← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَو بَيْعٍ وَصَرْفٍ، صَحَّ فِيهمَا، وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَيْهِمَا، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. ــ بثَمَن واحِدٍ صَحَّ؛ لما ذَكَرْنَا. ١٥٨٠ - مسألة: (وإنْ جَمَعَ بينَ بَيْعٍ وإجارَةٍ، أو بَيْعٍ وصَرْفٍ، صَحَّ فيهما، ويُقَسَّطُ العِوَضُ عليهما، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ) إذا جَمَعَ بينَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَىِ الحَدِّ؛ كالبَيعِ والإِجَارَةِ، والبَيْعِ والصَّرْفِ، بعِوَضٍ واحِدٍ، صَحَّ فيهما؛ لأنَّ اخْتِلافَ حُكْمِ العَقْدَيْنِ لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو جَمَعَ بينَ ما فيه شُفْعَةٌ وما لا شُفْعَةَ فيه. وكذلك إنْ باعَ سَيْفًا مُحَلًّى

стр. 5182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بذَهَبٍ وفِضَّةٍ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَصِحُّ، لأنَّ حُكْمَهُما مُخْتَلِفٌ، وليس أَحَدُهما أَوْلَى مِن الآخرِ، فبَطَلَ فيهما، فإنَّ البَيْعَ فيه خِيارٌ، ولا يُشْتَرَطُ فيه التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ، ولا يَنْفَسِخُ العَقْدُ بتَلَفِ المَبِيعِ، والصَّرْفُ يُشْتَرَطُ له التَّقابُضُ، ويَنْفَسِخُ العَقدُ بتَلَفِ العَيْنِ [في الإِجَارَةِ] (١). وإنْ جَمَعَ بينَ نِكاحٍ وبَيْعٍ بعِوَض واحِدٍ، فقال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِى، وبِعْتُكَ دَارِى بمائَةٍ. صَحَّ النِّكَاحُ؛ لكَوْنِه لا يَفْسُدُ بفَسَادِ العِوَضِ. وفى البَيْعِ وَجْهان. وللشافعىِّ قَوْلانِ، كالوَجْهَيْنِ.

стр. 5183

وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ كِتَابَةٍ وَبَيْعٍ، فَكَاتَبَ عَبْدَهُ وَبَاعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، بَطَلَ الْبَيْعُ، وَفِى الْكِتَابَةِ وَجْهَانِ. ــ ١٥٨١ - مسألة: (وإنْ جَمَعَ بينَ كِتَابَةٍ وبَيْعٍ، فكاتَبَ عَبْدَه وباعَهُ شَيْئًا صَفْقَةً واحِدَةً) مثلَ أَنْ يقُولَ؛ بِعْتُكَ عَبْدِى هذا، وكاتَبْتُكَ بمائَةٍ، كُلَّ شَهْرٍ عَشَرَةٌ (بَطَلَ البَيْعُ) وَجْهًا واحِدًا، لأنَّه باعَ عَبْدَه لعَبْدٍ، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِه إيّاهُ مِن غيرِ كِتابَةٍ. وهل تَبْطُلُ الكِتَابَ؟ يَنْبَنِى على

стр. 5184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رِوَايَتَيْنِ في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ

стр. 5185

فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ بَعْدَ نِدَائِهَا. ــ فصل: قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (ولا يَصِحُّ البَيْعُ مِمَّنْ تَلْزَمُه الجُمُعَةُ بعدَ نِدائِها) لا يَحِلُّ البَيْعُ بعدَ نِداء الجُمُعَةِ قبلَ الصَّلاةِ لمَن تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١). فإنْ باعَ، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ للنَّهْىِ عنه. وِالنِّدَاءُ الذى يَتَعَلَّقُ به المَنْعُ هو النِّدَاءُ عَقِيبَ جُلُوسِ الإِمامِ على المِنْبَرِ؛ لأنَّه النِّداءُ الذى كان على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَعَلَّقَ الحُكْمُ به، والنِّداءُ الثالثُ (٢) زِيدَ في زَمَنِ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.

стр. 5186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحَكَى القاضِى رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّ البَيْعَ يَحْرُمُ بزَوالِ الشَّمْسِ، وإنْ لم يَجْلِسِ الإِمامُ على المِنْبَرِ. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالَى عَلَّقَهُ على النِّداءِ، لا على الوَقْتِ، ولأنَّ المَقْصُودَ بهذا إدْراكُ الجُمُعَةِ، وهو حاصِلٌ بما ذَكَرْنا دُون ما ذَكَرَه، ولأنَّه لو اخْتَصَّ تَحْرِيمُ البَيْعِ بالوَقْتِ لَما اخْتَصَّ بالزَّوَالِ، فإنَّ ما قَبْلَه وَقْتٌ أيضًا. فأَمَّا مَن لا تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ مِن النِّساءِ والمُسافِرِين وغيرِهم، فلا يَثْبُتُ في حَقِّهِ هذا الحُكْمُ. وذَكَرَ ابنُ أبِى

стр. 5187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُوسَى فيه رِوايَتَيْن؛ لعُمومِ النَّهْى. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنَا، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى، فإنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما نَهَى عن البَيْعِ مَنْ أمَرَهُ بالسَّعْىِ، فغيرُ المُخاطَبِ بالسَّعْىِ لا يَتَناوَلُه النَّهْىُ، ولأنَّ تَحْرِيمَ البَيْعِ مُعَلَّلٌ بما يَحْصُلُ به من الاشْتِغَالِ عن الجُمُعَةِ، وهذا مَعْدُومٌ في حَقِّهم. فإن كان المُسافِرُ في غيرِ المِصْرِ، أو كان مُقِيمًا بقَرْيَةٍ لا جُمُعَةَ على أَهْلِها، لم يَحْرُمِ البَيْعُ، ولم

стр. 5188

وَيصِحُّ النِّكَاحُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ، فِى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. ــ يُكْرَهْ، وَجْهًا واحِدًا. فإن كان أحَدُهما مُخَاطَبًا بالجُمُعَةِ دونَ الآخَرِ، حَرُمَ غلى المُخاطَبِ، وكُرِهَ للآخَرِ؛ لِما فيه مِن الإِعانَةِ على الإِثْمِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَحْرُمَ؛ لقَوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). ١٥٨٢ - مسألة: (ويَصِحُّ النِّكَاحُ وسائِرُ العُقُودِ، في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ) كالإِجارَةِ والصُّلْحِ ونحوِهما. وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه

стр. 5189

وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَلَا بَيْعُ السِّلَاحِ فِى الْفِتْنَةِ، وَلَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصحَّ مَعَ التَّحْرِيمِ. ــ يَحْرُمُ ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيْعَ. ولَنا، أنَّ النَّهْىَ مُخْتَصٌّ بالبَيْعِ، وغيرُه لا يُسَاوِيه في الشَّغْلِ عن السَّعْىِ؛ لِقِلَّةِ وجُودِه، فلا يُؤَدِّى إلى ترْكِ الجُمُعَةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُه على البَيْعِ. ١٥٨٣ - مسألة: (ولا يَصِحُّ بَيْعُ العَصِيرِ لمَن يَتَّخِذُه خَمْرًا، ولا بَيْعُ السِّلاحِ في الفِتْنَةِ، ولا لأَهْلِ الحَرْبِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ مع التَّحْرِيمِ) بَيْعُ العَصِيرِ مِمَّن يَعْتَقِدُ أنَّه يَتَّخِذُه خَمْرًا، مُحَرَّمٌ. وكَرِهَهُ الشافِعِىُّ. وذَكَرَ بعضُ أَصْحابِه أنَّ البائِعَ إذا اعْتَقَدَ أنَّه يَعْصِرُهُ (١) خَمْرًا، مُحَرَّمٌ، وإنّما يُكْرَهُ إذا شَكَّ فيه. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الحَسَنِ، وعَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، أنَّه لا بَأْسَ بِبَيْعِ التَّمْرِ مِمَّن يَتَّخِذُه مُسْكِرًا. قال

стр. 5190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّوْرِىُّ: بعِ الحَلالَ مَن شِئْتَ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١). ولأنَّ البَيْعَ تَمَّ بأرْكَانِه وشُرُوطِه. ولَنا، قولُ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وهذا نَهْىٌ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ. وقد رَوَى ابنُ عَبّاسٍ أنَّ النبىَّ ﷺ أتَاهُ جِبْرِيلُ، فقال: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إليه، وشارِبَها، وبائِعَها، ومُبْتَاعَها، وسَاقِيَها. وأشارَ إلى كُلِّ مُعَاوِنٍ عليها ومُسَاعِدٍ فيها. أَخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (٢) من حَدِيثِ أنَسٍ، قال (٣): وقد رُوِى هذا الحَدِيثُ عن ابنِ عباسٍ (٤)، وابنِ عمرَ (٥) عن النَّبِىِّ ﷺ . ورَوَى ابنُ بَطَّةَ بإسْنَادِه عن محمدِ بنِ سيرِينَ، أنَّ قَيِّمًا كان لسَعْدِ بنِ أبى وَقّاصٍ في أَرْضٍ له، وأَخبَرَه عن عِنَبٍ أنَّه لا يَصْلُحُ زَبِيبًا، ولا يَصْلُحُ أن يُباعَ إلَّا لمَن يَعْصِرُه، فأمَرَهُ بقَلْعِه، وقال: بِئْسَ الشَّيْخُ أنا إن بِعْتُ

стр. 5191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخَمْرَ (١). ولأنّه يَعْقِدُ عليها لمَنِ يَعْلَمُ أنّه يُرِيدُها للمَعْصِيَةِ، فأشْبَهَ إِجارَةَ أمَتِه لمَن يَعْلَمُ أنَّه يَسْتَأْجِرُها للزِّنَى بها. والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بصُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فيُخَصُّ منها صُورَةُ النِّزَاعِ بدَلِيينا. وقَوْلُهم: تمَّ البَيْعُ بشُرُوطِه وأرْكانِه. قلنا: لكنْ وُجِدَ المانِعُ منه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَحْرُمُ البَيْعُ إذا عَلِمَ البائِعُ قَصْدَ المُشْتَرِى ذلك، إمّا بقَوْلِه، أو بقَرَائِنَ مُحْتَفَّةٍ به (٢) تَدُلُّ عليه. وإنْ كانَ الأَمْرُ مُحْتَمِلًا، كمَن لا يَعْلَمُ حالَه، أو مَن يَعْمَلُ الخَلَّ والخَمْرَ مَعًا، ولم يَلْفِظْ بما يَدُلُّ على إرادَةِ الخَمْرِ، فالبَيْعُ جائِزٌ. فإن باعَهَا لِمَن يَتَّخِذُهَا خَمْرًا، فالبَيْعُ باطِلٌ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ، لأَنَّ المُحَرَّمَ في ذلك اعْتِقادُه بالعَقْدِ دُونَه، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ، كما لو دَلَّسَ العَيْبَ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ على عَيْنٍ لمَعْصِيَةِ اللَّهِ تعالى بها، فلم يَصِحَّ، كإِجَارَةِ الأَمَةِ للزِّنَى والغِناءِ. وأَمَّا التَّدْلِيسُ فهو المُحَرَّمُ دُونَ العَقْدِ. ولأنَّ التَّحْرِيمَ هنا لِحَقِّ اللَّهِ تعالى، فأفْسَدَ العَقْدَ، كبَيْعِ الرِّبَا، وفارَقَ التَّدْلِيسَ، فإنَّه لِحَقِّ آدَمِىٍّ. فصل: وهكذا الحُكْمُ في كُلِّ ما قُصِدَ به الحرامُ، كبَيْعِ السِّلاحِ في الفِتْنَةِ، أو لأَهْلِ الحَرْبِ، أو لقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وبَيْعِ الأَمَةِ للغِنَاءِ،

стр. 5192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو إجارَتِهَا لذلك، فهو حَرَامٌ، والعَقْدُ باطِلٌ، لِما قَدَّمْنَا. قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد نَصَّ أحمدُ على مسائِلَ نَبَّهَ بها على ذلك، فقال في القَصّابِ والخَبَّازِ إذا عَلِمَ أنَّ مَن يَشْتَرِى منه يدعو عليه مَن يَشرَبُ المُسكِرَ: لا يَبِيعُه، ومَن يَخْرطُ الأَقْدَاحَ لا يَبِيعُها لمَن يَشْرَبُ فيها. ونَهَى عن بَيْعِ الدِّيباجِ للرِّجالِ، ولا بَأْسَ ببَيْعِه للنِّساءِ. ورُوِىَ عنه: لَا يَبِيعُ الجَوْزَ مِن الصِّبْيَانِ للقِمارِ. وعلى قِياسِهِ البَيْضُ، فيكونُ بَيْعُ ذلك كُلِّه باطِلًا. فصل: قال أحمدُ في رَجُلٍ ماتَ وخَلَّفَ جاريةً مُغَنَيةً، ووَلَدًا يَتِيمًا، وقد احْتَاجَ إلى بَيْعِها، قال: يَبِيعُها على أَنَّها ساذِجَةٌ. فقيلَ له: إنَّها تُسَاوِى ثلاثِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ، فإذا بيعَتْ ساذِجَةً تُسَاوِى عِشْرِين دِينارًا. فقال: لا تُبَاعُ إلَّا على أنَّها ساذِجَةٌ. وَوَجْهُهُ ما روَى أبو أُمامَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لا يَجُوِزُ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ ولا أَثْمانُهُنَّ وَلا كَسْبُهُنَّ». قال التِّرْمِذِىُّ (١): لا نعْرِفُه إلَّا مِن حَدِيثِ عَلِىِّ بن يَزِيدَ، وقد تَكَلَّمَ فيه بعضُ أَهْلِ العِلْمِ. وَرواهُ ابنُ ماجه (٢). وهذا يُحْمَلُ على بَيْعِهِنَّ لأجْلِ الغِناءِ، فأمّا مالِيَّتُهُنَّ الحاصِلةُ بغيرِ الغِناءِ فلا تَبْطُلُ، كبَيْعِ العصيرِ لمَن لا يَتَّخِذُه

стр. 5193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَمْرًا، فإنَّه لا يَحْرُمُ لصَلَاحِيَتِه للخَمْرِ. فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الخَمْرِ، ولا التَّوَكُّلُ في بَيْعِه ولا شِرَائِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهل العِلْمِ على أنَّ بَيْعَ الخَمْرِ غيرُ جائِزٍ. وعندَ أبى حَنِيفَةَ، يَجُوزُ للمُسْلِم أَنْ يُوَكِّلَ ذِمِّيًّا في بَيْعِها وشِرَائِها. ولا يَصِحُّ، فإنَّ عائِشَةَ رَوَتْ أنّ النَّبِىَّ ﷺ قال: «حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِى الخَمْرِ» (١). وعن جابِرٍ أنَّه سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ عامَ الفَتْحِ، وهو بمَكَّةَ يقولُ: «إنَّ اللَّهَ ورَسُولَه حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ». فقيل: يا رسولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فإنَّه تُطْلَى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها النّاسُ؟ فقال: «لا، هو حَرامٌ». ثم قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إنَّ اللَّهَ تَعالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَها، فجَمَلُوهُ، ثم

стр. 5194

وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فيَصِحُّ فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. ــ باعُوهُ، وأَكَلُوا ثَمَنَه». مُتَّفَقٌ عليه (١). ومَن وَكَّلَ في بَيْعِ الخَمْرِ، وأَكَلَ ثَمَنَه، فقد أَشْبَهَهُم في ذلك، ولأنَّ الخَمْرَ نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ، فحَرُمَ بَيْعُها والتَّوْكِيلُ فيه، كالمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ. ١٥٨٤ - مسألة: (ولا يَصِحُّ بَيْعُ العَبْدِ المُسْلِمِ لكافِرٍ، إلَّا أن يكونَ مِمَّن يَعْتِقُ عليه، فيَصِحُّ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) لا يَصِحُّ شراءُ الكافِرِ مُسْلِمًا. وهذا إحْدَى الرِّوَايَتَيْن عن مالِكٍ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، ويُجْبَرُ على إزالَةِ مِلكِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ المُسْلِمَ بالإِرْثِ، ويَبْقَى مِلْكُه عليه إذا أسْلَمَ في يَدِه، فصَحَّ أن يَشْتَرِيَه، كالمُسْلِمِ. ولَنا، أنَّه يُمْنَعُ اسْتِدامَةَ مِلْكِه عليه، فَمُنِعَ ابْتِداءَه،

стр. 5195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالنِّكَاحِ، ولأنَّه عَقْدٌ يُثْبِتُ المِلْكَ للكافِرِ على المُسْلِمِ، فلم يَصِحَّ، كالنِّكَاحِ، وإنّما مَلَكَه بالإِرْثِ، وبَقِىَ مِلْكُه عليه إذا أسْلَمَ في يَدِه، لأنَّ الاسْتِدَامَةَ أَقْوَى مِن الابْتِداءِ بالفِعْلِ والاخْتِيَارِ، بدَلِيلِ ثُبُوتِه بهما [للمُحْرِمِ في الصَّيْدِ] (١) مع مَنْعِه مِن ابْتِدائِه، فلا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الأَقْوَى ثُبُوتُ ما دُونَه، مع أنّا نَقْطَعُ الاسْتِدَامَةَ عليه بإِجْبَارِه على إزالَتِها. فإن كان مِمَّن يَعْتِقُ عليه بالقَرَابَةِ، صَحَّ، في إحدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وعَتَقَ عليه. وهذا قولُ بعضِ الأَصْحَابِ. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ، ولا

стр. 5196

وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّىِّ، أُجْبِرَ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ كِتَابَتُهُ. ــ يَعْتِقُ؛ لأَنَّه شِراءٌ يَمْلِكُ به المُسْلِمَ، فلم يَصِحَّ، كالذى لا يَعْتِقُ عليه، ولأَنَّ ما مُنِعَ مِن شِرائِه لم يُبَحْ له شِراؤُه، وإِنْ زالَ مِلْكُه عَقِيبَ الشِّراءِ، كشِرَاءِ المُحْرِمِ الصَّيْدَ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى أنَّ المِلْكَ لا يَسْتَقِرُّ عليه، وإنَّما يَعْتِقُ بمُجَرَّدِ المِلْكِ في الحالِ، ويَزُولُ المِلْكُ عنه بالكُلِّيَّةِ، ويَحْصُلُ له من نَفْعِ الحُرِّيَّةِ أَضْعافُ ما حَصَلَ مِن الإِهانَةِ (١) بالمِلْكِ في لَحْظَةٍ يَسيرَةٍ. ويُفارِقُ مَن لا يَعْتِقُ عليه، فإنَّ مِلْكَه لا يَزُولُ إلَّا بإزَالَتِه، وكذلك شِراءُ المُحْرِم الصَّيْدَ. ١٥٨٥ - مسألة: (وإنْ أسْلَمَ عبدُ الذِّمِّىِّ، أُجْبرَ على إزالَةِ مِلْكِه عنه) لأنَّه لا يَجُوزُ اسْتِدَامَة المِلكِ للكافِرِ على المُسْلِمِ إجْماعًا. (وليس له كِتابَتُه) لأنَّ الكِتَابَةَ لا تُزِيلُ مِلْكَ السَّيِّدِ عنه، ولا يَجُوزُ إقْرارُ مِلْكِ

стр. 5197

وَقَالَ الْقَاضِى: لَهُ ذَلِكَ. ــ الكافِرِ عَليه. (وقال القاضِى: له ذلك) لأنَّه يُزِيلُ يدَه عنه، فأَشْبَهَ بَيْعَه. والأَوَّلُ أَوْلَى.

стр. 5198

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ. وَلَا شِرَاؤُهُ عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِتِسْعَةٍ: عِنْدِى فِيهَا عَشَرةٌ. ــ ١٥٨٦ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ الرجُلِ على بَيْعِ أَخِيهِ؛ وهو أَنْ يقولَ لمَن اشْتَرَى سِلْعَةً بعَشَرَةٍ: أَنَا أُعْطِيكَ مِثْلَها بتِسْعَةٍ. ولا شِراؤُهُ على شِراءِ أخِيه؛ وهو أنْ يقولَ لِمَنْ باعَ سِلْعَةً بتِسْعَةٍ: عِنْدِى فيها عَشَرَةٌ .

стр. 5199

لِيَفْسَخَ البَيْعَ وَيَعْقِدَ مَعَهُ. فَإِنْ فَعَلَ، فَهَل يَصِحُّ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ. ــ ليَفْسَخَ البَيْعَ ويَعْقِدَ معه. فإنْ فَعَلَ، فهل يَصِحُّ البَيْعُ؟ على وَجْهَيْنِ) أمَّا البَيْعُ فهو مُحَرَّمٌ، لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : «لا يَبعْ بَعْضُكُم على بَيْعِ بَعْضٍ» (١). ومَعْنَاهُ ما ذَكَرْنَا. ومِثْلُه أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ خَيْرًا منها بثَمَنِها. أو يَعْرِضَ عليه (٢) سِلْعَةً يُرَغِّبُ المُشْتَرِىَ، ليَفْسَخَ البَيْعَ ويَعْقِدَ معه، فلا يَجُوزُ ذلك؛ للنَّهْى عنه، ولِما فيه مِن الإِضْرَارِ بالمُسْلِمِ

стр. 5200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والإِفْسَادِ عليه. وفى مَعْنى ذلك شِراؤُه على شِراءِ أخيه؛ لأَنَّه في مَعْنَى المَنْهِىِّ عنه، ولأَنَّ الشِّراءَ يُسَمَّى بَيْعًا، فَيَدْخُلُ في عُمُوم النَّهْى، ولأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وهو في مَعْنَى الخاطِبِ. فإنْ خالَفَ، وفَعَلَ، فالبَيْعُ باطِلٌ، للنَّهْى عنه، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسادَ. وفيه وَجْهٌ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأَنَّ المُحَرَّمَ هو عَرْضُ سِلْعَتِه على المُشْتَرِى، أو قَوْلُه الذى فُسِخَ البَيْعُ مِن أَجْلِه، وذلك سابِقٌ على البَيْعِ،

стр. 5201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّه إذا صَحَّ الفَسْخُ الذى حَصَلَ به الضَّرَرُ، فالبَيْعُ المُحَصِّلُ للمَصْلَحَةِ أوْلَى، ولأنَّ النَّهْىَ لحَقِّ آدَمِىٍّ، فأشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ. وهذا مَذْهَبُ الشافِعِىِّ. فصل: ورَوَى مُسْلِمٌ (١)، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: «لا يَسُمِ الرَّجُلُ على سَوْمِ أَخِيهِ». ولا يَخْلُو مِن أَرْبَعَةِ أَقْسَام؛ أحَدُها، أَنْ يُوجَدَ مِن البائِعِ تَصْرِيحٌ بالرِّضَا بالبَيْعِ. فهذا يُحَرِّمُ السَّومَ على غيرِ ذلك المُشْتَرِى، وهو الذى تَناوَلَه النَّهْىُ. الثَّانِى، أَنْ يَظْهَرَ منه ما يَدُلُّ على عَدَمِ الرِّضَا، فلا يَحْرُمُ السَّوْمُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ باعَ في مَن يَزِيدُ، فرَوَى أنَسٌ أنَّ رَجُلًا مِن الأنْصارِ شَكَا إلى النَّبِىِّ ﷺ الشِّدَّةَ

стр. 5202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والجَهْدَ، فقال له: «أمَا تَبَقَّى لَكَ شَئٌ؟» قال: بَلَى، قَدَحٌ وحِلْسٌ (١). قال: «فائْتِنِى بِهِمَا». فأَتَاهُ. بهما، فقال: «مَنْ يَبْتَاعُهُمَا؟». فقال رجلٌ: أخَذْتُهُما بدِرْهَمٍ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ يَزِيدُ عَلَى درْهَمٍ؟ [مَن يَزِيدُ عَلَى درْهَمٍ؟] (٢). فأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ، فَبَاعَهُما منه. رواه التِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وهذا أيضًا إجْماعٌ؛ فإنَّ المُسْلِمِينَ يَبِيعُونَ في أَسْوَاقِهِم بالمُزَايَدَةِ. الثالِثُ، أَنْ لا يُوجَدَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَا ولا عَدَمِه، فلا يَحْرُمُ السَّوْمُ أيْضًا ولا الزِّيَادَةُ؛ اسْتِدْلَالًا بحَدِيثِ فاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ، حينَ ذَكَرَت له أنَّ مُعَاوِيَةَ وأبا جَهْمٍ خَطَبَاها، فأَمَرَها أَنْ تَنْكِحَ أُسامَةَ (٤). وقد نَهَى عن الخِطْبَةِ على خِطْبَةِ أخِيه، كما نَهَى عن السَّوْمِ على سَوْمِ أخِيهِ، فما أُبِيحَ

стр. 5203

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في أَحَدِهما أُبيحَ في الآخَرِ. الرابِعُ، أَنْ يَظْهَرَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضَا مِن غيرِ تَصْرِيحٍ. فقال القاضِى: لا تَحْرُمُ المُسَاوَمَةُ. وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في الخِطْبَةِ؛ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ فاطِمَةَ. ولأنَّ الأَصْلَ إباحَةُ السَّوْمِ والخِطْبَةِ، فَحَرُمَ منه ما وُجِدَ فيه التَّصْرِيحُ بالرِّضَا، وما عَدَاهُ يَبْقَى على الأصْلِ. قال شَيْخُنا (١): ولو قيلَ بالتَّحْرِيمِ ههُنا، لكانَ وَجْهًا حَسَنًا، فإنَّ النَّهْىَ عامٌّ، خَرَجَتْ منه الصُّورَةُ المَخْصوصَةُ بأَدِلَّتِها، فتَبْقَى هذه الصُّورَةُ على مُقْتَضَى العُمُومِ. ولأنَّه وُجِدَ منه دَلِيلٌ على الرِّضَا، أشْبَهَ ما لو صَرَّحَ به، ولا يَضُرُّ اخْتِلافُ الدَّلِيلِ بعدَ التَّسَاوِى في الدَّلَالَةِ. وليس في حَدِيثِ فاطِمَةَ ما يَدُلُّ على الرِّضَا؛ لأَنَّها جاءَتْ مُسْتَشِيرَةً للنَّبِىِّ ﷺ ، وليس ذلك دَلِيلًا على الرِّضَا، وكيف تَرْضَى وقد نَهاهَا النَّبِىُّ ﷺ بقَوْلِه: «لا تَفُوتِينَا بنَفْسِكِ». فلم تكُنْ تَفْعَلُ شَيْئًا قبلَ مُراجَعَةِ النَّبِىِّ ﷺ . والحُكْمُ في الفَسَادِ كالحُكْمِ في البَيْعِ على بَيْعِ أَخِيه، في المَوْضِعِ الذى حَكَمْنا بالتَّحْرِيمِ فيه.

стр. 5204

وَفِى بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِى رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَصِحُّ. وَالأُخْرَى، لَا يَصِحُّ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ؛ أَنْ يَحْضُرَ الْبَادِى لِبَيْعِ ــ فصل: وبَيْعُ التَّلْجِئَةِ باطِلٌ. وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ: هو صَحِيحٌ، لأنَّ البَيْعَ تمَّ بأَرْكانِه وشُرُوطِه، خَالِيًا عن مُقَارَنَةٍ مُفْسِدَةٍ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَا على شَرْطٍ فاسِدٍ، ثم عَقَدَا البَيْعَ بغَيْرِ شَرْطٍ. ولَنا، أنَّهما ما قَصَدَا البَيْعَ، فلم يَصِحَّ منهما، كالهازِلَيْنِ. ومَعْنَى بَيْعِ التَّلْجِئَةِ، أَنْ يخافَ أَنْ يأْخُذَ السُّلْطانُ أو غيرُه مِلْكَه، فيُواطِئَ رَجُلًا على أَنْ يُظْهِرَ أنَّه اشْتَراهُ منه؛ ليَحْتَمِىَ بذلك، ولا يُرِيدَانِ بَيْعًا حَقِيقِيًّا. ١٥٨٧ - مسألة: (وفى بَيعِ الحاضِرِ للبادِى رِوَايَتانِ، إحْدَاهُما، يَصِحُّ. والأُخْرَى، لا يَصِحُّ بخمْسَةِ شُرُوطٍ، أَنْ يَحْضُرَ البادِى لِبَيْعِ

стр. 5205

سِلْعَتِهِ، بسِعْرِ يَوْمِهَا، جَاهِلًا بِسِعْرِهَا، وَيَقْصِدَهُ الْحَاضِرُ، وَيَكُونَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَيْهَا. فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا، صَحَّ الْبَيْعُ. ــ سِلْعَتِه، بسِعْرِ يَوْمِها، جاهِلًا بسِعْرِها، ويَقْصِدَه الحاضِرُ، وبالنّاسِ حاجَةٌ إليها. فإن اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، صَحَّ البَيْعُ) البَادِى ههُنا مَنْ يَدْخُلُ البَلَدَ مِن غيرِ أهْلِها، سواءٌ كان بَدَوِيًّا، أو مِن قَرْيَةٍ، أو مِن بَلْدَةٍ أُخْرَى. ولا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الحاضِرُ للبادِى، لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وأَنْ يَبِيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ. قال: فَقُلْتُ لابنِ عباسٍ: ما قَوْلُه: «حاضِرٌ لِبادٍ؟» قال: لا يكونُ له سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ

стр. 5206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه (١). وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَبيعُ حَاضِرٌ لبادٍ، دَعُوا النّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ». رَواهُ مُسْلِمٌ (٢). والمَعْنَى في ذلك أنّه مَتَى تَرَكَ البَدَوِىَّ يَبِيعُ (٣) سِلْعَتَه، اشْتَراهَا النَّاسُ بِرُخْصٍ، ويُوَسِّعُ عليهم السِّعْرَ، وإذا تَوَلَّى الحاضِرُ بَيْعَها، وامْتَنَعَ مِن بَيْعِها إلَّا بسِعْرِ البَلَدِ، ضاقَ على أَهْلِ البَلَدِ. وقد أشارَ النَّبِىُّ ﷺ في تَعْلِيلِه إلى هذا. وممَّنْ كَرِهَ بَيْعَ الحاضِرِ للبادِى؛ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وابنُ عمرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والشّافِعِىُّ. ونَقَلَ أبو إسحاقَ ابنُ شَاقْلَا، أنَّ الحَسَنَ بنَ عَلِىٍّ المصرِىَّ سَألَ

стр. 5207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحْمَدَ عن بَيْعِ حاضِرٍ لبادٍ، فقال: لا بَأْسَ به. قال له: فالخَبَرُ الذى جَاءَ بالنَّهْىِ؟ قال: كان ذلك مَرَّةً. فظاهِرُ هذا أنَّ النَّهْىَ اخْتَصَّ بأَوَّلِ الإِسْلَامِ؛ لِما كان عليهم مِن الضِّيقِ في ذلك. وهذا قولُ مُجاهِدٍ، وأبى حَنِيفَةَ، وأصحابِه. والمَذْهَبُ الأَوَّلُ، لعُمُومِ النَّهْى، وما ثَبَت في حَقِّهِم ثَبَتَ في حَقِّنَا، ما لمِ يَقُمْ على اخْتِصاصِهِم به دَلِيلٌ (١). وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنّه يَحْرُمُ بثَلَاثَةِ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أَنْ يكونَ الحاضِرُ قَصَدَ البادِىَ لِيَتَوَلَّى البَيْعَ له، فإنْ كان هو القاصِدَ للحاضِرِ، جازَ؛ لأَنَّ التَّضْيِيقَ حَصَلَ منه لا مِن الحاضِرِ. الثَّانِى، أَنْ يكونَ البادِى جاهِلًا بالسِّعْرِ. قال أحمدُ في رِوايَةِ أبى طَالِبٍ: إذا كان البادِى عارِفًا بالسِّعْرِ لم يحرُمْ؛ لأَنَّ التَّوْسِعَةَ لا تَحْصُلُ بِتَرْكِه يَبِيعُها؛ لأنَّه لا يَبِيعُها إلَّا بسِعْرِها ظاهِرًا. الثالثُ، أَنْ يكونَ قد جَلَبَ السِّلْعَةَ للبَيْعِ. فأمّا إنْ جَلَبَهَا لِيَأْكُلَها، أو يُخَزِّنَها، فليس في بَيْعِ الحاضِرِ له تَضْيِيقٌ، بل تَوْسِعَةٌ. وذَكَرَ القاضِى شَرْطَيْنِ آخرَيْنِ؛ أحَدُهما، أَنْ يكونَ مُرِيدًا لبَيْعِها بسِعْرِ يَوْمِها. فأمّا إن كانَ أَحْضَرَها وفى

стр. 5208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَفْسِه أَنْ لا يَبِيعَها رَخِيصَةً، فليس في بَيْعِه تَضْيِيقٌ. الثَّانِى، أَنْ يكونَ بالنّاسِ حاجَةٌ إليها وضَرَرٌ في تَأْخِيرِ بَيْعِها، كالأَقْواتِ ونحوِها. وقال أصحابُ الشّافِعِىِّ: إنَّما يَحْرُمُ بشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ. وهى ما ذَكَرْنَا، إلَّا حاجَةَ الناسِ إليها. فمَتَى اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، لم يَحْرُمِ البَيْعُ. وإِنِ اجْتَمَعَتْ هذه الشُّرُوطُ، فالبَيْعُ حَرَامٌ. وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه باطِلٌ. نصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ إسماعيلَ بنَ سَعِيدٍ. [وذَكَرَه الخِرَقِىُّ. وعن أحمدَ] (١) رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ البَيعَ صَحِيحٌ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ النَّهْىَ لمَعْنًى في

стр. 5209

وَأَمَّا شِرَاؤُهُ لَهُ، فَيَصِحُّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. ــ غيرِ المَنْهِىِّ عنه، فلم يبْطُلْ، كتَلَقِّى الرُّكْبانِ. ولَنا، أنَّه مَنْهِىٌّ عنه، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفسادَ، واللَّهُ أعْلَمُ. ١٥٨٨ - مسألة: (فأمَّا شِراؤُه له، فيَصِحُّ، روايَةً واحدَةً) وهو قولُ الحسنِ. وكَرِهَتْ طائِفَةٌ الشِّراءَ لهم أيضًا، كما كَرِهَتِ البَيْعَ. فرُوِىَ عن (١) أنَسٍ، قال: كان يُقالُ: هى كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، يقولُ: لا تَبِيعَنَّ له شَيْئًا، ولا تَبْتَاعَنَّ له شَيْئًا (٢). وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْن عن مالِكٍ. ولَنا، أنَّ النَّهْىَ غيرُ مُتَنَاوِلٍ للشِّراءِ بلَفْظِه، ولا هو في مَعْناهُ، فإنَّ النَّهْىَ عن البَيْعِ للرِّفْقِ بأَهْلِ الحَضَرِ ليَتَّسِعَ عليهم السِّعْرُ، ويَزُولَ عنهم الضَّرَرُ، وليس ذلك في الشِّراءِ لهم، إذ لا يَتَضَرَّرُونَ؛ لعَدَمِ الغَبْنِ للبادِينَ، بل هو دَفْعُ الضَّرَرِ عنهم، والخَلْقُ في نَظَرِ الشَّارِعِ على السَّواءِ، فكما شَرَعَ ما يَدْفَعُ الضَّرَرَ عن أَهْلِ الحَضَرِ، لا يَلْزَمُ أَنْ يَلْزَمَ أهْلَ البَدْوِ الضَّرَرُ. فأمّا إنْ أشارَ الحاضِرُ على البادِى مِن غيرِ أَنْ يُباشِرَ البَيْعَ له، فقد رَخَّصَ فيه طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، والأوْزَاعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وكَرِهَهُ مالِكٌ، واللَّيْثُ. وقَوْلُ الصَّحَابِىِّ أوْلَى. فصل: وليس للإِمَامِ أَنْ يُسَعِّرَ على الناسِ، بل يَبِيعُ النّاسُ أمْوَالَهُم على ما يَخْتارُونَ. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. وكان مالِكٌ يقولُ: يُقالُ لمَن

стр. 5210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ أقلَّ ما يَبِيعُ النّاسُ: بِعْ كما يَبِيعُ النّاسُ، وإلَّا فاخْرُجْ عنَّا. واحْتَجَّ بما رَوَى الشّافِعِىُّ، وسَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ، عن داودَ بنِ صالِحٍ التَّمّارِ، عن القاسِمِ بنِ محمدٍ، عن عمرَ، أنّه مَرَّ بحاطِبٍ (١) في سوقِ المُصَلَّى، وبينَ يَدَيْه غِرارَتانِ فيهما زَبِيب، فَسَألَه عن سِعْرِهِما، فسَعَّرَ له مُدَّيْنِ بكُلِّ دِرْهَمٍ، فقال له عمرُ: قد حُدِّثْتُ بِعِيرٍ مُقْبِلَةٍ مِن الطّائِفِ تَحْمِلُ زَبِيبًا، وهم يَعْتَبِرُونَ بسِعْرِكَ، فَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ في السِّعْرِ، وإمَّا أَنْ تُدْخِلَ زَبيبَكَ، فتَبِيعَهُ كيفَ شِئْتَ (٢). ولأنَّ في ذلك إضْرارًا بالناسِ، إذا زاد [تَبِعَهُ أصحابُ المَتاعِ] (٣)، وإذا نَقَصَ أضَرَّ بأصْحَابِ المَتَاعِ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ، وابنُ ماجَه (٤)، عن أنَسٍ، قال: غَلَا السِّعْرُ على عَهْدِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، غَلَا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا.

стр. 5211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ المُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، إنِّى لأرْجُو أَنْ ألْقَى اللَّهَ ولَيْسَ أحَدٌ يَطْلُبُنِى يمَظْلِمَةٍ، في دَمٍ، ولا مالٍ». قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وعن أبى سَعِيدٍ مِثْلُه (١). فوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّه لم يُسَعِّرْ، وقد سَأَلُوه ذلك، وِلو جازَ لأجَابَهُم إليه. الثانى، أنَّه عَلَّلَ بكَوْنِه مَظْلِمَةً، والظُّلْمُ حَرَامٌ. ولأنَّه مَالُه، فلم يَجُزْ مَنْعُه مِن بَيْعِه بما تَرَاضَى عليه المُتَبَايِعَانِ، كما لو اتَّفَقَ الجماعَةُ عليه. والظّاهِرُ أنَّه سَبَبُ الغَلَاءِ؛ لأنَّ الجالِبِينَ إذا بَلَغَهُم ذلك، لم يَقْدَمُوا بسِلْعَتِهم بَلَدًا يُكْرَهُونَ عك بَيْعِها فيه بغيرِ ما يُرِيدُونَ، ومَن عندَه البِضَاعَةُ يَمْتَنِعُ مِن بَيْعِها، ويَكْتُمُها، ويَطْلُبُها المحتاجُ إليها، ولا يَجِدُها إلَّا قَلِيلًا، فَيَرْفعُ في ثَمَنِها ليُحَصِّلَهَا، فَتَغْلُو الأسْعارُ، ويَحْصُلُ الإِضْرَارُ بالجَانِبَيْنِ، جانِبِ المُلَّاكِ في مَنْعِهِم من بَيعِ أَمْلَاكِهِم، وجانِبِ المُشْتَرِى في مَنْعِه مِن الوُصُولِ إلى غرَضِه، فيكونُ حَرَامًا. فأمّا حَدِيثُ عمرَ، فقد رَوَى فيه سعيدٌ، والشافعىُّ، أنَّ عمرَ لَمَّا رَجَعَ حاسَبَ نَفْسَهُ، ثم أَتَى حاطِبًا في دَارِه، فقال: إنَّ الذى قلتُ لك ليس بعَزِيمَةٍ مِنِّى، ولا قَضاءٍ، وإنَّما هو شئٌ أَرَدْتُ به الخَيْرَ لأَهْلِ البَلَدِ، فحيثُ شِئْت فبعْ كيف شِئتَ.

стр. 5212

وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا نَقْدًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا. وَإِنِ اشْتَرَاهَا أَبُوهُ أَو ابْنُهُ، جَازَ. ــ وهذا رُجُوعٌ إلى ما قُلْنا. وما ذَكَرُوه مِن الضَّرَرِ مَوْجُودٌ فيما إذا باعَ في بَيْتِه، ولا يُمْنَعُ منه. ١٥٨٩ - مسألة: (ومَن باعَ سِلْعَةً بنَسِيئَةٍ، لم يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَها بأقَلَّ مِمّا باعَها نقدًا (١)، إلَّا أَنْ تكونَ قد تَغَيَّرَتْ صِفَتُها. وإنِ اشْتَرَاهَا أبوه أو ابنُه، جازَ) مَن باعَ سِلْعَةً بثَمَنٍ مُؤجَّل، ثم اشْتَرَاها بأَقَلَّ منه نَقْدًا، لم يَجُزْ. رُوِى ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ، وعائِشةَ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبىِّ، والنَّخَعِىِّ. وبه قال الثَّوْرىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، ومالِكٌ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى. وأجازَهُ الشافِعِىُّ؛ لأنَّه ثمَنٌ يَجوزُ بَيْعُها به مِن غير بائِعِها، فجازَ مِن بائِعِها، كما لو باعَها بمثلِ ثَمَنِها. ولَنا، ما رَوَى غُنْدَرٌ، عن شعْبَةَ، عن أبى إسحاقَ السَّبيعِىِّ، عن امْرَأتِه العالِيَةِ بنتِ أيْفَعَ بنِ شُرَحْبِيل، أنَّها قالت: دَخلت أنا وأُمُّ ولدِ زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ وامْرَأَتُه

стр. 5213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على عائِشَةَ، فقالت أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بنِ أرْقَمَ: إنِّى بعْتُ غُلامًا مِن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ بثمانِمائَةِ دِرْهَمٍ إلى العطاءِ، ثم اشْتَرَيْتُه منه بستِّمائَةِ دِرْهَم. فقالت لها: بِئْسَ ما شَرَيْتِ، وبئْسَ ما اشْتَرَيْتِ، أبْلِغِى زَيْدَ بنَ أرْقَمَ أَنَّه قد أَبْطَلَ جِهادَهُ مع رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إلَّا أَنْ يَتُوبَ. رَواهُ أحمدُ (١)، وسَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ. والظَّاهِرُ أنَّها لا تَقُولُ مثلَ هذا التَّغْلِيظِ، وتُقْدِمُ عليه، إلَّا بتَوْقِيفٍ مِن النبىِّ ﷺ ، فجَرَى مَجْرَى رِوايَتِها ذلك عنه. ولأنَّ ذلك ذَرِيعَةٌ إلى الرِّبَا، فإنَّه يُدْخِلُ السِّلْعَةَ ليَسْتَبِيحَ بَيْعَ أَلْفٍ بِخَمْسِمائَةٍ إلى أجَلٍ.

стр. 5214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكذلك قال ابنُ عَباسٍ في مثلِ هذه المسألةِ: أرَى مائَةً بِخَمْسِينَ بينَهما حَرِيرَةٌ (١). يَعْنى خِرْقَةَ حَرِير جَعَلَاها في بَيْعِهما، والذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ. فأَمّا إنْ باعَها بمثلِ الثَّمَنِ أو أَكْثَرَ، جازَ؛ لأنَّه لا يكونُ ذَرِيعَةً، وهذا إذا كانتِ السِّلْعَة لم تنقُصْ عن حالَةِ البَيْعِ، فإنْ نَقَصَتْ، مثلَ أَنْ هَزَلَ العَبْدُ، أو نَسِىَ صِناعةً (٢)، أو تَخَرَّقَ الثَّوْبُ، ونحوِه، جازَ له شِراؤُها بما شاءَ؛ لأنَّ نَقْصَ الثَّمَنِ لِنَقْصِ المَبِيعِ، لا للتَّوَسُّلِ إلى الرِّبَا. فصل: فإنِ اشْتَرَاها بعَرْضٍ، أو كان بَيْعُها الأَوَّلُ بعَرْضٍ، فاشْتَرَاها بنَقْدٍ، جازَ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كان لشُبْهَةِ الرِّبَا، ولا رِبًا بينَ الأثْمانِ والعُرُوضِ. فإنْ باعَها بنَقْدٍ، ثم اشْتَرَاها بنَقْدٍ آخَرَ،

стр. 5215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال أصْحَابُنا: يَجُوزُ؛ لأَنَّهما جِنْسَانِ لا يَحْرُمُ التَّفَاضُل بينهما، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَاها بِعَرْضٍ. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّهما كالشئِ الواحِدِ في مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ، ولأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلى الرِّبا، فهو كما لو بَاعَها بجِنْسِ الثَّمَنِ الأَوَّلِ. قال شَيْخُنا (١): وهذا أصَحُّ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى. وهذه المَسألةُ تُسَمَّى مسألةَ العِينَةِ. قال الشاعِرُ (٢): أنَدَّانُ أَمْ نَعْتَانُ أمْ يَنْبَرِى لَنَا ... فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُه (٣) ومَعْنى نَعْتَانُ: أى نَشْتَرِى عِينَةً كما وَصَفْنا. وقد رَوَى أبو داودَ (٤)، بإِسْنادِه، عن ابنِ عمرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، يقولُ: «إذا تَبَايَعْتُمْ بالْعِينَةِ، وأَخَذْتُمْ أذنَابَ الْبَقَرِ، ورَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلى دِينِكُم». وهذا وَعِيدٌ يدُلُّ على التَّحْرِيمِ. وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال: الْعِينَةُ أَنْ يكونَ

стр. 5216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عندَ الرجلِ المَتاعُ، فلا يَبِيعُه إلَّا بنَسِيئَةٍ، فإنْ باعَ بنَقْدٍ ونَسِيئَةٍ فلا بَأْسَ. وقال: أَكْرَهُ للرجلِ أَنْ لا يكونَ له تِجارَةٌ غيرَ الْعِينَةِ، لا يَبِيعُ بنَقْدٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما كَرِهَ النَّسِيئَةَ لِمُضَارَعَتِه الرِّبَا، فإنَّ البائِعَ بنَسِيئَةٍ يَقْصِدُ الزِّيادَةَ بالأَجَلِ غَالِبًا. ويجوزُ أَنْ تكونَ العِينَةُ اسْمًا لهذه المسألةِ وللبَيعِ نَسِيئَةً. جميعًا، لكنَّ البَيْعَ بنَسِيئَةٍ مُبَاحٌ اتِّفاقًا، ولا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ لا يكونَ له تِجارَةٌ غيره فصل: فإنْ باعَ سِلْعَةً بنَقْدٍ، ثم اشْتَراهَا بأَكْثَرَ منه نَسِيئَةً، فقال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: لا يجُوزُ، إلَّا ان تَتَغَيَّرَ السِّلْعَةُ؛ لأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلى الرِّبَا، فهى كَمسْألةِ العينَةِ. فإنِ اشْتَرَاها بسِلْعَةٍ أُخْرَى، أو بأَقَلَّ مِن ثَمَنِها، أو بمِثْلِه نَسِيئَةً، جازَ؛ لِما ذَكَرْنا في مسألةِ العِينَةِ. وإنِ اشْتَرَاها بنَقْدٍ آخَرَ بأكْثَرَ من ثَمَنِها، فهو كمسألةِ العِينَةِ، على ما ذَكَرْنَا مِن

стр. 5217

وَإِنْ بَاعَ مَا يَجْرِى فِيهِ الرِّبَا نَسِيئَةً، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِثَمَنِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ نسِيئَةً، لَمْ يَجُزْ. ــ الْخِلافِ. قال شَيْخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أَنْ يجوزَ (٢) له شِراؤُها بجِنْسِ الثَّمَنِ بأكْثَرَ منه، إذا لم يَكُنْ ذلك عن مُواطَأَةٍ، ولا حِيلَةٍ، بل وَقَعَ اتفاقًا مِن غيرِ قَصْدٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ حِلُّ البَيْعِ، وإنَّما حُرِّمَ في مسألَةِ العِينَةِ للْأَثَرِ الوارِدِ فيه، وليس هذا في مَعْناهُ؛ لأَنَّ التَّوَسُّلَ بذلك أكْثَرُ، فلا يُلْحَقُ به ما دُونَه. فصل: وفى كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: لا يَجُوزُ له أَنْ يَشْتَرِىَ. لا يَجُوزُ ذلك لوَكِيلِه؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَهُ، ويجُوزُ لغَيْرِه مِن النّاسِ، سواءٌ كان أرباه أو ابْنَه أو غيرَهما؛ لأنَّه غيرُ البائِعِ اشْتَرَى لنَفْسِهِ، أشْبَهَ الأَجْنَبِىَّ. ١٥٩٠ - مسألة: (وإنْ باعَ ما يَجْرِى فيه الرِّبَا نَسِيئةً (٣)، ثم اشْتَرى منه بثَمَنِه قبلَ قَبْضِه مِن جِنْسِه، أو ما لا يجوزُ بَيْعُه به نَسِيئَةً، لم يَجُزْ)

стр. 5218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وطاوُسٍ. وبه قال مالِكٌ، وإسحاقُ. وأجازَهُ جابِرُ بنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعَلِىُّ بنُ حُسَيْنٍ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِر، وأَصْحابُ الرَّأْى. وقال عَلِىُّ بنُ حُسَيْنٍ: إذا لم يكُنْ لك في ذلك رَأْىٌ. ورَوَى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ ابنُ أبى مَرْيَمَ، قال: بِعْتُ تَمْرًا مِن التَّمّارِينَ، كُلَّ سَبْعَةِ آصُعٍ بدِرْهَمٍ، ثم وَجَدْتُ عندَ رَجُلٍ منهم تَمْرًا يَبِيعُه أرْبَعَةَ آصُع بدِرْهَمٍ، فاشْتَرَيْت منه، فَسَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عن ذلك، فقال: لا بَأْسَ، أَخذْتَ أَنقَصَ مِمَّا بِعْتَ. ثم سَأَلْتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن ذلك، وأَخْبَرْتُه بقَوْلِ عِكْرِمَةَ، فقال: كذَبَ، قال عبدُ اللَّهِ بنُ عَباسٍ: ما بِعْتَ مِن شئٍ مِمّا يُكالُ بمِكْيَالٍ، فلا تَأْخُذْ منه شَيْئًا مِمّا يُكالُ بمِكْيالٍ إلَّا وَرِقًا أو ذَهَبًا، فإذا أخَذْتَ ذلك فابْتَعْ مِمَّن شِئْتَ منه أو مِن غيرِه. فرَجَعْتُ، فإذا عِكْرِمَةُ قد طَلَبَنِى، فقال: الذى قُلْتُ لَكَ هو حَلالٌ هو حَرَامٌ. فقُلْتُ لسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ:

стр. 5219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنْ فَضَلَ لى عندَه فَضْلٌ، قال: فأعْطِهِ أنْتَ الكَسْرَ، وخُذْ منه الدَّرَاهِمَ. ووَجْهُ تَحْرِيمِ ذلك، أنَّه ذَرِيعَة إلى بَيْعِ الطَّعَامِ بالطَّعَامِ نَسِيئَةً، فحَرُمَ كمسألةِ العِينَةِ. وقد نَصَّ أحمدُ على ما يَدُلُّ على هذا. قال شيخُنا (١): والذى يَقْوَى عندى جَوازُ ذلك إذا لم يَفْعَلْه حِيلَةً، ولا قَصَدَ ذلك في ابْتِداءِ العَقْدِ، كما قال علىُّ بنُ الحُسَيْنِ، فيما رَوَى عنه عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ (٢)، قال: قَدِمْتُ على عَلِىِّ بنِ الحُسَيْنِ، فقُلْتُ له: إنِّى أجُذُّ نَخْلِى وأَبِيعُ مِمَّن (٣) حَضَرَنِى التَّمْرَ (٤) إلى أَجلٍ، فَيقْدَمُونَ بالحِنْطَةِ، وقد حَلَّ الأَجَلُ، فيُوقِفُونَها بالسُّوقِ، فأبْتَاعُ منهم وأُقاصُّهم. قال: لا بَأْسَ بذلك إذا لم يكُنْ منك على رَأْىٍ. وذلك لأنَّه اشْتَرَى الطّعامَ بالدَّرَاهِمِ التى في الذِّمَّةِ بعدَ لُزومِ العَقْدِ الأَوَّلِ، فَصَحَّ، كما لو كانَ المَبِيعُ الأَوَّلُ حَيَوانًا أو

стр. 5220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثِيَابًا، ولِما ذَكَرْنا في الفَصْلِ الذى قَبْلَ هذا. فإنْ لم يَأْخُذْ بالثَّمَنِ طَعامًا، لكنِ اشْتَرَى مِن المُشْتَرِى طَعامًا بدَراهِمَ وسَلَّمَها إليه، ثم أخَذَها منه وَفاءً، أو لم يُسَلِّمْها إليه، لكنْ قاصَّه بها، جازَ، كما في حَدِيثِ عَلِىِّ بنِ الحُسَيْنِ. فصل: والاحْتِكَارُ حَرَامٌ؛ لِما روَى أبو أُمَامَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، نَهَى أَنْ يُحْتَكَرَ الطَّعامُ (١). وعن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنِ احْتَكَرَ فهو خاطِئٌ» (٢). رَواهُما الأَثْرَمُ. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: «الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (٣). والاحْتِكَارُ المُحَرَّمُ ما جَمَعَ ثلَاثَةَ شرُوطٍ؛ أحَدُها، أَنْ يَشتَرِى. فلو جَلَبَ شَيْئًا،
следующие страницы →