← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

إِلَّا الصَّبِىَّ الْمُميِّزَ، وَالسَّفِيهَ؛ فَإنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإذْنِ وَلِيِّهِمَا، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِلَّا في الشَّىْءِ الْيَسِيرِ. ــ أذِنَ له وَلِيُّه، أو لم يَأذَنْ. فأمّا (الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، والسَّفِيهُ، فيَصِحُّ تَصَرُّفُهما بإذْنِ ولِيِّهما، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. ولا يَصِحُّ بغَيْرِ إذْنِهما، إلَّا في الشئِ اليَسِيرِ) يَصِحُّ تَصَرُّفُ الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ، بالبَيْعِ والشِّراءِ فيما أذِنَ له الوَلِىُّ فيه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. وهو قولُ أبى حَنِيفة. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ حتى يَبْلُغَ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ غيرَ المُمَيِّزِ. ولأنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ منه على الحَدِّ الذى يَصِحُّ به التَّصَرُّفُ؛ لخَفائِه وَتَزايُدِه تَزَايُدًا خَفِىَّ التَّدْرِيجِ، فجَعَلَ الشّارِعُ له ضابِطًا، وهو البُلُوغُ، فلا تَثْبُت له أحْكَامُ العُقَلاءِ قبلَ وجُودِ المَظِنَّةِ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). مَعْناهُ، اخْتَبِرُوهُم لتَعْلَمُوا رُشْدَهُمْ، وإنَّما يَتَحَقَّقُ ذلك بتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إليهم مِن البَيْعِ والشِّراءِ؛ ليُعْلَمَ هل تَغَيَّرَ (٢) أو لا، ولأنَّه عاقِلٌ مُمَيِّزٌ مَحْجُورٌ عليه، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُه بإذْنِ وَلِيِّه، كالعَبْدِ. وفارَقَ غيرَ المُمَيِّزِ، فإنّه لا تَحْصُلُ له المَصْلَحَةُ بتَصَرُّفِه؛ لعَدَمِ تَمْيِيزِه ومَعْرِفَتِه، ولا حاجَةَ إلى اخْتِبارِه؛ لأنَّه قد عُلِمَ حالُه. وقَوْلُهم: إنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليه.

стр. 5042

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قلنا: يُعْلَمُ ذلك بتَصَرُّفاتِه وجَرَيانِها على وَفْقِ المَصْلَحَةِ، كما يُعْلَمُ في حَقِّ البالِغِ، فإنَّ مَعْرِفَةَ رُشْدِه شَرْطٌ لدَفْعِ مالِه إليه وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، كذا ههُنا. فأمّا إنْ تَصَرَّفَ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه، إلَّا في الشئِ اليَسِيرِ. وكذلك تَصَرُّفُ غيرِ المُمَيِّزِ؛ لِما رُوِى أنَّ أبا الدَّرْداءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، اشْتَرَى مِن صَبِىٍّ عُصْفُورًا، فأرْسَلَه. ذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويَقِفَ على إجازَةِ الوَلِىِّ. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ. وهو مَبْنِىٌّ على تَصَرُّفِ الفُضُولِىِّ، وسَنَذْكُرُه، إنْ شاء اللَّهُ تعالى. وكذلك الحُكْمُ في تَصَرُّفِ السَّفِيهِ بإذْنِ وَلِيِّه، فيه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فمَلَكَه بالإِذْنِ، كالنِّكاحِ، وقِياسًا على الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الحَجْرَ على الصَّبِىِّ أعْلَى مِن الحَجْرِ عليه، فههُنا أوْلَى بالصِّحَّةِ، ولأنَّنا لو مَنَعْنا تَصَرُّفَه بالإِذْنِ، لم يَكُنْ لنا طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ رُشْدِه واخْتِبارِه.

стр. 5043

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثانِيَةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه لتَبْذِيرِه وسُوءِ تَصَرُّفِه، فإذا أذِنَ له، فقد أذِنَ فيما لا مَصْلَحَةَ فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو أذِنَ له في بَيْعِ ما يُساوِى عَشْرَةً بخَمْسَةٍ. وللشافعىِّ وَجْهان كهاتين. ويَصِحُّ تَصَرُّفه في الشئِ اليَسِيرِ، كالصَّبِىِّ.

стр. 5044

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَالًا؛ وَهُوَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَدُودِ الْقَزِّ وَبَزْرِهِ، وَالنَّحْلِ مُنْفرِدًا، وَفِى كُوَارَاتِهِ. ــ (فصل، الثّالِثُ، أن يَكونَ المَبِيعُ مَالًا؛ وهو ما فيه مَنْفَعَةٌ مُباحَةٌ لغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فيَجُوزُ بَيْعُ البَغْلِ، والحِمارِ، ودُودِ القَزِّ وبَزْرِه، والنَّحْلِ مُنْفَرِدًا، وفى كُواراتِه) (١) قَوْلُه: لغيرِ ضَرُورَةٍ. احْتِرازٌ مِن المَيْتَةِ، والمُحَرَّماتِ التى تُباحُ في حالِ المَخْمَصَةِ، والخَمْرُ يُباحُ دَفْعُ اللُّقْمَةِ بها، فكُلُّ عَيْنٍ مَمْلُوكَةٍ يَجُوزُ اقْتِناؤْها والانْتِفَاعُ بها في غيرِ حالِ

стр. 5045

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الضَّرُورَةِ، يَجُوزُ بَيْعُها، إلَّا ما اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ، كالكَلْبِ، وأُمِّ الوَلَدِ، والوقفِ؛ لأنَّ المِلْكَ سَبَبُ إطْلاقِ التَّصَرُّفِ. والمَنْفَعَةُ المُبَاحَةُ يُباحُ له اسْتِيفاؤُها (١)، فجاز له أخْذُ عِوَضِها، وأُبِيِحَ لغَيْرِه بَذْلُ مالِه فيها تَوَصُّلًا إليها، ودَفْعًا لحاجَتِه بها، كسائِرِ ما أُبِيحَ نفْعُه، وسَواءٌ في ذلك ما كان طاهِرًا؛ كالثِّيَابِ، والعَقارِ، وبَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخَيْلِ، والصَّيُودِ (٢)، أو مُخْتَلَفًا في نَجاسَتِه؛ كالبَغْلِ، والحِمارِ. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. ويَجُوزُ بَيْعُ الجَحْشِ الصَّغِيرِ، والفَهْدِ الصَّغِيرِ، وفَرْخِ البازِى إذا قلْنَا بجَوازِ بَيْعِها؛ لأنَّه يُنْتَفَعُ به في المالِ، فأشْبَهَ طِفْلَ العَبِيدِ.

стр. 5046

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَجوزُ بَيْعُ دُودِ القَزِّ وبَزْرِه (١). وقال أبو حنيفةَ: إن كان مع دُودِ القَزِّ قَزٌّ، جاز بَيْعُه، وإلَّا فلا؛ لأنَّه لا يُنْتَفَعُ بعَيْنِه، فهو كالحَشَراتِ. وقِيلَ: لا يَجُوزُ بَيْعُ بَزْرِه (١). ولَنا، أنّه حَيَوانٌ طاهِرٌ، يَجُوزُ اقْتِناؤُه لتملُّك ما يَخْرُجُ منه، أشْبَهَ البَهائِمَ، ولأنَّ الدُّودَ وبَزْرَه طاهِرٌ، مُنْتَفَعٌ به، فجاز بَيْعُه، كالثَّوْبِ. وقولُه: لا يُنْتَفَعُ بعَيْيه. يَبْطُلُ بالبَهائِمِ التى لا يَحْصُلُ منها نَفْعٌ سِوَى النِّتاجِ، ويُفارِقُ الحَشَراتِ التى لا نَفْعَ فيها أصْلًا، فإنَّ نَفْعَ هذه كَثِيرٌ؛ لأنَّ الحَرِيرَ الذى هو أشْرَفُ الملابِسِ إنَّما يَحْصُلُ منها.

стр. 5047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إذا شاهَدَها مَحْبُوسَةً، بحيث لا يُمْكِنُها أن تَمْتَنِعَ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ بَيْعُها مُنْفَرِدَةً؛ لِما (١) ذَكَر في دُودِ القَزِّ. ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ طاهِرٌ، يَخْرُجُ مِن بَطنِه شَرابٌ فيه مَنافِعُ للنّاسِ، فجاز بَيْعُه، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ. واخْتَلَفَ أصْحابُنا في بَيْعِها في كُوَاراتِها، فقال القاضِى: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مُشاهَدَتُها جَمِيعِها، ولأنَّها لا تَخْلُو مِن عَسَلٍ يكونُ مَبِيعًا معها، وهو مَجْهُولٌ. وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بَيْعُها في كُوَاراتِها، ومُنْفَرِدَةً عنها، فإنّه يُمْكِنُ مُشَاهَدَتُها في كُوَاراتِها إذا فُتِحَ رَأْسُها، ويُعْرَفُ كَثْرَتُه مِن قِلَّتِه، وخَفاءُ بَعْضِه لا يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِه، كالصُّبْرَةِ، وكما لو كان في وِعاءٍ، فإنّ بَعْضَه يكونُ على بَعْضٍ، فلا يُشاهَدُ إلَّا ظاهِرُه، والعَسَلُ يَدْخُلُ في البَيْعِ تَبَعًا، فلا تَضُرُّ جَهالَتُهِ، كأَساساتِ

стр. 5048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحِيطانِ. فإن لم يُمْكِنْ مُشاهَدَتُه؛ لكَوْنِه مَسْتُورًا بأقْراصِه، ولم يُعْرَفْ، لم يَجُزْ بَيْعُه لجَهالَتِه.

стр. 5049

وَيَجُوزُ بَيْعُ الْهِرِّ، وَالْفِيل، ــ فصل: وفى بَيْعِ العَلَقِ (١) التى يُنْتَفَعُ بها، كالتِى تُعَلَّقُ على صاحِبِ الكَلَفِ (٢)، فَتَمُصُّ الدَّمَ، والدِّيدانِ التى تُتْرَكُ في الشِّصِّ، فيُصادُ بها السَّمَكُ، وَجْهان؛ أصَحُّهما جَوازُ بَيْعِها؛ لحُصُولِ نَفْعِها، فهى كالسَّمَكِ. والثّانِى، لا يَجُوزُ بَيْعُها؛ لأنَّها لا يُنتفَعُ بها إلَّا نادِرًا، فأشْبَهَت ما لا نَفْعَ فيه. ١٥٥١ - مسألة: (ويَجُوزُ بَيْعُ الهِرِّ، والفِيلِ ،

стр. 5050

وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِى تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إِلَّا الْكَلْبَ. اخْتَارَهَا الْخِرَقِىُّ. وَالأُخْرَى، لَا يَجُوزُ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ. ــ وسِباعِ البَهائِمِ التى تَصْلُحُ للصَّيْدِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إلَّا الكَلْبَ. اخْتارَها الخِرَقِىُّ. والأُخْرَى، لا يَجُوزُ. اخْتارَها أبو بَكْرٍ) يَجُوزُ بَيْعُ الهِرِّ. وبه قال ابنُ عباسٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ، أنَّه كَرِه ثَمَنَها. ورُوِىَ ذلك عن أبى هُرَيْرَةَ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وجابرِ ابنِ زيدٍ. اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لِما روَى مُسْلِمٌ (١) عن جابِرٍ، أنَّه سُئِلَ عن ثَمَن السِّنَّوْرِ، فقال: زَجَر النبىُّ ﷺ عن ذلك. وفى لَفْظٍ، أنَّ النبىَّ

стр. 5051

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ نَهَى عن ثَمَنِ السِّنَّوْرِ. رَواه أبو داودَ (١). ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ يُباحُ اقْتِنَاؤُه مِن غيرِ وعِيدٍ في حَبْسِه، فجازَ بَيْعُه، كالبَغْلٍ والحِمارِ، ويُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ على غيرِ المَمْلُوكِ منها، وعلى ما لا نفعَ فيه منها، بدَلِيل ما ذَكَرنا. فصل: ويَجُوزُ بَيْعُ الفِيلِ، وسِباعِ البَهائِمِ، والطَّيْرِ الذى يَصْلُحُ للصَّيْدِ؛ كالفَهْدِ والصَّقْرِ والبَازِى والعُقابِ، والطَّيْرِ المَقْصُودِ صَوْرتُه؛ كالهَزَارِ (٢) والبُلْبُلِ والببغَةِ، وأَشْباهِ ذلك. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزِيزِ، وابنُ أبى موسى: لا يَجُوزُ بَيْعُ الفَهْدِ والصَّقْرِ والفِيلِ ونحوِها؛ لأنَّها نَجِسَةٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كالكَلْبِ. ولَنا، أنّه حَيَوانٌ يُباحُ

стр. 5052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اقْتِناؤُه مِن غيرِ وعيدٍ في حَبْسِه، فأُبِيحَ بَيْعُه، كالبَغْلِ والحمارِ. وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بالبَغْلِ والحمارِ، وحُكْمُهما حُكْمُ سِباعِ البَهائِمِ في الطَّهارَةِ والنَّجَاسَةِ وإباحَةِ الاقْتِناءِ والانْتِفاعِ. وأَمَّا الكَلْبُ، فإنَّ الشَّرْعَ تَوَعَّدَ على اقْتِنائِه وحَرَّمَهُ، إلَّا في حالِ الحاجَةِ، فَصَارَتْ إبَاحَتُه ثابتَةً بطرَيقِ الضَّرُورَةِ، ولأنَّ الأصْلَ إباحَةُ البَيْعِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١). خرجَ (٢) منه ما اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ لمعانٍ غيرِ مَوْجُودَةٍ في هذا،

стр. 5053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَيَبْقَى على أَصْلِ الإِبَاحَةِ. فإن كان الفَهْدُ والصَّقْرُ ونحوُهما ليس بمُعَلَّمٍ، ولا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لعَدَمِ النَّفْعِ به. وإن أمْكَنَ تَعْلِيمُه، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّ مآله إلى الانْتِفاعِ، أشْبَهَ الجَحْشَ الصَّغِيرَ. فأمّا ما يُصادُ عليه، كالبُومَةِ التى يَجْعَلُها (١) شُبَاشًا (٢)؛ لتَجْمَعَ الطَّيْرَ إليها، فَيَصِيدَه الصَّيّادُ، فيَحْتَمِلُ جوازُ بَيْعِها للنَّفْعِ الحاصِلِ منها، ويَحْتَمِلُ المَنْعُ؛ لأنَّ ذلك مَكْرُوهٌ لِما فيه مِن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ. وكذلك اللَّقْلَقُ (٣) ونحوُه.

стр. 5054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمَّا بَيْضُ ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه مِن الطَّيْرِ، فإنْ لم يَكُنْ فيه نَفعٌ، لم يَجُزْ بَيْعُه، طاهِرًا كان أو نَجِسًا. وإن كان يُنْتَفَعُ به، بأن يَصِيرَ فَرْخًا، وكان طاهِرًا، جازَ بَيْعُه؛ لأَنَّه طاهِرٌ مُنْتَفعٌ به، أَشبَهَ أصْلَه، وإن كان نَجِسًا، كبَيْضِ البازِىِّ والصَّقْرِ ونَحوِه، فحُكْمُه حُكْمُ فَرْخِه. وقال القاضِى: لا يَجُوزُ بَيْعُه؛ لنَجَاسَتِه، وكَوْنِه لا يُنْتَفَعُ به في الحالِ. وما ذَكَرَ مُلْغًى بفَرْخِه، وبالجَحْش الصَّغِيرِ. فصل: قال أحمدُ: أكْرَهُ بيعَ القِرْدِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا مَحْمُولٌ على بَيْعِه للإِطافَةِ به واللَّعِبِ. فأَمَّا بَيْعُه لمَنْ يَنْتَفِعُ به لحِفْظِ المَتَاعِ والدُّكَّانِ ونحوِه، فَيَجُوزُ، لأَنَّه كالصَّقْرِ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. وقِياسُ قَوْلِ أبى بَكْر وابنِ أبى مُوسَى المَنْعُ مِن بَيْعِه مُطْلَقًا.

стр. 5055

وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ وَالْمَرِيضِ. وَفِى بَيْع الجَانِى والْقَاتلِ في الْمُحَارَبَةِ، وَلَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ وَجْهَانِ. ــ ١٥٥٢ - مسألة: (ويَجُوزُ بَيْعُ العَبْدِ المُرْتَدِّ والمَرِيضِ. وفى بَيْعِ الجانِى والقاتِلِ في المُحارَبَةِ، ولَبَنِ الآدَمِيّاتِ وَجْهانِ) حُكْمُ بيْعِ المُرْتدِّ حُكْمُ القاتِل؛ في صِحَّةِ بَيْعِه، وسائِر أحْكَامِهِ. وبَيْعُه جائِزٌ؛ لأنَّ قَتْلَه غيرُ مُتَحَتِّمٍ؛ لاحْتِمالِ رُجُوعِه إلى الإِسْلامِ، ولأَنَّه مَمْلُوكٌ مُنْتَفعٌ به، وخَشْيَةُ هَلاكِه لا تَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِه، كالمَرِيضِ، فإنّا لا نَعْلَمُ خِلافًا في صِحَّةِ بَيْعِ المَرِيضِ. فصل: ويَصِحُّ بَيْعُ العَبْدِ الجانِى، في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، سَواءٌ كانت

стр. 5056

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جِنَايَتُه عَمْدًا أو خَطَأً، على النَّفْسِ أو ما دُونَها، مُوجِبَةً للقِصَاصِ أو غيرَ مُوجِبَةٍ. وبهذا قال أبو حَنِيفةَ، والشّافِعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ. وقال في الآخرِ: لا يَصِحُّ بَيْعُه؛ لأنَّه تَعَلَّقَ برَقَبَتِه حَقُّ آدَمِىٍّ، فمَنَعَ صِحَّةَ بَيْعِه، كالرَّهْنِ، بل حَقُّ الجِنايَةِ آكَدُ؛ لأنَّها تُقَدَّمُ على حَقِّ المُرْتهِنِ. ولَنا، أَنّه حَقٌّ غيرُ مُسْتَقِرٍّ في الجانِى، يَمْلِكُ أَداءَه مِن غيرِه، فلم يَمْنَعِ البَيْعَ، كالزَّكَاةِ، أو حَقٌّ ثَبَتَ بغيرِ رِضَا سَيِّدِه، فلم يَمْنَعْ بَيْعَه، كالدَّيْنِ في ذِمَّتِه، أو تَصرُّفٌ في الجَانِى، فجازَ، كالعِتْقِ. وإنْ كان الحَقُّ قِصاصًا، فهو يُرْجَى سَلَامَتُه

стр. 5057

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويُخْشَى تَلَفُه، وذلك لا يَمْنَعُ، كالمريضِ. أَمّا الرَّهْنُ، فإنَّ الحَقَّ مُتَعَلِّقٌ فيه، لا يَمْلِكُ سَيِّدُه إبْدالَه، ثَبَتَ الحَقُّ فيه برِضَاهُ وَثِيقَةً للدَّيْنِ، فلو أَبْطَلَه بالبَيْعِ، سَقَطَ حَقُّ الوَثِيقَةِ الذى الْتَزَمَه برِضَاهُ واخْتِيارِه. فصل: فأمَّا القَاتِلُ في المُحارَبَةِ، فإنْ تابَ قبلَ القُدْرَةِ عليه، فهو كالجانِى. وإن لم يَتُب حتى قُدِرَ عليه، فقال أبو الخَطّابِ: هو كالقَاتِل في غيرِ مُحارَبَةٍ؛ لأَنَّه عَبْدٌ قِنٌّ يَصِحُّ إعْتاقُه، ويَمْلِكُ اسْتِخْدامَه، فصَحَّ بَيْعُه كغَيْرِ القاتِلِ، ولأنَّه يُمْكِنُه الانْتِفَاعُ به إلى حينِ قَتْلِه، ويَعْتِقُه فيجُرُّ به ولاءَ أوْلادِه، فجازَ بَيْعُه، كالمَرِيضِ المَأْيُوسِ مِن بُرْئِه. وقال القاضِى: لا يَصِحُّ بَيْعُه؛ لأنَّه تَحَتَّمَ قَتْلُه وإتْلافُه وإذْهابُ مالِيَّتِه، وحَرُمَ إبْقاؤُه، فَصارَ بمَنْزِلَةِ ما لا يُنْتَفَعُ به مِن الحَشَرَاتِ والمَيْتاتِ، وهذه المَنْفَعَةُ

стр. 5058

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اليَسِيرَةُ مُفْضِيَةٌ به إلى قَتْلِه، لا يَتَمَهَّدُ بها مَحلًّا للبَيْعِ، كالمَنْفَعَةِ الحاصِلَةِ مِن المَيْتَةِ لسَدِّ رَمَقٍ، أو إطْعامِ كَلْبٍ. والأوَّلُ أصَحُّ، فإنّه كان مَحلًّا للبَيْعِ، والأصْلُ بَقاءُ ذلك فيه، وانْحِتامُ إتْلافِه لا يَجْعَلُه تالِفًا؛ بدَلِيل أنَّ أَحْكامَ الحيَاةِ من التَّكْلِيفِ وغيرِه لا تَسْقُطُ عنه، ولا تَثْبُتُ أحْكامُ المَوْتَى له؛ مِن إِرثِ ما لِه، ونُفُوذِ وَصِيَّتِه، وغيرِها، ولأنَّ خُرُوجَه عن حُكْمِ الأصْلِ لا يَثْبُتُ إلَّا بدَلِيلٍ، ولا نَصَّ فيه ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الحَشَراتِ والمَيْتاتِ؛ لأنَّ تلك لم يكُنْ فيها مَنْفعَةٌ فيما مَضَى، ولا في الحالِ، وعلى أنّ هذا التَّحَتُّمَ (١) يُمْكِنُ زَوالُه؛ لزَوالِ ما يَثْبُتُ به؛ مِن الرُّجُوعِ عن الإِقْرارِ، والرُّجُوعِ مِن الشُّهودِ، ولو لم يُمْكِنْ

стр. 5059

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زَوالُه، فأَكْثَرُ ما فيه تَحَقُّقُ تَلَفِه، وهذا يَجْعَلُه كالمَرِيضِ المَأْيُوسِ مِن بُرْئِه، وبَيْعُه جائِزٌ. فصل: فأمَّا بَيْعُ لَبَنِ الآدَمِيّاتِ، فَرُوِيَتِ الكراهَةُ فيه عن أحمدَ. واخْتَلَفَ أصْحَابُنا في جَوازِه، [فظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ جوازُه] (١). وهو قولُ ابنِ حامِدٍ، ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِنَا إلى

стр. 5060

وَفِى جَوَازِ بَيْعَ الْمُصْحَفِ وَكَرَاهَةِ شِرَائِهِ وَإِبْدَالِهِ، رِوَايَتَانِ. ــ تَحْرِيمِ بَيْعِه. وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ، ومالِكٍ؛ لأنّه مائِعٌ خارِجٌ مِن آدَمِيَّةٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالعَرَقِ، ولأنَّهُ جُزْءٌ مِن آدَمِىٍّ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، أشبَهَ سائِرَ أجزائِه. والأَوَّل أصَحُّ؛ لأنَّه طاهِرٌ مُنْتَفعٌ به، فجازَ بَيْعُه، كلَبَنِ الشّاةِ، ولأنَّه يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه في إجارَةِ الظِّئْرِ، فأَشْبَهَ المنافِعَ، ويُفارِقُ العَرَقَ، فإنَّه لا نَفْعَ فيه، ولذلك لا يُباعُ عَرَقُ الشَّاةِ، ويُبَاعُ لَبَنُها. وسائِرُ أجْزاءِ الآدَمِىِّ يَجُوزُ بَيْعُها، فإنَّه يَجُوزُ بَيْعُ العَبْدِ والأمَةِ، وإِنّما حَرُمَ بَيْعُ الحُرِّ؛ لأنَّهُ غيرُ مَمْلُوكٍ، وحَرُمَ بَيْعُ العُضْوِ المَقْطُوعِ؛ لأَنَّه لا نَفْعَ فيه. ١٥٥٣ - مسألة: (وفى جَوازِ بَيْعِ المُصْحَفِ وكَراهَةِ شِرِائِه وإبْدالِه، رِوَايَتَانِ) قال أحمدُ: لا أعْلَمُ في بَيْعِ المَصاحِفِ رُخْصَةً

стр. 5061

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ورَخَّصَ في شِرائِها، وقال: الشِّرَاءُ أهْوَنُ. وممَّنْ كَرِهَ بَيْعَها ابنُ عمرَ، وابنُ عَبّاسٍ، وأبو مُوسَى، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وإسْحاقُ. قال ابنُ عمرَ: ودَدْتُ أنَّ الأَيْدِىَ تُقْطَعُ في بَيْعِها (١). وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بَيْعُ المُصْحَفِ، مع الكَرَاهَةِ. وهى رِوَايَةٌ عن أحمدَ؛ لأنَّه مُنْتَفَعٌ به، فأَشْبَهَ سائِرَ كُتُبِ العِلْمِ. وهل يُكْرَهُ شِراؤُه وإِبْدالُه؟ على رِوَايَتَيْنِ. ورَخَّصَ

стр. 5062

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في بَيْعِها الحَسَنُ، والحَكَمُ، وعِكْرِمَةُ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأنَّ البَيْعَ يَقَعُ على الوَرَقِ والجِلْدِ، وبَيْعُهُ مُبَاحٌ. ولَنا، قَوْلُ الصَّحَابَةِ، ولم نَعْلَمْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، ولأنَّه يَشْتَمِلُ على كَلامِ اللَّهِ تعالى، فَتَجِبُ صِيانَتُهُ عن البَيْعِ والإبتذالِ. أمّا الشِّراءُ فهو أسْهَلُ؛ لأنَّه اسْتِنْقاذٌ للمُصْحَفِ، وبَذْلٌ لمالِه فيه، فجاز، كما جاز شراءُ رِباعِ مَكَّةَ واسْتِئْجارُ دُورها، ولم يُرَ بَيْعُها ولا أَخْذُ أُجْرَتِها. وكذلك دَفْعُ الأجْرَةِ إلى الحجَّام لا يُكْرَهُ، مع كَراهِيَةِ كَسْبِه. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، يُكْرَهُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ منه كلامُ اللَّهِ تَعالَى، فَيَجِبُ صِيانته عن الابتِذالِ، وفى جوازِ شرائِه التَّسَبُّبُ إلى ذلك والمعونةُ عليه. ولا يَجُوزُ بَيْعُه لكافِرٍ، فإنِ اشْتَراهُ،

стр. 5063

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ، وَالْمَيْتَةِ، وَلَا شَىْءٍ مِنْهُمَا، وَلَا سِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِى لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، ــ فالبَيْعُ باطِلٌ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْى: يَجُوزُ، ويُجْبَرُ على بَيْعِه؛ لأَنَّه أهْل للشِّراء، والمُصْحَفُ مَحَلٌّ له. ولنا، أَنَّه يُمْنَع مِن اسْتِدَامَةِ المِلْكِ عليه، فمُنِعَ مِن ابْتِدَائِه، كسائِرِ ما لا يَجُوزُ بَيْعُه، وقد نَهَى النبىُّ ﷺ عن المُسافرَةِ بالقُرْآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ، مَخَافَةَ أنْ تَنَالَه أيْدِيهم (١). فلا يَجُوزُ تَمْكِينُهم مِن التَّوَسُّلِ إلى نيلِ أَيْدِيهم إيّاهُ. ١٥٥٤ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ الحَشَرَاتِ، ولا المَيْتَةِ، ولا شئٍ منها، ولا سباعِ البَهائِمِ التى لا تَصْلُحُ للصَّيْدِ) لا يَجُوزُ بَيْعُ المَيْتَةِ، ولا الخِنْزِيرِ، ولا الدَّمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على القَوْلِ به. وذلك لِما رَوَى جابِرٌ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وهو بمَكَّةَ، يقولُ: «إنَّ اللَّهَ ورَسُولَه حَرَّمَ بَيْعَ المَيْتَةِ والخَمْرِ والخِنْزِيرِ والأصْنَامِ».

стр. 5064

وَلَا الْكَلْبِ، ــ مُتَّفَقٌ عليه (١). ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما لا نَفْعَ فيه، كالْحَشَرَاتِ كُلِّها، وسِباعِ البَهائِمِ التى لا تَصْلُحُ للاصْطِيادِ؛ كالأَسَدِ، والذِّئْبِ، وما لا يُؤْكَلُ ولا يُصادُ به مِن الطَّيْرِ؛ كالرَّخَمِ (٢)، والحِدَأَةِ، والغُرَابِ الأَبْقَعِ، وغُرَابِ البَيْنِ، وبَيْضِها؛ لأنَّه لا نَفْعَ فيه، فَأَخْذُ ثَمَنِه أَكْلُ للمَالِ بالباطِلِ، ولأَنَّه ليس فيها نفْعٌ مُباحٌ، أَشْبَهَتِ الخِنْزِيرَ. ١٥٥٥ - مسألة: (ولا) يَجُوزُ بَيْعُ (الكَلْبِ) أىَّ كَلْبٍ كَان، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا في المَذْهَبِ. وبه قال الحَسَنُ، ورَبِيعَةُ، وحَمّادٌ، والشّافِعىُّ، وداودُ. ورَخَّصَ في ثمنِ كَلْبِ الصَّيْدِ خاصَّةً جابِرُ بنُ عبدِ اللَّه، وعَطَاءٌ، والنَّخَعىُّ. وأَجازَ أبو حَنِيفَةَ بَيْعَ الكِلاب كُلِّها وأخْذَ ثَمَنِها. وعنه، بَيْعُ الكَلْبِ العَقورِ. واخْتَلَفَ أصْحابُ مالكٍ، فقال قَوْمٌ: لا يَجُوزُ. وقال قومٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الكَلْبِ المَأْذُونِ في إمْساكِه، ويُكْرَهُ؛ لِمَا رُوِى عن جابِر أنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن ثمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ (٣). ولأنَّهُ يُباحُ الانْتِفاعُ به، ويَصِحُّ نَقْلُ اليَدِ فيه، والوَصِيَّةُ به،

стр. 5065

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصَحَّ بَيْعُه، كالحِمارِ. ولَنا، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن ثَمَنِ الكَلْبِ، ومَهْرِ البَغِىِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ. مُتفَقٌ عليه (١). وعن رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ». رَواهُ مسلمٌ (٢). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ

стр. 5066

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ عن ثَمَن الكَلْبِ، فإنْ جاءَ يَطْلُبُه فامْلَئُوا كَفَّهُ تُرابًا. رَواه أبو داودَ (١). ولأنَّهَ حَيَوانٌ نُهِىَ عن اقْتِنائِه في غيرِ حالِ الحاجَةِ، أشْبَهَ الخِنْزِيرَ. وأمّا حَدِيثُهم، فقال التِّرْمِذِىُّ: لا يَصِحُّ إسْنادُ هذا الحَدِيثِ. وقال الدَّارَقُطْنِىُّ: الصَّحِيحُ أنّه مَوْقُوِفٌ على جابِرٍ. وقال أحمدُ: هذا مِن الحَسَنِ بنِ أبى جَعْفرٍ، وهو ضَعِيفٌ. فصل: ولا يَحِلُّ قَتْلُّ الكَلْبِ المُعَلَّمِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ به، مُباحٌ اقْتِنَاوه، فَحَرُمَ إتْلافُه، كالشَّاةِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. ولا غُرْمَ على قاتِلِه. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. وقال مالِكٌ، وعَطَاءٌ: عليه الغُرْمُ؛ لِما ذَكَرْنَا في تَحْرِيمِ قَتْلِه. ولَنا، أنّه مَحَل يَحْرُمُ أَخْذُ عِوَضِه؛ لخُبْثِه، فلم يَجِبْ غُرْمُه بإتْلافِه، كالخِنْزِيرِ، وإنّما حَرُمَ إتْلافُه؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ، وهو مَنْهِىٌّ عنه. فأمّا قَتْلُ ما لا يُباحُ إمْساكُه مِن الكِلابِ، فإنْ كان أَسْوَدَ بَهِيمًا، أُبِيحَ قَتْلُه؛ لأنَّه شَيْطَان. كما جاءَ في حدِيثِ أبى ذَرٍّ (٢). ولِما رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «لَوْلَا أنَّ الكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بقَتْلِها، فاقْتُلُوا منها كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ» (٣). وكَذلك يُباحُ قَتْلُ الكَلْبِ العَقُورِ؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قال:

стр. 5067

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «خَمسٌ مِن الدَّوابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ؛ الغُرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ». مُتَّفَقٌ عليه (١). ويُقْتَلُ كلُّ واحِدٍ مِن هذَيْن وإنْ كان مُعَلَّمًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْنِ. وعلى قِياسِ الكَلْب العَقُورِ كُلُّ ما آذَى النّاسَ وضَرَّهُم في أَنْفُسِهم وأَمْوَالِهم يُباحُ قَتْلُه، ولأنَّه يُؤْذِى بلا نَفْع، أشْبَهَ الذِّئبَ. وما لا مَضَرَّةَ فيه لا يُباحُ قَتْلُه؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ. ورُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنَّه أَمرَ بقَتْلِ الكِلابِ، ثم نَهَى عن قَتْلِها، وقال: «عَلَيْكُم بالأَسْوَدِ البَهِيمِ ذى النُّقْطَتَيْن، فإنّه شَيْطَانٌ». رَواه مسلمٌ (٢). فصل: ويَحْرُمُ اقْتِناءُ الكِلاب، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ والماشِيَةِ والحَرْثِ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ ماشِيَةٍ أو صَيْدٍ أو زَرْعٍ، نَقَصَ مِن أجْرِه كُلَّ يَوْمٍ قِيراطٌ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). وإنِ اقْتَنَاه لحِفْظِ البُيوتِ، لم يَجُزْ؛ للخَبَرِ. ويَحْتَمِلُ الإِباحَةَ. وهو قَوْلُ بَعْضِ أَصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه في مَعْنَى الثَّلاثَةِ. والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّ قِياسَ غيرِ الثّلَاثةِ عليها يُبِيحُ ما تَناوَلَ أوَّلُ الخَبَرِ

стр. 5068

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَحْرِيمَه. قال القاضى: وليس هو في مَعْناها، فقد يَحْتَالُ اللِّصُّ بإِخْراجه بشئٍ يُطْعِمُه إيَّاهُ ليَسْرِقَ المتاعَ أمّا الذِّئْبُ فلا يَحْتَمِلُ هذا في حَقِّه، ولأَنَّ اقْتِناءَه في البُيُوتِ يُؤْذِى المارَّةَ، بخِلافِ الصَّحْراءِ. فصل: وِيَجُوزُ تَرْبِيَةُ الجَرْوِ الصَّغِيرِ لأحَدِ الثَّلَاثَةِ، في أَقْوَى الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه قَصَدَه لذلك، فَيَأْخُذُ حُكْمَه، كما جازَ بِيْعُ الجَحْشِ الصَّغِيرِ الذى لا نَفْعَ فيه في الحالِ؛ لمآلِه إلى الانْتِفاعِ. ولأَنَّه لو لم يُتَّخَذِ الصَّغِيرُ ما أمْكَنَ جَعْلُ الكَلْبِ للصَّيْدِ، إذْ لا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلَّا بالتَّعَلُّمِ، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّمُه إلَّا بتَرْبِيَتِه واقْتِنائِه مُدَّةً يُعَلِّمُه فيها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ (١). ولا يُوجَدُ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ بغَيْرِ تَعْلِيمٍ. والثانِى: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه ليسَ مِن الثَّلاثَةِ. فصل: ومَن اقْتَنَى كَلْبَ صَيْدٍ، ثم تَرَكَ الصَّيْدَ مُدّةً، وهو يريدُ العَوْدَ إليه، لم يَحْرُمِ اقْتِناؤُه في مُدَّةِ تَرْكِه؛ لأنَّ ذلك لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. وكذلك لو حَصَدَ صاحِبُ الزَّرْعِ زَرْعَه، أُبِيحَ اقْتِناؤُه حتى يزرَعَ زَرْعًا آخرَ. وكذلك لو هَلَكَتْ ماشِيَتُه، أو باعَها، وهو يُرِيدُ شِراءَ غيرِها، فله إمساكُ كَلْبِها؛ ليَنْتَفِعَ به في التى يَشْتَرِيها. فإنِ اقْتَنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مَن لا يَصِيدُ به، احْتَمَلَ الجَوازَ؛ لاسْتِثْنائِه في الخَبَر مُطْلَقًا. واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأَنَّه اقتَنَاهُ لغيرِ (٢) حاجَةٍ، أَشبَهَ غَيْرَه مِن الكِلابِ. ومَعْنَى كَلْبِ

стр. 5069

وَلَا السِّرْجِينِ النَّجِسِ، ــ الصَّيْدِ: أىُّ كَلْبٍ يَصِيدُ به. وهكذا الاحْتِمالَانِ في مَن اقْتَنَى كَلْبًا ليَحْفَظَ. له حَرْثًا، أو ماشِيَةً إن حَصَلَت، أو يَصِيدَ به إنِ احْتَاجَ إلى الصَّيْدِ، وليس له (١) في الحالِ حَرْثٌ ولا ماشِيَةٌ، ويحْتَمِلُ الجوازَ؛ لقَصْدِه ذلك، كما لو حَصَد الزَّرْعَ، وأَرادَ زرْعَ غَيْرِه. ١٥٥٦ - مسألة: (ولا) يَجُوزُ بيعُ (السِّرْجِينِ (٢) النَّجِسِ) وبهذا قال مالكٌ، والشّافِعِىُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ؛ لأنَّ أهْلَ الأمْصارِ يَبْتاعُونَه لزَرْعِهِم مِن غيرِ نَكيرٍ، فكانَ إجْماعًا. ولَنا، أنّه مُجْمَع على نَجاسَتِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالمَيْتَةِ. وما ذكَرُوه ليس بإجْماعٍ؛ لأنَّ الإِجْماعَ اتِّفَاقُ أهلِ العِلْمِ، ولم يُوجَدْ، ولأنَّه رَجِيعٌ نَجِسٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كرَجِيعَ الآدَمِىِّ. فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الحُرِّ، ولا ما ليس بمَمْلُوكٍ، كالمُباحَاتِ قبلَ

стр. 5070

وَلَا الأَدْهَانِ النَّجِسَةِ. ــ حِيازَتها ومِلْكِها. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، وقد رَوَى البُخَارِىُّ (١) بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال: «قال اللَّهُ : ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ رَجُلٌ أعْطَى بى ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ باعَ حُرًّا وأَكَلَ ثَمَنَه، ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فاسْتَوْفَى مِنْهُ ولم يُوَفِّهِ أَجْرَهُ». ١٥٥٧ - مسألة: (ولا) يجوزُ بيعُ (الأدْهانِ النَّجِسَةِ) في ظاهرِ كلام أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّ أَكْلَه حَرَامٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ سُئلَ عن الفَأْرَةِ تموتُ في السَّمْنِ، فقال: «إن كان مائِعًا فلا

стр. 5071

وَعَنْهُ، يَجُوزُ بَيْعُهَا لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهَا. ــ تَقْرَبُوه». مِن المُسْنَدِ (١). وإذا كان حَرامًا لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ إذا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَه» (٢). ولأنَّه نَجِسٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، قِياسًا على شَحْمِ المَيْتَة. (وعنه، يَجُوزُ بَيْعُها (٣) لكافِرٍ يَعْلَمُ نَجاسَتَها) لأنَّه يَعْتَقِدُ حِلَّها، ويَسْتَبِيحُ أَكْلَها، ولأنَّه قد رُوِى عن أبى مُوسَى: لُتُّوا به السَّوِيقَ وبِيعُوه، ولا تَبِيعُوه مِن مسلم، وبَيِّنُوه. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَعَنَ اللَّه اليَهُودَ،

стр. 5072

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فجَمَلُوهَا (١)، فبَاعُوهَا، وأَكَلُوا ثمنَها، إنَّ اللَّهَ إذا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَه». مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُها مِن مُسْلِمٍ، فلا يَجُوزُ بَيْعُها لكافِرٍ، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فإنَّهم يَعْتَقِدُونَ حِلَّه، ولا يَجُوزُ بَيْعُه لهم، ولأنَّه دُهْنٌ نَجِسٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُه لكافِرٍ، كشحومِ الميْتَةِ. قال شيخُنا: ويَجُوزُ أنْ يُدْفَعَ إلى الكافِرِ في فِكاكِ مُسْلِمٍ، ويُعْلَمُ الكافِرُ بنَجَاسَتِه؛ لأنَّه ليس بِبَيْعٍ في الحَقِيقَةِ، إنّما هو اسْتِنْقاذُ المُسْلِمِ به.

стр. 5073

وَفِى جَوَازِ الاسْتِصْبَاحِ بِهَا رِوَايَتَانِ. وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ جَوازُ بَيْعِهَا. ــ ١٥٥٨ - مسألة: (وفى جَوازِ الاسْتِصْباحِ بها رِوايَتانِ. ويُخَرَّجُ على ذلك جَوازُ بَيْعِها) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الاسْتِصْبَاحِ بالزَّيْتِ النَّجِسِ؛ فرُوىَ عنه، أنّه لا يَجُوزُ؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ في السَّمْنِ الذى ماتَتْ فيه الفَأْرَةُ: «وإنْ كان مائِعًا فلا تَقْرَبُوه» (١). ولأنَّ النبىَّ ﷺ سُئِلَ عن شُحُومِ الميْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها الناسُ، فقال: «لا، هو حَرَامٌ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وهذا في مَعْناه. وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ. وعنه، إباحَتُه؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عمرَ. وهو قَوْلُ

стр. 5074

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ ضَرَرٍ، فجازَ، كالطاهِرِ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ. فعلى هذا، يُسْتَصْبَحُ به على وَجْهٍ لا تَتَعَدَّى نَجاسَتُه، إمّا أن يُجْعَلَ في إبْرِيق ويُصَبَّ منه في المِصْباحِ ولا يُمَسَّ، وإمّا أن يَدَعَ على رَأْسِ الجَرَّةِ التى فيها الزَّيْتُ سِراجًا مَثْقُوبًا، ويُطْبِقَه على رَأْسِ إناءِ الزَّيْتِ، وكُلَّما نَقَصَ زَيْتُ السِّراجِ صَبَّ فيه ماءً بحيثُ يَرْتَفِعُ الزَّيْتُ، فيَمْلأُ السِّرَاجَ، وما أشْبَهَ هذا. وعلى قِياسِ هذا كُلُّ انْتِفاعٍ لا يُفْضِى إلى التَّنْجِيسِ بها يَجُوزُ. ويَتَخَرِّجُ على جَوازِ الاسْتِصْباحِ به جَوازُ بَيْعِه. وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فجازَ بَيْعُه، كالبَغْلِ والحِمارِ. وهل تَطْهُرُ بالغَسْلِ، فيه وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُما فيما مَضَى (١). وإذا قُلْنَا: تَطْهُرُ بالغَسْلِ. فالقِياسُ يَقتَضِى جوازَ بَيْعِها؛ لأنَّها عَيْنٌ نَجسَةٌ تَطْهُرُ بالغَسْلِ، أَشْبَهَتِ الثَّوْبَ النَّجِسَ. وكَرِهَ أحمدُ، ﵀، أَن تُدْهَنَ بها الجُلُودُ، وقال: تُجْعَلُ منها الأسْقِيَةُ. ونُقِلَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه يُدْهَنُ بها الجلودُ. وعَجِبَ أحمدُ مِن هذا. فيَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على ما لا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُه، كالنِّعَالِ، كما قُلْنا في جُلودِ الميْتَةِ (٢).

стр. 5075

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فَأَمَّا شُحُومُ الميْتَةِ، وشَحْمُ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ، فلا يَجُوزُ الاسْتِصْباحُ به، ولا الانْتِفاعُ به في جُلُودٍ ولا سُفُنٍ ولا غيرِها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. وإذا اسْتُصْبِحَ بالزَّيْتِ النَّجِسِ، فاجْتَمَعَ مِن دُخَانِه شئٌ، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه جُزْءٌ منه، والنَّجاسَةُ لا تَطْهُرُ بالاسْتِحالَةِ. فإنْ عَلِقَ بشئٍ، عُفِىَ عن يَسِيرِه؛ لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عنه، وإنْ كَثُرَ لم يُعْفَ عنه. فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ التِّرْياقِ الذى فيه لُحُومُ الحَيَّاتِ؛ لأَنَّ نَفْعَه إنّما يَحْصُلُ بالأَكْلِ، وهو مُحَرَّمٌ، فخَلا مِن نَفْعٍ مُباحٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالمَيْتَةِ. وِلا يجوزُ التَّدَاوِى به، ولا بسُمِّ الأفاعِى. فأَمّا سُمُّ النَّبَاتِ، فإنْ كان لا يُنْتَفعُ به، أو يَقْتُلُ قَلِيلُه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لعَدَمِ نَفْعِه، وإنْ أمْكَنَ التَّدَاوِى بيَسِيرِه، كالسَّقَمُونيَا (١)، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّه طاهِرٌ مُنْتَفَعٌ به.

стр. 5076

فَصْلٌ: الرَّابعٌ، أنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فَى بَيْعِهِ، فَإِنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أوِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ. وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ. ــ (فصل: الرابعٌ، أن يكونَ مَمْلُوكًا له، أو مَأْذُونًا له في بَيْعِه، فإن باعَ مِلْكَ غيرِه بغَيْرِ إذْنِه، أو اشْتَرَى بعينِ مالِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ. وعنه، يَصِحُّ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ) إذا اشْتَرَى بعينِ مالِ غيرِه، أو باعَ مالَه بغيرِ إذْنِه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يَصِحُّ البَيْعُ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. والثانيةُ، يَصِحُّ البَيْعُ والشِّراءُ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ، فإنْ أجازَهُ نَفَذَ ولَزِمَ البَيْعُ، وإنْ لم يُجِزْهُ بطَلَ. وهو قَوْلُ [مالِكٍ، وإسحاقَ، وبه قال أبو حَنِيفَةَ] (١) في البَيْعِ. فأمَّا الشِّراءُ فَيَقَعُ للمُشْتَرِى عندَه بكُلِّ حالٍ؛ لِما رَوَى عُرْوَةُ بنُ الجَعْدِ البارِقِىُّ، أنَّ النبىَّ ﷺ أعْطَاهُ دِينارًا ليَشْتَرِىَ به شَاةً، فاشْتَرَى شاتَيْنِ، ثم باعَ إحْداهُما بدينارٍ في الطرَّيقِ، قال: فأَتيْتُ النبىَّ ﷺ بالدِّينار والشّاةِ، فأَخْبَرْتُه، فقال: «بارَكَ اللَّهُ لَكَ في صَفْقَةِ يَمِينِكَ».

стр. 5077

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رَواهُ ابنُ ماجه (١)، والأَثْرَمُ، ولأنَّه عَقْدٌ له مُجِيزٌ حالَ وقُوعِه، فصَحَّ [ووقفَ] (٢) على إِجازَتِه، كالوَصِيَّةِ بزيادَةٍ على الثُّلُثِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، قولُ النبىِّ ﷺ لحَكِيمِ بنِ حِزامٍ: «لا تَبعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ». رَواهُ ابنُ ماجه، والتِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. يَعْنِى مَا لَا تَمْلِكُ؛ لأنَّه ذَكَرَه جَوابًا له حين سَأَلَه أنَّه يَبِيعُ الشئَ، ويمضِى ويَشتَرِيه، ويُسَلِّمُه. ولاتِّفاقِنا على صِحَّةِ بَيْعِ مالِه الغائِبِ، ولأنَّه باعَ

стр. 5078

وَإِنِ اشْتَرَى لَهُ في ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، صَحَّ. فَإِنْ أَجَازَهُ مَنِ اشْتَرَى لَهُ، مَلَكَهُ، وَإِلَّا لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ. ــ ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، فأَشْبَهَ الطَّيْرَ في الهواءِ. فأَمَّا الوَصِيَّةُ، فَيَتَأَخَّرُ فيها القَبُولُ عن الإِيجابِ، ولا يُعْتَبرُ أن يكونَ لها مُجِيزٌ حالَ وقُوعِ العَقْدِ، ويَجُوزُ فيها مِن الغَرَرِ ما لا يَجُوزُ في البَيْعِ، وحَدِيثُ عُرْوَةَ نَحْمِلُه على أنَّ وَكالَتَهُ كانت مُطْلَقَةً، بدَلِيلِ أنّه [سَلَّمَ وتَسَلَّمَ] (١)، وليس ذلك لغيرِ المالِكِ باتِّفَاقِنَا. ١٥٥٩ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى له في ذمَّتِه بغيْرِ إذْنِه، صَحَّ. فإنْ أَجازَه مَن اشْتَرَى له، ملَكَه، وإِلَّا لَزِمَ مَن اشتَراهُ) إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه لإِنْسانٍ شَيْئًا بغيرِ إذْنِه، صَحَّ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في ذِمَّتِه لا في مالِ غَيْرِه،

стр. 5079

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسواءٌ نَقَدَ الثَّمَنَ مِن مالِ الغَيْرِ أو لا؛ لأنَّ الثَّمَنَ هو الذى في الذِّمَّةِ، والذى نَقَدَه عِوَضُه، ولذلك قُلْنَا: إنّه إذا اشْتَرَى [في الذِّمَّةِ] (١) ونَقَدَهُ الثَّمَنَ بعدَ

стр. 5080

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك، كان له البَدَلُ. وإنْ خرجَ مَغْصُوبًا لم يبطُلِ العَقْدُ، وإنَّما وقَفَ الأمْرُ على إجازَةِ الآخَرِ؛ لأنَّه قَصَدَ الشِّراءَ له، فإنْ أجازَه لَزِمَهُ، وعليه الثَّمَنُ، وإنْ لم يَقْبَلْه لَزِمَ مَن اشْتَرَاهُ.
следующие страницы →