← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن رَأى أنَّه قد احتَلَمَ، ولم يَرَ بَللًا، فلا غُسْلَ عليه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ ﷺ : «نَعم، إذَا رَأتِ الْمَاءَ». يَدُلُّ بمَفْهُومِه (١) على أنَّه لم يَجِبْ إذا لم تَرَه، ورَوَتْ عائِشَةُ، قالت: سُئِل رسولُ الله ﷺ عن الرجلِ يَجِدُ البَلَلَ، ولا يَذْكُرُ احتِلامًا، قال: «يَغْتَسِلُ». وعن الرجلِ يَرَى أن قد احتَلَمَ، ولم يَجِدِ البلَلَ، قال:. «لَا غُسْلَ عَلَيهِ». قالت أمُّ سُلَيمٍ: المرأةُ تَرَى ذلك، أعليها غُسْلٌ؟ قال: «نَعَم، إنَّما النِّسَاءُ شَقَائِقُ

стр. 492

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرِّجَالِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ (١). وذَكَر ابنُ أبي موسى في مَن احتَلَمَ ووَجَدَ لذَّة الإِنْزالِ، ولم يَرَ بَلَلًا، رِوايَةً في وُجُوبِ الغُسْلِ عليه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذَكَرنا مِن النَّصِّ والإِجماعِ، لكن إن مَشَى فخَرَجَ منه المَنِيُّ، أو خَرَج بعدَ اسْتِيقاظِه، فعليه الغُسْلُ. نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه كان انْتَقَل، وتَخَلَّف خُرُوجُه إلى ما بعدَ الاسْتِيقاظِ، وإن انْتَبَه فرَأى مَنِيًّا، ولم يَذْكُرِ احتِلامًا، فعليه الغُسْلُ، قال شيخُنا: لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٢). ورُوي نحوُ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ. وبه قال ابنُ عباسِ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والشَّعبِي، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاق؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ خُرُوجَه كان لاحتِلامٍ نَسِيَه؛ وذلك لِما ذَكَرنا مِن حديثِ عائشةَ.

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإنِ انْتَبَه مِن النَّوْمِ فوَجَدَ بَلَلًا، لا يَعلمُ هل هو مَنِيٌّ أو غيرُه، فقال أحمدُ: إذا وَجَد بِلَّةً اغْتَسَلَ، إلَّا أن يَكُونَ به إِبرِدَةٌ، أو لاعَبَ أهْلَه؛ فإنَّه رُبَّما خَرَج منه المَذْيُ، فأرجُو أن لا يكُون به بَأسٌ. وكذلك إن كان انْتَشَرَ مِن أوَّلِ اللَّيلِ بتَذَكُّرٍ أو رُؤيَةٍ. وهو قَوْلُ الحسنِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مَذْيٌ، لوُجُودِ سَبَبِه، فلا يَجِبُ الغُسْلُ بالاحتِمالِ. وإن لم يَكُنْ وَجَد ذلك، فعليه الغُسْلُ؛ لحَدِيثِ عائِشَةَ. وقد تَوَقَّف أحمدُ في هذه المَسْأَلَةِ. وقال مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: لا غُسْلَ عليه حتى يُوقِنَ بالماءِ الدّافِقِ. وهذا هو القِياس، والأوْلَى الاغْتِسالُ؛ لمُوافَقَةِ الخَبَرِ، وعَمَلًا بالاحتِياطِ.

стр. 494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن رَأى في ثَوْبِه مَنِيًّا، وكان لا يَنامُ فيه غيرُه، وهو مِمَّن يمكنُ أن يَحتَلِمَ، كابنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فعليه الغُسْلُ، وإلَّا فَلا؛ لأنَّ عُمَرَ وعثمانَ اغْتَسَلا حينَ رأياه في ثوبيهما، ولأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مَنِيُّه (١)، ويَلْزَمُه إعادَةُ الصلاةِ مِن أحدَث نَوْمَةٍ نامَها فيه، إلَّا أن يَرَى أمارَةً تَدُلُّ على أنَّه قَبْلَها، فيُعِيدَ مِن أدنَى نَوْمَةٍ يَحتَمِلُ أنَّه منها. فأمّا إن كان يَنامُ فيه هو وغيرُه مِمَّن يَحتَلِمُ، فلا غُسْلَ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا (٢) شاكٌّ فيما يُوجِبُ الغُسْلَ، والأصلُ عَدَمُ وُجْوبِه، وليس لأحَدِهما الائْتِمامُ بالآخَرِ؛ لأنَّ أحَدَهما جُنُبٌ يَقِينًا. فصل: فإن وَطِئَ امرأته دُونَ الفَرجِ، فدَبَّ ماؤه إلى فَرجِها ثم خَرَج، أو وَطِئَها في الفَرجِ، فاغْتَسَلَتْ ثم خَرَج ماؤه مِن فَرجِها، فلا غُسْلَ عليها. وبه قال قَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاق. وقال الحسنُ: تَغْتَسِلُ؛ لأنَّه مَنِيٌّ خارِجٌ، فأشْبَه ماءَها. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه ليس مَنِيَّها، أشْبَه غيرَ المَنِيِّ؛ ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعنى المَنْصُوصِ.

стр. 495

وَإِنْ أحسَّ بِانْتِقَالِهِ فَأمسَكَ ذَكَرهُ، فَلَم يَخْرُجْ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ. ــ ١٥٣ - مسألة: (فإنْ أحَسَّ بانْتِقالِه فأمسَكَ ذَكَرَه، فلم يَخْرُج، فعلى رِوايَتَين) إحداهما، يَجِبُ عليه الغُسْل، وهو المَشْهُورُ عن أحمدَ، وأنْكَرَ أن يكُونَ الماءُ يَرجِعُ. اخْتاره ابنُ عَقِيلٍ، والقاضي، ولم يَذْكُر فيه خِلافًا، قال: لأنَّ الجَنابَةَ تَباعُدُ الماءِ عن مَحَلِّه، وقد وُجِد، فتَكُونُ الجَنابَةُ مَوجُودَةً، فيَجِبُ بها الغُسْلُ. ولأنَّ الغُسْلَ تُراعَى فيه الشَّهْوَةُ، وقد حَصَلَتْ بانْتِقالِه، أشْبَه ما لو ظَهر. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا غُسْلَ عليه، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِي، وقَوْلُ أكثَرِ الفقهاءِ، وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّقَ الاغْتِسال على رُؤيةِ الماءِ بقَوْلِه: «إذَا رَأتِ الْمَاءَ». وقَوْلِه: «إذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ». فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بدُونِه، وما ذَكَرُوه مِن الاشتِقاقِ مَمنُوعٌ؛ لأنَّه يَجُوزُ أن يُسَمَّي جُنُبًا لمُجانَبَتِه الماءَ، ولا يَحصُلُ إلَّا بخُرُوجِه، أو لمُجانَبَتِه الصلاةَ أو المسجدَ، وإذا سُمِّيَ بذلك

стр. 496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مع الخُرُوجِ لم يَلْزَم وُجُودُ التَّسْمِيَةِ مِن غيرِ خُرُوجٍ، فإنَّ الاشْتقاقَ لا يَلْزَمُ منه الاطِّرادُ، ومُراعاةُ الشَّهْوَةِ في الحُكْمَ لا يَلْزَمُ منه اسْتِقْلالُها به، فإنَّ أحَدَ وَصفَي العِلَّةِ وشَرطَ الحُكْمِ مُراعًى له، ولا يَسْتَقِلُّ بالحُكْمِ، ثم يَبْطُلُ ذلك [بلَمسِ النِّساء] (١)، وبما لو وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ مِن غيرِ انْتِقالٍ، فإنَّها لا تَسْتَقِلّ بالحُكْمِ، وكلامُ أحمدَ إنَّما يَدُلُّ على أنَّ الماءَ إذا انْتَقَلَ، لَزِم منه الخُرُوجُ، وإنَّما يَتأخَّرُ، وكذلك يَتأخَّرُ الغُسْلُ إلى حينِ خُرُوجِه.

стр. 497

فَإِنْ خَرَجَ بعدَ الْغُسْلِ، أَوْ خَرَجت بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ. وعَنْهُ، يَجِبُ. وعَنْهُ، يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ، دُونَ مَا بَعدهُ. ــ ١٥٤ - مسألة: (فإنْ خَرَجَ بعدَ الغُسْلِ) وقُلْنَا: لا يَجِبُ الغُسْلُ بالانْتِقالِ. لَزِمَه الغُسْلُ؛ لأنَّه مَنِيٌّ خَرَج بسَبَبِ الشهْوَةِ، فأوْجَبَ الغُسْلَ؛ لقَوْلِه ﷺ : «إذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ». ولحَدِيثِ أمِّ سُلَيمٍ، وكما لو خَرَج حال انْتِقالِه، وقد قال أحمدُ، في الرجلِ يُجامِعُ ولم يُنْزِلْ، فيَغْتَسِلُ

стр. 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم يَخْرُجُ منه المَنِيُّ: عليه الغُسْلُ. ولأنَّه لو لم يَجِبِ الغُسْلُ على هذه الرِّواية، أفْضَى إلى نَفْي الوُجوبِ عنه بالكُلِّيَّةِ، مع انْتِقالِ المَنِيِّ بشَهْوَةٍ وخُرُوجِه. وإن قُلْنا: يَجِبُ الغُسْلُ بالانْتِقالِ. لم يَجِبْ بالخُرُوجِ؛ لأنَّه تَعَلَّق بانْتِقالِه، وقد اغْتسل له، فلم يَجِبْ له غُسْل ثانٍ، كبَقِيَّةِ المَنِيِّ إذا خَرَجَتْ بعدَ الغُسْلِ. وهكذا الحُكْمُ في بَقِيَّةِ المَنِيِّ إذا خَرَج بعدَ الغُسْلِ. هذا هو المَشْهُورُ عن أحمدَ. قال الخَلَّالُ: تَواتَرَتِ الرِّواياتُ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّه ليس عليه إلَّا الوُضوءُ، بال أو لم يَبُلْ. رُويَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عباسِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، واللَّيثِ، والثَّوْري. ولأنَّه مَنِيٌّ خَرَج على غيرِ وَجْهِ الدَّفْقِ واللَّذَّةِ، أشْبَه الخارِجَ في المَرَضِ. ولأنَّه جَنابَة واحِدَة، فلم يَجِبْ به غُسْلان، كما لو خَرَج دَفْعَةً واحِدَةً. وفيه رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَجِبُ بكلِّ حالٍ. وهو مَذْهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الاعتِبارَ بخُرُوجِه كسائِرِ الأحداثِ. قال شَيخُنا: وهذا هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ الخُرُوجَ يَصلُحُ مُوجِبًا

стр. 499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للغُسْلِ (١). قَوْلُهم: إنَّه جَنابَةٌ واحِدَة، فلم يَجبْ به غُسْلان. يَبطُلُ بما إذا جامَعَ فلم يُنْزِلْ، فاغْتَسَلَ، ثم أنزَلَ، فإنَّ أَحمدَ قد نَصَّ على وُجُوبِ الغُسْلِ عليه بالإِنْزالِ مع وُجُوبِه بالْتِقاءِ الخِتانَين. واخْتارَ القاضي الرِّوايَةَ الأُولَى، وحَمَل كلامَ أحمدَ في هذه المَسْأَلَةِ على أن تكُونَ قارَنتْه شَهْوَة حال خُرُوجِه، قال: فإن لم تُقارِنه شَهْوَةٌ فهو كبَقِيَّةِ المَنِيِّ إذا خَرَجَتْ. وفيه رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه إن خَرَج قبلَ البَوْلِ، اغْتَسَل، وإن خَرَج بعدَه، لم يَغْتَسِلْ. وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، ونُقِل عن الحسنِ؛ لأنَّه قبلَ البَوْلِ بَقِيَّةُ ما خَرَج بالدَّفْقِ والشَّهْوَةِ، فأوْجَبَ الغُسلَ كالأوَّلِ، وبعدَ البَوْلِ لا يَعلَمُ أنَّه بَقِيَّةُ الأوَّلِ، لأنَّه لو كان بَقِيَّةَ الأوَّلِ لَما تَخَلَّفَ بعدَ البَوْلِ، وقد خَرَج بغيرِ دَفْقٍ وشَهْوَةٍ. وذَكَر القاضي [في «المُجَرَّدِ»] (٢) في هاتَين المَسْألَتَين؛ أنَّه إن خَرَج، بعدَ البَوْلِ لم يَجِبِ الغُسْلُ، رِوايَةً واحِدَةً، وإن خَرَج قبلَه، فعلى رِوايَتَين.

стр. 500

الثَّانِي، الْتِقَاءُ الْخِتَانَينِ؛ وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفرجِ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، حَيٍّ أو مَيِّتٍ. ــ ١٥٥ - مسألة: (الثّانِي: الْتِقاءُ الخِتانَيْن، وهو تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرجِ، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، مِن آدَمِيٍّ أو بَهيمَةٍ، حَيٍّ أو مَيِّتٍ) معنَى الْتِقاءِ الخِتانَين: تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرجِ. كما ذَكَر، سَواءٌ كانا مُخْتَتِنين أوْ لا، وسواءٌ مَسَّ خِتانُه خِتانَها أو لا، فهو مُوجِبٌ للغُسلِ، ولو مَسَّ الخِتانُ الخِتانَ مِن غيرِ إيلاجٍ، لم يَجبِ الغُسْلُ إجْماعًا. واتَّفَقَ العُلَماءُ على وُجُوبِ الغُسْلِ في هذه المَسْأَلَةِ. وقال داودُ: لا يَجِبُ؛ لقوْلِه ﷺ : «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (١). رُوِيَ نَحوُ ذلك عن جماعةٍ مِن الصَّحابَةِ. ورُوي في ذلك أحادِيثُ عن النبيِّ ﷺ . وكانت رُخْصَةً أرخَصَ فيها رسولُ اللهِ ﷺ ثم أمَرَ بالغُسلِ، فرُوي عن أُبَي بنِ كَعبٍ، قال: إنَّ الفُتْيا التي كانوا يَقُولُون: إنَّ «الماءَ مِن الماءِ» رُخْصَة، كان رسولُ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فيها في أوَّلِ الإِسلامِ، ثم أمَرَ بالاغْتِسالِ بَعدَها. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ،

стр. 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والترمِذِيُّ (١)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. وروَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إذَا جَلَسَ بَينَ شُعَبها الْأَربَعَ، ثمَّ جَهدها، فَقد وَجَبَ الغُسْلُ». مُتَّفَقٌ عليه (٢). زادَ مسلمٌ: «وَإنْ لَمْ يُنْزِلْ». وحَدِيثُهم مَنسُوخٌ بحَدِيثِ أبَيِّ بنِ كَعبٍ. فصل: ويَجِبُ الغُسْلُ على كُلِّ واطِئ ومَوْطُوءٍ، إذا كان مِن أهلِ الغُسْلِ، سَواءٌ كان في الفرجِ، قُبُلًا أو دُبُرًا، مِن آدَمِيٍّ أو بَهِيمَةٍ، حَيٍّ أو مَيِّتٍ، طائِعًا أو مُكْرَهًا، نائِمًا أو يَقْظانَ. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجبُ الغُسْلُ بوَطْءِ المَيِّتَةِ ولا البَهِيمَةِ، لأنَّه ليس بمَقْصُودٍ، ولأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ، ولا في مَعْناه. ولَنا، أنَّه إيلاجٌ في فَرجٍ، فوَجَبَ به الغُسْلُ، كوَطْءِ الآدَمِيَّةِ في حَياتِها، ووَطْءُ الآدَمِيةِ داخِلٌ في عُمُوم الأحادِيثِ، ما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالعَجُوزِ والشَّوْهاءِ.

стр. 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أوْلَجَ بَعْضَ الحَشَفَةِ، أو وَطِيء دُونَ الفرجِ، ولم يُنْزِلْ، فلا غُسْلَ عليه؛ لأنَّه لم يُوجَدِ الْتِقاءُ الخِتانَين ولا ما في مَعناه. وإن انْقَطَعَتِ الحَشَفَةُ، فأوْلَجَ الباقِيَ مِن ذَكَرِه، وكان بقَدرِ الحَشَفَةِ، وَجَب الغُسْلُ، وتَعَلَّقَتْ به أحكامُ الوَطْءِ؛ مِن المَهْرِ وغيرِه. وإن كان أقَلَّ مِن ذلك، لم يَجِبْ شيءٌ. فصل: فإنْ أوْلَجَ في قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، أو أوْلَجَ الخُنْثَى ذَكَره في فَرجِ امرأةٍ، أو وَطِئَ أحَدُهما أو كلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ، لم يَجِبِ الغُسْلُ على واحِدٍ منهما؛ لاحتِمالِ أن يكُونَ خِلْقَةً زائِدَةً. فإن أنْزَل الواطِيءُ أو أنْزَل المَوْطُوءُ مِن قُبُلِه، فعلى مَن أنزل الغُسْلُ. ويَثْبُتُ لمَن أنزَل مِن ذَكَرِه حُكْمُ الرِّجالِ، ولمَن أنْزَل مِن فَرجِه حُكْمُ النِّساءِ؛ لأنَّ الله تعالى

стр. 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أجْرَى العادَةَ بذلك في حَقِّ الرجالِ والنِّساءِ. وذَكَر القاضي في مَوْضِعٍ، أنَّه لا يُحْكَمُ له بالذُّكُورِية بالإِنْزالِ مِن ذَكَرِه، ولا بالأُنُوثِيَّةِ بالحَيضِ مِن فَرجِه، ولا بالبُلُوغِ بهذا. ولَنا، أنَّه أمرٌ خَصَّ اللهُ تعالى به أحَدَ الصِّنْفَينِ، فكان دَلِيلًا عليه، كالبَوْلِ مِن ذَكَرِه أو مِن قُبُلِه. ولأنَّه أنزَل الماءَ الدّافِقَ لشَهْوَةٍ، فوَجَبَ الغُسْلُ؛ لقَوْلِه ﵇: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ».

стр. 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كان الواطِئ أو المَوْطُوءَة صَغِيرًا، فقال أحمدُ: يَجِبُ عليهما الغُسْلُ. وقال: إذا أتى على الصَّبِيَّةِ تِسْعُ سِنِينَ، ومِثْلُها يُوطأ، وَجَب عليها الغُسْلُ. وسُئِل عن الغُلامِ يُجامِعُ مِثْلُه ولم يَبْلُغْ، فجامَعَ المرأةَ، يَكُونُ عليهما الغُسل؟ قال: نعم. قِيل له: أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ؟ قال: نعم. وقال: تُرَى عائِشَةَ حيث كان يَطَؤها النبيّ ﷺ لم تَكُنْ تغْتَسِلُ! ويروَى عنها: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» (١). وحَمَل القاضي كلامَ أحمدَ على الاسْتحبابِ. وهو قَوْلُ أصحابِ الرَّأي، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ الصَّغِيرَ لا يَتَعَلَّقُ به المَأْثَمُ، ولا هو مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ، ولا تَجِبُ عليه الصلاةُ

стр. 505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التي تَجبُ لها الطهارةُ، فأشْبَهتِ الحائِضَ. قال شَيخنا: ولا يَصِحُّ حَملُ كلام أَحمدَ على الاسْتِحبابِ، لتَصرِيحِه بالوُجُوبِ، وذَمِّه قَول أصحابِ الرأي بقَوْلِه: هو قَوْلُ سَوْءٍ. واحتَجَّ بفِعلِ عائشةَ، ورِوايَتها للحَدِيثِ العامِّ في حَقِّ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، ولأنَّها أجابَتْ بفِعلِها وفِعلِ النبيِّ ﷺ ، بقَوْلِها: فَعَلْتُه أنا ورسولُ اللهِ ﷺ فاغْتَسَلْنا. فكَيفَ تَكُونُ خارِجَةً منه! وليس مَعنى وُجُوبِ الغُسْلِ في حَقِّ الصَّغِيرِ التَّأثِيمَ بتركِه، بل مَعناه أنَّه شَرطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ، والطَّوافِ، وإباحَةِ قراءةِ القُرآنِ، وإنَّما يَأثَمُ البالِغُ بتأخِيرِه

стр. 506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في مَوضِعٍ يَتأخَّرُ الواجِبُ بتَرْكِه، ولذلك لو أخَّره في غيرِ وَقْتِ الصلاةِ لم يَأْثَمْ، والصَّبِيُّ لا صلاةَ عليه، فلم يَأثَمْ بالتَّأْخِيرِ، وبَقِيَ في حَقِّه شَرْطًا، كما في حَقِّ الكَبِيرِ، فإذا بَلَغ كان حُكْمُ الحَدَثِ في حَقِّه باقِيًا، كالحَدَثِ الأصْغَرِ، يَنْقُضُ الطهارةَ في حَقِّ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ. واللهُ أعلمُ (١).

стр. 507

الثَّالِثُ، إسْلَام الْكَافِرِ، أصْلِيًّا كَانَ أو مُرْتَدًّا. وَقَال أبو بَكْرٍ: لَا غسْلَ عَلَيهِ. ــ ١٥٦ - مسألة: (الثالِثُ: إسلامُ الكافِرِ، أصْلِيًّا كانَ أو مُرتَدًّا. وقال أبو بَكْرٍ: لَا غُسْلَ عليه) وجُمْلَتُه أنَّ الكافِرَ إذا أسْلَم وَجَب عليه الغُسْلُ، أصْلِيًّا كان أو مُرْتَدًّا، سَواءٌ اغْتَسَل قبلَ إسلامِه أو لا، وُجدَ منه في زَمَنِ الكُفْرِ ما يُوجِبُ الغُسلَ أو لم يُوجَدْ. وهو قولُ مالكٍ، وأَبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو بكرٍ: يُسْتَحَبُّ ولا يَجِبُ، إلَّا أن يكُونَ قد وُجِدَت منه جَنابَةٌ زَمَنَ كُفْرِه، فعليه الغُسْلُ إذا أسْلَم، وإن اغْتَسل قبلَ الإِسلامِ. وهو مذهبُ الشافعيِّ. وقال أبوْ حَنِيفَةَ: لا يجِبُ عليه الغُسل بحالٍ؛ لأنَّ العَدَدَ الكَثِيرَ والجَمَّ الغَفِيرَ أسْلَمُوا، فلو أُمِرَ كلُّ مَن أسْلِم بالغُسْلِ، لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا أو ظاهِرًا، ولأنَّ النبيَّ ﷺ حينَ بَعَث مُعاذًا

стр. 508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى اليَمَنِ (١) لم يَذْكُرْ له الغُسْل، ولو كان واجِبًا لأمَرَهم به؛ لأنه أوَّلُ واجِباتِ الإِسلام. ولنا، ما روَى قَيس بنُ عاصِمٍ (٢)، أنَّه أسْلَم، فأمَرَ النبيُّ ﷺ أن يَغتَسِلَ بماءٍ وسِدرٍ (٣). رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، والترمِذِيّ (٤)، وقال: حديث حسنٌ. والأمْرُ

стр. 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للوُجُوبِ، وما ذَكَرُوه مِن قِلَّةِ النَّقْلِ، فلا يَصِحُّ مِمَّن أَوْجَبَ الغُسْلَ على مَن أسْلمَ بعدَ الجَنابَةِ في كُفْرِه؛ لأنَّ الظاهِرَ أن البالِغَ لا يَسْلَمُ منها، على أنَّ الخَبَرَ إذا صَحَّ كان حُجَّةً مِن غيرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ آخَرَ. وقد رُوِيَ أنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيرٍ وسعدَ بنَ مُعاذ، حينَ أرادا الإِسلامَ، سألا مُصْعَبَ بنَ عُمَيرٍ: كيف تَصْنَعُونَ إذا دَخَلْتُم في هذا الأمْرِ؟ قال: نَغْتَسِلُ ونَشْهَدُ شَهادَةَ الحَقِّ (١). وهذا يَدُلُّ على أنَّه كان مُسْتَفِيضًا. ولأنَّ الكافِرَ لا يَسْلَمُ غالِبًا مِن جَنابَةٍ تَلْحَقُه، ونَجاسَةٍ تُصحبُه، وهو لا يَصِحُّ غُسْلُه، فأقِيمَتِ المَظِنَّةُ مَقامَ حَقِيقَةِ الحَدَثِ، كما أُقِيمَ النَّومُ مَقامَ الحَدَثِ.

стр. 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أجْنَبَ الكافِرُ، ثم أسْلَمَ، لم يَلزَمْه غُسْلُ الجَنابَةِ، سَواءٌ اغْتَسَل في كُفْرِه أو لم يَغْتَسِلْ. وهذا قَوْلُ مَن أوْجب غُسْلَ الإِسلام، وقولُ أبي حَنِيفَةَ. وقال الشافعيّ: عليه الغُسْلُ. وهو قَولُ أبي بكرٍ؛ لَأنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الغُسْلِ، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، واغْتِسالُه في كُفْرِه لا يَرْفَعُ حَدَثَه، قِياسًا على الحَدَثِ الأصْغَرِ. وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ، وأحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ، أنَّه يَرْتَفِعُ حَدَثُه؛ لأنَّه أصَحُّ نِيَّةً مِن الصَّبِيِّ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطهارةَ عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فلم تَصِحَّ مِن الكافِرِ، كالصلاةِ. ووجْه الأولَ أنه لم يُنْقَلْ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أحَدًا مِمَّن أسْلَم بغُسْلِ الجَنابَةِ، مح كَثْرَةِ مَن أسْلَمَ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ البالِغِين المُتَزَوِّجِين، ولأنَّ المظِنَّةَ أُقِيمَتْ مَقامَ حَقِيقَةِ الحَدَثِ، فسَقَطَ حُكمُ الحَدَثِ، كالسَّفَرِ مع المَشَقَّةِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ , كما في حَدِيثِ قَيسٍ. ويُسْتَحَبُّ إزالةُ شَعَرِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لرجلٍ أسْلَم: «ألْقِ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ وَاختَتِنْ». رواه أبو داودَ (١).

стр. 511

الرابع، الموت. والخامس، الحيض. السادس، النِّفاسُ. ــ ١٥٧ - مسألة: (الرّابِعُ، المَوْتُ. الخامِسُ، الحَيضُ. السّادِسُ، النِّفاسُ) . وسيُذْكَرُ ذلك في مَواضِعه إن شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 512

وفي الولادَةِ العارية عن الدَّمِ وَجْهان. ــ ١٥٨ - مسألة؛ قال: (وفي الولادَةِ وَجْهان) يَعْنِي إذا عَرِيَتْ عن الدَّمِ، أحَدُهما، يَجِبُ الغُسْلُ، لأنَّها مَظِنَّةُ النِّفاسِ المُوجِبِ، فأُقِيمَتْ مُقامَه، كالْتِقاءِ الخِتانَين، ولأنَّه يَحْصُلُ بها بَراءَةُ الرَّحِمِ، أشْبَهَتِ الحَيضَ. ولأصحاب الشافعيِّ فيها وَجْهان. والثاني، لا يَجِبُ. وهو ظاهِرُ قَوْلَ الخِرَقِي؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشرع، ولم يَرِدْ بالغُسْلِ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ. قَوْلُهم: إنَّ ذلك مَظِنَّةٌ. قلْنا: إنَّما يُعْلَمُ جَعْلُها مَظِنَّةً بنَصٍّ أو إجماعٍ ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما، والقِياسُ الآخَرُ مُجَرَّدُ طَرْدٍ لا مَعْنَى تَحْتَه، ثم قد اخْتَلَفا في كَثِيرِ مِن الأحْكامِ، فليس تَشْبِيهُه في هذا الحُكْمِ أوْلَى مِن مُخالفَتِه في غيرِه. وهذا الوَجْهُ أوْلَى.

стр. 513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كان على الحائِضِ جَنابَةٌ، فليس عليها أن تَغْتَسِلَ حتى يَنْقَطِعَ حَيضُها في المَنْصُوصِ. وهو قَوْلُ إسحاقَ؛ لأنَّ الغُسْلَ لا يفيدُ شيئًا مِن الأحْكامِ. وعنه، أن عليها الغُسْلَ قبلَ الطُّهْرِ. ذَكَرَها ابنُ أبي موسى، والصَّحِيحُ الأوَّلُ، لما ذَكَرْناه. فإنِ اغْتَسَلَتْ للجَنابَةِ في زَمَنِ حَيضِها،

стр. 514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَحَّ غُسْلُها، وزال حُكْمُ الجَنابَةِ، وبَقِي حُكْمُ الحَيضِ لا يزُولُ حتى يَنْقَطِعَ الدَّمُ. نَصَّ عليه أحمدُ، قال: ولا أعْلَمُ أحَدًا قال: لا تَغتَسِلُ. إلَّا عَطاءً، ثم رَجَع عنه. وهذا لأنَّ بَقاءَ أحَدِ الحَدَثَين لا يَمْنَعُ ارْتِفاعَ الآخر، كما لو اغْتَسَل المُحْدِثُ الحَدَثَ الأصْغَرَ.

стр. 515

ومَن لَزِمَه الغُسْلُ حَرُمَ عليه قِراءَةُ آيَةٍ فصاعِدًا. ــ ١٥٩ - مسألة؛ قال: (ومَن لَزِمَه الغُسْلُ حَرُم عليه قِراءَةُ آيَةٍ فصاعِدًا، وفي بَعْضِ آيةٍ رِوايَتانِ) رُويَتِ الكَراهَةُ لذلك عن عُمَرَ، وعليٍّ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرأي. وقال الأوْزاعِيُّ: لا يَقْرأ إلَّا آيَةَ الرُّكُوبِ والنزول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ (١). ﴿وَقُل ربِّ أنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (٢). وقال ابنُ عباسٍ:

стр. 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَقْرَأُ ورْدَه. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: يَقْرَأ القُرْآنَ، ألَيسَ هو في جَوْفِه! وحُكِي عن مالكٍ جَوازُ القِراءَةِ للحائِضِ دُونَ الجُنُبِ؛ لأنَّ إيامَها تَطُولُ، فلو مَنَعْناها مِن القُرْآنِ نَسِيَتْ. ولَنا، ما روَى عليٌّ، ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَكُنْ يَحْجُبُه، أو قال: يَحْجُزُه، عن قِراءَةِ القُرْآنِ شيءٌ، ليس الجَنابَةَ. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، وابنُ ماجه، والتِّرمِذِي (١) بمَعْناه، وقال: حسن صحيح. وعن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: «لَا يَقْرأ الْحَائِضُ ولا النُّفَسَاءُ شَيئًا مِنَ الْقُرْآنِ». رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٢).

стр. 517

وفي بعضِ آيةٍ روايتان. ــ فصل: ويَحْرُمُ عليه قِراءَةُ آية فصاعِدًا، لِما ذَكَرْنا، فأمّا بَعْضُ الآية؛ فإن كان مِمّا لا يَتَمَيَّز به القُرْآنُ عن غيرِه؛ كالتَّسْمِيَةِ، والحَمْدِ للهِ، وسائِرِ الذِّكْرِ، فإن لم يَقْصِدْ به القُرْآنَ، فهو جائِزٌ، فإنَّه لا خِلافَ في أنَّ لهم ذِكْرَ اللهِ تعالى، ولأنَّهم يَحْتاجُون إلى التَّسْمِيَةِ عندَ اغْتِسالِهم، وقد رَوَتْ عائِشَةُ، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يَذْكُرُ الله على كلِّ أحْيانِه. رَواه مسلم (١). وإن قَصَدُوا به القِراءَةَ، أو كان ما قَرَءُوه يتَمَيَّزُ به القرآنُ عن غيرِه، ففيه رِوايَتان؛ أظْهَرُهما أنه لا يَجُوزُ؛ لعُمومِ النَّهْي، ولِما رُوِيَ

стр. 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّ عليًّا، ﵁، سُئِل عن الجُنُبِ يَقْرأ القرآنَ؟ فقال: لا، ولا حَرْفًا (١). وهذا مذهبُ الشافعي. ولأنَّه قُرْآنٌ، فمُنِعَ منه كالآية. والثانيةُ، لا يُمْنَعُ. وهو قولُ أبي حَنِيفةَ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به الإِعْجازُ، ولا يُجْزِئ في الخُطْبَةِ، أشْبَهَ الذِّكْرَ، ولأنَّه يَجُوزُ إذا لم يَقْصِدْ به القُرْآنَ، فكذلك إذا قَصَد.

стр. 519

ويَجُوزُ له العُبُورُ في المسجدِ، ويَحْرُمُ عليه اللّبْثُ فيه، إلَّا أن يَتَوَضَّأ. ــ ١٦٠ - مسألة: (ويَجُوزُ له العُبُورُ في المسجدِ، ويَحْرُمُ عليه اللّبْثُ فيه، إلَّا أن يَتَوَضَّأ) يَحْرُمُ عليه اللّبْثُ في المسجدِ؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (١). ولقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «لَا أحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِض وَلَا جُنُبٍ». رَواه أبو داودَ (٢). فإن خاف على نَفْسِه أو مالِه، أو لم يُمْكِنْه الخُرُوجُ أو الغُسْلُ والوُضُوءُ، تَيَمَّمَ وأقامَ في المسجدِ؛ لأنَّه رُويَ عن عليٍّ وابنِ عباس، في قَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: يَعْنِي مُسافِرِين لا يَجِدُونْ ماءً، فيَتَيَمَّمُون. وقال بَعْضُ

стр. 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أصحابنا: يَلْبثُ بغَيرِ تَيَمُّمٍ؛ لأنَّه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ. وهو غيرُ صحيحٍ؛ لمُخالفَتِه قَوْلَ الصَّحابَةِ، ولأنَّه أمْرٌ تُشْتَرَطُ له الطهارةُ، فوَجَبَ له التَّيَمُّم عندَ العَجْزِ عنه، كسائِرِ ما تُشْتَرَطُ له الطهارةُ. ويُباحُ له العُبُورُ في المسجدِ، للآية، وإنَّما يُباحُ العُبُورُ للحاجَةِ؛ مِن أخْذِ شيءٍ أو تَرْكِه في المسجدِ، أو كوْنِ الطرَّيقِ فيه، فأمّا لغَيرِ ذلك فلا. ومِمَّن رُويَتْ عنه الرُّخْصَةُ في العُبُورِ ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسِ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ. وقال الثَّوْرِيُّ وإسحاقُ: لا يَمُرُّ في المسجدِ إلَّا أن لا يَجِدَ بُدًّا، فيَتَيَمَّمَ. وهو قوْلُ أصحابِ الرَّأي؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «لَا أحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ»، رَواه أبو داودَ. ولنا، قَوْلُ الله تِعالى: ﴿إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. والاسْتِثناءُ مِن النَّهْي إباحَةٌ،

стр. 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ورَوَتْ عائِشَةُ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «نَاولِيني الْخُمْرَةَ (١) مِنَ الْمَسْجدِ». قالت: إنِّي حائِضٌ. قال: «إنَّ حَيضَتَكِ لَيسَتْ فِي يَدِكِ». رَواه مسلمٌ (٢). وعن زَيدِ بنِ أسْلَمَ، قال: كانْ أصحابُ رسولِ الله ﷺ يَمْشُون في المسجدِ وهم جُنُبٌ. رَواه ابنُ المُنْذِرِ. وهذا إشارَةٌ إلى

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جَمِيعِهم، فيَكُونُ إجْماعًا. فإن تَوَضَّأ الجُنُبُ فله اللّبْثُ في المسجدِ عندَ أصحابِنا. وهو قوْلُ إسحاقَ. وقال الأكْثَرُون: لا يَجُوز؛ للآية والخَبَرِ. ووَجْهُ الأوَّلَ ما روَى زيدُ بنُ أسْلَمَ، قال: كان أصحابُ رسولَ الله ﷺ يَتَحَدَّثُون في المسجدِ على غيرِ وُضُوءٍ، وكان الرجلُ يَكُونُ جُنُبًا فيَتَوَضَّأ، ثم يَدْخُلُ فيَتَحَدَّثُ. وهذا إشارَة إلى جَمِيعِهم، فيَخُصُّ عُمُومَ الحَدِيثِ. وعن عَطاءِ بنِ يَسارٍ قال: رَأيتُ رِجالًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يَجْلِسُونَ في المسجدِ وهم مُجْنِبُون؛ إذا تَوضَّئُوا وُضُوءَ الصلاةِ. رَواه سعيدُ بنُ منصورٍ والأثْرَمُ. وحُكْمُ الحائِض إذا انْقَطَعَ حَيضُها حُكْمُ الجُنُبِ، فأمّا في حالِ حَيضِها فلا يُباحُ لها اللّبْثُ؛ لأنَّ وُضُوءَها لا يَصِحُّ.

стр. 523

فصل: والأغْسالُ المُسْتَحَبَّةُ ثلاثةَ عَشَرَ غُسْلًا؛ لِلجُمُعَةِ، ــ فصل: فأمّا المُستَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، فلهم العُبُورُ في المسجدِ واللُّبْثُ فيه، إذا أمِنُوا تَلْويثَه؛ لما رَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ امرأةً مِن أزْواج النبيِّ ﷺ اعْتَكَفَتْ معه وهي مُسْتَحاضَةٌ، فكانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ والصُّفْرَةَ، ورُبَّما وَضَعْنا الطَّسْتَ تَحْتَها وهي تُصَلِّي. رَواه البُخارِي (١). فأمّا إن خاف تَلْويثَ المسجدِ، أو خَشِيَتِ الحائِضُ ذلك بالعُبُورِ فيه، حَرُم عليهما؛ لأنَّ المسجدَ يُصانُ عن هذا، كما يصانُ عن البَوْلِ فيه. فصل: (والأغْسالُ المسْتَحَبَّةُ ثَلاثَةَ عَشَرَ غُسْلًا) أحَدها، غُسْلُ

стр. 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجُمُعَةِ، وهو مُسْتَحَب بغير خِلافٍ، و «فيه آثارٌ كَثِيرة صحيحةٌ؛ منها ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أتى مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وروَى سَلْمانُ الفارِسِيُّ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أوْ يَمسُّ مِنْ طِيبِ بَيتهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفرِّق بَينَ اثْنَينِ، وَيُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ

стр. 525

والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، ومِنْ غُسْلِ الميت، ــ مَا بَينَهُ وَبَينَ الْجُمُعَةِ الأخْرَى». رَواه البُخارِي (١). وليس ذلك بواجِبٍ في قَوْلِ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وقد قِيل: إنَّه إجْماعٌ. حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ، وسيُذْكَرُ ذلك في مَوْضِعِه بأبسَطَ مِن هذا، إن شاء الله تعالى. الثاني، غُسْلُ العِيدَين، مُسْتَحَب؛ لما روَى ابنُ عباس والفاكِهُ بنُ سعدٍ (٢)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَغْتَسِلُ يومَ الفِطر والأضْحَى. رَواه ابنُ ماجَه (٣). الثالثُ، الاسْتِسْقاء؛ لأنَّها عِبادَةٌ يَجْتَمِعُ لها النّاس، فاسْتُحِبَّ لها الغُسْلُ، كالجُمُعَةِ. الرابعُ، الكُسُوف؛ لأنَّه كالاسْتِسْقاءِ. الخامسُ، الغُسْلُ مِن غُسْلِ المَيِّتِ، وهو مُسْتَحَبٌّ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسول الله ﷺ

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: «مَنْ غَسَّل مَيَّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأ» (١). قال الترمِذِيُّ: هذا حديث حسنٌ. وليس بواجِبٍ، يروَى ذلك عن ابنِ

стр. 527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عباس، وابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، والحسنِ، والنَّخَعِي، والشافعي، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي. ورُوي عن عليٍّ، وأبي هُرَيرَةَ، أنَّهما قالا: مَن غَسَّلَ مَيِّتًا فليَغْتَسِلْ. وبه قال سعيدُ بن المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. وذَكر أصحابُنا في وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ المَيِّتِ الكافِرِ رِوايَتَين؛ إحداهما، لا يَجِبُ، كالمُسْلِمِ. والثانيةُ، يَجِبُ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَر عليًّا أن يَغْتَسِلَ حينَ غَسَّلَ أباه (١). ولَنا، قَوْلُ صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ ، إذا كُنَّا مُسافِرِين، أن لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيام ولَيالِيَهُنَّ، إلَّا مِن جَنابَةٍ (٢). حديث حسنٌ. ولأنَّه غسْلُ آدَمِي، فلم يُوجِبِ الغُسْلَ، كغُسْلِ الحَيِّ. وحَدِيثُهم مَوْقُوفٌ على أبي هُرَيرَةَ، قاله أحمدُ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في هذا حديث يَثْبُتُ، ولذلك لم يُعْمَلْ به في وُجُوبِ الوُضُوءِ على حامِلِه، لا نَعْلَمُ به قائِلًا. وأمّا حديثُ عليٍّ، فقال أبو إسحاقَ الجُوزجانِيّ: ليس فيه أنَّه غَسَّل أبا طالِبٍ، إنَّما قال له النبيّ ﷺ :

стр. 528

والمَجْنُونُ، والمُغْمَى عليه، إذا أفاقا مِن غَيرِ احْتِلامِ، ــ «اذْهَبْ فَوَارِه، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيئًا حَتَّى تَأْتِيَني». قال: فأتَيتُه فأخْبَرْتُه، فأمَرَنِي فاغْتَسَلْتُ. وذَكَر بَعْضُ أصحابِنا رِوايَةً في وُجُوبِ الغُسْلِ مِن غُسْلِ الحَيِّ الكافِرِ، قِياسًا على المَيِّتِ، والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجِبُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشمرعِ، ولم يَرِدْ به، وقِياسُه على المَيِّتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُسْلِمَ المَيِّتَ يَجبُ مِن غُسْلِه الوُضُوءُ، بخِلافِ الحَيِّ، وهذا يَدُلُّ على افْتِراقِ حالِ المَيِّتِ والحَيِّ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قال به مِن العُلَماءِ. السادسُ، الغُسْلُ مِن الإِغْماءِ والجُنُونِ، إذا أفاقا مِن غيرِ احْتِلامٍ،

стр. 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنه اغْتَسَل للإِغْماءِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّه لا يُؤمَنُ أن يَكُونَ قد احْتَلَمَ ولم يَشْعُرْ، والجُنُونُ في مَعْناه، بل أوْلَى؛ لأنَّ مُدَّتَه تَطُولُ، فيَكُونُ وُجودُ الاحْتِلامِ فيه أكْثَرَ، ولا يجِبُ الغُسْلُ لذلك. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا. وذَكَر أبو الخَطّابِ فيه رِوايَتَين؛ إحْداهما، يجِب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فَعَلَه. والثانيةُ، لا يجبُ، وهي أصَحُّ؛ لأنَّ زَوال العَقْلِ بنَفْسِه ليس مُوجبًا للغُسْلِ، والإِنْزالُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليقِينِ بالشَّكِّ، فإن تُيُقِّنَ منهما الإِنْزالُ، فعَلَيهِما الغُسْلُ؛ لأنَّه

стр. 530

وغُسْلُ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، ــ مِن جُمْلَةِ المُوجِباتِ (١). السابعُ، غُسْلُ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، مُستحَبٌّ؛ لما روَى أبو داودَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدَّمَ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فأمَرَها أن تَغْتَسلَ عندَ كلِّ صلاةٍ (٢). وقد ذَهَب بعضُ أهلِ العلمِ إلى وُجُوبِه؛ لما ذَكَرْنا مِن ألحدِيثِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله. وذَكَر ابنُ أبي موسى أنَّ انْقِطاعَ دَمِ الاسْتِحاضَةِ يُوجِبُ الغُسْلَ.
следующие страницы →