. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أكْثَرُ العُلَماءِ؛ منهم عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالِكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسحاقُ. وحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ، أنَّه لم يَرَ بذلك بَأْسًا. وسنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ أنْ تُتبَّعَ. فإنْ خالفَ وتَلَقَّى الرُّكْبانَ واشْتَرَى منهم، فالبَيعُ صَحِيحٌ في قولِ الجَميعِ. قاله ابنُ عبدِ البَرِّ. وعن أحمدَ، أنَّ البَيعَ باطِلٌ؛ لظاهِرِ النَّهْي. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فمَن تَلَقّاهُ فاشْتَرَى منه، فإذا أتَى السُّوقَ فهو بالخِيَارِ». رَواة مُسْلِمٌ (١). والخِيارُ لا يكونُ إلَّا في عَقْدٍ صَحِيحٍ، ولأنَّ النَّهْيَ لا لِمَعْنًى في البَيعِ، بل يَعُودُ إلى ضَرْبٍ مِن الخَدِيعَةِ يُمْكِنُ اسْتِدْراكُها بإثْباتِ الخِيارِ، فأَشْبَهَ بَيعَ المُصَرَّاةِ، وفارَقَ بَيعَ الحاضِرِ للبادِي، فإنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُه بالخِيارِ، إذْ ليس الضَّرَرُ
стр. 5357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه، إنَّما هو على المُسْلِمِينَ. إذا تَقَرَّرَ هذا، فللبَائِعِ الخِيارُ إذا عَلِمَ أنَّه قد غُبنَ. وقال أصْحابُ الرَّأْي: لا خِيارَ له. وقد رَوَينَا قَوْلَ رسولِ اللهِ ﷺ في هذا، ولا قولَ لأحَدٍ مع قَوْلِه. وظَاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا خِيارَ له إلَّا مع الغَبْنِ؛ لأنَّه إنَّما يَثْبُتُ لأَجْلِ الخَدِيعَةِ، ودَفْعِ الضَّرَرِ عن البائِعِ، ولا ضَرَرَ مع عدَمِ الغَبْنِ. وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ. ويُحْمَلُ إطلاقُ الحَدِيثِ في إثْباتِ الخِيارِ على هذا؛ لِعِلْمِنا بمَعْناه ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ له الخِيارَ إذا أتَى السُّوقَ، فيُفْهَمُ منه أنَّه أشارَ إلى مَعْرِفَتِه بالغَبْنِ في السُّوقِ، ولولا ذلك لَكَانَ الخِيارُ له مِن حينِ البَيعِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ الخِيَارَ يَثْبُتُ له بمُجَرَّدِ الغَبْنِ، وإنْ قَلَّ. والأوْلَى أنْ يَتَقَيَّدَ بما يَخْرُجُ عن العادَةِ؛ لأنَّ ما دُونَ ذلك لا يَنْضَبِطُ. وقال أَصْحَابُ مالِكٍ: إنَّما نُهِيَ عن تَلِّقي الرُّكْبانِ لِما يَفُوتُ به مِن الرِّفْقِ بأَهلِ السُّوقِ؛ لئَلَّا يَنْقَطِعَ عنهم ما لَه جَلَسُوا؛ مِن ابْتِغاءِ فَضْلِ اللهِ تَعالى. قال ابنُ القاسِمِ: فإن تَلَقَّاهَا مُتَلَقٍّ فاشْتَرَاها، عُرِضَتْ على أهْلِ السُّوقِ، فيَشْتَرِكُونَ فيها. وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: يُباعُ في السُّوقِ. وهذا مُخالِفٌ لمَدْلُولِ الحَدِيثِ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الخِيارَ للبائِعِ إذا هَبَطَ السُّوقَ، ولم يَجْعَلُوا له خِيَارًا، وجَعْلُ النَّبِيِّ ﷺ الخِيَارَ له يَدُلُّ على أنَّ النَّهْيَ عن التَّلَقِّي لِحَقِّه، لا لِحَقِّ غيرِه. ولأَنَّ الجالِسَ في السُّوقِ كالمُتَلَقِّي، في أنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما مُبْتَغ لفَضْلِ اللهِ، ولا يَلِيقُ بالحِكْمَةِ فَسْخُ عَقْدِ أَحَدِهما. وإلحاقُ الضَّرَرِ به، دَفْعًا للضَّرَرِ عن
стр. 5358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِثْلِه، وليس رِعايَةُ حَقِّ الجالِسِ أوْلَى مِن رِعَايَةِ حَقِّ المُتَلَقِّي، ولا يُمْكِنُ اشْتِراكُ أهْلِ السُّوقِ كُلِّهم في سِلْعَتِه، فلا يُعَرَّجُ على مِثْلِ هذا.
فصل: فإن تَلَقَّاهُم فَباعَهُم شَيئًا، فهو كمَنِ اشْتَرَى منهم، ولهم الخِيَارُ إذا غَبَنَهُم غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ. وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ للشّافِعِيَّةِ. وقالُوا في الآخَرِ: النَّهْيُ عن الشِّراءِ دُونَ البَيعِ، فلا يَدْخُلُ البَيعُ فيه. وهذا مُقْتَضَى قَوْلِ أصْحابِ مالِكٍ؛ لأنَّهُم عَلَّلُوه بما ذَكَرْنا عنهم، ولا يَتَحَقَّقُ ذلك في البَيعِ لهم. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبانَ». والبائِعُ داخِلٌ فيه. ولأنَّ النَّهْيَ عنه لِما فِيه مِن خَدِيعَتِهم وغَبْنِهم، وهذا في البَيعِ كهُوَ في الشِّرَاءِ، والحَدِيثُ قد جاءَ مُطْلَقًا، ولو كان مُخْتَصًّا بالشِّراءِ لأُلحِقَ به ما في مَعْناه، وهذا في مَعْناه.
فصل: فإنْ خَرَجَ لغَيرِ قَصْدِ التَّلَقِّي، فلَقِيَ رَكْبًا، فقال القاضِي:
стр. 5359
وَالثَّانِيَةُ، النَّجْشُ؛ وَهُوَ أنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا؛ لِيَغُرَّ الْمُشْتَرِيَ. فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا مَا غبِنَ.
ــ
ليس له الابتِيَاعُ منهم ولا الشِّرَاءُ. وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشّافِعِيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَحْرُمَ عليه ذلك. وهو قولُ اللَّيثِ بنِ سَعْدٍ، والوَجْهُ الثانِي لأصْحَابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ التَّلَقِّيَ، فلم يَتَنَاوَلْه النَّهْيُ. ولأنَّه نادِرٌ، فلا يكثُرُ ضَرَرُه كمَن يَقْصِدُ ذلك. وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه إنّما نُهِيَ عن التَّلَقِّي دَفْعًا للخَدِيعَةِ والغَبْنِ عنهم، وذلك مُتَحَقِّقٌ، سواءٌ قَصَدَ التَّلَقِّيَ أو لم يَقْصِدْه، فأَشْبَهَ ما لو قَصَدَ.
١٦٢١ - مسألة: (الثانِيَةُ، النَّجْشُ؛ وهو أنْ يَزِيدَ في السِّلْعَةِ مَن لا (١) يُرِيدُ شِراءَها؛ ليَغُرَّ المُشْتَرِيَ. فله الخِيَارُ إذا غُبِنَ) النَّجْشُ حَرامٌ وخِدَاعٌ. قال البُخَارِيُّ (٢): النّاجِشُ آكِلُ رِبًا خائِنٌ، وهو خِدَاعٌ باطِلٌ
стр. 5360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَحِلُّ. لِما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن النَّجْشِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّ في ذلك تَغْرِيرًا بالمُشْتَرِي وخَدِيعَةً له، وقد رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قَال: «الْخَدِيعَةُ في النّارِ» (٢). فإنِ اشْتَرَى مع النَّجْشِ، فالشِّرَاءُ صَحِيحٌ، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ، منهم الشّافِعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وعن أحمدَ، أنَّ البَيعَ باطِلٌ. اخْتَارَه أبو بكْرٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفَسَادَ. ولَنا، أنَّ النَّهْيَ عادَ إلى النّاجِشِ،
стр. 5361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا إلى العاقِدِ، فلم يُؤثِّرْ في البَيعِ. ولأنَّ النَّهْيَ لحَق آدَمِيٍّ، فلم يَفْسُدِ العَقْدُ، كبَيعِ المُدَلِّسِ. وفارَق ما كانَ لحَقِّ الله تعالى، فإنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ يُمْكِنُ جَبْرُه بالخِيارِ، أو زِيَادَةٍ في الثَّمَنِ، لكنْ إنْ كان في البَيعِ غَبْنٌ لم تَجْرِ العادَةُ بمِثْلِه، فللمُشْتَرِي الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ، كما في تَلَقِّي الرُّكْبانِ. فإنْ كان يُتَغَابَنُ بمِثْلِه، فلا خِيارَ له. وسواءٌ كان النَّجْشُ بمُواطَأَةٍ
стр. 5362
وَالثَّالِثَةُ، الْمُسْتَرْسِلُ، إِذَا غُبِنَ الْغَبْنَ الْمَذْكُورَ. وَعَنْهُ، أَنَّ النَّجْشَ وَتَلَقِّيَ الرُّكْبَانِ بَاطِلَانِ.
ــ
مِن البائِعِ، أو لم يَكُنْ. وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: إنْ لم يكُنْ ذلك بمُواطَأةٍ مِن البائِعِ وعِلْمِه، فلا خِيارَ. واخْتَلَفُوا فيما إذا كانَ بمُوَاطَأَةٍ منه، فقال بَعْضُهم: لا خِيَارَ للمُشْتَرِي، لان التَّفْرِيطَ منه، حيث اشْتَرَى ما لا يَعْرِفُ قِيمَتَه. ولَنا، أنَّه تَغْرِيرٌ بالعاقِدِ، فإذا غُبِنَ ثَبَتَ له الخِيَارُ، كما في تَلَقِّي الرُّكْبانِ، وبذلك يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه. ولو قال البائِعُ: أُعْطِيتُ بهذه السِّلْعَةِ ما لم يُعْطِ. فَصَدَّقَه المُشْتَرِي، ثم بان (١) كاذِبًا، فالبَيعُ صَحِيحٌ، وللمُشْتَرِي الخيارُ أيضًا؛ لأنَّه في مَعْنَى النَّجْشِ.
١٦٢٢ - مسألة: (الثالِثَةُ، المُسْتَرْسِلُ، إذا غُبِنَ الغَبْنَ المَذْكُورَ) يَعْنِي إذا غُبِنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عن العَادَةِ -كما ذَكَرْنا في تَلَقِّي الرُّكْبانِ والنَّجْشِ- يُثْبِتُ له الخِيارَ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ. وبه قال مالِكٌ. وقال ابنُ أبي مُوسَى: وقد قيلَ: قد لَزِمَهُ البَيعُ، ولا فَسْخَ له. وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ،
стр. 5363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشّافِعِيِّ؛ لأنَّ نُقْصَانَ قِيمَةِ السِّلْعَةِ مع سَلَامَتِها لا يَمْنَعُ لُزُومَ العَقْدِ، كغَيرِ المُسْتَرْسِلِ، وكالغَبْنِ اليَسِيرِ. ولَنا، أنَّه غَبْنٌ حَصَلَ لجَهْلِه بالمَبِيعِ، فأَثبَتَ الخِيارَ، كالغَبْنِ في تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، فأمّا غيرُ المُسْتَرْسِلِ، فإنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ بالغَبْنِ، فهو كالعالِمِ بالعَيبِ، وكذا لو اسْتَعْجَلَ فجَهِلَ ما لو تَثَبَّتَ لَعَلِمَه، لم يكُنْ له خِيارٌ؛ لأنَّه انْبَنَى على تَفْرِيطِه وتَقْصِيرِه. والمُسْتَرْسِلُ هو الجاهِلُ بقيمَةِ السِّلْعَةِ، ولا يُحْسِنُ المُبايَعَةَ. قال أحمدُ: المُسْتَرْسِلُ الذي لا يُحْسِنُ أنْ يُماكِسَ. وفي لَفْظٍ: الذي لا يُماكِسُ. فكَأنَّه اسْتَرْسَلَ إلى البَائِعِ، فأَخذَ ما أعْطَاهُ مِن غيرِ مُمَاكَسَةٍ، ولا مَعْرِفَةٍ بغَبْنِه. ولا تَحْدِيدَ للغَبْنِ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ. وحدَّه أبو بكْرٍ في «التَّنْبِيهِ»، وابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ» بالثُّلُثِ. وهو قولُ مالِكٍ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «والثُّلُثُ كَثِيرٌ» (١).
стр. 5364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: السُّدْسُ. والأوْلَى تَحْدِيدُه بما لا يَتَغابَنُ النّاسُ به في العادَةِ؛ لأنَّ ما لا يَرِدُ الشَّرْعُ بتَحْدِيدِه يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ.
فصل: وإذا وقَعَ البَيعُ على غيرِ مُتَعَيِّن، كقَفِيزٍ مِن صُبْرَةٍ، ورَطْلٍ مِن دَنٍّ، فظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّه يَلْزَمُ بالتَّفَرُّقِ، سواءٌ تَقَابَضَا، أوْ لَا. وقال القاضِي في مَوْضِعٍ: [المَبِيعُ الذي] (١) لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، فقد صَرَّحَ بأنَّه لا يَلْزَمُ قبلَ قَبْضِه. وذكرَ في موضِع آخَرَ: مَن اشْتَرَى قَفِيزَينِ (٢) مِن صُبْرَتَينِ، فتَلِفَتْ إحْدَاهُما قبلَ القَبْضِ، بَطَلَ العَقْدُ في التّالِفِ دُونَ الباقِي. رِوايَةً واحِدَةً، ولا خِيارَ للبائِعِ. وهذا تَصْرِيحٌ باللُّزُومِ في حَقِّ البائِحِ قَبْلَ القَبْضِ، فإنَّه لو كان جائِزًا، كان له الخِيارُ، سَواءٌ تَلِفَتْ إحْدَاهُما أوْ لم تَتْلَفْ. ووَجْهُ الجَوازِ،
стр. 5365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه مَبِيعٌ لا يَمْلِكُ بَيعَه ولا التَّصَرُّفَ فيه، فكان جائِزًا، كما قبلَ التَّفَرُّقِ، ولأَنَّه لو تَلِفَ لكانَ مِن ضَمانِ البائِعِ. ووَجْهُ اللُّزُوم قول النَّبِيِّ ﷺ «وإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهما البَيعَ، فقد وَجَبَ البَيعُ» (١). وما ذَكَرْناه للقولِ الأوَّلِ يَنْتَقِضُ بِبَيعِ المَوْصُوفِ والسَّلَمِ، فإنَّه لازِمٌ مع ما ذَكَرْناه. وكذلك سائِرُ المَبِيعِ (٢) في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
стр. 5366
فَصْلٌ: الرَّابعُ، خِيَارُ التَّدْلِيسِ بِمَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ، كَتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَتَحْمِيرِ وَجْهِ الْجَارِيَةِ، وَتَسْويدِ شَعَرِهَا وَتَجْعِيدِهِ، وَجَمْعِ مَاءِ الرَّحَى وَإرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا. فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ.
ــ
فصل: قال، ﵁: (الرَّابعُ، خِيَارُ التَّدْلِيسِ بما يَزِيدُ به (١) الثَّمَنُ؛ كتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وتحْمِيرِ وَجْهِ الجارِيَةِ، وتَسويدِ شَعَرها وتَجْعِيدِه، وجَمْعِ ماءِ الرَّحَى وإرْسَالِه عندَ عَرْضِها. فهذا يُثْبِتُ للمُشْتَرِي خِيارَ الرَّدِّ) التَّصْرِيَةُ: جَمْعُ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ. يُقالُ: صَرَّى الشّاةَ، وصَرَى اللَّبَنَ في ضَرْعِ الشّاةِ. بالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ. ويُقالُ: صَرَى الماءَ في الحَوْضِ، وصَرَى الطّعامَ في فِيه، وصَرَى الماءَ في ظَهْرِه. إذا تَرَكَ الجِماعَ. وأنشد أبو عُبَيدٍ (٢):
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«ولا تَحِلُّ خِلَابَةُ مُسْلِم» (١). فمَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً مِن بَهِيمَةِ الأَنْعامِ وهو لا يَعْلَمُ تَصْرِيَتَها، ثم عَلِمَ، فله الخِيارُ في الرَّدِّ والإِمْسَاكِ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ مَسْعُودٍ،، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيرَةَ، وأَنسٍ. وإليه ذَهَبَ مالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو يُوسُفَ، وعامَّةُ أهْلِ العِلْمِ. وذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ، ومحمدٌ إلى أنَّه لا خِيَارَ له؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ، بدَلِيلِ أنَّها لو لم تكُنْ مُصَرَّاةً فوَجَدَها أقلَّ لَبَنًا مِن أَمثالِها، لم يَمْلِكْ رَدَّها، والتَّدْلِيسُ بما ليس بعَيبٍ لا يُثْبِتُ الخِيارَ، كما لو عَلَفَها، فانْتَفَخَ بَطْنُها، فَظنَّ المُشْتَرِي أنَّها حامِلٌ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيرَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا تُصَرُّوا الإِبلَ والغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَها فإنَّه بِخَيرِ النَّظَرَينِ بعدَ أنْ يَحْلِبَها، إنْ شاءَ أَمْسَكَ، وإنْ شاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِن تَمْر». مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورَوَى ابنُ عمرَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً، فَهُوَ بالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أيّامٍ، فإنْ رَدَّها رَدَّ مَعَها مِثْلَ أو مِثْلَيْ لَبَنِها قَمْحًا». رَواهُ أبو دَاودَ (٣). ولأنَّه تَدْلِيسٌ بما يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ باخْتِلافِه، فوَجَبَ به
стр. 5369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرَّدُّ، كالشَّمْطَاءِ إذا سَوَّدَ شَعَرَها. وبه يَبْطُلُ قِياسُهُم، فإنَّ بَيَاضَه ليس بعَيبٍ، كالكِبَرِ، وإذا دَلَّسَه ثَبَتَ له الخِيارُ. وأمّا انْتِفَاخ البَطْنِ فقد يكونُ لغَيرِ الحَمْلِ، فلا مَعْنَى لحَمْلِه عليه، وعلى أنَّ هذا القِياسَ يُخَالِفُ النَّصَّ، واتِّباعُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أوْلَى. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَثْبُتُ الخِيَارُ إذا لم يَعْلَم المُشْتَرى بالتَّصْرِيَةِ، فإنْ كان عالِمًا، لم يَثْبُتْ له خِيارٌ. وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: يَثْبُتُ له الخِيَارُ في وَجْهٍ، للخَبَرِ، ولأنَّ انْقِطَاعَ اللَّبَنِ لم يُوجَدْ، وقد يَبْقَى على حالِه، كما لو تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا، ثم طَلَبَتِ الفَسْخَ. ولَنا، أنَّه اشْتَرَاها عالِمًا بالتَّدْلِيسِ، فلم يكنْ له خِيَارٌ، كما لو اشْتَرَى مَن سُوِّدَ شَعَرُها عالِمًا بذلك، ولأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، فلم يَثْبُتْ له الرَّدُّ،؛ لو اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، وبَقاءُ اللَّبَنِ على حالِه نادِرٌ بَعِيدٌ، لا يُعَلَّقُ عليه حُكْمٌ، والأصْلُ الذي قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
فصل: وكذلك كلُّ تَدْلِيس يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لأجْلِه، مثلَ أنْ يُسَوِّدَ شَعَرَ الجارِيَةِ، أو يُجَعِّدَه، أو يُحَمِّرَ وَجْهَهَا، أو يُضْمِرَ الماءَ على الرَّحَى ويُرْسِلَه عنَد عَرْضِهَا على المُشْتَرِي، يُثْبِتُ الخِيارَ أيضًا، لأَنَّه تَدْلِيسٌ يَخْتَلِفُ الثمَنُ باخْتِلافِه، فأَثبَتَ الخِيَارَ، كالتَّصْرِيَةِ. وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
стр. 5370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَوَافَقَ أبو حَنِيفَةَ في تَسْويدِ الشَّعَرِ. وقال في تَجْعِيدِه: لا يَثْبُتُ به خِيارٌ؛ لأنَّه تَدْلِيسٌ بما ليس بعَيبٍ، أشْبَهَ ما لو سَوَّدَ أنامِلَ العَبْدِ ليَظُنَّه كاتِبًا أو حَدَّادًا. وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بتَسْويدِ الشَّعَرِ. وأمّا تَسْويدُ أنامِلِ العَبْدِ، فَلَيسَ بمُنْحَصِرٍ في كَوْنِه كاتِبًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ قد وَلَغَ بالدَّوَاةِ، أو كان غُلامًا لكاتِبٍ يُصْلِحُ له الدَّوَاةَ، فظَنُّه كاتِبًا طَمَعٌ لا يَسْتَحِقُّ به فَسْخًا. فإنْ حَصَلَ هذا مِن غيرِ تَدْلِيسٍ، مثلَ أَنِ اجْتَمَعَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ مِن غيرِ قَصْدٍ، أو احْمَرَّ وَجْهُ الجارِيَةِ لخَجَلٍ أو تَعَبٍ، أو تَسَوَّدَ شَعَرُها بشيءٍ وَقَعَ عليه، فقال القاضِي: له الرّدُّ أيضًا؛ لدَفْعِ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بالمُشْتَرِي، والضَّرَرُ واجِبُ الدَّفْعِ، سواءٌ قَصَدَ أو لم يَقْصِدْ، فأشْبَهَ العَيبَ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَثْبُتَ الخِيارُ بحُمْرَةِ الوَجْهِ بخَجَلٍ أو تَعَبٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ذلك، فتَعَيَّنَ، [فظَنُّه من خِلْقَتِه الأصْلِيَّةِ طَمَعٌ] (١)، فأَشْبَهَ سوادَ أنامِلَ العَبْدِ.
فصل: وإنْ دَلَّسَه بما لا يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ، كتَبْييضِ الشَّعَرِ، وتسْبِيطِه، فلا خِيارَ للمُشتَرِى؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في ذلك. وإن عَلفَ الشاةَ فَظَنَّها المُشْتَرِي حامِلًا، أو سَوَّدَ أنامِلَ العَبْدِ، أو ثَوْبَه، لِيَظُنَّه كاتِبًا أو
стр. 5371
وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ،
ــ
حَدّادًا، أو كانتِ الشّاةُ عَظِيمَةَ الضَّرْعِ خِلْقَةً، فَظَنَّها كَثِيرةَ اللَّبَن، فلا خِيارَ له، لأنَّ ذلك لا يَنْحَصِرُ فيما ظَنَّهُ المُشْتَرِي، لأنَّ سوادَ الأنَامِلِ قد يكونُ لوَلَغٍ، أو خِدْمَةِ كاتِبٍ أو حَدَّادٍ، أو شُرُوعٍ في الكِتَابَةِ، وانْتِفاخُ البَطْنِ يكونُ للأكْلِ، فظنُّ المُشْتَرِي غيرَ ذلك طَمَعٌ لا يَثْبُتُ به الخِيَارُ.
فصل: فإنْ أرادَ إمْساكَ المُدَلَّسِ مع الأرْشِ، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَجْعَلْ له في المُصَرَّاةِ أرْشًا، بل خَيَّرَه بينَ الإِمْسَاكِ والرَّدِّ مع صاعٍ مِن تَمْرٍ. ولأنَّ المُدَلَّسَ ليس بمَعِيبٍ، فلم يَسْتَحِقَّ له أرْشًا. فإنْ تَعَذَّرَ عليه الرَّدُّ بِتَلَفٍ، فَعَلَيه الثَّمَنُ؛ لأَنَّه تَعَذَّرَ عليه الرَّدُّ، ولا أرْشَ له، أشْبَهَ غيرَ المُدَلَّسِ. فإنْ تَعَيَّبَ عندَه قبلَ العِلْمِ بالتَّدْلِيسِ، فله رَدُّه ورَدُّ أرْشِ العَيبِ عندَه وأَخْذُ الثّمَنِ، وإنْ شاءَ أمْسَكَ ولا شيءَ له. وإنْ تَصَرَّفَ في المَبِيعِ بعدَ عِلْمِه بالتَّدْلِيسِ، بَطَلَ رَدُّه، كما لو تَصَرَّفَ في المَبِيعِ المَعِيبِ، وإنْ أَخَّرَ الرَّدَّ مِن غيرِ تَصَرُّفٍ، فحُكْمُه حُكْمُ تَأْخِيرِ رَدِّ المَعِيبِ، على ما نَذْكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
١٦٢٣ - مسألة: (ويَرُدُّ مع المُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صاعًا مِن تَمْرٍ .
стр. 5372
فَقِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَاقَةً، أوْ بَقَرَةً، أوْ شَاةً.
ــ
فإنْ لم يَجِدِ التَّمْرَ، فقِيمَتُهُ في مَوْضِعِه، سواءٌ كانت ناقَةً، أو بقَرَةً، أو شاةً) إذا رَدَّ المُصَرَّاةَ لَزِمَه ردُّ (١) بَدَلِ اللَّبَنِ، في قولِ كُل مَنْ جَوَّزَ رَدَّها، وهو مُقَدَّرٌ بصَاعٍ مِن تَمْرٍ، كما جاءَ في الحَدِيثِ. وهذا قَوْلُ اللَّيثِ، وإسحاقَ، والشّافِعِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ. وذَهَبَ مالِكٌ، وبعضُ الشافِعِيَّةِ إلى أنَّ الواجِبَ صاعٌ مِن قُوتِ البَلَدِ؛ لأنَّ في بعضِ الحديثِ (٢): «ورَدَّ مَعَها صَاعًا مِنْ طَعامٍ». وفي بَعْضِها: «ورَدَّ مَعَها مِثْلَ أو مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا». فجَمَعَ بين الأحَادِيثِ، وجَعَلَ تَنْصِيصَه على التَّمْرِ لأَنَّه غالِبُ قوتِ البَلدِ في المَدِينَةِ، [ونصَّ على القَمْحِ] (٣)؛ لأنَّه غالِبُ قوتِ بلَدٍ آخَرَ. وقال أبو يُوسُفَ: يَرُدُّ قِيمَةَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه ضَمانُ مُتْلَفٍ، فَيُقَدَّرُ بقِيمَتِه، كسائِرِ المُتْلَفَاتِ. وحُكِيَ ذلك عن ابنِ أبي لَيلَى. وحُكِيَ عن زُفَرَ، أنّه يَرُدُّ صَاعًا مِن تَمْر أو نِصْف صاعٍ بُرٍّ، كقَوْلِهم في الفِطْرَةِ. ولَنا، الحَدِيث الصَّحِيحُ الذي أوْرَدْنَاهُ، وقد نصّ فيه على التَّمْرِ فقال: «إِنْ شاءَ رَدَّهَا وصَاعًا مِن تَمْرٍ». وللبُخَارِيِّ: «مَن اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها،
стр. 5373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنْ سَخِطَها ففي حَلْبِها صاعٌ مِن تَمْرٍ». ولمُسْلِمٍ: «رَدَّهَا ورَدَّ صَاعًا مِن تَمْرٍ، لا سَمْرَاءَ» (١). يَعْنِي لا يَرُدُّ قمْحًا. والمرادُ بالطَّعامِ في الحَدِيثِ التَّمْرُ، لأنَّه مُطْلَقٌ في أحَدِ الحَدِيثَينِ، مُقَيَّدٌ في الآخرِ، في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، والمُطْلَقُ فيما هذا سَبِيلُه يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ. وحَدِيثُ ابنِ عمرَ في رُواتِه (٢) جُمَيعُ بنُ عُمَيرٍ التَّيمِيُّ. قال ابنُ نُمَيرٍ: هو مِن أكْذَبِ النّاسِ. وقال ابنُ حِبّانَ: كان يَضَعُ الحَدِيثَ. مع أنَّ الحَدِيثَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بالاتِّفَاقِ، إذْ لا قائِلَ بإيجابِ مثلِ لَبَنِها، أو مِثْلَي لَبَنِها قَمْحًا، ثم قد شَكَّ فيه الرَّاوى، مع مُخَالفَةِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وقِياسُ أبي يُوسُفَ مُخالِفٌ للنَّصِّ، فلا يُقْبَلُ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُقَدِّرَ الشارِعُ بَدَلَ هذا المُتْلَفِ، قَطْعًا للخُصُومَةِ والتَّنَازُعِ، كما قَدَّرَ دِيَةَ الآدَمِيِّ ودِيَةَ أطْرَافِه. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ على أنَّ الصّاعَ كان قِيمَةَ اللَّبَنِ فلذلك أوْجَبَه؛ لوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ، أحدُها، أنَّ القِيمَةَ هي الأثْمانُ لا التَّمْرُ. الثانِي،
стр. 5374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه أوْجَبَ في المُصَرَّاةِ مِن الإِبِلِ والغَنَمِ جَمِيعًا صاعًا مِن تَمْرٍ مع اخْتِلافِ لَبَنِها. الثالِثُ، أنّ لَفْظَه للعُمُومِ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مُصَرَّاةٍ، ولا يَتَّفِقُ أنْ تكونَ قِيمَةُ لَبَنِ كُلِّ مُصَرَّاةٍ صاعًا، وإنْ أمْكَنَ أنْ يكونَ كذلك، فيَتَعَيَّنُ إيجابُ الصاعِ؛ لأَنَّه القِيمَةُ التي عَيَّنَ الشارِعُ إيجابَها فلا يَجُوزُ العُدُولُ عنها. ويَجِبُ أنْ يكونَ صاعُ التَّمْرِ جَيِّدًا غيرَ مَعِيبٍ؛ لأَنَّهُ واجِب بإطْلاقِ الشارِعِ، فيَنْصَرِفُ إلى مَا ذَكَرْنَاه، كالصّاعِ الواجِبِ في الفِطْرَةِ. ويَكْفِي فيه أدْنَى ما يَقَعُ عليه اسمُ الجَيِّدِ. ولا فَرْق بين أنْ تكونَ قيمَةُ التَّمْرِ أقَلَّ مِن قِيمَةِ الشاةِ أو أكْثَرَ أو مِثْلَها. نَصَّ عليه. وليس فيه جَمْعٌ بين البَدَلِ والمُبْدَلِ؛ لأنَّ التَّمْرَ بَدَلُ اللَّبَنِ، قَدَّرَهُ الشَّارِعُ به، كما قَدَّرَ في يَدَي العَبْدِ قيمَتَه، وفي يَدَيهِ ورِجْلَيهِ قِيمَتَه مَرَّتَينِ، مع بقاءِ العَبْدِ على مِلْكِ السَّيِّدِ. وإنْ عَدِمَ التَّمْرَ في مَوْضِعِه، فعَلَيه قِيمَتَه في مَوْضِعِ العَقْدِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ عَينٍ أَتلَفَها، فَيَجِبُ عليه قِيمَتُها.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ النَّاقَةِ والبَقَرَةِ والشَّاةِ فيما ذَكَرْنا. وقال داودُ: لا يَثْبُتُ الخِيارُ بتَصْرِيَةِ البَقَرَةِ؛ لأنَّ الحَدِيثَ: «لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والغَنَمَ». فَدَلَّ على أنَّ ما عَداهُما بخِلافِهما، ولأنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ فيهما بالنَّصِّ، والقِياسُ لا تَثْبُتُ به الأَحْكَامُ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً». و «مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً» (١). ولم يُفَصِّلْ. والخَبَرُ
стр. 5375
فَإنْ كَانَ اللَّبَنُ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، رَدَّهُ، وَأَجْزَأهُ. وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْزِئَهُ إِلَّا التَّمْرُ.
ــ
فيه تَنْبِيهٌ على تَصْرِيَةِ البَقَرِ؛ لأنَّ لَبَنَها أكثرُ وأنْفَعُ، فيَثْبُتُ بالتَّنْبِيهِ، وهو حُجَّةٌ عندَ الجَمِيعِ.
فصل: إذا اشْتَرَى مُصَرَّاتَينِ أو أكثَرَ في عَقْدٍ، فرَدَّهُنَّ، رَدَّ مع كُلِّ مُصَرَّاةٍ صَاعًا. وبه قال الشافعيُّ، وبعضُ المالِكِيَّةِ. وقال بعضُهم: في الجميعِ صَاعٌ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها، وإنْ سَخِطَهَا ففي حَلْبَتِها صاعٌ مِن تَمْرٍ». ولَنا، قولُه: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً». وهذا يَتَنَاوَلُ الواحِدَةَ. ولأنَّ ما جُعِلَ عِوَضًا عن شيءٍ في صَفقَتَينِ، وَجَبَ إذا كان في صَفْقَةٍ واحِدَةٍ، كأَرِشِ العَيبِ. وأمّا الحَدِيثُ، فإنَّ الضَّمِيرَ فيه يَعُودُ إلى الواحِدَةِ.
١٦٢٤ - مسألة: (فإن كانَ اللَّبَنُ بحَالِه لم يَتَغَيَّرْ، رَدَّه، واجزَأه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُجْزِئَه إلَّا التَّمْرُ) إذا احْتَلَبَها، وتَرَكَ (١) اللَّبَنَ بحَالِه، ثم
стр. 5376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَدَّها مع لَبَنِها، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ المَبِيعَ إذا كان مَوْجُودًا فَرَدَّه، لم يَلْزَمْه بَدَلُه. فإن أبَى البائِعُ قَبُولَه وطَلَبَ التَّمْرَ، فليس له ذلك إذا كان اللَّبَنُ لم يَتَغَيَّرْ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَه قَبُولُه؛ لظَاهِرِ الخَبَرِ، ولأنّه قد نَقَصَ بالحَلْبِ؛ لأَنَّ كونه في الضَّرْعِ أَحفَظُ له. ولَنا، أنّه قَدَرَ على رَدِّ المُبْدَلِ، فلم يَلْزَمْهُ البَدَلُ، كَسائِرِ المُبْدَلَاتِ مع أَبْدَالِها. والحَدِيثُ، المرادُ به رَدُّ التَّمْرِ حالةَ عَدَمِ اللَّبَنِ؛ لقَوْلِه: «فِفي حَلْبَتِها صَاعٌ مِن تَمْرٍ». وقَوْلُهم: الضَّرْعُ أحْفَظُ له. لا يَصِحُّ؛ لأَنَّه لا يُمْكِنُ إبْقاؤُه في الضَّرْعِ على الدَّوَامِ، لأنَّه يَضُرُّ بالحَيَوانِ. فإن تَغَيَّرَ اللَّبَنُ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُه قَبُولُه. وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ للخَبَر. ولأنَّه قد نَقَصَ بالحُمُوضَةِ، أشْبَهَ تَلَفَه. والثاني، يَلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّ النَّقْصَ (١) حَصَلَ باسْتِعلامِ المَبيعِ، بتَغْريرِ (٢) البائِعِ، وتَسْلِيطِه على حَلْبِه، فلم يَمْنَعِ الرَّدَّ، كَلَبَنِ غيرِ المُصَرَّاةِ.
فصل: فإنْ رَضِيَ بالتَّصْرِيَةِ فَأمْسَكَها، ثم وَجَدَ بها عَيبًا، رَدَّها به؛
стр. 5377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّ رِضَاهُ بِعَيبٍ لا يَمْنَعُ الرَّدَّ لِعَيبٍ آخَرَ، كما لو اشْتَرَى أعْرَجَ فَرَضِيَ به، فَوَجَدَه أبْرَصَ. فإنْ رَدَّ، لَزِمَهُ صَاعٌ مِن تَمْرٍ، عِوَضَ اللَّبَنِ؛ لأنَّه عِوَضٌ له فيما إذا رَدَّها بالتَّصْرِيَةِ، فيكونُ عِوَضًا له مُطْلَقًا.
فصل: ولو اشْتَرَى شاةً غيرَ مُصَرَّاةٍ فاحْتَلَبَها، ثم وَجَد بها عَيبًا، فله الرَّدُّ. ثم إنْ لم يكنْ في ضَرْعِها لَبَنٌ حال العَقْدِ، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ اللَّبَنَ الحادِثَ بعدَ العَقْدِ يَحْدُثُ على مِلْكِه. وإنْ كان فيه لَبَنٌ حالَ العَقْدِ، إلَّا أنَّه يَسِيرٌ لا يَخْلُو الضَّرْعُ مِن مِثْلِه عادَةً، فلا شيءَ فيه؛ لأنَّه لا عِبْرَةَ به، ولا قِيمَةَ له في العادَةِ. وإنْ كان كَثِيرًا، وكان قائِمًا بحالِه، انْبَنَى رَدُّه على رَدِّ لَبَنِ المُصَرَّاةِ، وقد سَبَقَ. فإنْ قُلْنا: ليس له رَدُّه. فَبَقَاؤُه كتَلَفِه. وهل له رَدُّ المَبِيعِ؟ يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَينِ فيما إذا اشْتَرى شَيئًا، فتَلِفَ بَعْضُه أو تَعَيَّبَ، إنْ قُلْنا بِرَدِّه، رَدَّ مثلَ اللَّبَنِ؛ لأَنَّه مِن المِثْليّاتِ، والأصْلُ ضَمانُها بمِثْلِها، إلَّا أنَّه خُولِفَ في لَبَنِ المُصَرَّاةِ للنَّصِّ، ففيما عَداه يَبْقَى على الأصْلِ. ولأَصْحابِ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ نحوٌ ممّا ذَكَرْنا.
فصل: قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا عَلِمَ التَّصْرِيَةَ قبلَ حَلْبِها، مثلَ أن أقَرَّ به البائِعُ، أو شَهِدَ به مَن تُقْبَلُ شهادَته، فله رَدُّها، ولا شيءَ معها؛ لأنَّ التَّمْرَ إنَّما وَجَبَ بَدَلًا للَّبَنِ المُحْتَلَبِ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال:
стр. 5378
وَمَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ، فَلَهُ الرَّدُّ. وَقَال الْقَاضِي: لَيسَ لَهُ رَدُّهَا إلا بَعْدَ ثَلَاثٍ.
ــ
«مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً، فاحْتَلَبَها، فإنْ رَضيَها أَمْسَكَها، وإنْ سَخِطَها، ففي حَلْبَتِها صاعٌ مِن تَمْرٍ» (١). ولم يَأْخُذْ لها ها هنا لَبَنًا، فلم يَلْزَمْه رَدُّ شَيءٍ معها. وهذا قَوْلُ مالِكٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): هذا ممّا لا خِلافَ فيه.
١٦٢٥ - مسألة: (ومَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ، فله الرَّدُّ. وقال القاضِي: ليس له رَدُّها إلَّا بعدَ ثَلاثٍ) اخْتَلَفَ أصْحَابُنا في مُدَّةِ الخِيارِ. فقال القَاضِي: هو مُقَدَّرٌ بثَلَاثَةِ أَيّامٍ، ليس له الرَّدُّ قبلَ مُضِيِّها، ولا إِمْسَاكُها بعدَها، فإنْ أمْسَكَها بعدَها سَقَطَ الرَّدُّ. قال: وهو ظَاهِرُ كلامِ أحمدَ،
стр. 5379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقولُ بَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، لأنَّ أبا هُرَيرَةَ رَوَى أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً، فهو فيها بالخِيارِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، إنْ شاءَ أمْسَكَها، وإنْ شاءَ رَدَّهَا ورَدَّ مَعَها صَاعًا مِنْ تَمْرٍ». رَواهُ مُسْلِمٌ (١). قالُوا: هذه الثّلَاثَةُ قَدَّرَها الشارِعُ لمَعْرِفَةِ التَّصْرِيَةِ، فإنَّها لا تُعْرَف قبلِ مُضِيِّها؛ لأنَّ لَبَنَها في أوَّلِ يوم لَبَنُ التَّصْرِيَةِ، وفي الثانِي، يجُوزُ أنْ يكون نَقَصَ لتَغَيُّرِ المَكانِ، واخْتِلَافِ العَلَفِ، وكذلك الثالِثُ، فإذا مَضَتِ
стр. 5380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثّلاثُ اسْتَبَانَتِ التَّصْرِيَةُ، وثَبَتَ الخِيارُ على الفَوْرِ، ولا يَثْبُتُ قبلَ انْقِضَائِها. وقال أبو الخَطَّاب: متى تَبَيَّنَتَ التَّصْرِيَةُ جازَ له الرَّدُّ، قبلَ الثَّلاثِ وبعدَها؛ لأَنَّه تدْلِيسٌ يُثْبِت الخِيارَ، فملَكَ الرَّدَّ به إذا ظَهَرَ، كسائِرِ التَّدْلِيسِ. وهو قَوْلُ بعضِ المَدَنيِّينَ (١). فعلى هذا، فائِدَةُ التَّقْدِيرِ في الخبرِ بالثَّلاثِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يَحْصُلُ العِلْمُ إلَّا بها، فاعْتَبَرَها لحُصُولِ العِلْمِ ظاهِرًا، فإنْ حَصَلَ العِلْمُ بها أو لم يَحْصُلْ، فالاعْتِبارُ به دُونَها، كما في سائِرِ التّدْلِيس. وظاهِرُ قولِ ابنِ أبي مُوسىَ، أَنَّه مَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَة ثَبَتَ له الخِيارُ في الأَيّامِ الثَّلَاثةِ إلى تَمامِها. وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ، وأبي حامِدٍ مِن الشّافِعِيَّةِ، وحَكاهُ عن الشّافِعِيِّ؛ لظاهِرِ حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ،
стр. 5381
وَإنْ صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ: وَإِذَا اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجَةً، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ، لَمْ يَمْلِكِ الرَّدَّ.
ــ
فإنَّه يَقْتَضِي ثُبُوتَ الخِيارِ في الأيّامِ الثَّلَاثَةِ كُلِّها. وقَوْلُ القاضِي لا يَثْبُتُ في شيءٍ منها، وقولُ أبي الخَطَّابِ يُسَوِّي بَينَها وبينَ غَيرِها. والعَمَلُ بالخَبَرِ أَوْلَى، والقِياسُ ما قاله أبو الخَطَّابِ، قِياسًا على سائِرِ التَّدْلِيسِ.
١٦٢٦ - مسألة: (وإنْ صارَ لَبَنُها عادَةً، لم يَكُنْ له الرَّدُّ في قِياسِ قَوْلِه: إذا اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً، فَطَلَّقَها الزَّوْجُ، لم يَمْلِكِ الرَّدَّ) وقال أصحابُ الشَّافِعِيِّ: له الرَّدُّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ التَّدْلِيسَ
стр. 5382
وَإنْ كَانَتِ التَّصْرِيَةُ فِي غَيرِ بَهِيمَةِ الْأنْعَامِ، فَلَا رَدَّ لَهُ فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ. وَفِي الْآخَرِ، لَهُ الرَّدُّ وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ اللَّبَنِ.
ــ
كان مَوْجُودًا (١) حال العَقْدِ، فأثْبَتَ الرَّدَّ، كما لو نَقَصَ اللَّبَنُ. ولَنا، أنَّ الرَّدَّ جُعِلَ لدَفْعِ الضَّرَرِ بنَقْصِ الثَّمَنِ، ولم يُوجَدْ، فامْتَنَعَ الرَّدُّ، ولأنَّ العَيبَ لم يُوجَدْ، ولم تَخْتَلِفْ صِفَةُ المَبيعِ (٢) عن حالةِ العَقدِ، فلم يَثْبُتِ التَّدْلِيسُ، ولأنَّ الخِيارَ ثَبَتَ لدَفْعِ الضَّرَرِ، ولا ضَرَرَ.
١٦٢٧ - مسألة: (وإنْ كانتِ التَّصْرِيَةُ في غيرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ) كالأمَةِ، والأَتَانِ، والفَرَسِ، ثَبَتَ له الخِيارُ، في أحَدِ الوَجْهَينِ.
стр. 5383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اخْتَارَهُ ابنُ عَقِيل. وهو ظِاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ لعُمُوم قِوْلِه ﷺ : «مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاة». ولأَنَّه تَصْرِيَةٌ بما يَخْتَلِفُ به الثَّمَن، فأثْبَتَ الخِيارَ، كتَصْرِيَةِ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ؛ لأنَّ الآدَمِيَّةَ تُرادُ للرَّضَاعِ، ويُرْغَبُ فيها ظِئْرًا، ولذلك لو اشْتَرَطَ كَثْرَةَ لَبَنِها، فَبانَ بخِلافِه، مَلَكَ الفَسْخَ. [ولَبَنُ الأَتانِ] (١) والفَرَسِ يُرادُ لوَلَدِهما (٢). والثاني، لا يَثْبُتُ به الخِيارُ، لأنَّ لَبَنَها لا يُعْتاضُ عنه في العَادَةِ، ولا يُقْصدُ، كَلَبَنِ بَهِيمَة الأنْعام، والخَبَرُ ورَدَ في بَهِيمَةِ الأنْعامِ، ولا يَصِحُّ القِياسُ عليه؛ لذلك.
стр. 5384
المقنع وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ، وَلَا كِتْمَانُ عَيبِهَا.
ــ
واللَّفْظُ العامُّ أُرِيدَ به الخاصُّ؛ لأنَّه أمَرَ في رَدِّها بصاعٍ مِن تَمْرٍ، ولا يَجِبُ في لَبَنِ غَيرِها. ولأَنَّه وَرَدَ عامًّا وخاصًّا في قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَيُحْمَلُ العامُّ على الخَاصِّ. فإنْ قُلْنَا بِرَدِّها، لم يَلْزَمْه بَدَلُ (١) لَبَنِها، ولا يَرُدُّ معها شَيئًا؛ لأَنَّ هذا اللَّبَنَ لا يُبَاعُ عادَةً، ولا يُعاوَضُ (٢) عنه.
١٦٢٨ - مسألة: (ولا يَحِلُّ للبائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِه، ولا كِتْمانُ عَيبِها) لقَولِه ﵇: «مَنْ غَشَّنَا فليس مِنّا» (٣). قال الترْمِذِيُّ: هذا حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال ﵊: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ باعَ من أخِيهِ بَيعًا إلَّا بَيَّنَه». رَواهُ ابنُ
стр. 5385
فَإِنْ فَعَلَ، فَالْبَيعُ صَحِيحٌ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: إِنْ دَلَّسَ الْعَيبَ، فَالْبَيعُ بَاطِلٌ. قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي التَّصْرِيَةِ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا.
ــ
ماجَه (١). (فإنْ فَعَلَ، فالبَيعُ صَحِيحٌ) في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، بدَلِيلِ حَدِيثِ التَّصْرِيَةِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ صَحَّحَه مع نَهْيِه عنه. (وقال أبو بكرٍ: إنْ دلَّسَ العَيبَ، فالبَيعُ باطِلٌ) لأَنَّه مَنْهِيٌّ عنه، والنَّهْىُ يَقْتَضِي الفسادَ. (فقيلَ له: ما تقولُ في التَّصْرِيَةِ؟ فلم يَذْكُرْ جَوابًا) فدَلَّ على رُجُوعِه.
стр. 5386
فَصلٌ: الْخَامِسُ، خِيَارُ الْعَيبِ؛ وَهُوَ النَّقْصُ؛ كَالْمَرَضِ، وَذَهَابِ جَارِحَةٍ أَوْ سِنٍّ، أَوْ زِيَادَتِهَا، وَنَحْو ذَلِكَ. وَعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِنْ فِعْلِهِ؛ كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالإبَاقِ، وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ إِذَا كَانَ مِن مُمَيِّزٍ.
ــ
فصل: قال، ﵁: (الخامِسُ، خِيارُ العَيبِ؛ وهو النَّقْصُ؛ كالمَرَضِ، وذَهابِ جارِحَةٍ أوْ سِنٍّ، أو زِيادَتِها، ونحو ذلك. وعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِن فِعْلِه؛ كالزِّنا، والسَّرِقَةِ، والإِبَاقِ، والبَوْلِ في الفِراشِ إن كان مِن مُمَيِّزٍ) العُيُوبُ: النَّقَائِصُ المُوجِبَةُ لنَقْصِ المالِيَّةِ في عاداتِ التُّجّارِ؛ لأنَّ المَبِيعَ إنَّما صارَ مَحَلًّا للعَقْدِ باعْتِبارِ صِفَةِ المالِيَّةِ فما يُوجِبُ نَقْصًا فيها يكونُ عَيبًا، والمَرْجِعُ في ذلك إلى العادَةِ في عُرْفِ التُّجَّارِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ في الجارِيَةِ تُشْتَرَى ولها زَوْجٌ، أنَّه عَيبٌ. وكذلك الدَّينُ في رَقَبَةِ العَبْدِ إذا كان السيِّدُ مُعْسِرًا، والجِنايَةُ المُوجِبَةُ للقَوَدِ؛ لأنَّ الرَّقَبَةَ صارَتْ كالمُسْتَحَقَّةِ؛ لوُجُوبِ الدَّفْعِ في الجنايَةِ، والبَيعِ في الدَّينِ، ومُسْتَحَقَّةَ الإِتْلافِ
стр. 5389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالقصَاصِ. والزِّنَى والبَخَرُ عَيبٌ في العَبْدِ والأمَةِ. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: ليس بعَيبٍ في العَبْدِ؛ لأنَّه لا يُرادُ للفِراشِ والاسْتِمْتاعٍ به، بخِلافِ الأمَةِ. ولَنا، أنَّ ذلك يَنْقُصُ قِيمَتَه ومالِيَّتَهُ؛ فإنَّه بالزِّنى يَتَعَرَّضُ لإِقامَةِ الحَدِّ عليه والتَّعْزِيرِ، ولا يَأْمنُهُ سَيِّدُه على عائِلَتِه، والبَخَرُ يُؤذِي سَيِّدَه ومَن جالسَه أو سارَّه. والسَّرِقَةُ والإِباقُ والبَوْلُ في الفِراشِ عيُوبٌ في الكَبِيرِ الذي جاوَزَ العشْرَ. وقال أصحابُ أبي حَنِيفَةَ: في الذي يَأكُلُ وَحْدَه ويَشْرَبُ وَحْدَه. وقال الثَّوْرِيُّ، وإسحاق: ليس بعَيبٍ حتى يَحْتَلِمَ، لأنَّ الأحْكامَ تَتَعَلَّقُ به، مِن التَّكْلِيفِ ووُجُوبِ الحَدِّ، فكذلك هذا. ولَنا، أنَّ الصَّبِيَّ العاقِلَ يَتَحَرَّزُ مِن هذا عادَةً، كتَحَرُّزِ الكَبِيرِ، فوُجُودُه منه في تلك الحالِ يَدُلُّ على أنَّ البَوْلَ لداءٍ في باطِنِه (١)، والسَّرِقَةَ والإِباقَ لخُبْثٍ في طَبْعِه. وحَدُّ ذلك بالعَشْرِ؛ لأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بتَأْدِيبِ الصَّبِيِّ على تَرْكِ الصَّلَاةِ عندَها، والتَّفْرِيقِ بينَهم في المَضاجِعِ (٢). فأمّا
стр. 5390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَن دونَ ذلك، فتكونُ هذه الأُمُورُ منه لضَعْفِ عَقْلِه وعَدَمِ تَثَبُّتِه. وكذلك إنْ كان العَبْدُ يَشْرَبُ الخَمْرَ ويَسْكَرُ مِن النَّبِيذِ. نَصَّ عليه أَحمَدُ؛ لأنَّه يوجِبُ الحَدَّ، فهو كالزِّنَى. وكذلك الحُمْقُ الشَّدِيدُ، والاسْتِطَالةُ على الناسِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى التَّأدِيبِ. ورُبَّما تَكَرَّرَ فأَفضَى إلى تَلَفِه، ويَخْتَصُّ الكَبِيرَ دونَ الصَّغِيرِ؛ لأنَّه مَنْسُوبٌ إلى فِعْلِه. وعدَمُ الخِتانِ ليس بعَيبٍ في العَبْدِ الصَّغِيرِ، لأنَّه لم يَفُتْ وَقْتُه، ولا في الأمَةِ الكَبِيرَةِ. وبه قال الشَّافِعِيُّ. وقال أصحابُ أبي حَنِيفَةَ: هو عَيبٌ فيها؛ لأنَّه زِيادَةُ ألمٍ، أشْبَهَتِ العَبْدَ. ولَنا، أنَّه لا يَجِبُ عليها، والألَمُ يَقِلُّ فيه، ولا يُخشى
стр. 5391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه التَّلَفُ، بخلافِ العَبْدِ الكَبِيرِ. فأمّا الكَبِيرُ، فإنْ كان مَجْلُوبًا مِن الكفّارِ، فليس ذلك بعَيبٍ فيه؛ لأنَّ العادَةَ أنَّهُم لا يُخْتَنُونَ، فصارَ ذلك مَعْلُومًا عندَ المُشْتَرِي، فهو كَدِيِنِهِم، وإنْ كان مُسْلِمًا مَوْلِدًا فهو عَيبٌ فيه؛ لأنَّه يُخشى عليه منه، وهو خِلاف العادَةِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جُزْءٍ، والأَصْلُ عَدَمُ الإِتْلافِ، والثمَنُ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه، فنقولُ: جُزْء يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ ببقَائِه وزَوالِه، فَزَوَالُهُ عَيبٌ، كتَلَفِ بعضِ أجْزائِها. وتَحْرِيمُها على المُشْتَرِي بِنَسَبٍ أو رَضاع، ليس بعَيبٍ، إذْ ليس في المَحَلِّ ما يُوجِبُ خَلَلًا في المالِيَّةِ ولا نَقْصًا، والتَّحْرِيمُ يَخْتَصُّ به. وكذلك الإِحْرَامُ والصِّيَامُ؛ لانَّهُما يَزُولَانِ قَرِيبًا. وبه قال أبو حَنِيفةَ والشّافِعِيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك عِدَّةُ البائِنِ. فأمّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّةِ فهي عَيبٌ؛ لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ لا يُؤمَنُ ارْتِجاعُها. ومَعْرِفَةُ الغِناءِ والحِجامَةِ ليس بعَيبٍ وحُكِيَ عن مالِكٍ، في الجارِيَةِ المُغَنِّيَةِ، أنَّه عَيبٌ فيها؛ لأَنَّه مُحَرَّمٌ. ولَنا، أَنه ليس بنَقْصٍ في عَييها، ولا قِيمَتِها، فهو كالصِّنَاعَةِ، وكونُه مُحَرَّمًا مَمْنُوعٌ. وإنْ سُلِّمَ، فالمُحَرَّمُ اسْتِعْمالُه، لا مَعْرِفَتُه. والعَسَرُ (١) ليس بعَيب، وكان شُرَيح يَرُدُّ به. ولَنا، أنَّه ليس بنَقْص، وعَمَلُه بإحْدَى يَدَيهِ يقومُ مَقامَ عَمَلِه بالأُخْرَى. والكفْرُ ليس بعَيبٍ. وبه
стр. 5394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الشّافِعِيُّ. وهِو عَيبٌ عند أبي حَنِيفَةَ؛ لأَنَّه نَقْصٌ؛ لقَوْل اللهِ تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (١). ولنا، أنَّ العَبِيدَ فيهم المُسْلِمُ والكافِرُ، والأصْلُ فيهم الكُفْرُ، فالإِطْلَاقُ لا يَقْتَضِي خِلافَ ذلك، وكوْنُ المُومِن خَيرًا مِن الكافِرِ لا يَقْتَضِي كوْنَ الكُفْرِ عَيبًا، كما أنَّ المُتَّقِي خيرٌ من غيرِه، قال الله تَعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢). وليس عَدَمُه عَيبًا. وكَوْنُه وَلَدَ زِنًى ليس بعَيبٍ. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: هو عَيبٌ في الجارِيَةِ؛ لأنَّها ترادُ للافتِراشِ، بخلافِ العَبْدِ. قُلْنا: إنَّ النسَبَ في الرَّقِيقِ غيرُ مَقْصُودٍ، بدَلِيلِ أنَّهم يُشْتَرَوْنَ مَجْلُوبِينَ غيرَ مَعْرُوفِي النَّسَبِ. وكونُ الجارِيَةِ لا تُحْسِنُ الطَّبْخَ أو الخَبْزَ ونحوَه، ليس بعَيبٍ؛ لأنَّ هذا حِرْفَةٌ، فلم يكُنْ فَقْدُها عَيبًا،
стр. 5395
فَمَنِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيبَهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالإمْسَاكِ مَعَ الْأرْشِ، وَهَوُ قِسْطُ مَا بَينَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ.
ــ
كسائِرِ الصَّنائِعِ. وكونُها لا تَحِيضُ، ليس بِعَيبٍ. وقال الشّافِعِيُّ: هو عَيبٌ إذا كان لكِبَرٍ؛ لأَنَّ مَن لا تَحِيضُ لا تحْمِلُ. ولَنا، أنَّ الإِطْلَاقَ لا يَقْتَضِي الحَيضَ ولا عَدَمَه، فلم يكُنْ فواتُه عَيبًا،؛ لو كان لغَيرِ الكِبَرِ.
١٦٢٩ - مسألة: (فمَن اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيبَه، فله الخِيارُ بينَ الرَّدِّ والإِمْسَاكِ مع الأرشِ، وهو قِسْطُ ما بينَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ والمَعِيبِ مِن الثَّمَنِ) مَن اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، أو مُدَلَّسًا، أو مُصَرَّاةً، وهو عالِمٌ فلا خِيارَ له؛ لأَنَّه بذَلَ الثَّمَنَ فيه عالِمًا راضِيًا به عِوَضًا، أشْبَهَ ما لا عَيبَ فيه، لا نَعْلَمُ خِلافَ ذلك. وإنْ عَلِمَ به عَيبًا لم يكُنْ عالِمًا به، فله