← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

وَالْآخَرُ يُرَدُّ إِلَى أقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالحِجَازِ. ــ بالحِجازِ، ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: الاعْتِبارُ في كُلِّ بلَدٍ بعَادَتِه. ولَنا، ما رَوَى [عبدُ اللهِ بنُ عمرَ] (١) عن النَّبِيِّ ﷺ أنّه قال: «المِكْيَالُ مِكْيالُ المَدِينَةِ، والمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» (٢). والنَّبِيُّ ﷺ إنّما يُحْمَلُ كلامُه على بَيانِ الأَحْكام. ولأَنَّ ما كان مَكِيلًا بالحجازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ إليهَ في تَفَاضُلِ الكَيلِ، فلا يجوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ بعد ذلك، وهكذا الوَزْنُ. فأمّا ما لا عُرْفَ له بالحِجَازِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما (يُرَدُّ إلى أقْرَبِ الأَشْيَاءِ شَبَهًا به بالحِجَازِ) كما أنَّ الحَوادِثَ تُرَدُّ إلى أَشْبَهِ المَنْصُوصِ عليه بها، وهو القِيَاسُ. والثانِي، يُعْتَبَرُ عُرْفُه في مَوْضِعِه؛ لأنَّ ما لم يكُنْ له في الشَّرْعِ حَدٌّ، يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ،

стр. 5637

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالقَبْضِ، والحَرْزِ، والتَّفَرُّقِ. وعلى هذا، إنِ اخْتَلَفَتِ البِلادُ، فالاعْتِبَارُ بالغالِبِ، فإنْ لم يكُنْ غالِبٌ، تَعَيَّنَ الوَجْهُ الأولُ. ومَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كهَذينِ الوَجْهَينِ. فصل: والبُرُّ والشَّعِيرُ مَكِيلانِ، مَنْصُوصٌ عليهما بقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «البُرُّ بالبُرِّ كَيلًا بكَيلٍ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كَيلًا بكَيلٍ» (١). وكذلك سائِرُ الحُبُوب، والأبازِيرِ، والأُشْنَانُ والجِصُّ والنُّورَةُ وما أشبَهَها. والتَّمْرُ مَكِيلٌ، وهو من المَنْصُوصِ عليه، وكذلك سائِرُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ من الرُّطَبِ والبُسْرِ وغيرِهما، وسائِرُ ما تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ من الثِّمارِ؛

стр. 5638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مثلَ الزَّبِيبِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ، واللَّوْزِ، والعُنَّابِ، والمِشْمِشِ، والزَّيتُونِ، والبُطْمِ. والمِلْحُ مَكِيلٌ، وهو من المَنْصُوصِ عليه بقَوْلِه ﵇: «المِلْحُ بالمِلْحِ [مُدْىٌ بمُدْىٍ] (١)». والذَّهَبُ والفِضَّةُ مَوْزُونانِ بقَوْلِه ﵇: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بوَزْنٍ» (٢). وكذلك ما أَشْبَهَهُما من جَواهِرِ الأرْضِ؛ كالحَدِيدِ، والرَّصَاصِ، والصُّفْرِ، والنُّحاسِ، والزُّجاج، والزِّئْبَقِ. وكذلك الإِبرِيسَمُ، والقُطْنُ، والكَتَّانُ، والصُّوفُ، وغزْلُ ذلك، وما أَشْبَهَه.

стр. 5639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومنه الخبزُ، واللَّحْمُ، والشَّحْمُ، والجُبْنُ، والزُّبْدُ، والشَّمْعُ، والزَّعْفَرَانُ، والعُصْفُرُ، والوَرْسُ، وما أشْبَهَ ذلك. فصل: والدَّقِيقُ والسَّويقُ مَكِيلانِ؛ لأَنَّ أَصْلَهُما مَكِيلٌ، ولم يُوجَدْ ما يَنْقُلُهما عنه، ولأَنَّهُما يُشْبِهانِ ما يُكَالُ. وذكَرَ القاضِي في الدَّقِيقِ، أنّه يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ وَزْنًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يكونَ مَوْزُونًا، وأَصْلُه مَكِيلٌ، كالخُبْزِ. ولَنا، ما ذَكَرْناهُ، ولأنَّه يُقَدَّرُ بالصّاعِ، بدَلِيلِ أنّه يُخْرَجُ في الفِطْرِ صَاعٌ من دَقِيقٍ، وقد جاءَ ذلك في الحَدِيثِ. والصّاعُ

стр. 5640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنّما يُقَدَّرُ به المَكِيلاتُ، وعلى هذا يكونُ الأَقِطُ مَكِيلًا؛ لأنَّ في حَدِيثِ صَدَقَةِ الفِطْرِ: صاعٌ من أَقِطٍ (١). فأمَّا اللَّبَنُ وغَيرُه من المائِعَاتِ؛ كالأدْهانِ، من الزَّيتِ، والشَّيرَجِ، والعَسَلِ، والدِّبْسِ، والخَلِّ، ونحو ذلك، فالظّاهِرُ أنَّها مَكِيلَة. قال القاضِي في الأَدْهانِ: هي مَكِيلَةٌ. وفي اللَّبَنِ: يَصِحُّ السَّلَمُ فيه كَيلًا. وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: لا يُبَاعُ اللَّبَنُ بَعْضُه بِبَعْض إلَّا كَيلًا. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنّه سُئِلَ عن السَّلَفِ في اللَّبَنِ، فقال: نعم، كَيلًا أو وَزْنًا. وذلك لأنَّ الاءَ مُقَدَّرٌ بالصّاعِ، ولذلك (٢) قالُوا: كان النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ (٣)، ويَغْتَسِلُ هو وزَوْجَتُه من الفَرَقِ (٤). وهذه مَكايِيلُ قُدرَ بها الماءُ، وكذلك سائِرُ المائِعاتِ. ورُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن بَيعِ ما في ضُرُوعِ الأَنْعَامِ

стр. 5641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلَّا بكَيلٍ. روَاهُ ابنُ ماجَه (١). وأمّا غيرُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فما لم يكُنْ له أصْلٌ بالحِجازِ في كيل ولا وَزْنٍ، ولا يُشْبِهُ ما جَرَى فيه عُرْفٌ بذلك، [كالثِّيابِ، والحَيَوانِ] (٢)، والمَعْدُودَاتِ؛ من الجَوْزِ، والبَيضِ، والرُّمَّانِ، والقِثَّاءِ، والخِيَارِ، وسائِرِ الخُضَرِ، والبقُولِ، والسَّفَرْجَلِ، والتُّفّاحِ، والكُمَّثْرَى، والخَوْخِ، ونحوها، فهذه إذا اعْتَبَرْنا التَّماثُلَ فيها، فإنّه يُعْتَبَرُ في الوَزْنِ؛ لأنَّه أخْصَرُ. ذَكَرَه القاضِي في الفَواكِهِ الرَّطْبَةِ. وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأَصْحابِ الشّافِعِيِّ. والآخَرُ، قالُوا: يُعْتَبَرُ ما أَمْكَنَ كَيلُه بالكَيلِ؛ لأنَّ الأَصْلَ الأَعْيَانُ الأرْبَعَةُ، وهي مَكِيلَةٌ، ومن شأْنِ الفرْعِ أنْ يُرَدَّ إلى أصْلِه بحُكْمِه، والأصْلُ حُكْمُه تحريمُ التَّفاضُلِ بالكَيلِ، فكذلك يكونُ حُكْمُ فُرُوعِها (٣). ولَنا، أنَّ الوَزْنَ أَخْصَرُ، فوَجَبَ اعْتِبارُه في غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، كالذي لا يُمكِنُ كَيلُه، وإنَّما اعْتُبرَ الكَيلُ في المَنْصُوص؛ لأَنَّه يُقدَّرُ به في العادَةِ، وهذا بخِلافِه.

стр. 5642

فَصْلٌ: وَأمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ، فَكُلُّ شَيئَينِ لَيسَ أحَدُهُمَا ثَمَنًا، عِلَّةُ رِبَا الْفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ، كَالْمَكِيلِ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ، لَا يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا، وَإنْ تَفرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ، بَطَلَ الْعَقْدُ. ــ فصل: قال، ﵁: (وأمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ، فكلُّ شَيئَينِ ليس أحَدُهما ثَمَنًا، عِلَّة رِبَا الفَضْلِ فيهما واحِدَةٌ؛ كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ، والمَوْزونِ بالمَوْزونِ، لا يجوز النَّساءُ فيهما، وإنْ تَفَرَّقَا قبلَ التَّقائضِ، بطلَ العَقْدُ) متى كان أحَدُ العِوَضَينِ ثمنًا، والآخَر مُثَمَّنًا، جازَ النَّساءُ بَينَهما بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الشَّرْعَ أرْخصَ في السَّلَمِ، والأصْل في رَأْسِ مالِ السَّلَمِ الدَّراهِمُ والدَّنانِير، فلو حَرم النَّساءُ ها هنا، لانْسَدَّ بابُ السَّلَمِ في المَوْزونَاتِ، في الغالِبِ. وإنْ لم يكنْ أحَدُهما ثمنًا، فكلُّ شَيئَينِ يَجْرِي فيهما الرِّبَا بعِلّةٍ واحِدَةٍ؛ كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ، والمَوْزونِ بالمَوزونِ، والمَطْعُومِ بالمَطْعُومِ عند مَنْ يُعَلِّل به، يَحْرُمُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ نسِيئَةً، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لقَوْلِ رسولِ الله ﷺ : «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ، فبِيعوا كَيفَ شِئْتم يَدًا بِيَدٍ» (١). وفي لَفْظٍ: «لا بَأْسَ بِبَيع

стр. 5643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذَّهَبِ بالفِضَّةِ -والفِضَّةُ أكْثَرُهما- يدًا بِيَدٍ، وأمّا النَّسِيئَةُ فلَا، ولا بَأْسَ بِبَيعِ البُرِّ بالشَّعِيرِ -والشَّعِيرُ أكْثَرُهما- يدًا بِيَدٍ، وأمّا النَّسِيئَةُ فلا». رَواهُ أبو داودَ (١). فصل: وإنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ، بَطَلَ العَقْدُ. وبه قال الشّافِعِيُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يُشْتَرَطُ التَّقابُضُ في غيرِ النَّقْدَينِ؛ لأنَّ ما عَداهُما ليس بأَثْمانٍ، فلم يُشتَرَطِ التَّقابُضُ فيهمأ، كغَيرِ أمْوال الرِّبَا، وكبيعِ ذلك بأحَدِ النَّقْدَينِ. ولَنا (٢)، قَوْلُه ﵇: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ فبيعُوا كيفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ». فالمُرادُ به القَبْضُ. ولأَنَّهُما مالانِ من أمْوالِ الرِّبَا عِلَّتُهما واحِدَةٌ، فحَرُمَ التَّفَرُّقُ بينهما قبلَ القَبْضِ، كالذَّهَبِ بالفِضَّةِ.

стр. 5644

وَإنْ بَاعَ مَكِيلًا بِمَوْزُونٍ، جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْض. وَفِي النَّسَاءِ رِوَايَتَانِ. ــ ١٦٩٥ - مسألة: (وإنْ بَاعَ مَكِيلًا بمَوْزُونٍ) كاللَّحْمِ بالبُرِّ (جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، وفي النّساءِ روَايَتَانِ) وهذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، وقال: هو رِوَايَةٌ واحِدَةٌ؛ لأن عِلَّتَها مُخْتَلِفَةٌ، فجازَ التَّفَرُّق قبل القَبْضِ، كالثَّمَنِ بالثَّمَنِ. ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِيِّ وجوبَ التَّقَابُضِ؛ لأَنَّه قال: وما كان من جِنْسَينِ فجائِزٌ التّفَاضُلُ فيه يَدًا بِيَدٍ. وهل يجوزُ النَّساءُ؛ فيه رِوَايَتَانِ؛ إحداهُما، لا يَجُوزُ. ذَكَرَها الخِرَقِيُّ؛ لأَنَّهُما مالانِ من أمْوالِ الرِّبَا، فلم يَجُزِ النَّساءُ فيهما، كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ.

стр. 5645

وَمَا لا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ؛ كالثيابِ، وَالْحَيَوَانِ، يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ فِي الْجنْسِ الْوَاحِدِ، كَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ، وَيَجُوزُ فِي الْجِنْسَينِ، كَالثِّيَابِ بِالْحَيَوانِ. ــ والثانِيَةُ، يَجُوزُ. وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ، لأنَّهُما لم يَجْتَمِعا في أحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الفَضْلِ، فجازَ النَّساءُ فيهما، كالثِّيابِ بالحَيَوانِ، وعند مَن يُعَلِّلُ بالطَّعْمِ لا يُجِيزُه ها هنا، وَجْهًا واحِدًا. ١٦٩٦ - مسألة: (وما لا يَدْخُلُه رِبَا الفَضْلِ؛ كالثِّيابِ، والحَيَوانِ، [يجوزُ النَّساءُ فيهما. وعنه، لا يَجُوزُ. وعنه، لا يَجُوزُ في الجنسِ الواحِدِ؛ كالحيَوانِ بالحَيَوانِ، ويَجُوزُ في الجِنْسَينِ؛ كالثِّيَابِ بالحَيَوانِ]) (١) فيه أرْبَعُ رِوايَاتٍ، إحْدَاهُنَّ، لا يَحْرُمُ النَّساءُ فيه، سواءٌ

стр. 5646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِيعَ بجِنْسِه أو بغَيرِه، مُتَسَاويًا أو مُتَفَاضِلًا. وقال القاضِي: إن كان مَطْعُومًا حَرُمَ النَّساءُ فيه، وإنْ لم يَكُنْ مَكِيلًا ولا مَوْزُونًا. وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّ العِلَّةَ الطَّعْمُ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. ووجْهُ جَوازِ النَّساءِ ما رَوَى أبو داودَ (١) عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرَه أنْ يُجَهِّزَ جَيشًا، فنَفِدَتِ الإِبِلُ، فأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ في قِلاصِ (٢) الصَّدَقَةِ، فكان يَأْخُذُ التعِيرَ بالبَعِيرَينِ إلى إِبِلِ الصَّدَقَةِ. ورَوَى سعيدٌ في سُنَنِه، عن أبي مَعْشَرٍ، عن صالِحِ بنِ كَيسَانَ، عن الحسنِ بنِ محمدِ بنِ عَلِيٍّ: أنَّ عَلِيًّا باعَ بَعِيرًا له، يقالُ له: عُصَيفِيرٌ، بأرْبَعَةِ أبْعِرَةٍ إلى أجَل (٣). ولأنهُما مَالانِ، لا يَجْرِي فيهما رِبَا الفَضْلِ، فجازَ النَّساءُ فيهما، كالعَرْضِ بِالدِّينارِ، ولأنَّ النَّساءَ أحَدُ نَوْعَي الرِّبَا، فلم يَجُزْ في الأمْوالِ كُلِّها، كالنَّوْعِ الآخرِ.

стр. 5647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعلى هذه الرِّوايَةِ، عِلَّةُ تَحْرِيمِ النَّساءِ الوصْفُ الذي مع الجِنْسِ. أمّا الكَيلُ، أو الوَزْنُ، أو الطَّعْمُ عند من يُعَلِّلُ به، فيَخْتَصُّ تحريمُ النَّساءِ بالمَكِيلِ والمَوْزُونِ عند من يُعَلِّلُ [بهما، وبالمَطْعُومِ عند مَنْ يُعَلِّلُ] (١) به. اخْتَارَها القاضِي. والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ، يَحْرُمُ النَّساءُ في كُلِّ مالٍ بِيعَ بمالٍ آخَرَ، سواء كان من جِنْسِه أوْ لَا؛ لِما رَوَى سَمُرَةُ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن بَيْعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَسِيئَةً. قال التِّرْمِذِيُّ (٢): حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ولم يُفرِّقْ بينَ الجِنْسِ والجِنْسَينِ، ولأنَّه بَيعُ عَرْضٍ بعَرْضٍ، فحَرُمَ النَّسَاءُ بَينَهُما، كالجِنْسَينِ من أَموالِ الرِّبَا، فيكونُ عِلَّةُ النَّسَاءِ بينهما المالِيَّةَ، على هذه الرِّوَايَةِ. قال القاضِي: فعلى هذا، لو باعَ عَرْضًا بعَرْضٍ ومع أحَدِهما دراهِمُ العُرُوضِ نَقْدًا، والدَّرَاهِمُ نَسِيئَةٌ، جازَ، وإنْ كان بالعَكْسِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى النَّسِيئَةِ في العُرُوضِ. قال

стр. 5648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَيخُنا (١): وهذه الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ جدًّا؛ لأنَّه إثْباتُ حُكْمٍ يُخالِفُ الأصْلَ بغيرِ نَصٍّ ولا إجْماعٍ ولا قِياسٍ صَحِيحٍ، فإنَّ [في المَحلِّ] (٢) المُجْمَعِ عليه، أو المَنْصُوصِ عليه، أوصافًا لها أَثَرٌ في تَحْرِيمِ الفَضْلِ، فلا يَجُوزُ حَذْفُها عن دَرَجَةِ الاعْتِبارِ، وما هذا سَبِيلُه لا يَجُوزُ إثبات الحُكْمِ فيه، وإنْ لم يُخالِفْ أَصْلًا، فكيفَ يَثْبُتُ (٣) مع مُخَالفَةِ الأصْلِ في حِلِّ البَيعِ. فأمّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فهو من رِوَايَةِ الحَسَنِ عن سَمُرَة، وأبو عبدِ اللهِ لا يُصَحِّحُ سماعَ الحَسَنِ من سَمُرَةَ. قاله الأثْرَمُ. والرِّوايَةُ الثالِثَةُ، يَحْرُمُ النَّساءُ في كُلِّ ما بِيعَ بجِنْسِه، كالحَيَوانِ بالحَيَوانِ، والثِّيَابِ بالثِّيَابِ، ولا يَحْرُمُ في غيرِ ذلك. وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ. ويُرْوَى كراهَةُ بَيعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَساءً، عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ (٤)، وعبدِ اللهِ بنِ عُبَيدِ بنِ عُمَيرِ، وعِكْرِمَةِ بنِ خالِدٍ (٥)، وابنِ سِيرِينَ، والثَّوْريِّ،

стр. 5649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحَسَنِ. ورُوِيَ ذلك عن عَمّارٍ، وابنِ عمرَ؛ لحَدِيثِ سَمُرَةَ، ولأَنَّ الجِنْسَ أحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الفَضْلِ، فحَرُم النَّساءُ؛ كالكَيلِ والوَزْنِ. والرِّوَايَةُ الرّابِعَةُ، لا يَحْرُمُ النَّسَاءُ إلَّا فيما بِيعَ بجِنْسِه مُتَفَاضِلًا؛ لِما رَوَى جابِرٌ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «الحَيَوانُ اثْنَان (١) بواحِدٍ لا يَصْلُحُ نَساءً، ولا بَأْسَ به يَدًا بِيَدٍ». قال التِّرْمِذِيُّ (٢): حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى الإمامُ أحمدُ (٣) بإسْنَادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّ رَجُلًا قال: يا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الفَرَسَ بالأفْرإسِ، والنَّجِيبَةَ بالإِبِلِ؟ فقال: «لا بَأْسَ إذا كان يَدًا بِيَدٍ». وهذا يَدُلّ بمَفْهُومِه على إِباحَةِ النَّساءِ مع التَّمَاثُلِ. والرِّوَايَةُ الأولَى أَصَحُّ؛ لمُوافَقَتِها الأَصْلَ. والأحَادِيثُ المُخالِفَةُ لها، قد قال أحمدُ: ليس فيها حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عليه، ويُعْجِبُنِي أنْ يَتَوَقَّاه. وذُكِرَ له حَدِيث ابنِ عَبّاسٍ وابنِ عمرَ في هذا، فقال: هما مُرْسَلَانِ. وحَدِيثُ سَمُرَةَ

стр. 5650

وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَهُوَ بَيعُ الدَّينِ بِالدَّينِ. ــ قد أجَبْنَا عنه، وحَدِيثُ جابِرِ، قال أبو عبدِ اللهِ: هذا حَجَّاجٌ زادَ فيه: «نَساءً»، ولَيثُ بنُ سَعْدٍ (١) [سَمِعَه مِن أبي الزُّبَيرِ، لا يَذْكُرُ فيه: «نَسَاءً»، وحجَّاجٌ هذا هو حجَّاجُ بنُ أرْطَاةَ] (٢). قال يَعْقُوبُ بنُ شَيبَةَ: هو واهِي الحَدِيثِ، وهو صَدُوقٌ. وإنْ كان أحَدُ المَبِيعَين مِمّا لا رِبًا فيه، والآخَرُ فيه رِبًا؛ كالمَكِيلِ بالمَعْدُودِ، ففي تَحْرِيمِ النَّساءِ فيهما رِوَايَتانِ. ١٦٩٧ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ؛ وهو بَيعُ الدَّين بالدَّينِ) لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ الكالِئِ بالكالِئِ. روَاهُ أبو عُبَيدٍ

стр. 5651

فَصْلٌ: وَمَتَى افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، أَو افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ رَأْس مَالِهِ، بَطَلَ الْعَقْدُ. ــ في الغَرِيبِ (١). فصل: قال، رَحِمَهُ الله تَعالى: (ومَتَى افْتَرقَ المُتَصارِفَانِ قبلَ التَّقَابُضِ، أو افْتَرَقَا عن مَجْلِسِ السَّلَمِ قبلَ قَبْضِ رَأْسِ مالِه، بَطَلَ العَقْدُ) أمّا إذا افْتَرَقَا عن مَجْلِسِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ المالِ، فَسَيُذْكَرُ في بابِهِ، إنْ شاءَ الله تَعالى. وأمّا الصَّرْفُ؛ فهو بَيعُ الأثْمانِ بَعضِها بِبَعْضٍ، والقَبْضُ في المَجْلِسِ شَرْط لصِحَّتِه بغَيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على أنَّ المُتَصَارِفَينِ

стр. 5652

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا افْتَرَقَا قبلَ أن يَتَقَابَضَا، أنَّ الصَّرْفَ فاسِدٌ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الذَّهَبُ بالوَرِقِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ (١)» (٢). وقَوْلِه ﵇: «بِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» (٣). ونَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن بَيعِ الذَّهَبِ بالوَرِقِ دَينًا (٤). ونَهَى أنْ يُباعَ غائِبٌ منها بنَاجِزٍ (٥). وكُلُّها أحادِيثُ صِحاحٌ. ويُجْزِيء القَبْضُ في المَجْلِسِ، وإنْ طال، ولو تَمَاشَيَا مُصْطَحِبَينِ إلى مَنْزِلِ أحَدِهما، أو إلى الصَّرَّافِ، فَتَقَابَضَا عندَه، جازَ. وبه قال [الشَّافِعيُّ و] (٦) أبو حَنِيفَةَ وأصْحابُه. وقال مالِكٌ: لا خيرَ في ذلك؛ لأنَّهُما فارَقَا مَجْلِسَهُما. ولَنا، أنَّهما لم يَفْتَرِقَا قبلَ التَّقابُضِ، فأشْبَهَ ما لو كانَا في سفِينَةٍ تَسِيرُ بهما، أو رَاكِبَينِ على دابَّةٍ واحِدَةٍ تَمْشِي بهما. وقد دَلَّ على ذلك حَدِيثُ أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ في قولِه

стр. 5653

وَإنْ قَبَضَ الْبَعْضَ، ثُمَّ افْتَرَقَا، بَطَل فِي الْجَمِيعِ، فِي أحدِ الْوَجْهَينِ. وفِي الآخرِ، يَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ. ــ للَّذَينِ مَشَيَا إليه من جانِبِ العَسْكَرِ: وما أراكُما افْتَرَقْتُما (١). وإن تَفَرَّقَا قبلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ العَقْدُ؛ لفَواتِ شَرْطِه. ١٦٩٨ - مسألة: (وإنْ قَبَضَ البَعْضَ، ثمّ افْتَرَقَا، بَطَلَ في الجَمِيعِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ. وفي الآخَرِ، يَبْطُلُ فيما لم يَقْبِضْ) بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. ولو وَكَّلَ أحَدُهما وَكِيلا في القَبْضِ، فقَبَضَ الوَكِيلُ قبلَ تَفَرُّقِهما، جازَ، وقامَ قَبْضُ وَكِملِه مَقامَ، سَواءٌ فارَقَ الوَكِيلُ المَجْلِسَ قبلَ القَبْضِ، أو لم يُفارِقْه. وإنِ افْتَرَقا قبلَ قَبْضِ الوَكِيلِ، بَطَلَ؛ لأنَّ القَبْضَ في المَجْلِس شَرْطٌ، وقد فاتَ. وإنْ تَخايَرا قَبلَ القَبْضِ في المَجْلِسِ، لم يَبْطُلِ العَقْدُ بذلك؛ لأنَّهُما لم يَفْتَرِقَا قبلَ القَبْضِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ، إذا قُلْنَا بلُزُومِ العَقْدِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَبْقَ فيه خِيارٌ قبلَ القَبْضِ، أشْبَهَ ما لو افْتَرَقَا. والصحِيحُ الأوَّلُ، فإنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ، وقد وُجِدَ، واشْتِراطُ التَّقَابُضِ قبلَ اللُّزُومِ تحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ. ثم يَبْطُلُ بما إذا تخايَرَا قبلَ الصَّرْفِ ثم اصْطرَفا، فإنّ الصَّرْف يَقَعُ لازِمًا صَحِيحًا قبلَ القبْضِ، ثم يُشْتَرَطُ القَبْضُ في المَجْلِسَ.

стр. 5654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولو صارَفَ رَجُلًا دينارًا بعَشَرَةِ دَراهِمَ، وَليس معه إلَّا خَمْسَة، لم يَجُزْ أنْ يَتَفَرَّقَا قبلَ قَبْضِ العَشَرَةِ، فإنْ قَبَضَ الخَمْسَةَ وافْتَرَقَا، فهل يَبْطُلُ في الجَمِيعِ، أو في نِصْفِ الدِّينارِ؟ يَنْبَنِي على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فإنْ أرادَا صِحَّةَ العَقْدِ، فَسَخَا الصَّرْفَ في النِّصْفِ الذي ليس معه عِوَضُه، أو يَفْسَخَانِ العَقْدَ كُلَّه، ثم يَشْتَرِى منه نِصْفَ الدِّينارِ بخَمْسَةٍ ويَدْفَعُها إليه، ثم يَأْخُذُ الدِّينارَ كُلَّه، فيَكُونُ نِصْفُه له، والباقِي أمانَةً في يَدِه، ويَتَفَرَّقَانِ، ثمّ إذا صارَفَه بعد ذلك بالباقِي له من الدِّينارِ، أو اشْتَرَى به منه شَيئًا، أو جَعَلَه سَلَمًا في شيءٍ، أو وَهَبَه إيّاهُ، جازَ. ولو اشْتَرَى فِضَّةً بدِينارٍ ونِصْفٍ، ودَفَع إلى البائِعِ دِينارَينِ، وقال: أنت وَكِيلِي في نِصْفِ الدّينارِ الزّائِدِ. صَحَّ. ولو صارَفَه عَشَرَةَ دَراهِمَ بدينارٍ، فأَعْطَاهُ أكثرَ من دِينارٍ ليَزِنَ له حَقَّهُ في وَقْتٍ آخرَ، جازَ وإنْ طال، ويكونُ الزَّائِدُ أمانَةً في يَدِه، لا شيءَ عليه في تَلَفِه. نَصَّ أحمدُ على أكْثَرِ هذه المَسَائِلِ. فإنْ لم يكُنْ مع أحَدِهما إلَّا خَمْسَةُ دَراهِمَ، فاشْتَرَى بها نِصْفَ دِينارٍ، وقَبَضَ دِينارًا كامِلًا، ودَفَع إليه الدَّرَاهِمَ، ثم اقْتَرَضَها منه، واشْتَرَى بها النِّصْفَ الباقِيَ، أو اشْتَرَى الدِّينَارَ منه بعَشَرَةٍ ابْتِداءً، ودَفَعَ إليه الخَمْسَةَ، ثم اقْتَرَضَها منه، ودَفَعَها (١) إليه عِوَضًا عن النِّصْفِ الآخرِ على غيرِ وَجْهِ الحِيلَةِ، فلا بَأْسَ.

стр. 5655

وَإنْ تَقَابَضَا، ثُمَّ افْتَرَقَا، فَوَجَدَ أحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ رَدِيئًا، فَرَدَّهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ. وَالأخْرَى، إِنْ قَبَضَ عِوَضَهُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، لَمْ يَبْطُل، وَإنْ رَدَّ بَعْضَهُ، وَقُلْنَا: يَبْطُلُ فِي الْمَرْدُودِ. فَهَلْ يَبْطُلُ فِي غيرِه؟ عَلَى وَجهَينِ. ــ ١٦٩٩ - مسألة: (وإنْ تَقَابَضَا، ثم افْتَرَقَا، فوَجَدَ أحَدُهما ما قَبَضَه رَدِيئًا، فرَدَّهُ، بَطَلَ العَقْدُ، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ) هذا إنْ كان فيه عَيبٌ مِن غيرِ جِنْسِه؛ لأنَّهُما تَفَرَّقا قَبْلَ قَبْضِ المَعْقُودِ عليه فيما يُشْتَرَطُ قَبْضُه. اخْتَارَه الخِرَقِيُّ (١). والأخْرَى، لا يَبْطُلُ؛ لأَنَّ (قَبْضَ عِوَضِه في مَجْلِسِ الرَّدِّ) يقومُ مَقامَ قَبْضِه في المجلِسِ (وإنْ رَدّ بَعْضَه، وقُلْنا: يَبْطُلُ في المَرْدُودِ. فهل يَبْطُلُ في الباقِي؟ على رِوَايَتَينِ) بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وإنْ كان العَيبُ من جِنْسِه، فسَنَذْكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

стр. 5656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا باعَ مُدَّى تَمْرٍ رَدِئٍ بدِرْهَم، ثم اشْتَرَى بالدِّرْهَمِ تَمْرًا جَيِّدًا، أو اشْتَرَى من رَجُلٍ دينارًا صَحِيحًا بدَراهِمَ، وتَقَابَضَا، ثمّ اشْتَرَى منه بالدّرَاهِمِ قُراضَةً عن غيرِ مُواطَأةٍ ولا حِيلَةٍ، فلا بأْسَ به. وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يَجُوزُ، إلَّا أنْ يَمْضِيَ إلى غَيرِه لِيَبْتَاعَ منه، فلا يَسْتَقِيمُ له، فيَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى البائِعِ فيَبْتَاعَ منه. وقال أحمدُ في رِوَايَةِ الأثْرَم: يَبِيعُها من غَيرِه أحَبُّ إلَيَّ. قلتُ له: فإنْ لم يُعْلِمْه أنّه يُرِيدُ أنْ يَبِيعَها منهَ؟ فقال: يَبيعُها من غَيرِه، فهو أطْيَبُ لنَفْسِه، وأَحْرَى أنْ يَسْتَوْفِيَ الذَّهَبَ منه، فإنَّه إذا رَدَّها إليه لَعَلَّه أنْ لا يُوَفِّيَهُ الذَّهَبَ ولا يُحْكِمَ الوَزْنَ ولا يَسْتَقْصِيَ. يقولُ: هي تَرْجِعُ إليه. قيل لأبِي عبدِ اللهِ: فذَهَبَ ليَشْتَرِيَ الدّراهِمَ بالذَّهَبِ الذي أخَذَها منه من غيرِه فلم يَجِدْها، فرَجَعَ إليه؟ فقال: إذا كان لا يُبَالِي اشْتَرَى منه أو من غيرِه، فَنَعَم. فظاهِرُ هذا أنَّه على وَجْهِ الاستِحْبَابِ، لا الإِيجابِ. ولَعَلَّ أحمدَ إنّما أرادَ اجْتِنابَ المُواطَأَةِ على هذا، ولهذا قال: إذا كالت لا يُبَالِي اشتَرَى منه أو من غيرِه، فنَعَمْ. وقال مالِكٌ: إنْ فَعَلَ ذلك مَرَّةً، جازَ، وإنْ فَعَلَه أكثرَ من مَرَّةٍ، لم يَجُزْ؛

стр. 5657

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه يُضَارِعُ الرِّبَا. ولَنا، ما رَوَى أبو سَعِيدٍ، قال: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «من أينَ هذا؟» قال بلالٌ: كان عِنْدَنا تمْرٌ رَدِئٌ، فبِعْتُ صاعَينِ بصَاعٍ، ليَطعَمَ النَّبِيُّ ﷺ فقال النَّبِيُّ ﷺ «أوَّهْ، عَينُ الرِّبا، عَينُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، ولَكِنْ إذا أرَدْتَ أنْ تَشتَرِيَ فَبعِ التَّمْرَ بِبَيعٍ آخرَ ثم اشْتَرِ به». ورَوَى أبو سَعِيدٍ، أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا على خَيبرَ فجاءَه بتَمْر جَنِيبٍ (١)، فقال: «أَكُلُّ تَمْرٍ خَيبَرَ هكذا؟» فقال: لَا واللهِ، إنّا لنَأْخُذُ الصّاعَ من هذا بالصَّاعَين، والصَّاعَينِ بالثَّلَاثَةِ. فقال النَّبِيُّ ﷺ : «لا تَفْعَلْ، بعِ التَّمْرَ بالدَّرَاهمِ، ثم اشْتَرِ بالدَّراهمِ جَنِيبًا». مُتَّفَقٌ عليهما (٢). ولم يَأْمُرْه أنْ يَبِيعَهُ مِنْ غيرِ مَنْ يَشْتَرِي منه، ولو كان ذلك مُحَرَّمًا لبَيَّنَهُ له وعَرَّفَه إيّاهُ، ولأنَّه باعَ الجِنْسَ بغَيرِه مِنْ غيرِ شَرْطٍ ولا مُوَاطأَةٍ، فجازَ، كما لو باعَهُ

стр. 5658

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من غَيرِه. ولأنَّ ما جازَ من التَّبايُعاتِ مَرَّةً، جازَ على الإِطْلَاقِ، كسائِرِ البِياعَاتِ، فإنْ تَواطَآ على ذلك، لم يَجُزْ، وكان حِيلَةً مُحَرَّمَةً. وبه قال مالِكٌ. وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: يَجُوزُ، ما لم يكُنْ مَشْرُوطًا في العَقْدِ. ولَنا، أنَّه إذا كان عن مُوَاطَأَةٍ كان حِيلَةً، والحِيَلُ مُحَرَّمَة، على ما سَنَذْكُرُه. فصل: والصَّرْفُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَينِ؛ أحدُهما، أنْ يَبِيعَ عَينًا بعَينٍ، وهو أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هذا الدِّينارَ بهذه الدَّراهِمِ. والثّانِي، أنْ يَقَعَ العَقْدُ على مَوْصُوفٍ، نحوَ أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ديتارًا مِصْرِيًّا بعَشَرَةِ دَراهِمَ ناصِرِيَّةٍ. وقد يكونُ أحَدُ العِوَضَينِ مُعَيَّنًا دونَ الآخرِ، وكلُّ ذلك جائِزٌ. وظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ في العُقودِ، فيَثْبُتُ المِلْكُ في أعْيانِها. فإنْ تَبَايَعَا عَينًا بعَينٍ، ثم تَقَابَضَا، فوَجَدَ أحَدُهما عَيبًا فيما قَبَضه، فذلك قسْمانِ؛ أحَدُهما، أنْ يكُونَ العَيبُ غِشًّا من غيرِ جِنْسِ المَبِيعِ، كالنُّحاسِ في الدَّرَاهِمِ، والمِسِّ (١) في الذَّهَبِ، فالصَّرْفُ باطِل. وهو قَوْلُ

стр. 5659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشّافِعِيِّ. وذَكَرَ أبو بكْرٍ فيها ثلاثَ رِواياتٍ؛ إحداهُنَّ، البَيعُ باطِلٌ. والثانِيَةُ، صَحِيحٌ، وللمُشْتَرِي الخِيارُ، والرَّدُّ (١) وأخْذُ البَدَلِ. والثالِثَةُ، يَلْزَمُه العَقْدُ، وليس له رَدٌّ ولا بَدَلٌ. ولَنا، أنَّه باعَهُ غيرَ ما سَمَّى له، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ هذه البَغْلَةَ. فإذا هو حِمارٌ. أو: هذا الثَّوْبَ القَزَّ. وإذا هو كَتَّانٌ. وأمّا القَوْلُ بأَنَّه يَلْزَمُه البَيعُ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيبَه، فلم يَلْزَمْه ذلك بغيرِ أرْشٍ، كسائِرِ البِيَاعَاتِ. القِسْمُ الثانِي، أنْ يكونَ العَيبُ من جِنْسِه، كالسَّوَادِ في الفِضَّةِ، والخُشُونَةِ، و (٥) كَوْنِها تَتَفَطَّرُ عند الضربِ، أو أنَّ سَكَّتَهَا مُخالِفَةٌ لسَكَّةِ السُّلْطانِ، فيَصِحُّ العَقْدُ، ويُخَيَّر المُشْتَرِي بينَ الإِمْسَاكِ والرَّدِّ (٢)، ولا بَدَلَ له؛ لأنَّ العَقْدَ وَقَعَ على مُعَيَّنٍ، فإذا أخَذَ غَيره، أخَذَ ما لم يَشْتَرِه. وإنْ قُلْنا: إنَّ النَّقْدَ لا يَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ في العَقْدِ. فله أخْذُ البَدَلِ، ولا يَبْطُل العَقْدُ؛ لأنَّ الذي قَبَضَه ليس هو المَعْقُودَ عليه، فأشْبَهَ المُسْلَمَ إذا قَبَضَه فوَجَدَ به عَيبًا. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ في هذا الفَصْلِ على ما ذَكَرْنَا.

стр. 5660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولو أرادَ (١) أخْذَ أرْشِ العَيبِ، والعِوَضَانِ في الصَّرْفِ من جِنْسٍ واحِدٍ، لم يَجُزْ؛ لحُصُولِ الزِّيَادَةِ في أحَدِ العِوَضَينِ، وفَواتِ المُماثَلَةِ المُشْتَرَطَةِ في المَجْلِسِ (٢) الواحِدِ. وخَرَّجَ القاضِي وَجْهًا لجَوازِ أخْذِ الأرْشِ في المَجْلِسِ؛ لأنَّ الزِّيَادَةَ طَرَأتْ بعدَ العَقْدِ. وليس لذلك وَجْهٌ، فإنَّ أرْشَ العَيبِ من العِوَضِ يُجْبَرُ به في المُرَابَحَةِ، ويُرَدُّ به (٣) إذا رَدَّ المَبِيعَ بفَسْخٍ أو إقالةٍ، ولو لم يكُنْ من العِوَضِ، فَبِأيِّ شيءٍ اسْتَحَقَّهُ المُشْتَرِي؟ فإنَّه ليس بهِبَةٍ، على أنَّ الزِّيادَةَ في المجْلِسِ من العِوَضِ، وإنْ لم يكُنْ أرْشًا، فالأرْشُ أوْلَى. وإنْ كان الصرفُ بغَيرِ جِنْسِه، فله أخْذُ الأرْشِ في المَجْلِسِ؛ لأنَّ المُماثَلَةَ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ، وتَخَلُّفُ قَبْضِ بَعْضِ العِوَضِ عن بَعْضٍ لا يَضُرُّ ما دَامَا في المَجْلِسِ، فجازَ كما في سائِرِ المَبِيع، وإنْ كان بعدَ الِتَّفَرُّقِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى حُصولِ التَّفَرُّقِ قبلَ قبضِ أحَدِ العِوَضَينِ، إلَّا أنْ يَجْعَلَا الأرْشَ من غيرِ جِنْسِ

стр. 5661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّمَنِ، كأنَّه أخَذَ أرْشَ عيبِ الفِضَّةِ حِنْطَةً، فيَجُوزُ. وكذلك الحُكْمُ في سائِرِ أمْوالِ الرِّبَا، فيما بِيعَ بجِنْسِه أو بغيرِ جِنْسِه، مما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ، فإذا كان ممّا لا يُشْتَرَطُ قَبْضُه. كمن باعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بقَفِيزَيْ شَعِيرٍ، فوَجَدَ أحَدُهُما عَيبًا، فأخَذَ أرْشَه دِرْهَمًا، جازَ وإنْ كان بعدَ التَّفَرُّقِ؛ لأَنه لم يَحْصُلِ التَّفَرُّقُ قبلَ قبْضِ ما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ. فصل: وإنْ تَلِفَ العِوَضُ في الصَّرْفِ بعد القَبْضِ، ثم عَلِمَ عَيبَه، فَسَخَ العَقْدَ، ويَرُدُّ المَوْجُودَ، وتَبْقَى قِيمَةُ العَيبِ (١) في ذِمَّةِ من تَلِفَ في يَدِه، فيَرُدُّ مثْلَها، أو عِوَضَها إنِ اتَّفَقَا عليه، سواءٌ كان الصَّرْفُ بجِنْسِه أو بغيرِ جِنْسِه. ذكَره ابنُ عَقِيلٍ. وهو قولُ الشّافِعِي. قال ابنُ عقيلٍ: وقد رُوِيَ عن أحمدَ جَوازُ أخْذِ الأرْشِ. والأوَّلُ أوْلَى، إلَّا أنْ يكُونَا في المَجْلِسِ والعِوَضانِ من جِنْسَين. القسمُ الثانِي، أنْ يَصْطرَفا في الذِّمَّةِ، فيَصِحُّ، سواء كانتِ الدَّرَاهِمُ والدَّنانِيرُ عندهما أوْ لَا، إذا تَقَابَضَا قبلَ الافْتِراقِ.

стр. 5662

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ. وحُكِيَ عن مالِكٍ: لا يَجُوزُ الصَّرْفُ، إلَّا أنْ تَكُونَ العَينانِ حاضِرَتَينِ. وعنه، لا يَجُوزُ حتى تَظْهَرَ إحْدَى العَينَينِ وتُعَيَّنَ. وعن زُفَرَ مثْلُه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «لا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بنَاجِزٍ» (١). ولأَنه إذا لم يُعَيَّنْ أحَدُ العِوَضَينِ، كانَ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ. ولَنا، أنَّهما تَقَابَضَا في المَجْلِسِ، فصَحَّ، كما لو كانَا حاضِرَينِ. والحَدِيثُ يرادُ به أنْ لا يباعَ عاجِلٌ بآجِلٍ، أو مَقْبُوضٌ بغيرِ مَقْبُوضٍ؛ بدَلِيلِ ما لو عَيَّنَ (٢) أحَدَهما، فإَّنه يَصِحُّ وإنْ كان الآخَرُ غائِبًا، ولأنَّ القَبْضَ في المَجْلِسِ جَرَى مَجْرَى القَبْضِ حالةَ العَقْدِ، ألَا تَرَى إلى قَوْلِه: «عَينًا بعَين، يدًا بِيَدٍ»؟ والقَبْضُ يَجْرِي في المَجْلِسِ.، كذا التَّعْيِينُ. إذا ثَبَتَ هذا، فلا بُدَّ من تعْيِينهما (٣) بالتَّقَابُضِ في المَجْلِسِ. ومتى تَقَابَضَا فوَجَدَ أحَدُهما بما قَبَضَه عَيبًا قبلَ التَّفَرُّقِ، فله المُطَالبَةُ بالبَدَلِ، سواء كان العَيبُ من جِنْسِه، أو من غيرِ جِنْسِه؛ لأَنَّ العَقْدَ وقَعَ على مُطْلَقٍ لا عَيبَ فيه، فكان

стр. 5663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له المُطَالبَةُ بما وَقَعَ عليه العَقْدُ، كالمُسْلَمِ فيه. وإنْ رَضِيَهُ بعَيبه، والعَيبُ من جِنْسِه، جازَ، كما لو رَضِيَ بالمُسْلَمِ فيه مَعِيبًا، وإنِ اخْتَارَ أَخْذَ أَرْشِه، وكان العِوَضانِ من جِنْسَينِ، جازَ، وإن كانا من جِنْسٍ لم يَجُزْ، وقد ذَكَرْنَاهُ. وإنْ تَقَابَضَا ثم افْتَرَقَا، ثم وَجَدَ العَيبَ من جِنْسِه، فله إبْدَالُه، في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ. اخْتارَها الخَلّالُ، والخِرَقِيُّ. ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، وقَتادَةَ. وبه قال أبو يُوسُفَ ومحمدٌ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ ما جازَ إبْدَالُه قبلَ التَّفَرُّقِ، جازَ بعد التَّفَرُّقِ، كالمُسْلَمِ فيه. والثانِيَةُ، ليس له ذلك. اخْتَارَهَا أبو بكْرٍ. وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والقَوْلُ الثانِي للشَّافِعِيِّ؛ لأَنَّه يَقْبِضُه بعدَ التَّفَرُّقِ، ولا يَجُوزُ ذلك في الصَّرْفِ ومَنْ نصرَ الرِّوَايَةَ الأولَى قال: قَبْضُ الأوَّلِ صَحَّ به العَقْدُ، وقَبْضُ الثاني بَدَلٌ عن الأوَّلِ. ويُشْتَرَطُ أن يَأْخُذَ البَدَلَ في مَجْلِسِ الرَّدِّ، فإن لم يَأْخُذْه فيه، بَطَل العَقْدُ. وإنْ وَجَدَ البَعْضَ رَدِيئًا، فرَدَّه، فعلى الرِّوَايَةِ الأولَى، له البَدَلُ، وعلى الثانِيَةِ، يَبْطُلُ في المَرْدُودِ. وهل يَصِحُّ فيما لم يَرُدَّ؟ على وَجْهَينِ، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. ولا فَرْقَ بينَ

стр. 5664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَوْنِ المَبِيعِ من جِنْسٍ، أو من جِنْسَينِ. وقال مالِكٌ: إنْ وَجَدَ دِرْهَمًا زَيفًا فَرَضِيَ به، جازَ، وإنْ رَدَّه، انْتقَضَ الصَّرْفُ في دينارٍ، وإن رَدَّ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، انْتقَضَ في دِينارَينِ، وكُلَّما زادَ على دينارٍ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ في دينارٍ آخَرَ. ولَنا، أنَّ ما لا عَيبَ فيه لم يُرَدَّ، فلم يَنْتَقِضَ الصَّرْفُ فيما يُقابِلُه، كسائِرِ العِوَضِ. وإنِ اخْتارَ واجِدُ العَيبِ الفَسْخَ، فعلى قَوْلِنا: له البَدَلُ. ليس له الفَسْخُ إذا [أبْدَلَ له] (١)؛ لأنَّه يُمْكِنُه أخْذُ حَقِّهِ غيرَ مَعِيبٍ. وعلى الرِّوَايَةِ الأخْرَى، له الفَسْخُ أو الإِمْساكُ في الجَمِيعِ، لأنَّه تَعَذَّرَ عليه الوُصُولُ إلى ما عَقَدَ عليه مع إبْقاءِ العَقْدِ. وإنِ اخْتَارَ أخْذَ أرْشِ العَيبِ بعد التَّفَرُّقِ، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّه عِوَضٌ يَقْبِضُه بعدَ التَّفَرُّقِ عن الصَّرْفِ، ويَجوزُ على الرِّوَايَةِ الأخْرَى. فصل: ومِنْ شَرْطِ المُصَارَفَةِ في الذِّمَّةِ أنْ يكونَ العِوَضَانِ مَعْلُومَينِ، إمّا بصِفَةٍ يَتَمَيَّزانِ بها، أو يكونَ للبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ أو غالِبٌ، فيَنْصَرِف الإِطْلَاقُ إليه. ولو قال: بِعْتُكَ دِينارًا مِصْرِيًّا لا بعِشْرِين دِرْهمًا من نَقْدِ عَشَرَةٍ بدِينارٍ. لم يَصِحَّ، إلَّا أنْ لا يَكُونَ في البَلَدِ نَقْدُ عَشَرَةٍ بدِينَارٍ، إلَّا نَوْعٌ واحِدٌ، فتَنْصَرِفُ الصِّفَةُ إليه، وكذلك الحُكْمُ في البَيعِ.

стр. 5665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا كان لرَجُلٍ في ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ، وللآخَرِ عليه دَراهِمُ، فاصْطرفَا بما في ذِمَمِهما، لم يَصِحَّ. وبهذا قال اللَّيثُ، والشّافِعِيُّ. وحكى ابنُ عبدِ البَرِّ (١) عن مالِكٍ، وأبي حَنِيفَةَ جَوازَهُ؛ لأنَّ الذمَّةَ الحاضِرَةَ كالعَينِ الحاضِرَةِ، ولذلك جازَ أنْ يَشْتَرِيَ الدَّراهِمَ بدِينارٍ مِن غيرِ تَعْيِينٍ. ولَنا، أنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، وقد قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ بَيعَ الدَّينِ بالدَّينِ لا يَجُوزُ. قال أحمدُ: إنَّما هو إجْماع. وقد رَوَى أبو عُبَيدٍ في الغَرِيبِ (٢)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن بَيع الكالِئِ بالكالِئِ. وفَسَّرَه [بِبَيع الدَّينِ] (٣) بالدَّينِ. إلَّا أنَّ الأثْرَمَ رَوَى أنَّ أحمدَ سُئِلَ: أيَصِحُّ هذا الحَدِيثُ؟ قال: لا. فأمّا الصَّرْفُ فإنَّما صَحَّ بغَيرِ تَعْيِينٍ، بشَرْطِ أنْ يَتَقَابَضَا في المَجْلِسِ، فجَرَى القَبْضُ والتَّعْيِينُ في المَجْلِسِ مَجْرَى وجُودِه حالةَ العَقْدِ. ولو كان لرَجُلٍ على رَجُلٍ دَنانِيرُ، فقَضاهُ دَراهِمَ شيئًا بعدَ شَيءٍ، فإنْ كان يُعْطِيهِ كُلَّ دِرْهَم بحِسابِه من

стр. 5666

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدِّينارِ (١) صَحَّ. نَصَّ عليه. وإنْ لم يَفْعَلْ ذلك، ثم تَحاسَبَا بعدُ، فَصارَفَه بها وَقْتَ المُحاسَبَةِ، لم يَجُزْ. نصَّ عليه أيضًا؛ لأنَّ الدّنانِيرَ دَينٌ، والدّراهِمَ قد صارَتْ دَينًا، فيَصِيرُ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ. وإن قَبَضَ أحَدُهما من الآخَرِ ما لَه عليه، ثم صارَفَه بعَين وذِمَّةٍ، صَحَّ. وإذا أعْطَاهُ الدَّراهِمَ شيئًا بعدَ شيءٍ، ولم يُقْبِضْه (٢) إيّاها وَقْتَ دَفْعِها إليه، ثم أحْضَرَها، وقَوَّمَاهَا، فإنَّه يَحْتَسِبُ بقِيمَتِها يومَ القَضاءِ، لا يَوْمَ دَفْعِها إليه؛ لأنَّها قبلَ ذلك لم تَصِرْ في مِلْكِه، إنَّما هي وَدِيعَةٌ في يَدِه. فإنْ تَلِفَتْ أو نَقَصَتْ، فهي من ضَمَانِ مالِكِها، ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ من ضَمانِ القابِضِ إذا قَبَضَها بنيَّةِ الاسْتِيفاءِ؛ لأنَّها مَقْبُوضَةٌ على أنَّها عِوَضٌ ووَفاءٌ، والمَقْبُوضُ في عَقْدٍ فاسِدٍ كالمَقْبُوضِ في عَقْدٍ صَحِيحٍ، فيما يَرْجِعُ إلى الضَّمانِ وعَدَمِه. ولو كان لرَجُلٍ عند صَيرَفِيٍّ دَنانِيرُ، فأَخَذَ منه دَراهِمَ أدْوارًا (٣)، لتَكُونَ هذه بهذه، لم يكُنْ كذلك، بل كُلُّ واحِدٍ منهما في ذِمَّةِ من قَبَّضَه، فإذا أرادَا التَّصَارُفَ أحْضَرا (٤) أحَدَهما، واصْطرفَا بعَينٍ وذِمَّةٍ.

стр. 5667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَجُوزُ اقْتِضاءُ أحَدِ النَّقْدَينِ من الآخَرِ، ويكُونُ صَرْفًا بعَينٍ وذِمَّةٍ، في قوْلِ الأكْثَرِين. ومَنَعَ منه ابنُ عَبّاسٍ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرّحمنِ، وابنُ شُبْرُمَةَ. ورُوِيَ عن ابنِ مَسْعُودٍ؛ لأنَّ القَبْضَ شَرْطٌ، وقد تَخَلَّفَ (١). ولَنا، أنَّ ابنَ عمرَ قال: كنتُ أَبِيعُ الإِبِلَ، فأَبِيعُ بالدَّنَانِيرِ، وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبِيعُ بالدَّراهِمِ وآخذُ الدّنانِيرَ، آخُذُ هذه من هذه، وأُعْطِي هذه من هذه، فأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ في بَيتِ حَفْصَةَ، فقُلْتُ: يارسولَ الله، رُوَيدَكَ أَسْأَلُكَ، إنِّي أَبِيعُ الإبِلَ بالبَقِيع، فأَبِيعُ بالدَّنَانِيرِ وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبِيعُ بالدَّرَاهِمِ وآخُذُ الدّنَانِيرَ، آخُذُ هذه من هذه، وأُعْطِي هذه منِ هذه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا بَأْسَ أنْ تَأْخُذَها بسِعْرِ يَوْمِها، ما لم تَفرَّقَا وليس بَينَكُمَا شيءٌ». روَاهُ أبو دَاوُدَ (٢)، والأثْرَمُ. قال أحمدُ: إنّما يَقْضِيه إيَّاهَا بالسِّعْرِ. لم يَخْتَلِفُوا إلَّا ما قال أصحابُ الرأي: إنَّه يَقْضِيه مكانَها ذَهَبًا على التَّراضِي، لأنه بَيعٌ في الحالِ، فجازَ ما تَرَاضَيَا عليه إذا اخْتَلَفَ الجِنْسُ،؛ لو كان العِوَضُ عَرْضا. ولَنا، قولُ النَّبِي ﷺ : «لا بَأْسَ أنْ تَأْخُذَها بسِعْرِ يَوْمِها». فشَرَطَ أَخْذَها

стр. 5668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالسِّعْرِ. ورُوِيَ أنَّ بكْرَ بنَ عبدِ اللهِ، ومُوَرقًا (١) العِجْلِيَّ سَأَلَا ابنَ عمرَ عن كَرِيٍّ (٢) لهما، له عليهما دَرَاهِمُ، وليس مَعَهُما إلَّا دَنانِيرُ؛ فقال ابنُ عمرَ: أَعْطُوهُ بسِعْرِ السُّوقِ. ولأنَّ هذا جَرَى مَجْرَى القَضَاء، فَيُقَيَّدُ بالمِثْلِ، كالقَضاء من الجِنس، والتماثُلُ ها هنا بالقِيمَةِ؛ لتَعَذُّرِ التماثُلِ بالصُّورَةِ. قيل لأبي عبدِ اللهِ: فإنّ أهْلَ السُّوقِ يَتَغَابَنُونَ بَينَهُم بالدّانَقِ في الدِّينارِ وما أَشْبَهَه، [فسَهَّلَ فيه إذا] (٣) كان ممّا يَتَغابَنُ النّاسُ به، ما لم يَكُنْ حِيلَةً. فصل: فإنْ كان المَقْضِيُّ الذي في الذَمَّةِ مُؤجَّلًا، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ فيه. وقال القاضِي: يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، المَنْعُ. وهو قولُ مالِكٍ، ومَشْهُورُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ ما في الذمَّةِ غيرُ مُسْتَحَقِّ القَبْضِ، فكان القَبْضُ نَاجِزًا في احدِهما، والنَّاجزُ يَأْخُذُ قِسْطًا من الثَّمَنِ. والثانِي، الجَوَازُ. وهو قولُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأَنَّه ثابِتٌ في الذِّمَّةِ، وما في الذِّمَّةِ بمَنْزِلَةِ المَقْبُوض، فكَأنَّه رَضِيَ بتَعْجِيلِ المُؤجَّلِ. وهذا هو الصَّحِيحُ إذا قَضَاه

стр. 5669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بسِعْرِ يَوْمِها ولم يَجْعَلْ للمَقْضِيِّ فَضْلًا لأجْلِ تَأْجِيلِ ما في الذِّمَّةِ؛ لأنَّه إذا لم يَنْقُصْه عن سِعْرِها شيئًا، فقد رَضِيَ بتَعْجِيلِ ما فِي الذِّمَّةِ بغيرِ عِوَضٍ، فأَشْبَهَ ما لو قَضَاه من جِنْسِ الدَّينِ، ولم يَسْتَفْصِلِ النَّبِيُّ ﷺ ابنَ عمرَ حينَ سَأَلَه، ولو افْتَرَقَ الحالُ، لسَال واسْتَفْصَلَ. هذا اخْتِيارُ شَيخِنا (١). فصل: قال أحمدُ: لو كانَ لرَجُلٍ على رَجُلٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فدَفَعَ إليه دِينارًا، وقال: اسْتَوْفِ حَقَّكَ منه. فاسْتَوْفَاهُ بعد التَّفَرُّقِ، جازَ. ولو كان عليه دَنانِيرُ، فوَكَّلَ غَرِيمَه في بَيعِ دارِه، واسْتِيفَاءِ دَينِه من ثَمَنِها، فَبَاعَها بدَراهِمَ، لم يَجُزْ أنْ يَأْخُذَ منها قَدْرَ حَقِّه؛ لأنَّه لم يَأْذَن له في مُصارَفَةِ نَفْسِه، ولأنَّهُ مُتَّهَمٌ. نَصَّ أحمدُ على ذلك. فصل: ولو كانَ له عندَ رَجُلٍ دِينارٌ ودِيعَةً، فَصَارَفَه به، وهو مَعْلُومٌ بقاؤُه أو مَظْنُونٌ، صَحَّ الصَّرْفُ، وإنْ ظَنَّ عَدَمَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ المَعْدُومِ. وإنْ شَكَّ فيه، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ. وهو قَوْلُ بَعْضِ

стр. 5670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشّافِعِيَّةِ. وقال القاضِي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَعْلُومِ البَقاءِ. وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الأصْلَ بقاؤه، فصَحَّ البناءُ عليه عند الشَّكِّ؛ لأنَّ الشَّكَّ لا يُزيلُ اليَقِينَ، ولذلك صَحَّ بَيعُ الحَيَوانِ المَشْكُوكِ في حَياتِه. فإنْ تَبَيَّن أنَّه كان تالِفًا حين العَقْدِ، تَبَيَّنَّا أنَّ العَقْدَ وَقَعَ باطِلًا. فصل: وإذا عَرَفَ المُصْطرَفَانِ وَزْنَ العِوَضَينِ، جازَ أنْ يَتَبايَعَا بغَيرِ وَزْنٍ. وكذلك لو أخبرَ أحَدُهما الآخَرَ بوَزْنِ ما مَعَه، فصَدَّقَهُ، فإذا باعَ دِينارًا بدِينارٍ كذلك، وافْتَرَقَا، فوَجَدَ أحَدُهما ما قَبَضَه ناقِصًا، بَطَلَ الصَّرْفُ؛ لأنَّهُما تَبَايَعَا ذَهَبًا بذَهَبٍ مُتَفاضِلًا. فإنْ وَجَدَ أحَدُهما فيما قَبَضَه زِيادَةً على الدِّينارِ، فإنْ كان قال: بِعْتُكَ هذا الدِّينارَ

стр. 5671

وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ، فِي اظْهَرِ الرِّوَايَتَينِ، فَلَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا، ــ بهذا. فالعَقْدُ باطِلٌ؛ لوُجُودِ التَّفَاضُلِ. وإنْ قال: بِعْتُكَ دِينارًا بدِينارٍ. ثم تَقَابَضَا، كان الزَّائِدُ في يَدِ القابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لمالِكِه؛ لأنَّه قَبَضَه على أنَّه عِوَضٌ، ولم يَفْسُدِ العَقْدُ؛ لأنَّه إنَّمَا باعَ دِينارًا بمثْلِهِ، وإنَّما وَقَعَ القَبْضُ للزِّيادَةِ على المَعْقُودِ عليه، فإنْ أَرادَ دَفْع عِوَضِ الزّائِدِ، جازَ، سَواءٌ كان من جِنْسِه أو من غيرِه؛ لأنَّها مُعَاوَضَة مُبْتَدَاة. وإنْ أرادَ أحَدُهما الفَسْخَ، فله ذلك؛ لأَنَّ آخِذَ الزّائِدِ وَجَدَ المَبِيعَ مُخْتَلِطًا بغَيرِه، مَعِيبًا بعَيب الشَّرِكَةِ، ودافعُه لا يَلْزَمُه أخذ عِوَضِه، إلَّا أنْ يكونَا في المَجْلِسِ، فَيَرُدَّ الزائِدَ أو يَدْفَعَ بَدَلَه. ولو كان لِرَجُلٍ على رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَوَفّاهُ عَشَرَةً عَدَدًا، فوَجَدَها أحَدَ عَشَرَ، كان هذا الدِّينارُ الزّائدُ في يَدِ القابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لمالِكِه؛ لأنَّه قَبَضَه على أنَّه عِوَضٌ عمّا له، فكانَ مَضْمُونًا بهذا القَبْضِ، ولمالِكِه التَّصَرُّفُ فيه كيفَ شاءَ. ١٧٠٠ - مسألة: (والدَّرَاهِمُ والدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ في العَقْدِ، في أظهَرِ الرِّوَايَتَينِ، فلا يَجُوزُ إبْدالُها، وإنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً بَطَلَ العَقْدُ)

стр. 5672

وَإنْ وَجَدَهَا مَعِيبَةً، خُيِّر بَينَ الإمْسَاكِ وَالْفَسْخِ، وَيَتَخَرَّجُ أنْ يُمْسِكَ وَيُطَالِبَ بِالأرْشِ، وإنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَة، بَطَلَ الْعَقْدُ. وَالأخْرَى، لَا تَتَعَيَّنُ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ. ــ وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِيُّ. وعن أحمدَ، لأنها لا تَتَعَيَّنُ بالعَقْدِ، فيَجُوزُ إِبْدالُها، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ بخُرُوجِها مَغْصُوبَةً. وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّه يَجُوزُ إطْلاقُها في العَقْدِ، فلم تَتَعَيَّنْ بالتَّعْيِينِ، كالمِكْيالِ والصَّنجَةِ. ولَنا، أنَّه عِوَضٌ في عَقْدٍ، فيَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ كسائِرِ الأعْواضِ، ولأنَّه أحَدُ العِوَضَينِ، فيَتَعَيَّنُ بالتَّعْيينِ، كالآخرِ. ويفارِقُ ما ذَكَرُوه، فإنّه ليس بعِوَضٍ، وإنّما يُرادُ لتَقْدِيرِ المَعْقُودِ عليه وتَعْرِيفِ قَدْره، ولا يَثْبُتُ فيها المِلْكُ بحالٍ، بخلافِ مسألتِنا. وإنَّما جازَ إطْلاقُها؛ لأنَّ لها عُرْفًا تَنْصَرِفُ إليه، يقومُ في بابِها مَقَامَ الصّفَةِ. فعلى هذا (إنْ وَجَدَها مَعِيبَة، خُيِّر بينَ الإمْسَاكِ والرَّدِّ) كالعِوَض الآخرِ. (ويَتَخَرَّجُ أنْ يُمْسِكَ ويُطالِبَ بالأرْشِ) لأنَّه مَبِيعٌ، أشْبَهَ سائِرَ المَبِيعاتِ، وإن كان ذلك في الصرفِ، فقد ذَكَرْناه. هذا إذا كان العَيبُ من جِنْسِ النُّقُودِ. وإنْ كان من غيرِ جِنْسِها؛ كالنُّحاسِ في الفِضَّةِ، والفِضَّةِ في الذَّهَبِ، وكان في جَمِيعِها، بَطَلَ العَقْدُ، وإنْ كان في بَعْضِها، بَطَلَ فيه، وفي الباقِي وَجْهانِ، بناءً على تَفْرِيقِ الصّفْقَةِ، وإنْ قُلْنا: لا يَتَعَيَّنُ. انْعَكَسَتْ هذه الأحْكَامُ.

стр. 5673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل في إنْفاقِ المَغْشُوشِ من النُّقُودِ: وفيه رِوَايَتانِ؛ أظْهَرُهما، الجَوازُ نقلَ صالِحٌ عنه في دَرَاهِمَ يُقالُ لها المُسَيَّبِيَّةُ، عامَّتُها نُحاسٌ إلَّا شَيئًا فيها فِضَّة، فقال: إذا كان شَيئًا اصْطَلَحُوا عليه، مثلَ الفُلُوس، اصطَلَحُوا عليها، فأرْجُو أنْ لا يكُونَ بها بَأْسٌ. والثانِيَةُ، التَّحْرِيمُ. نَقَلَ حَنْبَلٌ في دراهِمَ يُخْلَطُ فيها مَشٌّ (١) ونُحاسٌ، يُشْتَرَى بها ويُبَاعُ، فلا يَجُوزُ أنْ يَبْتَاعَ بها أحَدٌ، كلُّ ما وَقَعَ عليه اسْمُ الغِشِّ، فالشِّراءُ به والبَيعُ حَرامٌ. وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: إنْ كان الغِشٌّ ممّا لا قِيمَةَ له، جازَ الشِّراءُ بها، وإنْ كان ممّا له قِيمَةٌ، ففِي جَوازِ إنْفاقِها وَجْهانِ. واحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ إنْفاقَ المَغْشوشَةِ بقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ غَشَنّا فلَيسَ مِنّا» (٢). وبأنَّ عمرَ نَهَى عن بيعِ نُفَايَةِ بَيتِ المالِ (٣). ولأنَّ المَقْصُودَ فية مَجْهُولٌ، أشْبَهَ تُرابَ الصّاغَةِ. والأوْلَى أنْ يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في الجوازِ على الخُصُوصِ

стр. 5674

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيما ظَهَرَ عَيبُه واصْطُلِح عليه، فإنَّ المُعامَلَةَ به جائِزَة، إذْ ليس فيه أكثَرُ من اشْتِمالِه علي جِنْسَينِ لا غَرَرَ فيهما، فلا يَمْنَعُ مِنْ بَيعِهما، كما لو كانا مُتَمَيِّزينِ، ولانَّ هذا مُسْتَفِيضٌ في الأعْصارِ، جارٍ بينَهم من غيرِ نَكيرٍ، وفي تَحْرِيمِه مَشَقَّه وضَرَرٌ، وليس شراؤه بها غِشًّا للمُسْلِمِينَ، ولا تَغْرِيرًا لهم، والمَقْصُودُ منها ظاهِرٌ مَرْئيٌّ مَعْلُومٌ، بخلافِ تُرابِ الصَّاغَةِ. ورِوَايَةُ المَنْع مَحْمُولَةٌ علي ما يَخْفَى غِشُّه ويَقَعُ اللَّبْسُ به، فإنَّ ذلك يُفْضِي إلى التَّغْرِيرِ بالمُسْلِمِينَ. وقد أشارَ أحمدُ إلى هذا، فقال في رَجُلٍ اجْتَمَعَتْ عندَه دَراهِمُ زُيُوفٌ: ما يَصْنَعُ بها؟ قال: يَسْبِكُها. قيل له: فَيبِيعُها بدِينار؟ قال: لَا. قيلَ: يَبِيعُها بفُلُوس؟ قال: لَا، إنِّي أخَافُ أنْ يَغُرَّ بها مُسْلِمًا. قيلَ لأبِي عبدِ اللهِ: فيَتَصَدَّقُ بها؟ قال: إنِّي أخافُ أنْ يَغُرَّ بها مُسْلِمًا. وقال: ما يَنْبَغِي له أنْ يَغُرَّ بها المُسْلِمِينَ، ولا أقولُ إنَّه حَرَامٌ؛ لأنَّه على تَأويل، وذلك إنَّما كَرِهْتُه؛ لأنَّه يَغُرُّ بها مُسْلِمًا. فقد صَرَّحَ بأنَّه إنَّما كَرِهَهُ

стр. 5675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِما فيه من التَّغْرِيرِ بالمُسْلِمِينَ، وعلى هذا يُحْمَلُ مَنْعُ عمرَ بَيعَ نُفايَة بَيتِ المالِ؛ لِما فيه من التَّغْرِيرِ، فإنَّ مُشْتَرِيَها رُبَّما خَلَطَها بدَراهِمَ جَيِّدَةٍ، واشْتَرَى بها ممَّنْ لا يَعْرِفُ حالها، ولو كانت ممّا اصْطَلَحُوا على إنْفاقِه، لم تَكُنْ نُفايَةً. فإنْ قيلَ: رُوِيَ عن عمرَ أنَّه قال: مَنْ زَافَتْ عليه دَرَاهِمُه فَلْيَخْرُجْ بها إلى البَقِيع، فَلْيَشْتَرِ بها سَحْقَ الثيابِ (١). وهذا دَلِيل على جَوَازِ إنْفَاقِ المَغْشُوشَةِ التي لم يُصْطَلَحْ عليها. قُلْنا: قد قال أحمدُ: مَعْنَى زَافَتْ عليه دَرَاهِمُه. أي نُفِيَتْ، ليس أنَّها زُيُوفٌ. ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا، جَمْعًا بينَ الرِّوَايَتَينِ عنه. ويَحْتَمِلُ أنه أرادَ ما ظَهَرَ غِشُّه وبانَ زَيفُه بحيث لا يَخْفَى على أحدٍ، ولا يَحْصُلُ بها تَغْرِيرٌ. وإنْ تَعَذَّرَ تَأويلُها، تَعارَضَتِ الرِّوَايَتَانِ عنه، ويُرْجَعُ إلى ما ذَكَرْنا من المَعْنَى. ولا فَرْق بينَ ما كان غِشُّه يبقَى؛ كالنُّحَاسِ والرَّصاصِ، وما لا ثَباتَ له؛ كالزَّرْنيخِيَّةِ والأنْدَرانِيَّةِ، وهو زِرْنيخٌ ونُورَةٌ يُطْلَى عليه فِضَّةٌ فإذا دَخَلَ النّارَ استُهْلِكَ الغِشُّ وذَهَب.
следующие страницы →