. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأرْضِ بالحِنْطةِ. ولأنَّه بَيعُ الحَبِّ بجِنْسِه جُزَافًا من أحَدِ الجانِبَينِ، فلم يَجُزْ، كما لو كانَا على الأرْضِ. فأمَّا بَيعُه بغَيرِ جِنْسِه، فإنْ كان بدَرَاهِمَ أو دَنَانِيرَ، جازَ؛ لأنَّ نَهْىَ النَّبِيِّ ﷺ عن بَيعَ الحَبِّ حتى يَشْتَدَّ (١). يَدُلُّ على جَوازِ ذلك إذا اشْتَدَّ. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ. وإنْ باعَهُ بحَبٍّ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إذا اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» (٢). والثاني، لا يَجُوزُ، لعُمُومِ الحَدِيثِ المذكورِ.
стр. 5608
وَلَا الْمُزَابَنَة؛ وَهِيَ بَيعُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ، إلا فِي الْعَرَايَا؛ وَهِي بَيعُ الرُّطَب فِي رُءُوسِ النَّخْلِ خَرْصًا بِمِثْلِهِ مِنَ التَّمْرِ كَيلًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ لِمَنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ.
ــ
١٦٨٧ - مسألة: (ولا) يَجُوزُ بَيعُ (المُزَابَنَةِ؛ وهو بَيعُ الرُّطَبِ في رُءُوسِ النَّخْلِ بالتَّمْرِ، إلَّا في العَرَايا؛ وهي بَيعُ الرُّطَبِ في رءُوسِ النَّخْلِ خرْصًا بمثْلِه من التَّمْرِ كيلًا فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ لمن به حاجَةٌ إلى أَكْلِ الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ معه) لا يَجُوزُ بَيعُ المُزَابَنَةِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن المُزَابَنَةِ، وهو بَيعُ الثَّمَرِ (١) بالتَّمْرِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورَوَى البُخارِيُّ، عن أنس، أنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن المُزَابَنَةِ. فأمّا العَرَايَا، فيَجُوزُ في الجُمْلَةِ، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ في أهْلِ المَدِينةِ، والأوْزَاعِيُّ في أهْلِ الشامِ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَحِلُّ بَيعُها؛ لِما ذَكَرْنَا من الحَدِيثِ. ولأنَّه
стр. 5609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيعُ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ من غيرِ كَيلٍ في أحَدِهِما، فلم يَجُزْ، كما لو كان على وَجْهِ الأرْضَ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ في العَرَايَا في خَمْسَةِ أَوسُقٍ، أو دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١). ورَواهُ زَيدُ بنُ ثابِتٍ، وسَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ وغيرُهما. وحَدِيثُهم في سِيَاقِه: «إلَّا العَرَايَا». كذلك في المُتَّفَقِ عليه (٢). وهذه زِيَادَةٌ يَجِبُ الأخْذُ بها. ولو قُدِّرَ التَّعَارُضُ وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثنا؛ لخُصُوصِه، جَمْعًا بين الحَدِيثين، وعَمَلًا بكِلَا النَّصَّينِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: الذي نَهَى عن المُزَابَنَةِ هو الذي أرْخَصَ في العَرايَا، وطَاعَةُ رسُولِ الله ﷺ أوْلَى. والقِياسُ لا يُصارُ إليه مع النَّصِّ، مع أنَّ في الحَدِيثِ أنّه أرْخَصَ في العَرَايَا. والرُّخْصَةُ اسْتِباحَةُ المَحْظُورِ مع وجُودِ السَّبَبِ الحاظِرِ، فلو مَنَعَ وُجُودُ السَّبَبِ من الاسْتِبَاحَةِ، لم يَبْقَ لَنَا رُخْصَةٌ بحالٍ.
стр. 5610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإنّما يَجُوزُ بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أنْ يكُونَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ولا خِلافَ في أنّها لا تَجُوزُ في زِيادَةٍ على خَمْسَةِ أوْسُقٍ، وأنّها تَجُوزُ فيما نَقَصَ عن خَمْسَةِ أوْسُقٍ، عندَ القائِلِينَ بجَوازِها. فأمّا الخَمْسَةُ الأوْسُقُ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنّه لا يَجُوزُ فيها. وبه قال ابنُ المُنْذِرِ، والشّافِعِيُّ في أَحَدِ قَوْلَيه. وقال مالِكٌ، والشّافِعِيُّ في قَوْلٍ: يَجُوزُ. ورَواهُ إسْماعِيلُ بنُ سَعِيدٍ عن أحمدَ؛ لأنَّ في حَدِيثِ زَيدٍ وسَهْلٍ أنّه رَخَّصَ في العَرَايَا مُطْلَقًا، ثم استَثْنَى ما زادَ على الخَمْسَةِ، وشَكَّ الرّاوي في الخَمْسَةِ، فبَقِيَ المَشْكُوكُ فيه على أصْلِ الإِباحَةِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن المُزَابَنَةِ. والمُزَابَنَةُ؛ بَيعُ الثَّمَرِ (١) بالتَّمْرِ، ثم أزخَصَ في العَرِيَّةِ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ. وشَكَّ في الخَمْسَةِ، فيَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ. ولأنَّ العَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ على خِلافِ النَّصِّ والقِياسِ فيما دُونَ الخَمْسَةِ، والخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فيها، فلا تَثْبُتُ إِباحَتُها مع الشَّكِّ. ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ (٢) بإسْنَادِه، أنّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ
стр. 5611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في بيعِ العَرِيَّةِ في الوَسْقِ والوَسْقَينِ والثّلاثَةِ والأرْبَعَةِ. والتَّخْصِيصُ بهذا يَدُلُّ على أنَّه لا تَجُوزُ الزِّيادَةُ في العَدَدِ عليه، كما اتَّفَقْنا على أنَّه لا تَجُوزُ الزّيَادَةُ على الخَمْسَةِ؛ لِتَخْصِيصِه إيّاهَا بالذِّكْرِ. ولأنَّ خَمْسَةَ الأوْسُقِ في حُكْمِ ما زادَ عليها في وجُوبِ الزَّكاةِ فيها دونَ ما نَقَصَ عنها. فأمّا قَولُهم: أرْخَصَ في العَرِيَّةِ مُطْلَقًا. فلم يَثْبُتْ أنّ الرُّخْصَةَ المُطْلَقَةَ سابِقَةٌ على الرُّخصَةِ المُقَيَّدَةِ، ولا مُتَأخِّرَةٌ عنها، بل الرُّخْصَةُ واحِدَة، رَوَاها بَعْضُهم مُطْلَقَةً وبعضُهم مُقَيَّدَةً، فيَجِبُ حَمْلُ المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ، ويَصِيرُ القَيدُ المَذْكُورُ في أحَدِ الحَدِيثَينِ كأنَّه مَذْكُورٌ في الآخَرِ، ولذلك يُقَيَّدُ فيما زادَ على الخَمْسَةِ، اتّفَاقًا.
فصل: ولا يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ أكْثَرَ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ فيما زادَ على صَفْقَةٍ، سواءٌ اشْتَرَاهَا مِن واحِدٍ أو مِن جَماعَةٍ. وقال الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ للإِنْسانِ بَيعُ جميعِ حائِطِه عَرايَا، مِن رِجُلٍ واحِدٍ، ومِن رِجَالٍ في عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ، لعُمُومِ حَدِيثِ زيدٍ، ولأن كُلَّ عَقدٍ جازَ مَرَّةً جازَ أنْ يتَكَرَّرَ، كسائِرِ البُيُوعِ. ولَنا، عمومُ النَّهْي عن المُزَابَنَةِ، اسْتَثْنَى منه العَرِيَّةَ فيما دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، فما زادَ يَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ. ولأنَّ ما لا يَجُوزُ عليه العَقْدُ مَرَّةً إذا كان نَوْعًا واحِدًا، لا يَجُوزُ في عَقدَينِ، كالذي على وَجْهِ الأرْضِ، وكالجَمْعِ بين الأخْتَينِ.
стр. 5612
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا تُعْتَبَرُ حاجَةُ البائِعِ، فلو باعَ رَجُلٌ عَرِيَّةً من رَجُلَينِ فيها أكثرُ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ، جازَ. وقال أبو بكْرِ، والقاضِي: لا يَجُوزُ، لِما ذَكَرْنا في المُشْتَرِي. ولَنا، أنّ المُغَلِّبَ في التَّجْويزِ حاجَةُ المُشْتَرِي، بدَلِيلِ ما رَوَى محمودُ بنُ لَبِيدٍ، قال: قُلْتُ لزَيدِ بنِ ثابِتٍ: ما عَرَايَاكُم هذه؟ فسمّى رِجَالًا مُحْتاجِينَ من الأنْصَارِ شَكَوْا إلى رَسُولِ الله ﷺ أنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي، ولا نَقْدَ بأيدِيهِم يَبْتَاعُونَ به رُطَبًا يأْكُلُونَه، وعِنْدَهم فُضُولٌ من التَّمْرِ، فرَخَّصَ لهم أنْ يَبْتَاعُوا العَرايَا بخَرْصِها من التَّمْرِ الذي في أيدِيهم، يَأْكُلُونَه رُطَبًا (١). وإذا كان سَبَبُ الرُّخْصَةِ حاجَةَ المُشْتَرِي، لم تُعْتَبَرْ حاجَةُ البائِعِ إلى البَيعِ، فلا يَتَقَيَّدُ في حَقِّه بخَمْسَةِ أوْسُقٍ. ولأنَّنَا لو اعْتَبَرْنَا الحاجَةَ من المُشْتَرِي، وحاجَةَ البائِعِ إلى البَيعِ، أفْضَى إلى أنْ لا يَحْصُلَ الإِرْفاقُ، إذْ لا يكادُ يَتَّفِقُ وجُودُ الحاجَتَينِ، فَتَسْقُطُ الرُّخْصَةُ. فإنْ قُلْنا: لا يَجُوزُ ذلك. بَطَلَ العَقْدُ الثاني. وإنِ اشْتَرَى عَرِيَّتينِ، أو باعَهُما، وفيهما أقَلُّ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ، جازَ، وَجْهًا واحِدًا.
الثاني، أنْ يكونَ مُشْتَرِيها مُحْتَاجًا إلى أكْلِها رُطَبًا، ولا يَجُوزُ بَيعُها لغَنِيٍّ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ. وله قَوْلٌ آخرُ، أنّها تُباحُ مُطْلَقًا لكلِّ
стр. 5613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدٍ؛ لأنَّ كُلَّ بَيعٍ جازَ للمُحْتَاجِ، جازَ للغَنِيِّ، كسائِرِ البِياعاتِ (١)، ولأنَّ حَدِيثَ أبي هُرَيرَةَ وسَهْلٍ مُطْلَقان. ولَنا، حَدِيثُ زَيدِ بنِ ثابِتٍ الذي ذَكَرْنَاهُ. وإذا خُولِفَ الأصلُ بشَرْطٍ، لم تَجُزْ مُخَالفَتُه بدُونِ ذلك الشَّرْطِ، ولا يَلْزَمُ من إباحَتِه للحَاجَةِ إباحَتُه مع عَدَمِها، كالزَّكَاةِ للمَسَاكِينِ. فعلى هذا، مَتَى كان المُشْتَرِي غيرَ مُحْتَاجٍ إلى أكْلِ الرُّطَبِ، لم يَجُزْ شِراؤها بالتَّمْرِ، ولو باعَها لواهِبِها تحَرُّزًا من دُخُولِ صاحِبِ العَرِيَّةِ حائِطَهُ، كمَذْهَبِ مالِكٍ، أو لغَيرِه، لم يَجُزْ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يباحُ. ويَحْتَمِلُه كلامُ أحمدَ؛ لان الحاجَةَ وُجِدَتْ من الجانِبَينِ، فجازَ، كما لو كان المُشْتَرِي مُحْتَاجًا إلى أكلِها. ولنا، حَدِيث زَيدٍ الذي ذَكَرْنَاهُ، والرُّخْصَةُ لمَعْنًى خاصٍّ، لا تَثْبُتُ مع عَدَمِه، ولأنّ في حَدِيثِ زَيدٍ وسَهْلٍ: «يَأْكُلُها أَهْلُها رُطَبًا». ولو جازَتْ لتَخْلِيصِ المُعَرَّى لَما شَرَطَ ذلك.
стр. 5614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثالِثُ، أنْ لا يَكُونَ للمُشْتَرِي نَقْدٌ يَشْتَرِي به؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
الرَّابعُ، أنْ يَشْتَرِيَها بخَرْصِها من التَّمْرِ، ويَجِبُ أنْ يكونَ التَّمْرُ الذي يَشْتَرِي به مَعْلُومًا بالكَيلِ، ولا يَجُوزُ جُزافًا. لا نَعْلَمُ خِلافًا في هذا عند مَنْ أباحَ بَيعَ العَرايَا؛ لِما رَوَى زَيدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ في العَرِايَا أنْ تُباعَ بخَرْصِها كَيلًا. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولمُسْلِمٍ: أنْ تُؤخَذَ بمثلِ خرْصِها تَمْرًا يَأْكُلُها أهْلُها رُطَبًا. إذا ثَبَتَ ذلك، فمَعْنَى خَرْصِها بمِثْلِها من التَّمْرِ، أنْ يَنْظُرَ الخارِصُ إلى العَرِيَّةِ، فيَنْظُرَ كم يَجِئُ منها تمْرًا، فيَشْتَرِيها المُشْتَرِي بمثلِه تمرًا. وبهذا قال الشّافِعِيُّ. ونَقَلَ حَنْبَل عن أحمدَ، أنّه قال: يَخْرُصُها رُطَبًا، ويُعْطِي تَمْرًا. وهذا يَحْتَمِلُ الأوَّلَ، ويَحْتَمِلُ أنّه يَشْتَرِيها [بِتَمْرٍ مثلِ] (٢) الرُّطَبِ الذي عَلَيها؛ لأنَّه بَيعٌ اشْتُرِطَتِ المُماثَلَةُ فيه، فاعْتُبِرَتْ حال البَيعِ، كسائِرِ البُيوعِ. ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ المُماثَلَةِ في الحالِ، وأنْ لا يُباعَ الرُّطَبُ بالتَّمْرِ، خُولِفَ في الأصْلِ في بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فبَقِيَ فيما عَدَاهُ على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ. قال القاضِي: والأوَّلُ أصَحُّ؛
стр. 5615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه يَنْبَنِي على خَرْصِ الثِّمارِ في العُشْرِ، والصَّحِيحُ خَرْصُه تمْرًا. ولأنَّ المُماثَلَةَ في بَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ مُعْتَبَرَةٌ حالةَ الادِّخارِ، وبَيعُ الرُّطَبِ بمثْلِه تمْرًا يُفْضِي إلى فَواتِ ذلك. فأمّا إنِ اشْتَرَاها بخَرْصِها رُطَبًا، لم يَجُزْ. وهذا أحَدُ الوُجُوهِ لأصْحابِ الشّافِعِيِّ. والثاني، يَجُوزُ. والثالِثُ، لا يَجُوزُ مع اتِّفاقِ النَّوْعِ، ويَجُوزُ مع اخْتِلافِه. وَوَجْهُ جَوازِه، ما رَوَى الجُوزْجانِيُّ، عن أبي صَالِحٍ، عن اللَّيثِ، عن ابنِ شهابٍ، عنِ سالِمٍ، عن ابنِ عمرَ، عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، عن رَسُول اللهِ ﷺ أنَّه أرْخصَ بعد ذلك في بَيعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ أو التَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غيرِ ذلك (١). ولأَنَّه إذا جازَ بَيعُها بالتَّمْرِ مع اخْتِصاصِ أحَدِهما بالنَّقْصِ في ثاني الحالِ، فلأنْ يَجُوزَ مع عَدَم ذلك أَوْلَى. ولَنا، ما رَوَى مُسْلِم بإسْنادِه، عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، رَخصَ في العَرَايَا أنْ تُؤخَذَ بمِثْل خَرْصِها تمْرًا. وعن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن بيعِ التَّمْرِ بالثَّمَرِ (٢)، وقال: «ذلك الرِّبَا، تِلْك المُزَابَنَةُ». إلَّا
стр. 5616
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّه أرْخَصَ في العَرِيَّةِ، النَّخْلَةِ والنَّخْلَتَينِ يأْخُذُهما أهْلُ البَيتِ بخَرْصِهما تمْرًا، يَأْكُلُونها رُطَبًا (١). ولأنَّه مَبِيعٌ يَجِبُ فيه مِثْلُه تمْرًا، فلم يَجُزْ بَيعُه بمثْلِهِ رُطَبًا، كالتَّمْرِ الجافِّ. ولأنَّ مَنْ له رُطَبٌ، فهو مُسْتَغْن عن شراءِ الرُّطَبِ بأَكْلِ ما عنده، وبَيعُ العَرَايَا يُشْتَرَطُ فيه حاجَةُ المُشْتَرِي، على ما أسْلَفْنَاهُ. وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ (٢) شَكٌّ في الرُّطَبِ والتَّمْرِ، فلا يَجُوزُ العَمَلُ به مع الشَّكِّ، لا سِيَّما وهذه الأحَادِيثُ تُثْبتُه، وتُزِيلُ الشَّكَّ.
الخامسُ، التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّه بَيعُ تَمْرٍ بتَمْرٍ، فاعْتُبِرَ فيه شُروطُه، إلَّا ما اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ مما لم يمْكِنِ اعْتِبارُه في بَيعِ العَرَايَا. والقَبْضُ في كُل واحِدٍ منهما على حَسَبِه، ففي التَّمْرِ اكْتِيالُه، وفي الثَّمَرِ التَّخْلِيَةُ. وليس من شُرُوطِه حُضُورُ التَّمْرِ عند النَّخِيلِ، بل لو تَبَايَعَا بعد مَعْرِفَةِ التَّمْرِ والثَّمَرَةِ، ثم مَضَيا جَمِيعًا إلى النَّخِيلِ فَسَلَّمَه إلى مُشْتَريه، ثم مَضَيَا إلى التَّمْرِ فَسَلَّمَه البائِعِ، أو تَسَلَّمَ التَّمْرَ أوَّلًا ثم مَضَيَا إلى النَّخْلِ فسَلَّمَه، جازَ؛ لأنَّ التَّفَرُّق لم يَحْصُل قبلَ القَبْضِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ بَيعَ العَرِيَّةِ يَقَعُ على وَجْهَينِ؛ أحَدُهما،
стр. 5617
وَيُعْطِيهِ مِنَ التَّمْرِ مِثْلَ مَا يَؤُولُ إِلَيهِ مَا فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْجَفَافِ.
وَعَنْهُ، يُعْطِيهِ مِثْلَ رُطَبِهِ.
ــ
أنْ يقولَ: بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هذه النَّخْلَةِ بكذا. ويَصِفُه. الثانِي، أنْ يَكِيلَ من التَّمْرِ بقَدْرِ خَرْصِها، ثم يقولَ: بِعْتُك هذا بهذا. أو: بعْتُكَ ثمرَةَ النَّخْلَةِ بهذا التَّمْرِ. ونحوَ هذا. فإنْ باعَهُ بمُعَيَّنٍ، فقَبْضُه بنَقْلِه وَأخْذِه، وإنْ باعَهُ بمَوْصُوفٍ، فقَبْضُه بكَيله.
١٦٨٨ - مسألة: (فيُعْطِيهِ مِن التَّمْرِ مثلَ ما يؤولُ إليه ما في النَّخْلِ عند الجَفَافِ. وعنه، يُعْطِيهِ مثلَ رُطَبِه) وقد ذَكَرْنَاه.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ في العَرِيَّةِ أنْ تكونَ مَوْهُوبَةً لبائِعِها. وبه قال الشّافِعِيُّ. وظاهِرُ قوْلِ الخِرَقِيِّ أنّه شَرْطٌ. وقال الأَثْرَمُ: يسمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن تَفْسِيرِ العَرايَا، فقال: العَرَايَا أنْ يُعَرِّيَ الرَّجُلُ الجارَ أو القَرَابَةَ للحَاجَةِ والمَسْكنَةِ، فللمُعْرى أنْ يَبِيعَها ممَّنْ شاءَ. وقال مالِكٌ:
стр. 5618
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيعُ العَرايَا الجائِزُ هو أنْ يُعَرِّيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخَلاتٍ من حائِطِه، ثمّ يَكْرَهُ صاحِبُ الحائِطِ دُخُولَ الرَّجُلِ المُعَرَّى حائِطَه؛ لأنَّه ربَّما كانَ مع أَهلِه في الحائِطِ فَيُؤْذِيه دُخُولُ صاحِبِه عليه، فيَجُوزُ أنْ يَشْترِيَها منه. واحْتَجُّوا بأَنَّ العَرِيَّةَ في اللُّغَةِ هِبَةُ ثمَرَةِ النَّخِيكِ عامًا. قال أبو عُبَيدٍ (١): الإِعراءُ: أن يَجْعَلَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ ثمَرَةَ نَخْلِه عَامَها ذلك، قال شاعِرُ الأنْصَارِ:
لَيسَتْ بِسَنْهاءَ ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولَكِنْ عَرايَا في السِّنِينَ الجَوائِحِ (٢)
يقولُ: إنَّا نُعَرِّيها النَّاسَ. فتَعَيَّنَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى مَوْضُوعِه لُغَةً ومُقْتَضَاهُ في العَرَبِيَّةِ، ما لَم يُوجَدْ ما يَصْرِفُه عن ذلك. ولَنا، حَدِيث زَيدِ بنِ ثابِتٍ، وهو حُجَّة على مالِكٍ، [في تَصْرِيحِه بجَوازِ] (٣) بَيعِها من غيرِ الواهِبِ، ولأنَّه لو كان لحَاجَةِ الوَاهِبِ، لَما اخْتَصَّ بخَمْسَةِ أوْسُقٍ؛ لعَدَمِ اخْتِصاصِ الحاجَةِ بها؛ ولم يَجُزْ بَيعُها بالتَّمْرِ (٤)؛ لأَنَّ الظّاهِرَ من حالِ
стр. 5619
وَلَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
صاحِبِ الحائِطِ الذي له النَّخِيلُ الكَثِيرُ يُعَرِّيه الناسَ، أنّه لا يَعْجِزُ عن أداءِ ثَمَنِ العَرِيَّةِ، وفيه حُجَّةٌ على من اشْتَرَطَ كَونَها مَوْهُوبَةً لبائِعِها؛ لأَنَّ عِلَّةَ الرُّخْصَةِ حاجَةُ المُشْتَرِي إلى أكل الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ (١) معه سِوَى التَّمْرِ، فمتى وُجِدَ ذلك، جازَ البَيعُ. ولأنَّ اشْتِراطَ كَوْنِها مَوْهُوبَةً، مع اشْتِرَاطِ حاجَةِ المُشْتَرِي إلى أَكْلِها رُطَبًا ولا ثَمَنَ معه، يُفْضِي إلى سُقُوطِ الرُّخْصَةِ، إذْ لا يكادُ يَتَّفِقُ ذلك. ولأنَّ ما جازَ بَيعُه (٢) إذا كان مَوْهُوبًا، جازَ وإن لم يكُنْ مَوْهُوبًا، كسائِرِ الأموالِ، وما جازَ بَيعُه لواهِبِه جازَ لغَيرِه، كسائِرِ الأمْوالِ، وإنَّما سُمِّيَ عَرِيَّةً لتَعَرِّيه عن غيرِه، وإفْرادِه بالبَيعِ.
١٦٨٩ - مسألة: (ولا يَجُوزُ في سائِرِ الثّمارِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ)
стр. 5620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَجُوزُ بَيعُ العَرِيَّةِ في غيرِ النَّخِيلِ. اخْتَارَه ابنُ (١) حامِدٍ. وهو قَوْلُ اللَّيثِ، إلَّا أن تكونَ ثَمَرَتُه ممّا لا يَجْرِي فيها الرِّبَا، فيَجُوزُ بَيعُ رَطْبِها بِيَابِسِها؛ لعَدَمِ جَرَيانِ الرِّبَا فيها. وقال القاضِي: يجوزُ في سائِرِ الثِّمارِ. وهو قولُ مالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، قِياسًا على ثَمَرَةِ النَّخِيلِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَجُوزَ في العِنَبِ [والرُّطَبِ] (٢) دونَ غَيرِهما. وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العِنَبَ كالرُّطَبِ في وجُوبِ الزَّكاةِ فيه، وجَوازِ خرْصِه وتَوْسِيقِه، وكَثْرَةِ يابِسِه، واقْتِياتِه (٣) في بَعْضِ البُلْدانِ، والحاجَةِ إلى أكلِ رَطْبِه، والتَّنْصيصُ على الشيءِ يُوجِبُ ثُبوتَ الحُكْمِ في مِثْلِه. ولا يَجُوزُ في غيرِهما؛ لاخْتِلافِهما في أكثرِ هذه المَعانِي، فإنّه لا يُمْكِنُ خرْصُها؛ لتَفَرُّقِها في الأغْصَانِ، واسْتِتَارِها بالأوْرَاقِ، ولا يُقْتَاتُ يابِسُها، فلا يُحْتَاجُ إلى الشِّراءِ به. ووَجْهُ الأوَّلِ أنّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن المُزَابَنَةِ، التَّمْرِ بالثَّمَرِ، إلَّا اصحابَ العَرايَا، فإنّه أَذِنَ لهم، وعن بَيعِ العِنَبِ بالزَّبِيبِ، وكُلِّ ثَمَرٍ بخَرْصِه. وهذا حَدِيث حَسَنٌ. رَواهُ لتِّرْمِذِيُّ (٤). وهو يَدُلُّ على تَخْصِيصِ العَرِيَّةِ بالتَّمْرِ.
стр. 5621
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعن زيدِ بنِ ثابِتٍ، عن رسُولِ اللهِ ﷺ ، أنّه أرْخَصَ بعدَ ذلك في بَيعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ، أو بالتَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غيرٍ ذلك (١). وعن ابن عمرَ، ﵄، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن المُزَابَنَةِ (٢). والمُزَابَنَةُ، بَيعُ ثمَرِ النَّخْلِ بالتمْرِ كَيلًا، [وبَيعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كيلًا] (٣)، وعن كُل ثَمَرٍ بخَرْصِه. ولأنَّ الأصْلَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ بَيعِ العَرِيَّةِ، وإنّما جازَتْ في ثَمَرَةِ النَّخِيلِ رُخْصَةً، ولا يَصِحُّ قِياسُ غَيرِها عليها؛ لوَجْهَينِ، أحَدُهما، أنّ غَيرَها لا يُسَاويها في كَثْرَةِ الاقْتِيَاتِ بها وشهُولَةِ خَرْصِها، وكَوْنِ الرُّخْصَةِ في الأَصْلِ لأَهْلِ المَدِينَةِ، وإنّما كانت حاجَتهم إلى الرُّطَبِ دونَ غيرِه.
стр. 5622
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ جِنْس فِيهِ الرِّبَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَمَعَ أحَدِهِمَا أَوْ مَعَهُمَا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِمَا، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَم بمُدَّينِ، أو بِدِرْهَمَينِ، أوْ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ. وَعَنْهُ، يَجُوزُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي مَعَهُ غيرُهُ، أوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِ.
ــ
الثانِي، أنَّ القِياسَ لا يُعْمَلُ به إذا خالفَ نَصًّا، وقِياسُهم يُخَالِفُ نُصُوصًا غيرَ مَخْصُوصَةٍ، وإنّما يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بالقِياسِ على المَحَلِّ المَخْصُوصِ، ونَهْيُ [النّبِيِّ ﷺ ] (١) عن بَيعِ العِنَبِ بالزَّبِيبِ، لم يَدْخُلْه (٢) تَخْصِيصٌ فيُقاسُ عليه، وكذلك سائِرُ الثّمارِ.
١٦٩٠ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ جِنْسٍ فيه الرِّبَا بَعْضِه بِبَعْضٍ ومع أحَدِهما أو معهما من غَيرِ جِنْسِهما؛ كمُدِّ عَجْوَةٍ ودِرْهَم بمُدَّينِ، أو بدِرْهَمَينِ، أو بمُدٍّ ودِرْهَمٍ. وعنه، يَجُوزُ بشَرْطِ أنْ يكونَ المُفْرَدُ أكثَرَ من الذي معه غيرُه، أو يكونَ مع كُلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه) هذه المسألةُ تُسَمَّى مسألةَ مُدِّ عَجْوَةٍ. وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ ذلك لا يَجُوزُ.
стр. 5623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَصَّ عليه أحمدُ في مواضِعَ كَثِيرَةٍ. قال ابنُ أبي مُوسَى في السَّيفِ المُحَلَّى والمِنْطَقَةِ والمَراكِبِ المُحَلَّاةِ تُباعُ بجِنْسِ ما عليها: لا يَجُوزُ، قَوْلًا واحِدًا. ورُوِيَ هذا عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ، والقاسِمِ بنِ محمّدٍ، وشُرَيحٍ، وابنِ سِيرِينَ. وبه قال الشّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، أنّه يَجُوزُ، بشَرْطِ أنْ يكونَ المُفْرَدُ أكثرَ من الذي معه غيرُه، أو يكونَ مع كُلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه. قال حَرْب: قلتُ لأحمدَ: دَفَعْتُ دِينارًا كُوفِيًّا ودِرْهَمًا، وأَخَذْتُ دِينارًا شامِيًّا، وَزْنُهما سَواءٌ؟ قال: لا يَجُوزُ، إلَّا أنْ يَنْقُصَ الدِّينارَ، فيُعْطِيَه بِحِسَابه فِضَّةً. وكذلك رَوَى عنه (١) محمّدُ بنُ أبي حَرْبٍ الجَرْجَرَائِيُّ (٢). قال أبو دَاوُدَ: سَمِعْت أحمدَ يُسأَلُ عن الدَّرَاهِمِ المُسَيَّبِيَّةِ (٣)، بَعْضُها صُفْرٌ وبعْضُها فِضَّةٌ،
стр. 5624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالدَّراهِم؟ قال: لا أقولُ فيه شيئًا. قال أبو بكْرٍ: رَوَى هذه المسألةَ عن أحمدَ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا، كُلُّهم اتَّفَقُوا على أنّه لا يَجُوزُ حتى يَفْصِلَ، إلَّا المَيمُونِيَّ. وقال حَمّادُ بنُ أبِي سُلَيمانَ، وأبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذلك بما ذَكَرْنا من الشَّرْطِ. وقال الحَسَنُ: لا بَأْسَ بِبَيعِ السَّيفِ المُحَلَّى بالفِضَّةِ بالدَّرَاهِمِ (١). وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ. واحْتَجُّوا بأنَّ العَقْدَ إذا أمْكَنَ حَمْلُه على الصِّحَّةِ، لم يُحْمَلْ على الفَسَادِ؛ لأنَّه لو اشْتَرَى لَحْمًا من قَصَّابٍ، جازَ، مع احْتِمالِ كَوْنِه مَيتَة. لكنْ يَجِبُ حَمْلُه على أنّه مُذَكًّى؛ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ (٢)، وقدأمْكَنَ تَصْحِيحُ العَقْدِ ها هنا بجَعْلِ الجِنْسِ في مُقابَلَةِ غيرِ الجِنْسِ، أو جَعْلِ غيرِ الجِنْسِ في مُقَابَلَةِ الزّائِدِ على المِثْلِ. ولَنا، ما رَوَى فَضالةُ بنُ عُبَيدٍ، قال: اُّتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بقِلَادَةٍ
стр. 5625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، ابْتَاعَها رَجُلٌ بتِسْعَةِ دَنانِيرَ أو سَبْعَةِ دَنانِيرَ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «لا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَينَهُما». قال: فَرَدَّهُ حَتَّى مَيَّزَ بَينَهُما. رَواهُ أبو دَاوُدَ (١). وفي لَفْظٍ رَواهُ مسلمٌ قال: فأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالذَّهَبِ الذي في القِلادَةِ فَنُزِعَ وحْدَه، ثم قال لهم رسولُ اللهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَب وزْنًا بوَزْنٍ». ولأنَّ العَقْدَ إذا جَمَعَ عِوَضَينِ مُخْتَلِفَي الجِنْسِ، وَجَبَ أن يَنْقَسِمَ أحَدُهما على الآخَرِ، على قدْرِ قِيمَةِ الآخَرِ في نَفْسِه، فإذا اخْتَلَفَتِ القِيمَةُ اخْتَلَفَ ما يَأْخُذُه من العِوَضِ. بَيانُه، إذا اشْتَرَى عَبْدَينِ، قِيمَةُ أحَدِهما مثلُ نِصْفِ قِيمَةِ الآخَرِ بعَشَرَةٍ، كان ثَمَنُ احدِهما ثُلُثَي العَشَرَةِ، والآخَرِ ثُلُثَها، فلو رَدَّ أحَدَهُما بعَيبٍ، رَدَّهُ بقِسْطِه من الثَّمَنِ، وكذلك إذا اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا بثَمَن، أخَذَ الشَّفِيعُ الشقْصَ بقِسْطِه
стр. 5626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الثَّمَنِ، فإذا فَعَلْنا هذا في مَن باعَ دِرْهَمًا ومُدًّا قِيمَتُه دِرْهَمانِ، بمُدَّين قِيمَتُهُما ثَلاثَة، حصل الدِّرْهَمُ في مُقَابَلَةِ ثُلُثَيْ مُدٍّ، والمُدُّ الذي مع الدِّرْهَمِ في مُقَابَلَةِ ما وثُلُثٍ، هذا إذا تَفَاوَتَتِ القِيَمُ، ومع التَّسَاوي يُجْهَل ذلك؛ لأنَّ التَّقْويمَ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ، والجَهْلُ بالتَّسَاوي كالعِلْمِ بعَدَمِه في بابِ الرِّبَا، ولذلك (١) لم يَجُزْ بَيعُ صُبْرَةٍ بصُبْرَةٍ بالظَّنِّ والخَرْصِ. وقَوْلُهم: يَجِبُ تَصْحِيحُ العَقْدِ. مَمْنُوع، بل يُحْمَلُ على ما يَقْتَضِيه من صِحَّةٍ وفَسَادٍ.
стр. 5627
وَإنْ بَاعَ نَوْعَيْ جِنْسٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ؛ كَدِينَارٍ قُرَاضَةً وَصَحِيحٍ
ــ
وكذلك لو باعَ بثَمنٍ وأَطْلَقَ، وفي البَلَدِ نُقُودٌ، بَطَلَ العَقْدُ، ولم يُحْمَلْ على نَقْدِ أقْرَبِ البِلادِ إليه. أمّا إذا اشْتَرَى من إنْسانٍ شيئًا، فإنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه مِلْكه؛ لأنَّ اليَدَ دَلِيلُ المِلْك. وإذا باعَ لحمًا، فالظَّاهِرُ أنَّه مُذَكًّى؛ لأنَّ المُسْلِمَ في الظّاهِرِ لا يَبِيعُ المَيتَةَ.
١٦٩١ - مسألة: (وإنْ باعَ نَوْعَيْ جِنْس بنَوْعٍ واحِدٍ مِنْه ؛
стр. 5628
بِصَحِيحَينِ، جَازَ. أَومَأَ إِلَيهِ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ. وَعِنْدَ الْقَاضِي، هِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
ــ
كدِينارٍ قُرَاضَةً (١) وصَحِيح بصَحِيحَينِ) أو حِنْطَةٍ حَمْراءَ وسَمْراءَ بِبَيضاءَ، أو تَمْرًا بَرْنِيًّا ومَعْقِلِيًّا بإبْراهِيمِيٍّ، فإنّ ذلك يَصِحُّ. قاله أبو بَكْرٍ (وأوْمَأ إليه أحمدُ) واخْتارَ القاضِي أنَّ الحُكْمَ فيها كالتي قبلها. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي انْقِسَامَ الثَّمَنِ على عِوَضِه، على حَسَبِ اخْتِلَافِه في قِيمَتِه، كما ذَكَرْنا. ورُوِيَ عن أحمدَ مَنْعُ ذلك في النَّقْدِ، وتَجْويزُه في الثَّمَنِ. نَقَلَه أحمدُ بنُ القاسِمِ؛ لأنَّ الأنْواع في غيرِ الأَثْمانِ يَكْثُرُ اخْتِلَاطُها، ويَشُقُّ تَمْيِيزُ ما، فعُفِيَ عنها، بخِلافِ الأَثْمانِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بمِثْل، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ». الحَدِيث (٢). وهذا يَدُلّ على إِباحَةِ البَيعِ عندَ وُجُودِ
стр. 5629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُماثَلَةِ المَرْعِيَّةِ، وهي في المَوْزُونِ وَزْنًا، وفي المَكِيلِ كَيلًا، ولأَنَّ الجَوْدَةَ ساقِطَةٌ في بابِ الرِّبَويَّاتِ، فيما قُوبِلَ بجِنْسِه، فيما إذا اتَّحَدَ النَّوْعُ في كُلِّ واحِدٍ من الطرًّفَينِ، فكذلك إذا اخْتَلَفَا، واخْتِلافُ القِيمَةِ يَنْبَنِي على الجَوْدَةِ والرَّدَاءَةِ، ولأنَّه باعَ ذَهَبًا بذَهَبٍ مُتَسَاويًا في الوَزْنِ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَ النَّوْعُ، وإنَّما يُقْسَمُ العِوَضُ على المُعَوَّضِ فيما يَشْتَمِلُ على جِنْسَينِ، أو في غيرِ الرِّبَويَّاتِ، بدَلِيلِ ما لو باعَ نَوْعًا بنَوْعٍ يَشْتَمِلُ على جَيِّدٍ ورَدِئٍ.
стр. 5630
وَفِي بَيعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ النَّوَى، وَاللَّبَنِ بِشَاةٍ ذَاتِ لَبَنٍ، وَالصُّوفِ بِنَعْجَةٍ عَلَيهَا صُوفٌ، رِوَايَتَانِ.
ــ
١٦٩٢ - مسألة: (وفي بَيعِ النَّوَى بتَمْرٍ فيه النَّوَى، واللَّبَنِ بشَاةٍ ذاتِ لَبَنٍ، والصُّوفِ بنَعْجَةٍ عليها صُوف، رِوَايَتَانِ) إذا باعَ النَّوَى بتَمْرٍ نَواهُ فيه، فعِلى رِوايَتَينِ؛ إحداهُما، لا يَجُوزُ. رَواهُ عنه مُهَنَّا، وابنُ القاسِمِ؛ لأنَّه كَمَسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وكما لو باعَ تمْرًا فيه نَواهُ بتَمْر مَنْزُوعِ النَّوَى. والثانِيَةُ، يَجُوزُ. رَوَاهَا ابنُ مَنْصُورٍ؛ لأن النَّوى في التَّمْرِ غيرُ مَقْصُودٍ، فجازَ، كما لو باعَ دارًا مُمَوَّهًا سَقْفُهَا بذَهبٍ. فعلى هذا، يجوزُ بَيعُه مُتَفاضِلًا ومُتَسَاويًا؛ لأن النَّوَى الذي في التَّمْرِ لا عِبْرَةَ به، فصارَ كبَيعِ النَّوَى بتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى.
فصل: وإنْ باعَ شاةً ذاتَ لَبَنٍ بلبنٍ، أو شاةً عليها صُوفٌ بصُوفٍ،
стр. 5631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو باعَ لَبونًا بلبونٍ، أو ذاتَ صُوفٍ بمِثْلِها، خُرجَ فيه الرِّوَايَتانِ، كالتي قَبْلَها؛ إِحداهُما، الجَوازُ. اخْتَارَهُ ابنُ حامِدٍ. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ، وسواءٌ كانتِ الشّاةُ حَيَّةً أو مُذَكَّاةً؛ لأنَّ ما فيه الرِّبَا غيرُ مَقْصُودٍ. والثاني، المَنْعُ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّه باعَ مال الربَا بأَصْلِه الذي فيه منه، أَشْبَهَ بَيعَ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ. والأوَّلُ أوْلَى، والفَرْقُ بَينَهفا أنّ اللَّحْمَ في (١) الحَيَوانِ مَقْصُودٌ، بخِلافِ اللَّبَنِ والصُّوفِ. ولو كانتِ الشّاةُ مَحْلُوبَةَ اللَّبَنِ، جازَ بَيعُها بمِثْلِها، وباللَّبَنِ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ اللَّبَنَ لا أثَرَ له، ولا يُقَابِلُه شيءٌ من الثَّمَنِ، فأشْبَهَ المِلْحَ في الشَّيرَجِ والخُبْزِ والجُبْنِ، وحَبّاتِ الشّعِيرِ في الحِنْطَةِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك لو كان اللَّبَنُ المُنْفَرِدُ من غيرِ جِنْسِ لَبَنِ الشّاةِ، جازَ بكُلِّ حالٍ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجُوزَ على قَوْلِنا: إنَّ اللَّبَنَ جِنْسٌ واحِدٌ. ولو باعَ نَخْلَةً عليها ثَمَر بتَمْرٍ (٢) أو بنَخْلَةٍ عليها تمْرٌ (٣)، ففيه أيضًا وَجْهانِ؛ أحدُهما، الجَوازُ. اخْتارَهُ أبو بكْرٍ؛ لأنَّ التَّمْرَ (٤) غيرُ مَقْصُودٍ بالبَيعِ. والثانِي، لا يَجُوزُ.
стр. 5632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ووَجْهُ الوَجْهَينِ ما ذَكَرْنَا في المسألةِ قَبْلَها. واخْتَارَ القاضِي المَنْع، وفَرَّقَ بَينَهما وبَينَ الشَّاةِ ذاتِ اللَّبَنِ بكَوْنِ الثَّمَرَةِ يَصِحُّ إفْرادُها بالبَيعِ، وهي مَعْلُومَة، بخِلافِ اللَّبَنِ في الشَّاةِ. وهذا الفرقُ غيرُ مُؤثِّرٍ، فإنّ ما يَمْنَعُ إذا جازَ إفرادُه، يَمْنَعُ وإنْ لم يَجُزْ إفْرادُه، كالسَّيفِ المُحَلَّى يُباعُ بجِنْسِ حِلْيَيه، وما لا يَمْنَعُ، لا يَمْنَعُ وإنْ جازَ إفْرادُه، كمالِ العَبْدِ.
فصل: وإنْ باعَ دارًا سَقْفُفَا مُمَوَّهٌ بذَهَبٍ، أو دارًا بدارٍ مُمَوَّهٌ سَقْفُ كُلِّ واحِدَةٍ منهما، جازَ؛ لأنَّ ما فيه الرِّبَا غيرُ مَقْصُودٍ بالبَيعِ، فوُجُودُه كعَدَمِه. وكذلك لو اشْتَرَى عَبْدًا له مالٌ، فاشْتَرَطَ ماله، وهو من جِنْسِ الثَّمَنِ، جازَ، إذا كان المالُ غيرَ مَقْصُودٍ، فهو كالسَّقْفِ المُمَوَّهِ، ولو اشْتَرَى عَبْدًا بعَبْدٍ، واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهما مال العَبْدِ، جازَ أيضًا، إذا كان المالُ غيرَ مَقْصُودٍ.
فصل: وإنْ باعَ جِنْسًا فيه الرِّبَا بجِنْسِه، ومع كُلٍّ واحِدٌ فن غيرِ جِنْسِه غيرُ مَقْصُودٍ، فهو على أقسَام؛ أحدُها، أنْ يكونَ غيرُ المَقْصُودِ يَسِيرًا لا يُؤثِّرُ في كَيل ولا وَزْنٍ، كالمِلْحِ فيما يُعْمَلُ فيه، وحَبَّاتِ الشَّعِيرِ في الحِنْطةِ، فلا يَمْنَعُ؛ لأنَّه يَسِيرٌ لا يُخِلُّ بالتّمَاثلِ، وكذلك لو وُجِدَ في أحَدِهما دونَ الآخرِ، لم يَمْنَعْ؛ لذلك، ولو باعَ ذلك بجِنْسِ غيرِ المَقْصُودِ الذي معه، كبَيعِ الخُبْزِ بالمِلْحِ، جَازَ؛ لأنَّ وُجُودَ ذلك كعَدَمِه. الثاني، أنْ يكون غيرُ المَقْصُودِ كَثِيرًا، إلَّا أنَّه لمَصْلَحَةِ
стр. 5633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَقصُودِ، كالماءِ في خَلِّ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ، ودِبْسِ التَّمْرِ، فيَجُوزُ بَيعُه بمثْلِه، ويَتَنَزَّلُ خِلْطُه بمَنْزِلَةِ رُطُوبَتِه؛ لكَوْنِه من مَصْلَحَتِه، فلم يَمْنَعْ من بَيعِه بما يُماثِلُه، كالرُّطَبِ بالرُّطَبِ. ولا يَجُوزُ بَيعُه بما ليس فيه خِلْطٌ، كبَيعِ خَلِّ العِنَبِ بخَلِّ الزَّبِيبِ؛ لإِفْضائِه إلى التّفاضُلِ، فجَرَى مَجْرى بَيعِ التَّمْرِ بالرُّطَبِ. ومَنَعَ الشّافِعِيُّ ذلك كُلَّه إلَّا بَيعَ الشَّيرَجِ بالشَّيرَجِ؛ لكَوْنِ الماءِ لا يَظْهَرُ في الشَّيرَجِ. الثالثُ، أنْ يكُونَ غيرُ المَقْصُودِ كَثِيرًا، وليس من مَصْلَحَتِه؛ كاللَّبَنِ المَشُوبِ بالماء بمثْلِه، والأثْمانِ المغْشُوشَةِ بغَيرِها، فلا يَجُوزُ بَيعُ بَعضها ببَعْضٍ؛ لأنَّ خِلْطَهُ ليس من مَصْلَحَتِه، وهو يُخِلُّ بالتّماثُلِ المَقْصُودِ فيه. وإنْ باعَهُ بجِنْسِ غيرِ المَقْصُودِ، كبَيعِه الدِّينارَ المغْشُوشَ بالفِضَّةِ بالدَّرَاهِمِ، احْتَمَلَ الجوازَ؛ لأنَّه يَبِيعُه بجِنْس غيرِ مَقْصُودٍ فيه، فأشْبَهَ بَيعَ اللَّبَنِ بشَاةٍ فيها لَبَنٌ، ويَحْتَمِلُ المنعَ، بناءً على الوَجْهِ الآخَرِ في الأصْلِ. وإنْ باعَ دِينارًا مَغْشُوشًا بمِثْلِه، والغِشُّ فيهما مُتَفاوتٌ أو غيرُ مَعْلُومِ المِقْدارِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالتَّمَاثُلِ المَقْصُودِ. وإنْ عَلِمَ التَّسَاويَ في الذَّهَبِ والغشَّ الذي فيهما، خُرِّجَ على وَجْهَينِ؛ أوْلاهُما، الجَوازُ؛ لأنَّهُما تماثَلَا في المَقْصُودِ وفي غَيرِه، ولا يُفْضِي إلى التَّفَاضُلِ بالتَّوْزِيعِ بالقِيمَةِ؛ لكونِ الغِشِّ غيرَ مَقْصُودٍ، فكَأَنَّه لا قِيمَةَ له.
فصل: ولو دَفَعَ إلى إنْسانٍ دِرْهَمًا، وقال: أعْطِنِي بنِصْفِ هذِا الدِّرْهَمِ نِصْف دِرْهَمٍ، وبنِصْفِه فُلُوسًا. أو: حاجَةً أُخْرَى. جازَ؛ لأَنَّه
стр. 5634
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِمَا نَوَاهُ فِيهِ.
ــ
اشْتَرَى نِصْفًا بنِصْفٍ، وهما مُتَسَاويانِ، فصَحَّ، كما لو دَفَعَ إليه دِرْهَمَينِ، فقال: بِعْنِي بهذا الدِّرْهَمِ فُلُوسًا، وأعْطِنِي بالآخَرِ نِضفينِ. وإن قال: أعْطِني بهذا الدِّرْهَمِ نِصْفَا وفُلُوسًا. جازَ أيضًا، لأنَّ مَعْناهُ ذلك، ولأنَّ ذلك لا يُفْضِي إلى التَّفاضُلِ بالتَّوْزِيعِ بالقِيمَةِ، فإنَّ قِيمَةَ النِّصْفِ الذي في الدِّرْهَمِ، كقِيمَةِ النِّصْفِ الذي مع الفُلُوسِ يَقِينًا، وقِيمَةُ الفُلُوسِ كقِيمَةِ النِّصْفِ الآخرِ، سواءٌ.
١٦٩٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بما نَواهُ فيه) لاشْتِمالِ أَحَدِهما على ما لَيسَ من جِنْسِه دونَ الآخَرِ، وإنْ نَزَعَ النَّوَى، ثمّ باعَ النَّوَى والتَّمْرَ بنَوًى وتَمْرٍ، لم يَجُزْ، لأنَّ التَبّعَيَّةَ زَالت بنَزْعِه، فصارَ كمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، بخِلافِ ما إذا كانَ في كُلِّ واحِدٍ نَواهُ. وإنْ باعَ تَمْرًا مَنْزُوعَ النَّوَى بتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى، جازَ،؛ لو باعَ تَمْرًا فيه النَّوَى بَعْضَه ببَعْضٍ. وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَجُوزُ، في أحَدِ الوَجْهَينِ،
стр. 5635
وَالْمَرْجِعُ فِي الْكَيلِ وَالْوَزْنِ إِلَى عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَمَا لا عُرْفَ لَهُ بهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُعْتَبَرُ عُرْفة فِي مَوْضِعِهِ،
ــ
لأَنَّهما لم يَتَسَاوَيا في حالِ الكَمالِ، ولأنَّه يَتَجَافَى في المِكْيالِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : «التَّمْر بالتَّمْرِ [مُدْى بمُدْىٍ] (١). ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في حالٍ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَاهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كما لو كان في كلِّ واحِدٍ نَواة. ويجوز بَيع النَّوَى بالنَّوى كَيلًا كذلك.
١٦٩٤ - مسألة: (والمَرْجِعُ في الكَيلِ والوَزْنِ إلى عُرْفِ أهْلِ الحِجَازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وما لا عُرْفَ لهم به (٢)، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُعْتَبَر عُرْفُه في مَوْضِعِه) ولا يُرَدُّ إلى أَقْرَبِ الأشْيَاءِ شَبَهًا به
стр. 5636
وَالْآخَرُ يُرَدُّ إِلَى أقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالحِجَازِ.
ــ
بالحِجازِ، ونحوُ هذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: الاعْتِبارُ في كُلِّ بلَدٍ بعَادَتِه. ولَنا، ما رَوَى [عبدُ اللهِ بنُ عمرَ] (١) عن النَّبِيِّ ﷺ أنّه قال: «المِكْيَالُ مِكْيالُ المَدِينَةِ، والمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» (٢). والنَّبِيُّ ﷺ إنّما يُحْمَلُ كلامُه على بَيانِ الأَحْكام. ولأَنَّ ما كان مَكِيلًا بالحجازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ إليهَ في تَفَاضُلِ الكَيلِ، فلا يجوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ بعد ذلك، وهكذا الوَزْنُ. فأمّا ما لا عُرْفَ له بالحِجَازِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما (يُرَدُّ إلى أقْرَبِ الأَشْيَاءِ شَبَهًا به بالحِجَازِ) كما أنَّ الحَوادِثَ تُرَدُّ إلى أَشْبَهِ المَنْصُوصِ عليه بها، وهو القِيَاسُ. والثانِي، يُعْتَبَرُ عُرْفُه في مَوْضِعِه؛ لأنَّ ما لم يكُنْ له في الشَّرْعِ حَدٌّ، يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ،
стр. 5637
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالقَبْضِ، والحَرْزِ، والتَّفَرُّقِ. وعلى هذا، إنِ اخْتَلَفَتِ البِلادُ، فالاعْتِبَارُ بالغالِبِ، فإنْ لم يكُنْ غالِبٌ، تَعَيَّنَ الوَجْهُ الأولُ. ومَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كهَذينِ الوَجْهَينِ.
فصل: والبُرُّ والشَّعِيرُ مَكِيلانِ، مَنْصُوصٌ عليهما بقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «البُرُّ بالبُرِّ كَيلًا بكَيلٍ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كَيلًا بكَيلٍ» (١). وكذلك سائِرُ الحُبُوب، والأبازِيرِ، والأُشْنَانُ والجِصُّ والنُّورَةُ وما أشبَهَها. والتَّمْرُ مَكِيلٌ، وهو من المَنْصُوصِ عليه، وكذلك سائِرُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ من الرُّطَبِ والبُسْرِ وغيرِهما، وسائِرُ ما تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ من الثِّمارِ؛
стр. 5638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثلَ الزَّبِيبِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ، واللَّوْزِ، والعُنَّابِ، والمِشْمِشِ، والزَّيتُونِ، والبُطْمِ. والمِلْحُ مَكِيلٌ، وهو من المَنْصُوصِ عليه بقَوْلِه ﵇: «المِلْحُ بالمِلْحِ [مُدْىٌ بمُدْىٍ] (١)». والذَّهَبُ والفِضَّةُ مَوْزُونانِ بقَوْلِه ﵇: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بوَزْنٍ» (٢). وكذلك ما أَشْبَهَهُما من جَواهِرِ الأرْضِ؛ كالحَدِيدِ، والرَّصَاصِ، والصُّفْرِ، والنُّحاسِ، والزُّجاج، والزِّئْبَقِ. وكذلك الإِبرِيسَمُ، والقُطْنُ، والكَتَّانُ، والصُّوفُ، وغزْلُ ذلك، وما أَشْبَهَه.
стр. 5639
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنه الخبزُ، واللَّحْمُ، والشَّحْمُ، والجُبْنُ، والزُّبْدُ، والشَّمْعُ، والزَّعْفَرَانُ، والعُصْفُرُ، والوَرْسُ، وما أشْبَهَ ذلك.
فصل: والدَّقِيقُ والسَّويقُ مَكِيلانِ؛ لأَنَّ أَصْلَهُما مَكِيلٌ، ولم يُوجَدْ ما يَنْقُلُهما عنه، ولأَنَّهُما يُشْبِهانِ ما يُكَالُ. وذكَرَ القاضِي في الدَّقِيقِ، أنّه يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ وَزْنًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يكونَ مَوْزُونًا، وأَصْلُه مَكِيلٌ، كالخُبْزِ. ولَنا، ما ذَكَرْناهُ، ولأنَّه يُقَدَّرُ بالصّاعِ، بدَلِيلِ أنّه يُخْرَجُ في الفِطْرِ صَاعٌ من دَقِيقٍ، وقد جاءَ ذلك في الحَدِيثِ. والصّاعُ
стр. 5640
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنّما يُقَدَّرُ به المَكِيلاتُ، وعلى هذا يكونُ الأَقِطُ مَكِيلًا؛ لأنَّ في حَدِيثِ صَدَقَةِ الفِطْرِ: صاعٌ من أَقِطٍ (١). فأمَّا اللَّبَنُ وغَيرُه من المائِعَاتِ؛ كالأدْهانِ، من الزَّيتِ، والشَّيرَجِ، والعَسَلِ، والدِّبْسِ، والخَلِّ، ونحو ذلك، فالظّاهِرُ أنَّها مَكِيلَة. قال القاضِي في الأَدْهانِ: هي مَكِيلَةٌ. وفي اللَّبَنِ: يَصِحُّ السَّلَمُ فيه كَيلًا. وقال أصحابُ الشّافِعِيِّ: لا يُبَاعُ اللَّبَنُ بَعْضُه بِبَعْض إلَّا كَيلًا. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنّه سُئِلَ عن السَّلَفِ في اللَّبَنِ، فقال: نعم، كَيلًا أو وَزْنًا. وذلك لأنَّ الاءَ مُقَدَّرٌ بالصّاعِ، ولذلك (٢) قالُوا: كان النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصّاعِ (٣)، ويَغْتَسِلُ هو وزَوْجَتُه من الفَرَقِ (٤). وهذه مَكايِيلُ قُدرَ بها الماءُ، وكذلك سائِرُ المائِعاتِ. ورُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن بَيعِ ما في ضُرُوعِ الأَنْعَامِ