← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: «مَنْ غَسَّل مَيَّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأ» (١). قال الترمِذِيُّ: هذا حديث حسنٌ. وليس بواجِبٍ، يروَى ذلك عن ابنِ

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عباس، وابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، والحسنِ، والنَّخَعِي، والشافعي، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي. ورُوي عن عليٍّ، وأبي هُرَيرَةَ، أنَّهما قالا: مَن غَسَّلَ مَيِّتًا فليَغْتَسِلْ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. وذَكر أصحابُنا في وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّتِ الكافِرِ رِوايَتَين؛ إحداهما، لا يَجِبُ، كالمُسْلِمِ. والثانيةُ، يَجِبُ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَر عليًّا أن يَغْتَسِلَ حينَ غَسَّلَ أباه (١). ولَنا، قَوْلُ صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ ، إذا كُنَّا مُسافِرِين، أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيام ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ (٢). حديث حسنٌ. ولأنَّه غسْلُ آدَمِي، فلم يُوجِبِ الغُسْلَ، كغُسْلِ الحَيِّ. وحَدِيثُهم مَوْقُوفٌ على أبي هُرَيرَةَ، قاله أحمدُ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في هذا حديث يَثْبُتُ، ولذلك لم يُعْمَلْ به في وُجُوبِ الوُضُوءِ على حامِلِه، لا نَعْلَمُ به قائِلًا. وأمّا حديثُ عليٍّ، فقال أبو إسحاقَ الجُوزجانِيّ: ليس فيه أنَّه غَسَّل أبا طالِبٍ، إنَّما قال له النبيّ ﷺ :

стр. 528

والمَجْنُونُ، والمُغْمَى عليه، إذا أفاقا مِن غَيرِ احْتِلامِ، ــ «اذْهَبْ فَوَارِه، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيئًا حَتَّى تَأْتِيَني». قال: فأتَيتُه فأخْبَرْتُه، فأمَرَنِي فاغْتَسَلْتُ. وذَكَر بَعْضُ أصحابِنا رِوايَةً في وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ الحَيِّ الكافِرِ، قِياسًا على المَيِّتِ، والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجِبُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشمرعِ، ولم يَرِدْ به، وقِياسُه على المَيِّتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُسْلِمَ المَيِّتَ يَجبُ مِن غُسْلِه الوُضُوءُ، بخِلافِ الحَيِّ، وهذا يَدُلُّ على افْتِراقِ حالِ المَيِّتِ والحَيِّ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قال به مِن العُلَماءِ. السادسُ، الغُسْلُ مِن الإِغْماءِ والجُنُونِ، إذا أفاقا مِن غيرِ احْتِلامٍ،

стр. 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه اغْتَسَل للإِغْماءِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّه لا يُؤمَنُ أن يَكُونَ قد احْتَلَمَ ولم يَشْعُرْ، والجُنُونُ في مَعْناه، بل أوْلَى؛ لأنَّ مُدَّتَه تَطُولُ، فيَكُونُ وُجودُ الاحْتِلامِ فيه أكْثَرَ، ولا يجِبُ الغُسْلُ لذلك. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا. وذَكَر أبو الخَطّابِ فيه رِوايَتَين؛ إحْداهما، يجِب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فَعَلَه. والثانيةُ، لا يجبُ، وهي أصَحُّ؛ لأنَّ زَوال العَقْلِ بنَفْسِه ليس مُوجبًا للغُسْلِ، والإِنْزالُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليقِينِ بالشَّكِّ، فإن تُيُقِّنَ منهما الإِنْزالُ، فعَلَيهِما الغُسْلُ؛ لأنَّه

стр. 530

وغُسْلُ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، ــ مِن جُمْلَةِ المُوجِباتِ (١). السابعُ، غُسْلُ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، مُستحَبٌّ؛ لما روَى أبو داودَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدَّمَ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فأمَرَها أن تَغْتَسلَ عندَ كلِّ صلاةٍ (٢). وقد ذَهَب بعضُ أهلِ العلمِ إلى وُجُوبِه؛ لما ذَكَرْنا مِن ألحدِيثِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله. وذَكَر ابنُ أبي موسى أنَّ انْقِطاعَ دَمِ الاسْتِحاضَةِ يُوجِبُ الغُسْلَ.

стр. 531

والغسل للإحرام، ودُخُول مَكَّةَ، والوُقُوف بعَرَفَةَ. والمَبِيت بمُزْدَلِفَةَ، ورمي الجمار، والطواف. ــ الثامنُ، الغُسْلُ للإِحْرامِ، وهو مُسْتَحَبٌّ، لِما روَىْ زَيدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّه رأى النبيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإِهْلَالِهِ واغْتَسَل. رَواه الترمِذِي (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ. التاسعُ، دُخُول مَكَّةَ. العاشرُ، الوُقُوف بعَرَفَةَ. الحادِي عَشرَ، المَبِيت بمُزْدَلِفَةَ. الثانِي عَشر، رَمْي الجِمارِ. الثالثَ عَشر، الطَّواف. وسنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه، إن شاء الله تعالى، وقد روَى البُخاري عن ابنِ عُمَرَ، أنه كان يَغْتَسِلُ، ثم يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهارًا، ويَذْكُرُ

стр. 532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن النبيِّ ﷺ أنَّه فَعَلَه (١). ورُوي الغُسْلُ للوُقُوفِ بعَرَفَةَ عن علي، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، واسْتَحَبَّه الشافعيُّ. ورُوي عن ابنِ عُمَرَ أنَّه كان يَغْتَسِلُ لإِحْرامِهِ قبلَ أن يُحْرِمَ، ولدُخُولِه مَكَّةَ، ولوُقُوفِه عَشِيَّةَ عَرَفَةَ. رَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ» (٢). ولأنَّها أنْساكٌ تَجْتَمِعُ لها النّاس، فاسْتُحِبَّ لها الغُسْلُ، كالإِحْرامِ، ودُخُولِ مَكَّةَ. واللهُ أعلمُ.

стр. 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ مِن الحِجامَةِ، وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في اسْتِحْبابِه رِوايَتَينِ؛ إحْداهُما، يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه يُرْوَى عن علي، وابنِ عباس، ومُجاهِدٍ، أنَّهم كانوا يَفْعَلُون ذلك. والثانيةُ، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه دَمٌ خارِجٌ، أشْبَهَ الرُّعافَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 534

فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْغسْلِ وَهُوَ ضَرْبَانِ؛ كَامِلٌ يأتي فِيهِ بِعَشرةِ أشيَاءَ، النيةِ، والتسمِيَةِ، وَغَسْل يَدَيه ثَلَاثًا، وغَسْلِ مَا بِهِ مِنْ أذى، وَالْوُضُوءِ، ويَحْثِي عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثًا، يُرَوِّى بِهَا أصُولَ الشَّعَرِ، وَيفيض الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِه ثَلاثًا، وَيَبْدَأ بِشِقِّهِ الْأيمَنِ، وَيَدْلُكُ بَدَنَهُ بيَدَيهِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَيَغْسِلُ قَدَمَيهِ. ــ فصلٌ في صِفَةِ الغُسْلِ: (وهو ضَرْبان؛ كامِلٌ) ومُجْزِئٌ، فالكامِلُ (يأتي فيه بعَشَرَةِ أشْياءَ؛ النِّيَّةِ، والتسْمِيَةِ، وغَسْلِ يَدَيه. ثلاثًا، وغَسْلِ ما به مِن أذًى) وقد ذَكَرْنا الدلِيلَ على ذلك (والوُضُوءِ، ويَحْثِي على رَأسِه ثلاثًا، يُرَوِّي بها أصُولَ الشَّعَرِ، ويفيضُ الماءَ على سائِرِ جَسَدِه ثلاثًا، ويَبْدَأ بشِقِّه الأيمَنِ، ويَدْلُكُ بَدَنَه بيَدَيه، ويَنْتَقِلُ مِن مَوْضِعِ غُسْلِه فيَغْسِلُ قَدَمَيه) ويُسْتَحَبُّ أن يُخَلِّلَ أصُولَ شَعَرِ رأسه ولِحْيتِه بماء قبلَ إفاضَتِه عليه؛

стр. 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ووَجْهُ ذلك ما روَتْ عائِشَةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا اغْتَسَلَ مِن الجَنابَةِ، غَسَل يَدَيه ثلاثًا، وتَوَضَّأ وُضُوءَه للصلاةِ، ثم يُخَلِّلُ شَعَرَه بيَدَيه (١)، حتى إذا ظَنَّ أنَّه قد أرْوَى بَشَرَتَه، أفاضَ عليه الماءَ ثلاثَ مَرّاتٍ، ثم غَسَل سائِرَ جَسَدِه. مُتَّفقٌ عليه (٢). وقالت مَيمُونَةُ. وَضَع رسولُ اللهِ ﷺ وَضُوءَ الجَنابَةِ فأفْرَغَ على يَدَيه فغَسَلَهُما مَرَّتَين أو ثلاثًا، ثم أفْرَغَ بيَمِينه على شِمالِه، فغَسَلَ مَذاكِيرَه، ثم ضرَب بيده الأرضَ أو

стр. 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحائِطَ مَرَّتَين أو ثلاثًا، ثم تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ، وغَسَل وَجْهَه وذِراعَيه، ثم أفاضَ على رأسه، ثم غَسَل جَسَدَه، فأتَيتُه بالمنْدِيلِ فلم يُرِدْها، وجَعَل يَنْفُضُ الماءَ بيَدَيه. مُتَّفقٌ عليه (١). وفي رِواية للبخارِيِّ: ثم تَنَحَّى فغَسَلَ قَدَمَيه. ففي هَذَين الحَدِيثَين كَثِيرٌ مِن الخِصالِ المُسَمّاةِ. والبدايَةُ بشِقِّه الأْيمَنِ؛ لأنَّه قد رُوِيَ في حَدِيثٍ عن عائِشَةَ؛ كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا اغْتَسَل مِن الجَنابَةِ، دَعا بشيءٍ نَحْوَ الحِلابِ (٢) فأخَذَ بكَفَّيه، بَدَأ بشِقِّ رأسه الأْيمَنِ، ثم الأْيسَرِ، ثم أخَذَ بكَفَّيه، فقال بهما على رأسه. مُتَّفَقٌ

стр. 537

وَمُجْزِئ؛ وَهُوَ أنْ يَغْسِلَ مَا بِهِ مِنْ أذًى، وَيَنْوِي، وَيَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغَسْلِ، ــ عليه (١). وقد اخْتَلَفَ (٢) عن أحمدَ في غَسْلِ الرِّجْلَين، فقال في رِوايةٍ: بَعْدَ الوُضُوءِ على حَدِيثِ مَيمُونَةَ. وقال في رواية: العَمَلُ على حديثِ عائِشَةَ. وفيه أنَّه تَوَضَّأ للصلاةِ قبلَ اغْتِسالِه. وقال في مَوْضِعِ: غَسْلُ رِجْلَيه في مَوْضِعِه وبعده وقبلَه، سَواءٌ. ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ اخْتِلافَ الأحادِيثِ فيه يَدُلُّ على أنَّ مَوْضِعَ الغَسْلِ ليس بمَقْصُودٍ، وإنَّما المَقْصودُ أصْلُ الغَسْلِ. ١٦١ - مسألة؛ قال: (ومُجْزِئ وهو أن يَغْسِلَ ما به مِن أذًى، ويَنْوِي، ويَعُمَّ بَدَنَه بالغَسْلِ) مثلَ أن يَنْغَمِسَ في ماء راكِدٍ، أو جارٍ غامِر،

стр. 538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو يَقِفَ تحتَ صَوْب المَطرَ، أو مِيزابٍ، حتى يَعُمَّ الماءُ جَمِيعَ جَسَدِه، فيُجْزِئَه؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١). وقَوْلِه: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢). وقد حَصَلَ الغُسْلُ، فتُباحُ له الصلاةُ؛ لأنَّ الله تعالى جَعَل الغُسْلَ غايةً للمَنْعِ مِن الصلاةِ، فيَقْتَضِي أن لا يُمْنَعَ منها بعدَ الاغْتِسال. فصل: ويُسْتَحَبُّ إمْرارُ يَدِه على جَسَدِه في الغُسْلِ والوُضُوءِ، ولا يجِبُ إذا تَيَقَّنَ أو غَلَب على ظنِّه وُصُولُ الماءِ إلى جَمِيعِ جَسَدِه. وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيّ، والثَّوْرِيِّ، والشافعي، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأي. وقال مالكٌ: إمْرارُ يده على بَدَنِه إلى حيث تَنالُ واجِبٌ. ونَحْوَه قال أبو العالِيَةِ. قالوا: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. ولا يُقالُ: اغتَسَل. إلَّا لمَن دَلَك نَفْسَه، ولأنَّها طهارة عن حَدَثٍ، فوَجَبَ فيها إمْرارُ اليَدِ، كالتَّيَمُّمِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ لأمِّ سَلَمَةَ في

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غُسْلِ الجَنابَةِ: «إنَّمَا يَكْفِيكِ أنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ. ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيكِ الْماءَ فَتَطْهُرِينَ». رَواه مسلم (١). ولأنَّه غُسْلٌ واجِبٌ فلم يَجِبْ فيه إمْرارُ اليَدِ، كغَسْلِ النَّجاسَةِ، وما ذَكَرُوه مَمْنُوع، فإنَّه يُقالُ: غَسَل الإِناءَ. وإن لم يَدْلُكْه. والتَّيَمُّمُ أمِرْنا فيه بالمَسْحِ؛ لأنّها طهارة بالتُّرابِ، ويتَعَذَّرُ في الغالِبِ إمْرارُ التُّرابِ إلَّا باليَدِ. فصل: ولا يَجِبُ الترتِيبُ في غُسْلِ الجَنابَةِ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وقال: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. فكَيفَما اغتَسَل فقد حَصَل التَّطَهُّرُ (٢) ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. ولا يَجِبُ فيه مُوالاةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ.

стр. 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال حَنْبَلٌ: سألتُ أحمدَ عَمَّن اغْتَسَل وعليه خاتَمٌ ضَيِّقٌ؟ قال: يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخاتَمِ. قلتُ: فإن جَفَّ غُسْلُه؛ قال: يَغْسِلُه، ليس هو بمَنْزِلَةِ الوُضُوءِ. قلتُ: فإن صَلَّى، ثم ذَكَر؛ قال: يَغْسِلُ مَوْضِعَه، ثم يُعِيدُ الصلاةَ. وهذا قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وقال رَبِيعَةُ: مَن تَعَمَّدَ ذلك أعادَ الغُسْلَ. وهو قولُ اللَّيثِ. واخْتَلَفَ فيه عن مالكٍ. وفيه وَجْهٌ لأصحابِ الشافعيِّ قِياسًا على الوُضُوءِ. وذَكَر الشيخُ أبو الفَرَجِ في «الإِيضاحِ»، أنَّه شَرْطٌ. والأوْلَى قولُ الجُمْهُور؛ لأنَّها طهارةٌ لا تَرْتيِبَ فيها، فلم تَجِبْ فيها مُوالاةٌ، كغَسْلِ النَّجاسَةِ. فعلى هذا تَكُونُ واجِباتُ الغُسْلِ شَيئَين؛ النيةَ، وتَعْمِيمَ البَدَنِ بالغَسْلِ، وقد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في التَّسْمِيَةِ فيما مَضَى.

стр. 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإنِ اجْتَمَع شَيئان يُوجِبان الغُسْلَ؛ كالحَيضِ والجَنابَةِ، والْتِقاءِ الخِتانَين والإِنْزالِ، فنَواهُما بغُسْلِه، أجْزأه عنهما. وهو قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي. ورُوي عن الحسنِ والنَّخَعِيِّ، في الحائِضِ الجُنُبِ (١): تَغْتَسِلُ غُسْلَين. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَكُنْ يَغْتَسِلُ مِن الجِماعَ إلَّا اغْتِسالًا (٢) واحِدًا، وهو يَتَضَمَّنُ الْتِقاءَ الخِتانَين والإِنْزال غالِبًا، ولأنَّهما سَبَبان يُوجبان الغُسْلَ، فأجْزَأ الغُسْلُ الواحِدُ عنهما، كالحَدَثِ والنَّجاسَةِ. وهكَذا الحُكْمُ إِنِ اجْتَمَعَتْ أحْداثٌ تُوجِبُ الطهارةَ الصُّغْرَى؛ كالنَّوْمِ واللَّمْسِ وخُرُوجِ النَّجاسَةِ، فنَواها بطَهارَتِه. وإن نَوَى أحَدَها ففيه وَجْهان، مَضَى ذِكْرُهما.

стр. 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا بَقِيَتْ لُمْعَةٌ مِن جَسَدِه لم يُصِبْها الماءُ، فمَسَحَها بيَدِه أو بشَعَرِه، أو عَصَر شَعَرَه عليها، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فيه عن أحمدَ؛ فرُوِيَ أنَّه سُئِل عن حديثِ العَلاءِ بنِ زِيادٍ (١)، أنَّ النبيَّ ﷺ اغْتَسَلَ، فرَأى لُمْعَةً لم يُصِبْها الماءُ فدَلَكَها بشَعَرِه. قال: نعم، آخُذُ به (٢). [ورُوي عن علي] (٣)، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنِّي اغْتَسَلْتُ مِن الجَنابَةِ، وصَلَّيتُ الفَجْرَ، ثم أصْبَحْتُ فرَأيتُ قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ لم يُصِبْه ماءٌ. فقال رسولُ الله ﷺ : «لو كنت مَسَحْتَ عَلَيهِ بِيَدِكَ، أجْزَأكَ». رَواه ابنُ ماجه (٤). ورُوي عن أحمدَ أنَّه قال: يَأخُذُ لها ماءً جَدِيدًا، فيه حَدِيثٌ لا يَثْبُتُ بعَصْرِ شَعَرِه. وذُكِرَ له حديثُ ابنِ عباس؛ أنَّ النبيَّ ﷺ عَصَر لِمَّتَه على لُمْعَةٍ كانت في جَسَدِه (٥). فضَعَّفَه، ولم يُصَحِّحْه. قال

стр. 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَيْخُنا: والصحِيحُ أنَّ ذلك يُجْزِئُه إذا كان مِن بَلَلِ الغَسْلَةِ الثانيةِ أو الثالثةِ، وجَرَى ماؤُه (١) على اللُّمْعَةِ؛ لأنَّه كغَسْلِها بماءٍ جديدٍ، على ما فيه مِن الأحاديثِ (٢). فإن لم يَجْرِ الماءُ، فالأوْلَى غَسْلُها بماءٍ جَدِيدٍ. ويُمْكِنُ حَمْلُ المَسْحِ على الغَسْلِ الخَفِيفِ في الحَدِيثِ، فإنَّ الغَسْلَ الخَفِيفَ يُسَمَّى مَسْحًا. وإن عَصَر شَعَرَه في الغَسْلَةِ الأولَى، انْبَنَى على المُسْتَعْمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ، على ما مَضَى.

стр. 544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَجِبُ على المرأةِ نَقْضُ شَعَرِها لغُسْلِها مِن الجَنابَةِ، رِوايَةً واحِدَةً، إذا رَوَّتْ أصُولَه. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن ابنِ عَمْرٍو، أنه كان يَأمُرُ النِّساءَ بذلك. وهو قَوْلُ النَّخَعِي. ولا نَعْلَمُ أحدًا وافَقَهُما على ذلك. ووَجْهُ الأوَّلِ ما رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ، أنَّها قالت: يا رسولَ الله، إنِّي امرأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رَأسِي، أفأنْقُضُه للجَنابَةِ؟ قال: «لَا، إنَّمَا يكفيك أنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». رَواه مسلمٌ (١). وعن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ (٢)، قال: بَلَغ عائشَةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو يَأمُرُ النِّساءَ إذا اغْتَسَلْنَ أن يَنْقُضْنَ رُوُّوسَهُنَّ. فقالت:

стр. 545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يا عَجَبِي لابنِ عَمْرٍو هذا، يَأْمُرُ النِّساءَ إذا اغْتَسَلْنَ أن يَنْقُضْنَ رُووسَهُنَّ، أفلا يَأْمُرُهُنَّ أن يَحْلِقْنَ رُؤوسَهُنَّ، لقد كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ مِن إِناءٍ واحِدٍ، وما أزِيدُ على أن أفْرِغَ على رَأسِي ثلاثَ إفْراغاتٍ. رَواه مسلم (١). إلَّا أن يَكُونَ في رأس المرأةِ حَشْوٌ أو سِدْرٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلى ما تحتَه، فتجِبُ إزالتُه، وإن كان خَفِيفًا لا يَمْنَعُ، لم تَجِبْ. فصل: فأمّا غُسْلُ الحَيضِ، فنَصَّ أحمدُ على أنها تَنْقُضُ شَعَرَها فيه. قال مُهَنّا: سَألْتُ أحمدَ عن المرأةِ، تَنْقُضُ شَعَرَها مِن الحَيضِ؟ قال: نعم. فقُلْتُ له: كيف تَنْقُضُه مِن الحَيض، ولا تَنْقُضُه مِن الجَنابَةِ؟ فقال: حَدِيثُ أسماءَ عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: «تَنْقُضُهُ» (٢). واخْتَلَفَ فيه

стр. 546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أصحابُنا؛ فمنهم مَن أوْجَبَه، وهو قَوْلُ الحسنِ وطاوُس؛ لِما رُوِيَ عن عائِشَةَ، ﵂، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها، إذْ كانت حائِضًا: «خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وامْتَشِطِي» (١). ولا يَكُونُ المَشْطُ إلَّا في شَعَرٍ غيرِ مَضْفُورٍ. وللبُخارِي (٢): «انْقُضِي رَأسَكِ وَامْتَشِطِي». ولأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعَرِ، ليُتَيَقَّنَ وُصُولُ الماء إلى ما تحتَه، فعُفِىَ عنه في غُسْلِ الجَنابَةِ؛ لأنَّه يَكْثُرُ، فيَشُقُّ ذلك، بخِلافِ الحَيض. وقال بَعْضُ أصحابِنا: هو مُسْتَحَب غيرُ واجِبٍ. رُوِيَ ذلك عن عائِشَةَ، وأمِّ سَلَمة. وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي، وأكْثَرِ العلماءِ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ في بَعْضِ ألفاظِ حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أفأنْقُضُه للحَيضَةِ

стр. 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والجَنابَةِ؟ قال: «لَا». رَواه مسلمٌ (١). وهذه زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها. وهذا صَرِيحٌ في نَفْي الوُجُوبِ، فأمّا حديثُ عائشةَ الذي رَواه البُخارِيُّ، فليس فيه أمْرٌ بالغُسْلِ، ولو كان فيه أمْر لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ ذلك ليس هو غُسْلَ الحَيضِ، إنَّما أمِرَتْ بالغُسْلِ في حالِ الحَيضِ للإِحْرامِ بالحَجِّ. ولو ثَبَت الأمْرُ بالغُسْلِ، حُمِل على الاسْتِحبابِ؛ جَمْعًا بينَ الحَدِيثَين، ولأنَّ فيه ما يَدُلُّ على الاسْتِحْبابِ، وهو المَشْطُ والسِّدْرُ، وليس بواجِبٍ، فما هو مِن ضَرُورَتِه أوْلَى. فصل: ويَجِبُ غَسْلُ بَشَرَةِ الرَّأْسِ، كَثِيفًا كان الشَّعَرُ أو خَفِيفًا، وكذلك كلُّ ما تحتَ الشَّعَرِ، كجِلْدِ اللِّحْيَةِ؛ لِما رَوَتْ أسماءُ، قالت: سألْتُ النبي ﷺ عن غُسْلِ الجَنابَةِ، فقال: «تَأخُذُ مَاءً فَتَطهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى يَبْلُغَ شُوونَ رَأسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيهِ الْمَاءَ». رَواه مسلمٌ. وعن عليٍّ، ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: «مَنْ تَركَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ، فُعِلَ بِهِ مِنَ النَّارِ كَذَا وَكَذَا». قال عليٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عادَيتُ شَعَرِي. قال: وكان يَجُزُّ شَعَرَه. رَواه أبو داودَ (٢).

стр. 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا غَسْلُ ما اسْتَرْسَلَ مِن الشَّعَرِ، وبَلُّ ما على الجَسَدِ منه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجِبُ. وهو ظاهِرُ قَوْلِ أصحابنا، ومَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةٌ فَبِلُّوا الشَّعَرَ، وَأنْقُوا الْبَشَرَةَ». رَواه أبو داودَ (١). ولأنَّه شَعَرٌ نابِتٌ في مَحَلِّ الفَرْضِ، فوَجَبَ غَسْلُه، كشَعَرِ الحاجبَين. والثاني، لا يَجِبُ. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يكْفِيكِ أنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ». مع إخْبارِها إيّاه بشَدِّ ضَفْرِ رَأسِها، ومِثْلُ هذا لا يَبُلُّ الشَّعَرَ المَشْدُودَ ضَفْرُه في العادَةِ، ولو وَجَب غَسْلُه لوَجَبَ نَقْضُه؛ ليُعْلَمَ أنَّ الماءَ قد وَصَل إليه، ولأنَّ الشَّعَرَ ليس مِن الحَيَوانِ؛ بدَلِيلِ أنَّه لا يَنْقُضُ مَسُّه مِن المرأةِ، ولا تَطْلُقُ بإيقاعِ الطَّلاقِ عليه، فلم يَجِبْ غَسْلُه كثَوْبِها. وأمّا حَدِيثُ: «بِلُّوا الشَّعَرَ». فيَرْويه الحارِثُ بنُ وَجيهٍ (٢) وَحْدَه، وهو

стр. 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضَعِيفُ الحَدِيثِ، عن مالكِ بنِ دِينارٍ (١). والحاجِبانِ إنَّما وَجَبَ غَسْلُهما مِن ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِهما، وكذلك كلُّ شَعَرٍ لا يُمْكِنُ غَسْلُ بَشَرَتِه إلَّا بغَسْلِه، لأنَّه مِن قَبِيلِ ما لا يَتمُّ الواجِبُ إلَّا به. فإن قُلْنا بوُجُوبِ غَسْلِه، فتَرَكَ غَسْلَ شيءٍ منه، لم يَتمَّ غُسْلُه. فإن قَطَع المَتْرُوكَ، ثم غَسَلَه، أجْزأه؛ لأنَّه لم يَبْقَ في بَدَنِه شيءٌ غيرُ مَغْسُول. ولو غَسَلَه، ثم تَقَطعَ، لم يَجِبْ غَسْلُ مَوْضِعِ القَطْعِ، كما لو قَصَّ أظْفارَه بعدَ الوُضُوءِ. فصل: وغُسْلُ الحيض كغُسْلٍ الجَنابَةِ، إلَّا أنَّه يُسْتَحَبُّ أن تَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ، وتَأخُذَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فتَتَّبعَ بها مَجْرَى الدَّمِ، والمَوْضِعَ الذي يَصِلُ إليه الماءُ مِن فَرْجِها؛ ليَزُولَ عنها زُفُورَةُ الدَّمِ، فإن لم تَجِدْ مِسْكًا فَغَيرُه مِن الطِّيبِ، فإن لم تَجِدْ فالماءُ كافٍ؛ لأنَّ في حديثِ أسماءَ: «تَأخُذُ إحْدَاكُنَّ سِدْرَتَهَا وَمَاءَهَا فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، [ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤونَ رَأسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيهِ الْمَاءَ، ثُمَّ تَأخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا»] (٢). قالت أسماءُ: وكيف

стр. 550

ويتوضأ بالمد , ويغتسل بالصاع , فإن أسبغ بدونهما أجزأه. ــ تَطَهَّرُ بها؟ فقال: «سُبْحَانَ الله، تَطَهَّرِينَ بِهَا». فقالت عائِشَةُ: تَتَبَّعِينَ بها أثَرَ الدَّمِ. رَواه مسلمٌ (١). الفِرْصَةُ: هي القِطْعَةُ مِن كلِّ شيءٍ. والمِسْكُ: الأذْفَرُ الخالِصُ. ١٦٢ - مسألة؛ قال: (ويَتَوَضَّأ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ، فإن أسْبَغَ بدُونِهما أجْزأه) المُدُّ رَطْلٌ وثُلُثٌ بالعِراقِيِّ، والصّاعُ أربعةُ أمْدادٍ،

стр. 551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو خمسةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ، وهو بالرَّطْلِ الدِّمَشقِيِّ، الذي هو سِتُّمائَةِ دِرْهَمٍ، رَطل وسُبْعٌ، والمُدُّ رُبْعُه، وهو ثلاثُ أواقٍ، وثلاثةُ أسْباع أوقِيَّةٍ. والرَّطْلُ العِراقِيّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وثمانيةٌ وعِشْرُون دِرْهَمًا وأربعةُ أسْباعِ دِرْهَم، وذلك تِسْعُون مِثْقالًا. والمِثْقالُ دِرْهَمٌ وثلاثةُ أسباع دِرْهَم (١). ولا خِلافَ في حُصُولِ الإِجْزاءِ بالمُدِّ في الوُضُوءِ، والصّاعِ في الغُسْلِ، في ما عَلِمْنا؛ وذلك لِما روَى أنسٌ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ إلى خمسةِ أمْدادٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن سَفِينَةَ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُغَسِّلُه الصّاعُ [مِن الماءِ] (٣) مِن الجَنابَةِ،

стр. 552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويُوَضِّئُه المُدُّ. رَواه مسلمٌ (١). وفي حديثِ جابِرٍ، أنه سُئِل عن غُسْلِ الجَنابَةِ، فقال: يَكْفِيك صاعٌ. فقال رجلٌ: ما يَكْفِيني. فقال جابرٌ: كان يَكْفِي مَن هو أوْفَى منك شَعَرًا، وخيرٌ منك. يَعْنِي النبيَّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٢). والصّاعُ والمُدُّ ما ذَكَرْنا. وهذا قوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاق، وأبي عُبَيدٍ، وأبي يُوسُفَ. وقال أبو حَنِيفَةَ: الصّاعُ ثمانيةُ أرْطالٍ، والمُدُّ رَطْلان؛ لأنَّ أنَسَ بنَ مالكٍ قال: كان رسولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ. وهو رَطْلانِ. ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ. ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ (٣): «أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ. فَرَقًا مِنْ طَعَام». مُتَّفَقٌ عليه (٤). قال أبو عُبَيدٍ: لا اخْتِلافَ بينَ النَّاسِ أعْلَمُه في أنَّ الفَرَقَ

стр. 553

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثلاثةُ آصُعٍ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، فثَبَتَ أنَّ الصّاعَ خمسةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ. ورُوي أنَّ أبا يُوسُفَ دَخَل المَدِينَةَ، فسألَهُم عن الصّاعِ، فقالوا،: خمسةُ أرْطالٍ وثُلُث. فطالبَهم بالحُجَّةِ، فقالُوا: غَدًا. فجاءَ مِن الغَدِ سَبْعُون شَيخًا، كلٌّ منهم آخِذ صاعًا تحتَ رِدائِه، فقال: صاعِي وَرِثتُه مِن أبي، عن جَدِّي، حتى انْتَهَوْا به إلى النبيِّ ﷺ . فرَجَعَ أبو يُوسُفَ عن قَوْلِه. وهذا تَواتُرٌ يَحْصُلُ به القَطْعُ، وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أهْلِ الْمَدِينَةِ» (١). وحَدِيثُهم تَفَرَّدَ به موسى بنُ نَصْر، وهو ضَعِيف الحَدِيثِ. قاله الدّارَقُطْنِي (٢). فصل: فإن أسْبَغ بدُونِهما أجْزأه. مَعْنَى الإِسْباغِ، أن يَعُمَّ جَمِيعَ الأعْضاءِ بالماءِ بحيث يَجْرِي عليها؛ لأَنَّ هذا هو الغُسْلُ، وقد أُمِرْنا بالغَسْلِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ وأكثَرِ أهلِ العلمِ. وقد قِيل: لا يُجْزِئ في الغُسْلِ دُونَ الصّاعِ، ولا في الوُضُوءِ دونَ المُدِّ. وحُكِي ذلك عن أبي حنيفةَ؛ لأَنَّ جابرًا، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «يُجْزِئ مِنَ الْوُضُوءِ مُدٌّ، وَمِنَ الْجَنَابَةِ صَاعٌ» (٣). والتَّقْدِيرُ بهذا يَدُلُّ على أنه لا

стр. 554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَحْصُلُ الإِجْزاءُ بدُونِه. ولَنا، أنَّ الله تعالى أمَرَ بالغسْلِ، وقد أتى به، وقد رُوِيَ عن عائِشةَ، أنها كانت تَغْتَسِلُ هي والنبيّ ﷺ مِن إناءٍ واحِدٍ، يَسَعُ ثلاثةَ أمْدادٍ، أو قَرِيبًا مِن ذلك. رَواه مسلمٌ (١). وعن عبدِ الله بنِ زَيدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأ بثُلُثَيْ مُدٍّ (٢). وحَدِيثُهم إنَّما يَدُلّ بمَفْهُومِه، وهم لا يَقُولُون به، وإن ذَكَرُوه على وَجْهِ الإِلْزام فما ذَكَرْناه مَنْطُوقٌ، وهو راجِحٌ عليه. وقد رُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: إنَّ لِي رَكْوَةً (٣) أو قَدَحًا، ما يَسَعُ إلَّا نِصْفَ المُدِّ أو نَحْوَه، ثم أبولُ، ثم أتوَضَّأ، وأفْضُل منه فَضْلًا. قال عبدُ الرحمنِ (٤): فذَكَرْتُ هذا الحديثَ لسُلَيمانَ بنِ يَسارٍ، فقال سُلَيمَانُ: وأنا يَكْفِيني مِثْلُ ذلك. فذَكَرْتُ ذلك لأبي عُبَيدَةَ بنِ عَمّارِ بنِ ياسِرٍ (٥)، فقال أبو عُبَيدَةَ: وهكذا سَمِعْنا مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ . وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: إنِّي لأتوَضَّأ مِن كُوزِ الحُبِّ مَرَّتَين. فصل: فإذا زاد على المُدِّ في الوُضُوءِ، وعلى الصّاعِ في الغُسْلِ، جاز؛ فإِنَّ عائِشَةَ قالت: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ مِن إناءٍ واحِدٍ، مِن

стр. 555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَدَحٍ يُقالُ له الفَرَق (١). والفَرَقُ ثلاثةُ آصُعٍ. وقال أنسٌ: كان رسولُ الله ﷺ يَغْتَسِلُ بالصّاعِ إلى خمسةِ أمْدادٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأ بإناءٍ (٣) يَسَعُ رَطْلَين. رَواه أبو داودَ (٤). ويكره الإِسْرافُ في الماءِ، والزِّيادَةُ الكَثيرَةُ فيه؛ لِما رَوينا مِن الآثارِ. وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ مَرَّ بسَعْدٍ، وهو يَتَوَضَّأ، فقال: «مَا هَذَا السَّرَفُ»؟ فقال: أفي الوُضُوءِ إسْرافٌ؟ قال: «نَعَمْ، وَإنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ». رَواه ابنُ ماجه (٥). وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، قال: قال

стр. 556

وَإذَا اغْتَسلَ يَنْوي الطَّهَارَتَينِ أجزأ عَنْهُمَا. وَعَنْهُ، لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَتَوَضَّأ عَنْهُمَا. ــ رسولُ الله ﷺ : «إنَّ للْوُضُوءِ شَيطَانًا، يُقَالُ لهُ وَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ». رَواه أحمدُ وابنُ ماجَه (١). ١٦٣ - مسألة: (وإذا اغْتَسَلَ يَنْوي الطَّهارَتَين أجْزأ عنهما. وعنه: لا يُجْزِئُه حتى يَتَوَضَّأ) ظاهِرُ المذهبِ أنه يُجْزِئُه الغُسْلُ عن الطَّهارَتَين إذا نَواهُما. نَصَّ عليه أحمدُ. وعنه: لا يُجْزِئُه حتى يَتَوَضَّأَ قبلَ الغُسْلِ، أو بعدَه، وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فَعَل ذلك، ولأنَّ الجَنابَةَ والحَدَثَ وُجِدا منه، فوَجَبَ لهما الطَّهارَتان , كما لو كانا مُنْفَرِدَين. ووَجْهُ الأولَى قَوْلُه تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. إلى قَوْلِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢). جَعَل الغُسْلَ غايَةً للمنْعِ مِن الصلاةِ، فإِذا اغْتَسَلَ يَجِبُ أن لا يُمْنَعَ منها، ولأنَّهُما عِبادَتان مِن جِنْسٍ، فدَخَلَتِ الصُّغْرَى في الكُبْرَى، في الأفعالِ دُونَ النيةِ؛ كالحَجِّ

стр. 557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعُمْرَةِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): المُغْتَسِلُ [مِن الجَنابَةِ إِذا لم يَتَوَضَّأ، وعَمَّ جَمِيعَ بَدَنِه، فقد أدَّى ما عليه؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما افْتَرَضَ على الجُنُبِ الغُسْلَ] (٢) مِن الجَنابَةِ، دونَ الوُضُوءِ، بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣). وهو إجْماعٌ لا خِلافَ فيه بينَ العلماء، إلَّا أنَّهُم أجْمَعُوا على اسْتِحْبابِ الوُضُوءِ قبلَ الغُسْلِ تَأسِّيًا برسولِ الله ﷺ ، وقد رَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان لا يَتَوَضَّأ بعدَ الغُسْلِ مِن الجَنابَةِ. رَواه الإِمامُ أحمدُ والترمِذِي (٤).

стр. 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن لم يَنْو الوُضُوءَ، لم يُجْزِه إلَّا عنْ الغُسْلِ؛ لقَوْلِه ﵇: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» (١). فإن نَواهُما، ثم أحْدَثَ في أثْناءِ غُسْلِه، أتمَّ غُسْلَه، ثم يَتَوَضَّأ. وقال الحسنُ: يَسْتَأْنِفُ الغُسْلَ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَدَثَ الأصْغَرَ لا يُنافِي الغُسْلَ، فلا يُؤَثرُ وُجُودُه فيه، كغير الحَدَثِ. فصل: ويَسْقُطُ الترتِيبُ والمُوالاةُ في أعْضاءِ الوُضُوءِ، إِذا قُلْنا: الغُسْلُ يُجْزء عنهما. لأنَّهما عِبادَتان دَخَلَتْ إِحْداهُما في الأخْرَى، فسَقَطَ حُكْمُ الصُّغْرَى، كالعُمْرَةِ مع الحَجِّ. نَصَّ عليه أحمدُ. فلو اغْتَسَلَ إلَّا أعْضاءَ الوُضُوءِ، لم يَجِبِ الترتِيبُ فيها؛ لأنَّ حُكْمَ الجَنابَةِ باقٍ. وقال ابنُ عَقِيلٍ والآمِدِيُّ، في مَن غَسَل جَمِيعَ بَدَنِه إلا رِجْلَيه، ثم أحْدَثَ: يَجبُ الترتِيبُ في الأعْضاءِ الثلاثةِ؛ لانْفِرادِها في الحَدَثِ الأصْغَرِ دُونَ الرِّجْلَين؛ لاجْتمِاعِ الحَدَثَين فيهما. ويُعايَى بها، فيُقالُ: طهارةٌ يَجِبُ الترتِيبُ في بَعْضِها، ولا يَجِبُ في البَعْضِ.

стр. 559

وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُب إِذَا أرَادَ النَّوْمَ، أو الْأكْلَ، أو الْوَطْءَ ثَانِيًا أَن يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأ. ــ ١٦٤ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للجُنُبِ إِذا أرادَ النَّوْمَ أو الأكْلَ أو الوَطْءَ ثانيًا، أن يَغْسِلَ فَرْجَه ويَتَوَضَّأَ) ورُوي ذلك عن علي، وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو (١). وكان ابنُ عُمَرَ يَتَوَضَّأ إلَّا غَسْلَ قَدَمَيه. وقال ابنُ

стр. 560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُسَيَّبِ: إذا أرادَ أن يَأكلَ، يَغْسِلُ كَفَّيه، ويَتَمَضْمَضُ. وحُكِى نَحْوُه عن إمامِنا، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي. وقال مُجاهِدٌ: يَغْسِلُ كَفَّيه؛ لِما رُوِيَ عن عائِشَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أراد أنْ يَأكل وهو جُنُبٌ , غَسَلَ يَدَيه. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، وابنُ ماجه (١). وقال مالك: يَغْسِلُ يَدَيه إن كان أصابَهُما أذًى. وقال ابنُ المُسَيَّبِ، وأصحابُ الرَّأي: يَنامُ، ولا يمس ماءً؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: كان النبي ﷺ ، يَنامُ وهو جُنُبٌ، ولَا يَمسُّ ماءً. رَواه أبو داودَ وابنُ ماجه (٢). ولَنا، أنَّ عُمَرَ سَأل

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبيَّ ﷺ : أيرْقُدُ أحَدُنا وهو جُنُبٌ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذا أتَى أَحَدُكُمْ أهْلَهُ، ثُمَّ أرَادَ أنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأ». رَواه مسلمٌ (٢). وعن عائِشَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذَا أراد أن يَأْكُلَ، أو يَنامَ، تَوَضَّأ. يَعْنِي وهو جُنُبٌ. رَواه أبو داودَ (٣). فأمّا أحادِيثُهم؛ فأحادِيثُنا أصَحُّ، ويُمْكِنُ الجمْعُ بَينَها بحَمْلِها على الجَوازِ وحَمْلِ أحادِيثنا على الاسْتِحْبابِ.

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا غَمَسَتِ الحائِض، أو الجُنُبُ، أو الكافِرُ، أيدِيَهُم في الماءِ، فهو طاهِرٌ ما لم يَكُنْ على أيدِيهِم نَجاسَةٌ؛ لأنَّ أبدانَهُم طاهِرَةٌ، وهذه الأحْداثُ لا تَقْتَضِي تَنْجِيسَ الماءِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهلِ العلمِ على أنَّ عَرَقَ الجُنُبِ طاهِرٌ. يُرْوَى ذلك عن عائشةَ، وابنِ عباس، وابنِ عُمَرَ. وهو قَوْلُ مالكٍ والشافعيِّ، ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافًا. وقد روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ الله ﷺ لَقِيَه في بعضِ طُرُقِ المَدِينَةِ، قال: فانْخَنَسْت منه، فذَهَبْتُ فاغْتَسَلْتُ، ثم جِئْتُ، فقال: «أينَ كُنْتَ يَا أبا هُرَيرَةَ»؟ قال: يا رسولَ الله، كُنْتُ جُنُبًا، فكَرِهْتُ أن أجالِسَك وأنا على غيرِ طهارةٍ، فقال: «سُبْحَانَ الله، إِنَّ الْمُؤمِنَ لَا يَنْجُسُ». مُتَّفقٌ عليه (١). ورُوي أنَّ النبيَّ ﷺ قَدَّمَتْ إليه امرأةٌ مِن نِسائِه قَصْعَةً ليتَوَضَّأَ منها، فقالتِ امرأةٌ: إنِّي غَمَسْتُ يَدَىَ فيها وأنا جُنُبٌ. فقال: «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ» (٢). وكان النبيُّ ﷺ يَشْرَبُ مِن سُورِ عائشةَ وهي حائِضٌ. وتَوَضَّأ النبيُّ ﷺ مِن مَزادَةِ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عليه. وأجاب النبيّ ﷺ

стр. 563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَهُودِيًّا أضافَه بخُبْزٍ وإهالةٍ سَنِخَةٍ (١). قال شَيخُنا (٢): ويَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بينَ الكِتابِيِّ الذي لا يَأكُلُ المَيتَةَ والخِنْزِيرَ، وبينَ غيرِه مِمَّن يَأكُلُ ذلك، ومَن لا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهم، كقَوْلِنا في آنِيَتهِم، وقد ذَكَرْناه (٣). فصل: فأمّا طُهُورِيَّةُ الماءِ، فإِنَّ الحائِضَ والكافِرَ لا يُؤثِّرُ غَمْسهما أيدِيَهما في الماءِ؛ لأنَّ حَدَثَهما لا يَرْتَفِعُ، وأمّا الجُنُبُ، فإن لم يَنْو بغَمْسِ. يَدِه في الماءِ رَفْعَ الحَدَثِ عنها، فكَذلِك، بدَلِيلِ حَدِيثِ المرأةِ التي قالت: غَمَسْتُ يَدَيَّ في الماءِ وأنا جُنُبٌ. فقال النبيُّ ﷺ : «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ». ولأنَّ الحَدَثَ لا يَرْتَفِعُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، أشْبَهَ غَمْسَ الحائِض. وإن نَوَتْ رَفْعَ حَدَثِها، فحُكْمُ الماءِ حُكْمُ ما لو اغْتَسَلَ الجُنُبُ فيه للجَنابَةِ، كذا ذَكَرَه شَيخُنا (٤). وفي هذا نَظر؛ فإنَّهم قد قالوا: إنَّ الماءَ المُسْتَعْمَلَ إذا اخْتَلَطَ

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالماءِ الطَّهُورِ، إنَّما يُؤَثِّرُ فيه إِذا كان بحيث لوْ كان مائِعًا آخَرَ غَيَّرَه، والمُنْفَصِلُ عن اليَدِ ها هنا يَسِيرٌ، فيَنْبَغِي إِذا كان الماءُ كَثِيرًا، بحيث لا يُؤَثِّرُ فيه المُنْفَصِلُ عن غَسْلِ اليَدِ لو غُسِلَتْ مُنْفَرِدَةً بماءٍ، ثم صُبَّ فيه، أن لا يُؤثِّرَ ها هنا؛ لأنَّه في مَعْناه. وإن كان الماءُ يَسِيرًا، بحيث يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ قَدْرَ المُنْفَصِلِ عن اليَدِ يُؤَثِّرُ فيه لو غُسِلَتْ مُنْفَرِدَةً، ثم صُبَّ فيه، أثَّرَ ها هنا. وقد رُوِيَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا؛ فإنَّه سُئِل عن جُنُبٍ، وُضِع له ماءٌ، فأدْخَلَ يَدَه يَنْظرٌ حَرَّه مِن بَرْدِه، قال: إن كان أُصْبُعًا فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ، وإن كانتِ اليَدَ أجْمَعَ. فكأنَّه كَرِهَه. فصل: قال بَعْضُ أصحابِنا: إِذا نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ، ثم غَمَس يَدَه في الماءِ؛ ليَغْرِفَ بها، صار الماءُ مُسْتَعْمَلًا. قال شَيخُنا (١): والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، أنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ؛ لأنَّ قَصْدَ الاغْتِرافِ مَنَع قَصْدَ غَسْلِها،

стр. 565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على ما بَيَّنّاه في المُتَوَضِّئِ إِذا اغْتَرَفَ مِن الإِناءِ لغَسْلِ يَدَيه بعدَ وَجْهِه. وإنِ انْقَطَع حَيضُ المرأةِ فهي قبلَ الغُسْلِ كالجُنُبِ في ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ. وقد اخْتَلَف (١) عن أحمدَ في هذا؛ فقال في مَوْضِعٍ، في الجُنُبِ والحائِضِ يَغْمِسُ يَدَيه في الإِناءِ: إذا كانا نَظِيفَين، فلا بَأْسَ به. وقال في مَوضِع: كُنْتُ لا أرَى به بَأْسًا، ثم حُدِّثْتُ عن شُعْبَةَ، عن مُحارِبِ بنِ دِثارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، وكأنِّي تَهَيَّبْتُه. وسُئِل عن جُنُبٍ وُضِعَ له ماءٌ، فوَضَعَ يَدَه فيه يَنْظُرُ حَرَّه مِن بَرْدِه، فقال: إن كان أُصْبُعًا فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأْسٌ، وإن كانتِ اليَدَ أجْمَعَ. فكأنَّه كَرِهَه. وسُئِل عن الرجل يَدْخُلُ الحَمّامَ، وليس معه ما يَصُبُّ به الماءَ على يَدِه، تَرَى له أن يَأْخُذَ بفِيه؟ فقال: لا، يَدُه وفَمُه واحِدٌ. وقِياسُ المذْهبِ ما ذَكَرْنا، وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على الكَراهَةِ؛ لِما فيه مِن الخِلافِ. وقال أبو يُوسُفَ: إن أدْخَلَ الجُنُبُ يَدَه في الماءِ لم يَفْسُدْ، وإن أدْخَلَ رِجْلَه فَسَد؛ لأنَّ الجُنُبَ نَجِسٌ،
следующие страницы →