناه. ورُوِىَ عنه، أنَّه لا يجوزُ التَّفْضِيلُ. قال أبو بكرٍ: اخْتارَ أبو عبدِ اللَّهِ أن لا يُفَضلوا. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. قال الشافعىُّ: إنى رأيْتُ اللَّهَ (٤) قَسَمَ المَوارِيثَ على العَدَدِ، يكونُ الأخْوَةُ مُتَفاضِلِين في الغَناءِ عن المَيِّتِ، والصِّلَةِ في الحياةِ، والحِفْظِ بعدَ الموتِ، فلا يُفَضَّلُون، وقَسَم رسولُ اللَّهِ ﷺ أربعةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ على العَدَدِ، ومنهم مَن يُغْنِى غايةَ الغَناءِ، ويكونُ الفَتْحُ على يَدَيْه، ومنهم مَن يكونُ مَحْضَرُه إمَّا غيرُ نافِعٍ، وإمَّا ضَررٌ بالجُبْنِ والهزِيمَةِ، وذلك أنَّهم
стр. 4851
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اسْتَوَوْا سبَبِ الاسْتِحْقاقِ، وهو انْتِصابُهم للجِهادِ، فصاروا كالغانِمِين. قال شيْخُنا (١): والصَّحيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، أنَّ ذلك مُفَوَّضٌ إلى اجْتهادِ الإِمام، يَفْعَلُ ما يَراه مِن تَسْوِيَةٍ وتَفْضِيلٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ النبىِّ ﷺ في الأَنْفَالِ، وهذا في مَعْناه. وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه فَرَض للمُهاجِرِين مِن أهْلِ بَدْرٍ خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلافٍ، ولأهْلِ بَدْرٍ مِن الأنْصارِ أربعةَ آلافٍ أربعةَ آلافٍ، وفَرَض لأهْلِ الحُدَيْبيَةِ ثلاثةَ آلافٍ ثلاثةَ آلافٍ، ولأهْلِ الفَتْحِ ألْفَيْن ألْفَيْن (٢).
فصل: قال القاضى: ويَتَعَرَّفُ قَدْرَ حاجَةِ أهْلِ العَطاءِ وكِفايَتِهِم، ويَزِيدُ ذا الوَلَدِ مِن أجْلِ ولَدِه، وذا الفَرَسِ مِن أجْلِ فَرَسِه. وإن كان له عَبِيدٌ في مصالِحِ الحَرْب، حُسِبَتْ مُؤْنَتُهم في كِفايهم، وإن كانُوا لِزينَةٍ أو تِجارَةٍ، لم تُحْسَبْ مُؤْنتَهم. ويَنْظُرُ في أسْعارِهم في بُلْدانِهم؛ لأنَّ أسْعارَ البلادِ تَخْتَلِفُ، والغَرَضُ الكِفايَةُ، ولهذا تُعْتَبَرُ الذُّرِّيَّةُ والوَلَدُ، فيَخْتَلِفُ عَطاؤُهم لاخْتلافِ ذلك. وإن كانوا سَواءً في الكِفايةِ، لا يُفَضِّلُ بعْضَهم
стр. 4852
وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ، دُفِعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقُّهُ.
ــ
على بعضٍ، وإنَّما تَتَفاضَلُ كِفايَتُهم، ويُعْطَوْن قَدْرَ كِفايَتِهم، في كلِّ عامٍ مَرَّةً. وهذا، واللَّه أعلمُ، على قَوْلِ مَن رَأْى التَّسْوِيَةَ. فأمَّا مَن رأى التَّفْضِيلَ، فإنَّه يُفَضِّلُ أهلَ السَّوابِقِ والغَناءِ في الإِسْلامِ على غيرِهم، بحَسَبِ ما يَراه كما فَعَل عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولم يُقَدِّرْ ذلك بالكِفايَةِ. والعَطاءُ الواجِبُ لا يكونُ إلَّا لبالغ يُطِيقُ مِثْلُه القِتالَ، ويكونُ عاقِلًا حُرًّا بَصِيرًا صحيحًا، ليس به مَرَضٌ يَمْنَعُه القِتالَ، فإن مَرِض الصَّحِيحُ مَرَضًا غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، كالزَّمانَةِ ونحوِها، خرَج مِن المُقاتِلَةِ، وسَقَطَ يسهْمُه، فإن كان مَرَضًا مَرْجُوَّ الزَّوالِ، كالحُمَّى والصُّدَاعِ والبِرْسامِ (١)، لم يَسْقُطْ عَطاؤُه؛ لأنَّه في حُكْمِ الصَّحيحِ، ولذلك لا يَستَنِيبُ في الحَجِّ، كالصَّحِيحِ.
١٤٨١ - مسألة: (وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ، دُفِعَ إِلَى وَرَثَتِهِ حَقُّه) لأنَّه مات بعدَ الاسْتِحْقاقِ، فانْتَقَلَ حَقه إلى وارِثِه، كسائِرِ
стр. 4853
وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، دُفِعَ إِلَى امْرأَتهِ وَأوْلَادِه الصِّغَارِ كِفَايَتُهُمْ، فَإِذَا بَلَغَ ذُكُورُهُمْ، فَاخْتَارُوا أنْ يَكُونُوا في المُقَاتِلَةِ،
ــ
المَوْرُوثاتِ.
١٤٨٢ - مسألة: (ومَن مات مِن أجْنادِ المُسْلِمين، دُفِع إلى امْرَأتِه وأوْلادِه الصِّغارِ ما يَكْفِيهم) لأنَّ فيه تَطيِيبَ قُلوبِ المُجاهِدين، فمتى عَلِمُوا أنَّ عِيالَهم يُكْفَوْن المُؤْنَةَ بعدَ مَوْتِهم، توَفَّرُوا على الجِهادِ، وإذا عَلِمُوا خِلافَ ذلك، تَوَفَّرُوا على الكَسْبِ، وآثرُوُه على الجهادِ؛ مَخافَةَ الضَّيْعَةِ على عِيالِهم، ولهذا قال أبو خالدٍ القَنانِىُّ (١):
لقد زادَ الحياةَ إلىَّ حُبًّا ... بنَاتِى إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعافِ
مَخافَةَ أن يَرَيْنَ الفَقْرَ بَعْدِى ... وأن يَشْرَبْنَ رَنْقًا (٢) بعدَ صَافِ
وأن يَعْرَيْن إن كُسِىَ الجَوَارِى ... فتَنْبُو العَيْنُ عن كَرَمٍ عِجَافِ
ولَوْلا ذاك قد سَوَّمْتُ مُهْرِى ... وفى الرِّحْمنِ للضُّعَفاءِ كافِ
ومتى تَزَوَّجَتِ المرأةُ سَقَطَ حَقُّها؛ لأنَّها خرَجَتْ عن عِيالِ المَيِّتِ.
١٤٨٣ - مسألة: (فإذا بَلَغ ذُكُورُهم، فاخْتارُوا أن يكُونُوا في
стр. 4854
فُرِضَ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَارُوا، تُرِكُوا.
ــ
المُقاتِلَةِ، فُرِضَ لهم، وإن لم يَخْتَارُوا، تُرِكوا) ويَسْقُطُ حَقُّهم مِن عَطاءِ المُقاتِلَةِ.
стр. 4855
بَابُ الْأَمَانِ
يَصِحُّ أَمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، ذَكَرًا كَانَ أو أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُطْلَقًا أو أَسِيرًا. وَفِى أَمَانِ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ.
ــ
بَابُ الْأَمَانِ
(يَصِحُّ أمَانُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ، ذَكَرًا كَانَ أو أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُطْلَقًا أو أَسِيرًا. وَفِى أَمانِ الصَّبِىِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَتَانِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الأمانَ إذا أُعْطِىَ أهلَ الحَرْبِ، حَرُم قَتْلُهم ومالُهم والتَّعرُّضُ لهم. ويَصِحُّ مِن كلِّ مُسْلم بالغٍ عاقلٍ مُخْتارٍ، ذكرًا كان أَو أُنْثَى، حُرًّا أو عبدًا. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ القاسمِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهُ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ: لا يَصِحُّ أمانُ العبدِ، إلَّا أن يكونَ مَأْذُونًا له في القِتالِ؛ لأنَّه لا يَجِبُ عليه الجِهادُ، فلا يَصِحُّ أمانُه، كالصَّبِىِّ، ولأنَّه مَجْلُوبٌ مِن دارِ الحَرْبِ، فلا يُؤْمَنُ أن يَنْظُرَ لهم في تقْدِيمِ مصْلَحَتِهم. ولَنا، ما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سعيدٌ (١). ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّفٌ، فصَحَّ أمانُه، كالحُرِّ والمَرْأةِ. وما ذَكَرُوه من التُّهْمَةِ يَبْطُلُ بما إذا أُذِن له في القِتالِ، فإنَّه يَصِحُّ أمانُه، وبالمرأةِ.
فصل: ويَصِحُّ أمانُ المرأةِ، في قولِ الجميعِ. قالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: إن كانتِ المرأةُ لتجِيرُ على المسلمين فيَجُوزُ. وعن أُمِّ هانِىٌّ، أنَّها قالت: يا رسولَ اللَّهِ، قد أجَرْتُ أحْمائِى، وأغْلَقْتُ عليهم، وإنَّ ابنَ أُمِّى أرادَ قَتْلَهم. فقال لها رسولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَجرْنَا مَنْ أَجرْتِ يَا أُمِّ هَانِئٍ، إِنَّمَا يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدنَاهُم». رَواهما سعيدٌ (٢). وأجارَت زينبُ بنتُ رسولِ اللَّهِ ﷺ أبا العاصِ بنَ الرَّبِيعِ، فأمْضاهُ رسولُ اللَّهِ
стр. 4858
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ (١).
فصل: ويَصِحُّ أمانُ الأسِيرِ إذا عَقَدَه غيرَ مُكْرَهٍ؛ لدُخُولِه في عُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّف مُخْتَارٌ، أشْبَهَ غيرَ الأسِيرِ. وكذلك يَصِحُّ أمانُ الأجِيرِ والتّاجِرِ في دارِ الحَرْبِ. وبهذا قال الشافعىّ. وقال الثَّوْرِىُّ: لا يَصِحُّ أمانُ أحَدٍ منهم. ولَنا، عُمُومُ الحديثِ، والقِياسُ. فأمَّا الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يَصِحُّ أمانُه. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، ولا يَلْزمُه بقَولِه حكْمٌ، فلا يَلْزَمُ غيرَه، كالمَجْنونِ. والثانيةُ، يَصِحُّ أمانُه. وهو قولُ مالكٍ. قال أبو بكرٍ: يَصِحُّ أمانُه، رِوايَةً واحدةً. وحَمَل رِوايةَ المَنْعِ على غيرِ المُمَيِّزِ (٢)، واحْتَجَّ بعُمُومِ الحدِيثِ، ولأنَّه مسلمٌ عاقِلٌ، فصَحَّ أمانُه، كالبالِغِ، بخِلافِ المجنونِ، فإنَّه لا قَوْلَ له أصْلًا.
فصل: ولا يَصِحُّ أمانُ كافِرٍ، وإن كان ذِمِّيًّا؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: «ذِمَّةُ المسلمين وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ». فجَعَل الذِّمَّةَ للمسلمين، فلا تَحْصُلُ لغيرِهم، ولأنَّه مُتَّهمٌ على الإِسلامِ وأهْلِه، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ.
стр. 4859
وَيَصِحُّ أمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَانُ الْأمِيرِ لِمَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ،
ــ
ولا يَصِحُّ أمانُ مَجْنونٍ، ولا طِفْلٍ؛ لأنَّ كَلامَه غيرُ مُعْتَبَرٍ، فلا يَثْبُتُ به حُكْم. ولا يَصِحُّ أمانُ زائِلِ العَقْلِ بنَوْمٍ أو سُكْرٍ أو إغْماءٍ؛ لذلك، ولأنَّه لا يَعْرِفُ المَصْلَحَةَ مِن غيرِها، أشْبَهَ المَجْنونَ. ولا يَصِحُّ مِن مُكرَهٍ؛ لأنَّه قولٌ أُكْرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ، كالإِقْرارِ.
١٤٨٤ - مسألة: (وَيَصِحُّ أمَانُ الإِمَامِ لِجَمِيعِ الكُفَّارِ) وآحادِهم؛ لأنَّ وِلايَتَه عامَّةٌ على المسلمين. (و) يصِحُّ (أمانُ الأميرِ لمَن
стр. 4860
وَأَمَانُ أحَدِ الرَّعِيَّةِ لِلْوَاحِدِ، وَالْعَشَرَةِ، وَالْقَافِيَةِ.
ــ
جُعِل بإزائِه) مِن الكُفَّارِ، فأمَّا في حقِّ غيرِهم، فهو كآحادِ المسلمين، لأنَّ وِلايتَه على قتالِ أولئكَ دُونَ غيرِهم. (و) يَصِحُّ (أمانُ أحَدِ الرَّعِيَّةِ للواحِدِ، والعَشَرَةِ، والقافِلَةِ) الصَّغيرةِ، والحِصْنِ الصغيرِ، لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أجازَ أمانَ العَبْدِ لأهْلِ الحِصْنِ الَّذى ذَكَرْنا حَدِيثَه. ولا يَصِحُّ أمانُه لأهْلِ بَلْدَةٍ، ورُسْتاقٍ، وجَمْعٍ كثيرٍ، لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعْطيلِ الجهادِ، والافْتِياتِ على الإِمامِ. ويَصِحُّ أمانُ الإِمامِ للأسيرِ بعدَ الاسْتِيلاءِ عليه؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أمَّنَ الهُرْمُزانَ وهو أسيرٌ. رَواه سعيدٌ (١). ولأنَّ الأمانَ دُونَ المَنِّ عليه، وقد
стр. 4861
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جازَ المَنُّ عليه. فأمَّا أحَدُ الرَّعِيَّةِ، فليس له ذلك. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وذَكَر أبو الخَطَّابِ، أنَّه يَصِحُّ أمانُه؛ لأنَّ زينبَ بنتَ رسولِ اللَّهِ ﷺ أجارَتْ زَوْجَها أبا العاصِ بعدَ أسْرِه، فأمْضاهُ النبىُّ ﷺ . وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ. ولَنا، أنَّ أمْرَ الأسِيرِ مُفَوَّضٌ إلى الإِمامِ، فلم يَجُر الافْتِياتُ عليه بما يَمْنَعُه ذلك، كقَتْلِه. وحَدِيثُ زينبَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، في أمانِها، إنَّمَا صَحَّ بإجازَةِ النبىِّ ﷺ .
فصل: وإذا شَهِد للأسِيرِ اثْنان أوْ أكثرُ مِن المسلمين، أنَّهم أمَّنُوه، قُبِلَ، إذا كانُوا بصِفَةِ الشُّهودِ. وقال الشافعىُّ: لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم؛ لأنَّهم يَشْهَدُون على فِعْلِ أنْفُسِهم. ولَنا، أنَّهم عُدولٌ مِن المسلمين، غيرُ مُتَّهَمِين، شَهِدُوا بأمَانِه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ، كما لو شَهِدُوا على غيرِهم أنَّه أمَّنَه. وما ذَكَره لا يَصِحُّ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قَبِلَ شَهادَةَ المُرْضِعَةِ على فِعْلِها، في حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ الحارِثِ (١). فإنْ شَهِد واحدٌ: إنِّى أمَّنْتُه. فقال
стр. 4862
وَمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ: أَنْتَ آمِنٌ. أوْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ. أوْ: أَجَرْتُكَ. أَوْ: قِفْ. أوْ: أَلْقِ سِلَاحَكَ. أوْ: مَتَرْس. فَقَدْ أَمَّنَهُ.
ــ
القاضِى: قياسُ قَوْلِ أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ، كما لو قال الحاكِمُ بعدَ عَزْلِه: كُنْتُ حَكَمْتُ لفُلانٍ على فُلانٍ بحَقٍّ. فإنَّه يُقْبَلُ قوْلُه. وعلى قَوْلِ أبى الخَطّابِ: يَصِحُّ أمانُه، فقُبِلَ خبرُه به (١)، كالحاكِمِ في حَالِ وِلايَتِه. وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنَّه ليس له أن يُؤَمِّنَه في الحالِ، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه به، كما لو أقَرَّ بحَقٍّ على غيرِه. وهذا قولُ الشافعىِّ.
١٤٨٥ - مسألة: (ومَن قال لكافِرٍ: أنْتَ آمِنٌ. أو: لا بَأْسَ عَلَيك. أو: أجَرْتُكَ. أو: قِفْ. أو: ألْقِ سِلاحَكَ. أو: مترس (٢). فَقَدْ أَمَّنَهُ) قد ذَكَرْنا مَن يصِحُّ أمانُه، وقد ذكَرْنا ههُنا صِفَةَ الأمانِ. والذى
стр. 4863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَرَد به الشَّرْعُ لَفْظَتان؛ أجَرتُكَ، وأمَّنْتُكَ. قال اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (١). وقال النبىُّ ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ، وأمَّنَّا مَنْ أمَّنْتِ» (٢). وقال: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أبِى سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» (٣). وفى معنى ذلك قولُه: لا تَخَفْ. لا تَذْهَلْ. لا تَخْشَ. لا خوْفَ عَلَيك. لا بَأْسَ عَلَيك. وقد رُوِى عن عُمَرَ، أنَّه قال: إذا قُلْتُم: لا بَأْسَ. أو: لا تَذْهَلْ. أو: مترس. فقد أمَّنْتُموهم؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ (٤). ورُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال للهُرْمُزانِ: تَكَلَّمْ، ولا بَأْسَ عليك. فلمَّا تَكَلَّمَ، أمرَ عُمَرُ بقَتْلِه، فقال أنَسُ بنُ مالكٍ: ليس لك إلى ذلك سبيلٌ، قد أمَّنْتَه. قال عُمَرُ: كلَّا. فقال الزُّبَيْرُ: إنَّك قد قُلْتَ: تَكَلَّمْ، ولا بأْسَ عليك. فدَرَأ عنه عُمَرُ القَتْلَ. روَاه سعيدٌ وغيرُه (٥). ولا نعْلَمُ في هذا كلِّه خِلافًا. وأمَّا إن قال له: قِفْ. أو: قُمْ. أو: ألْقِ سِلاحَكَ. فقال أصْحابُنا: هو أمانٌ أيضًا؛ لأنَّ
стр. 4864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكافِرَ يَعْتَقِدُ هذا أمانًا، فأشْبَهَ قَوْلَه: أمَّنْتُك. وقال الأوْزَاعِىُّ: إنِ ادَّعَى الكافِرُ أنَّه أمانٌ، وقال: إنَّما وقَفْتُ لذلك. فهو آمِنٌ، وإن لم يَدَّعِ ذلك، فلا يُقْبَلُ. قال شيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أنَّ هذا ليس بأمانٍ؛ لأنَّ لَفْظَه لا يُشْعِرُ به، وهو يُسْتَعْمَلُ للإِرْهابِ والتَّخْوِيفِ، فأشْبَهَ قوْلَه: لأقْتُلَنَّك. لكن يُرْجَعُ إلى القائِلِ، فإن قال: نَوَيْتُ به الأمانَ. فهو أمانٌ. وإن قال: لم أُرِدْ أمانه. نَظَرْنا في الكافِرِ؛ فإن قال: اعْتَقَدْتُه أمانًا. رُدَّ إلى مَأْمَنِه، ولمِ يَجُزْ قَتْلُه، وإن لم يَعْتَقِدْه أمانًا فليس بأمانٍ، كما لو أشارَ إليهم بما اعْتَقَدُوه أمانًا.
فصل: فإن أشارَ إليهم بما اعْتَقَدُوه أمانًا، وقال: أرَدْتُ به الأمانَ. فهو أمانٌ، وإن قال: لم أُرِدْ به الأمانَ. فالقَوْلُ قوْلُه؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّتِه. فإن خَرَج الكُفَّارُ مِن حِصْنِهم بِناءً على أنَّ هذه الإِشارَةَ أمان، لم يَجُزْ قَتْلُهم، ويُرَدُّون إلى مَأْمَنِهم. فقد قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: واللَّهِ لو أنَّ أحَدَكُم أشارَ بإصْبَعِه إلى السَّمَاءِ إلى مُشْرِكٍ، فنَزَلَ بأمانِه، فقَتَلَه، لقَتَلْتُه به. رَواه سعيدٌ (٢). وإن ماتَ المُسلمُ أو غابَ، فإنَّهم يُرَدُّون إلى مَأْمَنِهم. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. فإن قيل: فكيف صَحَّحْتُم الأمانَ بالإِشارَةِ، مع القُدْرَةِ على النُّطْقِ، بخِلافِ البَيْعِ والطَّلاقِ والعِتْقِ؟ قُلْنا: تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، كما حُقِنَ دَمُ مَن له شُبْهَةُ كتابٍ؛ تَغْلِيبًا لحَقْنِ دَمِه،
стр. 4865
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّ الكُفَّارَ في الغالِبِ لا يَفْهَمُون كلامَ المسلمين، ولا يَفْهَمُ المسلمون كَلامَهم، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى الإِشارَةِ، بخِلافِ غيرِه. ومَن قال لكافِرٍ: أنْتَ آمِنٌ. فرَدَّ الأمانَ، لم يَنْعَقِدْ، لأنَّه إيجابُ حَقٍّ بعَقْدٍ، فلم يَصِحَّ مع الرَّدِّ، كالبَيْعِ، وإن قَبِلَه ثم رَدَّه انْتَقَضَ، لأنَّه حَقٌّ له، فسَقَطَ بإسْقاطِه، كالرِّقِّ.
فصل: إذا سُبِيَتْ كافِرَةٌ، وجاءَ ابْنُها يَطْلُبُها، وقال: إنَّ عِنْدِى أسِيرًا مُسْلِمًا، فأطْلِقُوها حتَّى أُحْضِرَه. فقال الإِمامُ: أحْضِرْه. فأحْضَرَه، لَزِم إطْلاقُها؛ لأنَّ المفْهُومَ مِن هذا إجَابَتُه إلى ما سألَ. فإن قال الإِمامُ: لم أُرِدْ إجابَتَه. لم يُجْبَرْ على تَرْكِ أسِيرِه، ورُدَّ إلى مَأْمَنِه. وقال أصحابُ الشافعىِّ: يُطْلَقُ الأسِيرُ، ولا تُطْلَقُ المُشْرِكَةُ، لأنَّ المسلمَ حُرٌّ لا يجوزُ أن يكونَ ثَمَنَ مَمْلْوكَةٍ، ويُقالُ: إنِ اخْتَرْتَ شِراءَها، فَائْتِ بثَمَنِها. ولَنا، أنَّ هذا يُفْهَمُ منه الشَّرْطُ، فوَجَبَ الوَفاءُ به، كما لو صَرَّح به، ولأنَّ الكافِرَ فَهِم منه ذلك، وبَنَى عليه، فأشْبَهَ ما لو فَهِم الأمانَ مِن الإِشارَةِ. وقولُهم: لا يكونُ الحُرُّ ثَمَنَ مَمْلُوكَةٍ. قُلْنا: لكنْ يصْلُحُ أن يُفادَى بها، فقد فادَى النبىُّ ﷺ بالأسِيرَةِ التى أخَذَها مِن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ رَجُلَيْن (١) مِن المسلمين (٢)، وفادَى رَجُلَيْن (١) مِن المسلمين بأسِيرٍ مِن الكُفَّارِ (٣)، ووَفَّى لهم برَدِّ مَن جاءَ مسلمًا، وقال: «إنَّهُ لَا يَصْلُحُ في