. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَخِطْتَ فارْدُدْها على صَاحِبِهَا» (١). وما ثَبَتَ في حَقِّ واحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ، ثَبَتَ في حَقِّ غَيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه دَلِيلٌ. ولَنا، أنَّ هذا اللَّفْظَ لا يَقْتَضِي الْخِيَارَ مُطْلَقًا، ولا يَقْتَضِي تَقْيِيدَه بثَلَاثٍ، والأصْلُ اعْتِبارُ اللَّفْظِ فيما يَقْتَضِيهِ. والخَبَرُ الذي احْتَجُّوا به إنَّما رَوَاهُ ابنُ ماجَه مُرْسَلًا، وهم لا يَرَوْنَ المُرْسَلَ حُجَّةً، ثم لم يَقُولُوا بالحَدِيثِ على وَجْهِه، إنَّما قالُوا: إنَّه في حَقِّ مَنْ يَعْلَمُ أنَّ مُقْتَضَاهُ ثُبوتُ الخِيارِ ثَلَاثًا. ولا يَعْلَمُ ذلك أحَدٌ؛ لأنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِيه، فكَيفَ يَعْلَمُ أنَّ مُقْتَضَاهُ ما لا يَقْتَضِيه، ولا يَدُلُّ عليه، وعلى أنَّه إنَّما كان خاصًّا لحَبَّانَ، بدَلِيل ما رَوَينَاهُ، ولأَنَّه كان يُثْبِت له الرَّدَّ على مَن لم يَعْلمْ مُقتَضَاهُ.
فصلِ: إذا شَرَطَ الخِيَارَ حِيلَةً على الانْتِفَاعِ بالقَرْضِ، لِيَأْخُذَ غَلَّةَ المَبِيعِ ونفْعَه في مُدَّةِ انْتِفاعِ المُقْتَرِضِ بالثَّمَنِ، ثم يَرُدَّ المَبِيعَ بالخِيَارِ عندَ رَدِّ الثَّمَنِ، فلا خَيرَ (٢) فيه؛ لأنَّه مِن الحِيَلِ. ولا يَحِلُّ لآخِذِ الثَّمَنِ الانْتِفَاع به في مُدَّةِ الخِيارِ، ولا التَّصَرُّفُ فيه. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ يُسْأَلُ عن الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِن الرَّجُلِ الشَّيءَ، ويقولُ: لَكَ الخِيَارُ إلى كذا وكذا. مِثلَ العَقَارِ؟ قال: هو جائِزٌ إذا لم يَكُنْ حِيلَةً؛ أرادَ أنْ يُقْرِضَهُ، فيَأْخُدُ منه العَقَارَ، فَيَسْتَغِلُّهُ، ويَجْعَلُ له فيه الخِيَارَ،
стр. 5322
وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ.
ــ
ليَرْبَحَ فيما أَقْرَضَه بهذه الحِيلَةِ. فإنْ لم يَكُنْ أرادَ هذا، فلا بَأْسَ. قيلَ لأبِي عبدِ اللهِ: فإنْ أرادَ إرْفاقَه؛ أرادَ أنْ يُقْرِضَه مالًا يَخافُ أنْ يَذهَبَ، فاشْتَرَى منه شَيئًا، وجَعَلَ له الخِيَارَ، لم يُرِدِ الحِيلَةَ؟ فقال أبو عبدِ اللهِ: هذا جائِزٌ، إلَّا أنَّه إذا ماتَ انْقَطَعَ الخِيارُ، لم يَكُنْ لوَرَثَتِه. وقولُ أحمدَ بالجَوازِ في هذه المَسْأَلةِ مَحْمُولٌ على المَبِيعِ الذي لا يُنْتَفَعُ به (١) إلَّا بِإِتْلَافِه، أو على أنَّ المُشْتَرِيَ لا يَنْتَفِعُ بالمَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ، لئَلَّا يُفْضِيَ إلى أنَّ القَرْضَ جَرَّ مَنْفَعَةً.
١٦١١ - مسألة: (ويَنْتَقِلُ المِلْكُ إلى المُشْتَرِى بنَفْسِ العَقْدِ، في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ) يَنْتَقِلُ المِلْكُ في بَيعِ الخِيَارِ بِنَفْسِ العَقْدِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ولا فرْقَ بينَ كَوْنِ الخِيَارِ لهما أو لأحَدِهما، أيِّهما كان. وهو أحَدُ أقْوَالِ الشَّافِعِيِّ. وعن أحمدَ، أنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ حتى يَنْقَضِيَ الخِيارُ.
стр. 5323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهو قَوْلُ مالِكٍ، والقَوْلُ الثانِي للشَّافِعِيِّ. وبه قال أبو حَنِيفَةَ، إذا كان الخِيَارُ لهما أو للبَائِعِ، وإنْ كان للمُشْتَرِي، خرَجَ عن مِلْكِ البائِعِ، ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ المُشْتَرِى؛ لأنَّ البَيعَ الذي فيه الخِيَارُ عَقْدٌ قاصِرٌ، فلم يَنْقُل المِلْكَ، كالهِبَةِ قبلَ القَبْضِ. وللشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثالِثٌ، أنَّ المِلْكَ مَوْقُوفٌ، فإنْ أَمْضَيَا البَيعَ تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ للمُشْتَرِى، وإلَّا تَبَيَّنَّا أنَّه لم يَنْتَقِلْ عن البائِعِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وله مَالٌ، فَمَالُه للبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ» (١). وقَوْلُه: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أنْ يُؤَبَّرَ، فَثَمَرُه
стр. 5324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ». مُتَّفَقٌ عليه (١). فجَعَلَهَ للمُبْتَاعِ بمُجَرَّدِ اشْتِرَاطِه، وهو عامٌّ في كُلِّ بَيعٍ. ولأنَّه بَيعٌ صَحِيحٌ، فَنَقَلَ المِلْكَ عَقِيبَه، كالذي لا خِيارَ فيه. ولأنَّ البَيعَ تَمْلِيكٌ، بدَلِيلِ أنَّه يَصِحُّ بقَوْلِه: مَلَّكْتُكَ. فيَثْبُتُ به المِلْكُ، كسائِرِ البَيعِ؛ لأنَّ التَّمْلِيكَ يَدُلُّ على نَقْل المِلْكِ إلى المُشْتَرِي، ويَقْتَضِيه لَفْظُه، وقد اعْتَبَرَه الشَّرْعُ، وقَضَى بصِحَّتِه، فوَجَبَ اعْتِبارُه فيما يَقْتَضِيه ويَدُلُّ عليه لَفْظُه،
стр. 5325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وثُبُوتُ الخِيارِ فيه لا يُنَافِيهِ، كما لو باعَ عَرْضًا بعَرْضٍ (١)، فَوَجَدَ كُلُّ واحِدٍ منهما بما اشْتَرَاهُ عَيبًا. وقَوْلُهم: إنَّه قاصِرٌ. غيرُ صَحِيحٍ، وجَوازُ فَسْخِه لا يُوجِبُ قُصورَهُ، ولا يَمْنَعُ نَقْلَ المِلْكِ فيه، كبَيعِ المَعِيبِ، وامْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ إنَّما كان لأَجْلِ حَقِّ الغَيرِ، فلا يَمْنَعُ ثُبُوتَ المِلْكِ، كالمَرْهُونِ. وقَوْلُهم: إِنَّه يَخْرُجُ عن مِلْكِ البائِعِ، ولا يَدْخُلُ في مِلْكِ المُشْتَرِي. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى وُجُودِ مِلْكٍ بغيرِ مالِكٍ، وهو مُحَالٌ، ويُفْضِي أيضًا إلى ثُبُوتِ المِلْكِ للبائِعِ في الثَّمَنِ، مِن غيرِ حُصُولِ
стр. 5326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِوَضِه للمُشْتَرِي، أو إلى نَقْلِ مِلْكِه عن المَبِيعِ، مِن غيرِ ثُبُوتِه في عِوَضِه. وكونُ العَقْدِ مُعاوَضَةً يأْبَى ذلك. وقولُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ: إنَّ المِلْكَ مَوْقُوفٌ، إنْ أمْضَيَا البَيعَ تَبَيَّنَّا أنَّه انْتَقَلَ، وإلَّا فلا. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ انْتِقَال المِلْكِ إنَّما يَنْبَنِي على سَبَبِه النَّاقِلِ، وهو البَيعُ، وذلك لا يَخْتَلِفُ
стр. 5327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بإمْضَائِه وفَسْخِه، فإنَّ إمْضاءَه ليس مِن المُقْتَضِي، ولا شَرْطًا فيه، إذْ لو كان كذلك لَما ثَبَتَ المِلْكُ قَبْلَه، والفَسْخُ ليس بمَانِعٍ، فإنَّ المَنْعَ لا يَتَقَدَّمُ المانِعَ، كما أنَّ الحُكْمَ لا يَسْبِقُ سَبَبَهُ ولا شَرْطَهُ. ولأنَّ البَيعَ مع الخِيَارِ سَبَبٌ يَثْبُتُ المِلْكُ عَقِيبَه فيما إذا لم يُفْسَخْ، فوَجَبَ أن يُثْبِتَه وإنْ فُسِخَ، كبَيعِ المَعِيبِ، وهو ظاهِرٌ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
стр. 5328
فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ، أوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ، فَهُوَ لَهُ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ، أوْ فَسَخَاهُ.
ــ
١٦١٢ - مسألة: (فما حَصَلَ مِن كَسْبٍ، أو نَماءٍ مُنْفَصِلٍ، فهو له، أمْضَيَا العَقْدَ، أو فَسَخَاه) ما يَحْصُلُ مِن غَلَّاتِ المَبِيعِ ونَمائِه في مُدَّةِ الخِيارِ، فهو للمُشْتَرِي، أمْضَيَا العَقْدَ، أو فَسَخَاه. قال أحمدُ، في مَن اشْتَرَى عَبْدًا، وَوُهِبَ له مالٌ قبلَ التَّفَرُّقِ ثم اخْتَارَ البائِعُ العَبْدَ: فالمالُ للمُشْتَرِي. وقال الشّافِعِيُّ: إنْ أَمْضَيَا العَقْدَ، وقلنا: المِلْكُ للمُشْتَرِي. أو: مَوْقُوفٌ. فالنَّمَاءُ المُنْفَصِلُ له، وإنْ قُلْنَا: المِلْكُ للبَائِعِ. فالنَّماءُ له. وإنْ فَسَخَا العَقْدَ، وقُلْنَا: المِلْكُ للبائِعِ. أو: مَوْقُوفٌ. فالنَّماءُ له، وإلَّا فهو للمُشْتَرِي. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «الخَرَاجُ بالضَّمَانِ».
стр. 5329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال التِّرْمِذِيُّ (١): هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وهذا مِن ضَمَانِ المُشْتَرِي، فيَجِبُ أنْ يكونَ خَراجُه له. ولأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ بالبَيعِ، على ما بَيَّنَّا، فيَجِبُ أنْ يكونَ نَماؤُه للمُشْتَرِي، كما بعدَ انْقضاءِ الخِيَارِ. ويَتَخَرَّجُ أنْ يكونَ النَّماءُ المُنْفصِلُ للبائِعِ، إذا فَسَخَا العَقْدَ، بناءً على قَوْلِنا: إنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ. فأمّا النّماءُ المُتَّصِلُ، فهو تابعٌ للمَبِيع بكُلِّ حالٍ، كما يَتْبَعُه في الرَّدِّ بالعَيبِ والمُقَايَلَةِ.
فصل: وضَمانُ المَبِيعِ على المُشْتَرِي إذا قَبَضَه، أو لم (٢) يَكُنْ مَكِيلًا، ولا مَوْزُونًا. فإن تَلِفَ، أو نَقَصَ، أو حَدَثَ به عَيبٌ في مُدَّةِ الخِيارِ، فهو مِن ضَمانِه؛ لأنَّه مِلْكُه، وغَلَّتَه له، فكان مِن ضَمَانِه، كما بعدَ انْقِضَاءِ الخِيَارِ، ومُؤْنَتُه عليه. وإنْ كان عَبْدًا، فهَلَّ هِلالُ شَوَّالٍ، فَفِطْرَتُه عليه؛ لذلك. وإنِ اشْتَرَى حامِلًا، فَوَلَدَتْ عندَه في مُدَّةِ الخِيَارِ، ثم رَدَّها على البائِعِ، لَزِمَهُ رَدُّ وَلدِها؛ لأنَّه مَبِيعٌ حَدَثتْ فيه زِيادَةٌ مُتَّصِلَةٌ (٣)، فلَزِمَ رَدُّه بزِيادَتِه، كما لو اشْتَرَى عَبْدَينِ، فَسَمِنَ أحَدُهما عِنْدَه. وقال الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَرُدُّ الوَلَدَ؛ لأنَّ الحَمْلَ
стр. 5330
وَلَيسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ في الْمَبِيعِ في مُدَّةِ الْخِيَارِ، إلا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ. وَإنْ تَصَرَّفَا بِبَيعٍ، أَوْ هِبَةٍ، وَنحْوهِمَا،
ــ
لا حُكْمَ له؛ لأنَّه جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بالأُمِّ، فلم يأخُذْ قِسْطًا مِن الثَّمَنِ، كأطْرَافِها. ولَنا، أنَّ كُلَّ ما يُقَسَّطُ عليه الثَّمَنُ إذا كان مُنْفَصِلًا، يُقَسَّطُ عليه إذا كان مُتَّصِلًا، كاللَّبَنِ. وما قَالُوه يَبْطُلُ بالجُزْءِ المُشاعِ، كالثُّلُثِ، والرُّبْعِ، والحُكْمُ في الأصْلٍ مَمْنُوعٌ، ثم يُفارِقُ الحَمْلُ الأطْرَافَ؛ لأنَّهُ يَئُولُ إلى الانْفِصالِ، ويُنْتَفعُ به مُنْفَصِلًا، ويَصِحُّ إفْرَادُه مُنْفَصِلًا، والوَصِيَّةُ به، وله، ويَرِثُ إنْ كان مِن أهْلِ المِيرَاثِ، ويُفْرَدُ بالدِّيَةِ، ويَرِثُها وَرَثَتُه. وقَوْلُهم: لا حُكْمَ للحَمْلِ. لا يَصِحُّ لهذه الأحْكَام وغيرِها مِمّا قد ذَكَرْنَاهُ.
١٦١٣ - مسألة: (وليس لواحِدٍ منهما التَّصَرُّفُ في المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ، إلَّا بما يَحْصُلُ به تَجْرِبَةُ المَبِيعِ) إنَّما لم يَجُزْ لواحِدٍ منهما التَّصَرُّف في المَبِيعِ في مُدّةِ الخِيارِ؛ لأنَّه ليس بِملكٍ للبائِعِ، فيَتَصَرَّف فيه، ولا انْقَطَعَتْ عنه غَلَّتُه، فَيَتَصَرَّفَ فيه المُشْتَرِي. فأمّا تَصَرُّفُه بما يَحْصُلُ به تَجْرِبَةُ المَبِيعِ، كرُكُوبِ الدَّابَّةِ؛ ليَنْظُرَ سَيرَها، والطَّحْنِ على الرَّحَى؛ ليَعْلَمَ قَدْرَ طَحْنِها، وحَلْبِ الشّاةِ؛ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِها، ونحو ذلك، فَيَجوزُ؛ لأنَّ ذلك هو المَقْصُودُ بالخِيَارِ، وهو اخْتِبارُ المَبِيعِ.
١٦١٤ - مسألة: (فإنْ تَصَرَّفَا فيه بِبَيعٍ، أو هِبَةٍ، أو نَحْوهما ،
стр. 5331
لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا.
ــ
لم يَنْفُذْ تَصَرُّفُهما) إذا تَصَرَّفَ أحَدُ المُتَبَايِعَينِ في مُدَّةِ الخِيَارِ في المَبِيعِ تَصَرُّفًا يَنْقُلُ المِلْكَ؛ كالبَيعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، أو يَشْغَلُهُ (١)؛ كالإِجَارَةِ، والتَّزْويجِ، والرَّهْنِ، والكِتابَةِ، ونحوها، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه، إلا العِتْقَ، على ما نَذكُرُه، سَواءٌ وُجِدَ تَصَرُّفٌ مِن البائِعِ أو المُشْتَرِي؛ لأنَّ البائِعَ تَصَرَّفَ في غيرِ مِلْكِه، والمُشتَرِي يُسْقِطُ حَقَّ البائِع مِن الخِيَارِ واسْتِرْجَاعِ المَبِيعِ، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيه، كالتَّصَرُّفِ في الرَّهْنِ، إلَّا أن يكونَ الخِيَارُ للمُشْتَرِي وَحْدَه، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُه، ويَبْطُلُ خِيَارُه؛ لأنَّه لا حَقَّ لغَيرِه فيه، وثُبُوتُ الخِيَارِ له لا يَمْنَعُ تَصَرُّفَه فيه، كالمَعِيبِ. قال أحمدُ: إذا اشْتَرَطَ الخِيارَ، فباعَهُ قبلَ ذلك بِرِبْحٍ، فالرِّبْحُ للمُبْتَاعِ؛ لأنَّه قد وَجَبَ عليه حينَ عَرَضَه. يعني بَطَلَ خِيارُه، ولَزِمَه. وهذا فيما إذا اشْتَرَطَ الخِيَارَ له وَحْدَه، وكذلك إذا قُلنا: إنَّ البَيعَ لا يَنْقُلُ المِلْكَ. وكان الخِيَارُ لهما، أو للبائِعِ وحْدَه، فتَصَرَّفَ فيه البائِعُ، نَفَذَ تَصَرُّفُه، وصَحَّ؛ لأنَّه مِلْكُه، وله إبْطَالُ خِيارِ غَيرِه. وقال ابنُ أبِي
стр. 5332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُوسَى: في تَصَرُّفِ المُشْتَرِي في المَبِيعِ قبلَ التَّفَرُّقِ بِبَيعٍ أو هِبَةٍ روايتان؛ إحْدَاهُما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ في صِحَّتِه إسْقاطَ حَقِّ البائِعِ مِن الخِيَارِ. والثانيةُ، هو مَوْقُوفٌ؛ فإنْ تَفَرَّقَا قبلَ الفَسْخِ، صَحَّ، وإنِ اخْتَارَ البائِعُ الفَسْخَ، بَطَلَ بَيعُ المُشْتَرِي. قال أحمدُ في رِوَايَةِ أبِي طالِبٍ: إذا اشْتَرَى ثَوْبًا بِشرْطٍ، فَبَاعَه بِرِبْحٍ قبلَ انْقِضَاءِ الشَّرْطِ، يَرُدُّه إلى صاحِبِه إنْ طَلَبَه،
стр. 5333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن لم يَقْدِرْ على رَدِّه، فللبَائِعِ قِيمَةُ الثَّوْبِ؛ لأنَّه اسْتَهْلَكَ ثَوْبَه، أو يُصَالِحُه. فقَوْلُه: يَرُدُّه إنْ طَلَبَه. يَدُلُّ على أنَّ وجُوبَ رَدِّهِ مَشْرُوطٌ بطَلَبه. وقد رَوَى البُخَارِيُّ (١)، عن ابنِ عمرَ، أنّه كان مع رسُولِ اللهِ ﷺ في سَفَرٍ، فكان على بَكْرٍ (٢) صَعْبٍ لعمرَ، فكان يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فيقولُ له أبوه: لا يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ﷺ أحَدٌ. فقال له النَّبِيُّ ﷺ : «بِعْنِيهِ». فقال عمرُ: هو لَكَ. فقال النَّبِيُّ ﷺ : «هُوَ لَكَ يا عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ به مَا شِئْتَ». وهذا يَدُلُّ على التَّصَرُّفِ قبلَ التَّفَرُّقِ. والأوَّلُ أصَحُّ، وحَدِيثُ ابنِ عمرَ ليس فيه تَصْرِيحٌ بالبَيعِ، فإنَّ قولَ عمرَ: هو لَكَ. يَحْتَمِلُ (٣) أنَّه أرادَ هِبَتَه، وهو الظاهِرُ، فإنَّه لم يَذْكُرْ ثَمَنًا، والهِبَةُ لا يَثْبُتُ فيها الخِيَارُ. وقال الشّافِعِيُّ: تَصَرُّفُ البائِعِ في المَبِيعِ بالبَيعِ والهِبَةِ ونحوهما صَحِيحٌ؛ لأنَّه إمّا أنْ يكونَ على مِلْكِه،
стр. 5334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيَمْلِكُ العَقْدَ عليه، وإمّا أنْ يكونَ للمُشْتَرِي، والبائِعُ يَمْلِكُ فَسْخَه. فجَعَلَ البَيعَ والهِبَةَ فَسْخًا. وأمّا تَصَرُّفُ المُشْتَرِي، فلا يَصِحُّ إذا قُلْنا: المِلْكُ لغَيرِه. وإن قُلْنا: المِلْكُ له. ففي صِحَّةِ تَصَرُّفِه وَجْهانِ. ولَنا، على إبْطَالِ تَصَرُّفِ البائِعِ، أنَّه تَصَرُّفٌ في مِلْكِ غَيرِه بغَيرِ ولايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، ولا نِيابَةٍ عُرْفِيَّةٍ، فلم يَصِحَّ، كما بعدَ الخِيَارِ، وقَوْلُهم: يَمْلِكُ الفَسْخَ. قُلْنا: إلَّا أنَّ ابْتِداءَ التَّصَرُّفِ لم يُصَادِفْ مِلْكَه، فلم يَصِحَّ، كتَصَرُّفِ الأَبِ فيما وَهَبَه لوَلَدِه قبلَ اسْتِرْجاعِه، وتَصَرُّفِ الشَّفِيعِ في الشِّقْصِ المَشْفُوعِ قبلَ أخْذِه.
стр. 5335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإنْ تَصَرَّفَ المُشْتَرِي بإذْنِ البائِعٍ، أو البائِعُ بوَكالةِ المُشْتَرِي، صَحَّ التَّصَرُّفُ، وانْقَطَعَ خِيَارُهما؛ لأنَّه يَدُلُّ على تَرَاضِيهِما بإمْضَاءِ البَيعِ، فَيَنْقَطِعُ به خِيَارُهما، كما لو تَخَايَرَا. وإنَّما صَحَّ تَصَرُّفُهما؛ لأنَّ قَطْعَ الخِيارِ حَصَل بالإِذْنِ في البَيعِ، فَيَقَعُ البَيعُ بعْدَ انْقِطاعِ الخِيارِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَصِحَّ تَصَرُّفُ البائِعِ بإذْنِ المُشْتَرِي؛ لأنَّ البائِعَ لا يَحْتَاجُ إلى إذْنِ المُشْتَرِي في اسْتِرْجاعِ المَبِيعِ، فَيَصِيرُ كتَصَرُّفِه بغيرِ إذْنِ المُشْتَرِي. وقد ذَكَرْنا أنَّه لا يَصِحُّ، كذا ها هنا. وكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: إنَّ تَصَرُّفَ البائِعِ لا يَنْفُذُ، ولكنْ يَنْفَسِخُ به البَيعُ. فإنَّه مَتَى أعادَ ذلك التَّصَرُّفَ، أو تصَرَّفَ تَصَرُّفًا سِواهُ، صَحَّ؛ لأنَّ المِلْكَ عادَ إليه بفَسْخِ البَيعِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُه فيه، كما لو فَسَخَ البَيعَ بصَرِيحِ قَوْلِه، ثم تَصَرَّفَ فيه، إلَّا إذا قُلْنَا: إنَّ تَصَرُّفَهُ لا يَنْفسِخُ به البَيعُ. وكذَلك إنْ تَقَدَّمَ تَصَرُّفُه
стр. 5336
وَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيع، وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِى إِسْقَاطًا لِخِيَارِهِ، في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
بما يَنْفَسِخُ به البَيعُ، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لِما ذَكَرْنا.
١٦١٥ - مسألة: (ويَكُونُ تَصَرُّفُ البائِع فَسْخًا للبَيعِ، وتَصَرُّفُ المُشْتَرِي إسْقَاطًا لخِيَارِه، في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخرِ ،
стр. 5337
وَفِي الْآخَرِ، الْبَيعُ وَالْخِيَارُ بِحَالِهِمَا. وَإنِ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَينِ. وَكَذَلِكَ إِنْ قَبَّلَتْهُ الْجَارِيَة. وَيَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا.
ــ
البَيعُ والخِيَارُ بحالِهما. وإنِ اسْتَخْدَمَ المَبِيعَ، لم يَبْطُلْ خِيَارُه، في أصَحِّ الوَجْهَين. وكذلك إنْ قَبَّلَتْه الجَارِيَةُ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ إذا لم يَمْنَعْها) إذا تَصَرَّفَ البائِعُ في المَبِيعِ بما يَفْتَقِرُ إلى المِلْكِ، كان فَسْخًا للبَيعِ. وهذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه يَدُلُّ على رَغْبَتِه في المَبِيعِ، فكان فَسْخًا للبَيعِ، كصَرِيحِ القَوْلِ، لأنَّ الصَّرِيحَ إنَّما كانَ فَسْخًا للبَيعِ، لدَلَالتِه على الرِّضَا به، فما دَلَّ على الرِّضَا به يقومُ مَقامَه، ككِنَايَاتِ الطَّلَاقِ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لا يَنْفَسِخُ البَيعُ بذلك، لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ عنه، فلم يَكُنْ تَصَرُّفُه فيه اسْتِرْجَاعًا له، كَمَن وَجَدَ مَتَاعَه
стр. 5338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عندَ مُفْلِسٍ فتَصَرَّفَ فيه. وإنْ تَصَرَّفَ المُشْتَرِي في المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ بما ذَكَرْنا ونحوه، ممّا يَخْتَصُّ المِلْكَ؛ كإعْتَاقِ العَبْدِ، وكِتَابَتِه، ووَطْءِ الجَارِيَةِ، ومُباشَرَتِها، ولَمْسِها بشَهْوَةٍ، ووَقْفِ المَبِيعِ، ورُكُوبِ الدّابَّةِ لحاجَتِه، أو سُكْنَى الدّارِ، ورَمِّهَا، وحَصَادِ الزَّرْعِ، فما وُجِدَ مِن هذا فهو رِضًا بالمَبِيعِ، ويَبْطُلُ به خِيَارُه؛ لأنَّ الخِيَارَ يَبْطُلُ بالتَّصْرِيح بالرِّضَا، وبِدَلَالتِه، ولذلك يَبْطُلُ خِيارُ المُعْتَقَةِ بتَمْكِينِها مِن نَفْسِها، وقال لها رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنْ وَطِئَكِ فَلَا خِيارَ لَكِ» (١). وهذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ. فأمّا ما يَسْتَعلِمُ به المَبِيعَ، كرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَخْتَبِرَ فَراهَتَها (٢)، والطَّحْنِ على الرَّحَى لِيَعْلَمَ قَدْرَه، ونحو ذلك، فلا يَدُلُّ على الرِّضَا، ولا يَبْطُلُ به الخِيارُ؛ لأنَّه المَقْصُودُ بالخِيارِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ تَصَرُّفَ المُشْتَرِي لا يُبْطِلُ خِيارَه، ولا يَبْطُلُ إلَّا بالتَّصْرِيحِ، كما لو رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَخْتَبِرَها. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ هذا يَتَضَمَّنُ إجَازَةَ البَيعِ،
стр. 5339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَدُلُّ على الرِّضَا به، فَيَبْطُلُ به الخِيَارُ، كصَرِيحِ القَوْلِ. ولأنَّ صَرِيحَ القَوْلِ إنَّما يَبْطُلُ به الخِيَارُ؛ لدَلَالتِه على الرِّضَا، فما دَلَّ على الرِّضَا بالمَبِيعِ يَقُومُ مَقامَ القَوْلِ، ككِنَاياتِ الطَّلاقِ. وإنْ عَرَضَه على البَيعِ، أو باعَهُ بَيعًا قاسِدًا، أو عَرَضَه على الرَّهْن، أو وَهَبَه فلم يَقْبَلِ المَوْهُوبُ له، بَطَلَ خِيَارُه، على الوَجْهِ الأَوَّلِ؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على الرِّضَا به. قال أحمدُ: إذا اشْتَرَطَ الخِيارَ، فباعَهُ قبلَ ذلك برِبْحٍ، فالرِّبْحُ المُبْتَاعِ؛ لأَنَّه وَجَبَ عليه حينَ عَرَضَه.
فصل: وإنِ اسْتَخْدَمَ المُشْتَرِي المَبِيعَ، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحداهُما، لا يَبْطُلُ خِيَارُه. قال أبو الصَّقْرِ (١): قلتُ لأحمدَ: رَجُل اشْتَرَى جارِيَةً،
стр. 5340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وله الخِيارُ فيها يَوْمَين، فانْطَلَقَ بها، فَغَسَلَتْ رَأْسَه، أو غَمَزَتْ رِجْلَه، أو طَبَخَتْ له أو خَبَزَتْ، هل يَسْتَوْجِبُها بذلك؟ قال: لا، حتى يَبْلُغَ منها ما لَا يَحِلُّ لغَيرِه. قلتُ: فإن مَشَطَها، أو خَضَبَها، أو حَفَّها، هل اسْتَوْجَبَها بذلك؟ قال: قد بَطَلَ خِيَارُه؛ لأَنَّه وَضَعَ يَدَه عليها. وذلك لأنَّ الاسْتِخْدامَ لا يَخْتَصُّ المِلْكَ، ويُرَادُ لتَجْرِبَةِ المَبِيعِ، فأَشْبَه رُكُوبَ الدَّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيرَها. ونَقَلَ حَرْبٌ، عن أحمدَ، أنَّه يَبْطُلُ خِيارُه؛ لأنَّه انْتِفَاعٌ بالمَبِيعِ، أشْبَهَ لَمْسَها لشَهْوَةٍ. ويمكِنُ أنْ يقال: ما قُصِدَ به مِن الاسْتِخْدَامِ تَجْرِبَةُ المَبِيعِ، لا يُبْطِلُ الخِيَارَ، كرُكُوبِ الدّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيرَها، وما لا يُقْصَدُ به ذلك، يُبْطِلُ الخِيارَ، كرُكُوبِ الدَّابَّةِ لحاجَتِه. وإنْ قَبَّلَتِ الجَارِيَةُ المُشْتَرِيَ، لم يَبْطُلْ خِيارُه. وهذا مَذْهَبُ
стр. 5341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّافِعِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ. ذكَرَه أبو الخَطّابِ، إذا لم يَمْنَعْها؛ لأنَّ إقْرَارَه لها على ذلك يَجْرِي مَجرَى اسْتِمْتَاعِه بها. وقال أبو حَنِيفَةَ: إن قَبَّلَتْه لشَهْوَةٍ بَطَلَ خِيَارُه؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ يَخْتَصُّ المِلْكَ، فأَبْطَلَ خِيارَه، كما لو قَبَّلَها. ولَنا، أنَّها قُبْلَةٌ لأحَدِ المُتَعَاقِدَينِ، فلم يَبْطُلْ خِيارُه، كما لو
стр. 5342
وَإنْ أعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، نَفَذَ عِتْقُهُ، وَبَطَلَ خِيَارُهُمَا. وَكَذَلِكَ إِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ. وَعَنْهُ، لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ، وَلَهُ الْفَسْخُ وَالرّجُوعُ بِالْقِيمَةِ.
ــ
قَبَّلَتِ البائِعَ. ولأنَّ الخِيَارَ له، لا لها، فلو ألزمْناه بفِعْلِها، لألزَمْناه بغيرِ رِضاه، ولا دَلالةَ عليه، بخِلافِ ما إذا قَبَّلَها، فإنَّه يَدُلُّ على الرِّضَا بها. ومتى بَطَلَ خِيارُ المُشْتَرِي بِتَصَرُّفِه، فَخِيارُ البائِعِ باقٍ بحالِه؛ لأنَّ خِيارَه لا يَبْطُلُ برِضَا غَيرِه، إلَّا أنْ يكونَ تَصَرَّفَ بإذْنِ البائِعِ، وقد ذَكَرْناهُ.
١٦١٦ - مسألة: (وإنْ أعْتَقَه المُشْتَرِي، نَفَذَ عِتْقُه، وبَطَلَ خِيارُهما. وكذلك إنْ تَلِفَ المَبِيعُ. وعنه، لا يَبْطُلُ خِيارُ البائِعَ، وله الفَسْخُ والرُّجُوعُ بالقِيمَةِ) إذا تَصَرَّفَ أَحَدُ المُتَعاقِدَينِ بعِتْقِ المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ، نَفذَ عِتْق مَنْ حَكَمْنَا بالمِلْكِ له. وظاهِر المَذْهَبِ أنَّ المِلْكَ للمُشْتَرِي، فَيَنْفُذُ عِتْقُه، سواءٌ كان الخِيَارُ لهما، أو لأحَدِهما؛ لأنَّه عِتْقٌ
стр. 5343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن مالِكٍ جائِزِ التَّصَرُّفِ، فَنَفَذَ، كما بعدَ المُدَّةِ. وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لا عِتْقَ فيما لا يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ» (١). يَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّه يَنْفُذُ في المِلْكِ، ومِلْكُ البائِعِ الفَسْخَ لا يَمْنَعُ نُفُوذَ العِتْقِ مِن المُشْتَرِي، كما لو باعَ عَبْدًا بجارِيَةٍ مَعِيبَةٍ (٢)، فإنَّ عِتْقَ المُشْتَرِي يَنْفُذُ، مع أنَّ للبائِعِ الفَسْخَ. ولو وَهَبَ رَجُلٌ ابْنَه عَبْدًا، فأعْتَقَه، نَفَذَ عِتْقُه مع مِلْكِ الأبِ اسْتِرْجاعَه. ولا يَنْفُذُ عِتْقُ البائِعِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وقال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: يَنْفُذُ عِتْقُه؛ لأنَّه مِلْكُه، وإنْ كان المِلْكُ انْتَقَلَ، فإنَّه يَسْتَرْجِعُه بالعِتْقِ. ولَنا، أنَّهُ إعْتَاقٌ مِن غيرِ مالِكٍ، فلم يَنْفُذْ، كعِتْقِ الأَبِ عَبْدَ ابْنِه الذي وَهَبَه إيَّاهُ، وقد دَلَلْنا على أنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ إلى المُشْتَرِي. وإنْ قُلْنَا بالرِّوَايَةِ الأُخْرَى، وأنَّ المِلْكَ لم يَنْتَقِلْ إلى المُشْتَرِي نَفَذَ (٣) عِتْقُ البائِع دُونَ المُشْتَرِي. وإنْ أَعتَقَ البائِعُ والمُشْتَرِي جَمِيعًا، فإنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ المُشْتَرِي، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْناه، وإنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ البائِعِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَنْفُذَ عِتْقُ واحِدٍ منهما؛ لأنَّ البائِعَ لم يَنْفُذْ عِتْقُه، لكَوْنِه أَعْتَقَ غيرَ مَمْلُوكِه، ولكنْ حَصَلَ بإعْتَاقِه فَسْخُ البَيعِ واسْتِرْجَاعُ العَبْدِ، فلم يَنْفُذ
стр. 5344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِتْقُ المُشْتَرِي. ومتى أعادَ البائِعُ الإِعْتَاقَ مَرَّةً ثانِيَةً، نَفَذَ إعْتَاقُه؛ لأنَّه عادَ العَبْدُ إليه، أشْبَهَ ما لو اسْتَرْجَعَه بصَرِيحِ قَوْلِه، إلَّا على الرِّوَايَةِ التي تقولُ: إنَّ تَصَرُّفَ البائِعِ لا يكُونُ فَسْخًا للبَيعِ. فيَنْبَغِي أنْ يَنْفُذَ إعتاقُ المُشْتَرِي. ولو اشْتَرَى مَن يَعْتِقُ عليه: جَرَى مَجْرَى إعْتَاقِه بصَرِيحِ قَوْلِه، وقد ذَكَرْنا حُكْمَه. وإنْ باعَ عَبْدًا بجَارِيَةٍ، بشرْطِ الخِيارِ، فأعْتَقَهما (١)، نَفَذ عِتْقُ الأَمَةِ دونَ العَبْدِ. وإنْ أَعْتَقَ أحَدَهما، ثم أعْتَقَ الآخَرَ، نَظَرْتَ؛ فإنْ أَعْتَقَ الأَمَةَ أَوَّلًا، نَفَذَ عِتْقُها، وبَطَلَ خِيَارُه، ولم يَنْفُذْ عِتْقُ العَبْدِ. وإنْ أعْتَقَ العَبْدَ أوَّلًا انْفَسَخِ البَيعُ، ورَجَعَ إليه العَبْدُ، ولم يَنْفُذْ إعْتَاقُه. ولا يَنْفُذُ عِتْقُ الأَمَةِ؛ لأنَّها خرَجَتْ بالفَسْخِ عن مِلْكِه، وعادَتْ إلى سَيِّدِها الذي باعَها.
فصل: وإذا قال لعَبْدِه: إذا بِعْتُكَ فأنت حُرٌّ. ثم باعَه، صارَ حُرًّا. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الحَسَنُ، وابنُ أبي لَيلَى، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ. وسَواءٌ شَرَطَا الخِيارَ، أو لم يَشْرُطَاهُ. وقال أبو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ: لا يَعْتِقُ؛ لأنَّه إذا تَمَّ بَيعُه، زال مِلْكُه عنه، فلم يَنْفُذْ إعْتَاقُه له. ولَنا، أنَّ زَمَنَ انْتِقَالِ المِلْكِ زَمَنُ الحُرِّيَّةِ؛ لأنَّ البَيعَ سَبَب لنَقْلِ المِلْكِ، وشَرْطٌ للحُرِّيَّةِ، فيَجِبُ تَغْلِيبُ الحُرِّيَّةِ، كما لو قال لعَبْدِه: إذا مِتُّ فأَنْتَ حُرٌّ.
стр. 5345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّه عَلَّقَ حُرِّيَّتَه على فِعْلِه للبَيعِ، والصادِرُ منه في البَيعِ إنَّما هو الإِيجابُ، فمتى قال للمُشْتَرِي: بِعْتُكَ. فقد وُجِدَ شَرْطُ الحُرِّيَّةِ، فيَعْتِقُ قبلَ قَبُولِ المُشْتَرِي. وعَلَّلَهُ القاضِي، بأَنَّ الخِيارَ ثابِتٌ في كُلِّ بَيعٍ، فلا يَنْقَطِعُ تَصَرُّفُه فيه. فعلىِ هذا لو تَخَايَرا، ثم باعَهُ، لم يَعْتِقْ. ولا يَصِحُّ هذا التَّعْلِيلُ على مَذْهَبِنا؛ لأَنَّنَا قد ذَكَرْنا أنَّ البائِعَ لو أعْتَقَ في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَنْفُذْ إعْتاقُه.
فصل: وإذا أعْتَقَ المُشْتَرِي العَبْدَ، بَطَلَ خِيَارُهُ وخِيارُ البائِعِ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ [وأبي بَكْرٍ] (١)، كما لو تَلِفَ المَبِيعُ، على ما نَذْكُرُه. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَبْطُلُ خِيارُ البائِعَ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «البَيِّعَانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا» (٢). فعلى هذه الرِّوَايَةِ له الفَسْخُ والرُّجُوعُ بالقِيمَةِ يومَ العِتْقِ.
فصل: وإنْ تَلِفَ المَبِيعُ في مُدَّةِ الخِيارِ، فلا يَخْلُو، إمّا أن يكُونَ
стр. 5346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلَ القَبْضِ، أو بعدَه، فإن كان قبلَ القَبْضِ، وكان مَكِيلًا، أو مَوْزُونًا، انْفَسَخَ البَيعُ، وكان مِن مالِ البائِعِ، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، إلَّا أن يُتْلِفَه المُشْتَرِي، فيكونَ مِن ضَمَانِه، ويَبْطُلَ خِيَارُه. وفي خِيارِ البائِع رِوَايَتانِ. وإنْ كان المَبِيعُ غيرَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، ولم يَمْنَعِ البائِعُ المُشْتَرِيَ مِن قَبْضِه، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه مِن ضَمَانِ المُشْتَرِي، ويكونُ كَتَلَفِه بعدَ القَبْضِ. وأمّا إن تَلِفَ. المَبِيعُ بعد القَبْضِ في مُدَّةِ الخِيارِ، فهو مِن ضَمانِ المُشْتَرِي، ويَبْطُلُ خِيارُه. وفي خِيارِ البائِعِ رِوَايَتَانِ؛
стр. 5347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إحْدَاهُما، يَبْطُلُ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وأبي بَكْرٍ؛ لأنَّه خِيارُ فَسْخٍ، فبَطَلَ بتَلَفِ المَبِيعِ، كخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيبِ إذا تَلِفَ المَعِيبُ. والثانِيَة، لا يَبْطُلُ، وللبائِعِ الفَسْخُ، ويُطَالِبُ المُشْتَرِيَ بقِيمَتِه، أو مِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا. اخْتَارَها القَاضِي، وابنُ عَقِيلٍ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «البَيِّعَانِ بالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا». ولأنَّه خِيارُ فَسْخٍ، فلم يَبْطُلْ بتَلَفِ المَبِيعِ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا بثَوْبٍ، فتَلِفَ أحَدُهُما، ووَجَدَ الآخرُ بالثَّوْبِ عَيبًا، فإنَّه يَرُدُّه، ويَرْجِعُ بقِيمَةِ ثَوْبِه، كذا ها هنا.
وَإنْ وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَاريَةَ فَأحبَلَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ.
ــ
فأشْبَهَ العِتْقَ. والصَّحِيحُ أنَّ حُكْمَه حُكْمُ البَيعِ فيما ذَكَرْنا؛ لأنَّ المَبِيعَ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ البائِعِ، تَعَلُّقًا (١) يَمْنَعُ جوازَ التَّصِرُّفِ، فَمَنَعَ صِحَّةَ الوَقْفِ، كالرَّهْنِ. ويُفارِقُ الوَقْفُ العِتْقَ؛ لأنَّه مَبْنِيٌّ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايَةُ بخِلافِ الوَقْفِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الوَقْفَ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ. واللهُ أَعْلَمُ.
١٦١٨ - مسألة: (وإنْ وَطِئَ المُشْتَرِي الجَارِيَةَ فأَحْبَلَها، صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له، وَوَلَدُه حُرٌّ ثابِتُ النَّسَبِ) لا يَجُوزُ للمُشْتَرِي وَطءُ الجارِيَةِ في مُدَّةِ الخِيارِ، إذا كان الخِيَارُ لهما، أو للبَائِعِ وحدَه؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ البائِعِ، فلم يُبَحْ (٢) وَطْؤُها، كالمَرْهُونَةِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
стр. 5350
وَإنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ، فَكَذَلِكَ، إنْ قُلْنَا: الْبَيعُ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ. وَإنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ. فَعَلَيهِ الْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ، إلا إِذَا قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ. وَلَا حَدَّ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَال أصْحَابُنَا: عَلَيهِ الْحَدُّ إِذَا
ــ
فإن وَطِئَها، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بشُبْهَةِ المِلْكِ، فبحَقِيقَتِه أوْلَى. ولا مَهْرَ لها؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه. وإنْ عَلِقَتْ منه، فالوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّه مِن أمَتِه، ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لذلك، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له. فإنْ فَسَخَ البائِعُ البَيعَ، رَجَعَ بقِيمَتِها؛ لأنَّه تَعَذَّرَ الفَسْخُ فيها، ولا يَرْجِعُ بقِيمَةِ وَلَدِها؛ لأنَّه حَدَثَ في مِلْكِ المُشْتَري. وإنْ قُلْنَا: إنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ إلى المُشْتَرِي، فلا حَدَّ عليه أيضًا؛ لأَنَّ له فيها شُبْهَةً، لوُجُودِ سَبَبِ نَقْلِ المِلْكِ إليه فيها، واخْتِلافِ أهْلِ العِلْمِ في ثُبُوتِ المِلْكِ له، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهَاتِ. وعليه المَهْرُ وقِيمَةُ الوَلَدِ، وحُكْمُهما حُكْمُ نَمائِهِا (١). وإنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وأنَّ مِلْكَه غيرُ ثابِتٍ، فوَلَدُه رَقِيقٌ.
١٦١٩ - مسألة: (وإنْ وَطِئَها البائِعُ، وقُلْنَا: البَيعُ يَنْفَسِخُ بوَطْئِه. فكذلك. وإنْ قُلْنا: لا يَنْفسِخُ. فعليه المَهْرُ، ووَلَدُه رَقِيقٌ، إلَّا إذا قُلْنَا: المِلْكُ له. ولا حَدَّ فيه على كُلِّ حالٍ. وقال أصْحَابُنَا: عليه الحَدُّ إذا عَلِمَ
стр. 5351
عَلِمَ زَوَال مِلْكِهِ، وَأنَّ الْبَيعَ لا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ. وَهُوَ الْمَنْصُوصُ.
ــ
زوال مِلْكِه، وأنَّ البَيعَ لا يَنْفَسِخُ بوَطْئِه. وهو المَنْصُوصُ) وأمّا البائِعُ فلا يَحِلُّ له الوَطْءُ قبلَ فَسْخِ البَيعِ. وقال بَعْضُ [أصْحابِ الشافعيِّ] (١): له وَطْؤُها؛ لأنَّ البَيعَ يَنْفَسِخُ بوَاطْئِه، فإنْ كان المِلْكُ انْتَقَلَ، رَجَعَتْ إليه، وإنْ لم يَكُنِ انْتَقَلَ، انْقَطَعَ حَقُّ المُشْتَرِي منها، فيكونُ واطِئًا لِمَمْلُوكَتِه التي لا حَقَّ لغَيرِه فيها. ولَنا، أنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ عنه، فلم يَحِلَّ له وَطْؤُها؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٢). ولأنَّ ابْتِداءَ الوَطْءِ يَقَعُ في غيرِ مِلْكِه، فيكونُ (٣) حَرامًا. ولو انْفَسَخَ البَيعُ قبلَ وَطْئِه، لم يَحِلَّ حتى يَسْتَبْرِئَها. ولا حَدَّ عليه. وبهذا قال أبو حَنِيفةَ، ومالِكٌ،
стр. 5352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشّافِعِيُّ. وقال بعضُ أصْحَابِنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وأنَّ مِلْكَهُ قد زَال ولا يَنْفَسِخُ بالوَطْءِ، فعليه الحَدُّ. وذكر أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه؛ لأنَّه لم يُصَادِفْ مِلْكًا، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ. ولَنا، أنَّ مِلْكَه يَحْصُلُ بابْتِدَاءِ وَطْئِه، فيَحْصُلُ تَمامُ الوَطْءِ في مِلْكِه، مع اخْتِلَافِ العُلَمَاء في كَوْنِ المِلْكِ له وحِلِّ الوَطْءِ له، ولا يَجِبُ الحَدُّ مع واحِدَةٍ مِن هذه الشُّبُهاتِ، فكيف إذا اجْتَمَعَتْ! مع أنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يَحْصُلَ الفَسْخُ بالمُلَامَسَةِ قبلَ الوَطْءِ، فيكونُ المِلْكُ قد رَجَعَ إليه قبلَ وَطْئِه. ولهذا قال أحمدُ في المُشْتَرِي: إنَّها قد وَجَبَتْ عليه فيما إذا مَشَطَها، أو خَضَبَها، أو حَفَّها.
стр. 5353
وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا، بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يُورَثْ. وَيَتَخَرَّجُ أنْ يُورَثَ كَالْأجَلَ.
ــ
فبِوَضْعِ يَدِه عليها للجِمَاعِ، ولَمْسِ فَرْجِها بِفَرْجِه، أوْلَى. وعلى هذا يكونُ ولَدُه منها حُرًّا ثابِتَ النَّسَبِ، ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه، ولا مَهْرَ عليه، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له. وقال أصْحَابُنَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، فوَلَدُهُ رَقِيق، لا يَلْحَقُه نَسَبُه، وإن لم يَعْلَمْ، لَحِقَه النَّسَب، ووَلَدُه حُرٌّ، وعليه قِيمَتُه يومَ الولادَةِ، وعليه المَهْرُ، ولا تصِيرُ أُمَّ وَلدٍ له؛ لأنَّه وَطِئها في غيرِ مِلكِه.
فصل: ولا بَأْسَ بِنَقْدِ الثَّمَنِ وقَبْضِ المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ. وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشافعيِّ وكَرهَهُ مالِكٌ، قال: لأنَّه في مَعْنَى بَيعٍ وسَلَفٍ إذا أقبَضَه الثَّمَنَ ثم تَفَاسَخَا البَيعَ، صارَ كأَنَّه أقرَضَه إيَّاهُ. ولَنا، أنَّ هذا حُكْمٌ مِن أحْكَامِ البَيعِ، فجازَ في مُدَّةِ الخِيارِ، كالإِجَارَةِ، وما ذَكَرَه لا يَصِحُّ؛ لأنَّنَا لا نُجِيزُ له التَّصَرُّفَ فيه.
١٦٢٠ - مسألة: (ومَن ماتَ منهما بَطَلَ خِيَارُه، ولم يُورَثْ) إذا ماتَ أحَدُ المُتَبَايِعَينِ في مُدَّةِ الخِيَارِ، بَطَلَ خِيَارُه في ظاهِرِ المَذْهَبِ،
стр. 5354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَبْقَى خِيارُ الآخَرِ بحالِه، إلَّا أنْ يكونَ المَيِّتُ قد طالبَ بالفَسْخِ قبلَ مَوْتِه، فيكونُ لوَرَثَتِه. وهو قوْلُ الثِّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ. ويَتَخَرَّجُ أنَّ الخِيارَ لا يَبْطُلُ، ويَنْتَقِلُ إلى وَرَثَتِه؛ لِأَنَّه حَقٌّ مالِيٌّ، فيَنْتَقِلُ إلى الوَارِثِ، كالأَجَلِ، وخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيبِ. ولأنَّه حَقُّ فَسْخٍ، فيَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، كالفَسْخِ بالتَّحَالُفِ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ. ولَنا، أنَّه حَقُّ فَسْخ لا يَجُوزُ الاعْتِياضُ عنه، فلم يُورَثْ كخِيَارِ الرُّجُوعِ في الهِبَةِ.
стр. 5355
فَصْلٌ: الثَّالِثُ خِيَارُ الْغَبْنِ. وَيَثْبُتُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ؛ أحَدُهَا، إِذَا تَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ وَبَاعَ لَهُمْ، فَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا هَبَطُوا السُّوق وَعَلِمُوا أنهُمْ قَدْ غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ العَادَةِ.
ــ
(فصل: الثالِثُ خِيَارُ الغَبْنِ. ويَثْبُتُ في ثَلاثِ صُوَرٍ؛ أحدُها، إذا تَلَقَّى الرُّكْبانَ فاشْتَرَى منهم [وباعَ لهم] (١)، فلهمُ الخِيَارُ إذا هَبَطُوا السُّوقَ وعَلِمُوا أنَّهُم قد غُبِنُوا غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ) رُوِيَ أنَّهُم كانُوا يَتَلَقَّوْنَ الأجْلَابَ، فيَشْتَرُونَ منهم الأمْتِعَةَ قبلَ أنْ تَهْبِطَ (٢) الأسْوَاقَ، فرُبَّما غَبَنُوهم غَبْنًا بَيِّنًا، فيَضُرُّوا بهم، ورُبَّمَا أضَرُّوا بأهْلِ البَلَدِ؛ لأنَّ الرُّكْبَانَ إذا وَصَلُوا باعُوا أمْتِعَتَهُم، والذين يَتَلَقَّوْنَهم لا يَبِيعُونَها سَرِيعًا، ويَتَرَبَّصُونَ بها السِّعْرَ (٣)، فهو في مَعْنَى بَيعِ الحاضِرِ للبادِى، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن ذلك. فرَوَى ابنُ عَبّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبانَ، ولا يَبِيعُ حاضِرٌ لبادٍ». وعن أبي هُرَيرَةَ مثلُه. مُتَّفَقٌ عليهما (٤). وكَرِهَهُ
стр. 5356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أكْثَرُ العُلَماءِ؛ منهم عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالِكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ. وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ، أنَّه لم يَرَ بذلك بَأْسًا. وسنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ أنْ تُتبَّعَ. فإنْ خالفَ وتَلَقَّى الرُّكْبانَ واشْتَرَى منهم، فالبَيعُ صَحِيحٌ في قولِ الجَميعِ. قاله ابنُ عبدِ البَرِّ. وعن أحمدَ، أنَّ البَيعَ باطِلٌ؛ لظاهِرِ النَّهْي. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فمَن تَلَقّاهُ فاشْتَرَى منه، فإذا أتَى السُّوقَ فهو بالخِيَارِ». رَواة مُسْلِمٌ (١). والخِيارُ لا يكونُ إلَّا في عَقْدٍ صَحِيحٍ، ولأنَّ النَّهْيَ لا لِمَعْنًى في البَيعِ، بل يَعُودُ إلى ضَرْبٍ مِن الخَدِيعَةِ يُمْكِنُ اسْتِدْراكُها بإثْباتِ الخِيارِ، فأَشْبَهَ بَيعَ المُصَرَّاةِ، وفارَقَ بَيعَ الحاضِرِ للبادِي، فإنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُه بالخِيارِ، إذْ ليس الضَّرَرُ
стр. 5357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه، إنَّما هو على المُسْلِمِينَ. إذا تَقَرَّرَ هذا، فللبَائِعِ الخِيارُ إذا عَلِمَ أنَّه قد غُبنَ. وقال أصْحابُ الرَّأْي: لا خِيارَ له. وقد رَوَينَا قَوْلَ رسولِ اللهِ ﷺ في هذا، ولا قولَ لأحَدٍ مع قَوْلِه. وظَاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا خِيارَ له إلَّا مع الغَبْنِ؛ لأنَّه إنَّما يَثْبُتُ لأَجْلِ الخَدِيعَةِ، ودَفْعِ الضَّرَرِ عن البائِعِ، ولا ضَرَرَ مع عدَمِ الغَبْنِ. وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ. ويُحْمَلُ إطلاقُ الحَدِيثِ في إثْباتِ الخِيارِ على هذا؛ لِعِلْمِنا بمَعْناه ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ له الخِيارَ إذا أتَى السُّوقَ، فيُفْهَمُ منه أنَّه أشارَ إلى مَعْرِفَتِه بالغَبْنِ في السُّوقِ، ولولا ذلك لَكَانَ الخِيارُ له مِن حينِ البَيعِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ الخِيَارَ يَثْبُتُ له بمُجَرَّدِ الغَبْنِ، وإنْ قَلَّ. والأوْلَى أنْ يَتَقَيَّدَ بما يَخْرُجُ عن العادَةِ؛ لأنَّ ما دُونَ ذلك لا يَنْضَبِطُ. وقال أَصْحَابُ مالِكٍ: إنَّما نُهِيَ عن تَلِّقي الرُّكْبانِ لِما يَفُوتُ به مِن الرِّفْقِ بأَهلِ السُّوقِ؛ لئَلَّا يَنْقَطِعَ عنهم ما لَه جَلَسُوا؛ مِن ابْتِغاءِ فَضْلِ اللهِ تَعالى. قال ابنُ القاسِمِ: فإن تَلَقَّاهَا مُتَلَقٍّ فاشْتَرَاها، عُرِضَتْ على أهْلِ السُّوقِ، فيَشْتَرِكُونَ فيها. وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: يُباعُ في السُّوقِ. وهذا مُخالِفٌ لمَدْلُولِ الحَدِيثِ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الخِيارَ للبائِعِ إذا هَبَطَ السُّوقَ، ولم يَجْعَلُوا له خِيَارًا، وجَعْلُ النَّبِيِّ ﷺ الخِيَارَ له يَدُلُّ على أنَّ النَّهْيَ عن التَّلَقِّي لِحَقِّه، لا لِحَقِّ غيرِه. ولأَنَّ الجالِسَ في السُّوقِ كالمُتَلَقِّي، في أنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُبْتَغ لفَضْلِ اللهِ، ولا يَلِيقُ بالحِكْمَةِ فَسْخُ عَقْدِ أَحَدِهما. وإلحاقُ الضَّرَرِ به، دَفْعًا للضَّرَرِ عن
стр. 5358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِثْلِه، وليس رِعايَةُ حَقِّ الجالِسِ أوْلَى مِن رِعَايَةِ حَقِّ المُتَلَقِّي، ولا يُمْكِنُ اشْتِراكُ أهْلِ السُّوقِ كُلِّهم في سِلْعَتِه، فلا يُعَرَّجُ على مِثْلِ هذا.
فصل: فإن تَلَقَّاهُم فَباعَهُم شَيئًا، فهو كمَنِ اشْتَرَى منهم، ولهم الخِيَارُ إذا غَبَنَهُم غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ. وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ للشّافِعِيَّةِ. وقالُوا في الآخَرِ: النَّهْيُ عن الشِّراءِ دُونَ البَيعِ، فلا يَدْخُلُ البَيعُ فيه. وهذا مُقْتَضَى قَوْلِ أصْحابِ مالِكٍ؛ لأنَّهُم عَلَّلُوه بما ذَكَرْنا عنهم، ولا يَتَحَقَّقُ ذلك في البَيعِ لهم. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبانَ». والبائِعُ داخِلٌ فيه. ولأنَّ النَّهْيَ عنه لِما فِيه مِن خَدِيعَتِهم وغَبْنِهم، وهذا في البَيعِ كهُوَ في الشِّرَاءِ، والحَدِيثُ قد جاءَ مُطْلَقًا، ولو كان مُخْتَصًّا بالشِّراءِ لأُلحِقَ به ما في مَعْناه، وهذا في مَعْناه.
فصل: فإنْ خَرَجَ لغَيرِ قَصْدِ التَّلَقِّي، فلَقِيَ رَكْبًا، فقال القاضِي:
стр. 5359
وَالثَّانِيَةُ، النَّجْشُ؛ وَهُوَ أنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا؛ لِيَغُرَّ الْمُشْتَرِيَ. فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا مَا غبِنَ.
ــ
ليس له الابتِيَاعُ منهم ولا الشِّرَاءُ. وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشّافِعِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَحْرُمَ عليه ذلك. وهو قولُ اللَّيثِ بنِ سَعْدٍ، والوَجْهُ الثانِي لأصْحَابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ التَّلَقِّيَ، فلم يَتَنَاوَلْه النَّهْيُ. ولأنَّه نادِرٌ، فلا يكثُرُ ضَرَرُه كمَن يَقْصِدُ ذلك. وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه إنّما نُهِيَ عن التَّلَقِّي دَفْعًا للخَدِيعَةِ والغَبْنِ عنهم، وذلك مُتَحَقِّقٌ، سواءٌ قَصَدَ التَّلَقِّيَ أو لم يَقْصِدْه، فأَشْبَهَ ما لو قَصَدَ.
١٦٢١ - مسألة: (الثانِيَةُ، النَّجْشُ؛ وهو أنْ يَزِيدَ في السِّلْعَةِ مَن لا (١) يُرِيدُ شِراءَها؛ ليَغُرَّ المُشْتَرِيَ. فله الخِيَارُ إذا غُبِنَ) النَّجْشُ حَرامٌ وخِدَاعٌ. قال البُخَارِيُّ (٢): النّاجِشُ آكِلُ رِبًا خائِنٌ، وهو خِدَاعٌ باطِلٌ
стр. 5360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَحِلُّ. لِما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن النَّجْشِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّ في ذلك تَغْرِيرًا بالمُشْتَرِي وخَدِيعَةً له، وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قَال: «الْخَدِيعَةُ في النّارِ» (٢). فإنِ اشْتَرَى مع النَّجْشِ، فالشِّرَاءُ صَحِيحٌ، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ، منهم الشّافِعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وعن أحمدَ، أنَّ البَيعَ باطِلٌ. اخْتَارَه أبو بكْرٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفَسَادَ. ولَنا، أنَّ النَّهْيَ عادَ إلى النّاجِشِ،