وَإِنْ مَلَكُوا دَارًا عَالِيَةً مِنْ مُسْلِمٍ، لَمْ يَجِبْ نَقْضُهَا. وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِحْدَاثِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ، وَلَا يُمْنَعُونَ رَمَّ شَعَثِهَا،
ــ
١٥٢٤ - مسألة: (وإن مَلَكُوا دارًا عالِيَةً مِن مُسْلِمٍ، لم يَجِبْ نَقْضُها) لأنَّهم مَلَكُوها على هذهِ الصِّفَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ؛ لقَوْلِهم فيما شَرَطُوا على أنْفُسِهم: ولا نَطَّلِعَ عليهم في مَنازِلِهم. ولقَوْلِه ﵇: «الإِسْلامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى».
١٥٢٥ - مسألة: (ويُمْنَعُون مِن إحْداثِ الكَنائِسِ والبِيَعِ، ولا
стр. 4972
وَفِي بِنَاءِ مَا اسْتَهْدَمَ مِنْهَا رِوَايَتَانِ.
ــ
يُمْنَعُون رَمَّ شَعَثِها. وفى بِناءِ ما اسْتَهْدَمَ منها رِوايَتان) أمْصارُ المُسْلِمِين ثلاثةُ أقْسامٍ؛ أحدُها، ما مَصَّرَه المُسْلِمُون، كالبَصْرَةِ والكُوفَةِ وبغدادَ وواسِطَ، فلا يَجُوزُ فيه إحْداثُ كنيسةٍ ولا بِيعَةٍ ولا مُجْتَمَعٍ لصلاتِهم، ولا يَجُوزُ صُلْحُهم على ذلك؛ لِما رُوِى عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قال: أيُّما مِصْرٍ مَصَّرَتْه العربُ، فليس للعَجَمِ أن يَبْنُوا فيه بِيعَةً، ولا يَضْرِبُوا فيه ناقُوسًا، ولا يَشْرَبُوا فيه خمرًا، ولا يتَّخِذُوا فيه خِنْزِيرًا. رَواه الإِمامُ أحمدُ (١)، واحْتَجَّ به. ولأنَّ هذا البلَدَ مِلْكٌ
стр. 4973
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للمُسْلِمِين، فلا يَجُوزُ أن يَبْنُوا فيه مَجامِعَ للكُفْرِ. وما وُجِدَ في هذه البلادِ مِن البِيَعِ والكنائِسِ، مثلَ كنيسةِ الرُّومِ في بغدادَ، فهذه كانت في قُرَى أهْلِ الذِّمَّةِ، فأُقِرَّتْ على ما كانتْ عليه. القسمُ الثانى، ما فَتَحَه المُسْلِمون عَنْوَةً، فلا يَجُوزُ إحْداثُ شئٍ مِن ذلك فيه؛ لأنَّها صارَتْ مِلْكًا للمُسْلِمين، وما فيه مِن ذلك ففيه وجهان؛ أحدُهما، يَجبُ هَدْمُه، وتَحْرُمُ تَبْقِيَتُه؛ لأنَّها بلادٌ مَمْلُوكَةٌ للمُسْلِمِين، فلم يَجُزْ أن تكُوَنَ فيها بِيعَةٌ، كالبلادِ التى اخْتَطَّها المُسْلِمُون. والثانى، يَجُوزُ؛ لأنَّ في حديثِ ابنِ عَباسٍ: أيُّما مِصْرٍ مَصَّرَتْه العَجَمُ، ثم فَتَحَه اللَّهُ على العَرَبِ، فنزَلُوه، فإنَّ للعَجَمِ ما في عَهْدِهم. ولأنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فتَحُوا كثيرًا مِن البلادِ عَنْوَةً، فلم يَهْدِمُوا شيئًا مِن الكنائِسِ. ويَشْهَدُ بصِحَّةِ هذا وجودُ
стр. 4974
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكنائِسِ والبِيَعِ في البلادِ التى فُتِحَتْ عَنْوَةً، ومعلومٌ أنَّها لم تُحْدَثْ، فلَزِمَ أن تكونَ موْجُودةً فأُبْقِيَتْ. وقد كَتَب عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى عُمّالِه: أن لا تَهْدِمُوا بِيعَةً ولا كنِيسَةً ولا بَيْتَ نارٍ. ولأنَّ الإِجْماعَ قد حَصَلَ على ذلك، فإنَّها موجودَةٌ في بلادِ المُسْلِمِين مِن غيرِ نَكِيرٍ. القسمُ الثالثُ، ما فُتِحَ صُلْحًا، وهو نَوْعان؛ أحدُهما، أن يُصالِحَهم على أنَّ الأرْضَ لهم، ولنا الخَراجُ عنها، فلهم إحْداثُ ما يخْتارون؛ لأنَّ الدّارَ لهم. الثانى، أن يُصالِحَهم على أنَّ الدّارَ للمُسْلِمين، فالحُكْمُ في البِيَعِ والكنائِسِ على ما يَقَعُ عليه الصُّلْحُ، مِن إحْداثِ ذلك، وعِمارَتِه؛ لأنَّه إذا جاز أن يُصالِحَهم على أنَّ الكُلَّ لهم، جاز أن يُصالَحُوا على أنَّ بعضَ البلدِ لهم، ويكُون مَوْضِعُ الكنائِسِ والبِيَعِ مُعَيَّنًا (١). والأَوْلَى أن يُصالِحَهم على ما صالَحَهم عليه عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه،
стр. 4975
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَشْتَرِطَ عليهم الشُّرُوطَ المذْكُورَةَ في كتابِ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، وفيه: أن لا تُحْدِثُوا كنِيسَةً، ولا بِيعَةً، ولا صَوْمَعَةَ راهبٍ، ولا قلايةً. وإن وَقَع الصُّلْحُ مُطْلَقًا مِن غيرِ شَرْطٍ، حُمِلَ (١) على ما وَقَع عليه صُلْحُ عُمَرَ وأُخِذُوا بشُرُوطِه. فأمّا الذين صالَحَهُم عُمَرُ وعَقَد معهم الذِّمَّةَ، فهم على ما في كتابِ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، مأْخُوذُون بشُرُوطِه كلِّها، وما وَجَدُوا في بلادِ المسلمين مِن الكنائِسِ والبِيَعِ، فهى على ما كانتْ عليه في زَمَنِ مَن فَتَحَها ومَن بعدَهم. وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا بجَوَازِ إقْرارِها، لم يَجُزْ هَدْمُها، ولهم رَمُّ ما تَشَعَّث منها، وإصْلاحُها؛ لأنَّ المَنْعَ مِن ذلك يُفْضِى إلى خَرابِها، فجَرَى مَجْرَى هَدْمِها. فأمّا إنِ اسْتَهْدَمَتْ كلُّها، ففيها رِوايتان؛ إحْدَاهما، لا يَجُوزُ. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ. والثانيةُ، يَجُوزُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه بناءٌ لِما اسْتَهْدَمَ، أشْبَهَ بِناءَ بعضِها إذا انْهَدَمَ، ورَمَّ شَعَثِها، ولأنَّ اسْتِدامَتَها جائزَةٌ، وبناؤُها كاسْتِدامَتِها. وحَمَل الخَلَّالُ قولَ أحمدَ: لهم أن يَبْنُوا ما انْهَدَمَ منها. على ما إذا انْهَدَمَ بعضُها، ومَنْعَه مِن بناءِ ما انْهَدَمَ، على ما إذا انْهَدَمَتْ كلُّها، فجَمَعَ بين الرِّوايَتَيْنِ. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّ في كتابِ أهْلِ الجزِيرَةِ لعياضِ (٢) بنِ غَنْمٍ: ولا نُجَدِّدَ ما خَرِبَ مِن
стр. 4976
وَيُمْنَعُونَ إِظْهَارَ الْمُنْكَرِ، وَضَرْبَ النَّاقُوسِ، وَالْجَهْرَ بِكِتَابِهِمْ.
ــ
كَنائِسِنا. وروَى كثيرُ بنُ مُرَّةَ، قال (١): سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُبْنَى الْكَنِيسَةُ فِى الإِسْلَامِ، وَلَا يُجَدَّدُ مَا خَرِبَ مِنْهَا» (٢). ولأنَّه بِناءُ كنِيسَةٍ في دارِ الإِسلامِ، فلم يَجُزْ، كما لو ابْتدأَ بناءَها. وفارَقَ رَمَّ ما شَعَثَ؛ فإنَّه إبْقاءٌ واسْتِدامَةٌ، وهذا إحْداثٌ.
١٥٢٦ - مسألة: (ويُمْنَعُون) مِن (إظْهارِ المُنْكَرِ، وضَرْبِ النّاقُوسِ، والْجَهْرِ بِكتابِهم) ئمْنَعُونَ مِن إظْهارِ المُنْكَرِ؛ كالخمرِ والخِنْزِيرِ، وضَرْب النّاقُوسِ، ورَفْعِ أصْواتِهم بكتابِهم، وإظْهارِ أعْيادِهم وصُلُبِهم؛ لَأنَّ في شُرُوطِهم لعبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ: أن لا نَضْرِبَ نَواقِيسَنا إلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا في جَوْفِ كنائِسِنا، ولا نُظْهِرَ عليها صَلِيبًا،
стр. 4977
وَإِنْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، لَمْ يُمْنَعُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
ــ
ولا نَرْفَعَ أصْواتَنا في صلاةٍ، ولا القراءَةِ في كنائِسِنا فيما يَحْضُرُه المُسْلِمُون، وأن لا نُخْرِجَ صَلِيبًا ولا كتابًا في سُوقِ المُسْلمِين، وأن لا نَخْرُجَ باعُوثًا ولا شَعانِينَ، ولا نَرْفَعَ أصْواتَنا مع مَوْتانا، وأن لا نُجاوِرَهم بالخنازِيرِ، ولا نُظْهِرَ شِرْكًا. وقد ذَكَرْنا بَقِيَّةَ الكتابِ.
١٥٢٧ - مسألة: (وإن صُولِحُوا في بِلادِهم على إعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يُمْنَعُوا شَيْئًا مِن ذلِك) ولم يُؤْخَذُوا بغِيارٍ ولا زُنّارٍ، ولا تَغْيِيرِ شُعُورِهم، ولا مَراكِبهم؛ لأنَّهم في بُلْدانِهم، فلم يُمْنَعُوا مِن إظْهارِ دِينِهم، كأهْلِ الحَرْبِ (١) في الهُدْنَةِ.
стр. 4978
وَيُمْنَعُونَ دُخُولَ الْحَرَمِ.
ــ
١٥٢٨ - مسألة: (ويُمْنَعُونَ) مِن (دُخُولِ الحَرَمِ) وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لهم دُخولُه، كالحجازِ، ولا يَسْتَوْطِنون به، ولهم دُخولُ الكَعْبَةِ، والمَنْعُ مِن الاسْتِيطانِ لا يَمْنَعُ الدُّخُولَ والتَّصَرُّفَ، كالحجازِ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١). والمرادُ به الحَرَمُ، بدَليلِ قولِه سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (٢). وإنَّما أُسْرِىَ به مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وهو خارجُ المسجدِ. ويخالِفُه الحجازُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى مَنَع منه مع إذْنِه في الحجازِ، فإنَّ هذه الآيَةَ نَزَلَتْ واليَهُودُ بخَيْبَرَ والمدينةِ وغيرِهما مِن الحجازِ، ولم يُمْنَعُوا الإِقامَةَ به، وأوَّلُ مَن أجْلاهُم عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. ولأنَّ الحَرَمَ أشْرَفُ؛
стр. 4979
فَإِنْ قَدِمَ رَسُولٌ لَابُدَّ لَهُ مِنْ لِقَاءِ الْإِمَامِ، خَرَجَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ دَخَلَ، عُزِّرَ وَهُدِّدَ، فَإِنْ مَرِضَ فِى الْحَرَمِ، أَوْ مَاتَ، أُخْرِجَ، وَإِنْ دُفِنَ، نُبِشَ، إِلَّا أنْ يَكُونَ قَدْ بَلِىَ.
ــ
لتَعَلُّقِ النُّسُكِ به، ويَحْرُمُ شَجَرُه وصَيْدُه والمُلْتَجِئُ إليه، فلا يَصِحُّ قياسُ غيرِه عليه.
١٥٢٩ - مسألة: (فإن قَدِمَ رَسُولٌ لَا بُدَّ له مِن لِقاءِ الإِمامِ، خَرَج إليه، ولم يَأْذَنْ له، فإن دَخَل، عُزِّرَ وهُدِّدَ) وأُخْرِجَ (فإن مَرِضَ، أو مات، أُخْرِجَ، وإن دُفِنَ، نُبِشَ) وأُخْرِجَ (إلَّا أن يكُونَ قد بَلِىَ) إذا أرادَ كافِرٌ الدُّخولَ إلى الحَرَمِ، مُنِعَ على ما ذَكَرْنا. فإن كانت معه تِجارَةٌ أو مِيرَةٌ، خَرَج إليه مَنْ يَشْتَرِى منه، ولم يُمَكَّنْ مِن الدُّخولِ؛ للآيةِ. وإن كان رسولًا إلى الإِمامِ بالحَرَمِ، خَرَج إليه مَن يَسْمَعُ رِسالَتَه، فإن قال: لا بُدَّ لى مِن لقاءِ الإِمامِ. خَرَج إليه الإِمامُ، ولم يَأْذَنْ له، فإن دَخَل عالِمًا بالمَنْعِ، عُزِّرَ، وإن دَخَل جاهِلًا، هُدِّدَ وأُخْرِجَ. فإن مَرِضَ بالحَرَمِ أو ماتَ، أُخْرِجَ ولم يُدْفَنْ به؛ لأنَّ حُرْمَةَ الحَرَمِ أعْظَمُ. ويُفارِقُ الحجازَ مِن وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ دُخولَه إلى الحَرَم حَرامٌ، وإقامَتَه به حَرامٌ، بخلافِ الحجازِ. والثانى، أنَّ خروجَه مِن الحَرَمِ سَهْلٌ مُمْكِنٌ؛ لقُرْبِ الحِلِّ منه، وخُروجَه مِن الحجازِ في مَرَضِه صَعْبٌ مُمْتَنِعٌ. وإن دُفِنَ،
стр. 4980
وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ بِالحِجَازِ؛ كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَخَيْبَرَ.
ــ
نُبِشَ وأُخْرِجَ، لأنَّه إذا لم يَجُزْ دُخولُه في حياتِه، فدَفْنُ جِيفَتِه أوْلَى أن لا يَجُوزَ، فإن كان قد بَلِىَ، أو يَصْعُبُ إخْراجُه؛ لنَتَنِه وتَقَطُّعِه، تُرِكَ؛ للْمَشَقَّةِ فيه.
فصل: فإن صالَحَهم الإِمامُ على دُخولِ الحَرَمِ بعِوَضٍ، فالصُّلْحُ باطِلٌ. فإن دَخَلُوا إلى المَوْضِعِ الذى صالَحَهم عليه، لم يُرَدَّ عليهم العِوَضُ؛ لأنَّهم قد اسْتَوْفَوْا ما صالَحَهم عليه. وإن وَصَلُوا إلى بعضِه، أُخِذَ مِنِ العِوَضِ بقَدْرِه. ويَحْتَمِلُ أن يُرَدَّ عليهم العِوَضُ بكلِّ حالٍ، لأنَّ ما اسْتَوْفوْه لا قِيمَةَ له، والعَقْدُ لم يُوجِبِ العِوَضَ؛ لبُطْلانِهِ.
١٥٣٠ - مسألة: (ويُمْنَعُون مِن الإِقامَةِ بالحِجازِ؛ كالمدِينَةِ واليَمَامَةِ وخَيْبَرَ) وفَدَكَ وما والاها. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ. إلَّا أنَّ مالِكًا قال: أرَى أن يُجْلَوْا مِن أرْضِ العربِ كلِّها؛ لأنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «لَا يَجْتَمِعُ (١) دِينَانِ فِى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (٢). وروَى أبو داودَ (٣)،
стр. 4981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بإسْنادِه عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ والنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَلَا أَتْرُكُ فِيهَا إلَّا مُسْلِمًا». قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ. وعن ابنِ عباسٍ، قال: أوْصَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بثلاثَةِ أشياءَ، قال: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ». وسكتَ عن الثالِثِ. رَواه أبو داوُدَ (١). وجزيرَةُ العَربِ ما بينَ الوادِى إلى أقْصَى اليَمَنِ. قاله سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ. وقال الأصْمَعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: هى مِن ريفِ العراقِ إلى عَدَن طُولًا، ومِن تِهامَةَ وما وَرَاءَها إلى أطْرافِ الشامِ عَرْضًا. وقال أبو عُبَيْدَةَ: هى مِن حَفْرِ أبى مُوسَى (٢) إلى اليَمَنِ طُولًا، ومِن رَمْلِ يَبْرِينَ (٣) إلى مُنْقَطَعِ السَّماوَةِ (٤) عَرْضًا. وقال الخليلُ: إنَّما قيلَ لها جزيرةُ العَرَبِ؛ لأنَّ بحرَ الحَبَشِ (٥) وبحرَ فارِسَ والفُراتَ قد أحاطَتْ بها، ونُسِبَتْ إِلى العربِ؛ لأنَّها أرْضُها ومَسْكَنُها ومَعْدِنُها. قال أحمدُ: جزيرَةُ العربِ المدينةُ وما والاها. يعنى أنَّ المَمْنُوعَ مِن سُكْنَى
стр. 4982
فَإِنْ دَخَلُوا لِتِجَارَةٍ، لَمْ يُقِيمُوا فِى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
ــ
الكُفّارِ به المدينةُ وما والاها، وهو مَكَّةُ والمدينةُ وخَيْبَرُ واليَنْبُعُ. وقيلَ: ومخالِيفُها، وما والاها. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّهم لم يُجْلَوْا مِن تَيْماءَ (١)، ولا مِن اليَمَنِ. وقد رُوِى عن أبى عُبَيْدَةَ بنِ الجَرّاحِ، أنَّه قال: آخِرُ ما تَكَلَّمَ به النبىُّ ﷺ ، أنَّه قال: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنَ الْحِجَازِ» (٢). وأمّا إخْراجُ أهلِ نَجْرانَ منه، فلأنَّ النبىَّ ﷺ صالَحَهم على تَرْكِ الرِّبا، فنَقَضوا عَهْدَه (٣). فكأنَّ جزيرَةَ العربِ في تلك الأحاديثِ أُرِيدَ بها الحجازُ، وإنَّما سُمِّىَ حِجازًا؛ لأنَّه حَجَزَ بينَ تِهامَةَ ونَجْدٍ.
١٥٣١ - مسألة: (فإن دَخَلُوا لتِجارَةٍ، لم يُقِيمُوا في مَوْضِعٍ واحدٍ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أيّامٍ) يَجُوزُ لهم دُخُولُ الحجازِ للتِّجارَةِ؛ لأنَّ النَّصارَى كَانوا يَتَّجِرُون إلى المدينةِ في زَمَنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وأتاه شيخٌ
стр. 4983
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالمدينةِ، وقال: أنا الشَّيْخُ النَّصْرانِىُّ، وإنَّ عامِلَك عَشَرَنِى مَرَّتَيْن. فقال عُمَرُ: وأنا الشَّيْخُ الحَنِيفُ. وكَتَب له عُمَرُ، ألَّا يُعْشَرُوا في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً (١). فعلى هذا لا يأْذَنُ لهم في الإِقامَةِ أكْثَرَ مِن ثلاثَةِ أيَّامٍ، على ما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ثم ينْتَقِلُ عنه. وقال القاضى: يُقِيمُون أربعةَ أيّامٍ، حَدَّ ما يُتِمُّ المُسافِرُ الصلاة. والحُكمُ في دخُولِهم إلى الحجازِ في اعْتِبارِ الإِذْنِ، كالحُكْمِ في دُخولِ أهْلِ الحربِ دارَ الإِسلامِ، لا يَجُوزُ إلَّا بإذْنِ الإِمامِ، فيَأْذَنُ لهم إذا رأَى المصْلَحَةَ فيه.
стр. 4984
فَإِنْ مَرِضَ، لَمْ يُخْرَجْ حَتَّى يَبْرأَ، وَإِنْ مَاتَ، دُفِنَ بِهِ.
ــ
١٥٣٢ - مسألة: (فإن مَرِضَ، لم يُخْرَجْ حتى يَبْرَأَ، وإن ماتَ، دُفِنَ به) إذا مَرِضَ بالحجازِ، جازَتْ له الإِقامَةُ لمشَقَّةِ الانْتِقالِ على المريضِ، وتَجُوزُ الإِقامَةُ لمَن يُمَرِّضُه؛ لأنَّه لا يَسْتَغْنِى عنه. فإن كان له دَيْنٌ حالٌّ أُجْبِرَ غَرِيمُه على وَفائِه، فإنْ تَعَذَّرَ وفاؤُه (١) لمَطْلٍ، أو تَغَيُّبٍ، فيَنْبَغِى أنْ تَجُوزَ له الإِقامَةُ، ليَسْتَوْفِىَ دَيْنَه؛ لأنَّ التَّعَدِّىَ مِن غيرِه، وفى إخْراجِه ذَهابُ مالِه. وإن كان الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، لم يُمَكَّنْ مِن الإِقامَةِ، ويُوَكِّلُ مَن يَسْتَوْفِيه له؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ منه. وإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى الإِقامَةِ لِيَبِيعَ بِضاعَتَه، احْتَمَلَ الجوازَ؛ لأنَّ في تَكْلِيفِه تَرْكَها أو حَمْلَها معه ضَياعَ مالِه، وذلك ممّا يَمْنَعُ مِن الدُّخولِ إلى الحجازِ بالبضائعِ، فتَفُوتُ مصْلَحَتُهم، وتَلْحَقُهم المَضَرَّةُ بانْقِطاعِ الجَلَبِ عنهم. ويَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ مِن الإِقامَةِ؛ لأنَّ له مِن الإِقامَةِ بُدًّا. فإن أرادَ الانْتِقالَ إلى مكانٍ آخَرَ مِن الحجازِ، جاز، ويُقِيمُ فيه أيضًا ثلاثةَ أيامٍ، أو أربعةً، على الخلافِ فيه،
стр. 4985
وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَيْمَاءَ وَفَيْدَ وَنَحْوِهِمَا. وَهَلْ لَهُمْ دُخُولُ الْمَسَاجِدِ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
وكذلك إنِ انْتَقَلَ منه إلى مكانٍ آخرَ، ولو حَصَلَتِ الإِقامَةُ في الجميعِ شهرًا. وإذا ماتَ بالحجازِ، دُفِنَ؛ لأنَّه يَشُقُّ نَقْلُه، وإذا جازَتِ الإِقامَةُ للمرِيضِ، فدَفْنُ المَيِّتِ أوْلَى.
١٥٣٣ - مسألة: (ولَا يُمْنَعُونَ مِن تَيْماءَ وفَيْدَ (١) ونَحْوِهما) لأنَّ عُمَرَ لم يَمْنَعْهم مِن ذلك.
١٥٣٤ - مسألة: (وهل لهم دُخُولُ المساجِدِ بإذْنِ مُسْلِمٍ؟ على رِوايَتَيْن) لا يجُوزُ لهم دُخولُ مساجدِ الحِلِّ بغيرِ إذْنِ المُسْلِمِين؛ لِما رَوَتْ أُمُّ غُرابٍ (٢)، قالت: رأيتُ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عَنه، على المِنْبَرِ، وبَصُرَ بمَجُوسِىٍّ، فنَزَلَ، فضَرَبَه وأخْرَجَه مِن أبْوابِ كِنْدَةَ. فإن أُذِنَ لهم في
стр. 4986
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دُخُولِها، جازَ، في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قَدِمَ عليه وفْدٌ مِن أهْلِ الطائِفِ، فأنْزَلَهمِ في المَسْجِدِ قبلَ إسْلامِهم (١). وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: كان أبو سُفْيان يَدْخُلُ مَسْجِدَ المدينَةِ وهو على شِرْكِه. وقَدِمَ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ، فدَخَلَ المَسْجِدَ والنبىُّ ﷺ فيه ليَفْتِكَ به، فرَزَقَه اللَّهُ الإِسلامَ (٢). وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، ليس لهم دُخولُه بحالٍ؛ لأنَّ أبا موسى دَخَل على عُمَرَ ومعه كتابٌ قد كُتِبَ فيه حسابُ عَمَلِه، فقال له عُمَرُ: ادْعُ الذى كَتَبَه ليَقْرَأَه. قال: إنَّه لا يدْخُلُ المَسْجِدَ. قال: ولِمَ لا يَدْخُلُ المَسْجِدَ؟ قال: إنَّه نَصْرانِىٌّ. فانْتَهَرَه عُمَرُ (٣). وهذا اتِّفاقٌ منهم على أنَّه
стр. 4987
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يدْخُلُ المَسْجِدَ، وفيه دليلٌ على شُهْرَةِ ذلك بينَهم، وتَقْرِيرِه عندَهم؛ لأنَّ حَدَثَ الحَيْضِ والجنابَةِ والنِّفاسِ يَمْنَعُ الإِقامَةَ في المَسْجِدِ، فحَدَثُ الشِّرْكِ أوْلَى. والأُولَى أصَحُّ؛ لأنَّه لو كان مُحَرَّمًا لَما أقَرَّهم عليه النبىُّ ﷺ .
стр. 4988
فصلٌ: وَإِنِ اتَّجَرَ ذِمِّىٌّ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، ثُمَّ عَادَ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ
ــ
فصل: قال أحمدُ، في الرجلِ له المرأةُ النَّصْرانِيَّةُ: لا يَأْذَنُ لها أن تَخْرُجَ إلى عيدٍ، أو تَذْهَبَ إلى بِيعَةٍ، وله أن يَمْنَعَها ذلك. وكذلك في الأَمَةِ. قيل له: أله أن يَمْنَعَها مِن شُرْبِ الخَمْرِ؟ قال: يأْمُرُها، فإن لم تَقْبَلْ، فليس له مَنْعُها. قيل له: فإنْ طَلَبَتْ منه أن يَشْتَرِىَ لها زُنّارًا؟ قال: لا يَشْتَرِى زُنّارًا، تخْرُجُ هى تَشْتَرِى لنَفْسِها.
(فصل) قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (وإنِ اتَّجَرَ ذِمِّىٌّ إلى غير بلَدِه، ثم
стр. 4989
الْعُشْرِ.
ــ
عادَ، فعليه نِصْفُ العُشْرِ) وقال الشافعىُّ: ليس عليه إلَّا الجِزْيَةُ، إلَّا أن يَدْخُلَ أرْضَ الحجازِ، فيُنْظَرَ في حالِه؛ فإن كان لرسالَةٍ، أو نَقْلِ مِيرَةٍ، أذِنَ له بغيرِ شئٍ، وإن كان لتِجارَةٍ لا حاجَةَ بأهْلِ الحجازِ إليها، لم يَأْذَنْ له إلَّا أن يَشْتَرطَ عليه، عِوَضًا بحَسَبِ ما يراه. والأَوْلَى أن يَشْتَرِطَ نِصْفَ العُشْرِ؛ لأنَّ عُمَرَ شَرَط نِصْفَ العُشْرِ على مَن دَخَل الحجازَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ (١). ولَنا، ما روَى أبو داودَ (٢)، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ، إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ والنَّصَارَى». وعن أنَسِ بنِ سِيرِينَ، قال: بَعَثَنِى أنَسُ بنُ مالكٍ إلى العُشُورِ، فقلْتُ: بَعَثْتَنِى إلى العُشُورِ مِن بينِ عُمّالِك! قال: ألا تَرْضَى أن أجْعَلَك على ما جَعَلَنِى عليه عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؟ أمَرَنِى أن آخُذَ مِن المُسْلِمِين رُبْعَ العُشْرِ، ومِن أهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشْرِ. رَواه الإِمامُ أحمدُ (٣). وهذا كان بالعراقِ. وروَى أبو عُبَيْدٍ، في كتابِ «الأمْوالِ» (٤)، بإسْنادِه عن
стр. 4990
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَاحِقِ بنِ حُمَيْدٍ (١)، أنَّ عُمَرَ بَعَث عثمانَ بنَ حُنَيْفٍ إلى الكُوفَةِ، فجَعَلَ على أهْلِ الذِّمَّةِ في أمْوالِهم التى يَخْتَلِفُون فيها، في كلِّ عشرِينَ دِرْهمًا دِرْهمًا. وهذا كان بالعراقِ، واشْتَهَرَتْ هذه القِصصُ، وعَمِلَ بها الخلفاءُ بعدَه، ولم يُنْكَرْ ذلك، فكان إجْماعًا، ولم يَأْتِ تخْصِيصُ الحجازِ بنِصْفِ العُشْرِ في شئٍ مِن الأحاديثِ عن عُمَرَ ولا غيرِه فيما عَلِمْناه. ولأنَّ ما وَجَب في الحجازِ مِن الأمْوالِ، وَجَب في غيرِه، كالدُّيونِ والصَّدَقاتِ إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ في ذلك بينَ بَنِى تَغْلِبَ وغيرِهم. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ التّغْلِبىَّ يُؤْخَذُ منه العُشْرُ، ضِعْفَ ما يُؤْخَذُ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، لِما روَى بإسْنادِه عن زِيادِ بنِ حُدَيْرٍ، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بَعَثَه مُصَدِّقًا، فأمَرَه أن يَأْخُذَ مِن نَصارَى بنى تَغْلِبَ العُشْرَ، ومِن نَصارَى أهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشْرِ. رَواه أبو عُبَيْدٍ (٢). قال: والعملُ على حَدِيثِ داودَ بنِ كُرْدُوسٍ، والنُّعْمانِ بنِ زُرْعَةَ، وهو أن يكونَ عليهم الضِّعْفُ ممّا على المُسْلِمِين، ألا تسْمَعُه يقولُ: مِن كلِّ عشرِين دِرْهمًا دِرْهمٌ؟ وإنَّما يُؤْخَذُ مِن المُسْلِمِين مِن كلِّ أربعين دِرْهمًا دِرْهَمٌ، فذلك ضِعْفُ هذا. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وهو أقْيَسُ؛ فإنَّ الواجِبَ في سائِر أمْوالِهم ضِعْفُ ما على المُسْلِمِين، لا ضِعْفُ ما على أهْلِ الذِّمَّةِ.
فصل: ولا يُؤْخَذُ مِن غيرِ مالِ التِّجارَةِ شئٌ، فلو مرَّ بالعاشِرِ منهم
стр. 4991
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُنْتقِلٌ، ومعه أموالُه أو سائِمةٌ، لم يُؤْخَذْ منه شئٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، ﵀، إلَّا أن تكونَ الماشِيَةُ للتِّجارَةِ، فيُؤْخَذَ منها نِصفُ العُشْرِ.
فصل: واخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في العاشرِ يمرُّ عليه الذِّمِّىُّ بخَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، [فقال: عُمَرُ قال في مَوْضِعٍ] (١): وَلُّوهُمْ بَيْعَها. لا يكونُ إلَّا على الآخِذِ منها. وروَى بإسْنادِه، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ، في قولِ عُمَرَ: وَلُّوهُمْ بَيْعَ الخمرِ والخنزِيرِ بعُشْرِها (٢). قال أحمدُ: إسْنادُه جَيِّدٌ. وممَّن رأَى ذلك مَسْرُوقٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. وبه قال محمدُ بنُ الحسَنِ في الخَمْرِ خاصَّةً. وذَكَر القاضى أنَّ أحمدَ نَصَّ على أنَّه لا يُؤْخَذُ. وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ: الخمرُ لا يَعْشِرُها مسلمٌ. ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ عُتْبَةَ ابنَ فَرْقَدٍ بَعَث إليه بأربعين ألفَ دِرْهَم صَدَقَةَ الخمرِ، فكَتَبَ إليه عُمَرُ: بَعثْتَ إلَىَّ بصَدَقَةِ الخمرِ، وأنتَ أحَقُّ بها مِن المهاجرين. فأخْبَرَ بذلك النّاسَ، وقال: واللَّهِ لا اسْتَعْمَلْتُكَ على شئٍ بعدَها. قال: فنَزَعَه (٣). قال أبو عُبَيْدٍ: مَعْنَى قولِ عُمَرَ: وَلُّوهُم بَيْعَها، وخُذُوا أنتم مِن الثَّمَنِ. أنَّ المُسْلِمِين كانُوا يَأْخُذونَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ الخمرَ والخَنازِيرَ مِن جِزْيَتِهم، وخَراجِ أرْضِهم بقِيمَتِها، ثم يتَوَلَّى المُسْلِمون بَيْعَها، فأنْكَرَه
стр. 4992
وَإنِ اتَّجَرَ حَرْبِىٌّ إِلَيْنَا، أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ
ــ
عُمَرُ، ثم رَخَّصَ لهم أن يَأْخُذُوا مِن أثْمانِها، إذا كان أهْلُ الذِّمَّةِ المُتَوَلِّينَ لبَيْعِها. وروَى بإسْنادِه، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ، أنَّ بِلالًا قال لعُمَرَ: إنَّ عُمّالَك يأْخُذُون الخمرَ والخنازِيرَ في الخراجِ. فقال: لا تأْخُذُوه، ولكنْ وَلُّوهم بيْعَها، وخُذُوا أنتم (١) مِن الثَّمَنِ.
فصل: وإذا مَرَّ الذِّمِّىُّ بالعاشِرِ (٢)، وعليه دَيْنٌ [بقَدْرِ ما معه، أو] (٣) يَنْقُصُ ما معه عن النِّصابِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ ذلك يَمْنَعُ أخْذَ نِصْفِ العُشْرِ منه؛ لأنَّه حَق يُعْتَبَرُ له النِّصابُ والحَوْلُ، فمَنَعَه الدَّيْنُ، كالزَّكاةِ. فإنِ ادَّعَى الدَّيْنَ، احْتاجَ إلى بَيِّنةِ مُسْلِمَيْن. وإن مَرَّ بجارِيَةٍ، فادَّعَى أنَّها ابْنَتُه أو أخْتُه، قُبِلَ قوْلُه في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ مِلْكِه. والثانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّها في يَدِه، أشْبَهَتِ البَهِيمَةَ، ولأنَّه تُمْكِنُه إقامَةُ البَيِّنَةِ.
١٥٣٥ - مسألة: (وإنِ اتَّجَرَ حَرْبِىٌّ إلَيْنا، أُخِذَ منه العُشْرُ، ولا
стр. 4993
دَنَانِيرَ،
ــ
يُؤْخَذُ مِن أقَلَّ مِن عَشرَةِ دَنانِيرَ) هذا قولُ أحمدَ، ﵀. وقال أبو حنيفةَ: لا يُؤْخَذُ منهم شئٌ، إلَّا أن يكونوا يأْخُذون مِنّا شيئًا، فنأخُذُ منهم مِثْلَه؛ لِما رُوِى عن أبى مِجْلَزٍ، قال: قالُوا لعُمَرَ: كيف نأخذُ مِن أهْلِ الحَرْبِ إذا قَدِمُوا علينا؟ قال: كيف يأخُذُون منكم إذا دَخَلْتُم إليهم؟ قالوا: العُشْرَ. قال: فكذلك خُذُوا منهم (١). وعن زِيادِ بنِ حُدَيْرٍ، قال: كُنّا لا نعْشِرُ مُسْلِمًا ولا مُعاهِدًا. قال: مَن كنْتُم تَعْشِرُون؟ قال: كُفّارَ أهلِ الحَرْبِ، نَأْخُذُ منهم كما يأخُذُون مِنّا (٢). وقال الشافعىُّ: إن دَخَل إلينا لِتجارَةٍ لا يحْتاجُ إليها المُسْلِمون، لم يأْذَنْ له الإِمامُ إلَّا بعِوَضٍ يَشْرُطُه، وما شَرَطه جازَ. ويُسْتَحَبُّ أن يَشْرُطَ العُشْرَ؛ لِيُوافِقَ فِعْلَ عُمَرَ،
стр. 4994
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَضِىَ اللَّهُ عنه. وإن أذِنَ مُطْلَقًا مِن غيرِ شَرْطٍ، فالمَذْهَبُ أنَّه لا يُؤْخَذُ منهم شئٌ؛ لأنَّه أمان مِن غيرِ شَرْطٍ، فلم يُسْتَحَقَّ به شئٌ، كالهُدْنَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يَجبَ العُشْرُ؛ لأنَّ عُمَرَ أخَذَه. ولَنا، ما رَوَيْناه في المسألةِ التى قبلَها، ولأَنَّ عُمَرَ أخَذَ منهم العُشْرَ، واشْتَهَر ذلك فيما بينَ الصحابَةِ، وعَمِلَ به الخلفاءُ بعدَه، والأئِمَّةُ في كلِّ عصرٍ، مِن غيرِ نَكِيرٍ، فأىُّ إجْماعٍ يكونُ أقْوَى مِن هذا؟ ولم يُنْقَلْ عنه أنَّه شَرَط عليهم ذلك عندَ دُخُولِهم، ولا يثْبُتُ ذلك بالظَّنِّ مِن غيرِ نَقْلٍ، ولأنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ يُحْمَلُ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ، وقد اشْتَهَرَ أخْذُ العُشْرِ منهم في زَمَنِ الخلفاء الرَّاشدين، فيجِبُ أخْذُه. فأمّا سؤالُ عُمَرَ عَما يأْخُذُون مِنّا، فإنَّما كان لأَنَّهم سألُوا عن كيْفِيَّةِ الأخْذِ ومِقْدارِه، ثم اسْتَمَرَّ الأخْذُ مِن غيرِ
стр. 4995
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سؤالٍ، ولو تقَيَّدَ أخْذُنا منهم بأخْذِهم مِنّا، لوَجَبَ أن يُسْأَلَ عنه في كلِّ وقْتٍ.
فصل: ويُؤْخَذُ منهم العُشْرُ في كلِّ مالٍ للتِّجارَةِ، في ظاهِر كلامِه ههُنا. وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ. وقال القاضى: إن دَخَلُوا في نَقْلِ مِيرَةٍ بالنّاسِ إليها حاجَةٌ، أُذِنَ لهم في الدُّخولِ بغيرِ عُشْرٍ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ في دُخُولِهم نَفْعَ المسلمين. ولَنا، عُمومُ ما رَوَيْناه. وقد روَى صالِحٌ، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِىٍّ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن عُمَرَ، أنَّه كان يَأخذُ مِن النَّبَطَ مِن القُطْنِيَّةِ (١) العُشْرَ، ومِن الحِنْطَةِ والزَّبِيبِ نِصْفَ العُشْرِ؛ ليَكْثُرَ الحِمْلُ إلى المدينةِ (٢). فعلى هذا، يَجُوزُ للإِمامِ التَّخْفِيف عنهم إذا رَأى المَصْلَحَةَ فيه، وله التَّرْكُ أيضًا إذا رَأَى المَصْلَحَةَ؛ لأنَّه فَىْءٌ، فمَلَكَ تَخْفِيفَه وتَرْكَه، كالخَراجِ.
стр. 4996
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُؤْخَذُ العُشْرُ مِن كلِّ حَرْبِىٍّ تاجِرٍ، ونصْفُ العُشْرِ مِن كلِّ ذِمِّىٍّ تاجرٍ، ذَكرًا كان أو أُنْثَى، صغيرًا أو كبيرًا. وقال القاضى: ليس على المرأَةِ عُشْرٌ ولا نِصْفُ عُشْرِ، سواءٌ كانت حَرْبِيَّةً أو ذِمِّيَّةً، لكن إن دَخَلَتِ الحجازَ عُشِرَتْ؛ لأنَّها ممْنُوعَةٌ مِن الإِقامَةِ به. قال شيْخُنا (١): ولا يُعْرَفُ هذا التَّفْصِيلُ عن أحمدَ، ولا يَقْتَضِيه مَذْهَبُه؛ لأنَّه يُوجِبُ الصَّدَقَةَ في أمْوالِ نِساءِ بنى تَغْلِبَ وصِبْيانِهم، فكذلك يُوجِبُ العُشْرَ ونِصْفَه في مالِ النِّساءِ، وعُمومُ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ ليس فيها تَخْصِيصٌ للرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، وليس هذا بجِزْيَةٍ، إنَّما هو حَقٌّ يخْتَصّ بمالِ التِّجارَةِ، لتَوَسُّعِه في دارِ الإِسلامِ، وانْتِفاعِه بالتجارَةِ فيه، فيَستَوِى فيه الذَّكَرُ والأُنثَى، كالزَّكاةِ في حَقِّ المسلمين.
стр. 4997
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: واخْتلفَتِ الرِّوايَةُ في القَدْرِ الذى يُؤْخَذُ منه العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ، فروَى صالِحٌ عنه في نِصْفِ العُشْرِ، مِن كلِّ عشرين دِينارًا دِينارٌ. يعنى فإذا نَقَصَتْ عن العشرين فليس عليه شئٌ؛ لأنَّ ما دُونَ النِّصابِ لا يَجِبُ فيه زَكاةٌ على مسلمٍ، ولا على تَغْلِبىٍّ، فلا يَجِبُ على ذِمِّىٍّ، كالذى دُونَ العَشَرَةِ. وروَى صالِحٌ أيضًا، أنَّه قال: إذا مَرُّوا بالعاشِرِ، فإن كانوا أهْلَ الحَرْبِ، أخَذَ منهم العُشْرَ؛ مِن العَشَرَةِ واحدًا، فإن كانُوا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، أخَذَ منهم نِصْفَ العُشْرِ؛ مِنِ كلِّ عشرين دِينارًا دينارًا فإذا نَقَصَتْ فليس عليه شئٌ. وإن نقَص مالُ الحَرْبِىِّ عن عَشَرَةِ دَنانيرَ، لم يُؤْخَذْ منه شئٌ، ولا يُؤْخَذُ منهم إلَّا مَرَّةً واحدةً؛ المُسْلِمُ والذِّمِّىُّ في ذلك سواءٌ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ في العَشَرَةِ نصف مِثْقالٍ، وليس فيما دُونَ العَشَرَةِ شئٌ. نَصَّ عليه في روايَةِ أبى الحارثِ، قال: قلتُ: إذا كان مع الذِّمِّىِّ عَشَرَةُ دنانيرَ؟ قال: نأْخُذُ منه نِصْفَ دِينارٍ. قلتُ: فإنْ كان معه أقَل مِن عَشَرَةِ دنانيرَ؟ قال: إذا نَقَصَتْ لم يُؤْخَذْ منه شئٌ. وذلك
стр. 4998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّ العَشَرَةَ مالٌ يبْلُغُ واجبُه نصفَ دِينارٍ، فوَجَبَ فيه، كالعشرين في حَقِّ المُسْلِمِ. ولأنَّه مالٌ معْشُورٌ، فوَجَبَ في العَشَرَةِ منه، كمالِ الحْرْبِىِّ. وقال ابنُ حامِدٍ: يُؤْخَذُ عُشْرُ الحَرْبِىِّ، ونصف عُشْرِ الذِّمِّىِّ، من كلِّ مالٍ، قَلَّ أو كَثُرَ؛ لأنَّ عُمَرَ قال: خُذْ مِن كلِّ عشرين دِرْهَمًا دِرْهمًا. ولأنَّه حَقٌّ عليه، فوَجَبَ في قَلِيله وكثيرِه، كنَصِيبِ (١) المالكِ في أرْضه التى عامَلَه عليها. ولَنا، أنَّه عُشْرٌ ونصفُ عُشْرٍ وَجَب بالشَّرْعِ، فاعْتُبِرَ له نِصابٌ، كزكاةِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ (٢)، ولأنَّه حَقٌّ يَتَقَدَّرُ بالحَوْلِ، فاعْتُبِرَ له النِّصابُ، كالزَّكاةِ. وأمّا قولُ عُمَرَ، فالمُرادُ به، واللَّهُ أعلمُ، بيانُ قَدْرِ المَأْخُوذِ، وأنَّه نِصفُ العُشْرِ، ومَعْناه: إذا كان معه عَشَرَةُ دنانيرَ فخُذْ مِن كلِّ عشرين دِرْهمًا دِرهمًا؛ لأنَّ في صَدْرِ الحدِيثِ أنَّ عُمَرَ بَعث (٣)
стр. 4999
وَيؤْخَذُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِىِّ كُلَّمَا دَخَلَ إلَيْنَا.
ــ
مُصَدِّقًا وأمَرَه أن يأخُذَ مِن المسلمين مِن كلِّ أربعين درهمًا درهمًا، ومِن أهلِ. الذِّمَّةِ مِن كلِّ عشرين درهمًا درهمًا، ومِن أهلِ الحَرْبِ مِن كلِّ عشرةٍ واحدًا. وإنَّما يُؤْخَذُ ذلك مِن المُسْلِمِ إذا كان معه نِصابٌ، فكذلك مِن غيرِهم.
١٥٣٦ - مسألة: (ويُؤْخَذُ) منه في (كلِّ عامٍ مَرَّةً. وقال ابنُ حامِدٍ: يُؤْخَذُ مِن الحَرْبِىِّ كلَّما دَخَل إلَيْنا) لا يُعْشَرُ الذمِّىُّ ولا الحَرْبِىُّ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لِما روَى الإِمامٌ أحمدُ بإسْنادِه، قال: جاءَ شيخٌ نَصْرَانِىٌّ إلى عُمَرَ، فقال: إنَّ عامِلَك عَشرَنِى في السَّنَةِ مَرَّتَيْن. قال: ومَن أنت؟ قال: أنا الشَّيْخُ النَّصْرانِىُّ. فقال: وأنا الشَّيْخُ الحَنِيفُ.
стр. 5000
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم كَتَب إلى عامِلِه: لا تَعْشِرُوا في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً (١). ولأنَّ الجِزْيَةَ والزَّكاةَ إنَّما تؤْخَذُ في السَّنَةِ مَرَّةً، فكذلك هذا. ومتى أخَذَ منهم ذلك مَرَّةً، كَتَب لهم حُجَّةً بأدائِهم؛ لتكونَ وَثِيقَةً لهم، وحُجَّةً على مَن يَمُرُّون عليه، فلا يَعْشِرُهم ثانيةً، إلَّا أن يكونَ معه أكْثَرُ مِن المالِ الأوَّلِ، فيَأْخُذَ مِن (٢) الزِّيادَةِ؛ لأنَّها لم تُعْشَرْ. وحُكِىَ عن أبى عبدِ اللَّهِ ابنِ حامدٍ، أنَّ الحَرْبِىَّ يُعْشَرُ كُلَّما دَخَل إلينا. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّنا لو أخَذْنا منه واحِدَةً، لا نَأمَنُ أن يدْخُلُوا، فإذا جاءَ وقْتُ السَّنَةِ، لم يدْخُلُوا، فيَتَعَذَّرُ الأخْذُ منهم. ولَنا، أنَّه حَق يُؤْخَذُ مِن التِّجارَةِ، فلا يُؤْخَذُ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، كنِصْفِ العُشْرِ مِن الذِّمِّىِّ. وقَوْلُهم: يَفُوتُ. لا يَصِحُّ (٣)؛ فإنَّه يُؤْخَذُ منه أوَّلَ ما يَدْخُلُ مَرَّةً، ويَكْتُبُ الآخِذُ له بما أخَذَ منه، ثم لا يُؤْخَذُ منه شئٌ حتى تَمْضِىَ تلك السَّنَةُ، فإذا جاءَ في العامِ الثانى، أُخِذَ منه في أوَّلِ ما يَدْخُلُ، فإن لم يَدْخُلْ، فما فاتَ مِن حَقِّ السَّنَةِ الأُولَى شئٌ.
стр. 5001
وَعَلَى الإِمَامِ حِفْظُهُمْ، وَالْمَنْعُ مِنْ أَذَاهُمْ، واسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ.
ــ
١٥٣٧ - مسألة: (وعلى الإِمام حِفْظُهم، والمَنْعُ مِن أذاهم، واسْتِنْقاذُ مَن أُسِرَ منهم) تَلْزَمُه حِمايَتُهم مِنَ المُسْلِمِين وأهلِ الحربِ وأهلِ الذِّمَّةِ، لأنَّه الْتَزَمَ بالعَهْدِ حِفْظَهم، ولهذا قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إنَّما بَذَلُوا الجزْيَةَ لتكونَ دِماؤُهم كدِمائِنا وأمْوالُهم كأمْوالِنا. وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في وَصِيَّتِه للخليفةِ بعدَه: وأُوصِيه بأهلِ ذِمَّةِ المُسْلِمين خَيرًا، أن يُوفِىَ لهم بعَهْدِهم، ويُحاطُوا مِن ورائِهم (١). ويَجِبُ فِداءُ أسْراهم، سواءٌ كانوا في مَعُونَتِنا أو لم يكونوا. وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، واللَّيْثِ، لأنَّنا الْتَزَمْنا حِفظَهم بمُعاهَدَتِهم، وأخْذِ جِزْيتهم، فَلَزِمَنا القِتالُ مِن وَراثِهم، والقِيامُ دُونَهم، فإذا عَجَزْنا عن ذلك وأمْكَنَنا تَخلِيصُهم، لَزِمَنا ذلك. وقال القاضى:
стр. 5002
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنَّما يَجِبُ فِداؤُهم إذا اسْتعانَ بهم الإِمامُ في قِتالٍ فسُبُوا، وَجَب عليه فِداؤُهم؛ لأنَّ أسْرَهم كان لمَعْنًى مِن جِهَتِه. وهو المنْصُوصُ عن أحمدَ. ومتى وَجَب فِداؤُهم، فإنَّه يَبْدأ بفِداءِ المسُلِمِين قَبْلَهم؛ لأنَّ حُرْمَةَ المُسْلِمِ أعْظَمُ، والخوْفَ عليه أشَدُّ، وهو مُعَرَّضٌ للفِتْنَةِ عن دِينِ الحَقِّ، بخلافِ أهلَ الذِّمَّةِ.
فصل: ومَن هَرَب منهم إلى دارِ الحَرْبِ ناقِضًا للعَهْدِ، عاد حَرْبًا (١) حُكْمُه حُكْمُ الحَرْبِىِّ، سواءٌ كان رجُلًا أو امرأةً، ومتى قُدِرَ عليه، أُبِيحَ منه ما يُباحُ مِن الحَرْبِىِّ؛ مِن القَتْلِ، والأسْرِ، وأخْذِ المالِ. فإن هَرَب بأهْلِه وذُرِّيَّته، أُبِيحَ مِن البالِغين (٢) منهم ما يُباحُ مِن أهْلِ الحَرْبِ، ولم يُبَحْ سَبْىُ الذُّرِّيَّةِ؛ لأنَّ النَّقْضَ إنَّما وُجِدَ مِن البالِغين دُونَ الذُّرِّيَّةِ. وإن نقَضَتْ طائِفَة مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، جازَ غزْوُهم وقِتالُهم. وإن نَقَضَ بعضُهم دُونَ بعضٍ، اخْتَصَّ حُكْمُ النَّقْضِ بالنّاقِضِ. وإنْ لم ينْقُضُوا، لكن خافَ النَّقْضَ منهم، لم يَجُزْ أنْ يَنْبِذَ إليهم عَهْدَهم؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لِحَقِّهم،
وَإِنْ تَبَايَعُوا بُيُوعًا فَاسِدَةً، وَتَقَابَضُوا، لَمْ يَنْقُضْ فِعْلَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا، فَسَخَهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَاكِمُهُمْ أَوْ لَا.
ــ
طلاقٍ أو إيلاءٍ أو ظِهارٍ، فإن شاء أعداها، وإن شاء تَرَكَهما، على الرِّوايَةِ الأُولى. فإن أحْضَرَتْ زَوْجَها، حَكَم عليه بحُكْمِ المُسْلِمِين في مثلِ ذلك. فإن كان قد ظاهَرَ منها، مَنَعَه وَطْأَها حتى يُكَفِّرَ، وتَكْفِيرُه بالإِطْعامِ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ منه الصَّوْمُ، ولا يَصِحُّ شِراوه للعَبْدِ المُسْلِمِ، ولا تَمَلُّكُه.
١٥٣٩ - مسألة: (وإن تَبايَعُوا بُيُوعًا فاسِدَةً، وتَقابَضُوا، لم يَنْقُضْ فِعْلَهم) لأنَّه عَقْدٌ تَمَّ قبل إسْلامِهم على مَا يَجُوزُ ابْتِداءُ العَقْدِ عليه، فأُقِرُّوا عليه ولم يُنْقَضْ، كأنْكِحَتِهم (وإن لم يَتَقابَضُوا، فَسَخَه، سواءٌ كان قد حَكَمَ بينَهم حاكِمُهم أوْ لا) لأنَّه عَقْدٌ لَم يَتِمَّ، ولا يجوزُ الحُكْمُ بإتْمامِه؛
стр. 5006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكَوْنِه فاسِدًا، فتَعَيَّنَ نَقْضُه، وحُكْمُ حاكِمِهم وُجُودُه كعَدَمِه؛ لأنَّ مِن شَرْطِ الحاكِمِ النّافِذَةِ أحْكامُه الإِسْلامَ، ولم يُوجَدْ.
فصل: سُئِلَ أحمدُ، ﵀، عن الذِّمِّىِّ يُعامِلُ بالرِّبا، ويَبِيعُ الخمرَ والخِنْزِيرَ، ثم يُسْلِمُ وذلك المالُ في يَدِه، فقال: لا يَلْزَمُه أن يُخرِجَ منه شيئًا؛ لأنَّ ذلك مَضَى في حالِ كُفْرِه، فأشْبَهَ نِكاحَه في الكُفرِ إذا أسْلَمَ. وسُئِلَ عن المَجُوسِيَّيْن يجْعلانِ ولَدَهُما مُسْلِمًا، فيمُوتُ وهو ابنُ خمسِ سنِينَ، فقال: يُدْفَنُ في مقابِرِ المُسْلِمِين؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِه أو يُنَصِّرَانِه أو يُمَجِّسَانِهِ» (١). يعنى أنَّ هذَيْن لم يُمَجِّساه، فَبَقِىَ على الفِطْرَةِ. وسُئِلَ عن أطْفالِ المُشْرِكِين، فقال: أذْهَبُ إلى قولِ النبىِّ ﷺ : «اللَّه (٢) أعلمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» (٣). قال: وكان ابنُ عباسٍ
стр. 5007
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقولُ: «وَأبَوَاه يُهَوِّدَانِه ويُنَصِّرَانِه». حتى سَمِعَ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِين». فتَرَكَ قَوْلَه. وسألَه ابنُ الشافعىِّ، فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ، ذَرارِىُّ المُشْرِكِين أو المُسْلِمِين؟ فقال: هذه مَسائِلُ أهْلِ الزَّيْغِ. وقال أبو عبدِ اللَّهِ: سألَ بِشْرُ بنُ السَّرِىِّ سُفْيانَ الثَّوْرِىَّ، عن أطْفالِ المُشرِكِين، فصاحَ به، وقال: يا صَبِىُّ، أنت تسأَلُ عن هذا؟ قال أحمدُ: ونحن نُمِرُّ هذه الأحاديثَ على ما جاءَتْ، ولا نقولُ شيئًا. وسُئِلَ عن أطْفالِ المُسْلِمِين، فقال: ليس فيه اختلافٌ أنَّهم في الجَنَّةِ. وذَكَرُوا له حديثَ عائِشَةَ، الذى قالتْ فيه: عُصْفور مِن عَصافِيرِ الجنَّةِ (١). فقال: وهذا حَدِيثٌ! وذَكَرَ فيه رجلًا ضعَّفَه طَلْحَةُ. وسُئِلَ عن الرجلِ يُسْلِمُ بشَرْطِ أن لا يُصَلِّى إلَّا صلَاتيْن، فقال: يَصِحُّ إسْلامُه، ويُؤْخذُ بالخَمْسِ. وقال: مَعْنَى حديثِ حَكِيمِ بنِ حزامٍ: بايَعْتُ النبىَّ ﷺ أن لا أخِرَّ إلَّا قائِمًا (٢). أنَّه لا يَرْكَعُ في الصَّلاةِ، بل يَقْرأُ ثم يَسْجُدُ مِن غيرِ
стр. 5008
وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِىٌّ، أَوْ تَنَصَّرَ يَهُودِىٌّ، لَمْ يُقَرَّ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ، أوِ الدِّينُ الَّذِى كَانَ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ، فَإِنْ أَبى، هُدِّدَ، وَحُبِس، وَيَحْتَمِلُ أنْ يُقْتَلَ. وَعَنْهُ، يُقَرُّ.
ــ
رُكُوعٍ. قال: وحَدِيثُ قَتادَةَ عن نَصْرِ بنِ عاصم، أنَّ رجلًا منهم بايَعَ النبىَّ ﷺ على أن لا يُصَلِّى طَرَفَى النَّهارِ (١).
١٥٤٠ - مسألة: (وإن تَهَوَّدَ نَصْرانِىٌّ، أوْ تَنَصَّرَ يَهُودِىٌّ، لم يُقَرَّ، ولَمْ يُقْبَلْ منه إلَّا الإِسْلامُ، أو الدِّينُ الَّذِى كان عليهِ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ منه إلَّا الإِسْلامُ، فإن أبى، هُدِّدَ، ويُحْبَسُ، ويَحْتَمِلُ أن يُقْتَلَ، وعنه) أنَّهُ (يُقَرُّ) إذا انْتَقَلَ الكِتابِىُّ إلى دِين آخَرَ مِن دِينِ أهْلِ الكِتابِ، ففيه
стр. 5009
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهن، لا يُقَرُّ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دين باطِلٍ قد أقَرَّ ببُطْلانِه، فلم يُقَرَّ عليه، كالمُرْتَدِّ. فعلى هذا، يُجْبَرُ على الإِسْلامِ، ولأنَّ ما سِواه باطِلٌ، اعْتَرَفَ ببُطْلانِه قبلَ أن يَنْتَقِلَ إليه، ثم اعْتَرَفَ ببُطْلانِ دِيِنه حينَ انْتَقَلَ عنه، فلم يَبْقَ إلَّا الإسْلامُ. والثانيةُ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسلامُ، أو الدِّينُ الذى كان عليه، لأنَّنا أقْرَرْناه عليه أوَّلًا، فنُقِرُّه عليه ثانيًا. والثالثةُ، يُقَرُّ. نصَّ عليه أحمدُ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ الخَلَّالِ وصاحِبِه، وقولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ عن دِينِ أهْلِ الكتابِ، فأشْبَهَ غيرَ المُنْتَقِلِ. ولأنَّه دِينُ أهْلِ الكِتابِ فيُقَرُّ عليه، كأهلِ ذلك الدِّينِ، وفى صِفَةِ إجْبارِه على تَرْكِ ما انْتَقَلَ إليه رِوايتان؛ إحْداهما، يُجْبَرُ عليه بالقَتْلِ؛ لعُمومِ قوْلِه ﵊: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١). ولأنَّه ذِمى نَقَضَ العَهْدَ، فأشْبَهَ
стр. 5010
وَإِنِ انْتَقَلَ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أوِ انْتَقَلَ الْمَجُوسِىُّ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لَمْ يُقَرَّ، وَأُمِرَ أَنْ يُسْلِمَ، فَإِنْ أبَى، قُتِلَ.
ــ
ما لو نَقَضَه بتَرْكِ الْتِزامِ الذِّمَّةِ، وهل يُسْتَتابُ؟ يحْتَمِل وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يُسْتَتابُ؛ لأنَّه اسْترْجِعَ عن دينٍ باطلٍ انْتَقَلَ إليه، فيُسْتَتابُ، كالمُرْتَدِّ. والثانى، لا يُسْتَتابُ؛ لأنَّه كافِر أصْلِىٌّ أُبِيحَ دَمُه، فأشْبَهَ الحَرْبِىَّ. فعلى هذا، إنْ بادَرَ وأسْلَمَ أو رَجَع إلى ما يقَرّ عليه، عصَم دَمَه، وإلَّا قتِلَ. والثانيةُ، أنَّه يُجْبَرُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ؛ فإنَّ أحمدَ قال: إذا دَخَل اليَهُودِىُّ في النَّصْرانِيَّةِ، رَدَدْته إلى اليَهُودِيَّةِ. فقِيلَ له: أتَقْتُلُه؟ قال: لا، ولكن يُضْرَبُ ويُحْبَسُ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ عن دينِ أهْلِ الكتابِ، فلم يُقْتَلْ، كالباقِى على دِينِه، ولأنَّه مُخْتَلَف فيه، فلا يُقْتَل؛ للشُّبْهَةِ.
١٥٤١ - مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ إلى غيرِ دِين أهْلِ الكِتابِ، أو انْتَقَلَ المَجُوسِىُّ إلى غيرِ دِينِ أهْلِ الكِتابِ، لم يُقَرَّ، وأُمِرَ أن يُسْلِمَ، فإن أبَى، قُتِلَ) إذا انْتَقَلَ الكِتابِىُّ إلى غيرِ دينِ أهْلِ الكِتابِ، لم يقَرَّ عليه. لا نَعْلَمُ