← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

فَصْلٌ: الرَّابعٌ، أنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فَى بَيْعِهِ، فَإِنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أوِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ. وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ. ــ (فصل: الرابعٌ، أن يكونَ مَمْلُوكًا له، أو مَأْذُونًا له في بَيْعِه، فإن باعَ مِلْكَ غيرِه بغَيْرِ إذْنِه، أو اشْتَرَى بعينِ مالِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ. وعنه، يَصِحُّ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ) إذا اشْتَرَى بعينِ مالِ غيرِه، أو باعَ مالَه بغيرِ إذْنِه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يَصِحُّ البَيْعُ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. والثانيةُ، يَصِحُّ البَيْعُ والشِّراءُ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ، فإنْ أجازَهُ نَفَذَ ولَزِمَ البَيْعُ، وإنْ لم يُجِزْهُ بطَلَ. وهو قَوْلُ [مالِكٍ، وإسحاقَ، وبه قال أبو حَنِيفَةَ] (١) في البَيْعِ. فأمَّا الشِّراءُ فَيَقَعُ للمُشْتَرِى عندَه بكُلِّ حالٍ؛ لِما رَوَى عُرْوَةُ بنُ الجَعْدِ البارِقِىُّ، أنَّ النبىَّ ﷺ أعْطَاهُ دِينارًا ليَشْتَرِىَ به شَاةً، فاشْتَرَى شاتَيْنِ، ثم باعَ إحْداهُما بدينارٍ في الطرَّيقِ، قال: فأَتيْتُ النبىَّ ﷺ بالدِّينار والشّاةِ، فأَخْبَرْتُه، فقال: «بارَكَ اللَّهُ لَكَ في صَفْقَةِ يَمِينِكَ».

стр. 5077

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رَواهُ ابنُ ماجه (١)، والأَثْرَمُ، ولأنَّه عَقْدٌ له مُجِيزٌ حالَ وقُوعِه، فصَحَّ [ووقفَ] (٢) على إِجازَتِه، كالوَصِيَّةِ بزيادَةٍ على الثُّلُثِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، قولُ النبىِّ ﷺ لحَكِيمِ بنِ حِزامٍ: «لا تَبعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ». رَواهُ ابنُ ماجه، والتِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. يَعْنِى مَا لَا تَمْلِكُ؛ لأنَّه ذَكَرَه جَوابًا له حين سَأَلَه أنَّه يَبِيعُ الشئَ، ويمضِى ويَشتَرِيه، ويُسَلِّمُه. ولاتِّفاقِنا على صِحَّةِ بَيْعِ مالِه الغائِبِ، ولأنَّه باعَ

стр. 5078

وَإِنِ اشْتَرَى لَهُ في ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، صَحَّ. فَإِنْ أَجَازَهُ مَنِ اشْتَرَى لَهُ، مَلَكَهُ، وَإِلَّا لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ. ــ ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، فأَشْبَهَ الطَّيْرَ في الهواءِ. فأَمَّا الوَصِيَّةُ، فَيَتَأَخَّرُ فيها القَبُولُ عن الإِيجابِ، ولا يُعْتَبرُ أن يكونَ لها مُجِيزٌ حالَ وقُوعِ العَقْدِ، ويَجُوزُ فيها مِن الغَرَرِ ما لا يَجُوزُ في البَيْعِ، وحَدِيثُ عُرْوَةَ نَحْمِلُه على أنَّ وَكالَتَهُ كانت مُطْلَقَةً، بدَلِيلِ أنّه [سَلَّمَ وتَسَلَّمَ] (١)، وليس ذلك لغيرِ المالِكِ باتِّفَاقِنَا. ١٥٥٩ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى له في ذمَّتِه بغيْرِ إذْنِه، صَحَّ. فإنْ أَجازَه مَن اشْتَرَى له، ملَكَه، وإِلَّا لَزِمَ مَن اشتَراهُ) إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه لإِنْسانٍ شَيْئًا بغيرِ إذْنِه، صَحَّ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في ذِمَّتِه لا في مالِ غَيْرِه،

стр. 5079

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسواءٌ نَقَدَ الثَّمَنَ مِن مالِ الغَيْرِ أو لا؛ لأنَّ الثَّمَنَ هو الذى في الذِّمَّةِ، والذى نَقَدَه عِوَضُه، ولذلك قُلْنَا: إنّه إذا اشْتَرَى [في الذِّمَّةِ] (١) ونَقَدَهُ الثَّمَنَ بعدَ

стр. 5080

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك، كان له البَدَلُ. وإنْ خرجَ مَغْصُوبًا لم يبطُلِ العَقْدُ، وإنَّما وقَفَ الأمْرُ على إجازَةِ الآخَرِ؛ لأنَّه قَصَدَ الشِّراءَ له، فإنْ أجازَه لَزِمَهُ، وعليه الثَّمَنُ، وإنْ لم يَقْبَلْه لَزِمَ مَن اشْتَرَاهُ.

стр. 5081

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ لِيَمْضِىَ وَيشْتَرِيَهُ وَيُسَلِّمَهُ. ــ فصل: وإن باعَ سِلْعَةً وصاحِبُها حاضِرٌ ساكِتٌ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو باعَها بغيرِ إذْنِه، في قوْلِ الأَكْثَرَين؛ منهم أبو حَنِيفَةَ، وأبو يوسُفَ، والشّافِعِىُّ. قال ابنُ أبى لَيْلَى: سكوتُه إقْرارٌ؛ لأنَّه يَدُلُّ على الرِّضَا، كسُكُوتِ البِكْرِ في الإِذْنِ في النِّكاحِ. ولَنا، أنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمِلٌ، فلم يكُنْ إذْنًا، كسُكُوتِ الثَّيِّبِ، وفارَقَ سُكُوتَ البِكْرِ؛ لوُجُودِ الحَياءِ المانِعِ مِن الكلامِ في حَقِّها, وليس ذلك مَوْجُودًا ههُنا. ١٥٦٠ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما لا يَمْلِكُه ليَمْضِىَ ويَشْتَرِيَه ويُسَلِّمَه) رِوَايَةً واحِدَةً. وهو قولُ الشّافِعِىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّ حكيمَ بنَ حِزامٍ قال للنبىِّ ﷺ : إنَّ الرَّجُلَ يَأْتِينِى يَلْتَمِسُ مِن البَيْعِ ما ليس عندِى، فأَمْضِى إلى السُّوقِ، فأشْتَرِيه، ثم أبِيعُه، منه، فقال النبىُّ

стр. 5082

وَلَا يصِحُّ بَيْعُ مَا فُتِحَ عَنْوةً، وَلَمْ يُقْسَمْ؛ كَأَرْضِ الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَمِصْرَ، وَنحْوِهَا، إِلَّا الْمَسَاكِنَ، وَأَرْضًا مِنَ الْعِرَاق فُتِحَتْ صُلْحًا؛ وَهِيَ الْحِيرَةُ، وَأُلَّيْسٌ، وَبَانِقْيَا، وَأَرْضُ بَنِى صَلُوبَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَقرَّهَا في أَيْدِى أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِى ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا في كُلِّ عَامٍ. وَلَمْ يُقَدِّرْ مُدَّتَهَا؛ لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا. ــ ﷺ : «لا تَبعْ ما ليس عِنْدَك» (١). حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه يَبِيعُ ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، أشْبَهَ بَيْعَ الطَّيْرِ في الهَواءِ. ١٥٦١ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما فُتِحَ عَنوَةً، ولم يُقْسَمْ، كأَرْضِ الشامِ، والعِراقِ، ومِصْرَ، ونحوِها، إِلَّا المساكِنَ، وأرْضًا مِن العِراقِ فُتِحَتْ صُلْحًا؛ وهى الحِيرَةُ وأُلَّيْسٌ (٢) وبانِقْيا، وأَرْضُ بنى صلُوبَا؛ لأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقَفها على المُسْلمين، وأقَرَّها في أَيْدِى أرْبابِها بالخَراجِ

стр. 5083

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذى ضَرَبَه أُجْرَةً لها في كُلِّ عامٍ. ولم يُقَدِّرْ (١) مُدَّتَها؛ لعُمومِ المَصْلَحَةِ فيها) لا يَجُوزُ بَيْعُ شئٍ مِن الأَرْضِ المَوْقُوفَةِ، ولا شِراؤُه؛ كأَرْضِ الشامِ، ونحوِها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، وقَوْلِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم عمرُ، وعَلِىٌّ، وابنُ عَبّاسٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عَمْروٍ (٢)، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. ورُوِىَ ذلك عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ، وقَبيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، ومَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ، والأوْزَاعِىِّ، ومالكٍ، وأبى إسْحاقَ الفَزَارِىِّ (٣). قال الأوْزَاعِىُّ: لم يَزَلْ أَئمَّةُ المُسلمينَ يَنْهَوْنَ عن شراءِ أَرضِ الجزْيَةِ، ويَكْرَهُه عُلَماؤُهم. وقال: أجْمَعَ رَأْىُ عمرَ، وأصحابِ النبىِّ ﷺ ، لَمّا ظَهَرُوا على أهلِ الشامِ، على إقْرارِ أهْلِ القُرَى في قُرَاهُم، على ما كانَ بأَيْدِيهم مِن أَرْضِهم، يُعَمِّرُونها، ويُؤدُّونَ خَراجَها إلى المُسْلِمِينَ، ويَرَوْنَ أنّه لا يَصْلُحُ لأحَدٍ مِن المُسْلِمينَ شِراءُ ما في أيْدِيهم مِن الأَرْضِ طَوْعًا ولا كَرْهًا،

стр. 5084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكَرِهُوا ذلك؛ لِما كانَ مِنْ إيقافِ عمرَ وأَصْحابِه الأَرضِينَ المَحْبُوسَةَ على آخِرِ هذه الأُمَّةِ مِن المُسْلِمينَ، لا تُباعُ ولا تُورَثُ، قُوَّةً على جِهادِ مَن لم يُظْهَرْ عليه بعدُ مِن المُشْرِكِينَ. وقال الثَّوْرِىُّ: إذا أقَرَّ الإِمامُ أهلَ العَنْوَةِ في أرْضِهم تَوارَثُوها وتَبايَعُوها. ورُوِىَ نحوُ هذا عن ابن سِيرِينَ، والقُرَظِىِّ؛ لِما رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ زَيْدٍ، أنَّ ابنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِن دِهْقانَ أرْضًا على أنْ يَكْفِيَهُ جزْيَتَها (١). ورُوِى عنه أنَّه قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن التَّبَقُّرِ (٢) في الأَهْلِ والمالِ. ثم قال عبدُ اللَّهِ: وكيفَ بمالٍ براذانَ (٣)، وبِكَذَا وكَذَا (٤)! وهذا يَدُلُّ على أنّ له مالًا بِرَاذانَ (٣). ولأَنَّها أرْضٌ لهم، فَجازَ بَيْعُها، كأَرْضِ الصُّلْحِ. وقد رُوِى عن أحمدَ أنّه قال: كان الشِّراءُ أسْهلَ، يَشْتَرِى الرَّجُلُ ما يَكْفِيهِ ويُغْنِيهِ

стр. 5085

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن النّاسِ، وهو رَجُلٌ مِن المُسْلِمِينَ. وكَرِهَ البَيْعَ. قال شَيْخُنا (١): وإنَّما رَخصَ في الشّراء، واللَّهُ أَعلَمُ، لأنَّ بعضَ الصّحابَةِ اشْتَرَى، ولم يُسْمَعْ عنهم البَيْعُ، ولأَنَّ الشِّراءَ اسْتِخْلاصٌ للأَرضِ، ليَقُومَ فيها مَقامَ مَن كانت في يَدِه، والبَيْعُ أَخذُ عِوَضٍ عَمّا لا يَمْلِكُه ولا يَسْتَحِقُّه، فلا يَجُوزُ. ولَنا، إِجْمَاح الصَّحَابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّه رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: لا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ولا أرَضِيهم (٢). وقال الشَّعْبِىُّ: اشْتَرَى عُتْبَةُ بنُ فَرْقَدٍ أَرْضًا على شاطِئ الفُرَاتِ، لِيَتَّخِذَ فيها قَصَبًا، فذَكَرَ ذلك لعمرَ، فقال: مِمَّن اشْتَرَيْتَها؟ قال: مِن أرْبابِها. فلمَّا اجْتَمَعَ المُهاجِرُونَ والأَنْصَارُ، قال: هؤُلاءِ أَربَابُها، فهل اشْتَرَيْتَ منهم شَيْئًا؟ قال: لَا. قال: فارْدُدْهَا على (٣) مَن اشْتَرَيْتَها منه، وخُذ مالَكَ (٤). وهذا قولُ عمرَ في المُهاجِرِينَ والأَنْصَارِ، بمحضرِ سادَةِ الصَّحَابَةِ وأَئِمَّتِهِم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا, ولا سَبِيلَ إلى وُجُودِ إجماعٍ أقْوى مِن هذا وشِبْهِه، إذ لا سَبِيلَ إلى نَقْلِ قَوْلِ جَمِيعِ الصَّحابَةِ في مَسْأَلةٍ، ولا إلى

стр. 5086

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَقْلِ قَوْلِ العَشَرةِ، ولم يُوجَدِ الإِجْماعُ إلَّا القولَ المُنْتَشِرَ. فإن قيل: فقد خالَفَه ابنُ مَسْعُودٍ بما ذُكِرَ عنه. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ المُخالَفَةَ. وقَوْلُهم: اشْتَرَى. قُلْنا: المرادُ به اكْتَرَى. كذا قال أبو عُبَيْدٍ (١). والدَّلِيلُ عليه قولُه: على أن يَكْفِيَه جِزْيَتَها. ولا يكونُ مُشْتَرِيًا لها وجِزْيَتُها على غَيْرِه. وقد رَوَى عنه القاسِمُ أنَّه قال: مَن أقَرَّ بالطَّسْقِ (٢) فقد أقَرَّ بالصَّغارِ والذُّلِّ (٣). وهذا يَدُلُّ على أنَّ الشِّراءَ هنا الاكتِراءُ. وكذلك كُلُّ مَن رُوِيَت عنه الرُّخْصَةُ في الشِّراءِ محمولٌ على ذلك. وقولُه: فكيف بمالٍ بِرَاذَانَ. ليس فيه ذِكْرُ الشِّراءِ، [ولا أنَّ] (٤) المالَ الأرْضُ، فَيَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ مِن السَّائِمَةِ أو الزَّرْعِ أو نحوِه، ويَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ أَرضًا اكْتَرَاهَا، وقد يَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ بذلك غيرَه، وقد يَعِيبُ الإنْسانُ الفِعْلَ المَعِيبَ مِن غيرِه. جوابٌ ثانٍ، أنَّه تَناوَلَ الشّراءَ، وبقِىَ قولُ عمرَ في النَّهْى عن البَيْعِ غيرَ مُعَارَضٍ، وأمَّا المَعْنَى فلأنَّها مَوْقُوفَةٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كسائِرِ الوقوفِ، والدَّلِيلُ على وَقْفِها النقلُ والمعنى؛ أمّا النَّقْلُ، فما نُقِلَ مِن الأخْبارِ أنَّ عمرَ لم يَقْسِمِ الأرْضَ التى افْتَتَحَها، وتَرَكَها لتكونَ مادَّةً للمسلمين الذين يُقاتِلُونَ في سبيلِ اللَّهِ إلى يومِ القِيامَةِ، وقد نقلنا بعضَ ذلك، وهو مَشْهُورٌ تُغْنِى شُهْرَتُه عن

стр. 5087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَقْلِه. وأَمّا المَعْنَى فلِأَنَّها لو قُسِمَتْ لكانت للذين افْتَتَحُوها، ثم لِوَرَثَتِهِم (١) ولمَن انْتَقَلَتْ إليه عنهم، ولم تَكُنْ مُشْتَرَكَةً بينَ المسلمين، ولأَنَّه لو قُسِمَتْ لِنُقِل ذلك ولم يَخْفَ بالكُلِّيَّةِ. فإن قيلَ: فهذا لا يَلْزَمُ منه الوَقْفُ؛ لأَنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه تَرَكَها للمسلمين عامَّةً، فتكونُ فَيْئًا للمسلمين، والإِمامُ نائِبُهم، فيَفْعَلُ ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ، مِن بَيْعٍ وغيرِه، ويَحْتَمِلُ أنّه تَرَكَها لأرْبابِها، كما فَعَلَ النَّبىّ ﷺ بمكَّةَ. قُلْنا: أَمّا الأَوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ عمرَ إنَّما تَرَكَ قِسْمَتَها لتَكُونَ مادَّةً للمسلمين كلِّهم، يَنْتَفِعُونَ بها مع بَقاءِ أصْلِها، وهذا مَعْنَى الوَقْفِ، ولو جازَ تَخْصِيصُ قَوْمٍ بأَصْلِها, لكانَ الذينِ افْتَتَحُوهَا أحَقَّ بها, ولا يَجُوزُ أنْ يَمْنَعَها أَهْلَها لمَفْسَدَةٍ، ثم يَخُصَّ بها غيْرَهم مع وجُودِ المَفْسَدَةِ المانِعَةِ. والثانِى أَظهَرُ فسادًا مِن الأَوَّلِ؛ لأَنَّه إذا مَنَعَها المسلمين المُسْتَحِقِّينَ، كيف يَخُصُّ بها أهْلَ الذِّمَّةِ المُشْرِكِينَ الذين لا حَقَّ لهم ولا نَصِيبَ؟. فصل: وإذا بِيعَتْ هذه الأرْضُ، فحَكَمَ بِصِحَّةِ البَيْعِ حاكِمٌ، صَحَّ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فصَحَّ بحُكْمِ الحاكِمِ، كسائِرِ المُختلَفاتِ. وإن باعَ

стр. 5088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإِمامُ شَيْئًا لمَصْلَحَةٍ رَآها، مثلَ أن يكونَ في الأَرْضِ ما يَحْتَاجُ إلى عمارَتِه، ولا يَعْمُرُها إلَّا مَن يَشْتَرِيها، صَحَّ أَيضًا؛ لأنَّ فِعْلَ الإِمامِ كحُكْمِ الحاكِمِ. وقد ذَكَر ابنُ عائِذٍ (١) في كتابِ «فتوحِ الشامِ» قال: قال غيرُ واحِدٍ مِن مشايخِنا: إنَّ النَّاسَ سَأَلُوا عبدَ المَلِكِ، والوليدَ، وسليمانَ، أن يَأْذَنُوا لهم في شِراءِ الأرْضِ مِن أهلِ الذِّمَّةِ، فأذِنُوا لهم على إدخالِ أثْمَانِها في بَيْتِ المالِ، فلَمَّا وَلِىَ عمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ أعْرَضَ عن تلك الأَشْرِيَةِ؛ لاخْتِلاطِ الأُمُورِ فيها؛ لِما وَقَعَ فيها مِن المَوارِيثِ ومُهُورِ النِّساءِ، وقضاءِ الدُّيُونِ، ولمّا لم يقدِرْ على تَخْلِيصِه ولا مَعْرِفَةِ ذلك، كَتَبَ كِتابًا قُرِئَ على النَّاسِ [سَنَةً مائةٍ] (٢): إنَّ مَن اشْتَرَى شيئًا بعدَ سنةِ مائَةٍ، فإنَّ بَيْعَه مَرْدُودٌ. وسَمَّى سَنَةَ مائَةٍ سَنَةَ المُدَّةِ، فتَنَاهَى النّاسُ عن شِرائِها، ثم اشْتَرَوْا أشْرِيَةً كَثِيرَةً (٣) كانت بأيْدِى أهْلِها، تُؤدِّى العُشْرَ ولا جِزْيَةَ عليها، فلما أفْضَى الأمْرُ إلى المَنْصُورِ، ورُفِعَتْ إليه تلك الأشْرِيَةُ، وأنَّ ذلك أضَرَّ بالخراجِ وكَسَرَهُ، فأرادَ رَدَّها إلى أهْلِها، فقيلَ له: قد وَقَعَتْ في المَوارِيثِ والمُهُورِ، واخْتَلَطَ أمْرُها. فبَعَثَ المُعَدِّلين، منهم؛ عبدُ اللَّهِ بنُ يَزِيدَ إلى حِمْصَ، وإسْماعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ (٤) إلى بَعْلَبَكَّ،

стр. 5089

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهِضابُ بنُ طَوْقٍ، ومُحْرِزُ بنُ زُرَيْقٍ إلى الغُوطَةِ. وأمَرَهُم أن لا يَضَعُوا على القَطائِعِ والأشْرِيَةِ القَدِيمَةِ خَراجًا، ومَنَعُوا الخراجَ على ما بَقِىَ بأَيْدِى الأَنْباطِ (١)، وعلى الأَشْرِيَةِ المُحْدَثَةِ مِن بعدِ (٢) سنةِ مائَةٍ إلى السَّنَةِ التى عدّلَ فيها. فعلى هذا يَنْبَغِى أن يَجْرِىَ (٣) ما باعَهُ إمامٌ، أو بِيعَ بإِذْنِه، أو تَعَذَّرَ رَدُّ بَيْعِه هذا المَجْرى (٤) في أن يُضْرَبَ عليه خَراجٌ بقَدْرِ ما يَحْتَمِلُهْ، ويُتْرَكَ في يَدِ مُشْتَرِيه، أو مَن انْتَقَلَ إليه, إلَّا ما بِيعَ قبلَ المائَةِ سَنَةٍ، فإنَّه لا خَراج عليه، كما نُقِلَ في هذا الخبرِ. فصل: وحُكْمُ إقْطاعِ هذه الأَرْضِ حُكْمُ بَيْعِها، في أنّ ما كان مِن عمرَ رَضِىَ اللَّهُ عنه، أو ممَّا كان قبلَ مائَةِ سَنَةٍ، فهو لأَهلِه، وما كان بعد المائَةِ، ضُرِبَ عليه الخراجُ، كما فَعَلَ المَنْصُورُ، إلَّا أن يكونَ بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، فيكونَ باطِلًا، وذَكَرَ ابنُ عائِذٍ في كتابِه بإسْنادِه، عن سليمانَ

стр. 5090

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابنِ عُتْبَةَ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عبدَ اللَّهِ بنَ محمدٍ، أَظُنُّه المَنْصُورَ، سَأَلَه في مَقْدِمِه الشَّامَ سنةَ ثلاثٍ أو أرْبَعٍ وخمْسِينَ عن الأَرَضِين التى بأَيْدِي أبناءِ الصَّحابَةِ، يَذْكُرُون أنّها قَطائِعُ لآبائِهِم قَدِيمَةٌ. فَقُلْتُ: يَا أميرَ المُؤْمِنِين، إنَّ اللَّه تعالى لمّا أظْهَرَ المسلمين على بلادِ الشامِ، وصَالَحُوا أهْلَ دِمَشقَ وأهْلَ حِمْصَ، كَرِهُوا أنْ يَدْخُلُوهَا دُونَ أن يَتِمَّ ظُهُورُهم وإثْخَانُهم في عَدُوِّ اللَّهِ، وعَسْكَرُوا في مَرْجِ [بَرَدَى، بين المِزَّةِ] (١) إلى مَرْجِ شعبانَ (٢) جَنْبَتَىْ برَدَى، مُرُوجٌ كانت مُباحَةً فيما بينَ أهْلِ دِمَشْقَ وقُرَاهَا، ليست لأَحَدٍ منهم، فأَقَامُوا بها حتَّى أوْطَأَ اللَّهُ بهم المُشْرِكِين قَهْرًا وذُلًّا، فأحْيَا (٣) كُلُّ قَوْمٍ مَحَلَّتَهم (٤)، وَهيَّئُوا فيها بناءً، فرُفِعَ إلى عمرَ، فأمْضَاهُ عمرُ لهم، وأَمْضَاهُ عثمانُ مِن بَعْدِه إلى وِلايَةِ أميرِ المُؤْمنين. قال: فقد أَمْضَيْنَاهُ لهم. وعن الأَحْوَصِ بنِ حكيمٍ، أنَّ المسلمين الذين فَتَحُوا حِمْصَ لم يَدْخُلُوها، وعَسْكَرُوا على نَهْرِ الأُرُنْدِ (٥) فأَحْيَوْهُ، فأَمْضاهُ لهم عمرُ وعثمانُ، وقد كان أُناسٌ منهم تَعَدَّوْا

стр. 5091

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذاك إلى [جِسْرِ الأُرُنْدِ] (١)، الذى على بابِ الرَّسْتَنِ (٢)، فَعَسْكَرُوا في مَرْجِه (٣)؛ مَسْلَحَةً لمَن خَلْفَهُم مِن المسلمين، فلمَّا بَلَغَهُم ما أَمْضَاهُ عمرُ للمُعَسْكِرينَ على نَهْرِ الأُرُنْدِ، سَأَلُوا أن يُشْرِكُوهم في تلك القَطائِعِ، فكُتبَ إلى عمرَ فيه، فكَتَبَ أنْ يُعَوَّضُوا مثلَه مِن المُرُوجِ التى كانوا عَسْكَرُوا فيها على بابِ الرَّسْتَنِ، فَلم تَزَلْ تلك القَطائِعُ على شاطِئِ الأرُنْدِ، وعلى بابِ حِمْصَ، وعلى بابِ الرَّسْتَنِ ماضِيَةً لأهْلِها, لا خَراجَ عليها، تُؤَدِّى العُشْرَ. فصل: وهذا الذى ذَكَرْنَاهُ في الأَرْضِ المُغِلَّةِ، أَمّا المَساكِنُ فلا بَأْسَ بحِيَازَتِها وبَيْعِها وشِرائِها وسُكْنَاهَا. قال أبو عُبَيْدٍ (٤): ما عَلِمْنا أحَدًا كَرِه ذلك، وقد اقْتُسِمَتِ الكُوفَةُ (٥) خُطَطًا في زمَنِ عمرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، بإِذْنِه، والبَصْرَةُ، وسَكَنَها أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وكذلك الشامُ ومصرُ وغيرُهما مِن البُلْدانِ، فما عابَ ذلك أحَدٌ ولا أَنْكَرَه.

стр. 5092

وَيَجُوزُ إِجَارَتُهَا. وَعَنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تعَالى، أَنَّهُ كرِه بَيْعَهَا، وَأَجَازَ شِرَاءَهَا. ــ فصل: وكذلك ما فُتِحَ صُلْحًا بشَرْطِ أن يكونَ لأَهْلِه، كأَرْضِ الحِيرَةِ، وأُلَّيْسٍ، وبانِقْيا، وأَرْضِ بنى صلوبَا، وما في مَعْناها، فيجوزُ بَيْعُها؛ لأَنَّها مِلْكٌ لأَهْلِها، فهى كالمَسَاكِنِ، وكذلك كُلُّ أرْضٍ أسْلَمَ أَهْلُها عليها، كأَرْضِ الْمَدِينَةِ وشِبْهِها، فإنَّها مِلْكٌ لأهْلِها، يجوزُ لهم بَيْعُها كذلك. ١٥٦٢ - مسألة: (وتَجُوزُ إجارَتُها) لأنَّها مُسْتَأْجَرَةٌ في أَيْدِى أَرْبَابِها، وإجارَةُ المُسْتَأْجَرِ جائِزَةٌ، على ما نَذْكُرُه في مَوْضِعِه إن شاءَ اللَّه تعالى. (وعن أحمدَ، أنّه كَرِهَ بَيْعَها) لِما ذَكَرْنَا (وأجازَ شِراءَها) لأنَّه كالاسْتِنْقاذِ لها، فجازَ، كشِراءِ الأَسِيرِ، ولأَنَّه قد رُوِى عن بعضِ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، على ما ذَكَرْنا في المَسْأَلَةِ التى قَبْلَها. وإذا قُلْنَا بصِحَّةِ الشِّرَاءِ، فإنَّها تكُونُ في يدِ المُشْتَرِى على ما كانت في يَدِ البائِعِ، يُؤَدِّى خَراجَها، ويكونُ مَعْنَى الشِّراءِ ههُنا نَقْلَ اليَدِ مِن البائِعِ إلى المُشْتَرِى بعِوَضٍ، إلَّا ما كانَ قبلَ مائَةِ سَنَةٍ، أو ما كان مِن إقْطاعِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على ما ذَكَرْناهُ. فإنِ اشْتَرَاها وشَرَطَ الخراجَ على البائِعِ،

стр. 5093

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ، وَلَا إِجَارَتُهَا. وَعَنْهُ، يَجُوزُ ذَلِكَ. ــ كما فَعَلَ ابنُ مَسْعُودٍ، فهو كِراءٌ لا شِراءٌ، ويَنْبَغِى أن يَشْتَرِطَ بيانَ مُدَّتِه، كسائِرِ الإِجَارَاتِ. ١٥٦٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ رِباعِ مَكَّةَ، ولا إِجارَتُها. وعنه، يَجُوزُ ذلك) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في بَيْعِ رِباعِ مَكَّةَ وإجارَةِ دُورِها، فرُوِىَ أنَّ ذلك غيرُ جائِزٍ. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبِي عُبَيْدٍ. وكَرِهَه إسحاقُ؛ لِما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ في مَكَّةَ: «لا تُبَاعُ رِبَاعُها، وَلَا تُكْرَى بُيُوتُها». رَواهُ الأَثْرَمُ (١). وعن مُجاهِدٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَكَّةُ حَرامٌ بَيْعُ رباعِها، حرامٌ إجارَتُها». رَواهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ في «سُنَنِه». ورُوِىَ أَنَّها كانت تُدْعَى السَّوائب، على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ

стр. 5094

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ . ذَكَرَه مُسَدَّدٌ في «مُسْنَدِه» (١). ولأَنَّها فُتِحَت عَنْوَةً ولم تُقْسَمْ، فصارَت مَوْقُوفَةً، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كسائِرِ الأَرْضِ التى فَتَحَها المُسْلِمُون عَنْوَةً ولم يَقْسِمُوهَا. ودَلِيلُ أنّها فُتِحَت عَنْوَةً قولُ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عليها رَسُولَه والمُؤْمِنينَ، وإنّها لم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِى، ولا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِى، وإنَّما حَلَّتْ لي ساعَةً مِن نَهارٍ». مُتَّفقٌ عليه (٢). ورَوَت أُمُّ هانِئٍ، أنَّها قالت: أَجَرْت حَمَوَيْنِ لى، فأَرادَ عَلِىُّ أخِى قَتْلَهما، فأَتَيْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّى أَجرْتُ حَمَوَيْنِ لى، فزَعَمَ ابنُ أمِّى عَلِىٌّ أنّه قاتِلُهما. فقال النبىُّ ﷺ : «قد أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ، وأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). وكذلك أمَرَ النبىُّ ﷺ بقَتْلِ أَرْبَعَةٍ، فَقُتِلَ منهم ابنُ خَطَلٍ، ومِقْيَسُ بنُ

стр. 5095

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صُبَابَةَ (١)، فدَلَّ على أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً. والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ، أنَّه يَجُوزُ ذلك. رُوِى ذلك عن طاوُسٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ. وهو قَوْلُ الشّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وهو أَظْهَرُ في الحُجَّةِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لَمّا قيلَ له: أين تَنْزِلُ غَدًا؟ قال: «وهل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِن رِباعٍ؟». مُتَّفَقٌ عليه (٢). يَعْنِى أنّ عَقِيلًا باع رِباعَ أبى طالِبٍ؛ لأنَّه وَرِثَهُ دُونَ إخوَتِه، لكَوْنِه كان على دينِه دُونَهما, ولو كانت غيرَ مَمْلُوكَةٍ، لمَا أثَّرَ بَيْعُ عَقِيلٍ شيئًا, ولأنَّ أصْحَابَ النَّبِىِّ ﷺ كانت (٣) لهم دُورٌ بمكَّةَ؛ لأبى (٤) بَكْرٍ، والزُّبَيْرِ، وحكيمِ بنِ حِزَامٍ، وأبِى سُفْيَانَ، وسائِرِ أهْلِ مَكَّةَ، فمنهم مَن باع، ومنهم مَن ترَكَ دارَه، فهى في يَدِ أعْقابِهم. وقد باعَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ دارَ النَّدْوَةِ، فقال له ابنُ الزُّبيْرِ: بِعْتَ مَكْرمَةَ قُرَيْشٍ! فقال: يَا ابنَ أَخِى، ذهَبَتِ المكارِمُ إلى التَّقْوَى. أو كما قال.

стр. 5096

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واشْتَرَى معاويَةُ منه دارَيْنِ. واشْتَرَى عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، دارَ السِّجْنِ مِن صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ بأرْبَعَةِ آلافٍ (١). ولم يَزَلْ أهلُ مَكَّةَ يَتَصَرَّفُونَ في دُررِهِم تَصَرُّفَ المُلَّاكِ بالبَيْعِ وغَيْرِه، ولم يُنْكِرْه مُنْكِر، فكان إجْماعًا، وقد قَرَّرَه النبىُّ ﷺ بنِسْبَةِ دُورِهم إليهم، فقال: «مَنْ دَخَلَ دارَ أبِى سُفْيانَ فهو آمِنٌ، ومَنْ أَغْلَقَ بابَه فهو آمِنٌ» (٢). وأقَرَّهُم في دُورِهِم ورِباعِهم، ولم يَنْقُلْ أحَدًا عن دارِه، ولا وُجدَ منه ما يَدُلُّ على زَوالِ أَمْلاكِهِم، وكذلك مَن بَعْدَه مِن الخُلفاءِ، حتَّى إنَّ عمرَ مع شِدَّتِه في الحَقِّ، لمَّا احْتَاجَ إلى دارٍ للسّجْنِ لم يَأْخذهَا إلَّا بالبَيْعِ. ولأَنَّها أَرْضٌ حَيَّة لم يَرِدْ عليها صَدَقةٌ مُحَرَّمَةٌ، فجازَ بَيْعُها، كسائِرِ الأرْضِ، وما رُوِى مِن الأحادِيثِ في خِلافِ هذا، فهو ضَعِيفٌ. وأمّا كَوْنُها فُتِحَتْ عَنْوَةً، فهو صَحِيحٌ لا يُمْكِنُ دَفْعُه، إلَّا أنَّ النبىَّ ﷺ أقَرَّ أهْلَها فيها على أمْلاكِهم ورِباعِهم، فيَدُلُّ

стр. 5097

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك على أنَّه تَرَكَها لهم، كما تَرَكَ لهوازِنَ نسَاءَهُم وأبْناءَهُم. وعلى القَوْلِ الأَوَّلِ، مَن كان ساكِنَ دارٍ أو مَنْزِلٍ، فهو أحَقُّ به، يَسْكُنُه ويُسْكِنُه، وليس له بَيْعُه، ولا أَخذُ أُجْرَتِه، ومَن احْتاجَ إلى مَسْكَنٍ فله بَذْلُ الأُجْرَةِ فيه، وإنِ احْتَاجَ إلى الشِّراءِ فله ذلك، كما فَعَلَ عمرُ رَضِىَ اللَّهُ عنه. وكان أبو عَبْدِ اللَّهِ إذا سَكَنَ أَعْطَاهُم أُجْرَتَها. فإن سَكَنَ بأُجْرَةٍ جازَ أن لا يَدْفَعَ إليهم الأُجْرَةَ إن أمْكَنَه؛ لأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَها. وقد رُوِى أنَّ سُفْيانَ سَكَنَ في بَعْضِ رِباعِ مَكَّةَ، وهَرَبَ، ولم يُعْطِهِمْ أُجْرَةً فأَدْرَكُوهُ، فَأَخَذُوها منه. وذُكِرَ لأحمدَ فعلُ سُفيانَ، فَتَبَسَّمَ. فظاهِرُ هذا أنَّه أعْجَبَه. قال ابنُ عَقِيلٍ: وهذا الخِلافُ في غيرِ مَواضِعِ المَناسِكِ. أمّا بِقاعُ المَنَاسِكِ، كمَوْضِعِ المَسْعَى والرَّمْى، فحُكْمُه حُكْمُ المَساجِدِ بغيرِ خِلافٍ. فصل: ومَن بَنَى بِمَكَّةَ بآلةٍ مَجْلُوبَةٍ مِن غيرِ أرْضِ مَكَّةَ، جازَ بَيْعُها، كما يَجُوزُ بَيْعُ أبْنِيَةِ الوُقُوفِ وأنْقاضِها. وإن كانت مِن تُراب الحَرَم وحِجَارَتِه، انْبَنَى جَوازُ بَيْعِها على الرِّوَايَتَيْن في بَيْعِ رِباعِ مَكَّةَ؛ لأَنَّها تابِعَةٌ لها، وهكذا تُرابُ كُلِّ وَقْفٍ وأنْقاضُه. قال أحمدُ: وأمّا البِنَاءُ بمَكَّةَ فإنِّى أكْرَهُه. قال إسحاقُ: البِنَاءُ بمَكَّةَ على وَجْهِ الاسْتِخْلاصِ لنَفْسِه، لا

стр. 5098

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَاءٍ عِدٍّ؛ كَمِيَاهِ الْعُيُونِ، وَنَقْعِ الْبِئْرِ، وَلَا مَا في الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ؛ كَالْقَارِ، وَالْمِلْحِ، وَالنِّفْطِ، وَلَا مَا يَنْبُتُ في أَرْضِهِ مِنَ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ، وَمَنْ أخذ مِنْهُ شَيْئًا، مَلَكَهُ. ــ يَحِلُّ. وقد رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ قيلَ له: ألَا تَبْنِى لك بِمِنًى بَيْتًا، فقال: «مِنًى مُنَاخُ مَن سَبَقَ» (١). ١٥٦٤ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ ماءٍ عِدٍّ (٢)؛ كمياهِ العُيُونِ، ونَقْعِ البِئْرِ، ولا ما في المعادِنِ الجارِيَةِ؛ مِن القار، والمِلْحِ، والنِّفْطِ، ولا ما يَنْبُتُ في أَرْضِه مِن الكَلَأِ والشَّوْكِ، ومَن أخَذَ منه شيئًا، مَلَكَه) أمَّا (٣) الأَنْهارُ النّابِعَةُ في غيرِ مِلْكٍ، كالأنْهارِ الكبارِ، لا تُمْلَكُ بحالٍ، ولا

стр. 5099

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يجُوزُ بَيْعُها, ولو دَخَلَ إلى أرْضِ رَجُلٍ لم يَمْلِكْه بذلك، كالطَّيْرِ يدخُلُ إلى أَرْضِه، ولِكُلِّ أَحدٍ أخْذُه وتَمَلُّكُه، إلَّا أن يَحْتَفِرَ منه ساقِيَةً، فيكون أحَقَّ بها مِن غَيْرِه. وأمَّا ما يَنْبُعُ في مِلْكِه، كالبِئْرِ، والعَيْنِ المُسْتَنْبَطَةِ، [فنَفْسُ البِئْرِ] (١)، وأرْضُ العَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لمالِكِ الأرْضِ، فالماءُ الذى فيها غيرُ مَمْلُوكٍ في ظاهرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه يَجْرِى مِن تَحْتِ الأَرْضِ، [إلى مِلْكِه] (٢)، فأَشْبَهَ الماءَ الجارِىَ في النَّهْرِ إلى مِلْكِه. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحَابِ الشّافِعِىِّ. والوَجْهُ الآخَرُ يُمْلَكُ؛ لأنَّه نماءُ المِلْكِ. وقد رُوِى عن أحمدَ نحوُ ذلك، فإنّه قيلَ له في رَجُل له أرْضٌ ولآخَرَ ماءٌ، فيَشْتَرِكُ صاحِبُ الأرْضِ وصاحِبُ الماءِ في الزَّرْعِ، يكونُ بَيْنَهما؟ فقال: لا بَأْسَ. اخْتَارَه

стр. 5100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو بكْرٍ. وهذا يَدُلُّ مِن قَوْلِه على أنّ الماءَ مَمْلُوكٌ لصاحِبِه. وفى مَعْنَى الماءِ المعادِنُ الجَارِيَةُ في الأمْلَاكِ؛ كالقارِ، والنِّفْط، والمُومِيَا، والمِلْحِ. وكذلك الحُكْمُ في الكَلَأِ والشَّوْكِ النّابِتِ في أرْضِه، فكذلك كُلُّه يُخرَّجُ على الرِّوَايَتَيْن في الماءِ. والصَّحِيحُ أنَّ المَاءَ لا يُمْلَكُ، فكذلك هذه. وجَوَازُ بَيْعِ ذلك مَبْنِىٌّ على مِلْكِه. قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى بَيْعُ الماءِ ألْبَتَّةَ. وقال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن قَوْمٍ بَيْنَهُم نَهْرٌ تَشْرَبُ منه أرَضُوهم، لهذا يومٌ، ولهذا يَوْمانِ، يَتَّفِقُونَ عليه بالحِصَصِ، فجاءَ يَوْمِى ولا أحْتَاجُ إليه، أُكْرِيه بدَرَاهِمَ؟ قال: ما أدْرِى، أمّا النبىُّ ﷺ فَنَهَى عن بَيْعِ الماءِ. قيلَ له: إنّه ليس يَبِيعُه، وإنّما يُكْرِيه، قال: إنَّما احْتَالُوا بهذا ليُحَسِّنُوه، فأىُّ شئٍ هذا إلَّا البَيْعَ! ورَوَى الأَثْرَمُ بإسْنادِه عن جابِرٍ، وإياسَ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنَّ النَّبِى ﷺ نَهَى أنْ يُباعَ الماءُ (١). ورَوَى أبو عُبَيْدٍ (٢)،

стр. 5101

إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَعَنْهُ، يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ. ــ والأَثْرَمُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: «المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ في ثلاثٍ؛ في النّارِ والكلَأِ والمَاءِ». فإنْ قُلْنَا: يُمْلَكُ. جازَ بَيْعُه، وإنْ قُلْنَا: لا يُمْلَكُ. فصاحِبُ الأرْضِ أحَقُّ به مِن غيرِه؛ لكَوْنِه في مِلْكِه. فإن دَخَلَ غيرُه بغيرِ إذْنِه فأَخَذَه، ملَكَه؛ لأنَّه يُباحُ في الأصْلِ، فأَشْبَهَ ما لو عَشَّشَ في أرْضِه طائِرٌ، أو دَخَلَ إليها صَيْدٌ، أو نَضَبَتْ عن سَمَكٍ، فدَخَلَ إليها دَاخِلٌ، فأَخَذَه. ١٥٦٥ - مسألة: (إلَّا أنَّه لا يَجُوزُ له الدُّخُولُ إلى مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه) لأنَّه تَصَرَّفَ في ملكِ الغَيْرِ بغيرِ إذْنِه، أشْبَهَ ما لو دَخَلَ لغيرِ ذلك. (وعنه، يَجُوزُ بَيْعُه) وهذا مَبْنِىٌّ على أنَّه يُمْلَكُ، وقد ذَكَرْنَاهُ.

стр. 5102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والخِلافُ في بَيْعِ ذلك إنّما هو قبلَ حِيازَتِه. فأمّا ما يَحُوزُه مِن الماءِ في إنائِه، أو يَأْخُذُه مِن الكَلَأِ في حَبْلِه، أو يحُوزُه في رَحْلِه، أو يَأْخُذُه مِن المعادِنِ، فإنّه يَمْلِكُه بذلك، بغيرِ خِلافٍ بينَ أَهْلِ العِلْمِ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «لأَنْ يَأْخُذَ أحَدُكُم حَبْلًا، فيَأْخُذَ حِزْمَةً مِن حَطَبٍ فَيَبِيعَها، فيَكُفَّ بها وَجْهَه، خيرٌ له مِن أن يَسْأَلَ النّاسَ، أُعْطِىَ أو مُنِعَ». رَواهُ البُخارِىُّ (١). وقد رَوَى أبو عُبَيْدٍ في الأموالِ (٢) عن المَشْيَخَةِ، أنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الماءِ، إلَّا ما حُمِلَ منه. وعلى ذلك مَضَتِ العادَةُ في الأمْصارِ بِبَيْعِ الماءِ في الزَّوايَا، والحَطَبِ والكَلَأِ مِن غيرِ نكيرٍ، وليس لأَحدٍ أن يَشْرَبَ منه، ولا يَتَوَضَّأَ, ولا يَأْخُذَ إلَّا بإذْنِ مالِكِه؛ لأنّه مِلْكُه. قال أحمدُ: إنّما نُهِىَ عن بَيْعِ فَضْلِ ماءِ البِئْرِ والعُيُونِ في قرارِه. ويَجُوزُ بَيْعُ البِئْرِ نَفْسِها والعَيْنِ، ومُشْتَريها أحَقُّ بمائِها. وقد

стр. 5103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ يَشْتَرِى بئْرَ رُومَةَ، يُوَسِّعُ بها على المُسْلِمِينَ، وله الجَنَّةُ». أو كما قال. فاشْتَرَاها عثمانُ بنُ عَفّان، رَضِىَ اللَّهُ عنه، مِن يَهُودِىٍّ بأمْرِ النَّبِىِّ ﷺ وسَبَّلَها للمسلمين (١). ورُوِىَ أنّ عثمانَ اشْتَرَى منه نِصْفَها باثْنَىْ عَشَرَ أَلْفًا، ثم قال لليَهُودِىِّ: اخْتَرْ؛ إمّا أن تَأْخُذَها يَوْمًا وآخُذَها يَوْمًا، وإمّا أنْ تَنْصِبَ لك عليها دَلْوًا، وأَنْصِبَ عليها دَلْوًا، فاخْتَارَ يَوْمًا ويَوْمًا، فكان النّاسُ يَسْتَقونَ منها في يومِ عثمانَ لليَوْمَيْنِ، فقال اليَهُودِىُّ: أَفْسَدْتَ عَلَىَّ بِئْرِى، فاشْتَرِ باقِيَها. فاشْتَراه بثَمانِيَةِ آلافٍ. وفى هذا دَلِيلٌ على صِحَّةِ بَيْعِها وتَسْبِيلِها، ومِلْكِ ما يَسْتَقِيه منها، وجَوازِ قِسْمَةِ مائِها بالمُهايَأَةِ (٢)، وكونِ مالِكِها أحَقَّ بمائِها، وجوازِ قِسْمَةِ ما فيه حَقٌّ وليس بمَمْلُوكٍ. فصل: فأمّا المَصانِعُ المُتَّخَذَةُ لِمياهِ الأَمْطارِ تَجْتَمِعُ فيها، ونحوُها مِن البِرَكِ وغيرِها، فالأَوْلى أنَّه يُمْلكُ ماؤُها، ويَصِحُّ بَيْعُه إذا كان

стр. 5104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَعْلُومًا؛ لأنَّه مُباحٌ حَصَّلَه بشئٍ مُعَدٍّ له، فمَلَكَه (١)، كالصَّيْد يَحْصُلُ في شَبَكَتِه، والسَّمَكِ في بِرْكَةٍ مُعَدَّةٍ له، ولا يَحِلُّ (٢) أخْذُ شئٍ منه بغيرِ إذْنِ مالِكِه. وكذلك إن جَرَى مِن نهرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ ماءٌ إلى بِرْكَةٍ له في أرْضِه، يَسْتَقِرُّ الماءُ فيها لا يَخْرُجُ منها، فحُكْمُه حُكْمُ مِياهِ الأَمْطَارِ تَجْتَمِعُ في البِركَةِ، قِياسًا عليه. واللَّهُ أعْلَمُ. فصل: وإذا اشْتَرَى ممَّن في مالِه حَلالٌ وحَرام، كالسُّلْطانِ الظالِمِ والمُرَابِى؛ فإن عَلِمَ أنَّ المَبِيعَ مِن حَلالٍ، فهو حَلَالٌ، وإن عَلِمَ أنَّهُ مِن الحَرامِ، فهو حَرَامٌ، ولا يُقْبَلُ قولُ المُشْتَرِى عليه في الحُكْمِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أَنّ ما في يَدِ الإِنْسانِ مِلْكُهُ. فإن لم [يَعْلَمْ مِن أيِّهما] (٣) هو، كُرِه؛ لاحْتِمالِ التَّحْرِيمِ فيه، ولم يَبْطُلِ البَيْعُ؛ لإِمْكانِ الحَلالِ، سَواءٌ قَلَّ الحرامُ أو كَثُرَ. وهذا هو الشُّبْهَةُ، وبقَدْرِ قِلَّةِ الحَرَامِ وكَثْرَتِه، تَكْثُرُ الشُّبْهَةُ وتَقِلُّ. قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أنْ يَأْكُلَ منه؛ وذلك لِما رَوَى النُّعْمانُ بنُ بَشيرٍ أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أمورٌ مُشْتَبِهاتٌ، لا يَعْلَمُها كثيرٌ مِنَ النّاسِ، فمَنِ اتَّقَى الشّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لدِينِه وعِرْضِه، ومَن وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحرامَ، كالرّاعِى يَرْعَى حولَ

стр. 5105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فيه، ألَا وإنَّ لِكُلِّ ملِكٍ حِمًى، ألَا (١) وإنّ حِمَى اللَّهِ مَحارِمُه». مُتَّفَقٌ عليه (٢). واللَّفْظُ لمُسْلِمٍ. ولَفْظُ البُخَارِىِّ: «فمَنْ تَرَكَ ما شُبِّهَ (٣) عليه، كان لِما اسْتَبَانَ أتْرَكَ، ومَنِ اجْتَرَأَ على ما يَشُكُّ فيه مِن المأْثَمِ، أَوْشَكَ أنْ يواقِعَ ما اسْتَبانَ». ورَوَى الحَسَنُ بنُ عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ ﷺ أنّه قال: «دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لَا يَرِيبُكَ» (٤). وهذا مَذْهَبُ الشافِعِىِّ.

стр. 5106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والمَشْكُوكُ فيه على ثَلَاثَةِ أضْرُبٍ؛ ما أصْلُه الحَظْرُ، كالذَّبِيحَةِ في بَلْدَةٍ فيها مَجُوسٌ وعَبَدَةُ أَوْثانٍ يَذْبَحُونَ، فلا يَجُوزُ شِراؤُها، وإنْ جازَ أنْ تكونَ ذَبِيحَةَ مُسْلِمٍ؛ لأنَّ الأصْلَ التَّحْرِيمُ، فلا يَجُوزُ إلَّا بِيَقِينٍ أو ظاهِرٍ. وكذلك إنْ كان فيها أخْلاطٌ مِن المُسْلِمِينَ والمَجُوسِ، لم يَجُزْ شِراؤُها؛ لذلك. والأصْلُ فيه حَدِيثُ عَدِىِّ بنِ حاِتمٍ: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فخالَطَ أَكْلُبًا لم يُسَمَّ عليها، فلا تَأْكُلْ، فإنَّكَ لا تَدْرِى أيُّها قَتَلَه». مُتَّفَقٌ عليه (١). فأمّا إنْ كان ذلك في بَلَدِ الإِسْلامِ، فالظَّاهِرُ إباحَتُها؛ لأنَّ المُسْلِمِينَ لا يُقِرُّونَ في بَلَدِهم بَيعَ ما لا يَحِلُّ بَيْعُه ظاهِرًا.

стр. 5107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّانِى، ما أَصْلُه الإِباحَةُ، كالماءِ يَجدُه مُتَغَيِّرًا، لا يَعْلَمُ بنَجَاسَةٍ تَغَيَّرَ، أو غيْرِها؟ فهو طاهِرٌ في الحُكْمِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فلا يَزُولُ عنها إلَّا بِيَقِينٍ أو ظاهِرٍ، ولم يوجَدْ واحِدٌ منهما. والأصْلُ في ذلك حَدِيثُ عبدِ اللَّهِ ابنِ زَيْدٍ، رضِىَ اللَّهُ عنه، قال: شُكِىَ إلى النَّبِىِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إليه في الصَّلَاةِ أنَّه يَجِدُ الشَّئَ، قال: «لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجدَ رِيحًا». مُتَّفَقٌ عليه (١). الثالِثُ، ما لا يُعْرَفُ له أصْلٌ كَرجُلٍ في مالِه حَلالٌ وحَرامٌ، فهذا هو الشُّبْهَةُ التى الأَوْلَى تَرْكُها، على ما ذَكَرْناهُ، وعَمَلًا بما رُوِى عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه وَجَدَ تمْرَةً ساقِطَةً، فقال: «لَوْلا أنِّى أَخْشَى أَنَّها مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُها» (٢). وهو مِن بابِ الوَرَعَ. فصل: وكان أحمدُ لا يَقْبَلُ جوائِزَ السُّلْطانِ، ويُنْكِرُ على وَلَدِه وعَمِّه قَبُولَها، ويُشَدِّدُ في ذلك. ومِمَّنْ كان لا يَقْبَلُها؛ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والقاسِمُ، وبُسْرُ (٣) بنُ سَعِيدٍ، ومحمدُ بنُ واسِعٍ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ

стр. 5108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُبارَكِ، وكان هذا مِنْهم على سَبِيلِ الوَرَعِ، لا على أَنَّها حَرامٌ، فإنَّ أحمدَ قال: جَوائِزُ السُّلْطانِ أَحَبُّ إلَىَّ مِن الصَّدَقَةِ. وقال: ليس أحَدٌ مِن المُسْلِمِينَ إلَّا وله في هذه الدَّرَاهِمِ نصِيبٌ، فكَيْفَ أَقُولُ إنّها سُحْتٌ. ومِمَّنْ كان يقبلُ جَوائِزَهم ابنُ عمرَ، وابنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وغيرُهم، مثلُ: الحَسَنِ، والحُسَيْنِ، وابنِ جَعْفَرٍ. ورَخَّصَ فيه الحَسَنُ البَصْرِىُّ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِىُّ، والشّافِعِىُّ. واحْتَجَّ بَعْضُهم بأن النبىَّ ﷺ اشْتَرَى مِن يَهُودِىٍّ طَعامًا (١)، وماتَ ودِرْعُه مَرْهُونَةٌ عِنْدَه (٢). وأجابَ يَهُودِيًّا دَعاهُ، وأكل مِن طعامِه (٣). وقد أخْبَرَ اللَّه تعالى أنَّهم أَكّالُونَ للسُّحْتِ (٤). ورُوِىَ عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنّه قال: لا بَأْسَ

стр. 5109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بجَوائِزِ السُّلْطانِ، فإنَّ ما يُعْطِيكُم مِن حَلالٍ أكثرُ مِمّا يُعْطِيكُم مِن الحرامِ. وقال: لا تَسْأْلِ السُّلْطانَ شَيْئًا، وإنْ أعْطَى فخُذْ، فإنَّ ما في بَيْتِ المالِ مِن الحَلالِ أكْثَرُ مِمّا فيه مِن الحَرامِ. فصل: قال أحمدُ، في مَن معه ثَلَاثةُ دَراهِمَ فيها دِرْهَمٌ حَرامٌ: يَتَصَدَّقُ بالثَّلَاثَةِ، وإنْ كانَ معه مائَتا دِرْهَمٍ، فيها عَشَرَةُ دَراهِمَ حَرامٌ، تَصَدَّقَ بالعَشَرَةِ؛ لأنَّ هذا كثيرٌ وذاكَ قَلِيلٌ. قيلَ له: قال سُفْيَانُ: ما كان دُونَ العَشَرَةِ يُتَصَدَّقُ به، وما كان أكْثَرَ يُخْرجُ. قال: نعم، لا يُجْحَفُ به. قال القاضِى: ليس هذا على سَبِيلِ التَّحْدِيدِ، وإنَّما هو على سَبِيلِ الاخْتِيارِ؛ لأنَّه كُلَّما كَثُرَ الحَلالُ بَعُدَ تناوُلُ الحَرام، وشقَّ التَّوَرُّعُ عن الجَمِيعِ، بخِلافِ القَلِيلِ، فإنَّه يَسْهُلُ إخْراجُ الكلِّ. والواجِبُ في المَوْضِعَين إخراجُ قَدْرِ الحَرام، والباقِى له، وهذا لأنَّ تَحْرِيمَه لم يكُنْ لتَحْرِيمِ عيْنِه، وإنَّما حُرِّمَ لتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِه به، فإذا أخرجَ عِوَضَه زالَ التَّحْرِيمُ، كما لو كان صاحِبُه حاضِرًا فرَضِىَ بعِوَضِه، وسواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا. والوَرَعُ إخْراجُ ما يُتَيَقَّنُ به إخْراجُ عَيْنِ الحَرام، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بإخْرَاجِ الجَمِيعِ، لكنْ لمّا شقَّ ذلك في الكَثِيرَ، تُرِكَ لأجْلِ

стр. 5110

فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَلَا يَجْوزُ بَيْعُ الْآبِقِ، وَلَا الشَّارِدِ، وَلَا الطَّيْرِ في الْهَوَاءِ، وَلَا السَّمَكِ في الْمَاءِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ. ــ المَشَقَّةِ فيه، واقتُصِرَ على الواجِبِ. ثم يَخْتَلِفُ هذا باخْتِلافِ النّاسِ؛ فمنهم مَن لا يكونُ له سِوَى الدَّراهِمِ اليَسِيرَةِ، فيَشُقُّ إخْراجُها؛ لحاجَتِه إليها، ومنهم مَن يَكُونُ له مالٌ (١) كثيرٌ، فيَسْتَغْنِى عنها، فيَسْهُلُ إخْراجُها. واللَّهُ تعالى أعْلَمُ. (فصل: الخامِسُ، أن يكونَ مَقْدُورًا على تَسْلِيمِه، فلا يَجُوز بَيْعُ الآبِقِ، ولا الشارِدِ، ولا الطَّيْرِ في الهَواءِ، ولا السَّمَكِ في الماءِ، ولا المَغْصُوبِ إلَّا مِن غاصِبِه، أو مِمَّن يَقْدِرُ على أَخْذِه منه) بَيْعُ العَبْدِ الآبِقِ لا يَجُوزُ، سَواءٌ عَلِمَ بمكَانِه أو جَهِلَه. وكذلك ما في مَعْناهُ؛ مِن الجَمَلِ الشارِدِ، والفَرَسِ العائِرِ (٢) وَشِبْهِهما. وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحَابُ الرَّأْى. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنّه

стр. 5111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اشْتَرَى مِن بعضِ ولَدِه بَعِيرًا شارِدًا. وعن ابنِ سِيرِينَ؛ لا بَأْسَ بِبَيْعِ الآبِقِ، إذا كان عِلْمُهما فيه واحِدًا. وعن شُرَيْحٍ مِثْلُه. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن بَيْعِ الحَصَاةِ، وعن بَيْعِ الغَرَرِ. رَواهُ مُسْلِمٌ (١). وهذا بَيْعُ غَرَرٍ، ولأنَّه غيرُ مَقْدُورٍ على تَسْلِيمِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالطَّيْرِ في الهَواءِ، فإنْ حَصَلَ في يَدِ إنْسَانٍ، جازَ بَيْعُه؛ لإِمْكانِ تَسْلِيمِه. فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّيْرِ في الهواءِ، مَمْلُوكًا كان أو لَا؛ أمّا

стр. 5112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَمْلُوكُ، فلأَنَّه غيرُ مَقْدُورٍ عليه، وغيرُ المَمْلُوكِ لا يَجُوزُ لِعِلَّتَيْنِ؛ عَدَمُ القُدْرَةِ، وعَدَمُ المِلْكِ؛ لحَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ، قيلَ في تَفْسِيرِه: هو بَيْعُ الطَّيْرِ في الهواء، والسَّمَكِ في الماءِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا, ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الطائِرِ يَأْلَفُ الرُّجُوعَ، أو لا يَأْلَفُه؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه الآنَ، وإنَّما يَقْدِرُ إذا عادَ. فإنْ قيلَ: فالغائِبُ في مَكانٍ بَعيدٍ لا يَقدِرُ على تَسْلِيمِه في الحالِ! قُلْنا: الغائِبُ يَقْدِرُ على اسْتِحْضارِه، والطَّيْرُ لا يَقْدِرُ صاحِبُه على رَدِّه، إلَّا أنْ يَرْجِعَ هو بنَفْسِه، ولا يَسْتَقِلُّ مالِكُه برَدِّه، فيكونُ عاجِزًا عن تَسْلِيمِه، لعَجْزِه عن الواسِطَةِ التى يَحْصُلُ بها تَسْلِيمُه، بخِلافِ الغائِبِ. وإن باعَهُ الطَّيْرَ في البُرْجِ، نَظرتَ؛ فإن كان البُرْجُ مَفْتُوحًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الطَّيْرَ إذا قَدَرَ على الطَّيَرانِ لم يُمْكِنْ تَسْلِيمُه، فإن كان مُغْلَقًا ويُمكِنُ أخْذُه، جازَ بَيْعُه. وقال القاضِى: إن لم يمكِنْ أخْذُه إلَّا بتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، لم يَجُزْ بَيْعُه. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. وهو مُلْغًى بالبَعِيدِ الذى لا يُمْكِنُ إِحْضَارُه إلَّا بتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ. وفَرَّقُوا بينهما، بأنَّ البَعِيدَ تُعْلَمُ الْكُلْفَةُ التى يحتاجُ إليها في إحْضارِه بالعادَةِ، وتَأخِيرُ التَّسْلِيمِ مُدَّتُه مَعْلُومَةٌ. والصَّحِيحُ أنَّ تَفاوُتَ المُدَّةِ في إحْضارِ البَعِيدِ، واخْتِلافَ المَشَقَّةِ أكْثَرُ مِن التَّفاوُتِ والاخْتِلافِ (١) في إِمْساكِ طائِرٍ مِن البُرْجِ، والعادَةُ تكونُ في هذا

стр. 5113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالعَادَةِ في ذلك، فإذا صَحَّ في البَعِيدِ مع كَثْرةِ التَّفَاوُتِ وشِدَّةِ اخْتِلافِ المَشَقَّةِ، فهذا أوْلَى. فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمَكِ في الآجامِ. هذا قولُ أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ أنّه نَهَى عنه، وقال: إنَّه غرَرٌ (١). وكَرِهَهُ الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ، وأبو يُوسُفَ، وأبو ثَوْرٍ. ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ والمَعْنَى. فإن باعَه في الماءِ، جازَ بثَلَاثةِ شُروطٍ؛ أحَدُها، أنْ يكونَ مَمْلُوكًا. وأنْ يكونَ الماءُ رقِيقًا، لا يمنعُ مُشاهَدَتَه ومَعْرِفَتَه. وأنْ يُمْكِنَ اصْطِيادُه؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ مَعْلُومٌ يمكنُ تَسْلِيمُه، فجازَ بَيْعُه، كالمَوْضُوعِ في طَسْتٍ في الماءِ. وإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ ممّا ذَكَرْنا، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لفَواتِ الشَّرْطِ. ورُوِىَ عن عمرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ أبى لَيْلَى، في مَن له أُجْمَةٌ يَحْبِسُ السَّمَكَ فيها، يجُوزُ

стр. 5114

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَيْعُه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه ظاهِرًا، أشْبَهَ ما يَحْتَاجُ إلى مُؤْنَةٍ في الكَيْلِ أو الوَزْنِ والنَّقْلِ. ولَنا، قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عمرَ: لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ في الماءِ؛ لأنَّه غَرَرٌ، ولأنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْع الغَرَرِ، وهذا منه، ولأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه إلَّا بعدَ اصْطِيادِه، أشْبَهَ الطَّيْرَ في الهَواءِ، ولأنَّه مَجْهُولٌ، أشْبَهَ اللَّبَنَ في الضَّرْعِ، ويُفارِقُ ما قَاسُوا عليه؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَةِ القَبْضِ، وهذا يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ ليُمْكِنَ قَبْضُه، فأمّا إن كانت له بِرْكَةٌ له فيها سَمَكٌ يُمْكِنُ اصْطِيَادُه بغيرِ كُلْفَةٍ، والماءُ رَقِيقٌ لا يَمْنَعُ المُشاهَدَةَ، صَحَّ بَيْعُه، على ما ذَكَرْنا، وإن لم يُمْكِنْ إلَّا بمشَقَّةٍ وكُلْفَةٍ، وكانت يَسِيرَةً، بمَنْزِلَةِ اصْطِيادِ الطّائِرِ مِن البُرْجِ، فالقَوْلُ فيه كالقَوْلِ في بَيْعِ الطّائِرِ في البرجِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ. وإن كانت كَثِيرَةً تَتَطَاوَلُ المُدَّةُ فيه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ للعَجْزِ عن تَسْلِيمِه في الحالِ، والجَهْلِ بإمْكانِ وقْتِ (١) التَّسْلِيمَ. فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ المَغْصُوبِ؛ لعَدَمِ إمْكانِ تَسْلِيمِه، فإن باعَه

стр. 5115

فَصْلٌ: السَّادِسُ، أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؛ بِرُؤْيَةٍ، أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ. ــ لغاصِبِه أو لقادِرٍ على أخْذِه منه، جازَ؛ لعَدَمِ الغرَرِ فيه، ولإِمْكانِ قَبْضِه. وكذلك إن باعَ الآبِقَ لقادِرٍ عليه، صَحَّ كذلك، وإنْ ظَنَّ أَنَّه قادِرٌ على اسْتِنْقاذِه مِمّن هو في يَدِه، صَحَّ البَيْعُ. فإن عَجَزَ عن اسْتِنْقاذِه، فله الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ؛ لأنَّ العَقْدَ صَحَّ لكَوْنِه مَظْنُونَ القُدْرَةِ على قَبْضِه، وثَبَتَ له الفَسْخُ؛ للعَجْزِ عن القَبْضِ, فهو كما لو باعَهُ فَرَسًا فشَرَدَتْ قبلَ تَسْلِيمِها، أو غَائِبًا بالصِّفةِ، فَعَجَزَ عن تَسْلِيمِه. فصل: (السادِسُ، أن يكُونَ مَعْلُومًا؛ برُؤْيةٍ، أو صِفَةٍ تحصُلُ بها
следующие страницы →