. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِبًا (١). وهذا قولُ أبى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ، وجمهورِ العُلَمَاءِ. وجَوَّزَهُ مالِكٌ، وجَعَلَ العِوَضَ المَذْكُورَ في الشَّرْطِ فاسِدًا، وقال: لا أَلْتَفِتُ إلى اللَّفْظِ الفاسِدِ، إذا كان مَعْلُومًا حَلالًا، فكأَنَّه باعَ السِّلْعَةَ بالدَّرَاهِمِ التى ذَكَرَ أنَّه يَأْخُذُها بِالدَّنَانِيرِ. ولَنا، الخَبَرُ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى الفَسادَ، ولأنَّ العَقْدَ يَجبُ بِالشَّرْطِ؛ لكَوْنِه لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، فيَسْقُطُ، فيَفْسُدُ العَقدُ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَرْضَ به، إلَّا بِالشَّرْطِ، فإذا فاتَ، فاتَ الرِّضَا به، ولأنَّه شَرَطَ عَقْدًا في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كنِكَاحِ الشِّغَارِ. وقولُه: لا أَلْتَفِتُ إلى اللَّفْظِ الفَاسدِ (٢). لا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَيْعَ هو اللَّفْظُ، فإذا كان فاسِدًا فكيف
стр. 5252
الثَّانِى، شَرْطُ مَا يُنَافِى مُقْتَضَى الْبَيْعِ، نَحْوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ، وَإِلَّا رَدَّهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ، وَلَا يَهَبَ، وَلَا يَعْتِقَ، أَوْ إِنْ أَعْتَقَ، فَالْوَلَاءُ لَهُ، أَوْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهَذَا بَاطِلٌ في نَفْسِهِ. وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
يكونُ صَحِيحًا! ويَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ البَيْعُ ويَبْطُلَ الشَّرْطُ، بِناءً على ما إذا شَرَطَ ما يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، على ما نذْكُرُه إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
(الثانى، شَرْطُ ما يُنافِى مُقْتَضى البَيْعِ، نحوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لا خَسَارَةَ عليه، أو متى نَفَقَ المَبِيعُ، وإلَّا رَدَّه، أو أَنْ لَا يَبِيعَ، ولا يَهَبَ، ولا يَعْتِقَ، أَوْ إنْ أعْتَقَ، فالوَلَاءُ له، أو يَشْتَرِطَ أَنْ يَفْعَلَ ذلك، فهذا باطِلٌ في نَفْسِه) لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ في حَدِيثِ بَرِيرَةَ حين شَرَطَ أَهْلُها الوَلاءَ: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (١). نَصَّ على بُطْلانِ هذا الشَّرْطِ، وقِسْنَا عليه سائِرَ الشُّرُوطِ، لأنَّها في مَعْنَاهُ. (وهل يَبْطُلُ بها البَيْعُ؟ على رِوَايَتَيْنِ). قال القاضِى: المَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّ البَيْعَ صَحِيحٌ. وهو
стр. 5253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وبه قال الحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأبو ثَوْرٍ. والثانيةُ، البَيْعُ فاسِدٌ. وهو قولُ أبى حَنِيفةَ، والشّافِعِىِّ؛ لأنَّه شرطٌ فاسِدٌ، فأَفْسَدَ البَيْعَ، كما لو اشْتَرَطَ فيه عَقْدٌ آخَرَ. ولأنَّ الشَّرْطَ إذا فَسَدَ، وجَبَ الرُّجُوعُ بما نَقَصَه الشَّرْطُ مِن الثَّمَنِ، وذلك مَجْهُولٌ، فيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا. ولأنَّ البائِعَ إنَّما رَضِىَ بزَوَالِ مِلْكِه عن المَبِيعِ بشَرْطِه، والمُشْتَرِىَ كذلك، إذا كان الشَّرْطُ له، فلو صَحَّ البَيْعُ بدُونِه، لزالَ مِلْكُه بغَيْر رضاه، والبَيْعُ مِن شَرْطِه التَّراضِى. ولأنَّه قد رُوِى عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ. وَوَجْهُ الأُولَى ما رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: جاءَتْنِى بَرِيرَةُ، فقالت: كاتَبْتُ أَهْلِى على تِسْعِ أوَاقٍ، في كُلِّ عام أُوقِيَّة، فأَعِينينى. فقلت: إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أَنْ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحِدَةً، ويكُونَ ولاؤُكِ لِى، فَعَلْتُ. فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِها، فقالت لهم، فأَبَوْا عليها. فجاءَت مِن عندِهم
стр. 5254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ، فقالت: إنِّى عَرَضْتُ عليهم، فأبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلاءُ لهم. فسَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ ، فأَخبَرَتْ عائِشَةُ النَّبِىِّ ﷺ ، فقال: «خُذِيها واشْتَرِطِى لهم الوَلاءَ، فإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أعْتَقَ». فَفَعَلَتْ عائِشَة، ثم قامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في الناسِ، فحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، ما بالُ رِجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليست في كتابِ اللَّهِ تعالَى، ما كان مِن شَرْطٍ ليس في كتابِ اللَّهِ فهو باطِلٌ، وإنْ كان مِائَةَ شَرْطٍ، قضاءُ اللَّهِ أحَقُّ، وشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أَعْتَقَ». مُتَّفَقٌ عليه (١).
стр. 5255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأبْطَلَ الشَّرْطَ، ولم يُبْطِلِ العَقْدَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: خَبَرُ بَرِيرَةَ ثابِتٌ، ولا نَعْلَمُ خَبَرًا يُعارِضُه، فالقَوْلُ به يَجِبُ. فإنْ قيل: المُرادُ بقَوْلِه: «اشْتَرِطِى لَهُمُ الوَلاءَ». أَى عليهم. بدَلِيلِ أنّه أمَرَها به، ولا يَأْمُرُها بفَاسِدٍ. قلنا: لا يَصِحُّ هذا التَّأوِيلُ؛ لوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّ الوَلَاءَ لها بإعْتَاقِها، فلا حاجَةَ إلى اشْتِراطِه. الثانى، أنَّهُم أَبَوُا البَيْعَ، إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لهم الولَاءُ، فكيف يَأْمُرُها بما عَلِمَ أنَّهُم لا يَقْبَلُونَه مِنها؟ وأمّا أمْرُها بذلك، فليس هو أمْرًا على الحَقِيقَةِ، وإنَّما هو صِيغَةُ الأمْرِ بمَعْنَى التَّسْوِيَةِ بينَ
стр. 5256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاشْتِراطِ وتَرْكِه، كَقولِ اللَّهِ تعالَى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (١). وقَوْلِه: ﴿فَاصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ﴾ (٢). والتَّقْدِيرُ: واشْتَرِطِى لهم الوَلاءَ، أو لا تَشْتَرِطِى. ولهذا قال عَقيبَهُ: «فإنَّما الوَلَاءُ لمَنْ أَعْتَقَ». وحَدِيثُهم لا أصْلَ له على ما ذَكَرْنَا، وما ذَكَرُوه مِن المَعْنَى في مُقابَلَةِ النَّصِّ لا يُقْبَلُ.
فصل: وإذا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ البَيْعِ، فللبَائِعِ الرُّجُوعُ بما نَقَصَه الشَّرْطُ مِن الثَّمَنِ. ذكَرَه القاضِى. وللمُشْتَرِى الرُّجُوعُ بزِيادَةِ الثَّمَنِ إنْ كان هو المُشْتَرِطَ؛ لأنَّ البائِعَ إنَّما سَمَح بالبَيْعِ بهذا الثَّمَنِ؛ لِما يحصُلُ له مِن الغَرَضِ بالشَّرْطِ، والمُشْتَرِى إنَّما سَمَحَ (٣) بِزيَادَةِ الثَّمَنِ مِن أجْلِ شَرْطِه، فإذا لم يَحْصُلْ غَرَضُه، يَنْبَغِى أن يَرْجِعَ بما سَمَحَ به، كما لو وَجَدَه مَعِيبًا. ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ له (٤) الخِيارُ، ولا يَرْجِعَ بشئٍ، كمَن شَرَطَ رَهْنًا أو ضمِينًا، فامْتَنَعَ الرّاهِنُ والضَّمِينُ، ولأنَّ ما يَنْقُصُه الشَّرْطُ مِن الثَّمَنِ مَجْهُولٌ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا، ولأنَّ النَّبىَّ ﷺ لم يَحْكُمْ لأرْبابِ بَريرَةَ. بشئٍ مع فَسَادِ الشَّرْطِ وصِحَّةِ البَيْعِ. وإن حَكَمْنا بفَسَادِ العَقْدِ لم يحصُلْ به مِلْكٌ، سواءٌ قَبَضَه أو لم يَقْبِضْه، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى.
стр. 5257
إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ، فَفِى صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَصِحُّ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ.
ــ
١٥٩٥ - مسألة: (إِلَّا إِذَا شَرَطَ الْعِتْقَ، فَفِى صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَصِحُّ) وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ، وشرطَ عليها أهْلُها عِتقَها وولاءَها، فأَنْكَرَ النبىُّ ﷺ شرْطِ الوَلَاءِ دُونَ العِتقِ. والثانيةُ، الشَّرْطُ فاسِدٌ. وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ؛ لأنَّهُ شَرْطٌ يُنافِى مُقْتَضَى العقْدِ، أشْبَهَ ما لو شَرَط أن لا يَبِيعَه، ولأنَّه شرَط إزالَةَ مِلْكِه عنه، أشبَهَ ما إذا اشتَرَطَ أن يَبِيعَه، وليس
стр. 5258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في حَدِيثِ عائِشَةَ أنَّها شَرَطَتْ لهم العِتقَ، إنَّما اخْبَرَتْهم أنَّها تُرِيدُ ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، فاشْتَرَطُوا ولاءَها. فإن حَكَمْنَا بفَسَادِه، فحُكْمُه حُكْمُ سائِرِ الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، على ما بَيَّنَّا، وإن حَكَمْنا بصِحَّتِه، فأعْتَقَه المُشْتَرِى، فقد وَفَّى بما شَرَط عليه. وإن لم يُعْتِقْه ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُجْبَرُ، لأنَّ شَرْطَ العِتْقِ إذا صَحَّ تَعَلَّقَ بعَيْنِه، فيُجْبَرُ، كما لو نَذرَ عِتْقَه. والثانى، لا يُجْبَرُ؛ لأنَّ الشَّرْطَ لا يُوجِبُ فِعلَ المَشْرُوطِ، بدَلِيلِ ما لو شرَط الرَّهْنَ والضَّمِينَ. فعلى هذا يَثْبُتُ للبائِعِ خِيَارُ الفَسْخِ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ له ما شَرَطَ، أشْبَهَ ما لو شرَطَ عليه رَهْنًا فلم يَفِ به. وإن تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ، أو كان أَمَةً فأَحْبَلَها، أَعْتَقَه، وأَجْزَأه؛ لأنَّ الرِّقَّ باقٍ فيه. وإنِ اسْتَغَلُّه، أو أخَذَ مِن كَسْبِه شيئًا، فهو له. وإن ماتَ المَبِيعُ رَجَعَ البائِعُ على المُشْتَرِى بما نَقَصَه شَرْطُ العِتْقِ، فيُقالُ: كم قِيمَتُه لو بِيعَ مُطْلَقًا، وكم قِيمَتُه إذا بِيع بشَرْطِ العِتقِ؟ فيُرْجَعُ بقِسْطِ ذلك مِن ثَمَنِه، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، كالأَرْشِ. وفى الآخَرِ، يُضْمَنُ بما نَقَصَ مِن قِيمَتِه.
стр. 5259
وَعَنْهُ، في مَنْ بَاعَ جَارِيَةً، وَشَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرى، إِنْ بَاعَهَا، فهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثّمَنِ، أنَّ البَيْعَ جَائِزٌ. وَمَعْنَاهُ -وَاللَّهُ أَعْلمُ- أنَّهُ جَائِزٌ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ.
ــ
١٥٩٦ - مسألة: (وعنه في مَن باعَ جارِيَةً، وشَرَطَ على المُشْتَرِى، أنَّه إن باعَهَا، فهو أحَقُّ بها بالثَّمَنِ، أنّ البَيْعَ جائِزٌ) رَوَى المَرُّوذِىُّ، عن أحمدَ، أنَّه قال: هو في مَعْنَى حَدِيثِ النبىِّ ﷺ : «لا
стр. 5260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَرْطَانِ في بَيْعٍ». يَعْنِى أنَّه فاسِدٌ؛ لأنَّهُ شَرَطَ أن يَبِيعَه إيَّاهُ، وأن يَبِيعَه بالثَّمَنِ الأوَّلِ، فهما شَرْطَانِ في بَيْعٍ نُهِىَ عنهما، ولأنَّه يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ؛ لأنَّه شَرَطَ أن لا يَبِيعَه مِن غيرِه إذا أعْطاهُ ثَمنَه، فهو كما لو شَرَطَ أن لا يَبِيعَه إلَّا مِن فلانٍ. وروَى عنه إسماعيلُ بنُ سَعِيدٍ: البَيْعُ جائِزٌ. لِما رُوِى عن ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّه قال: ابْتَعْتُ مِن امْرَأَتى زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ جارِيَةً، وشَرَطْتُ لها إن بِعْتُها فهى لها بالثَّمَنِ الذى ابْتَعْتُها به، فذَكَرْتُ ذلك لعمرَ، فقال: لا تَقْرَبْها ولأحَدٍ فيها شَرْطٌ (١). قال إسماعِيلُ: فذَكَرْتُ لأحمدَ الحَدِيثَ، فقال: البَيْعُ جائِزٌ، و «لا تَقْرَبْها»؛ لأنَّه كان فيها شَرْطٌ واحِدٌ للمَرْأَة، ولم يَقُلْ عمرُ في ذلك البَيْعِ: فاسِدٌ. فحَمَلَ الحَدِيثَ على
стр. 5261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ظاهِرِه، وأَخَذَ به. وقد اتَّفَقَ عُمَرُ وابنُ مَسْعُودٍ على صِحَّتِه، والقِياسُ يَقْتَضِى فَسَادَه. قال شَيْخنا (١): ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، على فَسادِ الشَّرْطِ، وفى رِوايَةِ إسماعيلَ بنِ سَعِيدٍ على جَوازِ البَيْعِ، فيكونُ البَيْعُ صَحِيحًا، والشَّرْطُ فاسِدًا، كما لو اشْتَرَاهَا بشرْطِ أن لا يَبِيعَها. وقولُ أحمدَ: «لا تَقْرَبْها». قد رُوِى مثْلُه في مَن اشْتَرَطَ في الأمَةِ أَنْ لا يَبِيعَها، ولا يَهَبَها، أو شَرَطَ عليه ولاءَها، [ولا] (٢) يَقْرَبُها. والبَيْعُ جائِزٌ؛ لحَدِيثِ عمرَ المذكُورِ. وقال القاضِى: وهذا (٣) على الكَرَاهَةِ، لا على التَّحْرِيمِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: عندى أنَّه إنَّما مَنَعَ مِن الوَطْءِ؛ لمكانِ الخِلافِ في العَقْدِ؛ لكَوْنِه يَفْسُدُ بفَسَادِ الشَّرْطِ في بَعْضِ المذاهِبِ.
стр. 5262
وَإِنْ شَرَطَ رَهْنًا فَاسِدًا وَنَحْوَهُ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
ــ
١٥٩٧ - مسألة: (وإن شَرَطَ رَهْنًا فاسِدًا) كالخَمْرِ (ونحْوِه، فهل يَبْطُلُ البَيْعُ؟ على وَجْهَيْنِ) أصْلُهما الرِّوَايَتَانِ في الشُّروطِ الفاسِدَةِ، وقد مَضَى ذكْرُهما.
فصل: وَإذا قال رَجُلٌ لغَرِيمِه: بِعْنِى هذا على أن أَقْضِيَكَ دَيْنَكَ منه. ففَعَلَ، فالشَّرْطُ باطِلٌ؛ لأَنَّه شَرَطَ أن لا يَتَصَرَّفَ فيه بغيرِ القَضاءِ. وهل يَبْطُلُ (١) البَيْعُ؟ يَنْبَنِى على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ، على ما ذَكَرْنا. وإن قال: اقْضِنِى (٢) حَقِّى على أن أبِيعَكَ كذا وكذا. فالشَّرْطُ باطلٌ، والقَضاءُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه أقْبَضَه حَقَّه. وإن قال: اقْضِنِى (٢) أَجْوَدَ من مالِى، على أن أَبِيعَكَ كذا. فالقَضَاءُ والشَّرْطُ باطِلَانِ، وعليه رَدُّ ما قَبَضَه، ويُطالِبُ بمالِه.
стр. 5263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَتَى حَكَمْنَا بفَسَادِ العَقْدِ، لم يَثْبُتْ به مِلْكٌ، سواءٌ اتَّصَلَ به القَبْضُ أو لَا. ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ المُشْتَرِى فيه بِبَيْعٍ، ولا هِبَةٍ، ولا عِتْقٍ، ولا غيرِه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حَنِيفةَ: يَثْبُتُ المِلْكُ فيه إذا اتَّصَلَ به القَبْضُ، وللبَائِعِ الرُّجُوعُ فيه، فيَأْخُذُه مع زِيادَتِه المُنْفَصِلةِ (١)، إلَّا أن يَتَصَرفَ فيه المُشْتَرِى تصَرُّفًا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فيه، فيَأْخُذَ قِيمَتَه. مُحْتَجًّا بحَدِيثِ بَرِيرَةَ؛ فإنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْها بشَرْطِ الوَلاءِ، فأعْتَقَتْها، فأَجَازَ النبىُّ ﷺ العِتْقَ، والبَيْعُ فاسِدٌ. ولأنَّ المُشْتَرِىَ على صِفَةٍ يملِكُ المَبِيع ابْتِداءً بعَقْدٍ، وقد حَصَلَ عليه الضَّمَانُ للبَدَلِ عن (٢) عَقْدٍ فيه تَسْلِيطٌ، فوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَه، كالعَقْدِ الصَّحِيحِ. ولَنا، أنَّه مَقْبُوضٌ بعَقْدٍ فاسِدٍ، فلم يمْلِكْهُ، كما لو كان الثَّمَنُ مَيْتَةً، أو دَمًا. فأمّا حَدِيثُ بَرِيرَةَ، فإنّمَا يَدُلُّ على صِحَّةِ العَقْدِ، لا على ما ذَكَرُوه. وليس في الحَدِيثِ أنَّ عائِشَةَ اشْتَرَتْهَا بهذا الشَّرْطِ، بل الظاهِرُ أنَّ أَهْلَها حينَ بَلَغَهُم إنْكَارُ النَّبِىِّ ﷺ هذا الشَّرْطَ، تَرَكُوهُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ الشَّرْطَ كان سابِقًا للعَقْدِ، فلم يُؤَثِّرْ فيه.
стр. 5264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وعليه رَدُّ المَبِيعِ، مع نَمائِه [المُتَّصِلِ و] (١) المُنْفَصِلِ، وأُجْرَةِ مثلِه مُدَّةَ بقَائِه في يَدَهِ، وإنْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ؛ لأنَّها جُمْلَةٌ مَضْمُونَةٌ، فأجْزَاؤُها تكونُ مَضْمُونَةً أيضًا. وإنْ تَلِفَ المَبِيعُ في يَدِ المُشْتَرِى، فعليه ضَمانُه بقِيِمَتِه يومَ التَّلَفِ. قاله القاضِى. ولأنَّ أَحمَدَ نَصَّ عليه في الغَصْبِ. ولأنَّه قَبَضَه بإذْنِ مالِكِه، فأشْبَهَ العارِيَّةَ. وذَكَرَ الخِرَقِىُّ في الغَصْبِ، أنّه يَلْزَمُه قِيمَتُه أكْثَرَ ما كانت. فيُخَرَّجُ ههنا كذلك. ولأصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهَانِ كهذَيْنِ.
فصل: فإنْ كان المَبِيعُ أمَةً، فَوَطِئَها المُشْتَرِى، فلا حَدَّ عليه؛ لاعْتِقَادِه أَنَّها مِلْكُه، ولأنَّ في المِلْكِ اخْتِلَافًا. وعليه مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّ الحَدَّ إذا سَقَطَ للشُّبْهَةِ، وَجَبَ المَهْرُ. ولأنَّ الوَطْءَ في مِلْكِ الغَيْرِ يُوجِبُ المَهْرَ. وعليه أرْشُ البَكَارَةِ، إنْ كانَتْ بِكْرًا. فإنْ قيلَ: أليس إذا تَزَوَّجَ امرأةً تَزْويجًا فاسِدًا، فَوَطِئَها، فأزَالَ بكَارَتَها، لا يَضْمَنُ البَكَارَةَ؟ قُلْنا: لأنَّ النِّكَاحَ. تَضَمَّنَ الإِذْنَ في الوَطْء المُذْهِب للبَكَارَةِ؛ لأنَّه مَعْقودٌ على الوَطْءِ، ولا كذلك البَيْعُ، لأنَّه ليس بمَعْقودٍ على الوَطْءِ،
стр. 5265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ شِراءُ مَنْ لا يَحِلَّ وَطْؤُها. فإنْ قيلَ: فإذا أوْجَبْتُم مَهْرَ بِكْرٍ، فكيف تُوجِبُونَ ضمانَ البَكَارَةِ، وقد دَخَلَ ضَمانُها في المَهْرِ؟ وإذا أوْجَبْتُم ضمانَ البَكَارَةِ، فكيف تُوجِبُونَ مَهْرَ بِكْرٍ، وقد أَدَّى عِوَضَ البَكَارَةِ بضَمانِه لها، فجَرَى مَجْرَى مَنْ أَزَالَ بكارَتَها بإصْبَعِه، ثم وَطِئَها؟ قُلْنا: لأَنَّ مَهْرَ البِكْرِ ضمانُ المَنْفَعَةِ، وأَرْشَ البَكَارَةِ ضمانُ جُزْءٍ، فلذلك اجْتَمَعَا، وأمّا الثَّانِى، فإنَّه إذا وَطِئَها بِكْرًا، فقد اسْتَوْفَى نَفْعَ هذا الجُزْءِ، فَوَجَبَتْ قِيمَةُ ما اسْتَوْفَى مِن نَفْعِه، وإذا أَتْلَفَه وَجَبَ ضمانُ عَيْنِه، ولا يَجُوزُ أن يَضْمَنَ العَيْنَ ويُسْقِطَ ضمانَ المَنْفَعَةِ، كما لو غَصَبَ عَيْنًا ذاتَ مَنْفَعَةٍ، فاسْتَوْفَى مَنْفَعَتَها، ثم أَتْلَفَها، أو غَصَبَ ثَوْبًا، فلَبِسَه حتى أَبْلاهُ وأتْلَفَه، فإنَّه يَضْمَنُ القِيمَةَ والمَنْفَعَةَ، كذا ههُنا.
فصل: وإنْ وَلَدَت كان وَلَدُها حُرًّا؛ لأنَّه وَطِئَها بشُبْهَةٍ، ويَلْحَقُ به؛ لذلك، ولا ولاءَ عليه؛ لأنَّه حُرُّ الأَصْلِ، وعلى الوَاطِئَ قِيمَتُه يومَ وَضْعِه؛ لأنَّه يومُ الحَيْلُولَةِ بَيْنَه وبينَ صاحِبِه. فإنْ سَقَطَ مَيْتًا لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه إِنَّما يَضْمَنُه حينَ وَضْعِه، ولا قِيمَةَ له حِينَئِذٍ. فإنْ قيلَ: فلو ضَرَبَ بَطْنَها فألْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا وجَبَ ضَمانُه. قُلْنا: الضّارِبُ يَجِبُ عليه غُرَّةٌ، وههُنا يَضْمَنُه بقِيمَتِه، ولا قِيمَةَ له، ولأنَّ الجانِىَ أتْلَفَه وقَطَعَ نماءَه، وههُنا يَضْمَنُه
стр. 5266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالحَيْلُولَةِ [بينه وبينَ سَيِّدِه، وَوَقْتُ الحَيْلُولةِ وَقْتُ السُّقُوطِ، وكان مَيْتًا، فلم يجبْ ضَمانُه، وعليه ضَمانُ نقْصِ الوِلادةِ] (١). فإن كان الضَّارِبُ أَجْنَبيًّا، فألْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا، فعلى الضّارِبِ غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أو أَمَةٌ، للسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِن دِيَةِ الجَنِينِ، أو قِيمتِه يومَ سَقَطَ؛ لأنَّ ضمانَ الضّارِبِ له قامَ مَقامَ خُرُوجِه حَيًّا، ولذلك ضَمِنَه للبائِعِ. وإنَّما كان للسَّيِّدِ أقلُّ الأمْرَيْنِ؛ لأنَّ الغُرَّةَ إنْ كانَتْ أَكْثَرَ مِن القِيمَةِ، فالباقِى منها لوَرَثَتِه؛ لأنَّه حَصَلَ بالحُرِّيَّةِ، فلا يَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ منها شيئًا. وإنْ كانَتْ أقَلَّ، لم يَكُنْ على الضّارِبِ أكثرُ منها؛ لأنَّهُ بسَبَبِ ذلك ضَمِنَ. وإنْ ضَرَبَ الواطِئُ بَطْنَها، فأَلْقَتِ الجَنِينَ مَيْتًا، فعليه الغُرَّةُ أيضًا، ولا يَرِثُ منها شيئًا، وللسَّيِّدِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ، كما ذَكَرْنا. وإنْ سَلَّمَ الجارِيَةَ المَبِيعَةَ إلى البائِعِ حامِلًا، فوَلَدَتْ عندَه، ضَمِنَ نَقْصَ الوِلادَةِ، وأنْ تَلِفَتْ بذلك ضَمِنَها؛ لأنَّ تَلَفَها بسَبَبٍ منه. وإنْ مَلَكَها الواطِئُ، لم تَصِرْ بذلك أُمَّ وَلَدٍ، على الصَّحِيحِ مِن المَذهَبِ؛ لأَنَّها عَلِقت منه في غيرِ مِلكِه، فأشْبَهَ (٢) الزَّوْجَةَ. وهكذا كُلُّ مَوْضِعٍ حَبِلَتْ في مِلْكِ غيرِه، لا تَصِيرُ له أُمَّ وَلَدٍ بهذا.
стр. 5267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا باعَ المُشْتَرِي المَبِيعَ الفاسِدَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه باعَ مِلْكَ غَيْرِه بغيرِ إذنِه، وعلى المُشتَرِى رَدُّه على البائِعِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه مالِكُه، ولبائِعِه أخْذُه حيث وجَدَه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى الثَّانِى بالثَّمَنِ على الذى باعه، ويَرْجِعُ الأَوَّلُ على بائِعِه. فإن تَلِفَ في يَدِ الثَّانِى، فللبَائِعِ مُطَالَبَةُ مَن شاء منهما؛ لأنَّ الأوَّلَ ضامِنٌ، والثانِىَ قَبَضَه مِن يَدِ ضامِنِه بغيرِ إذْنِ صاحِبِه، فكانَ ضامِنًا. فإنْ كانت قِيمَتُه أكْثَرَ مِن ثَمَنِه فضَمِنَ الثَّانِى، لم يَرْجِعْ بالفَضْلِ على الأوَّلِ، لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه. وإن ضَمِنَ الأَوَّلُ، رَجَع بالفَضْلِ على الثَّانِى.
فصل: وإنْ زَادَ المَبيعُ في يَدِ المُشْتَرِى بسِمَنٍ أو نحوِه، ثم نَقَص حتى عادَ إلى ما كانَ عليه، أَو وَلَدَتِ الأَمَةُ في يَدِ المُشْتَرِى ثم ماتَ وَلَدُها، احْتَمَلَ أن يَضْمَنَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ، لأَنَّها زِيادَةٌ في عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، أشْبَهَتِ الزِّيَادَةَ في المَغْصُوبِ، واحْتَمَلَ أن لا يَضْمَنَها؛ لأنَّه دَخَلَ على أن لا يَكُونَ في مُقابَلَةِ الزِّيادَةِ عِوَضٌ. فعلى هذا تَكُونُ الزِّيَادَةُ أَمانَةً في يَدِه؛ إن تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه أو عُدْوَانِه، ضَمِنَها، وإلَّا فَلَا. وإن تَلِفَتِ العَيْنُ بعدَ زِيادَتِها، أُسْقِطَت تلك الزِّيادَةُ مِن القِيمَةِ، وضَمِنَها بما بَقِىَ مِن القِيمَةِ حينَ التَّلَفِ. قال القاضِى: وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
стр. 5268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا باعَ بَيْعًا فاسِدًا، وتَقابَضَا، ثم أَتْلَفَ البائِعُ الثَّمنَ، ثم أَفْلَسَ، فله الرُّجُوعُ في المَبِيعِ، والمُشْتَرِى أُسْوَةُ الغُرَماءِ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: المُشْتَرِى أحَقُّ بالمَبِيعِ مِن سائِرِ الغُرَماءِ؛ لأنَّه في يَدِه، فكانَ أحَقَّ به، كالمُرْتَهِنِ. ولَنا، أنَّه لم يَقْبِضْه وَثِيقَةً، فلم يَكُنْ أحَقَّ به، كما لو كان وَدِيعَةً عنده، بخِلَافِ المُرْتَهن؛ فإنّه قَبَضَه على أنَّه وَثِيقةٌ بحَقِّهِ.
فصل: وإذا قال: بعْ عَبْدَكَ مِن فُلانٍ بأَلْفٍ، على أنَّ عَلَىَّ خَمْسَمائَةٍ. فبَاعَهُ بهذا الشَّرْطِ، فالبَيْعُ فاسِدٌ؛ لأنَّ الثَّمَنَ يَجِبُ أن يكونَ جَمِيعُه على المُشْتَرِى، فإذا شَرَطَ كَوْنَ بَعْضِه على غيرِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ المَبِيعَ، والثّمنُ على غَيْرِه، ولا يُشْبِهُ هذا ما لو قال: أعْتِقْ عَبْدَكَ -أو- طَلِّقِ امْرَأَتَكَ وعَلَىَّ خَمْسُمائَةٍ. لكَوْنِ هذا عِوَضًا في مُقابَلَةِ فَكِّ الزَّوْجَةِ ورَقَبَةِ العَبْدِ، ولذلك لم يَجُزْ في النِّكَاحِ. أمّا في مَسْأَلتِنا، فإنّه مُعَاوَضَةٌ في مُقَابَلَةِ نَقْلِ المِلْكِ، فلا يَثْبُتُ؛ لأَنَّ العِوَضَ على غَيْرِه. وإن كان هذا القَوْلُ على وَجْهِ الضَّمانِ، صَحَّ البَيْعُ، ولَزِمَ الضَّمَانُ.
стр. 5269
الثَّالِثُ، أن يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِى بِكَذَا. أو: إِنْ رَضِىَ فُلَانٌ. أو يَقُولَ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ في مَحِلِّهِ، وَإلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ. فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، إِلَّا بَيْعَ الْعُرْبُونِ؛ وَهُوَ أن يَشْتَرِىَ شَيْئًا، وَيُعْطِىَ الْبَائِعَ دِرْهَمًا، وَيَقُولَ: إِن أَخَذْتُهُ، وَإلَّا فَالدِّرْهَمُ لَكَ. فَقَالَ أحْمَدُ، رَضِىَ اللَّه عَنْهُ: يَصِحُّ؛ لأَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَلَهُ. وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ، لَا يَصِحُّ.
ــ
(الثالثُ، أن يَشْتَرِطَ شَرْطًا يُعَلِّقُ البَيْعَ، كقَوْلِه: بِعْتُكَ إن جِئْتَنِى بكذا. أو: إن رَضِىَ فلانٌ) فلا يَصِحُّ البَيْعُ؛ لأنَّه عَلَّقَ البَيْعَ على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، فلم يَصِحَّ، كما إذا قال: بِعْتُكَ إذا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
١٥٩٨ - مسألة: وكذلك إذا قال (١): (إن جِئْتُكَ بحَقِّكَ في مَحِلِّه، وإلَّا فالرَّهْنُ لَكَ. فلا يَصِحُّ البَيْعُ، إلَّا بَيْعَ العُرْبُونِ؛ وهو أن يَشْتَرِىَ شَيْئًا، ويُعْطِىَ البائِعَ دِرْهَمًا ويقولَ: إن أخَذْتُه، وإلَّا فالدِّرْهَمُ لَكَ. فقال أحمدُ: يَصِحُّ؛ لأَنَّ عمرَ فَعَلَه. وعند أبى الخَطَّابِ) أنّه (لا يَصِحُّ) ومِمَّن رُوِى عنه القَوْلُ بفَسَادِ الشَّرْطِ؛ ابنُ عمرَ، وشُرَيْحٌ،
стр. 5270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَهم. والأَصْلُ في ذلك ما رَوَى مُعاوِيَةُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن جَعْفَرٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» (١). رَواهُ الأَثْرَمُ. قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأحْمدَ: ما مَعْنَى قَوْلِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»؟ قال: لا يَدْفَعُ رَهْنًا إلى رَجُلٍ، ويقولُ: إن جِئْتُكَ بالدَّرَاهِمِ إلى كذا وكذا، وإلَّا فالرَّهْنُ لَكَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مَعْنَى قولِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»، عند مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأحمدَ. وإنَّما فَسَدَ البَيْعُ؛ لأنَّه مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ، فلم يَصِحَّ، كالمسألةِ قبلها، وكما لو قال: إن وَلَدَتْ نَاقَتِى فَصِيلًا، فقد بِعْتُكَهُ بدِينارٍ.
стр. 5271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والعُرْبُونُ في البَيْعِ، هو أن يَشْتَرِىَ السِّلْعَةَ، ويَدْفَعَ إلى البائِعِ دِرْهَمًا أو أكْثَرَ، على أنَّه إن أخَذَ السِّلْعَةَ احْتَسَبَ به مِن الثَّمَن، وإن لم يَأْخُذْها فهو للبائِعِ. يُقال: عُرْبُونٌ، وأَرَبُونٌ، وعُرْبَانٌ، وأُرْبَانٌ. قال أحمدُ، وابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ به. وفَعَلَه عمرُ رَضِىَ اللَّهُ عنه. وعن ابنِ عمرَ، أنّه أجَازَه. وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ إذا كَرِهَ السِّلْعَةَ أن يَرُدَّها، وَيَرُدَّ معها شَيْئًا. قال أحمدُ: هذا في مَعْنَاهُ. وقال أبو الخَطّابِ: لا يَصِحُّ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. ويُرْوَى عن ابنِ عَبّاس، والحَسَنِ؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ ، نَهَى عن
стр. 5272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيْعِ العُرْبُونِ. رَواهُ ابنُ ماجَه (١). ولأنَّه شَرَطَ للبائِعِ شَيْئًا بغيرِ عِوَضٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَه لأجْنَبِىٍّ، ولأنَّه بمَنْزِلَةِ الخيارِ المَجْهُولِ، فإنَّه اشْتَرَطَ أنَّ له رَدَّ المَبِيعِ مِن غيرِ ذِكْرِ مُدَّةٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: وَلِىَ الخِيارُ مَتَى شِئْتُ رَدَدْتُ السِّلْعَةَ ومعها دِرْهَمًا. قال شَيْخُنا (٢): وهذا هو القِياسُ. وإنَّما صارَ أحمدُ فيه إلى ما رُوِى عن نافِعِ بنِ عبدِ (٣) الحارِثِ، أنَّه اشْتَرَى لعمرَ دارَ السِّجْنِ مِن صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ، فإن رَضِى عمرُ، وإلَّا فلَهُ كذا وكذا (٤). قال الأَثْرَمُ: قلْتُ لأحمدَ: تَذْهَبُ إليه؟ قال: أى شئٍ أقولُ؟ هذا عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وضَعَّفَ الحَدِيثَ المَرْوِىَّ. رَوَى هذه القِصَّةَ الأَثْرَمُ بإسْنادِه.
стр. 5273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمَّا إن دَفَعَ إليه قبلَ البَيْعِ دِرْهَمًا، وقال: لا تَبعْ هذه السِّلْعَةَ لغَيْرِى، وإن لم أشْتَرِها منك فهذا الدِّرْهَمُ لَكَ. ثم اشْتَرَاهَا منه بعدَ ذلك بعَقْدٍ مُبْتَدَأ وحَسَبَ الدِّرْهَمَ مِن الثَّمَنِ، صَحَّ؛ لأَنَّ البَيْعَ خَلَا عن الشَّرْطِ المُفْسِدِ. ويَحْتَمِلُ أن الشِّرَاءَ الذى اشْتُرِىَ لِعمرَ كان على هذا الوَجْهِ، فيُحْمَلُ عليه جَمْعًا بين فِعْلِه وبين الخَبَرِ، ومُوافَقَةِ القِياسِ والأَئِمَّةِ القَائِلِينَ بفَسادِ بَيْعِ العُرْبُونِ. وإن لم يَشْتَرِ السِّلْعَةَ في هذه الصُّورَةِ، لم يَسْتَحِقَّ البائِعُ الدِّرْهَمَ؛ لأنَّهُ يَأْخُذه بغَيْرِ عِوَضٍ، ولصاحِبِه الرِّجُوعُ فيه، ولا يَصِحُّ جَعْلُه عِوَضًا عن انْتِظَارِه وتَأْخِيرِ بَيْعِه مِن أخلِه؛ لأنَّه لو كان عِوَضًا عن ذلك، لَما جازَ جَعْلُه مِن الثَّمَنِ في حالِ الشِّرَاءِ، ولأنَّ الانْتِظارَ بِالبَيْعِ لا تَجُوزُ المُعَاوَضَةُ عنه، ولو جازَتْ لَوَجَبَ أن يكونَ مَعْلُومَ المِقْدارِ، كما في الإِجَارَةِ.
стр. 5274
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِى الثَّمَنَ إِلَى ثَلَاثٍ، وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا. فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ. نَصَّ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٩٩ - مسألة: (وإن قال: بِعْتُكَ على أن تَنْقُدَنِى الثَّمَنَ إلى ثَلاثٍ) أو: مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ (وإلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنا. فالبَيْعُ صَحِيحٌ. نصَّ عليه) وهذا قَوْلُ أبى حَنِيفَةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ، ومحمدِ بنِ الحَسَنِ. وقال به أبو ثَوْرٍ، إذا كان الشرطُ (١) إلى ثَلاثٍ. وحُكِىَ مثلُ قَوْلِه عن ابنِ عمرَ. وقال مالِكٌ: يَجُوزُ في اليَوْمَيْنِ والثَّلَاثَةِ ونَحْوِها، وإن كان عِشرِينَ لَيْلَةً فُسِخَ البَيْعُ. وقال الشّافِعِىُّ، وزُفَرُ: البَيْعُ فاسِدٌ؛ لأنَّه عَلَّقَ فَسْخَ البَيْعِ على غَرَرٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَهُ بقُدُومِ زَيْدٍ. ولَنا، أنَّه يُرْوَى عن عمرَ، ولأنَّه عَلَّقَ رَفْعَ العَقْدِ بأمْرٍ يَحْدُثُ في مُدَّةِ الخِيَارِ، فجازَ، كما لو شَرَطَ
стр. 5275
وَإِنْ بَاعَهَ، وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، لَمْ يَبْرَأْ. وَعَنْهُ، يَبْرَأُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْعَيْبَ، فَكَتَمَهُ.
ــ
الخِيارَ، ولأَنَّهُ بَيْعٌ، فجازَ أن يَنْفَسِخَ بتَأْخِيرِ القَبْضِ، كالصَّرْفِ، ولأَنَّ هذا بمَعْنَى شَرْطِ الخِيارِ؛ لأنَّه كما يَحْتَاجُ إلى التَّرَوِّى في المَبِيعِ، هل يُوافِقُه أَوْ لَا؟ يَحْتاجُ إلى التَّرَوِّى في الثَّمَنِ، هل يَصِيرُ مَنْقُودًا، أَوْ لَا؟ فهما شَبيهانِ (١) في المَعْنَى وإن تَغَايَرَا في الصُّورَةِ، إلَّا أنَّه في الخِيارِ يَحْتَاجُ إلى الفَسْخِ، وهذا يَنْفَسِخُ إذا لم يَنْقُدْ في المُدَّةِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّه جَعَلَه كذلك.
١٦٠٠ - مسألة: (وإن باعَه، وشَرَطَ البَراءَةَ مِن كُلِّ عَيْبٍ، لم يَبْرَأُ. وعنه، يَبْرَأُ، إلَّا أن يكونَ البائِعُ عَلِمَ العَيْبَ، فكَتَمَه) . اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه لا يَبْرَأُ، إِلَّا أن يَعْلَمَ المُشْتَرِى بالعَيْب. وهو قَوْلُ الشّافِعِىِّ. وقال إبراهيمُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ: لا يَبْرَأُ إلًّا مِمّا سمّى. وقال شرَيْحٌ: لا يَبْرَأُ إلَّا مِمّا أراه أو وَضَعَ
стр. 5276
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَدَه عليه. [ورُوِىَ نحوُه عن عطاءٍ، والحسنِ، وإسحاقَ؛ لأنَّه مُرْفَقٌ في البَيْعِ، لا يَثْبُتُ إلَّا بالشَّرْطِ، فلم يَثْبُت مع الجهلِ، كالخِيارِ] (١). ورُوِىَ عنه، أنَّه يَبْرَأُ مِن كُلِّ عَيْبٍ لم يَعْلَمْه، ولا يَبْرَأُ مِن عَيْبٍ عَلِمَه. يُرْوَى ذلك عن عثمانَ، ونحوُه عن زَيْدِ بنِ ثابتٍ (٢). وهو قولُ مالِكٍ. وقولُ الشّافِعِىِّ في الحَيَوانِ خاصَّةً، لِما رُوِى أَنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ باعَ زَيْدَ ابنَ ثابِتٍ عَبْدًا بشَرْطِ البَراءَةِ بثمانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فأصَابَ به زَيْدٌ عَيْبًا، فأَرادَ رَدَّه على ابنِ عمرَ، فلم يَقْبَلْه، فَتَرَافَعَا إلى عثمانَ، فقال عثمانُ لابنِ عمرَ: تَحْلِفُ أنّكَ لم تَعْلَمْ بهذا العَيْبِ؟ قال: لَا. فَرَدَّه عليه، فباعَه ابنُ عمرَ بأَلْفِ دِرْهَمٍ. رَواه الإِمامُ أحمدُ (٣). وهذه قِصَّةٌ اشْتَهَرَتْ، فلم تُنْكَرْ، فكانَتْ إجْمَاعًا. ويَتَخَرَّجُ أن يَبْرَأُ مِن العُيُوبِ كُلِّها بالبَراءَةِ. وحَكاه بعضُ أَصْحَابِنَا رِوايَةً عن أحمدَ، بناءً على جَواز البَراءَة مِن المَجْهُولِ. ورُوِىَ هذا عن ابنِ عمرَ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى، وقَولُ الشَّافِعِىِّ، لِمَا رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في مَوارِيثَ دَرَسَتْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ،
стр. 5277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَهِمَا، وتَوَخَّيَا، ولْيَحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَه» (١). وهذا يَدُلُّ على أنَّ البَرَاءَةَ مِن المَجْهُولِ جائِزَةٌ. ولأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ لا تَسْلِيمَ فيه، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالطَّلَاقِ والعَتاقِ، ولا فَرْقَ بينَ الحَيَوانِ (٢) وغيرِه، فما ثَبَت في أحَدِهما ثَبَت في الآخَرِ، وقولُ عثمانَ قد خالَفَه ابن عمرَ، فلا يَبْقَى حُجَّةً.
فصل: وإذا قُلْنَا بفَسَادِ هذا الشَّرْطِ، لم يَفْسُدْ به البَيْعُ. في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وهو وَجْه لأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ؛ لِما ذَكَرْنَا من قَضِيَّةِ ابنِ عمرَ، فإنَّهُم أجْمَعُوا على صِحَّتِها. فعلى هذا، لا يُمْنَعُ الرَّدُّ بوُجودِ الشَّرْطِ، ويكونُ، وُجُودُه كعَدَمِه. وعن أحمدَ في الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ روَايَتَانِ؛ إحْدَاهُما، يَفْسُدُ بها العَقْدُ، فيَدْخل فيها هذا البَيْعُ؛ لأَنَّ البائِعَ إنَّما رَضِى بهذا الثَّمَنِ عِوَضًا عن مالِه بهذا الشَّرْطِ، فإذا فَسَدَ الشَّرْط فات الرِّضَا به، فَيَفْسُدُ البَيْعُ؛ لعَدَمِ التَّرَاضِى.
стр. 5278
فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ. وَعَنْهُ، أنَّهُ صَحِيحٌ، وَالزَّائِدُ لِلْبَائِعِ،
ــ
فصل: قال، رَضِى اللَّهُ عنه: (وإن باعَهُ دَارًا) أو ثوْبًا (على أنَّه عَشرَةُ أَذْرُعٍ، فبان أحَدَ عَشرَ، فالبَيْعٍ باطِلٌ) لأنَّه لا يُمْكِنُ إجْبَارُ البائِعِ على تَسْلِيمِ الزِّيَادَةِ، وإنَّما باعَ عَشَرَة، ولا المُشْتَرِى على أخْذِ البَعْضِ، وإنَّما اشْتَرَى الكُلَّ، وعليه ضَرَرٌ في الشَّرِكَةِ أيْضًا. (وعنه، أنَّه صَحِيحٌ، والزِّيَادَةُ للبائِعِ) لأَنَّ ذلك نقْصٌ على المُشْتَرِى، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ البَيْعِ، كالمَعِيبِ، ثم يُخَيَّرُ البائِعُ بينَ تَسْلِيمِ المَبِيعِ زَائِدًا، وبينِ تَسْلِيمِ العَشَرَةِ، فإنْ رَضِىَ بتَسْلِيمِ الجَمِيعِ، فلا خِيارَ للمُشْتَرِى؛ لأنَّه زادَه خَيْرًا، وإنْ
стр. 5279
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ. فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى إِمْضَائِهِ، جَازَ.
ــ
أَبَى تَسْلِيمَه زائِدًا، فللمُشْتَرِى الخِيارُ بينَ الفَسْخِ، والأخْذِ بجَمِيعِ الثَّمَنِ المُسَمَّى، فإنْ رَضِىَ بالأَخْذِ، أخَذَ بالعَشَرَةِ، والبائِعُ شَرِيكٌ له بالذِّرَاعِ. وهل للبائِعِ خِيَارُ الفَسْخِ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أوَّلُهما، له الفَسْخُ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في المُشارَكةِ. والثَّانى، لا خِيارَ له؛ لأنَّه رَضِىَ بِبَيْعِ الجَمِيعِ بهذا الثَّمَنِ، فإذا وَصَلَ إليه الثَّمَنُ مع بَقَاءِ جُزْءٍ له فيه كان زِيَادَةً، فلا يَسْتَحِقُّ بها الفَسْخَ، ولأن هذا الضَّرَرَ حَصَلَ بتَغْرِيرِه، وإخبارِه (١) بخِلافِ مُخبرِه (٢)، فلا يَنْبَغِى أَنْ يُسَلَّطَ به على فَسْخِ عَقْدِ المُشْتَرِى. فإنْ بَذَلَها البائِعُ للمُشْتَرِى بثَمَنٍ، أو طَلَبَها المشْتَرِى بثَمَنٍ، لم يَلْزَمِ الآخَرَ القبُولُ؛ لأنَّها مُعَاوَضَةٌ يُعْتَبَرُ فيها التَّرَاضِى مِنْهُما، فلا يُجْبَرُ
стр. 5280
وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً، فَهُوَ بَاطِلُ. وَعَنْهُ، أنَّهُ صَحِيحٌ، وَالنَّقْصُ عَلَى الْبَائِعِ، وَلِلْمُشْتَرِى الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنَ.
ــ
واحِدٌ منهما عليها. وإنْ تَرَاضَيا على ذلك، جازَ (وإنْ بانَتْ تِسْعَةً) فالبَيْعُ (باطِلٌ) لِما ذَكَرْنا (وعنه، أنَّه صَحِيحٌ، والمُشْتَرِى بالخِيارِ بينَ الفَسْخِ وأَخْذِ المَبِيعِ بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ). وقال أصحابُ الشافعىِّ: ليس له إمْساكُه إلَّا بجميعِ الثَّمَنِ، أو الفَسْخ. بناءً على المبيعِ المَعِيبِ عندَهم. ولَنا، أنَّه وَجَدَ المَبِيعَ ناقِصًا في القَدْرِ، فَكان له إمْسَاكُه بقِسْطِه مِن الثَّمَنِ، كالصُّبْرَةِ إذا اشْتَرَاها على أنَّها مائَةٌ، فبانَتْ خَمْسِينَ، وسَنُبَيِّن في المَعِيبِ أنَّ له إمْسَاكَه، وأَخْذَ الأَرْشِ. فإنْ أخَذَها بقِسْطِها مِن الثَّمَنِ، فلِلْبَائِعِ الخِيارُ بينَ الرِّضَا بذلك وبينَ الفَسْخِ، لأنَّه إنّما رَضِىَ بِبَيْعِها بكلِّ الثَّمَنِ، فإذا لم يَصِلْ إليه، ثَبَتَ له الفَسْخ. فإنْ بَذَلَ له المُشْتَرِى جَمِيعَ الثَّمَنِ، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ؛ لأنَّه وَصَلَ إليه الثَّمَن الذى
стр. 5281
فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ، جِازَ.
ــ
رَضِيَه، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى مَعِيبًا فَرَضِيَه بجَمِيعِ الثَّمَن. (وإنِ اتَّفَقَا على تعْوِيضِه عنه، جازَ) لأَنَّها مُعَاوَضَةٌ، فجازَت بتَراضِيهِما، كغَيْرِها.
فصل: وإنِ اشْتَرَى صُبْرَةً على أنَّها عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ، فبانَتْ أَحَدَ عَشَرَ، رَدَّ الزّائِدَ، ولا خِيارَ له ههُنا؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في رَدِّ الزِّيادَة، وإنْ بانَتْ تِسْعَةً، أخَذَها بقِسْطِها مِن الثَّمَنِ. وقد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ أَنَّه مَتَى سَمَّى الكَيْلَ في الصُّبْرَةِ لا يكونُ قَبْضُها إلَّا بِالكَيْلِ، فإنْ وَجَدَهَا قدْرَ حَقِّه، أخَذَها، وإنْ كانت زَائِدَةً رَدَّ الزِّيَادَةَ، وإن نَقَصَتْ أَخَذَها بقِسْطِها
стр. 5282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن الثَّمَنِ. وهل له الفَسْخُ إذا وجَدَها ناقِصَةً؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، له الخِيارُ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه وَجَدَ المَبِيعَ ناقِصًا، فكان له الفَسْخُ، كغيرِ الصُّبْرَةِ، وكنُقْصَانِ الصِّفَةِ. والثَّانى، لا خِيارَ له؛ لأَنَّ نُقْصَانَ القَدْرِ ليس بعَيْبٍ في الباقِى مِن الكَيْلِ، بخِلافِ غيرِه.
стр. 5283
بَابُ الْخِيَارِ في الْبَيْعِ
وَهُوَ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَيَثْبُت في الْبَيْعِ. وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ، وَالإِجَارَةُ. وَيَثْبُت في الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ. وَعَنْهُ، لَا يَثبُتُ فِيهِمَا. وَلَا يَثْبُتُ في سَائِرِ الْعُقُودِ، إِلَّا في الْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ وَالسَّبْقِ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
ــ
بابُ الخِيَارِ في البيعِ (١)
(وهو على سَبْعَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُها، خِيارُ المَجْلِسِ، ويَثْبُتُ في البَيْعِ. والصُّلْحُ بمَعْنَاهُ، والإِجارَةُ. ويَثْبُتُ في الصَّرْفِ، والسَّلَمِ. وعنه، لا يَثْبُتُ فيهما. ولا يَثْبُتُ في سائِرِ العقُودِ، إِلَّا في المُسَاقَاةِ والحَوالَةِ والسَّبْقِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ) وجُمْلته، أنَّ خِيارَ المَجْلِسِ يَثْبُتُ في البَيْعِ، بمَعْنَى أنَّه يَقَعُ جائِزًا، ولكُلِّ واحِدٍ مِن المُتَبَايِعَيْنِ الخِيارُ في فَسْخِه ما دَامَا مُجْتمِعَيْنِ لم يَتَفَرَّقَا. وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. يُرْوَى ذلك عن