. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والجائِحَةُ كُلُّ آفَةٍ لا صُنْعَ لآدَمِيٍّ فيها؛ كالرِّيحِ، والحَرِّ، والبَرْدِ، والعَطَشِ؛ لما رَوَى السّاجِيّ (١) بإسْنادِه، عن جابِرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى في الجائِحَةِ، والجائِحَةُ تكونُ في البَرْدِ، والجرَادِ (٢)، والحَرِّ، وفي الحَبَقِ (٣)، وفي السَّيلِ، وفي الرِّيحِ. وهذا تَفْسِيرٌ من الرّاوي لكَلَامِ النبيِّ ﷺ ، فيَجِبُ الرّجُوعُ إليه. فأمّا ما كان بفِعْلِ آدَمِي، فقال القاضِي: يُخَيَّرُ المُشْتَرِي بينَ فَسْخِ العَقْدِ ومُطَالبَةِ البائِعِ بالثَّمَنِ، وبينَ البَقاءِ عليه ومُطَالبَةِ الجانِي بالقِيمَةِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ إذا أتْلَفَه آدَمِي قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه أمْكَنَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِه، بخِلافِ التالِفِ بِالجائِحَةِ. إلَّا أنَّ في إحْراقِ اللُّصُوصِ ونَهْبِ العَسَاكِرِ والحَرامِيَّةِ وَجْهَينِ. فإن قيلَ: فقد نَهَى النبيُّ ﷺ عن رِبْحِ ما لم يَضْمَنْ (٤). والثَّمَرَةُ غيرُ مَضْمُونَةٍ على المُشْتَرِي، فإذا كانتِ القِيمَةُ أكثَرَ من الثَّمَنِ فقد رَبِحَ فيه. قُلنا: المُرادُ بالخَبَرِ النَّهْي عن الرِّبْحِ بالبَيعِ، بدَلِيلِ أنَّ المَكِيلَ لو زَادَتْ قِيمَتُه قبلَ قَبْضِه، ثم قَبَضَه، جازَ ذلك بالإجْماعِ.
стр. 5742
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وظاهِرُ المَذْهَبِ أنّه لا فَرْقَ بينَ قَلِيلِ الجائِحَةِ وكَثِيرِها، إلَّا أنّ ما جَرَتِ العادَةُ بتَلَفِ مِثْلِه، كاليَسِيرِ الذي لا يَنْضَبِطُ، لا يُلْتَفَتُ إليه. قال أحمدُ: إنِّي لا أقولُ في عَشرِ ثَمَرَاتٍ، ولا عِشرِينَ، ولا أدرِى ما الثُّلُثُ، ولكنْ إذا كانت جائِحَة تَسْتَغْرِقُ الثُّلُثَ، أو الرُّبْعَ، أو الخُصْرَ،
стр. 5743
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُوضَعُ. وعن أحمدَ، أنّ ما دُونَ الثُّلُثِ من ضمانِ المشتَرِي. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ؛ لأنّه لا بُدَّ أنْ يَأكلَ الطائِرُ منها، وتَنْثُرَ الرِّيحُ، ويَسْقُطَ منها، فلم يكُنْ بُدٌّ من ضابِطٍ وحَدٍّ (١)، وَالثلُثُ قد اعْتَبَرَه
стр. 5744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشّارِعُ في الوَصِيَّةِ وعَطِيَّةِ المَرِيضِ. قال الأثْرَمُ: قال أحمدُ: إنَّهُم يَسْتَعْمِلُونَ الثُّلُثَ في سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْألةٍ. ولأن الثُّلُثَ في حَدِّ الكَثْرَةِ، وما دُونَه في حَدِّ القِلَّةِ، بدَلِيلِ قَوْلِ النبيِّ ﷺ في الوَصِيَّةِ: «الثُّلُثُ، والثُّلث كَثِير» (١). فلهذا قُدِّرَ به. ولنا، عُمومُ الأحادِيثِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بوَضْعِ الجوائِحِ. وما دُونَ الثُّلُثِ داخِل فيها، فيَجِبُ وَضْعُه. ولأنَّ هذه الثَّمَرَةَ لم يتمَّ قَبْضُها، فكانَ ما تَلِفَ منها من ضَمانِ البائِعِ وإنْ نَقَصَ عن الثُّلُثِ، كالتي على الأرْضِ، وما أكَلَه الطَّيرُ أو سَقَطَ، لا يُؤثِّرُ في العادَةِ، ولا يُسَمَّى جائِحَة، فلا يَدْخُلُ في الخَبَرِ، ولأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فهو مَعْلُومُ الوُجُودِ بحُكْمِ العادَةِ، فكَأنه مَشْرُوط. إذا ثَبَتَ ذلك، فمَتَى تَلِف شيء له قَدْر خارِج عن العادَةِ، وَضَعَ من الثَّمَنِ بقَدْرِ الذّاهِب. وإنْ تَلِفَ الجَمِيعُ، بَطَلَ العَقْدُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي بجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَأمّا على الروَايَةِ الثانِيَةِ، فإنَّه يَعْتَبِرُ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ. وقيل: ثُلُثَ القِيمَةِ. فإنْ تَلِفَ الثُّلُثُ فما زادَ، رَجعَ بقِسْطِه من الثَّمَنِ، وإنْ كان دُونَه، لم يَرْجِعْ بشَيءٍ. وإنِ اخْتَلَفَا في الجائِحَةِ، أو قَدْرِ التّالِفِ، فالقَوْلُ قولُ البائِعَ؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلَامَةُ، ولأنه غارِم، والقَوْلُ في الأصُولِ قَوْلُ الغارِمِ.
стр. 5745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإنْ بَلَغَتِ الثَّمَرَةُ أوانَ الجِذاذِ، فلم يَجُذَّها حتى أصَابَتْها جائِحَة، فقال القاضِي: عندي، لا تُوضَعُ عنه (١)؛ لأَنه مُفرِّط بتَرْكِ النَّقْلِ في وَقْتِه مع قُدْرَتِه، فكان الضَّمانُ عليه. ولو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ القَطْعِ، فأمْكَنَه قَطْعُها، فلم يَقْطَعْها حتى تَلِفَت، فهي من ضَمانِه؛ لذلك. وإنْ تَلِفَتْ قبلَ إمْكانِ قَطْعِها، فهي من مالِ البائِعِ، كالمسألةِ قَبْلَها.
стр. 5746
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإنِ اسْتَأجَرَ أرْضًا، فزَرَعَها، فتَلِفَ الزَّرْعُ، فلا شيءَ على المُؤجِرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه مَنافِعُ الأرْضِ، ولم يَتْلَفْ، إنَّما تَلِفَ مالُ المُسْتَأجِرِ فيها، فصارَ كدارٍ اسْتَأجَرَها لِيَقْصُرَ فيها ثِيابًا، فتَلِفَتِ الثيابُ فيها.
стр. 5747
وَصَلَاحُ بَعْضِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا. وَهَلْ يَكُونُ صَلَاحًا لِسَائِرِ النَّوْعِ الَّذِي فِي الْبُسْتَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
١٧١٨ - مسألة: (وصَلاحُ بَعْض ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ صَلاح لجَمِيعِها) لا يَخْتَلِفُ المذهبُ (١) فيه، فيُبَاحُ بَيعُ جَمِيعِها بذلك. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. (وهل يكونُ صَلاحًا لسائِرِ النَّوْعَ الذي في البُسْتَانِ؟ على رِوَايَتَينِ) أظْهَرُهما، أنّه يكونُ صَلاحًا، فيَجُوزُ بَيعُه. وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ، قِياسًا على الشَّجَرَةِ الواحِدَةِ، ولأنَّ اعْتبارَ الصّلاحِ [في الجميعِ] (٢) يَشُقُّ، ويُؤدّي إلى الاشْتِرَاكِ واخْتِلافِ الأيدِي، فوَجَبَ أنْ يَتْبَعَ ما لم يَبْدُ صَلاحُه من نَوْعِه لِما بَدَا، كالشَّجَرةِ الواحِدَةِ. والثانِيَةُ، لا يكونُ صَلَاحًا، ولا يَجُوزُ بَيعُ إلَّا ما بَدا صَلاحُه؛ لأنه لم يَبْدُ صَلاحُه، فلم يَجُزْ بَيعُه؛ لعُمُوم النهْيِ، ولأنه لم يَبْدُ صَلاحُه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالذي في البُسْتَانِ الآخرِ.
стр. 5748
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا النَّوْعُ الآخَرُ من ذلك الجِنسِ، فقال القاضِي: لا يَجُوزُ بَيعُه. وهو أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشّافِعِيِّ. وقال محمّدُ بنُ الحَسَنِ: ما كان مُتَقَارِبَ الإِدْرَاكِ، فبُدُوُّ صَلاحِ بَعْضِ يَجُوزُ به بَيعُ جَمِيعِه، وما يَتَأخَّرُ تَأخُّرًا كَثِيرًا فلا نُجَوِّزُه في الباقِي. وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بَيعُ ما في البُسْتَانِ من ذلك الجِنْسِ. وهو الوَجْهُ الثانِي لأصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لأن الجِنْسَ الواحِدَ يُضَمُّ بَعْضُه إلى بَعْض في إكْمالِ النِّصَابِ، فيَتْبَعه في جَوازِ البَيعِ، كالنَّوْعِ الواحِدِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ النَّوْعَينِ قد يَتَبَاعَدُ إدْرَاكُهما، فلم يَتْبَعْ أحَدُهما الآخرَ في بُدُو الصَّلاحِ، كالجِنْسَينِ. ويُخالِفُ الزَّكَاةَ؛ فإنَّ القَصْدَ هو الغِنَى من جِنْسِ ذلك المالِ، لتَقَارُبِ مَنْفَعَتِه، وقِيامِ كُلِّ نَوْعٍ مَقامَ النَّوْعِ (١) الآخَر في المقْصُودِ. والمَعْنَى ههُنا هو تَقارُبُ إدْرَاكِ أحَدِهما من الآخَر، ودَفْعُ الضَّرَرِ الحاصِلِ بالاشتِراكِ واخْتِلافِ الأيدِي، ولا يَحْصُلُ ذلك في النَّوْعَينِ، فصارَ في هذا كالجِنْسَينِ.
стр. 5749
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا النَّوْعُ الواحِدُ من بُسْتانَيْن (١)، فلا يَتْبَعُ أحَدُهما الآخَرَ في جَوازِ بَيعِ أحدِهِما بِبُدُوِّ صَلاحِ الآخرِ، سواءٌ كانا مُتَجاورَينِ أو مُتَباعِدَينِ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وحُكِيَ عن أحمدَ، أنَّ بُدُوَّ الصَّلاحِ في شَجَرَةٍ من القَراح (٢) صَلَاح له ولِما قارَبَه. وبهذا قال مالِك، لأنَّهُما يَتَقَارَبَانِ في الصَّلَاحِ، فأشْبَها (٣) القَراحَ الواحِدَ، ولأنَّ المَقْصُودَ الأَمْنُ
стр. 5750
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من العاهةِ، وقد وُجِدَ. والأوَّلُ المَذْهَبُ؛ لأنَّه إنَّما جَعَلَ ما لم يَبْدُ صَلاحُه بمَنْزِلَةِ ما بَدَا، دَفْعًا لضرَرِ الاشْتِراكِ واخْتِلافِ الأيدِي، وإلَّا فالأصْلُ اعْتِبارُ كُلِّ شيءٍ بنَفْسِه (١)، والذي في القَراحِ الآخَر لا يُوجَدُ فيه هذا الضَّرَرُ، فوَجَبَ أنْ لا يَتْبَعَ الآخَرَ، كما لو تَبَاعَدَا. فإن بَدَا صَلاحُ النَّوْعِ الواحِدِ، فأفْرَدَ بالبَيعِ ما لم يَبْدُ صَلاحُه من بَقِيَّةِ النَّوْعِ من ذلك البُسْتانِ، لم يَجُزْ؛ لدُخُولِه تَحْتَ عُمُومِ النَّهْي، وتَعَذُّرِ قِيَاسِهِ على الصُّورَةِ المَخْصُوصَةِ من العُمُومِ، وهي إذا باعَه مع (٢) مما بَدَا صلاحُه؛ لأنه دخلَ في البَيعِ تَبَعًا، دَفْعًا لمَضَرَّةِ الاشْتِرَاكِ، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا، ولأنَّه قد يَدْخُلُ في البَيعِ تَبَعًا ما لا يَجُوزُ إفْرادُه، كالثَّمَرَةِ تُباعُ مع الأصلِ، والزرْعِ مع (٣) الأرْضِ. ويَحْتَمِلُ الجَوازَ؛ لأنَّ الكُلَّ في حُكْمِ ما بَدَا صَلَاحُه، فأشْبَهَ بَيعَه معه، وكما لو أفْرَدَ بالبَيعِ ما بَدا صَلاحُه.
стр. 5751
وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي ثَمَرِ النَّخْلِ أنْ يَحْمَرَّ أوْ يَصْفَرَّ، وَفِي الْعِنَبِ أنْ يَتَمَوَّهَ، وَفِي سَائِرِ الثَّمَرِ أن يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ، وَيَطِيبَ أكْلُهُ.
ــ
١٧١٩ - مسألة: (وبُدُو الصَّلَاحِ في ثَمَرِ النَّخْلِ أنْ يَحْمَرَّ أو يَصْفَرَّ، وفي العِنَبِ أنْ يَتَمَوَّه، وفي سائِرِ الثَّمَرِ أنْ يَبْدُوَ فيه النُّضْجُ، ويَطِيبَ أكلُه) وجُمْلَةُ ذلك، أنّ ما كانَ من الثَّمَرِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُه عندَ صَلاحِه، كثَمَرَةِ
стр. 5752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّخْلِ، والعِنَبِ غيرِ الأبْيَضِ، والإِجَّاصِ، فبُدُوُّ صَلاحِه بذلك. وإن كان العِنَبُ أبيَضَ، فصَلَاحُه بتَمَوُّهِهِ؛ وهو أنْ يَبْدُوَ فيه الماءُ الحُلْوُ، ويَلِينَ، ويَصْفُوَ لَوْنُه، وإن كان ممّا لا يَتَلَوَّنُ، كالتُّفَّاحِ ونحوه، فبأنْ يَحْلُوَ ويَطِيبَ، وإنْ كان بِطِّيخًا أو نحوَه، فبأنْ يَبْدُوَ فيه النُّضْجُ. وإنْ كان ممّا لا يَتَغَيَّرُ لَوْنُه، ويُؤكَلُ طَيِّبًا [صِغَارًا وكِبارًا] (١)، كالقِثّاءِ والخِيارِ، فصلَاحُه بلُوغُه أنْ يُؤكَلَ عادَةً. وقال القاضِي، وأصْحابُ الشّافِعِي: بلُوغُه تَنَاهِي عِظَمِه. وما قُلْنَاهُ أشْبَهُ بصَلاحِه ممّا قالُوه، فإنّ بُدُوَّ صَلاحِ الشيءِ ابْتِداوه، وتَنَاهِيَ عِظَمِه آخِرُ صَلاحِه. ولأنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ في الثَّمَرِ يَسْبِقُ حال الجِذَاذِ، فلا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ صلاحِه فيما يُقاسُ عليه بسَبْقِه قَطْعَه عادَةً. وما قُلْنا في هذا الفَصْلِ فهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وكثير من أهلِ العِلْمِ، أو مُقارِبٌ له. وقال عَطاء: لا يُباعُ حتى يُؤكَلَ مِن الثَّمَرِ قَلِيل أو كَثِير. ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاس. ولعَلَّهُم أرَادُوا صَلاحَهُ
стр. 5753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للأكلِ، فَيَرْجِعُ مَعْناهُ إلى ما قُلْنَا؛ فإنّ ابنَ عَبّاس قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن بَيعِ النَّخْلِ حتى يَأكلَ منه، أو يُؤكَلَ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وإنْ أرادُوا حَقِيقَةَ الأكْلِ، [كان ما ذَكَرْنا أوْلَى؛ لأنَّ ما رَوَوْه يَحْتَمِلُ صلاحَه للأكلِ] (٢)، فيُحْمَلُ على ذلك، مُوافَقَة لأكْثَرِ الأخْبارِ، وهو ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنّه نَهَى عن بَيعِ الثَّمَرِ حتى يَطِيبَ. مُتَّفَق عليه (٣). ونَهَى أنْ يُباعَ الثَّمَرُ حتى يَزْهُوَ. قيل: وما يَزْهُو؟ قال:
стр. 5754
فَصْلٌ: وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِع، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
ــ
«يَحْمَارُّ أو يَصْفَارُّ». رَواهُ البُخَارِيُّ (١). ونَهَى عن بَيعِ العِنَبِ حتى يَسْوَدَّ. رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وابنُ ماجَه (٢). والأحَادِيثُ في هذا كَثِيرَة، كُلُّها تَدُلُّ على هذا المَعْنَى. واللهُ أعلمُ.
١٧٢٠ - مسألة: (ومَنْ باعَ عَبْدًا، وله مال، فمالُه للبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ) إذا باعَ عَبْدَه أو أمَتَهُ، وله مال مَلَّكَهُ إيّاهُ أو خَصَّه به، فهو للبائِعِ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قال: «مَنْ باعَ عَبْدًا وله مالٌ، فمالُه للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ». رَواهُ مسلمٌ وغيرُه (٣). ولأنَّ العَبْدَ ومَاله للبائِعِ، فإذا باعَ العَبْدَ اخْتَصَّ البَيعُ به دُونَ غَيرِه، كما لو كان له عَبْدانِ، فباعَ أحَدَهما. وإنِ اشْتَرَطَه المُبْتَاعُ كان له؛ للخَبَرِ. رُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ الخَطّابِ. وقَضَى به شُرَيحٌ. وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِي، وإسحاقُ.
стр. 5755
فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْمَال، اشْتُرِطَ عِلْمُهُ وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيع وَإنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْمَال، لَمْ يُشْتَرَطْ.
ــ
١٧٢١ - مسألة: (فإنْ كان قَصْدُه المال، اشْتُرِطَ عِلْمُه وسائِرُ شُروطِ البَيعِ، وإنْ لم يَكُنْ قَصْده المال، لم يُشْتَرَطْ عِلْمه) إذا اشْتَرَى عَبْدًا واشْتَرَطَ ماله، وكان المالُ مَقْصُودًا بالشِّراءِ، صَحَّ اشْتِرَاطُه؛ للخَبَرِ، ويُشْتَرَط أنْ يوجَدَ فيه شَرائِطُ البَيعِ، من العِلْمِ به، وألا يكُونَ بَينَه وبينَ الثَّمَنِ رِبًا، كما يعْتَبَر ذلك في العَينَينِ المَبِيعَتَين؛ لأنه مَبِيع مَقْصُودٌ، فأشْبَهَ ما لو ضَمَّ إلى العَبْدِ عَينًا أخْرَى وباعَهُما. وإنْ لم يكُنْ قَصْدُهُ المال، صَحَّ
стр. 5756
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَرْطُه، وإن كان مَجْهُولًا. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، والبَتِّيِّ. وسواء كان المالُ من جِنْسِ الثَّمَنِ أو من غيرِ جنْسِه، عَينًا كان أو دَينًا، وسواءٌ كان مثلَ الثَّمَنِ أو أقلَّ أو أكثَرَ. قال البَتِّيُّ: إذا باعَ عبدًا بألْفِ دِرْهَم، ومعه ألفُ دِرْهَم، فالبَيعُ جائِز إذا كان رَغْبَةُ المُبْتَاعِ في العَبْدِ، لا في الدَّرَاهِمِ؛ وذلك لأنَّه دَخَلَ في البَيعِ تَبَعًا غيرَ مَقْصُودٍ، فأشْبَهَ أسَاسَاتِ الحِيطانِ، والتَّمْويه بالذَّهَبِ في السُّقُوفِ. وقال القاضِي: هذا يَنْبَنِي على كَوْنِ العَبْدِ يَمْلِكُ أو لا يَمْلِكُ. فإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ. فاشْتَرَطَ المُشْتَرِي مَالهُ، صارَ مَبِيعًا معه، فاشْتُرِطَ فيه ما يُشْتَرَطُ
стр. 5757
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في سائِرِ المَبِيعاتِ. وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ. وإنْ قُلْنا: يَمْلِكُ. احْتَمَلَتْ فيه الجَهالةُ وغَيرُها ممّا ذَكَرْنا مِن قبلُ، أنّه بِيعَ تَبَعًا، فهو كطَيِّ الآبارِ. وهذا خِلافُ نَصِّ أحمدَ، والخِرَقيِّ، فإنَّهُما جَعَلَا الشَّرْطَ الذي يَخْتَلِفُ الحُكْمُ به قَصْدَ المُشْتَرِي دونَ غيرِه. قال شَيخُنا (١): وهو أصحُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، واحْتِمالُ الجَهالةِ فيه؛ لكَوْنِه غيرَ مَقْصُودٍ، كاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، والحَمْلِ في البَطْنِ، وأشْباهِ ذلك، فإنّه مَبِيع، ويَحْتَمِلُ فيه الجَهالةَ وغيرَها؛ لما ذَكَرْنا. وقد قيلَ: إنّ المال ليس بمَبِيع ههُنا، وإنّما اسْتَبْقَاهُ المُشْتَرِي علي مِلْكِ العَبْدِ، لا يَزُولُ عنه إلى البائِعِ. وهو قَرِيب من الأولِ.
فصل: وإذا اشْتَرَطَ مال العَبْدِ في الشِّرَاءِ، ثم رَدَّه بإقَالةٍ [أو خِيَار] (٢) أو عَيب، رَدّ ماله. وقال دَاوُدُ: يَردُّه دونَ مالِه؛ لأنَّ مَالهُ لم يَدْخُلْ [في البَيعِ] (٣)، فأشْبَهَ النَّماءَ الحادِثَ عندَه. ولَنا، أنّه عَينُ مالٍ أخَذَها
стр. 5758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُشْتَرِي، لا تَحْصُلُ بدُونِ البَيعِ، فيَرُدُّها بالفَسْخِ، كالعَبْدِ، ولأنَّ العَبْدَ إذا كان ذا مالٍ كانت قِيمَتُه أكثرَ، فأخذُ مالِه يَنْقُصُ قِيمَتَه، فلم يَمْلِكْ رَدَّهُ حتى يَدْفَعَ ما يُزِيلُ نَقْصَه. فإن تَلِفَ مالُه، فأرادَ رَدَّه، فهو بمَنْزِلَةِ العَيبِ الحادِثِ، هل يَمْنَعُ الرَّدَّ؟ على رِوَايَتَينِ. فإن قُلْنا بالرَّدِّ، فعليه قِيمَةُ ما تَلِفَ عندَه. قال أحمدُ في رجُلٍ اشترَى أمَةً معها قِنَاعٌ، فاشترَطَه، وظَهَرَ على عَيبٍ، وقد تلف القِنَاعُ: غَرِمَ قِيمَتَه بحِصَّتِه من
стр. 5759
فَإِنْ كَانَ عَلَيهِ ثِيَابٌ، فَقَال أحْمَدُ: مَا كَانَ للْجَمَالِ، فَهُوَ لِلْبَائِع وَمَا كَانَ لِلُّبْسِ الْمُعْتَادِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
ــ
الثَّمَنَ.
١٧٢٢ - مسألة: (فإنْ كان عليه ثِيابٌ، فقال أحمدُ: ما كَانَ للجَمالِ، فَهُوَ للبائِعِ، وما كان لِلُّبْسِ المُعْتَادِ، فهو للمُشْتَرِي) إذا كان على العَبْدِ أو الجارِيَةِ حَلْيٌ، فهو بمَنْزِلَةِ مالِه، على ما ذَكَرْنا. فأمّا الثيابُ، فقال أحمدُ: ما كان يَلْبَسُه عندَ البائِعِ، فهو للمُشْتَرِي، وإنْ كانت ثِيابًا يَلْبَسُها فوقَ ثِيابِه، أو شَيئًا يُزَينه به، فهو للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ. وإنّما كان كذلك؛ لأنَّ ثِيابَ البِذْلَةِ جَرَتِ العادَةُ بِبَيعِها معه، ولأنها تَتَعَلَّقُ بها [حاجَتُه ومَصْلَحَتُه، فَجَرَت مَجْرَى مَفَاتِيحِ الدَّارِ، بخِلافِ ثيابِ الجَمَالِ، فإنَّها زِيَادَةٌ على العَادَةِ، ولا تَتَعَلَّقُ بها] (١) حاجَةُ العَبْدِ، وإنَّما يُلْبِسُها إيَّاه لِيُنْفِقَه بها، وهذه حاجَةُ السَّيِّدِ لا حاجَةُ العَبْدِ، ولم تَجْرِ
стр. 5760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العادَةُ بالمُسامَحَةِ فيها، فجَرَتْ مَجْرَى السُّتُورِ في الدّارِ، والدَّابَّةِ التي يُرْكِبُهُ عليها. وقال ابنُ عمرَ: من باعَ وَلِيدَةً زَيَّنَهَا بثيَابٍ، فللذي اشْتَراها ما عليها، إلَّا أنْ يَشتَرِطَه الذي باعَها (١). وبه قال الحَسَنُ، والنَّخعِيُّ. ولَنا، الخَبَرُ المَذْكُورُ، ولأن الثيابَ لم يَتَناوَلْها لفظُ البَيعِ، ولا جَرَتِ العادَةُ بِبَيعِها معه، أشبَهَ سائِرَ مالِ البائِعِ. ولأنه زِينَةٌ للمَبِيعِ، أشبَهَ ما لو زَيَّنَ الدّارَ ببُسُطٍ أو سُتُور، والله أعْلَمُ.
стр. 5761
بَابُ السَّلَمِ
وَهوَ نَوْعٌ مِنَ الْبَيعِ، يَصِحُّ بِأَلْفَاظِهِ وبِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ.
ــ
باب السَّلَمِ
وهو أنْ يُسْلِفَ (١) عَينًا حاضِرَةً في عِوَضٍ مَوْصوفٍ في الذِّمة إلى أجلٍ، ويُسَمَّى سَلَفًا، وسَلَمًا. يقالُ: أسلَمَ، وأسْلَفَ. (وهو نوْعٌ منِ البَيعِ) [يَنْعَقِدُ بما يَنْعَقِدُ به البَيعُ] (٢)، ويَنْعَقِدُ بلَفْظِ السَّلَفِ والسَّلَمِ؛ لأنها (٣) حَقِيقَةٌ فيه. ويُشْتَرُط له ما يُشْتَرَطُ للبَيعِ، إلَّا أنّه يَجُوزُ في المَعْدومِ. والأصْلُ في جَوازِه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ،
стр. 5762
وَلَا يَصِحُّ إلا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أحَدُهَا، أن يَكُونَ فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ
ــ
فقَوْلُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١). قال ابنُ عَبّاس: أشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إلى أجَل مُسَمًّى قد أحَلَّهُ اللهُ في كِتابِه وأذِنَ فيه. ثم قَرَأ هذه الآيَةَ. رَواهُ سَعِيد (٢). وأنّ اللَّفْظَ يَشْمَلُه بعُمُومِه. وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى ابنُ عَبّاس، أنّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثِّمارِ السَّنَتَينِ والثَّلاثَ، فقال: «مَنْ أسْلَفَ في شيء فلْيُسْلِفْ فِي كَيل مَعْلُوم، وَوَزْنٍ مَعْلُوم، إلى أجَل مَعْلُوم». مُتَّفَق عليه (٣). وأمّا الإِجْماعُ، فقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على أنَّ السَّلَمَ جائِز.
١٧٢٣ - مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا بشُرُوطٍ سَبْعَةٍ، أحَدُها، أنْ
стр. 5763
صِفَاتِهِ، كَالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَذْرُوعِ.
ــ
يَكُونَ ممّا يُمكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِه) التي يَخْتَلِف الثمَنُ باخْتِلافِها ظاهِرًا (كالمَكِيل) من الحُبُوبِ [وغيرِها] (١) (والمَوْزُونِ) كالقُطْنِ، والإِبرِيسَمِ، والكَتَّانِ، والعِنَبِ (٢)، والصُّوفِ، والشعَرِ (٣)، والكاغدِ (٤)، والحَدِيدِ، والصُّفْرِ، والنُّحاسِ، والطِّيبِ، والأدهانِ، والخُلُولِ، وكُلِّ مَكِيل أو مَوْزُونٍ، (و) كذلك (المذرُوعُ) (٥) كالثِّيابِ، وقد جاءَ الحَدِيثُ في الثِّمارِ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ السَّلَمَ في الطَّعامِ جائِزٌ.
стр. 5764
فأمَّا الْمَعْدُودُ الْمُخْتَلِفُ؛ كَالْحَيَوَانِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَالْبُقُولِ، وَالْجُلُودِ، وَالرُّءُوسِ، وَنَحوها، فَفِيه رِوَايَتَانِ.
ــ
١٧٢٤ - مسألة: (فأمّا المَعدُودُ المُخْتَلِفُ؛ كالحَيَوانِ، والفَواكِهِ، والبُقُولِ، والجُلُودِ، والرُّءُوسِ، ونحوها، ففيه رِوَايَتَان) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في السَّلَمِ في الحَيَوانِ، فرُويَ، أنّه لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه. وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرّأي. ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيفَةَ، وسَعِيدِ جُبَير، والشَّعبِيِّ. قال عمرُ، ﵁: إنَّ من الرِّبَا أبوابًا لا تَخْفى، وإنَّ منها السَّلَمَ في السِّنِّ (١). ولأنَّ الحَيَوانَ يَخْتَلِف خْتِلافًا مُتَبايِنًا، فلا يُمكِنُ ضَبْطُه. وإنِ اسْتَقْصَى صِفاتِه التي يَخْتَلِفُ بها الثمَنُ، مثلَ: أزَجُّ الحاجِبَينِ (٢)، أكْحَلُ العَينَينِ، أقْنَى الأنْفِ (٣)، أهْدَبُ الأشْفَارِ (٤)، ألْمَى الشَّفَةِ (٥). تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه؛ لنُدرَةِ
стр. 5765
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجُودهِ على تلك الصِّفَة، وإنْ لم يَذْكُرها اخْتَلَفَ بها الثَّمَنُ ظاهِرًا. والمَشْهُورُ في المَذْهبِ صِحَّةُ السَّلَمِ فيه. نصّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ الأثرَمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وممَّنْ رَوَينَا عنه أنَّه لا بَأسَ بالسَّلَمِ في الحَيَوانِ؛ ابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عَبّاسٍ، وابنُ عمرَ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، والشَّعبِيُّ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْريُّ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسحاق، وأبو ثَوْرٍ. لأنَّ أبا رافِع قال: اسْتَسْلَفَ النبيُّ ﷺ مِنْ رَجُل بَكْرًا. رَواهُ مُسْلِمٌ (١). وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ، قال: أمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ أبتَاعَ البَعِيرَ بالبَعِيرَينِ وبالأبعِرَةِ إلى مَجِئِ الصَّدَقَةِ (٢). رَواهُ أبو
стр. 5766
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَاوُدَ (١). ولأنّه يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فيَثْبُتُ في السَّلَمِ، كالثِّيابِ. فأمّا حَدِيثُ عمرَ، فلم يَذْكُرهُ أصحابُ الاخْتِلافِ، ثمّ هو مَحمُول على أنَّهم يَشْتَرِطُونَ من ضِرَابِ فَحلِ بَنِي فُلانٍ. قال الشَّعبِيّ: إنّما كَرِه ابنُ مَسْعُودٍ السَّلَفَ في الحَيَوانِ؛ لأنهُم اشْتَرَطُوا نِتَاجَ فحل مَعلُوم. رَواهُ سَعِيد (٢). وقد رُوِيَ عن عَلِى أنّه باعَ جَمَلًا له يُدعَى عُصَيفِيرًا بعِشْرِينَ بَعِيرًا إلى أجَل (٣). ولو ثَبَتَ قَوْلُ عمرَ في تَحرِيمِ السَّلَمِ في الحَيَوانِ، فقد عارَضَه قولُ مَنْ سَمَّينَا ممَّنْ وافَقَنَا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في السَّلَمِ في غيرِ (٤) الحَيَوانِ، ممّا لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ ولا يُذْرَعُ، فنَقَلَ إسْحاقُ بنُ إبراهِيمَ، عن أحمدَ، أنّه قال: لا أرَى السَّلَمَ إلَّا فيما يُكالُ، أو يُوزَنُ، أو يُوقف عليه -قال
стр. 5767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو الخطّابِ: معناه يُوقَفُ عليه بحدٍّ معلوم لا يَخْتَلِفُ، كالذّرعِ- فأمّا الرُّمّانُ والبيضُ، فلا أرى السَّلَمَ فيه. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عنه وعن إسْحاقَ، أنَّه لا خَيرَ في السَّلَمِ في الرُّمَّانِ، والسَّفرجَلِ، والبِطيخِ، والقِثّاءِ، والخِيَارِ، لأنَّه لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ، ومنه الصَّغِيرُ والكَبِيرُ. فعلى هذه الرِّوايَةِ، لا يَصِحُّ السَّلَمُ في كُلِّ مَعدُودٍ مُخْتَلِفٍ، كالذي سَمَّينَا، وكالبُقولِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، ولا يُمكِنُ تَقْدِيرُه بالحَزْمِ؛ لأنَّ الحَزْمَ يمكِنُ في الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، فلم يَصِحَّ السَّلَمُ فيه، كالجَواهِرِ. ونَقَلَ إسماعِيلُ بنُ سَعِيدٍ، وابنُ مَنْصُور، جَوَازَ السَّلَمِ في الفَواكِهِ، والمَوْزِ، والخَضْرَاوَاتِ، ونحوها؛ لأنَّ كثِيرًا من ذلك يَتَقارَبُ ويَنْضَبِطُ بالكبرِ والصِّغَرِ، وما لا يَتَقَارَبُ يَنْضَبِطُ بالوَزْنِ، كالبُقُولِ ونَحوها، فيَصِحُّ السَّلَمُ فيه، كالمَذْرُوعِ. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الشّافِعِيِّ المَنْعَ من السَّلَمِ في البَيضِ والجَوْزِ. ولَعَلَّ هذا قول آخرُ، فيكونُ له قَوْلانِ.
стр. 5768
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وفي السَّلَمِ في الرُّءُوسِ من الخلافِ ما ذَكَرنَاهُ، وكذلك الأطْرَافُ. وللشَّافِعِيِّ فيها قَوْلانِ؛ أحَدُهما، يَجُوزُ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه لَحم فيه عَظْم يَجُوزُ شِراوه، فجازَ السَّلَمُ فيه، كبَقِيَّةِ اللَّحمِ. والأخْرَى، لا يَجُوزُ. وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّ أكْثَرَهُ العِظَامُ والمَشافِرُ، واللَّحمُ فيه قَلِيلٌ، وليس بمَوْزُونٍ، بخِلافِ اللَّحمِ. فإنْ كانَ مَطْبُوخًا، أو مَشْويًّا، فقال الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه. وهو قِياسُ قَوْلِ القاضِي؛ لأنَّه (١) يَتَناثَرُ (٢) ويَخْتَلفُ. وعلى قَوْلِ أصحابِنَا غيرِ القاضِي، حُكْمُ ما مَسَّتْهُ النارُ حُكْمُ غَيرِه وبه قال مالِك، والأوْزَاعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ. والعَقْدُ يَقْتَضِيه سَلِيمًا من التَّنَاثُرِ (٣)، والعادَةُ في طَبْخِه تَتَقَارَبُ، فأشْبَه غَيرَه. وفي الجُلُودِ من الخِلافِ ما في الرءُوسِ والأطْرَافِ. وقال الشّافِعِيُّ: لا يَصِحُ السَّلَمُ فيها؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ، فالوَرِك
стр. 5769
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثَخِينٌ قَويٌّ، والصَّدرُ ثَخِينٌ رِخْوٌ، والبَطْنُ رَقِيقٌ ضَعِيفٌ، والظَّهْرُ أقْوَى، فيَحتاجُ إلى وَصفِ كُلِّ مَوْضِعٍ منه، ولا يمكِنُ ذَرعُه؛ لاخْتِلافِ أطْرَافِه. ولَنا، أنّ التَّفاوُتَ في ذلك مَعلُومٌ، فلم يَمنَع صِحَّةَ السَّلَمِ فيه، كالحَيَوانِ، فإنّه يَشْتَمِلُ على الرَّأسِ والجِلْدِ والأطْرَافِ والشَّحمِ وما في البَطْنِ، وكذلك الرَّأسُ يَشْتَمِلُ على لَحمِ الخَدَّينِ والأذُنينِ والعَينَينِ، ويَخْتَلِف، ولم يمنع صِحَّةَ السَّلَمِ فيه، كذلك ههُنا.
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ في اللَّحمِ. وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِيّ. وقال أبو حنِيفَةَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أسْلَمَ فَلْيُسْلِم في كَيل معلُوم، و (١) وَزْنٍ مَعلُوم» (٢). ظاهِرُه إباحَةُ السَّلَمِ في كُلِّ مَوْزُونٍ. ولأنَّا قد بَيَّنَّا جَوازَ السَّلَمِ في الحَيَوانِ، فاللحمُ أوْلَى.
стр. 5770
وَفِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ وَالأوْسَاطِ؛ كَالْقَمَاقِمِ، وَالأسْطَالِ الضَّيِّقَةِ الرُّءُوسِ، وَمَا يَجْمَعُ أخْلاطًا مُتَمَيِّزَةً؛ كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ نَوْعَينِ، وَجْهانِ.
ــ
١٧٢٥ - مسألة: (وفي الأوانِي المُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ والأوْساطِ؛ كالقَماقِمِ (١)، والأسْطَالِ الضَّيِّقَةِ الرّءُوسِ، وما يَجْمَعُ أخْلاطًا مُتَمَيِّزَةً؛ كالثيابِ المَنْسُوجَةِ من نَوْعَينِ، وَجهانِ) لا يَصِحُّ السَّلَمُ في الأوانِي المُخْتَلِفَةِ الرّءُوسِ والأوْسَاطِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تأتِي عليها. وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ إذا ضُبِطَ بارتِفاعِ حائِطِه ودوْرِ أسْفَلِه وأعلاه؛ لأنّ
стр. 5771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التَّفَاوُتَ في ذلك يَسِيرٌ. فأمّا الثيابُ المَنْسُوجَةُ من نَوْعَينِ، كالقُطْنِ والكَتَّانِ، [والقُطْنِ] (١) والإِبريسَمِ، فالصَّحِيحُ جَوازُ السَّلَمِ فيها؛ لأنَّ ضَبْطَها ممكِن. وفيه وَجْه آخر، أنّه لا يَجُوزُ، كالمَعاجِينِ.
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ في اللِّبَأ، والخُبْزِ، وما أمكَنَ ضَبْطُه ممَّا مَسَّتْهُ النّارُ. وقال الشَّافعِيُّ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ في كُلِّ مَعمُولٍ بالنّارِ؛ لأنَّ النّارَ تَخْتَلِفُ، ويَخْتَلِف الثمَنُ بها (٢)، ويَخْتَلِفُ عَمَلُها. ولَنا، أنَّه مَوْزُونٌ، فجازَ السَّلَمُ فيه، كسائِرِ المَوْزُونَاتِ، ولعُموم الحَدِيثِ، ولأنَّ عملَ النَّارِ فيه مَعلُومٌ بالعادَةِ، ممكِنٌ ضَبْطُه بالنَّشَافَةِ والرُّطُوبَةِ، فأشْبَه المُجَفَّفَ بالشّمسِ. فأمَّا اللَّحمُ المَطْبُوخُ، والمَشْويُّ، فقال القاضِي: لا يَصِحُّ السَّلَمُ (٣) قيه. وهو مَذْهب الشّافِعِيِّ؛ لأنّه يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا، وعادات النّاسِ فيه مُخْتَلِفَةٌ، فلا يُمكِنُ ضَبْطُه. وقال بعضُ أصحَابِنا: يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لِما ذَكَرنا في الخُبْزِ واللِّبَأ.
стр. 5772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَصِحُّ السَّلَمُ في النُّشَّابِ والنبلِ. وقال القاضِي: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيهما. وهو مَذْهبُ الشّافِعِي؛ لأنَّه يَجْمَعُ أخْلاطًا من خَشَبٍ وعَقَبٍ (١) ورِيش ونَصْلٍ، فجَرَى مَجْرَى أخْلَاطِ الصَّيَادِلَةِ، ولأنَّ فيه رِيشًا نَجِسًا؛ لأنَّه من جوارِحِ الطَّيرِ. ولَنا، أنَّه ممّا يَصِحُّ بَيعُه، ويمكنُ ضَبْطُه بالصِّفَاتِ التي لا يَتَفَاوَتُ الثَّمَنُ معها غالِبًا، فَصَحَّ السَّلَمُ فيه،
стр. 5773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالقَصَبِ، والخَشَبِ، وما فيه من غيرِه مُتَمَيِّزٌ، يمكنُ ضَبْطُه والإِحاطَةُ به، ولا يَتَفاوَتُ كثِيرًا، فلا يُمنَعُ، كالثِّيابِ المَنْسُوجَةِ من جِنْسَينِ، وقد يكونُ الرِّيشُ طاهِرًا، وإنْ كان نَجِسًا لكن يَصِحُّ بَيعُه، فلا يُمنَعُ السَّلَمُ فيه، كنَجاسَةِ البَغْلِ والحِمَارِ.
стр. 5774
وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ، كَالْجَوَاهِرِ كُلِّها، وَالْحَوَامِلِ مِنَ الْحَيَوانِ، وَالْمَغْشُوشِ مِنَ الأَثْمَانِ وَغَيرِها، وَمَا يَجْمَعُ أخْلَاطًا غَيرَ مُتَمَيِّزَةٍ، كَالْغَالِيَةِ، وَالنَّدِّ، وَالْمَعَاجِينِ. وَيَصِحُّ فِيمَا يُتْرَكُ فِيهِ شَيْءٌ غيرُ مَقْصُودٍ لِمَصلَحَتِهِ، كَالْجُبْنِ، وَالْعَجِينِ، وَخَلِّ التَّمرِ، والسّكَنْجَبِينِ، وَنَحوها.
ــ
١٧٢٦ - مسألة: (ولا يَصِحُّ فيما لا يَنْضَبِطُ كالجَواهِرِ كُلِّها، والحَوامِلِ من الحَيَوانِ، والمَغْشُوشِ من الأثْمَانِ وغيرِها، وما يَجْمَعُ أخْلاطًا غيرَ مُمَيَّزَةٍ، كالغَالِيَةِ (١)، والنَّدِّ (٢)، والمَعاجِينِ. ويَصِحُّ فيما يُتْرَكُ فيه شيءٌ غيرُ مَقْصُودٍ لمَصلَحَتِه، كالجُبْنِ (٣)، والعَجِينِ، وخَلِّ التَّمرِ، والسكنْجَبِينِ، ونحوه) لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيما لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، كالجَواهِرِ (٤) من اللّولُؤِ، والياقُوتِ، والزَّبَرجَدِ، والفَيرُوزَجِ (٥)
стр. 5775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والبَلُّورِ؛ لأنَّ أثْمَانَها تَخْتَلِف اخْتِلافًا مُتَبايِنًا بالصِّغَرِ، والكِبَرِ، وحُسْنِ التَّنويرِ، وزِيادَةِ ضَوْئِها، وصَفائِها، ولا يمكِنُ تَقْدِيرُها بشيءٍ مُعَيَّن، لأنَّ ذلك يَتْلَفُ. وهذا قولُ الشّافِعِيِّ، وأصحابِ الرَّأي. وحُكِيَ عن مالِكٍ صِحَّةُ السَّلَمِ فيها، إذا اشْتَرَطَ منها شَيئًا مَعلُومًا، إنْ كان وَزْنًا، فبِوَزْنٍ مَعرُوفٍ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرنا. ولا يَصِحُّ في الحَوامِلِ من الحَيَوانِ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأتِي عليها، ولأَنَّ الوَلَدَ مَجْهُول غيرُ مُتَحَقِّقٍ. وفيه وَجْهٌ آخرُ، أنَّه يَصِحُّ، لأَنَّ الحَملَ لا حُكْمَ له مِع الأُمِّ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ بَيعِ الحامِلِ وإنِ اشْتَرَطَ الحَملَ، ولا نَقُولُ بأن الجَهْلَ بالحملِ مُبْطِلٌ للبَيعِ، لكن إن لم تكُنْ حامِلًا فله الرَّدُّ، وإذا صَحَّ البَيعُ صَحَّ السَّلَمُ؛ لأنَّهُ بَيعٌ. ولا يَصِحُّ في المَغْشُوشِ من الأثْمانِ؛ لأنّه مَجْهُولٌ لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، ولا فيما يَجْمَعُ أخْلَاطًا غيرَ مُمَيَّزَةٍ، كالغالِيَةِ، والنَّدِّ،
стр. 5776
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمعاجِينِ التي يُتَدَاوَى بها؛ للجَهْلِ بها. والذي يَجْمَعُ أخْلاطًا على أرْبَعَةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، مُخْتَلِطٌ مَقْصُودٌ مُتَمَيِّز، كالثِّيابِ المَنْسُوجَةِ من نَوْعَينِ، فالصَّحِيحُ جَوازُ السَّلَمِ فيها. الثاني، ما خَلْطُهُ لمَصلَحَتِه، وليس بمَقْصودٍ في نَفْسِه، كالإِنْفَحَّةِ في الجُبْنِ، والمِلْحِ في العَجِينِ والخُبْزِ، والماءِ في خَلِّ التَّمرِ، والخَلِّ في السَكَنْجَبِينِ، فيَصِحُّ السَّلَمُ فيه (١)؛ لأنَّه يَسِيرٌ لصلَحَتِه. الثالثُ، أخْلاطٌ مَقْصُودَةٌ غيرُ مُتَمَيِّزَةٍ، كالغالِيَةِ، والنَّدِّ، والمَعاجِينِ، فلا يَصِحُّ السَّلَمُ فيها؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأتِي عليها. الرابعُ، ما خَلْطُه غيرُ مَقْصُودٍ، ولا مَصلَحَةَ فيه، كاللَّبَنِ المَشُوبِ بالماءِ، فلا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّ غشَّهُ يَمْنَعُ العِلْمَ بقَدرِ المَقْصُودِ منه، فيَكُونُ مَجْهُولًا، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ في القِسِيِّ المُشْتَمِلَةِ على الخَشَبِ، والقَرنِ (٢)، والعَقَبِ (٣) والتُّوزِ (٤)، إذْ لا يُمكِنُ ضَبْطُ مَقادِيرِ ذلك وتَميِيزُ ما فيه منها. وقيل: يَجُوزُ السَّلَمُ فيها، كالثِّياب المَنْسُوجَةِ من نَوْعَينِ، وكالنُّشَّابِ المُشْتَمِلِ على الخَشَبِ والعَقَبِ والرِّيشِ والنُّصولِ. والأوْلَى ما ذَكَرناه.
стр. 5777
فصل: الشَّرطُ الثَّانِي، أنْ يَصِفَهُ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ ظَاهِرًا، فَيَذْكُرَ جِنْسَهُ، وَنَوْعَهُ، وَقَدْرَهُ، وَبَلَدَهُ، وَحَدَاثَتَهُ، وَقِدَمَهُ، وَجَوْدَتَهُ، وَرَدَاءَتَهُ. وَمَا لا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ لَا يَحتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ.
ــ
فصل: (الثاني، أنْ يَصِفَه بما يَخْتَلِف به الثَّمَنُ ظاهِرًا، فيَذْكُرَ جِنْسَهُ، ونَوْعَه، وقَدرَه، وبَلَدَه، وحَداثَتَه، وقِدَمَه، وجَوْدَتَه، وَرَداءَتَه. وما لا يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ لا يَحتَاجُ إلى ذِكْرِه) إنَّما اشْتَرَطَ ذلك؛ لأنَّ المُسْلَمَ فيه عِوَض في الذِّمَّةِ، فلا بُدَّ من العِلْمِ به، كالثَّمَنِ، ولأنَّ العِلْمَ شَرطٌ
стр. 5778
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في المَبِيعِ (١)، وطَريقُه الرُّؤيَةُ أو الوَصف، والرُّؤيَةُ مُتَعَذِّرَةٌ ههُنا، فَتَعَيَّنَ الوصفُ. والأوْصافُ على ضَربَينِ؛ مُتَّفَقٌ على اشْتِراطِها، ومُخْتَلَفٌ فيها. فالمُتَّفَقُ عليها ثَلاثَةُ أوْصَافٍ؛ الجِنْسُ، والنَّوْعُ، والجَوْدَةُ أو (٢) الرَّدَاءَةُ. فهذه لا بُدّ منها في كُلِّ مُسْلَم فيه. وكذلك [معرِفةُ قَدرِه] (٣)، وسَنَذْكُرُها. وهذا قَوْلُ أبي حَنِيفةَ، ومالِكٍ، والشافعيِّ. ولا نَعلَمُ عن غَيرِهِم فيه خِلافًا. الضّربُ الثانِي، ما يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ ياخْتِلافِه غيرَ هذه الأوْصَافِ، فيَنْبَغِي أنْ يكونَ ذِكْرُها شرطًا، قِياسًا على المُتَّفَقِ عليها، ونَذْكُرُها عندَ ذِكْرِه. وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: يَكْفِي ذِكْرُ الأوْصَافِ الأوَلِ؛ لأنَّها تَشْتَمِلُ على ما وَراءَها من الصِّفاتِ. ولَنا، أنّه يَبْقَى من الصِّفَاتِ، من اللَّوْنِ والبَلَدِ ونحوهما،
стр. 5779
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما يَخْتَلِف الثَّمَنُ والعِوَضُ (١) لأجلِه، فَوَجَبَ ذِكْرُه، كالنَّوْعِ. ولا يَجِبُ اسْتِقْصَاءُ كُلِّ الصِّفَاتِ؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ، وقد يَنْتَهِي الحالُ فيها إلى أمرٍ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ المُسْلَمِ فيه، فيَجِبُ الاكْتِفَاءُ بالأوْصَافِ الظَّاهِرَةِ التي يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ ظاهِرًا. ولو اسْتَقْصَى الصِّفاتِ حتى انْتَهى إلى حالٍ يَنْدُرُ (٢) وجُودُ المُسْلَمِ فيه بتِلْكَ الأوْصَافِ، بَطَلَ، لأنّ من شُرُوطِ السَّلَمِ أنْ يكُونَ المُسْلَمُ فيه عَامَّ الوُجُودِ [عندَ المحلِّ] (٣)، واستِقْصاءُ الصِّفَاتِ يَمنَعُ منه.
فصل: ولو أسْلَمَ في جارِيَةٍ وابْنَتِها، أو أخْتِها، أو عَمَّتِها، أو خَالتِها،
стр. 5780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو بنْتِ عَمِّها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا بُدَّ أنْ يَضْبِطَ كُلَّ واحِدَةٍ منهما بصفاتٍ، ويَتَعَذَّرُ وجُودُ تِلْكَ الصِّفَاتِ في جارِيَةٍ وبِنْتِها (١). ولو أسْلَمَ في ثَوْبٍ، على صِفَةِ خِرقةٍ مُعَيَّنَةٍ (٢)، لم يَجُزْ؛ لأنها قد تهْلِكُ، وهذا غرَرٌ، فهو كما لو شَرَطَ مِكْيَالًا بعَينه غيرَ مَعلُوم.