← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عندَ الرجلِ المَتاعُ، فلا يَبِيعُه إلَّا بنَسِيئَةٍ، فإنْ باعَ بنَقْدٍ ونَسِيئَةٍ فلا بَأْسَ. وقال: أَكْرَهُ للرجلِ أَنْ لا يكونَ له تِجارَةٌ غيرَ الْعِينَةِ، لا يَبِيعُ بنَقْدٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما كَرِهَ النَّسِيئَةَ لِمُضَارَعَتِه الرِّبَا، فإنَّ البائِعَ بنَسِيئَةٍ يَقْصِدُ الزِّيادَةَ بالأَجَلِ غَالِبًا. ويجوزُ أَنْ تكونَ العِينَةُ اسْمًا لهذه المسألةِ وللبَيعِ نَسِيئَةً. جميعًا، لكنَّ البَيْعَ بنَسِيئَةٍ مُبَاحٌ اتِّفاقًا، ولا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ لا يكونَ له تِجارَةٌ غيره فصل: فإنْ باعَ سِلْعَةً بنَقْدٍ، ثم اشْتَراهَا بأَكْثَرَ منه نَسِيئَةً، فقال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: لا يجُوزُ، إلَّا ان تَتَغَيَّرَ السِّلْعَةُ؛ لأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلى الرِّبَا، فهى كَمسْألةِ العينَةِ. فإنِ اشْتَرَاها بسِلْعَةٍ أُخْرَى، أو بأَقَلَّ مِن ثَمَنِها، أو بمِثْلِه نَسِيئَةً، جازَ؛ لِما ذَكَرْنا في مسألةِ العِينَةِ. وإنِ اشْتَرَاها بنَقْدٍ آخَرَ بأكْثَرَ من ثَمَنِها، فهو كمسألةِ العِينَةِ، على ما ذَكَرْنَا مِن

стр. 5217

وَإِنْ بَاعَ مَا يَجْرِى فِيهِ الرِّبَا نَسِيئَةً، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِثَمَنِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ نسِيئَةً، لَمْ يَجُزْ. ــ الْخِلافِ. قال شَيْخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أَنْ يجوزَ (٢) له شِراؤُها بجِنْسِ الثَّمَنِ بأكْثَرَ منه، إذا لم يَكُنْ ذلك عن مُواطَأَةٍ، ولا حِيلَةٍ، بل وَقَعَ اتفاقًا مِن غيرِ قَصْدٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ حِلُّ البَيْعِ، وإنَّما حُرِّمَ في مسألَةِ العِينَةِ للْأَثَرِ الوارِدِ فيه، وليس هذا في مَعْناهُ؛ لأَنَّ التَّوَسُّلَ بذلك أكْثَرُ، فلا يُلْحَقُ به ما دُونَه. فصل: وفى كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنا: لا يَجُوزُ له أَنْ يَشْتَرِىَ. لا يَجُوزُ ذلك لوَكِيلِه؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَهُ، ويجُوزُ لغَيْرِه مِن النّاسِ، سواءٌ كان أرباه أو ابْنَه أو غيرَهما؛ لأنَّه غيرُ البائِعِ اشْتَرَى لنَفْسِهِ، أشْبَهَ الأَجْنَبِىَّ. ١٥٩٠ - مسألة: (وإنْ باعَ ما يَجْرِى فيه الرِّبَا نَسِيئةً (٣)، ثم اشْتَرى منه بثَمَنِه قبلَ قَبْضِه مِن جِنْسِه، أو ما لا يجوزُ بَيْعُه به نَسِيئَةً، لم يَجُزْ)

стр. 5218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وطاوُسٍ. وبه قال مالِكٌ، وإسحاقُ. وأجازَهُ جابِرُ بنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعَلِىُّ بنُ حُسَيْنٍ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِر، وأَصْحابُ الرَّأْى. وقال عَلِىُّ بنُ حُسَيْنٍ: إذا لم يكُنْ لك في ذلك رَأْىٌ. ورَوَى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ ابنُ أبى مَرْيَمَ، قال: بِعْتُ تَمْرًا مِن التَّمّارِينَ، كُلَّ سَبْعَةِ آصُعٍ بدِرْهَمٍ، ثم وَجَدْتُ عندَ رَجُلٍ منهم تَمْرًا يَبِيعُه أرْبَعَةَ آصُع بدِرْهَمٍ، فاشْتَرَيْت منه، فَسَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عن ذلك، فقال: لا بَأْسَ، أَخذْتَ أَنقَصَ مِمَّا بِعْتَ. ثم سَأَلْتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن ذلك، وأَخْبَرْتُه بقَوْلِ عِكْرِمَةَ، فقال: كذَبَ، قال عبدُ اللَّهِ بنُ عَباسٍ: ما بِعْتَ مِن شئٍ مِمّا يُكالُ بمِكْيَالٍ، فلا تَأْخُذْ منه شَيْئًا مِمّا يُكالُ بمِكْيالٍ إلَّا وَرِقًا أو ذَهَبًا، فإذا أخَذْتَ ذلك فابْتَعْ مِمَّن شِئْتَ منه أو مِن غيرِه. فرَجَعْتُ، فإذا عِكْرِمَةُ قد طَلَبَنِى، فقال: الذى قُلْتُ لَكَ هو حَلالٌ هو حَرَامٌ. فقُلْتُ لسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ:

стр. 5219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنْ فَضَلَ لى عندَه فَضْلٌ، قال: فأعْطِهِ أنْتَ الكَسْرَ، وخُذْ منه الدَّرَاهِمَ. ووَجْهُ تَحْرِيمِ ذلك، أنَّه ذَرِيعَة إلى بَيْعِ الطَّعَامِ بالطَّعَامِ نَسِيئَةً، فحَرُمَ كمسألةِ العِينَةِ. وقد نَصَّ أحمدُ على ما يَدُلُّ على هذا. قال شيخُنا (١): والذى يَقْوَى عندى جَوازُ ذلك إذا لم يَفْعَلْه حِيلَةً، ولا قَصَدَ ذلك في ابْتِداءِ العَقْدِ، كما قال علىُّ بنُ الحُسَيْنِ، فيما رَوَى عنه عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ (٢)، قال: قَدِمْتُ على عَلِىِّ بنِ الحُسَيْنِ، فقُلْتُ له: إنِّى أجُذُّ نَخْلِى وأَبِيعُ مِمَّن (٣) حَضَرَنِى التَّمْرَ (٤) إلى أَجلٍ، فَيقْدَمُونَ بالحِنْطَةِ، وقد حَلَّ الأَجَلُ، فيُوقِفُونَها بالسُّوقِ، فأبْتَاعُ منهم وأُقاصُّهم. قال: لا بَأْسَ بذلك إذا لم يكُنْ منك على رَأْىٍ. وذلك لأنَّه اشْتَرَى الطّعامَ بالدَّرَاهِمِ التى في الذِّمَّةِ بعدَ لُزومِ العَقْدِ الأَوَّلِ، فَصَحَّ، كما لو كانَ المَبِيعُ الأَوَّلُ حَيَوانًا أو

стр. 5220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثِيَابًا، ولِما ذَكَرْنا في الفَصْلِ الذى قَبْلَ هذا. فإنْ لم يَأْخُذْ بالثَّمَنِ طَعامًا، لكنِ اشْتَرَى مِن المُشْتَرِى طَعامًا بدَراهِمَ وسَلَّمَها إليه، ثم أخَذَها منه وَفاءً، أو لم يُسَلِّمْها إليه، لكنْ قاصَّه بها، جازَ، كما في حَدِيثِ عَلِىِّ بنِ الحُسَيْنِ. فصل: والاحْتِكَارُ حَرَامٌ؛ لِما روَى أبو أُمَامَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، نَهَى أَنْ يُحْتَكَرَ الطَّعامُ (١). وعن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنِ احْتَكَرَ فهو خاطِئٌ» (٢). رَواهُما الأَثْرَمُ. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: «الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (٣). والاحْتِكَارُ المُحَرَّمُ ما جَمَعَ ثلَاثَةَ شرُوطٍ؛ أحَدُها، أَنْ يَشتَرِى. فلو جَلَبَ شَيْئًا،

стр. 5221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو أدْخَلَ عليه مِن غَلَّتِه شَيْئًا، فادَّخَرَه، لم يكُنْ مُحْتَكِرًا. رُوِى ذلك عن الحَسَنِ، ومالِكٍ. قال الأَوْزَاعِىُّ: الجالِبُ ليس بمُحْتَكِرِ؛ لقَوْلِه: «الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ». ولأنَّ الجالِبَ لا يُضَيِّقُ على أحَدٍ، ولا يَضُرُّ، بل يَنْفَعُ، فإنَّ النَّاسَ إذا عَلِمُوا عِندَه طَعامًا مُعَدًّا للبَيْعِ، كان أَطْيَبَ لقُلُوبِهِم. الثانى، أَنْ يكونَ قُوتًا. فأمَّا الإِدامُ والعَسَلُ والزَّيْتُ وعَلَفُ البَهائِمِ، فليس احْتِكارُه بمُحَرَّم. قال الأَثْرَمُ: سُئِلَ أبو عبدِ اللَّهِ، عن أىِّ شئٍ الاحْتِكارُ؟ قال: إذا كان مِن قُوتِ النّاسِ، فهذا الذى يُكْرَهُ. وهذا قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو. وكان سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ يَحْتَكِرُ الزَّيْتَ (١). وهو رَاوِى حديثِ الاحْتِكَارِ. قال أبو داودَ: وكان يَحْتَكِرُ النَّوَى والخَيْطَ والبَزْرَ. ولأنَّ هذه الأَشْياءَ لا تعُمُّ الحاجَةُ إليها، أشْبَهَتِ الثِّيَابَ والحَيَوانَ. الثالثُ، أَنْ يُضَيِّقَ على النَّاسِ بشِرائِه. ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بأمْرَيْنِ؛ أحَدُهما، أَنْ يكونَ في بَلَدٍ يُضَيِّقُ بأهْلِه الاحْتِكارُ، كالحَرَمَيْنِ، والثُّغُورِ. قاله أحمدُ. فظاهِرُ هذا أنَّ البِلادَ الواسِعَةَ الكَبِيرَةَ، كبَغْدَادَ، والبَصْرَةِ، ومِصْرَ، ونَحْوِها، لا يَحْرُمُ فيها الاحْتِكَارُ؛ لأنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ فيها غالِبًا. الثّانى، أَنْ يكونَ في حالِ الضِّيقِ،

стр. 5222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بأَنْ يَدْخُلَ البَلَدَ قافِلَةٌ فَيَتَبادَرُ ذَوُو الأَمْوالِ فَيَشْتَرُونَهَا، ويُضَيِّقُونَ على النّاسِ. وأمّا إنِ اشْتَرَاهُ في حالِ الاتِّسَاعِ والرُّخْصِ على وَجْهٍ لا يُضَيِّقُ على أحَدٍ، لم يَحْرُمْ. فصل: ويُسْتَحَبُّ الإِشْهادُ في البَيْعِ، لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١). وأَقَلُّ أحْوالِ الأَمْرِ النَّدْبُ. ولأنَّه أَقطَعُ للنِّزاعِ، وأَبْعَدُ مِن التَّجاحُدِ. ويَخْتَصُّ ذلك ما له خَطَرٌ، فأَمَّا ما لا خَطَرَ له، كَحوائِجِ البَقّالِ والعَطَّارِ وشِبْهِها، فلا يُسْتَحَبُّ ذلك فيها، لأَنَّها تَكْثُرُ، فيَشُقُّ الإِشْهادُ عليها، وتَقْبُحُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليها والتَّرافُعُ إلى الحاكِمِ، بخِلافِ الكَثِيرِ. وليس ذلك بواجِبٍ في واحِدٍ منها، ولا شَرْطًا له. رُوِى ذلك عن أبى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وإسحاقَ. وقال قَوْمٌ: هو فَرْضٌ لا يَجُوزُ تَرْكُه. رُوِى ذلك عن ابنِ

стр. 5223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَبّاسٍ، ومِمَّن رَأْى الإِشْهادَ في البَيْعِ؛ عَطاءٌ، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ، والنَّخَعِىُّ؛ لظاهِرِ الأمْرِ، [وقِياسًا] (١) على النِّكَاحِ. ولَنا، قولُه تَعالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢). قال أبو سَعِيدٍ: صاَر الأَمْرُ إلى الأمانَةِ. وتَلَا هذه الآيَةَ. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ اشْتَرَى مِن يَهُودِىٍّ طَعامًا، ورَهَنَه دِرْعَه (٣)، ومِن رَجُل سَراوِيلَ (٤)، ومِن أَعْرَابِىٍّ فَرَسًا، فَجَحَدَه الأَعْرَابِىُّ حتى شَهِدَ له خُزَيْمَةُ بنُ ثابِتٍ (٥). ولم يُنْقَلْ أنَّهُ أَشْهَدَ في شئٍ مِن ذلك، وكان الصَّحَابَةُ يَتَبَايَعُونَ في عَصْرِه في الأسْواقِ، فلم يَأْمُرْهُم بالإِشْهادِ، ولا نُقِلَ عنهم فِعْلُه، ولم يُنْكِرْ عليهم النَّبِىُّ ﷺ . ولو كانُوا يُشْهِدُونَ في كُلِّ بِياعَاتِهم لنُقِلَ. وقد أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ عُرْوَةَ بنَ الجَعْدِ البارِقِىَّ أَنْ يَشْتَرِىَ له أُضْحِيَةً (٦). ولم يَأْمُرْه بالإِشْهادِ.

стр. 5224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأَنَّ المُبايَعَةَ تَكْثُرُ بينَ الناسِ في أسْواقِهِم وغيرِها، فلو وَجَبَ الإِشْهادُ في كُلِّ ما يَتَبَايَعُونَه، أَفْضَى إلى الحَرَجِ المَحْطُوطِ عَنّا بقَوْلِه تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). والآيَةُ المرادُ بها الإِرْشادُ إلى حِفْظِ الأَمْوَالِ والتَّعْلِيمُ، كما أمَرَ بالرَّهْنِ والكاتِبِ، وليس بواجِبٍ، وهذا ظاهِر إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. فصل: ويُكْرَهُ البَيْعُ والشِّرَاءُ في المَسْجِدِ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: «إذا رَأيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أو يَبْتَاعُ في المَسْجِدِ، فقُولُوا: لا أرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ». رَواهُ التِّرْمِذِىُّ (٢)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وقال قومٌ: لا بَأْسَ به. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ للحَدِيثِ المَذْكوُرِ. فإنْ باعَ، فالبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لأَنَّه تَمَّ بأَركَانِه وشُرُوطِه، ولم يَثْبُتْ وجُودُ مُفْسِدٍ له، وكَراهَةُ ذلك لا تُوجبُ الفَسَادَ، كالغِشِّ في البَيْعِ والتَّدْلِيس والتَّصْرِيَةِ. وفى قولِ النَّبِىِّ ﷺ : «قُولُوا: لا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ». مِن غيرِ إخْبارٍ بفَسَادِ البَيْعِ دَلِيلٌ على صِحَّتِه. واللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 5225

بَابُ الشُّرُوطِ فِى الْبَيْعِ وَهِىَ ضَرْبَانِ؛ صَحِيحٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، شَرْطُ مُقْتَضَى الْبَيْعِ؛ كَالتَّقَابُضِ، وَحُلُولِ الثَّمَنِ، وَنَحْوِهِ، فَلَا يُؤثِّرُ فِيهِ. الثَّانِى، شَرْطٌ مِنْ مَصْلَحَةِ العَقْدِ، كَاشْتِرَاطِ صِفةٍ فِى الثَّمَنِ، كَتَأْجِيلِهِ، أَوِ الرَّهْنِ، أوِ الضَّمِينِ بِهِ، أَوْ صِفَةٍ فِى ــ بابُ الشُّرُوطِ في البَيْعِ (وهى ضَرْبان؛ صَحِيحٌ، وهو ثَلَاثَةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، شَرْطُ مُقْتَضَى البَيْعِ، كالتَّقَابُضِ، وحُلُولِ الثَّمَنِ ونحوِه، فَلَا يُوثِّرُ فِيهِ) لأنَّه بَيَانٌ وتَأْكِيدٌ لمُقْتَضَى العَقْدِ، فوُجُودُه كعَدَمِه. (الثانى، شَرْطٌ مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ، كاشْتِرَاطِ صِفَةٍ في الثَّمَنِ، كتَأْجِيلِه، أو الرَّهْنِ، أو الضَّمِينِ) والشَّهادَةِ (أو صِفَةٍ في المَبِيعِ) مَقْصُودَةٍ (نَحْوَ كَوْنِ العَبْدِ كاتِبًا، أو

стр. 5226

الْمَبِيعِ؛ نَحْوَ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوْ خَصِيًّا، أَوْ صَانِعًا، أَوْ مُسْلِمًا، وَالأَمَةِ بِكْرًا، وَالدَّابَّةِ هِمْلَاجَةً، وَالْفَهْدِ صَيُودًا، فَيَصِحُّ. فَإِنْ وَفَّى بِهِ، وَإِلَّا فَلِصَاحِبِهِ الْفَسْخُ. ــ خصِيًّا (١)، أو صانِعًا، أو مُسْلِمًا، والأَمَةِ بِكْرًا، والدَّابَّةِ هِمْلَاجَةً (٢)، والفَهْدِ صَيُودًا) فهو شَرْط صَحِيحٌ يَلْزَمُ الوَفاءُ به، فإنْ لم يَفِ به، فللمُشْتَرِى الفَسْخُ والرُّجُوعُ بالثَّمَنِ، أو الرِّضَا به؛ لأنَّه شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فيه، فصَارَ الشَّرْطُ مُسْتَحَقًّا؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : «المُؤْمِنُونَ عندَ شُرُوطِهم» (٣). ولا نَعْلَمُ في صِحَّةِ هذَيْنِ القِسْمَيْنِ خِلافًا.

стр. 5227

وَإِنْ شَرَطَهَا ثَيِّبًا كَافِرَةً، فَبَانَتْ بِكْرًا مُسْلِمَةً، فَلَا فَسْخَ لَهُ. ــ ١٥٩١ - مسألة: (فإن شَرَطَهَا ثَيِّبًا كافرةً، فبانَتْ بِكْرًا مُسلِمَةً، فلا فَسْخَ له) لأنَّه زادَه خَيْرًا، ولأنَّ (١) ذلك يَزِيدُ في الثَّمَنِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَه غيرَ صانِعٍ، فبانَ صانِعًا. وهذا قولُ الشّافِعِىِّ في البِكْرِ، واخْتِيارُ

стр. 5228

وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ لأَنَّ لَهُ فِيهِ قَصْدًا. ــ القاضِى، واسْتَبْعَدَ كَوْنَه يَقْصِدُ الثُّيوبَةَ؛ لعَجْزِه عن البِكْرِ (ويَحْتَمِلُ أنَّ له الفَسْخَ؛ لأَنَّ له فيه قَصْدًا) صَحِيحًا، وهو أنَّ طالِبَ الكافِرَةِ أكْثَرُ لصَلاحِيَتِها للمسلمين والكُفَّارِ، أو ليَسْتَرِيحَ مِن تَكْلِيفِها العِبادَاتِ، وقد يَشْتَرِطُ الثَّيِّبَ؛ لعَجْزِه عن البِكْرِ، أو ليَبيعَها لعاجِزٍ عن البِكْرِ. فقد فاتَ قَصْدُه، وقد دَلَّ اشْتِراطُه على أنَّ له قَصْدًا صَحِيحًا. فأمَّا إن شَرَطَ صِفَةً غيرَ مَقْصُودَةٍ، فبانَتْ بخِلافِها، مثلَ أن يَشْتَرِطَهِا سَبِطَةً (١)، فبانَتْ جَعْدَةً، أو جاهِلَةً فبانَت عالِمَةً، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه زادَه خَيْرًا. فصل: فإن شَرَطِ الشَّاةَ لَبُونًا، صَحَّ. وبه قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ في الضَّرْع، فلم يَجُزْ شَرْطُه. ولَنا، أنّه أمْرٌ مَقْصُودٌ يَتَحَقَّقُ في (٢) الحَيَوانِ، ويَأْخُذ قِسْطًا مِن الثَّمَنِ، فَصَحَّ اشْتِرَاطُه، كالصِّناعَةِ في الأمةِ، والهَمْلَجَةِ في الدّابَّةِ. وإنَّما لم يَجُزْ

стр. 5229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَيْعُه مُفْردًا للجَهالَةِ، والجهالَةُ فيما كان تَبَعًا لا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ، ولذلك (١) لو اشْتَرَاها بغيرِ شَرْطٍ صَحَّ بَيْعُه معها. وكذلك يَصِحُّ بَيْعُ أساسَاتِ الحِيطانِ، والنَّوَى في التَّمْرِ، وإن لم يَجُزْ بَيْعُهما مُنْفَرِدَيْنِ. فإن شَرَطَ أنَّها تَحْلِبُ [كُلَّ يومٍ] (٢) قَدْرًا مَعْلُومًا، لم يَصِحِّ، لأنَّ اللَّبَنَ يَخْتَلِفُ، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه، فَتَعَذَّرَ الوفاءُ به. وإن شَرَطَها غزِيرَةَ اللَّبَنِ، صَحَّ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الوَفاءُ به. وإن شَرَطَها حامِلًا، صَحَّ. وقال القاضى: قِياسُ المَذْهَبِ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ الحمْلَ لا حُكْمَ له. ولهذا لا يَصِحُّ اللِّعانُ على الحَمْلِ، ويَحْتَمِلُ أنَّه رِيحٌ ولَنا، أنَّه صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ يمكِنُ الوَفاءُ بها، فصَحَّ شَرْطُه، كالصِّناعَةِ، وكَوْنِها لَبُونًا. وقولُه: إنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبىَّ ﷺ قد حَكَمَ في الدِّيَةِ بأَرْبَعِين خَلِفَةً في بُطونِها أوْلَادُها (٣). ومَنَعَ أخْذَ الحوامِلِ في الزَّكَاةِ (٤). ومَنَعَ وَطْءَ الحَبَالَى

стр. 5230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْمَسْبِيَّاتِ (١). وأَرْخَصَ للحامِلِ في الفِطْرِ في رمضانَ إذا خافَتْ على وَلَدِها (٢). ومَنَعَ مِن إِقامَةِ الحَدِّ عليها مِن أَجْلِ حَمْلِهَا (٣). وظاهِرُ الحَدِيثِ المَرْوِىِّ في اللِّعانِ يَدُلُّ على أنَّه لاعَنَها حالَ حَمْلِها (٤)، فانْتَفَى عنه وَلَدُها. فإن شَرَطَ أنَّها تَضَعُ الوَلَدَ في وَقْتٍ بعَيْنِه، لم يَصِحَّ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الوفَاءُ به، وكذلك إن شَرَطَ أنَّها لا تَحْمِلُ؛ لذلك. وقال مالِكٌ: لا يَصِحُّ في المُرْتَفِعاتِ، ويَصِحُّ في غَيْرِهِنَّ. ولَنا، أنَّه باعَهَا بشَرْطِ البرَاءَةِ مِن الحَمْلِ، فلم يَصِح، كالمُرْتَفِعاتِ. وإن شَرَطَها حائِلًا (٥)، فبانتْ حامِلًا، فإن كانت أَمَةً فهو عَيْبٌ يُثْبِتُ الخِيارَ، وإنْ كان في غيرها، فهو زِيادَةٌ لا يَسْتَحِقُّ به فَسْخًا. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحِقَّ؛ لأنَّه قد يُرِيدُها لسَفرٍ، أو حَمْلِ شئٍ لا تَتَمَكنُ منه مع الحَمْلِ. وإن شَرَطَ البَيْضَ في الدَّجَاجَةِ، فقيل: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه لا عَلَمَ عليه يُعْرَفُ به، ولم يَثْبُتْ له في الشَّرْعِ حُكْمٌ. وقيل: يَصِحُّ؛ لأنَّه يُعْرَفُ بالعَادَةِ، فأَشْبَهَ اشْتِراطَ الشاةِ لَبُونًا.

стр. 5231

وَإِنْ شَرَطَ الطَّائِرَ مُصَوِّتًا، أَوْ أَنَّهُ يَجِئُ مِنْ مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، صَحَّ. وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ. ــ ١٥٩٢ - مسألة: (وَإِنْ شَرَطَ الطَّائِرَ مُصَوِّتًا، أَوْ أَنَّهُ يَجِئُ مِنْ مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، صَحَّ. وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ) إذا شَرَطَ في الهَزَارِ والقُمْرِىِّ ونحوِهما أنَّه مُصَوِّتٌ، فقال بعضُ أصْحابِنا: لا يَصِحُّ. وبه قال أبو حَنِيفَةَ؛ لأنَّ صِياحَ الطَّيْرِ يَجُوزُ أن يُوجَدَ وأن لا يُوجَدَ، ولأنَّه لا يُمْكِنُه إكْرَاهُه على التَّصْوِيتِ. والأَوْلَى جَوازُه؛ لأنَّ فيه قَصْدًا صَحِيحًا، وهو

стр. 5232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عادَةٌ له وخِلْقَةٌ فيه، فأَشْبَهَ الهَمْلَجَةَ في الدَّابَّةِ، والصَّيْدَ في الفَهْدِ. وإنْ شَرَطَ في الحمامِ أنَّه يَجِئُ مِن مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ، صَحَّ أيضًا. اخْتَارَهُ أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ هذه عادَةٌ مُسْتَمِرَّة، وفيها قَصْدٌ صحِيحٌ؛ لتَبْلِيغِ الأخْبَارِ، وحَمْلِ الكُتُبِ، فجَرَى مَجْرى الصَّيْدِ والهَمْلَجَةِ. وقال القاضِى: لا

стр. 5233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَصِحُّ. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّ فيه تَعْذِيبًا للحَيَوانِ، أَشْبَهَ ما لو شَرَطَ الكَبْشَ مُناطِحًا. وإنْ شَرَطَ الغِناءَ في الجارِيَةِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الغِناءَ مَذْمُومٌ في الشَّرْعِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه، كالزِّنَى. وإنْ شَرَطَ في الكَبْشِ النِّطَاحَ، أو في الدِّيكِ كونَه مُناقِرًا، لم تصِحَّ، لأنَّه مَنْهِىٌّ عنه في الشَّرْعِ، فجَرَى مَجْرَى الغِناءِ في الجارِيَةِ. وإنْ شَرَطَ أنَّ الدِّيكَ يُوقِظُه للصَّلَاةِ، لم يَصِحَّ، لأَنَّه لا يُمْكِنُ الوَفاءُ به، وإنْ شَرَطَ أنَّه يَصِيحُ في أوقاتٍ مَعْلُومَةٍ، جرَى مَجْرَى التَّصْوِيتِ في القُمْرِىِّ، على ما ذَكَرْنا.

стр. 5234

الثَّالِثُ، أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعًا مَعْلُومًا في الْمَبِيعِ؛ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وحُمْلَانِ الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ، أَوْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِى نَفْعَ الْبَائِعِ في الْمَبِيعِ؛ كَحَمْلِ الْحَطَبِ، وَتَكْسِيرِهِ، وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ، وَتَفْصِيلهِ، فَيَصِحُّ. ــ و (الثَّالِثُ، أَنْ يَشْتَرِطَ نَفْعًا مَعْلُومًا في الْمَبِيعِ؛ كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وحُمْلَانِ الْبَعِيرِ إِلَى مَوْضِعٍ مَعْلُوم، أَوْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِى نَفْعَ الْبَائِعِ في الْمَبِيعِ؛ كَحَمْلِ الْحَطَبِ، أَوْ تَكْسِيرِهِ، أَوْ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ، أَوْ وَتَفْصِيلهِ). ويَصِحّ أَنْ يَشْتَرِطَ البائِعُ نَفْعَ المَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، مثلَ أَنْ يَبِيعَ دارًا ويَسْتَثْنِىَ سُكْنَاها سَنَةً، أو دابَّةً ويَشْتَرِطَ ظَهْرَهُ إلى مكانٍ مَعْلُومٍ، أو عَبْدًا ويَسْتَثْنِىَ خِدْمَتَه مُدَّةً مَعْلُومَةً. نصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الأوْزَاعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الشَّافِعِىُّ، وأصحاب الرَّأْى: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعٍ

стр. 5235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وشَرْطٍ (١). ولأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَى البَيْعِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَ أَنْ لا يُسَلِّمَه؛ [وذلك] (٢)، لأنَّه شرطَ تَأْخِيرِ تَسْلِيمِ المَبِيعِ إلى أَنْ يَسْتَوْفِىَ البائِعُ مَنْفَعَتَه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه رِوَايَةٌ أُخرَى، أنَّه يَبْطُلُ البَيْعُ والشَّرْطُ، نَقَلَها عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ (٣) في الرَّجُلِ يَشْتَرِى مِن الرَّجُلِ الجارِيَةَ ويَشْتَرِطُ أَنْ تَخْدِمَه، فالبَيْعُ باطِل. قال شَيْخُنا (٤): وهذه الرِّوَايَةُ لا تَدُلُّ على محَلِّ النِّزَاعِ في هذه المسألةِ، فإنَّ اشْتِراطَ خِدْمَةِ الجارِيَةِ باطِلٌ؛ لوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّها مَجْهُولَةٌ، فإطْلَاقُه يَقْتَضِى خِدْمَتَها أَبَدًا، وهذا لا خِلافَ في بُطْلانِه، إنَّما الخِلافُ في اشْتِراطِ مَنْفعَةٍ مَعْلُومَةٍ. الثانى، أَنْ يَشْتَرِطَ خِدْمَتَها بعدَ زَوالِ مِلْكِه عنها، وذلك يُفْضِى إلى الخَلْوَةِ بها، والخَطَرِ برُؤْيَتها، وصُحْبَتِها، وهذا لا يُوجَدُ في غَيْرِها، ولذلك مُنِعَ إعارَةُ الأَمَةِ الشَّابَّةِ لغيرِ مَحْرَمِها. وقال مالِكٌ: إنِ اشْتَرَطَ رُكُوبًا إلى مكانٍ قرِيبٍ، جازَ، وإنْ كان إلى مكانٍ بَعِيدٍ، كُرِهَ؛ لأنَّ اليَسِيرَ تَدْخلُه المُسَامَحَةُ. ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، أنَّه باعَ النَّبِىَّ ﷺ جَمَلًا، واشْتَرَطَ ظَهْرَه إلى

стр. 5236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَدِينَةِ. وفى لَفْظٍ، قال: فَبِعْتُه بأُوقِيَّةٍ، واسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إلى أهْلِى. مُتَّفَقٌ عليه (١). وفى لَفْظٍ: فبِعْتُه بخَمْسِ أوَاقٍ، قال: قُلْتُ: على أنَّ لى ظَهْرَه إلى المَدِينَةِ. قال: «وَلَكَ ظَهْرُه إلى المَدِينَةِ». رواهُ مُسْلِمٌ (٢). ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن الثُّنْيَا، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ (٣). وهذه مَعْلُومَةٌ، ولأنَّ المَنْفَعَةَ قد تَقَعُ مُسْتَثْناةً بِالشَّرْعِ على المُشْتَرِى، فيما إذا اشْتَرَى نَخْلًا مُؤَبَّرَةً، أو أرْضًا مَزْرُوعَةً، أو دَارًا مُؤْجَرَةً، أو أَمَةً مُزَوَّجَةً، فجازَ أَنْ يَسْتَثْنِيَها، كما لو اشْتَرَطَ البائِعُ الثَّمرَةَ قبل التَّأْبِيرِ، ولم يَصِحَّ نَهْىُ النَّبِىِّ ﷺ عن بَيْعٍ وشَرْطٍ (٤). وإنَّما نهَى عن شَرْطَيْنِ في بَيْعٍ (٥). فمَفْهُومُه إباحَةُ الشَّرْطِ الواحِدُ. وقِياسُهُم مَنْقُوضٌ بشَرْطِ الخيارِ والتَّأْجِيلِ في الثَّمَنِ.

стр. 5237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإنْ باعَ أمَةً، واسْتَثْنَى وَطْأَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ الوَطْءَ لا يُباحُ في غيرِ مِلْكٍ أو نِكاحٍ، لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١). وفارَقَ اشْتِرَاطَ وَطْءِ المُكاتَبَةِ، حيثُ نُبِيحُه؛ لأنَّها مَمْلُوكَةٌ، فيُسْتَبَاحُ وَطْؤُها بالشَّرْطِ في المَحَلِّ المَمْلُوكِ. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ عَدَمَ الإِباحَةِ أَيْضًا. وهو قولُ أَكثرِ الفُقَهاءِ. فصل: وإن باعَ المُشْتَرِى العَيْنَ المُسْتَثْناةَ مَنْفَعَتُها، صَحَّ البَيْعُ، وتكونُ في يَدِ المُشْتَرِى الثَّانِى مُسْتَثْنَاةً أيضًا. فإنْ كان عالِمًا بذلك، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، فلم يَثْبُتْ له خِيارٌ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، وإنْ لم يَعْلَمْ، فله خِيارُ الفَسْخِ، كمَن اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجَةً، أو دارًا مُؤْجَرَةً. وإنْ أتْلَفَ المُشْتَرِى العينَ، فعليه أُجْرَةُ المِثْلِ؛ لتَفْوِيتِ المَنْفَعَةِ المُسْتَحَقَّةِ لغيرِه، وثَمَنُ المَبِيعِ (٢)، وإن تَلِفَتِ العَيْنُ بتَفْرِيطِه،

стр. 5238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهو كَتَلَفِها بفِعْلِه. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال: يَرْجِعُ البائِع على المُبْتاعِ بأُجْرَةِ المِثْلِ. قال القاضِى: مَعْناهُ عِنْدِى، القَدْرُ الَّذى نَقَصَه البائِعُ لأَجْلِ الشَّرْطِ. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ خِلافُ هذا؛ لأنَّه يَضْمَنُ ما فات بتَفْرِيطِه، فضَمِنَه بعِوَضِه، وهو أُجْرَةُ المِثْلِ. فأمَّا إنْ تَلِفَتْ بغَيْرِ فِعْلِه وتَفْرِيطِه، لم يَضْمَنْ. قال الأَثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللَّهِ: فَعَلَى المُشْتَرِى أَنْ يَحْمِلَه على غَيْرِه؛ لأنَّه كان له حمْلان؟ قال: لا، إنَّما شرطَ عليه هذا بعَيْنِه. لأنَّه لم يَمْلِكْها البائِعُ مِن جِهَتِه، فلم يَلْزَمْه عِوَضُها، كما لو تَلِفَتِ النَّخْلَةُ المُؤَبَّرَةُ بثَمَرَتِها، أو غيرُ المُؤَبَّرَةِ إذا اشْتَرَط البائِعُ ثَمَرَتَها، وكما لو باعَ حائِطًا واسْتَثْنَى منه شَجَرَةً بعَيْنِها، فتَلِفَتْ. وقال القاضِى: عليه ضَمانُها، أخْذًا من عُمومِ كلامِ أحمدَ. وإذا تَلِفَتِ العَيْنُ، رَجَعَ البائِعُ على المُبْتاعِ بأُجْرَةِ المِثْلِ. وكَلامُه مَحْمُولٌ على حالَةِ التَّفْرِيطِ، على ما ذَكَرناه.

стр. 5239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا اشْتَرَطَ البائِعُ مَنْفَعَةَ المَبِيعِ، فأرادَ المُشْتَرِى أَنْ يُعْطِيَه ما يَقُومُ مَقامَ المَبِيعِ في المَنْفَعَةِ، أو يُعَوِّضَه عنها، لم يَلْزَمْه قَبُولُه، وله اسْتِيفَاءُ المَنْفَعَةِ مِن غيرِ المَبِيعِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ حَقَّه تَعَلَّقَ بعَيْنِها، أَشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ عَيْنًا، فبَذَلَ له الآخَرُ مِثْلَها، ولأنَّ البائِعَ قد يكونُ له غَرَضٌ في اسْتِيفَاءِ مَنافِعِ تلك العَيْنِ، فلا يُجْبَرُ على قَبُولِ عِوَضِها. فإنْ تَرَاضَيَا على ذلك، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما. وإنْ أرادَ البائِعُ إعارَةَ العَيْنِ أو إجارَتَها لمَن يقومُ مَقامَه، فله ذلك، في قياسِ المَذهَبِ؛ لأنَّها مَنافِعُ مُسْتَحَقَّةٌ له، فملَكَ ذلك فيها، كمنافِعِ الدَّارِ المُسْتَأْجَرَةِ المُوصَى بمَنَافِعِها، ولا تَجُوزُ إجَارَتُها إلَّا لمِثْلِه في الانْتِفاعِ، فإنْ أرادَ إجارَتَها أو إعارَتَها لمَن يَضُرُّ بالعَيْنِ بانْتِفاعِه، لم يجُزْ ذلك، كما لا يَجُوزُ له إجَارَةُ العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ لمَن لا يقومُ مَقامَه. ذَكَرَ ذلك ابنُ عَقِيلٍ.

стр. 5240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولو قال: بِعْتُكَ هذه الدّارَ، وأَجَرْتُكَهَا شَهْرًا. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إذا باعَه فقد مَلَك المُشْتَرِى المنافِعَ، فإذا أَجرَهُ إيَّاهَا، فقد شرَطَ أَنْ يكونَ له بَدَلٌ، في مُقابَلَةِ ما مَلَكَه المُشْتَرِى، فلم يَصِحَّ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن قَفِيزِ الطَّحَّانٍ (١). ومَعْناهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَحّانًا لِيَطْحَنَ له كُرًّا (٢) بقَفِيزٍ منه، فيَصِيرُ كَأَنَّه شَرَط له [عَمَلَه في] (٣) القَفِيزِ عِوَضًا عن عَمَلِه في باقِى الكُرِّ المَطْحُونِ. ويَحْتَمِلُ الجوازَ، بناءً على اشْتِراطِ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ، على ما نَذْكُرُه، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. فصل: ويَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَ المُشْتَرِى نَفْعَ البائِعِ في المَبِيعِ، مثلَ أَنْ يَشْتَرِىَ ثَوْبًا ويَشْتَرِطَ على بائِعِه خِياطَتَه قَمِيصًا، أو بَغْلَةً ويَشْتَرِطَ حَذْوَها نَعْلًا، أو جُرْزَةَ (٤) حَطَبٍ ويَشْتَرِطَ حَمْلَها إلى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ مُهَنّا، وغيرِه. واحْتَجَّ أحمدُ بما رُوِى أنَّ محمدَ بنَ مَسْلَمَةَ اشْتَرَى مِن نَبَطِىٍّ جُرْزَةَ (٤) حَطَب، وشارَطَهُ على حَمْلِها. وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ (٥). وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَشتَرِىَ بَغْلَةً،

стр. 5241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَشْتَرِطَ على البائِعِ حَذْوَها. وحُكِىَ عن أبى ثَوْرٍ، والثَّوْرِىِّ، أنَّهُما أَبْطلا العَقْدَ بهذا الشَّرْطِ؛ لأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، أشْبَهَ الشُّرُوطَ الفاسِدَةَ، ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ (١). ولَنا، ما تَقَدَّمَ في قَضِيَّةِ محمدِ ابنِ مَسْلَمَةَ، ولأنَّه بَيْع وإجارَة؛ لأنَّه باعَهُ الثَّوْبَ وأجَرَه نَفْسَه على خِياطَتِه، وكُلُّ واحِدٍ منهما يَصِحُّ إفْرادُه بالعَقْدِ، فإذا جَمَعَهُما، جازَ، كالعَيْنَيْنِ. ولم يَصِحَّ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ. قال أحمدُ: إنَّما نَهَى من شَرْطَيْنِ في بَيْعٍ (٢). وهو يَدُلّ بمَفْهُومِه على جَوازِ الشَّرْطِ الواحِدِ. ولابدَّ مِن العِلْمِ بالمَنْفَعَةِ لهما؛ ليَصِحَّ اشْتِراطُهما، لأنَّنا نَزَّلْنا ذلك مَنْزِلَةَ الإِجارَةِ. فلو اشْتَرَطَ حملَ الحَطَبِ إلى مَنْزِلِه، والبائِعُ لا يَعْرِفُ مَنْزِلَه، لم يَصِحَّ. وإنْ شرَطَ حَذْوَها نَعْلًا، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ صِفَتِها، كما لو اسْتَأْجَرَه على ذلك ابْتَداءً. قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يَشْتَرِى البَغْلَةَ على أَنْ يحذُوَها: جائِزٌ، إذا أرادَ الشِّراكَ. فإنْ تَعَذَّرَ العَمَلُ بتَلَفِ المَبِيعِ قبلَه، أو بمَوْتِ

стр. 5242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البائِعِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، ورَجَعَ المُشْتَرِى عليه بعِوَضِ ذلك. وإن تَعَذَّرَ بمرَض، أُقِيمَ مُقَامَه مَن يَعْمَلُ العَمَلَ، والأُجْرَةُ عليه، كقَوْلِنا في الإِجَارَةِ. فصل: وإذا اشْتَرَطَ المُشْتَرِى مَنْفَعَةَ البائِعِ في المَبِيعِ، فأَقامَ البائِعُ مُقامَه مَن يَعْمَلُ العَمَلَ، فله ذلك؛ لأنَّه (١) بمَنْزِلَةِ الأجِيرِ المُشْتَرَكِ، يجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ العَمَلَ بنَفْسِه، وبمَنْ يقومُ مَقامَه. وإنْ أَرادَ بَذْلَ العِوَضِ عن ذلك، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِى قَبُولُه، وإنْ أرادَ المُشْتَرِى أخْذَ العِوَضِ عنه، لم يَلْزَمِ البائِعَ بَذْلُه؛ لأنَّ المُعَاوَضَةَ عَقْدُ تَراضٍ، فلا يُجْبَرُ عليه أحَدٌ. وإن تَرَاضَيَا علَيه، احْتَمَلَ الجوازَ؛ لأَنَّها مَنْفَعَةٌ يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنها لو لم يَشْتَرِطْها، فإذا مَلَكَها المُشْتَرِى، جازَ له أخْذُ العِوَضِ عنها، كما لو اسْتَأْجَرَها، وكما يَجُوزُ أَنْ تُؤْجَرَ المنافِعُ المُوصَى بها مِن ورَثَةِ المُوصِى. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ؛ لأنَّه مُشْتَرَطٌ بحُكْمِ العادَةِ والاسْتِحْسَانِ لأَجْلِ الحاجَةِ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالقَرْضِ، فإنَّه يَجُوزُ أن يُرَدَّ في الخُبزِ والخَمِيرِ، أقَلَّ أو أكْثَرَ. ولو أرادَ أن يَأْخُذَ بقَدْرِ خُبْزِه وكَسْرِه بقَدْرِ

стр. 5243

وَذَكَرَ الْخِرَقِىُّ في جَزِّ الرَّطْبَةِ، إِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، لَمْ يَصِحَّ. فيُخَرَّجُ ههنَا مِثْلُهُ. ــ الزِّيَادَة لم يَجُزْ. ولأنَّه أَخَذَ عِوَضًا عن مِرْفَقٍ مُعْتَادٍ، جَرَتِ العادَةُ بَالعَفْوِ عنه دُونَ أخْذِ العِوَضِ، فأشْبَهَ المَنافِعَ المُسْتَثْناة شَرْعًا، وهو ما إذا باعَ أرْضًا فيها زَرْعٌ للبَائِعِ، واسْتَحَقَّ تَبْقِيَتَه إلى حينِ الحَصَادِ، فلو أَخَذَه قَصِيلًا ليَنْتَفِعَ بالأَرْضِ إلى وَقْتِ الحَصادِ، لم يَكُنْ له ذلك. ١٥٩٣ - مسألة: (وَذَكَرَ الْخِرَقِىُّ في جَزِّ الرَّطْبَةِ، إِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، لَمْ يَصِحَّ. فيُخَرَّجُ ههنَا مِثْلُهُ) إذا اشْتَرَى زَرْعًا، أو جَزَّةً مِن الرُّطْبَةِ، أو ثَمَرَة على الشَّجَرِ، فالحَصادُ، وجَزُّ الرَّطبَةِ، وجِذاذُ الثَّمَرَةِ على الْمُشْتَرِى؛ لأنَّ نَقْلَ المَبِيعِ، وتَفْرِيغَ مِلْكِ البائِعِ منه على المُشْتَرِى، كَنَقْلِ الطَّعامِ المَبِيعِ مِن دارِ البائِعِ، بخِلافِ الكَيْلِ والوَزْنِ والعَدَدِ، فإنَّها على البائِعِ؛ لأنَّها مِن مُؤْنَةِ تَسْلِيمِ المَبِيعِ إلى المُشْتَرِى، والتَّسْلِيمُ على البائِعِ، وههُنا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بالتَّخْلِيَةِ بدُونِ القَطْعِ، بدَلِيلِ جَوازِ بَيْعِها والتَّصَرُّفِ فيها. وهذا مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. فإن شَرَطَه على البائِعِ، فاخْتَلَفَ أصْحَابُنا، فقال الخِرَقِىُّ: يَبْطُلُ

стр. 5244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البَيْعُ. وقال ابنُ أبى مُوسَى: لا يَجُوزُ. وقيل: يَجُوزُ. فإن قُلْنا: لا يَجُوزُ. فهل يَبْطُلُ البَيْعُ لبُطلانِ الشَّرْطِ؛ على رِوَايَتَيْنِ. وقال القاضِى: المَذْهَبُ جوازُ الشَّرْطِ. ذَكَرَه أبو بكْرٍ، وابنُ حامِدٍ. وقال القاضِى: ولم أَجِدْ بما قالَه الخِرَقِىُّ رِوَايَةً في المَذْهَبِ. واخْتَلَفَ فيه أصْحابُ الشافعىِّ، فقال بَعْضُهم: إذا شَرَطَ الحصادَ على البائِعِ بَطَلَ البَيْعُ، قولًا واحِدًا. وقال بَعْضُهم: يكونُ على قَوْلَيْنِ. فمَن أفْسَدَه، قال: لا يَصِحُّ؛ لثَلاثَةِ مَعَانٍ؛ أحدُها، أنَّه (١) شَرَطَ العَمَلَ في الزَّرْعِ قبلَ أن يَمْلِكَه. والثانِى، أنَّه شَرَطَ ما لَا يَقْتَضِيه العَقْدُ. والثالِثُ، أنَّه شَرَطَ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ؛ لأنَّ مَعْنَى ذلك تَسْلِيمُه مَقْطُوعًا. ومَن أَجازَه، قال: هذا بَيْعٌ وإجارَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ منهما يَصِحُّ إفْرَادُه، فَصَحَّ جَمْعُهما، كالعَيْنَيْنِ. وقولُهم: شَرَطَ العَمَلَ فيما لا يَمْلِكُه. يَبْطُلُ بشرْطِ رَهْنِ المَبِيعِ على الثَّمَنِ في البَيْعِ. والثانى، يَبْطُلُ بشَرْطِ الرَّهْنِ والكَفِيلِ والخِيارِ. والثالثُ، ليس بتَأْخِير؛ لأنَّه يُمْكِنُه تَسْلِيمُه قائِمًا، ويَبْقَى الشَّرْطُ مِن

стр. 5245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُتَسَلِّمِ، فليس ذلك بتَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ. فإذا فَسَدَتْ هذه المَعانِى، صَحَّ؛ لِما ذَكَرْناه. فإن قيلَ: فالبَيْعُ يُخالِفُ حُكْمُه حُكْمَ الإِجَارَةِ؛ لأنَّ الضَّمانَ يَنتقِلُ في البَيْعِ بتَسْلِيمِ العَيْنِ، بخِلافِ الإِجَارَةِ، فكيف يَصِحُّ الجَمْعُ بينَهما؟ قُلنا: كما يَصِحُّ بَيْعُ الشِّقْصِ والسَّيْفِ، وحُكْمُهما مُخْتَلِفٌ، بدَلِيلِ ثُبوتِ الشُّفْعَةِ في الشِّقْصِ دونَ السَّيْفِ، وقد صَحَّ الجَمْعُ بَيْنَهُما. وقول الخِرَقِىِّ: إنَّ العَقْدَ ههُنا يَبْطُلُ. يَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ هذه المسألةَ وشِبْهَها، مِمّا يُفْضِى الشَّرْطُ فيه إلى التنَّازُعِ، فإنَّ البائِعَ قد يُرِيدُ قَطْعَها مِن أَعْلَاها؛ لِيَبْقَى له منها بَقِيَّةٌ، والمُشْتَرِى يريدُ الاسْتِقْصاءَ عليها، ليَزِيدَ له ما يَأْخُذُه، فيُفْضِى إلى التَّنازُعِ، وهو مَفْسَدَةٌ، فيَبْطُلُ البَيْعُ مِن أجْلِه. ويَحْتَمِلُ أن يُقاسَ عليه ما أشْبَهَه مِن اشْتِراطِ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ. كما ذَكَرْنا في صَدْرِ المسألةِ. والأوَّلُ أوْلَى لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه قد قال في مَوْضِعٍ آخرَ: ولا يُبْطِلُ البَيْعَ شَرْطٌ واحِدٌ.

стр. 5246

وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ. ــ والثانى، أنَّ المَذْهَبَ أنَّه يَصِحُّ اشْتِراطُ مَنْفَعَةِ البائِعِ في المَبِيعِ (١)، كما ذَكَرْنَا. واللَّهُ أَعْلَمُ. ١٥٩٤ - مسألة: (وإِنْ جَمَعَ بينَ شَرْطَيْنِ، لم يَصِحَّ) ثَبَتَ عن أحمدَ، ﵀، أنّه قال: الشرْطُ الوَاحِدُ لا بَأْسَ به، إنّما نُهِىَ عن الشَّرْطَيْنِ في البَيْعِ. وهو ما رُوِى عن عبدِ اللَّه بِنِ عَمْرٍو، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيْعٌ، ولا شَرْطَانِ في بَيْعٍ، ولا بَيعُ ما ليْسَ

стр. 5247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عِنْدَكَ». أخْرَجَه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قال الأَثْرَمُ: قيلَ لأبِى عبدِ اللَّهِ: إنَّ هؤلاء يَكْرَهُونَ الشَّرْطَ في البَيْعِ. فَنَفَضَ يَدَهُ، وقال: الشَّرْطُ الواحِدُ لا بَأْسَ به في البَيْعِ، إنَّما نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن شَرْطَيْنِ في البَيْعِ. وحَدِيثُ جابِرٍ يَدُلُّ على إباحَةِ الشَّرْطِ، حينَ باعَهُ جَمَلَه وشَرَطَ ظَهْرَه إلى المَدِينَةِ (٢). واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الشَّرْطَيْنِ المَنْهِىِّ عنهما، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنّهُما شَرْطَانِ صَحِيحَانِ لَيْسَا مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ. فحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عنه، وعن إسحاقَ، في مَن اشْتَرَى ثَوْبًا، واشْتَرَطَ على البائِعِ خِيَاطَتَه و (٣) قِصارَتَه، أو طَعامًا واشْتَرَطَ طَحْنَه وحَمْلَه، إن شَرَطَ أحدَ هذه الأشْياءِ فالبَيْعُ جائِزٌ، وإنِ اشْتَرَطَ شَرْطَيْنِ، فالبَيْعُ باطِلٌ. وكذلك فَسَّرَ القاضِى في «شَرْحِه»

стр. 5248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّرْطَيْنِ المُبْطِلَيْنِ بنَحْوِ هذا التَّفْسِيرِ. ورَوَى الأَثْرَمُ عن أحمدَ تَفْسِيرَ الشَّرْطَيْنِ، أَنْ يَشْتَرِيَها على أنَّه لا يَبِيعُها مِن أحَدٍ ولا يَطَؤُها. فَفَسَّرَهُ بشَرْطَيْنِ فاسِدَيْنِ. ورَوَى عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ في الشَّرْطَيْنِ في البَيْعِ، أَنْ يقولَ: إذا بِعْتَها فأنَا أحَقُّ بها بالثَّمَنِ، وأنْ تَخْدِمَنِى سَنَةً. فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الشَّرْطَيْنِ المَنْهِىَّ عنهما ما كانَ مِن هذا النَّحْوِ. وأمّا إنْ شَرَطَ شَرْطَيْنِ أو أكْثَرَ مِن مُقْتَضَى العَقْدِ، أو مِن مَصْلَحَتِه، مثلَ أَنْ يَبِيعَه بشَرْطِ الخِيارِ، والتَّأْجِيلِ، والرَّهْنِ، والضَّمِينِ، أو بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ إليه المَبِيعَ أو الثَّمَنَ، فهذا لا يُؤَثِّرُ في العَقْدِ، وإنْ كَثُرَ. وقال القاضِى في «المُجَرَّدِ»: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه متى شَرَطَ في العَقْدِ شَرْطَيْنِ، بَطَلَ، سواءٌ كانَا صَحِيحَيْنِ، أو فاسِدَيْنِ، لمَصْلَحَةِ العَقْدِ، أو لغَيْرِ مَصْلَحَتِه. أخْذًا مِن ظاهِرِ الحَدِيثِ، وعَمَلًا بعُمُومِه. ولم يُفَرِّقِ الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، بينَ الشَّرْطِ والشَّرْطَيْنِ، ورَوَوْا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ (١). ولأنَّ الصَّحِيحَ لا يُؤثِّرُ في البَيْعِ وإنْ

стр. 5249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَثُرَ، الفاسِدُ يُؤَثِّرُ فيه وإنِ اتَّحَدَ. والحَديثُ الَّذى رَوَيْناهُ يَدُلُّ على الفَرْقِ. ولأنَّ الغَرَرَ (١) اليَسِيرَ إذا احْتُمِلَ في العَقْدِ، لا يَلْزَمُ احْتِمالُ الكَثِيرِ. وحَدِيثُهم ليس له أصْلٌ، وقد أنْكَرَه أحمدُ، ولا نَعْرِفُه مَرْوِيًّا في مُسْنَدٍ، فلا يُعَوَّلُ عليه. والذي ذَكَرَه القاضِى في «المُجَرَّدِ» بَعِيدٌ أيضًا؛ فإنَّ شَرْطَ ما يَقْتَضِيه العَقْدُ، لا يُؤَثِّرُ فيه، بغَيْرِ خِلافٍ، وشَرْطَ ما هو مِنِ مَصْلَحَةِ العَقْدِ؛ كالأَجَلِ، والخِيارِ، والرَّهْنِ، والضَّمِينِ، وشَرْطَ صِفةٍ في المَبِيعِ؛ كالكِتَابَةِ، والصِّنَاعَةِ، فيه مَصْلَحَة العَقْدِ، فلا يَنْبَغِى أَنْ يُؤثِّرَ في بُطْلانِه، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ. ولم يَذْكُرْ أحمدُ في هذه المَسْأَلَةِ شَيئًا مِن هذا القِسْمِ، فالظاهِرُ أنَّه غيرُ مُرَادٍ له. والأَوْلَى تَفْسِيرُه بما حَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ. واللَّهُ أعلمُ.

стр. 5250

فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِى فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ؛ كَسَلَفٍ، أَوْ قَرْض، أو بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ، أَوْ غَيْرِهِ. فَهَذَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ وَحْدَهُ. ــ (فصل: الضَّرْبُ الثَّانِى فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أنْوَاعٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا (١) عَلَى صَاحِبِهِ عَقْدًا آخَرَ؛ كَسَلَفٍ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ صَرْفٍ لِلثَّمَنِ، أَوْ غَيْرِهِ. فَهَذَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ وَحْدَه) المَشْهُورُ في المَذْهَبِ أنَّ هذا الشَّرْطَ فاسِدٌ، يَبْطُلُ به البَيْعُ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: «لا يَحِلُّ بَيْعٌ وسَلَفٌ، ولا شَرْطَانِ في بَيْعٍ». قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ولأنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ (٢). حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وهذا منه. قال أحمدُ: وكذلك كُلُّ ما في مَعْنَى ذلك، مثلَ أن يَقُولَ: على أَنْ تُزَوِّجَنِى ابْنَتَكَ. أو: على أَنْ اُزَوِّجَكَ ابْنَتِى. فهذا كُلُّه لا يَصِحُّ. قال ابنُ مَسْعُودٍ: صَفْقَتانِ في صَفْقَةٍ

стр. 5251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رِبًا (١). وهذا قولُ أبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ، وجمهورِ العُلَمَاءِ. وجَوَّزَهُ مالِكٌ، وجَعَلَ العِوَضَ المَذْكُورَ في الشَّرْطِ فاسِدًا، وقال: لا أَلْتَفِتُ إلى اللَّفْظِ الفاسِدِ، إذا كان مَعْلُومًا حَلالًا، فكأَنَّه باعَ السِّلْعَةَ بالدَّرَاهِمِ التى ذَكَرَ أنَّه يَأْخُذُها بِالدَّنَانِيرِ. ولَنا، الخَبَرُ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسادَ، ولأنَّ العَقْدَ يَجبُ بِالشَّرْطِ؛ لكَوْنِه لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، فيَسْقُطُ، فيَفْسُدُ العَقدُ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَرْضَ به، إلَّا بِالشَّرْطِ، فإذا فاتَ، فاتَ الرِّضَا به، ولأنَّه شَرَطَ عَقْدًا في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كنِكَاحِ الشِّغَارِ. وقولُه: لا أَلْتَفِتُ إلى اللَّفْظِ الفَاسدِ (٢). لا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَيْعَ هو اللَّفْظُ، فإذا كان فاسِدًا فكيف

стр. 5252

الثَّانِى، شَرْطُ مَا يُنَافِى مُقْتَضَى الْبَيْعِ، نَحْوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ، وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ، وَلَا يَهَبَ، وَلَا يَعْتِقَ، أَوْ إِنْ أَعْتَقَ، فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهَذَا بَاطِلٌ في نَفْسِهِ. وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ يكونُ صَحِيحًا! ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ البَيْعُ ويَبْطُلَ الشَّرْطُ، بِناءً على ما إذا شَرَطَ ما يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، على ما نذْكُرُه إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى. (الثانى، شَرْطُ ما يُنافِى مُقْتَضى البَيْعِ، نحوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لا خَسَارَةَ عليه، أو متى نَفَقَ المَبِيعُ، وإلَّا رَدَّه، أو أَنْ لَا يَبِيعَ، ولا يَهَبَ، ولا يَعْتِقَ، أَوْ إنْ أعْتَقَ، فالوَلَاءُ له، أو يَشْتَرِطَ أَنْ يَفْعَلَ ذلك، فهذا باطِلٌ في نَفْسِه) لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ في حَدِيثِ بَرِيرَةَ حين شَرَطَ أَهْلُها الوَلاءَ: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (١). نَصَّ على بُطْلانِ هذا الشَّرْطِ، وقِسْنَا عليه سائِرَ الشُّرُوطِ، لأنَّها في مَعْنَاهُ. (وهل يَبْطُلُ بها البَيْعُ؟ على رِوَايَتَيْنِ). قال القاضِى: المَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ. وهو

стр. 5253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وبه قال الحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأبو ثَوْرٍ. والثانيةُ، البَيْعُ فاسِدٌ. وهو قولُ أبى حَنِيفةَ، والشّافِعِىِّ؛ لأنَّه شرطٌ فاسِدٌ، فأَفْسَدَ البَيْعَ، كما لو اشْتَرَطَ فيه عَقْدٌ آخَرَ. ولأنَّ الشَّرْطَ إذا فَسَدَ، وجَبَ الرُّجُوعُ بما نَقَصَه الشَّرْطُ مِن الثَّمَنِ، وذلك مَجْهُولٌ، فيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا. ولأنَّ البائِعَ إنَّما رَضِىَ بزَوَالِ مِلْكِه عن المَبِيعِ بشَرْطِه، والمُشْتَرِىَ كذلك، إذا كان الشَّرْطُ له، فلو صَحَّ البَيْعُ بدُونِه، لزالَ مِلْكُه بغَيْر رضاه، والبَيْعُ مِن شَرْطِه التَّراضِى. ولأنَّه قد رُوِى عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ. وَوَجْهُ الأُولَى ما رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: جاءَتْنِى بَرِيرَةُ، فقالت: كاتَبْتُ أَهْلِى على تِسْعِ أوَاقٍ، في كُلِّ عام أُوقِيَّة، فأَعِينينى. فقلت: إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أَنْ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحِدَةً، ويكُونَ ولاؤُكِ لِى، فَعَلْتُ. فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِها، فقالت لهم، فأَبَوْا عليها. فجاءَت مِن عندِهم

стр. 5254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ، فقالت: إنِّى عَرَضْتُ عليهم، فأبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلاءُ لهم. فسَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ ، فأَخبَرَتْ عائِشَةُ النَّبِىِّ ﷺ ، فقال: «خُذِيها واشْتَرِطِى لهم الوَلاءَ، فإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أعْتَقَ». فَفَعَلَتْ عائِشَة، ثم قامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في الناسِ، فحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، ما بالُ رِجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليست في كتابِ اللَّهِ تعالَى، ما كان مِن شَرْطٍ ليس في كتابِ اللَّهِ فهو باطِلٌ، وإنْ كان مِائَةَ شَرْطٍ، قضاءُ اللَّهِ أحَقُّ، وشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أَعْتَقَ». مُتَّفَقٌ عليه (١).

стр. 5255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأبْطَلَ الشَّرْطَ، ولم يُبْطِلِ العَقْدَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: خَبَرُ بَرِيرَةَ ثابِتٌ، ولا نَعْلَمُ خَبَرًا يُعارِضُه، فالقَوْلُ به يَجِبُ. فإنْ قيل: المُرادُ بقَوْلِه: «اشْتَرِطِى لَهُمُ الوَلاءَ». أَى عليهم. بدَلِيلِ أنّه أمَرَها به، ولا يَأْمُرُها بفَاسِدٍ. قلنا: لا يَصِحُّ هذا التَّأوِيلُ؛ لوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّ الوَلَاءَ لها بإعْتَاقِها، فلا حاجَةَ إلى اشْتِراطِه. الثانى، أنَّهُم أَبَوُا البَيْعَ، إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لهم الولَاءُ، فكيف يَأْمُرُها بما عَلِمَ أنَّهُم لا يَقْبَلُونَه مِنها؟ وأمّا أمْرُها بذلك، فليس هو أمْرًا على الحَقِيقَةِ، وإنَّما هو صِيغَةُ الأمْرِ بمَعْنَى التَّسْوِيَةِ بينَ
следующие страницы →