← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيه، فإن الثَّمَرَةَ متى تَلِفَتْ، عاد إلى حَقِّه في ذِمَّةِ الرّاهِنِ، ولأنَّه يَجُوزُ بَيعُه، فجاز رَهْنُه، ومتى حَلَّ الحَقُّ بِيعَ، وإنِ اخْتارَ المُرْتَهِنُ تَأخِيرَ بَيعِه، فله ذلك. والثّانِي، لا يصِحُّ. وهو مَنْصُوصٌ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بَيعُه، فلا يَصِحُّ رَهْنُه، كسائِرِ ما لا يَجُوزُ بَيعُه. فصل: وإن رَهَن ثَمَرَةً إلى مَحِلِّ تَحْدُثُ فيه أخْرَى لا تَتَمَيَّزُ، فالرَّهْنُ باطِل؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حينَ حُلُولِ الحَقِّ، فلا يُمْكِنُ إِمْضاءُ الرَّهْنِ على مُقْتَضَاه. وإن رَهَنَها بدَين حالِّ أو شَرَط قَطْعَها عندَ خوْفِ اخْتِلاطِها، جاز؛ لأنَّه لا غَرَر فيه. فإن لم يَقْطَعْها حتَّى اخْتَلَطَتْ، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لأنَّه وَقَع صَحِيحًا. لكنْ إن سَمَح الرّاهِنُ ببَيعِ الجَمِيعِ، أو اتَّفَقا على قَدْرٍ منه، جاز. وإنِ اخْتَلَفا وتَشاحَّا، فالقولُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمِينه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.

стр. 5917

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَصِحُّ رَهْن المُصْحَفِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين. نَقَل جَمَاعَة عنه: لا أُرَخِّصُ في رَهْنِ المُصْحَفِ، وذلك لأنَّ المَقْصُودَ مِن الرَّهْنِ اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، ولا يَحْصل ذلك إلَّا بِبَيعِه، وبَيعه غير جائِز. والثّانِية، يَصِحُّ. فإنَّه قال: إذا رَهَن مُصْحَفًا، لا يَقْرأ فيه إلَّا بإذْنِه. فظاهِر في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وهو أوْلَى.

стр. 5918

وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ المُسْلِمِ لِكَافِر، إلا عِنْدَ أبي الْخَطَّابِ، إِذَا شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ مُسْلِم. ــ هذا صِحَّةُ رَهْنِه. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأي، بناءً على أنَّه يَصِحُّ بَيعُه، فيَصِحُّ رَهْنُه، كغَيرِه. والخِلاف في ذلك مَبْنِيٌّ على جَوازِ بَيعِه، وقد ذَكَرْناه في كتابِ البَيعِ (١). ١٧٨١ - مسألة: (ولا يَصِحُّ رَهْنُ العَبْدِ المُسْلِمِ لكافِرٍ) اخْتارَهُ القاضِي؛ لأنَّه عَقْدٌ يَقْتَضِي قَبْضَ المَعْقُودِ عليه والتَّسْلِيطَ على بَيعِه، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ صِحَّتَه، إذا شَرَطَا كَوْنَه على يَدِ

стр. 5919

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُسْلم، ويَبِيعُه الحاكمُ إذا امْتَنَعَ مالِكُه. وهذا أوْلَى؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُل مِن غيرِ ضَرَرٍ. فصل: ولا يَصِحُّ رَهْنُ المَجْهُولِ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه، فلو قال: رَهَنْتُكَ هذا الجِرابَ. أو: البَيتَ (١). أو: الخَرِيطَةَ بما فيها. لم يَصِحَّ؛ للجَهالةِ. وإن لم يَقُلْ: بما فيها. صَحَّ؛ للعِلْمِ بها. ولو قال: رَهَنْتُكَ أحَدَ هذَين العَبْدَين. لم يَصِحَّ؛ لعَدَمِ التَّعْيِينِ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه عندَه بشرْطِ الخِيارِ له. وقد ذُكِرَ ذلك (٢) في البَيعِ. وفي الجُمْلَةِ، أنَّه يُعْتَبَرُ للعِلْمِ في الرَّهْنِ ما يُعْتَبَرُ في البَيعِ. وكذلك القُدْرَة على التَّسْلِيمِ، فلا يَصِحُّ رَهْنُ الآبِقِ، ولا الشَّارِدِ، ولا غيرِ مَمْلُوكٍ؛ لأَنه لا يَصِحُّ بَيعُه.

стр. 5920

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا سَوادُ العِراقِ، والأرْضُ المَوْقُوفَةُ على المُسْلِمِين، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه [لا يَجُوزُ بَيعُها، فكذلك رَهْنُها] (١). وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ. وحُكْمُ بِنائِها حُكْمُها، فإن كان (٢) من غيرِ تُرَابِها، أو الشَّجَرِ المُتَجَدِّدِ فيها، فإنَّه يَصِحُّ إفرادُه (٣) بالبَيعِ والرَّهْنِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين. نصَّ عليهما في البَيعِ؛ لأنَّه طَلْقٌ. والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه تابعٌ لِما لا يَجُوزُ رَهْنُه، فهو كأساساتِ الحِيطانِ. وإن رَهَنَه مع الأرْضِ، بَطَل في الأرْض. وهل يَجُوزُ في الأشْجارِ والبِناءِ إذا قُلْنا بجَوازِ رَهْنِها مُنْفَرِدَةً؟ يُخرَّجُ على الرِّوايَتَين في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ ﵁. فصل: ولو رَهَن عَبْدًا أو باعَه يَعْتَقِدُه مَغْصُوبًا، فبانَ مِلْكَه، نحوَ أن يَرْهَنَ عَبْدَ ابْنِه، فيَبِينُ أَنَّه قد مات، وصار العَبْدُ مِلْكَه بالمِيراثِ، أو وَكَّلَ إنْسانًا يَشْتَرِي له عَبْدًا، فباعَه المُوَكِّلُ، أو رَهَنَه، يَعْتَقِدُه لسَيِّدِه الأوَّلِ، وكان تَصَرُّفُه بعدَ شِراءِ وَكِيله، ونحوَ ذلك، صَحّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه صادفَ مِلْكًا، فصَحَّ، كما لو عَلِم. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحّ؛ لأنَّه اعْتَقَدَه باطِلًا.

стр. 5921

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولو رَهَن المَبِيعَ في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَصِحَّ، إلَّا أن يَرْهَنَه المُشْتَرِي، والخِيارُ له وَحْدَه، فيَصِحُّ، ويَبْطُلُ خِيارُه. ذَكَرَه أبو بكر. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. ولو أفْلَسَ المُشْتَرِي، فرَهَنَ البائِعُ عينَ مالِه التي له الرُّجُوعُ فيها قبلَ الرُّجُوعِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه رَهَن ما لا يَمْلِكُه، وكذلك رَهْنُ الأبِ العَينَ التي وَهَبَها لابنِه قبلَ رُجُوعِه فيها؛ لِما ذَكَرْنا. وفيه وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعيِّ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّ له اسْتِرْجاعَ العَينِ، وتَصَرُّفُه فيها يَدُلُّ على الرُّجُوعِ. ولَنا، أَنَّه رَهَن ما لا يَمْلِكُه بغَيرِ إذْنِ المالكِ، ولا ولايةٍ عليه، فلم يَصِحَّ، كما لو رَهَن الزَّوْجُ نِصْفَ الصداقِ قبلَ الدُّخُولِ. فصل: ولو رَهَن ثَمَرَ شَجَرٍ يَحْمِلُ في السَّنَةِ حِمْلَين، لا يَتَمَيَّزُ أحَدُهما مِن الآخَرِ، فرَهَنَ الحِمْلَ الأوَّلَ إلى مَحِلِّ يَحْدُثُ الحِمْلُ الثّانِي على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حينَ حُلُولِ الحَقِّ، فلا يمكِنُ اسْتِيفاءُ الدَّينِ منه، فأشْبَهَ ما لو كان مَجْهُولًا حينَ العَقْدِ. وإنْ شَرَط قَطْعَ الحِمْل الأوَّلِ إذا خِيفَ اخْتِلاطُه بالثّانِي، صَحَّ. وإن كان الحِمْلُ المَرْهُونُ بحَقٍّ حالًا، أو كان الثّانِي يَتَمَيَّزُ عن الأوَّلِ إذا حَدَث، فالرَّهْنُ صَحِيحٌ. فإن

стр. 5922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَع التَّوانِي في قَطْعِ الحِمْلِ الأوَّلِ حتَّى اخْتَلَطَ بالثَّانِي، وتَعَذَّرَ التَّميِيزُ، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لأنَّه وَقَع صَحِيحًا، وقد اخْتَلَطَ بغَيرِه على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ فَصْلُه. فعلى هذا، إن سَمَح الرّاهنُ بكَوْنِ الثَّمَرَةِ كُلِّها رَهْنًا، أو اتَّفَقَا على قَدْرِ المَرْهُونِ منهما، فحَسَنٌ، وإنِ اخْتَلَفا، فالقَوْلُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمِينِه في قَدْرِ الرَّهْنِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للقَدْرِ الزّائِدِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. فصل: ولو رَهَنَه مَنافِعَ دارِه شَهْرًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، والمَنافِعُ تَهْلِك إلى حُلُولِ الحَقِّ. وإن رَهَنَه أجْرَةَ دارِه شَهْرًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها مَجْهُولَة وغيرُ مَمْلُوكَةٍ. فصل: ولو رَهَن المُكاتَبَ مَن يَعْتِقُ عليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَه. وأجازَه (١) أبو حنيفةَ؛ لأنَّهم لا يَدْخُلونَ معه في الكِتَابَةِ. ولو رَهَن العَبْدَ المَأذُونَ مَن يَعْتِقُ على السَّيِّدِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما في يَدِه مِلْكٌ (٢) لسَيِّدِه، فقد صار حُرًّا بشِرائِه إيّاه (٢).

стр. 5923

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولو رَهَن الوارِثُ تَرِكَةَ المَيِّتِ أو باعَهَا، وعلى المَيِّتِ دَينٌ، صَحَّ [في أحَدِ الوَجْهَينِ] (١). وفيه وَجْهٌ، أنَّه لا يَصِحُّ. وقال أصحابُ (٢) الشافعيِّ: لا يَصِحُّ [في أحَدِ الوَجْهَين] (٣) إذا كان الدَّينُ يَسْتغْرِقُ التَّرِكَةَ، لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقُّ آدَمِيٍّ، فلم يَصِحَّ رَهْنُه، كالمَرْهُونِ. ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ صادَفَ مِلْكَه، ولِم يُعَلِّقْ به حَقًّا، فصَحَّ، كما لو رَهَن المُرْتَدَّ. وفارَقَ المَرْهُون، لأنَّ الحَقَّ تَعَلَّقَ به (٤) باخْتِيارِه. وفي مَسْألَتِنا تَعَلَّقَ بغيرِ اختِيارِه، فلم يَمْنَعْ تَصَرُّفَه. وهكذا كلّ حَقٍّ يَثْبُتُ مِن غيرِ إثْباتِه، كالزكاةِ والجِنايَةِ، فإنَّه لا يَمْنَعُ رَهْنَه، فإذا رَهَنَه ثم قَضَى الحَقَّ مِن غَيرِه، فالرَّهْنُ بحالِه، وإن لم يَقْضِ الحَقَّ، فللغُرَماءِ انْتِزاعُه؛ لأنَّ حَقَّهُم سابِق، والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الجانِي. وهكذا الحُكْم لو تَصَرَّفَ في التَّرِكَةِ، ثم رُدَّ عليه مَبِيعٌ باعَه المَيِّتُ بعَيبٍ ظَهَر فيه، أو حَقٌّ تَجَدَّدَ تَعَلُّقُه بالتَّرِكَةِ، مثلَ أن وَقَع إنْسانٌ أو بَهِيمَةٌ في بئرٍ حَفَرَه في غَيرِ مِلْكِه بعدَ مَوْتِه، فالحُكْمُ واحِدٌ، وهو أنَّ تَصَرُّفَه صَحِيحٌ غيرُ نافِذٍ، فإن قَضَى الحَقَّ مِن غَيرِه، نَفَذ، وإلَّا فُسِخَ البَيعُ والرَّهْنُ. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه، والله أعلمُ.

стр. 5924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَصِحُّ الرَّهْنُ والارْتِهانُ إلَّا مِن جائِزِ الأمْرِ (١)، وهو المُكَلَّف الرَّشِيدُ، غيرُ المَحْجُورِ عليه، لصِغَرٍ أو جُنُونٍ (٢) أو سَفَهٍ، أو فَلَسٍ؛ لأنَّه نَوْعُ تَصَرُّفٍ في المالِ، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ إذْنٍ مِن المَحْجُورِ عليه، كالبَيعِ. ويُعْتَبَرُ ذلك في حالِ رَهْنِه وإقْباضِه، لأنَّ العَقْدَ والتَّسْلِيمَ ليس بواجِبٍ، وإنَّما هو إلى اخْتِيارِ الرّاهِنِ. فإذا لم يكُنْ له اخْتِيار صَحِيحٌ، لم يَصِحَّ منه، كالبَيعِ. فإن جُنَّ أحَدُ المُترَاهِنَين قبلَ القَبْضِ، أو مات، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَئُولُ إلى اللُّزُومِ، فلم يَبْطُلْ بجُنُونِ أحَدِ المُتَعاقِدَين أو مَوْتِه، كالبَيعِ في مُدَّةِ الخِيار، ويَقومُ وَلِيُّ المَجْنُونِ مَقامَه. وإن كان المَجْنُونُ الرّاهِنِ، وكان الحَظُّ في التَّقْبِيضِ، مِثْلَ أن يَكُونَ شَرْطًا في بَيع يَسْتَضِرُّ بفسْخِه، ونحوه، أقبضَه (٣). وإن كان الحَظُّ في تَرْكِه (٤) لم يَجُزْ له تَقْبِيضُه. وإن كان المَجْنُونُ المُرْتَهِنَ، قَبَضَهُ وَلِيُّه. وإذا مات، قامَ وارِثُه مَقامَه في القَبْضِ. فإن مات الرّاهِنُ، لم يَلْزَمْ وَرَثَتَه تَقْبِيضُه؛ لأنَّهم يَقُومُون مَقامَ الرّاهِنِ، ولم يَلْزَمْه ذلك. فإن لم يَكُنْ

стр. 5925

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على المَيِّتِ دَيْنٌ سِوَى هذا الدَّينِ، فللوَرَثَةِ تَقْبِيضُ الرَّهْنِ، وإن كان عليه دَين سِواه، فظاهِرُ المَذْهَبِ أَنَّه ليس للوارِثِ تَخْصِيصُ المُرْتَّهِنِ بالرَّهْنِ. نَصَّ عليه في رِوايَةَ عَليِّ بنِ سَعِيدٍ. وهو مَذْهَبُ الشَّافعيِّ. وذَكَر القاضِي فيه رِوايَة أخْرَى، أنَّ لهم ذلك، أخْذًا ممّا نَقَل ابنُ مَنْصُورٍ وأبو طالِبٍ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا مات الرّاهِنُ أو أفْلَسَ، فالمُرْتَهِنُ أحَقُّ به مِن الغُرَماءِ. ولم يَعْتَبِرْ وجُودَ القَبْضِ بعدَ المَوْتِ أو قَبْلَه. قال شَيخُنا (١): وهذا لا يُعارِضُ ما نَقَلَه عليّ بنُ سَعِيدٍ؛ لأنَّه خاصٌّ، وهذا عامٌّ، والاسْتِدْلالُ به على هذه الصُّورَةِ يَضْعُفُ جدًّا؛ لنُدْرَتِها، فكيف يُعارَضُ بها الخاصُّ! لكنْ يَجُوزُ أن يَكُونَ هذا الحُكمُ مَبْنِيًّا على الرِّوايَةِ التي لا يُعْتَبَرُ فيها القَبْضُ في غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فيَكُونُ الرَّهْنُ قد لَزِم قبلَ القَبْضِ، ووَجب تَقْبِيضُه على الرَّاهِنِ، فكذلك على وارِثِه. ويَخْتَصُّ ذلك بغيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فأمّا ما لم (٢) يَلْزَمِ الرَّهْنُ فيه، فليس للورَثَةِ تَقْبِيضُه؛ لأنَّ الغُرَماءَ تَعَلَّقَتْ دُيُونُهم بالتَّرِكَةِ قبلَ لزُومِ حَقِّه في الرَّهْنِ، فلم يَجُزْ تَخْصِيصُه به بغيرِ رِضاهُم، كما لو أفْلَسَ الرّاهِنُ، إلَّا (٢)

стр. 5926

وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلا بِالْقَبْضِ، وَاستِدَامَتُهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ، ــ إذا قُلْنا: إنَّ للوَرَثَةِ التَّصَرُّفَ في التَّرِكَةِ ووَفاءَ الدَّينِ مِن أمْوالِهم. فإن قِيلَ: فما الفائِدَةُ في القولِ بصِحَّةِ الرَّهْنِ إذا لم يَخْتَصَّ المُرْتَهِنُ (١) به؟ قُلْنا: فائِدَتُه أنَّه يَحْتَمِلُ أن يَرْضَى الغُرَماءُ بتَسْلِيمِه إليه، فيَتِمُّ الرَّهْنُ. وسَواءٌ فيما ذَكَرْنا ما بعدَ الإِذْنِ في القَبْضِ وقبلَه؛ لأنَّ الإِذْن يَبْطُلُ بالجُنُونِ والمَوْت والإِغْماءِ والحَجْرِ. فصل: ولو حُجِرَ على الرَّاهِنِ لفَلَسٍ قبلَ التَّسْلِيم، لم يَكُنْ له تَسْلِيمُه؛ لأنَّ فيه تَخْصِيصًا للمُرْتَهِن، بثَمَنِه، وليس له تَخصِيصُ بعض غُرَمائِه. وإن حُجِرَ عليه, لسَفَهٍ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو زال عَقْلُه بجُنُونٍ، على ما أسْلَفْنا. وإن أُغْمِيَ عليه, لم يَكُنْ للمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْن، وليس لأحَدٍ تَقْبِيضُه، لأنَّ المُغْمَى عليه, لا تَثْبُتُ عليه الولايةُ. وإن أُغمِيَ على المُرْتَّهِنِ لم يَكُن لأحَدٍ أن يَقُومَ مَقامَه في قَبْض الرَّهْنِ، وانْتُظِرَ إفاقَتُه. وإنْ خرِسَ، وكانت له كِتابَةٌ مَفْهُومَة أو إشارَةَ مَعْلُومَة، فحُكْمُه حُكْمُ المُتَكَلِّمِين، وإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه ولا كِتابَتُه، لم يَجُزِ القَبْضُ. وإن كان أحَدُ هؤلاء قد أذِنَ في القَبْض، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَأذَنْ، لأنَّ إذنهم يَبْطُلُ ممّا (٢) عَرَض لهم. ١٧٨٢ - مسألة: (ولا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بالقَبْضِ، واسْتِدامَتُه شَرْطٌ

стр. 5927

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في اللُّزُوم) لا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بالقَبْضِ، ويَكُونُ قبلَ القَبْضِ رَهْنًا جائِزًا، يَجُوزُ للرّاهِنِ فَسْخُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافعيُّ. وسَواءٌ في ذلك المَكِيلُ والمَوْزُونُ وغيرُه. وقال بعضُ أصْحابِنا: في غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالبَيعِ. وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ المَيمُونِيِّ. وقال مالِكٌ: يَلْزَمُ الرَّهْنُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَلْزَمُ بالقَبْضِ، فلَزِمَ قبلَه، كالبَيعِ. ووَجْهُ الأولَى قَوْلُه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١). وَصَفَها بكَوْنِها مَقْبُوضَةً، ولأنَّه عَقْدُ إرْفاقٍ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فافْتَقَرَ إلى القَبْضِ، كالقَرْضِ، ولأنَّه رَهْنٌ لم يُقْبَضْ، فلا يَلْزَمُ إقْباضُه، كما لو مات الرّاهِنُ. فعلى هذا، إن تَصَرَّفَ

стр. 5928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرّاهِنُ فيه قبلَ القَبْضِ بهِبَةٍ أو بَيعٍ أو عِتْقٍ، أو جَعَلَه صَداقًا، أو رَهَنَه ثانِيًا، بَطَل الرَّهْنُ الأوَّلُ، سَواءٌ قَبَض الهِبَةَ والبَيعَ والرَّهنَ الثَّانِيَ أو لم يَقْبِضْه؛ لأنَّه أخْرَجَه عن إمْكانِ اسْتِيفاءِ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، أو فَعَل ما يَدُلُّ على قَصْدِه ذلك. وإن دَبَّرَه أو أجَرَه، أو زَوَّجَ الأمَةَ، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ، لأنَّ هذا التَّصَرُّفَ لا يَمْنَعُ البَيعَ، فلا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ. ولأنَّه لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الرَّهْنِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَه، كاسْتِخْدامِه. وإن كاتَبَ العَبْدَ

стр. 5929

فَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الرَّاهِن، زَال لُزُومُه، فَإِنْ رَدَّهُ إِلَيهِ، عَادَ اللُّزُومُ. ــ الرَّهْنَ (١)، انْبَنَى على صِحَّةِ رَهْنِ المُكاتَبِ، فإن قُلْنا: يَجُوزُ رَهْنُه. لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ، كالتَّدْبِيرِ. وإن قُلْنا: لا يجُوزُ. بَطَل الرَّهْنُ، كما لو أعْتَقَه. فصل: فإن قُلْنا: إنَّ ابْتِداءَ القَبْضِ شَرْطٌ في لُزُومِ الرَّهْنِ. فاسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ؛ لأنَّها إحْدَى حالتَيِ الرَّهْنِ، فأشْبَهَتْ الابتِداءَ. وإن قُلْنا: إنَّ الابتِداءَ ليس بشَرْطٍ في اللُّزُومِ. فكذلك الاسْتِدامَةُ. ١٧٨٣ - مسألة: (فإن أخْرَجَه المُرْتَهِنُ إلى الرّاهِنِ باخْتِيَارِه، زال لُزُومُ الرَّهْنِ) وبَقِيَ العَقْدُ، كأنَّه لم يُوجَدْ فيه قَبْضٌ، سواء أخْرَجَه بإجارَةٍ، أو إعارَةٍ، أو إيداع، أو غيرِ ذلك. فإذا عاد فرَدَّه إليه، عاد اللُّزُومُ بحُكْمِ العَقْدِ السابقِ؛ لأنَّه أقْبَضَه باخْتِيارِه، فلَزِمَ به، كالأوَّلِ. قال أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا ارْتَهَنَ دارًا، ثم أكْراهَا (٢) صاحِبَها،

стр. 5930

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خَرَجتَ مِن الرَّهْنِ، فإذا رَجَعَت إليه صارَتْ رَهْنًا. وقال في مَن رَهَن جارِيَةً، ثم سَأل المُرْتَهِنَ أن يَبْعَثَها إليه لتَخْبِزَ لهم، فبَعَثَ بها، فوَطِئَها: انْتَقَلَتْ مِن الرَّهْنِ، فإن لم يَكُنْ وَطِئَها، فلا شيءَ. قال أبو بكر: لا تَكُونُ رَهْنًا في تِلْكَ الحالِ، فإذا رَدَّها رَجَعَتْ إلى الرَّهْنِ. وكان أوْجَبَ اسْتِدامَةَ القَبْضِ مالكٍ، وأبو حنيفة. وهذا التَّفْرِيعُ على القولِ الصَّحِيحِ، فأمّا على قولِ مَن قال: ابْتِداءُ القَبْضِ ليس بشَرْطٍ. فأوْلَى أن يقولَ: الاسْتِدامَةُ غيرُ مُشْتَرَطَةٍ؛ لأنَّ كلَّ شَرْطٍ يُعْتَبَرُ في الاسْتِدامَةِ يُعْتَبَرُ في الابتِداءِ، وقد يُعْتَبَرُ في الابتِداءِ ما لا يُعْتَبَرُ في الاسْتِدامَةِ. وقال الشَّافعي: اسْتِدامَةُ (١) القَبْضِ ليست شَرْطًا؛ لأنَّه عَقْدٌ يُعْتَبَرُ (٢) القَبْضُ في ابْتِدائِه، فلم يُشْتَرَطِ اسْتِدامَتُه، كالهِبَةِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.

стр. 5931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّها إحْدَى حالتَي الرَّهْنِ، فكان القَبْض فيه شَرْطًا، كالابتِداءِ. ويُفارِقُ الهِبَةَ، فإن القَبْضَ في ابْتِدائِها يُثْبِتُ المِلْكَ، فإذا ثَبَت اسْتَغْنَى عن القَبْضِ ثانِيًا، والرَّهْنُ يُرادُ للوَثِيقَةِ ليَتَمَكَّنَ مِن بَيعِه واسْتِيفاءِ الدَّين مِن ثَمَنِه، فإذا لم يَكُنْ في يَدِه، لم يَتَمَكَّنْ مِن بَيعِه. وإن أزِيلَتْ يَدُ المُرْتَهِن بغَيرِ حَقٍّ؛ كالغَصْبِ، والسَّرِقَةِ، أو إباقِ العَيدِ، أو ضَياعِ المَتاعِ، ونحو ذلك، لم يَزُلْ لُزُومُ الرَّهْنِ؛ لأنَّ يَدَه ثابِتَةٌ حُكْمًا، فكأنَّها لم تَزُلْ.

стр. 5932

وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا، فَتَخَمَّرَ، زَال لُزُومُه، فَإِنْ تَخَلَّلَ، عَادَ لُزُومُهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ. ــ ١٧٨٤ - مسألة: (ولو رَهَنَه عَصِيرًا، فتَخَمَّرَ، زال لُزُومُه، فإن تَخَلَّلَ، عاد لزُومُه بحُكْمِ العَقْدِ السابقِ) يَصِحُّ رَهْنُ العَصِيرِ؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه، وتَعْرِيضُه للخُرُوجِ عن المالِيّةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ رَهْنِه، كالمَرِيض والجانِي. فإن صار إلى حالٍ لا يَخْرُجُ فيها عن المالِيَّةِ، كالخَلِّ، فهو رَهْنٌ بحالِه، وإن تَخَمَّرَ، زال لُزُومُ العَقْدِ، ووَجَبَتْ إراقَتُه، فإن أُرِيقَ، بَطَل العَقْدُ فيه (١)، ولا خِيارَ للمُرْتَهِنِ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يَدِه. فإن عاد خَلًّا، عاد اللُّزُومُ بحُكْمِ العَقْدِ السابقِ، كما لو زالتْ يَدُ المُرْتَّهِنِ عن الرَّهْنِ، ثم عادَت إليه. وإنِ اسْتَحَال خَمْرًا قبلَ قَبْضِ المُرْتَّهِنِ له، بَطَل الرَّهْنُ، ولم يَعُدْ بعَوْدِه خَلًّا؛ لأنَّه عَقْدٌ ضَعِيفٌ، لعَدَم القَبْضِ، فأشْبَهَ إسْلامَ أحَدِ الزَّوْجَين قبلَ الدُّخُولِ. وذَكَر القاضِي، أنَّ العَصِيرَ إذا اسْتَحَال خَمْرًا بعد القَبْضِ، بَطَل الرَّهْنُ أيضًا، ثم إذا عاد خَلا، عاد مِلْكًا لصاحِبِه مَرْهُونًا بالعَقْدِ السّابِقِ؛ لأنَّه يَعُودُ مَمْلُوكًا بحُكْمِ المِلْكِ الأوَّلِ، فيَعُودُ حُكْمُ الرَّهْنِ؛ لأنَّه زال بزَوالِ المِلْكِ، فيَعُودُ بعَوْدِه. وهذا قولُ الشَّافعي. وقال مالكٍ، وأبو حنيفةَ: هو رَهْنٌ بحالِه؛ لأنَّه كانت له قِيمَةٌ حال كَوْنِه عَصِيرًا، ويَجُوزُ أن تَصِيرَ له قِيمَة، فلا يَزُولُ المِلْكُ عنه، كما لو ارْتَدَّ الجانِي، ولأنَّ اليَدَ لم تَزُلْ عنه حُكْمًا، بدَلِيلِ أنَّه لو غَصَبَه

стр. 5933

وَعَنْهُ، أنَّ الْقَبْض وَاسْتِدَامَتَهُ فِي الْمُتَعَيِّنِ لَيسَا بِشَرْطٍ، فَمَتَى امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَقْبِيضِهِ، أُجْبِرَ عَلَيهِ. ــ غاصِبٌ، فتَخَلَّلَ في يَدِه، كان مِلْكًا للمَغْصُوب منه، ولو زَالتْ يَدُه كان مِلْكًا للغاصِبِ، كما لو أراقَه، فجَمَعَه إنْسان فتَخَلَّلَ في يَدِه، كان له، دُونَ مَن أراقَه. وهذا القولُ هو قَوْلُنا الأوَّلُ في المَعْنَى، إلَّا أن يَقُولُوا ببَقاءِ اللُّزُومِ فيه حال كَوْنِه خَمْرًا. قال شيخُنا (١): ولم تَظْهَرْ لي فائِدَةُ الخِلافِ بعدَ اتِّفاقِهم على عَوْدِه رَهْنًا باسْتِحالتِه خَلًّا، وأرَى القولَ ببَقائِه رَهْنًا أقْرَبَ إلى الصِّحَّةِ؛ لأنَّ العَقْدَ لو بَطَل لَما عاد صَحِيحًا مِن غيرِ ابْتِداءِ عَقْدٍ. فإن قالُوا: يمكِنُ عَوْدُه صَحِيحًا؛ لعَوْدِ المَعْنَى الذي بَطَل بزَوالِه، كما أنَّ زَوْجَةَ الكافِرِ إذا أسْلَمَتْ خَرَجَتْ مِن حُكْمِ العَقْدِ؛ لاخْتِلافِ دِينهما، فإن أسْلَمَ الزَّوْجُ في العِدَّةِ عادَتِ الزَّوْجيَّةُ بالعَقْدِ الأوَّلِ، لزَوالِ الاخْتِلافِ في الدِّينِ. قلنا: هناك ما زالتِ الزَّوْجِيَّةُ ولا بَطَل العَقْدُ، ولو بَطَل بانْقِضاءِ العِدَّةِ، لَما عاد إلَّا بعَقْدٍ جَدِيدٍ، وإنَّما العَقْدُ كان مَوْقُوفًا مُراعًى، فإذا أسْلَمَ في العِدَّةِ، تَبَيَّنا أنَّه لم يَبْطُلْ، وإن لم يُسْلِمْ، تَبَيَّنَّا أنَّه كان قد بطَل، وها هنا قد جَزَمْتُمْ ببُطْلانِه. ١٧٨٥ - مسألة: (وعنه، أن القَبْضَ واسْتِدامَتَه في المُتَعَيِّنِ لَيسَا بشَرْطٍ) ويَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالبَيعِ. فعلى هذا، إنِ امْتَنَعَ الرّاهِنُ مِن

стр. 5934

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَقْبِيضِه، أُجْبِرَ عليه، كالبَيعِ، فإن رَدَّه المُرْتَهِنُ على الرّاهِنِ بعارِيةٍ أو غيرِها، ثم طَلَبَه، أُجْبِرَ الرّاهِنُ على رَدِّه؛ لأنَّ الرَّهْنَ صَحِيحٌ، والقَبْضَ واجِبٌ له (١)، فيُجْبَرُ عليه، كبَيعِه. فصل: وإذا اسْتَعارَ شيئًا ليَرْهَنَه، جاز. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الرجلَ إذا اسْتَعارَ مِن الرجلِ شَيئًا يَرْهَنُه على دَنانِيرَ مَعْلُومَةٍ عندَ رَجُلٍ سَمّاه، إلى وَقْتٍ مَعْلُوم، ففَعَلَ، أنَّ ذلك جائِزٌ. ويَنْبَغِي أن يَذْكُرَ المُرْتَهِنَ، والقَدْرَ الذي يَرْهَنُه به، وجِنْسَه، ومُدَّةَ الرَّهْنِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بذلك، فاحْتِيجَ إلى بَيانِه، كأصْلِ الرَّهْنِ. ومتى شَرَط شيئًا مِن ذلك، فخَالفَ، ورَهَنَه بغَيرِه، لم يَصِحَّ الرَّهْنُ؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له فيه، أشْبَهَ مَن لم يَأذَنْ في أصْلِ الرَّهْنِ. وهذا إجْماعٌ، حَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ. فإن أذِن له في رَهْنِه بقَدْرٍ مِن المالِ، فنَقَص (٢) عنه، صَحَّ؛ لأنَّ مَن أذن في شيءٍ، فقد أذِن في أقَل منه. وإن رَهَنَ بأكْثَرَ، احْتَمَلَ أن يَبْطُلَ في الكلِّ؛ لأنَّه خالفَ المَنْصُوصَ عليه، فبَطَلَ، كما لو قال: ارْهَنْهُ بدَنانِيرَ. فرَهَنَهُ بدَراهِمَ. أو: بحالٍّ.

стр. 5935

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فرَهَنَه بمُؤَجَّلٍ، أو بالعَكْسِ، فإَّنه لا يَصِحُّ. وهذا مَنْصُوصُ الشَّافعيِّ. واحْتَمَلَ أن يَصِحَّ في القَدْرِ المَأذُونِ فيه، ويَبْطُلَ في الزّائِدِ عليه؛ لأنَّ العَقْدَ تَناوَلَ ما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ، فصَح فيما يَجُوزُ دُونَ غيرِه، كتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. ويُفارِقُ ما ذَكَرْنا من الأصُول، فإن العَقْدَ لم يَتَناوَلْ مَأذُونًا فيه بحالٍ، وكلُّ واحِدٍ مِن هذه الأمُورِ يَتَعَلَّقُ به غَرَضٌ لا يُوجَدُ في الآخرِ، فإن الرّاهِنَ قد يَقْدِرُ على فَكاكِه في الحال، ولا يَقْدِرُ على ذلك عندَ الأجَلِ، وبالعَكْسِ، وقد يَقْدِرُ على فَكاكِه بأحَد النَّقْدَينِ دُونَ الآخَرِ، فيَفُوتُ الغَرَضُ بالمُخالفَةِ. وفي مَسْألتِنا إذا صَحَّ في المائَةِ المَأذُونِ فيها، لم يَخْتَلِفِ الغَرَضُ. فإن أطْلَقَ الإِذْنَ في الرَّهْنِ مِن غيرِ تَعْيِين، فقال القاضِي: يَصِحُّ، وله رَهْنُه بما شاء. وهو قولُ أصحابِ الرّأي. وأحَدُ قَوْلَي الشَّافعيِّ. والآخَرُ، لا يَجوزُ حتَّى يُبَيِّنَ (١) قَدْرَ الذي يَرْهَنُه به وصِفتَه وحُلُولَه وتَأجِيلَه؛ لأنَّ هذا بمَنْزِلَةِ الضَّمانِ، لأنَّ مَنْفَعَةَ العَبْدِ لسَيِّدِه، والعارِيَّةُ ما أفادَتِ المَنْفَعَةَ، إنَّما حَصَّلَتْ له نَفْعًا يَكُونُ الرَّهْنُ وَثِيقَةً عنه، فهو بمَنْزِلَةِ الضَّمانِ في ذِمَّتِه، وضَمانُ المَجْهُولِ لا يَصِحُّ. ولَنا، أنَّها عارِيَّةٌ، فلم يُشْتَرَطْ لصِحَّتِها ذِكْرُ ذلك، كالعَارِيَّةِ لغيرِ الرَّهْنِ، والدَّلِيلُ

стр. 5936

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على أنَّه عارِيَّة أنَّه قَبَضَ مِلْكَ غيرِه لمَنْفَعَةِ نفسِه مُنْفَرِدًا بها مِن غيرِ عِوَض، فكان عارِيَّةً، كقَبْضِه للخِدْمَةِ. وقَوْلُهم: إنَّه ضَمانٌ. غيرُ صَحِيح؛ لأنَّ الضَّمانَ يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، وهذا يَثْبُتُ في الرَّقَبَةِ، ولأنَّ الضَّمانَ لازِمٌ في حَقِّ الضّامِنِ، وهذا له الرُّجُوعُ في العَبْدِ قبلَ الرَّهْنِ وإلْزامُ المُسْتَعِيرِ بِفَكاكِه بعدَه. وقَوْلُهم: إنَّ المَنافِعَ للسَّيِّدِ. قُلْنا: المَنافِعُ مُخْتَلِفَة، فيَجُوزُ أن يَسْتَعِيرَه لتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ واحِدَةٍ، وسائِرُ المَنافِعِ للسَّيِّدِ، كما لو اسْتَعارَه لحِفْظِ مَتاعٍ، وهو مع ذلك يَخِيطُ لسَيِّدِه أو يَعْمَلُ له شيئًا، أو اسْتَعارَه ليَخِيطَ له ويَحْفَظُ المَتاعَ لسَيِّدِه. فإن قيل: لو كان عارِيَّةً، لَما صَحَّ رَهْنُه؛ لأنَّ العارِيَّةَ لا تَلْزَمُ، والرَّهْنُ لازِمٌ. قُلْنا: العارِيَّةُ غيرُ لازِمَةٍ مِن جِهةِ المُسْتَعِيرِ، فإنَّ لصاحِبِ العَبْدِ المُطالبَةَ بفَكَاكِه قبلَ حُلُولِ الدَّينِ. ولأنَّ العارِيَّةَ قد تَكُونُ لازِمَةً فيما إذا أعارَه حائِطًا ليَبْنِيَ عليه، أو أرْضًا ليَزْرَعَ فيها ما لا يُحْصَدُ قَصِيلًا، ثم هو مَنْقُوضٌ بما إذا اسْتَعارَه ليَرْهَنَه بدَينٍ مَوْصُوفٍ عندَ رَجُل مُعَيّن إلى أجل مَعْلُوم. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَصِحُّ رَهْنُه بما شاء إلى أيِّ وَقْتٍ شاء؛ لأنَّ الإِذْنَ يَتَناوَلُ الكُلَّ بإطْلاقِه، وللسَّيِّدِ مُطالبَةُ الرّاهِنِ بفَكَاكِه، حالًّا كان أو مُؤَجَّلًا، في محِلِّ الحَقِّ وقبلَه؛ لأنَّ العاريَّةَ لا تَلْزَمُ. ومَتَى حَلَّ الحَّقُّ فلم يَقْبِضْه، فللمُرْتَهِنِ بَيعُ الرَّهْنِ، واسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، ويَرْجِعُ المُعِيرُ على الرّاهِنِ بالضَّمانِ، وهو قِيمَةُ العَينِ المُسْتَعارَةِ، أو مثلُها إن كانت مِن

стр. 5937

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَواتِ الأمْثالِ، ولا يَرْجِعُ بما بِيعَتْ به (١)، سواءٌ بِيعَتْ بأقَلَّ مِن القِيمَةِ أو أكْثَرَ، في أحَدِ الوَجْهَينِ. والثّاني، أنَّها إن بِيعَتْ بأقَلَّ مِن قِيمَتِها رَجَع بالقِيمَةِ؛ لأنَّ العارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ، فيَضْمَنُ نَقْصَ ثَمَنِها، وإن بِيعَت بأكْثَرَ، رَجَع بما بِيعَتْ به؛ لأنَّ العَبْدَ مِلْكٌ للمُعِيرِ، فيَكُونُ ثَمَنُه كلُّه له. وكذك لو أسْقَطَ المُرْتَهِنُ حَقَّه عن الرَّاهِنِ، رَجَع الثَّمَنُ كلُّه إلى صاحِبِه. فإذا قَضَى به دَينَ الرَّاهِنِ رَجَع به عليه، ولا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ (١) ضَمانِ النَّقْصِ أن لا تَكُونَ الزِّيادَةُ لِصاحِبِ العَبْدِ، كما لو كان باقِيًا بعَينِه. فأمَّا إن تَلِف الرَّهْنُ، فإن الرّاهِنَ يَضْمَنُه بقِيمَتِه، سَواءٌ تَلِف بتَفْرِيطٍ، أو بغَيرِ تَفْرِيطٍ. نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ العارِيَّةَ مَضْمُونة. فصل: وإن فَكَّ المُعِيرُ الرَّهْنَ، وأدَّى الدَّينَ الذي عليه بإذْنِ الرَّاهِنِ، رَجَع به (١) عليه. وإن قَضاه مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجِعْ بشيءٍ. وإن قَضاه بغيرِ إذْنِه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، فهل يَرْجِعُ؟ على رِوايَتَين، بِناءً على ما إذا قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه، وَيَتَرَجَّحُ الرُّجُوعُ ها هنا؛ لأنَّ له المُطالبَةَ بفَكاكِ عَبْدِه، وأداءُ دَينِه فَكاكُه. وإنِ اخْتَلَفا في الإِذْنِ، فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ مع يَمِينِه؛ لأَنه مُنْكِرٌ. وإن شَهِد المُرْتَهِنُ للمُعيرِ، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه لا يَجُرُّ بِها نَفْعًا،

стр. 5938

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يَدْفَعُ بها ضَرَرًا. وإن قال: أذِنْتَ لي في رَهْنِه بعَشرَةٍ. قال: بل (١) بخَمْسَةٍ. فالقولُ قولُ المالك؛ لأنَّه مُنْكِر للزِّيادَةِ. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي. وإن كان الدَّينُ مُؤَجَّلًا، ققَضاه حَالًّا بإذْنِه، رَجَع به حالًّا. وإن قَضاهُ بغَيرِ إذْنِه، فقال القاضِي: يَرْجِعُ به حالًّا أيضًا؛ لأنَّ له المُطالبَةَ بفَكاكِ عَبْدِه في الحالِ. فصل: ولو اسْتَعارَ مِن رجل عَبْدًا ليَرْهَنَه بمائةٍ، فرَهَنَه عندَ رَجُلَين، صَحَّ؛ لأنَّ تَعْيِينَ ما يَرْهَنُ به ليس شَرْطًا، فكذلك مَن يَرْهَنُ عندَه. ولأنَّ رَهنَهُ مِن اثْنَين أقَلُّ ضَرَرًا؛ لأنَّه يَنْفَكُّ منه بَعْضُه بقَضاءِ بعضِ الدَّينِ، بخِلافِ ما إذا رَهَنَه عندَ واحِدٍ. فإذا قَضَى أحَدَهما ما عليه مِن الدَّينِ، خَرَج نَصِيبُه مِن الرَّهْنِ؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَقْدان في الحَقِيقَة. ولو اسْتَعارَ عَبْدًا مِن رَجُلَين، فرَهَنَه عندَ واحِدٍ بمائَةٍ، فقَضاهُ نِصْفَها من أحَدِ النَّصِيبَين، لم يَنْفَكَّ مِن الرَّهْنِ شيءٌ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِد مِن راهِن واحِدٍ، مع مُرْتَهِن واحِدٍ، أشْبَهَ ما لو كان العَبْدُ لواحِدٍ. والثَّانِي، يَنْفَكُّ نِصْفُ العَبْدِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما إنَّما أذِنَ في رَهْنِ نَصِيبِه بخَمْسِين، فلا يَكُونُ رَهْنًا بأكثَرَ منها (٢)، كما لو قال

стр. 5939

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له: ارْهَنْ نَصِيبي بخَمْسِين، لا تَزِدْ عليها. فعلى هذا الوَجْهِ، إن كان المُرْتَهِنُ عالِمًا بذلك، فلا خِيارَ له، وإن لم يَكُنْ عالِمًا، والرَّهْنُ مَشْرُوط في بَيعٍ (١)، احْتَمَلَ أنَّ له الخِيارَ؛ لأنَّه دَخَل على أنَّ كلَّ جُزْءٍ مِن الرَّهْنِ وَثِيقَة بجَمِيعِ. الدَّين، وقد فاتَه ذلك، واحْتَمَلَ أن لا يَكُون له خِيارٌ؛ لأنَّ الرَّهْنَ سُلِّمَ له كلَّه بالدَّينِ كله، وهو قد دَخَل على ذلك. ولو كان رَهَن هذا العَبْدَ عندَ رَجُلَين، فَقَضَى أحَدَهما، انْفَكَّ نصِيبُ كلِّ واحِدٍ مِن المُعِيرَينِ مِن نِصْفِه. وإن قَضَى نِصْفَ دَينِ أحَدِهِما، انْفَكَّ نصِيبُ أحَدِهما، على أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخَرِ، يَنْفَكُّ نِصْفُ نَصِيبِ كلِّ واحِدٍ منهما. فصل: ولو كان لرَجُلَين عَبْدان، فأذِنَ كلُّ واحِدٍ منهما لشَرِيكِه في رَهْنِ نَصِيبِه مِن أحَدِ العَبْدَين، فرَهَناهما عندَ رجل مُطْلَقًا، صَحَّ. فإن شَرَط أحَدُهما، أنَّنِي متى قَضَيتُ ما عليَّ مِن الدَّين، انْفَكَّ الرَّهْنُ في العَبْدِ الذي رَهَنْتُه، وفي العَبْدِ الآخَرِ، أو (٢) في قَدْرِ نصِيبِي مِن العَبْدِ الآخَرِ. فهذا شَرْطٌ فاسِدٌ؛ لأنَّه شَرَط أن يَنْفَكَّ بقَضاءِ الدَّينِ رَهْن علي دَين آخَرَ، ويَفْسُدُ الرَّهْنُ؛ لأنَّ في هذا الشَّرْطِ نَقْصًا على المُرْتَّهِنِ، وكلّ شَرْطٍ فاسِدٍ يَنْقُصُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ، يُفْسِدُ الرَّهْنَ. فأمَّا إن شَرَط أنَّه لا يَنْفَكُّ شيء مِن

стр. 5940

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العَبْدِ حتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّينِ، فهو فاسِدٌ أيضًا؛ لأنَّه شَرَط أن يَبْقَى الرَّهْنُ مَحْبُوسًا بغيرِ الدَّينِ الذي هو رَهْنٌ به، لكنَّه لا يَنْقُصُ حَقَّ المُرْتَهِن، فهل يَفْسُدُ الرَّهْنُ بذلك؟ على وَجْهَين. وقد ذَكَرْنا أنَّ الرَّهْنَ لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ في الصَّحِيحِ. فصل: والقَبْضُ في الرَّهْنِ كالقَبْضِ في البَيعِ، على ما ذَكَرْناه. فلو رَهَنَه دارًا، فخَلَّى بينَه وبينَها، وللرَّاهِنِ فيها قُماشٌ، لم يَمْنَعْ مِن صِحَّةِ التَّسْلِيمِ؛ لأنَّ اتِّصالها بمِلْكِ الرَّاهِنِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ، كالثَّمَرَةِ في الشَّجَرَةِ. وكذلك الدّابَّةُ التي عليها حِمْلٌ للرَّاهِنِ. ولو رَهَن الحِمْلَ وهو على الدّابَّةِ، وسَلَّمَها إليه بحِمْلِها، صَحَّ القَبْضُ؛ لأنَّه حَصل فيهما جَمِيعًا، فيَكُونُ مَوْجُودًا في الرَّهْنِ منهما. فصل: وإذا رَهَنَه سَهْمًا مُشاعًا مِمّا لا يُنْقَلُ، خَلَّى بينَه وبينَه وإن لم يَحْضُرِ الشَّرِيكُ. وإن كان مَنْقُولًا كالجَوْهَرِ، فقَبْضُها تَناوُلُها، ولا يُمْكِنُ تَناوُلُها إلَّا برِضا الشَّرِيكِ، فإن رَضِيَ الشَّرِيكُ، تَناوَلَها المُرْتَهِنُ، وإنِ امْتَنَعَ، فرَضِيَ الرّاهِنُ أو المُرْتَهِنُ بيَدِ (١) الشَّرِيكِ، جاز، وناب عن المُرْتَّهِنِ في القَبْضِ. إن تَنازَعَ الشَّرِيكُ والمُرْتَهِنُ، أقامَ الحاكِمُ عَدْلًا تَكَونُ في يَدِه لهما، وإن سَلَّمَها الرّاهِنُ إلى المُرْتَّهِنِ بغيرِ إذْنِ الشَّرِيكِ،

стр. 5941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتَناوَلَها، وقُلْنا: اسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ. لم يَكْفِ هذا التَّناوُلُ. وإن قُلْنا: ليس بشَرْطٍ. فقد حَصَل القَبْضُ؛ لأنَّ الرَّهْنَ حَصَل في يَدِه، والتَّعَدِّي في غيرِه لا يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْض، كما لو رَهَنَه ثَوْبًا، فسَلَّمَه إليه مع ثَوْبٍ غيرِه، فَتناوَلَهما جَمِيعًا. ولو رَهَنَه ثَوْبًا، فاشْتَبَهَ عليه بغَيرِه، فسَلَّمَ إليه أحَدَهما، لم يَثْبُتِ القَبْضُ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ أنَّه أقْبَضَه الرَّهْنَ، فإن تَبَيَّنَ أنَّه الرَّهْنُ، صَحَّ القَبْضُ، وإنْ سَلَّمَ إليه الثَّوْبَين مَعًا، حَصَل القَبْضُ؛ لأنَّه قد تَسَلَّمَ الرَّهْنَ يَقِينًا. فصل: ولو رَهَنَه دَارًا، فخَلَّى بينَه وبينَها، وهما فيها، ثم خَرَج الرَّاهِنُ، صَح القَبْضُ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ حتَّى يُخَلِّيَ بينَه وبينَها بعدَ خُرُوجه منها؛ لأنَّه ما كان في الدَّارِ فيدُه عليها، فما حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ. ولَنا، أنَّ التَّخْلِيَةَ تَصِحُّ بقَوْلِه مع التَّمْكِينِ منها وعَدَمِ المانِع، أشْبَهَ ما لو كانا خارِجَين عنها، ولا يَصِحُّ ما ذَكَرَه؛ [ألَا تَرَى أنَّ] (١) خرُوجَ المُرْتَهِن منها لا يُزِيلُ يَدَه عنها، ودُخولَه إلى دارِ غَيرِه لا يُثْبِتُ يَدَه عليها، ولأَنَّه بخُرُوجه عنها مُحَقِّقٌ لقَوْلِه، فلا مَعْنَى لإِعادَةِ التَّخْلِيَةِ. فصل: وإن رَهَنَه مالًا في يَدِ المُرْتَّهِنِ؛ عارِيَّةً، أو وَدِيعَةً، أو غَصْبًا، أو نحوَه، صَحَّ الرَّهْنُ؛ لأنَّه مالكٌ له يُمْكِنُ قَبْضُه، فصَحَّ رَهْنُه، كما لو

стр. 5942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان في يَدِه. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ لُزُومُ الرَّهْنِ ها هنا بنَفْسِ العَقْدِ، مِن غيرِ احْتِياجٍ إلى أمْر زائِدٍ، فإنَّه قال: إذا حَصَلَتِ الوَدِيعةُ في يَدِه بعدَ الرَّهْنِ، فهو رَهْنٌ. فلم يَعْتَبِرْ أمْرًا زائِدًا؛ وذلك لأنَّ اليَدَ ثابتَةٌ، والقَبْضَ حاصِلٌ، وإنَّما يَتَغَيَّرُ (١) الحُكْمُ لا غيرُ، ويُمْكِنُ تَغَيُّرُ الحُكْمَ مع اسْتِدامَةِ القَبْضٍ، كما أنَّه لو طُولِبَ بالوَدِيعَةِ فجَحَدَها لتَغَيَّرَ الحُكْمُ، وصارَتْ مَضْمُونةً عليه مِن غيرِ أمْرٍ زائِدٍ. ولو عاد الجاحِدُ فأقَرَّ بها، وقال لصاحِبِها: خُذْ وَدِيعَتَكَ. فقال: دَعْها عندَك وَدِيعَةً كما كانت، ولا ضَمانَ عليك فيها. لتَغَيَّرَ الحُكْمُ مِن غيرِ حُدُوثِ أمْرٍ زائِدٍ. وقال القاضِي، [وأصحِابُه و] (٢) الشافعيُّ: لا يَصِيرُ رَهْنًا حتَّى تَمْضِيَ مُدَّة يَتَأتَّى قَبْضُه فيها، فإن كان مَنْقُولًا، فبمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ نَقْلُه فيها، وإن كان مَكِيلًا، فبمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ اكْتِيَالُه فيها، وإن كان غيرَ مَنْقُولٍ، فبمُضِيِّ مُدَّةِ التَّخْلِيَةِ، وإن كان غائِبًا عن المُرْتَّهِنِ، لم يَصِرْ مَقْبُوضًا حتَّى يُوافِيَه (٣) هو أو وَكِيلُه ثم تَمْضِي مُدَّةٌ يُمْكِنُ قَبْضُه فيها؛ لأنَّ العَقْدَ يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، والقَبْضَ إنَّما يَحْصُلُ بفِعْلِه أو بإمْكانِه، فَيَكْفِي ذلك، ولا يَحْتاجُ إلى وُجُودِ حَقِيقَةِ القَبْضِ؛ لأنَّه مَقْبُوضٌ حَقِيقَةً. فإن تَلِف قبلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى قَبْضُه فيها، فهو كتَلفِ الرَّهْنِ قبلَ قَبْضِه. ثم هل يَفْتَقِرُ إلى الإِذْنِ مِن الرَّاهِنِ في القَبْضِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحَدُهما يَفْتَقِرُ؛ لأنَّه

стр. 5943

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَبْضٌ يَلْزَمُ به عَقْدٌ غيرُ لازِم، فلم يَحْصُلْ بغيرِ إذْنٍ، كما لو كان في يَدِ الرَّاهِنِ، وإقْرارُه في يَدِه لا يَكْفِي، كما لو أقَرَّ المَغْصُوبَ في يدِ غاصِبِه مع إمْكانِ أخْذِه منه. والثانِي، لا يَفْتَقِرُ؛ لأنَّ إقْرَارَه في يَدِه بمَنْزِلَةِ إذْنِه في القَبْضِ، فإن أُذِنَ له في القَبْضِ، ثم رَجَعِ عنه قبلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأتَّى القَبْضُ فيها، لم يَلْزَمِ الرَّهْنُ حتَّى يَعُودَ فيَأذَنَ ثم تمْضِى مُدَّة يَقْبِضُه في مثْلِها. فصل: وإذا رَهَنَه المَضْمُونَ على المُرْتَهن؛ كالمَغْصُوبِ، والعارِيَّةِ، والمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمِ، أو في بَيع فاسِدٍ، صَحَّ، وزاكَ الضَّمانُ. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال الشَّافعي: لا يَزُولُ الضَّمانُ، ويَثْبُتُ حُكْمُ الرَّهْنِ، والحُكْمُ الذي كان ثابِتًا فيه يَبْقَى بحَالِه؛ لأنَّه لا تَنافِيَ بينَهما، بدَلِيلِ أنَّه لو تَعَدَّى في الرَّهْنِ، صارَ مَضْمُونًا، وهو رَهْنٌ كما كان، فكذلك ابْتداؤه؛ لأنَّه أحَدُ حالتَيِ الرَّهْنِ. ولَنا، أنَّه مَأذُونٌ له في إمْساكِه رَهْنًا، لم يَتَجَدَّدْ فيه منه عُدْوَانٌ، فلم يَضْمَنْه، كما لو قَبَضَه منه ثم أقْبَضَه إيّاه، أو أبرَأه مِن ضَمانِه. وقَوْلُهم: لا تَنافِيَ بينَهما. مَمْنُوعٌ؛ فإن الغاصِبَ يَدُه عادِيَةٌ يَجِبُ عليه إزالتها، ويَدُ المُرْتَّهِنِ مُحِقَّةٌ (١) جَعَلَها الشَّرْع له، ويَدُ المُرْتَّهِنِ يَدُ أمانَةٍ. ويَدُ الغاصِبِ والمُسْتَعِيرِ ونحوهما يَدٌ ضامِنَةٌ، وهذان مُتَنافِيَان. ولأنَّ السَّبَبَ المُقْتَضِيَ للضَّمانِ زال، فزال الضَّمانُ لزَوالِه، كما لو رَدَّه إلى مالِكِه، وذلك لأنَّ سَبَبَ الضَّمانِ الغَصْبُ أو العارِيَّةُ ونحوُهما، وهذا لم يَبْقَ غاصِبًا ولا مُسْتَعِيرًا، ولا يَبْقَى الحُكْمُ

стр. 5944

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مع زَوالِ سَبَبه وحدوثِ سَبَبٍ يُخالِفِ حُكْمُه حُكْمَه، وأمّا إذا تَعَدَّى في الرَّهْنِ، فإنَّه يَلْزَمُه الضَّمَانُ؛ لعُدْوانِه، لا لكَوْنِه غاصِبًا ولا مُسْتَعِيرًا، وها هنا قد زال سَبَبُ الضَّمانِ، ولم يَحْدُثْ ما يُوجِبُه، فلم يَثْبُتْ. فصل: وإذا رَهَنَه عَينَين، فتَلِفَتْ إحْداهُما قبلَ قَبْضِها، انْفَسَخَ العَقْدُ فيها دُونَ الباقِيَة؛ لأنَّ العَقْدَ كان صَحِيحًا فيهِما، وإنَّما طَرَأ انْفساخُ العَقْدِ في إحْداهُما، فلم يُوثِّرْ في الأخْرَى، كما لو اشْتَرَى شَيئَين فرَدَّ أحَدَهما بعَيبٍ أو غيرِه. والرّاهِن مخَيَّرٌ بينَ إقْباضِ الباقِيَة وبينَ مَنْعِها، إذا قُلْنا: إنَّ الرَّهْنَ لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ. وإن كان التَّلَفُ بعدَ قَبْضِ الأخْرَى، لَزِم الرَّهْنُ فيها، فإن كان الرَّهْنُ مَشْرُوطًا في بَيع، ثَبَت للبائِع الخِيارُ، لتَعَذُّرِ الرَّهْنِ بكَمالِه، فإن رَضِيَ لم يَكُنْ له المُطالبَةُ ببَدَلِ التالِفَةِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ لم يَلْزَمْ فيها، وتَكُونُ المَقْبُوضَة رَهْنًا بجَمِيعِ الثَّمَنِ. فإن تَلِفَت إحْدَى العَينَين بعدَ القَبْضِ، فلا خِيارَ للبائِعِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ لو تَلِف كلُّه، لم يَثْبُتْ للبائِعِ خِيارٌ، فإذا تَلِف بَعْضُه كانَ أوْلَى، ثم إن كان تَلَفُها بعدَ قَبْضِ العَينِ الأخْرَى، فقد لَزِم الرَّهْنُ فيها، وإنْ كان قبلَ قَبْضِ الأخْرَى، فالرَّاهِنُ مُخَيَّرٌ بينَ إقْباضِها وبينَ تَرْكِه، فإنِ امْتَنَعَ مِن تَقْبِيضِها، ثَبَت للبائِعِ الخِيارُ، كما لو لم (١) تَتْلَفِ الأخرَى. فصل: وإذا رَهَنَه دَارًا، فانْهَدَمَتْ قبلَ قَبْضِها، لم يَنْفَسِخْ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لأنَّ مالِيَّتَهَا لم تَذْهَبْ بالكُلِّيَّةِ، فإنَّ عَرْصَتَها وأنْقاضَها باقِيَةٌ،

стр. 5945

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَثْبُتُ للمُرْتَهِنِ الخِيارُ إن كان الرَّهْنُ مَشْرُوطًا في بَيعٍ؛ لتَعَيُّبِها (١) ونقْصِ قِيمَتِها. فإن قيلَ: فلِمَ لا يَنْفَسِخُ عَقْدُ الرَّهْنِ، كعَقْدِ الإِجارَةِ؟ قُلْنا: الإِجارَةُ عَقْدٌ على مَنْفَعَةِ السُّكْنَى، وقد تَعَذَّرَتْ وعَدِمَتْ، فبَطَلَ العَقْدُ؛ لعَدَمِ المَعْقُود عليه، والرَّهْنُ عَقْدُ اسْتِيثاقٍ يَتَعَلَّقُ بالأعْيانِ التي فيها المالِيَّةُ، وهي باقِيَةٌ. فعلى هذا، تَكُونُ العَرْصَةُ والأنْقاضُ مِن الخَشَبِ والأحْجارِ ونحوها مِن الرَّهْنِ؛ لأنَّ العَقْدَ وارِدٌ على جَمِيعِ الأعْيانِ، والأنْقاضُ منها، وما دَخَل في العَقْدِ اسْتَقَرَّ بالقَبْضِ. فصل: ويَجُوزُ للمُرْتَهِنِ أن يُوَكِّلَ في قَبْضِ الرَّهْنِ، ويَقُومُ قَبْضُ وَكِيله مَقامَ قَبْضِه في لُزُومِ الرَّهْنِ وسائِرِ أحْكَامِه. فإن وكَّلَ المُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ في قَبْضِ الرَّهْنِ له مِن نَفْسِه، لم يَصِحَّ، ولم يَكُنْ قَبْضًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ ليَسْتَوْفِيَ الحَقَّ منه عندَ تَعَذُّرِ اسْتِيفائِه مِن الرَّاهِنِ، فإذا كان في يَدِ الرَّاهِنِ لم يَحْصُلْ مَعْنَى الوَثِيقَةِ، وقد ذَكَرْنا في البَيعِ، أنَّ المُشْتَرِيَ لو دَفَعِ إلى البائِعِ وعاءً، وقال: كِلْ لِي حَقِّي فيه. ففَعَلَ، كان قَبْضًا، فيُخرَّجُ ههُنا مِثْلُه. فصل: إذا أقَرَّ الرَّاهِنُ بتَقْبيضِ الرَّهْن، أو أقَرَّ المُرْتَهِنُ بقَبْضِه، كان مَقْبُولًا فيما يُمْكِنُ صِدْقُهما فيه. فإن أقَرَّ الرَّاهِنُ بالتَّقْبِيضِ ثم أنْكَرَ، وقال: أقرَرْتُ بذلك ولم أكنْ أقْبَضْتُ شيئًا. أو أقَرَّ المُرْتَهِنُ بالقَبْضِ ثم أنْكَرَه، فالقولُ قولُ المُقَرِّ له، فإن طَلَب المُنْكِرُ يَمِينَه، ففيه

стр. 5946

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُه يَمين؛ لأنَّ الإِقْرارَ أقْوَى مِن البَيِّنةِ، ولو قامَتِ البَيِّنةُ بذلك، فطَلَب المَشْهُودُ عليه يَمينَ خَصْمِه، لم يُجَبْ إليها، فكذلك الإِقْرارُ. والثَّانِي، يَلْزَمُه اليَمِينُ. وهو قولُ الشَّافعيِّ. وهو أوْلَى، لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بأنَّ الانْسانَ يَشْهَدُ على نَفْسِه بالقَبْضِ قبلَه، فكذلك تُسْمَعُ دَعْواه، ويَلْزَمُ خَصْمَه اليَمِينُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حُكْمِ العادَةِ، بخِلافِ البَيِّنةِ، فإنَّها لا تَشْهَدُ (١) بالحَقِّ قبلَه، ولو فَعَلَتْ ذلك ثم تَكُنْ عادِلَةً. وقال القاضِي: إن كان المُقِرُّ غائِبًا، فقال: أقْرَرْتُ؛ لأنَّ وكِيلي، كَتَب إلَيَّ بذلك، ثم بان لي خِلافُه. سَمِعْنا قَوْلَه، وأحْلَفْنا خَصْمَه. وإن أقَرَّ أنَّه باشَرَ ذلك بنَفْسِه، ثم عاد فأكْذَبَ نَفْسَه، لم يُحْلَفْ خَصْمُه. وهذا قولُ بَعْضِ أصْحابِ الشَّافعيِّ. فأمَّا إنِ اخْتَلَفا في القَبْض، فقال المُرْتَهِنُ: قَبَّضْتُه. وأنْكَرَ الرَّاهِنُ، فالقَوْلُ قولُ صاحِبِ اليَدِ؛ لأنَّه إن كان في يَدِ الرَّاهِنِ، فالأصْلُ معه، وهو عَدَمُ الإقْباضِ، ولم يُوجَدْ ما يَدُلُّ على خِلافِه، وإن كان في يَدِ المُرْتَّهِنِ، فقد وُجِدَ القَبْضُ، لكَوْنِه لا يَحْصُلُ في يَدِه إلَّا بعدَ قَبْضِه. وإنِ اخْتَلَفا في الإِذْنِ، فقال الرَّاهِنُ: أخَذْتَه بغَيرِ إذْنِي. قال: بل بإذْنِك. وهو في يَدِ المُرْتَّهِنِ، فالقَوْلُ قولُه؛ لأنَّ الظّاهِرَ معه، فإنَّ العَقْدَ قد وُجِدَ، ويَدُه تَدُلُّ على أنَّه بحَقٍّ. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ القولُ قولَ الرَّاهِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافعيِّ. ذَكَر القاضِي هَذَين الوَجْهَين.

стр. 5947

وَتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ لَا يَصِحُّ، إلا الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَتُؤخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ رَهْنًا مَكَانهُ. وَعَنْهُ، لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعْسِرِ. ــ ١٧٨٦ - مسألة: (وتَصَرُّفُ الرَّاهِنِ في الرَّهْنِ لا يَصِحُّ، إلَّا العِتْقَ، فإنَّه يَصِح، وتُؤْخَذُ منه قِيمَتُه (١) رَهْنًا مكانَه. وعنه، لا يَنْفُذُ عِتْقُ المُعْسِرِ) إذا تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ [في الرَّهْنِ] (٢) بغَير رِضَا المُرْتَّهِنِ، بغَيرِ العِتْقِ، كالبَيعِ والهِبَةِ، والوَقْفِ، والرَّهْنِ، ونحْوه، فتَصَرُّفُه باطِلٌ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن الوَثِيقَةِ، غيرُ مَبْنِيٍّ على التَّغْلِيبِ والسِّرايَةِ، فلم يَصِحَّ بغَيرِ إذْنِ المُرْتَّهِنِ، كفَسْخِ الرَّهْنِ. وفي الوَقْفِ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّه يَلْزَمُ لحَقِّ اللهِ تَعالى، أشْبَهَ العِتْقَ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه تَصَرُّف لا يَسْرِي إلى مِلْكِ الغيرِ، فلم يَصِحَّ، كالهِبَةِ. فإن أذِن فيه المُرْتَهِنُ (٣)، صَحَّ، وبَطَلَ الرَّهْنُ؛ [لأنَّه أذِن فيما يُنافِي حَقَّه، فبَطَل بفِعْلِه، كالعِتْقِ] (٢)، إلَّا أن يَأذَنَ في البَيعِ، ففيه تَفْصِيلٌ نَذْكُرُه فيما بَعْدُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 5948

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وليس للرَّاهِنِ الانْتِفاعُ بالرَّهْنِ، باسْتِخْدام، ولا وَطْء، ولا سُكْنَى، ولا غيرِ ذلك. ولا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه بإجارَةٍ ولا إعارَةٍ ولا غيرِهما بغيرِ رِضَا المُرْتَّهِنِ. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال مالكٍ، وابنُ أبي ليلى، والشّافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: للرّاهِنِ إجارَتُه وإعارَتُه مُدَّةً لا يَتَأخَّرُ انْقِضاؤها عن حُلُولِ الدَّينِ. وهل له أن يَسْكُنَ بنَفْسِه؟ على اخْتِلافٍ، بينَهم فيه (١). وإن كان الرَّهْنُ عَبْدًا، فله اسْتِيفاءُ مَنافِعِه بغَيرِه، وهل له ذلك بنَفْسِه؟ على الخِلافِ. وليس له إجارَةُ الثَّوْبِ ولا ما يَنْقُصُ بالانْتِفاعِ. وبَنَوْه على أنَّ المنافِعَ للرَّاهِنِ لا تَدْخُلُ في الرَّهْنِ، ولا يَتَعَلَّقُ بها حَقُّه، وسَيَأتِي الكلامُ فيه. ولَنا، أنَّها عَينٌ (٢) مَحْبُوسَةٌ، فلم يَكُنْ للمالكِ الانْتِفاعُ بها، كالمَبِيعِ المَحْبُوسِ عندَ البائِعِ على قَبْضِ ثَمَنِه. إذا ثَبَت هذا فإن المُتراهِنَين إن لم يَتَّفِقا على الانْتِفاعِ بها، لم يَجُزْ

стр. 5949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الانْتِفاعُ، وكانت منافِعُها (١) مُعَطَّلَةً، فإن كانت دارًا أُغْلِقَتْ، وإن كان عَبْدًا أو غيرَه تَعَطَّلَتْ مَنافِعُه، حتَّى يَنْفَكَّ الرَّهْنُ. فإنِ اتَّفَقَا علي إجارَةِ الرَّهْنِ، أو (٢) إعارَتِه، جاز ذلك، في ظاهِر قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه جَعَل غَلَّة الدّارِ وخِدْمَةَ العَبْدِ مِن الرَّهْنِ، ولو عُطِّلَتْ مَنافِعُهما لم يَكُنْ لهما غَلَّة. وقال ابنُ أبي مُوسى: إن أذِن الرَّاهِنُ للمُرْتَهِنِ في إعارَته، أو إجارَتِه، صَحَّ، والأجْرَةُ رَهْنٌ، وإن أجَرَهُ الرَّاهِنُ بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، خَرَجِ مِن الرَّهْنِ، في أحَدِ الوَجْهَين، ولا يَخْرُجُ في الآخَرِ، كما لو أجَرَه المُرْتهِنُ. وقال أبو الخَطَّاب في المُشاعِ: يُؤْجرُه الحاكِمُ لهما. وذكَر أبو بكر في «الخِلافِ»، أنَّ مَنافِعَ الرَّهْنِ تُعَطَّلُ مُطْلَقًا، ولا يُؤْجِراه. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وقالُوا: إذا أجَرَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ (٣) بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، كان إخْراجًا مِن الرَّهْنِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ يَقتَضِي حَبْسَه عندَ المُرْتَّهِنِ أو نائِبِه على الدَّوامِ، فمتى وُجِدَ عَقْدٌ يَسْتَحِقُّ به زَوال الحَبْسِ، زال الرَّهْنُ. ولَنا، أنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الاسْتِيثاقُ بالدَّينِ واسْتِيفاؤه مِن ثَمَنِه عندَ تَعَذُّرِ اسْتِيفائِه مِن ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وهذا لا يُنافِي الانْتِفاعَ به، ولا

стр. 5950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إجارَتَه، و (١) إعارَتَه، فجاز اجْتِماعُهما، كانْتِفاعِ المُرْتَّهِنِ به، ولأنَّ تَعْطِيلَ مَنْفَعَتِه تَضْيِيع للمالِ، وقد نَهَى النبيُّ ﷺ عن إضاعَتِه (٢)، ولأنَّه عَينٌ تَعَلَّقَ بها حَقُّ الوَثِيقَةِ، فلم يَمْنَعْ إجارَتَها، كالعَبْدِ إذا ضَمِن بإذْنِ سَيِّدِه، ولا نُسَلِّمُ أنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ الحَبْسُ، بل مُقْتَضاه تَعَلّقُ الحَقِّ به على وَجْهٍ تَحْصُلُ به الوَثِيقَةُ، وذلك غيرُ مُنافٍ للانْتِفاعِ به. ولو سَلَّمْنا أنَّ مُقْتَضَاهُ الحَبْسُ، فلا يَمْنَعُ [أن يكون] (٣) المُسْتَأجِرُ نائِبًا عنه في إمْساكِه وحَبْسِه، ومُسْتَوْفِيًا مَنْفَعَتَه لنَفْسِه. فصل: ولا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِن إصْلاحٍ الرَّهْنِ، ودَفْعِ الفَسادِ عنه، ومُداواتِه إنِ احْتاجَ إليها، فإذا كان ماشِيَة فاحْتاجَتْ إلى إطْراقِ الفَحْلِ، فللرّاهِنِ ذلك؛ لأنَّ فيه مَصْلَحَةَ الرَّهْنِ وزِيادَتَه، وذلك زِيادَةٌ في حَقِّ (٤) المُرْتَّهِنِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، وإن كانت فُحُولًا لم يَكُنْ للرَّاهِنِ إطْراقُها بغيرِ رِضَا المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه انْتِفاعٌ لا مَصْلَحَةَ للرَّهْنِ (٥) فيه، فهو كالاسْتِخْدامِ، إلَّا أن يَكُون يَتَضَرَّرُ بتَرْكِ الإطْراقِ، فيَجُوزُ؛ لأنَّه كالمُداواةِ له.

стр. 5951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وليس للرّاهِنِ عِتْقُ الرَّهْنِ؛ لأنَّه يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن الوَثِيقَةِ، وذلك إضْرارٌ به، فإن فَعَل، نَفَذ عِتْقُه، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال شَرِيك، والحسنُ بنُ صالح، وأصحابُ الرَّأْي، والشّافعيُّ في أحَدِ أقْوالِه. إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: يَسْتَسْعِي العَبْدَ في قِيمَتِه إن كان المُعْتِقُ مُعْسِرًا (١). وعن أحمدَ، أنَّه لا يَنْفُذُ عِتْقُ المُعْسِرِ. ذَكَرها الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر. وهو قولُ مالكٍ، والقولُ الثّانِي للشافعيِّ؛ لأنَّ عِتْقه يُسْقِطُ حَقَّ المُرْتَّهِنِ مِن الوَثِيقَةِ مِن عَينِ الرَّهْنِ وبَدَلِها، فلم يَنْفُذْ؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ بالمُرْتَهِنِ، ولأنَّه عِتْق يُبْطِلُ حَقَّ غيرِ المالك، فنَفَذَ مِن المُوسِرِ دُونَ المُعْسِرِ، كعِتْقِ شِرْكٍ له في عَبْدٍ. وقال عطاء، والبَتِّيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا يَنْفُذُ عِتْقُ الرَّاهِنِ.، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا. وهو القولُ الثّالث للشافعي؛ لأنَّه مَعْنًى يُبْطِلُ حَقَّ الوَثِيقَةِ مِن الرَّهْنِ، أشْبَهَ البَيعَ. ولَنا، أنَّه إعْتاق مِن مالكٍ جائِزِ التَّصَرُّفِ تام المِلْكِ، فنَفَذَ، كعِتْقِ المُسْتَأجِرِ، ولأنَّ الرَّهْنَ عَين مَحْبُوسَةٌ لاسْتِيفاءِ الحَقِّ، فنَفَذَ فيها عِتْقُ المالكِ، كالمَبِيعِ في يَدِ البائِعِ، والعِتْقُ يُخالِف البَيعَ، فإنَّه مَبْنِيٌّ على التَّغْلِيبِ والسرايَةِ، ويَنْفُذُ في مِلْك الغيرِ، ويَجُوزُ عِتْقُ المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه، والآبِقِ، والمَجْهُولِ، وما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، ويَجُوزُ تَعْلِيقُه على الشروطِ (٢)،

стр. 5952

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بخِلافِ البَيعِ. إذا ثَبَت هذا، فإن كان مُوسِرًا، أُخِذَتْ منه قِيمَتُه، فجُعِلَتْ مَكانَه رَهْنًا؛ لأنَّه أْبطَلَ حَقَّ الوَثِيقَةِ بغيرِ إذْنِ المُرْتَهِنِ، فلَزِمَتْه قِيمَتُه، كما لو أَبْطَلَها أجْنَبِيٌّ، أو كما لو أتْلَفَه، وتَكُونُ القِيمَةُ رَهْنًا؛ لكَوْنِها نائِبَةً عن العَينِ، وبَدَلًا منها، وإن كان مُعْسِرًا فهي في ذِمَّتِه، فإن أيسَرَ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ، أُخِذَتْ منه فجُعِلَتْ رَهْنًا، إلَّا أن يَخْتارَ تَعْجِيلَ الحَقِّ، فيَقْضِيَه، ولا يَحْتاجُ إلى رَهْن، وإن أْيسَرَ بعدَ حُلُولِ الحَقِّ طُولِبَ بالدَّين خاصَّةً؛ لأنَّ ذِمته تَبْرأ به مِن الحَقَّين معًا. والاعْتِبارُ بقِيمَةِ العَبْدِ حال العِتْقِ؛ لأنَّه وَقْتُ الإِتْلافِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ في المُعْسِرِ: يَسْتَسْعِي العَبْدَ في قِيمَتِه، ثم يَرْجِعُ على الرَّاهِنِ. وفيه إيجابُ الكَسْبِ على العَبْدِ، ولا صُنْعَ له، ولا جِنايَةَ منه، فكان إلْزامُ الغُرْمِ للمُتْلِفِ أوْلَى، كحالِ اليَسارِ، وكسَائِرِ الإِتْلافِ. فصل: فإن أعْتَقَه بإذْنِ المُرْتَّهِنِ، فلا نعلمُ خِلافًا في نُفُوذِ عِتْقِه على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ المَنْعَ كان لحَقِّ المُرْتَّهِنِ، وقد أذِنَ، ويَسْقُطُ حَقُّه مِنَ الوَثِيقَةِ مُوسِرًا كان المُعْتقُ أو مُعْسِرًا؛ لأنَّه أذِنَ فيما يُنافِي حَقَّه، فإذا وُجِدَ، زال حَقُّه، وقد رَضِيَ به لرِضاه بما يُنافِيه وإذْنِه فيه، فلم يَكُنْ له بَدَلٌ. فإن رَجَع عن الإِذْن قبلَ العِتْقِ، وعَلِم الرَّاهِنُ برُجُوعِه، بَطَل الإِذْنُ، وإن لم يَعْلَمْ برُجُوعِه، فأعْتَقَ، ففيه وَجْهان، بناءً على عَزْلِ

стр. 5953

وَقَال الْقَاضِي: لَهُ تَزْويجُ الأمَةِ، وَيَمْنَعَ الزَّوْجَ وَطْأها، وَمَهْرُهَا رَهْنٌ مَعَهَا. وَالْأوَّلُ أصَحُّ. ــ الوَكِيلِ بدُونِ عِلْمِه. وإن رَجَعَ بعدَ العِتْقِ، لم يَنْفَعْه الرُّجُوعُ، والقولُ قولُ المُرْتَّهِنِ مع يَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الإِذْنِ. وإنِ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَوَرَثَةُ المُرْتَّهِنِ، فالقولُ قولُ [وَرَثَةِ المُرْتَّهِنِ] (١) أيضًا، إلَّا أنَّ أيمانَهُم على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّها على فِعْلِ الغَيرِ. وإنِ اخْتَلَفَ المُرْتَهِنُ ووَرَثةُ الرَّاهِنِ، فالقولُ قولُ المُرْتَّهِنِ مع يَمينِه، وإن لم يَحْلِفْ، قُضِيَ عليه بالنُّكُولِ. ١٧٨٧ - مسألة: وليس له (٢) تزْويجُ (٣) الأمَةِ المَرْهُونَةِ، فإن فَعَل، لم يَصِحَّ. وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ، وقولُ مالك، والشافعيِّ. وقال القاضِي وجَماعَة مِن أصحابِنا: يَصِحُّ وللمُرْتَهِنِ مَنْعُ الزَّوْجِ مِن وَطْئِها لحَق المُرْتَّهِنِ، حتَّى لا تَخْرُجَ عن يَدِه، فيَفُوتَ القَبْضُ (ومَهْرُها رَهْنٌ معها) لأنَّه مِن نَمائِها وبِسَبَبِها، فكان رَهْنًا معها، كأجْرَتِها وسائِرِ

стр. 5954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَمائِها. وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ مَحَلَّ النِّكاحِ غيرُ مَحَلِّ عَقْدِ الرَّهْنِ، ولذلك صَحَّ رَهْنُ المُزَوَّجَةِ، ولأنَّ الرَّهْنَ لا يُزِيلُ المِلْكَ، فلم يَمْنَعِ التَّزْويجَ، كالإِجارَةِ. ولَنا، أَنَّه تَصَرُّف في الرَّهْنِ بما يَنْقُصُ ثَمَنَه، ويَشْغَلُ (١) بعضَ مَنافِعِه، فلم يَمْلِكْه الرّاهنُ بغيرِ رِضَا المُرْتَّهِنِ، كالإِجارَةِ، ولا يَخْفَى تَنْقِيصُه لثَمَنِها، فإنَّه يُعَطِّلُ مَنافِعَ بُضْعِها (٢)، ويَمْنَعُ مُشْتَرِيَها مِن وَطْئِها وحِلِّها، ويُوجِبُ عليها تَمْكِينَ زَوْجِها مِن الاسْتِمْتاعِ بها، ويُعَرِّضُها بوَطْئِه للحَمْلِ الذي يُخافُ منه تَلَفُها، ويَشْغَلُها عن خِدْمَتِه بتَرْبِيَةِ وَلَدِها، فتَذْهَبُ الرَّغْبَةُ فيها، وتَنْقُصُ نَقْصًا كثيرًا، ورُبَّما مَنَعَ بَيعَها بالكُلِّيَّةِ. وقَوْلُهم: إنَّ مَحَلَّ عَقْدِ النِّكاحِ غيرُ محَل الرَّهْنِ. غيرُ صَحِيحِ؛ فإن مَحَلَّ الرَّهْنِ مَحَلُّ البَيعِ، والبَيعُ يَتَناوَلُ جُمْلَتَها، ولهذا يُباحُ لمُشْتَرِيها اسْتِمْتاعُها، وإنَّما صَحَّ رَهْنُ المُزَوجَةِ؛ لبَقَاءِ مُعْظَمِ المَنْفَعةِ فيها، وبَقائِها مَحَلًّا للبَيعِ، كما يَصِحُّ رَهْنُ المُسْتَأجَرَةِ. ويُفارِقُ الرَّهْنُ الإِجارَةَ، فإن التَّزْويجَ لا يُؤثِّرُ في مَقْصُودِ الإِجارَةِ، ولا يَمنَعُ المُسْتَأجِرَ مِن اسْتِيفاءِ المَنافِعِ المُسْتَحَقَّةِ له، ويُؤَثِّرُ

стр. 5955

وَإنْ وَطِئ الْجَارِيَةَ، فَأولَدَهَا، خَرَجَتْ مِنَ الرَّهْنِ، وَأخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهَا، فَجُعِلَتْ رَهْنًا. ــ في مَقْصُودِ الرَّهْنِ، وهو اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِها؛ لأنَّ تَزْويجَها يَمْنَعُ بَيعَها، أو يَنْقُصُ ثَمَنَها، فيَتَعَذَّرُ اسْتِيفاءُ الدَّينِ بكَمالِه. ١٧٨٨ - مسألة: (وإنْ وَطِئ الجارِيَةَ، فأوْلَدَها، خَرَجَتْ مِن الرَّهْنِ، وأخِذَتْ منه قِيمَتُها، فجُعِلَتْ رَهْنًا) لا يَجُوزُ للرَّاهِنِ وَطْءُ أمتِه المَرْهُونَةِ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. وقال بعضُ أصحابِ الشَّافعيِّ: له وَطْءُ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ؛ لكَوْنِه لا ضَرَرَ فيه، فإن عِلَّةَ المَنْعِ خَوْفُ الحَمْلِ، مَخافَةَ أن تَلِدَ منه، فتَخْرُجَ مِن الرّهْنِ، أو تَتَعَرَّضَ للتَّلَفِ، وهذا مَعْدُوم فيهما. وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ على خِلافِ هذا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهْلُ العِلْمِ على أنَّ للمُرْتَهنِ مَنْعَ الرَّاهِنِ مِن وَطْءِ أمَتِهِ المَرْهُونَةِ. ولأن سائِرَ مَن يَحْرُمُ وَطْؤُها لا فرْقَ فيه بين الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ وغَيرِهما، كالمُعْتَدَّةِ والمُسْتَبْرَأةِ والأجْنَبِيةِ، ولأنَّ الوَقْتَ الذي تَحْبَلُ (١) فيه يَخْتَلِفُ، ولا يَتَحَرَّرُ (٢)، فمُنِعَ مِن الوَطْءِ جُمْلَةً، كما حَرُمَ الخَمْرُ
следующие страницы →