وَيَجُوزُ شَرطُ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِيهِ.
ــ
١٧٦٧ - مسألة: (ويَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ والضَّمِينِ فيه) لأنَّ النبيَّ ﷺ رَهَن دِرْعَه على شعِيرٍ أخَذَه لأهْلِه. مُتَّفَقٌ عليه (١).
فصل: ويَجُوزُ قَرْضُ الخُبْزِ. ورَخَّصَ فيه أبو قِلابَةَ، ومالكٌ. ومَنَع منه أبو حنيفةَ. ولَنا، أنَّه مَوْزُونٌ، فجاز قَرْضُه، كسائِرِ المَوْزُوناتِ. وإذا أقْرَضَه بالوَزْنِ رَدَّ المُقْتَرِضُ مِثْلَه بالوَزْنِ. وإنِ اسْتَقْرَضَه عَدَدًا رَدَّه عَدَدًا. وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: فيه رِوايَتانِ؛ إحداهما، لا يَجُوزُ، كسائِرِ المَوْزُوناتِ. والثانيةُ، يَجُوزُ. وقال ابنُ أبي موسى: إذا كان يَتَحَرَّى أن يَكُونَ مِثْلًا بمِثْلٍ، فلا يَحْتاجُ إلى وَزْنٍ، والوَزْنُ أحَبُّ إليَّ. وَوَجْهُ الجَوازِ، ما رَوَتْ عائشةُ، ﵂، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الجِيرانَ يَقْتَرِضُونَ الخُبْزَ والخَمِيرَ، ويَرُدُّونَ زِيادَةً
стр. 5882
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا؛ نَحْوَ أَنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيرًا مِنْهُ، أَوْ فِي بَلَدٍ آخَرَ. وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ هَذَا الشَّرْطِ.
ــ
ونُقْصانًا. فقال: «لَا بَأْسَ، إنَّ ذلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ، لَا يُرَادُ بِهِ الفَضْلُ». رَواه أبو بَكْرٍ في «الشَّافِي» بإسْنَادِهِ. ورَوَى أيضًا بإسْنادِه، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّه سُئِلَ عن اسْتِقْراضِ الخُبْزِ والخَمِيرِ، فقال: سُبْحَانَ اللهِ، إنَّما هذَا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، فخُذِ الكَبِيرَ وأعْطِ الصَّغِيرَ، وخُذِ الصَّغِيرَ وأعْطِ الكَبيرَ، خيرُكُمْ أحْسَنُكُم قَضَاءً. سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذلك (١). ولَأنَّ هذا ممّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، ويَشُقُّ اعُتِبارُ الوَزْنِ فيه، وتَدْخُلُه المُسامَحَةُ، فأشْبَهَ دُخُولَ الحمَّامِ، والرُّكُوبَ في سَفِينَةِ المَلَّاحِ مِن غيرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ. فإن شَرَط أنْ يُعْطِيَه أكْثَرَ ممّا أقْرَضَه أو أَجْوَدَ، كان ذلك حَرامًا. وكذلك إن أقْرَضَه صَغِيرًا، قَصْدًا أن يُعْطِيَه كَبِيرًا؛ لأنَّ الأصْلَ تحْرِيمُ ذلك، وإنَّما أُبِيحَ لمَشَقَّةِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، فإذا قَصَد أو شَرَط، أو أُفْرِدَتِ الزِّيادَةُ، فقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه، فَحَرُمَ بِحُكْمِ الأصْلِ، كما لو فَعَل ذلك في غيرِه.
١٧٦٨ - مسألة: (ولا يَجُوزُ شَرْطُ ما يَجُرُّ نَفْعًا؛ نَحْوَ أن يُسْكِنَه دارَه، أو يَقْضِيَه خَيرًا منه، أو في بَلَدٍ آخرَ. ويَحْتَمِلُ جَوازُ هذا الشَّرْطِ) كلُّ قَرْضٍ شَرَط فيه الزِّيادَةَ فهو حَرامٌ، بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ:
стр. 5883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجْمَعُوا على أنَّ المُسْلِفَ إذا شَرَط على المُسْتَسْلِفِ زِيادَةً أو هَدِيَّةً، فأسْلَفَ على ذلك، أنَّ أخْذَ الزِّيادَةِ على ذلك رِبًا. وقد رُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ مسعودٍ، أنهم نَهَوْا عن قرْضٍ جَرَّ مَنْفعَةً. ولأنَّه عَقْدُ إرْفاقٍ وقُرْبَةٍ، فإذا شَرَط فيه الزِّيادَةَ أخْرَجَه عن مَوْضُوعِه. ولا فرْقَ بينَ الزِّيادَةِ في القَدْرِ أو في الصِّفَةِ، مثلَ أنْ يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً، فيُعْطَيه صِحاحًا، أو نَقْدًا ليُعْطِيَه خَيرًا منه. فإن شَرَط أن يُعْطِيَه إيّاه في بَلَدٍ آخَرَ، لم يَجُزْ إن كان لحَمْلِه مُؤْنَةٌ؛ لأَنه زِيادَةٌ. وإن لم يَكُنْ لحَمْلِه مُؤْنَةٌ، فقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه لا يَجُوزُ أيضًا. ورُويَتْ كَراهَتُه عن الحسنِ البَصْرِيِّ، ومَيمُونِ بنِ أبي شَبِيبٍ (١)، وعَبْدَةَ بنِ أبي لُبابَةَ (٢)، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ؛ لأنَّه قد يَكُونُ في ذلك زِيادَةٌ. وقد نَصَّ أحمدُ على (٣) أنَّ مَن شَرَط أن يَكْتُبَ له بها سُفْتَجَةً (٤)، لم يَجُزْ. ومَعْناهُ: اشْتِراطُ القَضاءِ في بَلَدٍ آخَرَ. ورُوِيَ عنه جَوازُ ذلك. حَكاهُ عنه ابنُ المُنْذِرِ؛ لكَوْنِه مَصْلَحَةً لهما. وحَكاه عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ،
стр. 5884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحسنِ بنِ عليٍّ، وابنِ الزُّبَيرِ، وابنِ سِيرِينَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ الأسْوَدِ، وأيُّوبَ السَّخْتِيانِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، واخْتارَه. وذَكَرَ القاضِي أنَّ للوَصِيِّ قَرْضَ مالِ اليَتِيمِ في بَلَدٍ ليُوَفِّيَه في بَلَدٍ آخَرَ، ليَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ. قال شيخُنا (١): والصَّحِيحُ جَوازُه؛ لأنَّه مَصْلَحَةٌ لهما مِن غيرِ ضَرَرٍ بواحِدٍ منهما، والشَّرْعُ لا يَرِدُ بتَحْرِيمِ المَصالِحِ التي لا مَضَرَّةَ فيها، ولأنَّ هذا ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فوَجَبَ إبْقاؤُه على الإِباحَةِ.
فصل: وإن شَرَط أن يُؤْجِرَه دارَه، أو يَبيعَه شيئًا، أو أن يُقْرِضَه المُقْتَرَضَ مَرَّةً أُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعٍ وسَلَفٍ (٢).
стр. 5885
وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيرِ شَرْطٍ، أَوْ قَضَى خَيرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ
ــ
ولأَنه شَرَط عَقْدًا في عَقْدٍ، فلم يَجُزْ، كما لو باعَه دارَه بشَرْطِ أنْ يَبِيعَه الآخَرُ دارَه. وإن شَرَط أن يُؤْجرَه دارَه بأقَلَّ مِن أُجْرَتِها، أو على أنْ يَسْتَأْجِرَ دارَ المُقْرِضِ بأكْثَرَ مِن أُجْرَتِها، أو على أن يُهْدِيَ له، أو يَعْمَلَ له عَمَلًا، كان أبْلَغَ في التَّحْرِيمِ.
فصل: وإن شَرَط أنْ يُوَفِّيَه أنْقَصَ ممّا أقْرَضَه، لم يَجُزْ، إذا كان ممّا يَجْرِي فيه الرِّبا؛ لإِفْضائِه إلى فَواتِ المُماثَلَةِ فيما تُشْتَرَطُ (١) فيه، وإن كان في غيرِه، فكذلك. وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ القَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ المِثْلِ، وشَرْطُ النُّقْصانِ يُخالِفُ (٢) مُقْتَضاه، فلم يَجُزْ، كشَرْطِ الزِّيادَةِ. ولهم وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّ القَرْضَ جُعِلَ للرِّفْقِ بالمُسْتَقْرِضِ، وشَرْطُ النُّقْصانِ لا يُخْرِجُه عن مَوْضُوعِه، بخِلافِ الزِّيادَةِ.
١٧٦٩ - مسألة: (وإن فَعَل ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، أو قَضَى خَيرًا
стр. 5886
الْوَفَاءِ، جَازَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَرَدَّ خَيرًا مِنْهُ، وَقَال: «خَيرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً».
ــ
منه، أو أهْدَى له هَدِيَّةً بعدَ الوَفاء، جازَ) [إذا أقْرَضَه مُطْلَقًا، فقَضاه أكْثَرَ منه، أو خَيرًا منه في الصِّفَةِ أَو دُونَه برِضاهُما، جاز] (١). وكذلك إن كَتَب له سُفْتَجَةً، أو قَضاه في بَلَدٍ آخَرَ جاز. ورَخَّصَ في ذلك ابنُ عُمَرَ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِي، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومَكْحُولٌ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. وقال أبو الخَطّابِ: إن قَضاه خَيرًا منه، أو زادَه زِيادَةً بعدَ الوَفاءِ مِن غيرِ شَرْطٍ ولا مُواطَأةٍ، فعلى رِوايَتَين. ورُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وابنِ عباسٍ، أنَّه يَأْخُذُ مثلَ قَرْضِه، ولا يَأْخُذُ فَضْلًا؛ لئَلَّا يَكُونَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً. ولَنا أنَّ (النبيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، فرَدَّ خَيرًا منه، وقال: «خَيرُكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً») مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّه لم يَجْعَلْ تلك الزِّيادَةَ عِوَضًا في القَرْضِ، ولا وَسِيلَةً إليه، ولا إلى اسْتِيفاءِ دَينِه، أشْبَهَ ما لو لم يَكُنْ قَرْضٌ.
стр. 5887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال ابنُ أبي مُوسى: إذا زادَه بعد الوَفاءِ، فعادَ المُسْتَقْرِضُ بعدَ ذلك يَلْتَمِسُ منه قَرْضًا ثانيًا، ففَعَلَ، لم يَأْخُذْ منه إلَّا مِثْلَ ما أعْطاه، فإن أخَذَ زِيادَةً، أو أجْوَدَ ممّا أعْطاه، حَرُم، قَوْلًا واحِدًا. وإذا كان الرجلُ مَعْرُوفًا بحُسْنِ القَضاء، لم يُكْرَهْ إقْراضُه. وقال القاضي: فيه وَجْهٌ آخر (١)، أنَّه يُكْرَهُ؛
стр. 5888
وَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ، لَمْ يَجُزْ، إلا أنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَينَهُمَا بِهِ قَبْلَ الْقَرْضِ.
ــ
لأنَّه يَطْمَعُ في حُسْنِ عادَتِه. وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ ، كان مَعْرُوفًا بحُسْنِ القَضاءِ، فهل يَسُوغُ لأحَدٍ أن يقولَ: إنَّ إقْراضَه مَكْرُوهٌ؟ ولأنَّ المَعْرُوفَ بحُسْنِ القَضاءِ خَيرُ النّاسِ وأفْضَلُهم، وهو أوْلَى النّاسِ بقَضاءِ حاجَتِه، وإجابَةِ مَسْألَتِه، وتَفْرِيجِ كُرْبَتِه، فلا يَجُوزُ أن يَكُونَ ذلك مَكْرُوهًا، وإنَّما يُمْنَعُ مِن الزِّيادَةِ المَشْرُوطَةِ. ولو أقْرَضَه مُكَسَّرَةً، فجاءَه مكانَها بصِحاحٍ بغيرِ شَرْطٍ، جاز. وإن جاءَه بصِحَاحٍ أقَلَّ منها، فأخَذَها بجَمِيعِ حَقِّه، لم يَجُزْ؛ لأن ذلك مُعاوَضَةٌ للنَّقْدِ بأقَلَّ منه، فكان رِبًا، وكذلك ما يُشْتَرَطُ فيه المُماثَلَةُ.
١٧٧٠ - مسألة: (وإن فَعَلَه قبلَ الوَفاءِ، لم يَجُزْ، إلَّا أن تَكُونَ
стр. 5889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العادَةُ جارِيَةً بينَهما بذلك قبلَ القَرْضِ) إلَّا أن يُكافِئَه أو يَحْسُبَه مِن دَينِه، [إلَّا أن يَكُونَ شيئًا جَرَتِ العَادَةُ به قبلَ القَرْضِ؛ لأنَّ القَرْضَ ليس سَبَبًا له] (١). وذلك لِما روَى الأثْرَمُ أنَّ رَجلًا كان له على سَمَّاكٍ عِشْرُون دِرْهمًا، فجَعَل يُهْدِي إليه السَّمَكَ ويُقَوِّمُه حتى بَلَغ ثَلاثَةَ عَشَرَ دِرْهمًا، فسَألَ ابنَ عبّاسٍ، فقال: أعْطِه سَبْعَةَ دَراهِمَ (٢). وعن ابنِ سِيرِينَ، أنَّ عُمَرَ أسْلَفَ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ عَشَرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، فأهْدَى إليه أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ مِن ثَمَرَةِ أرْضِه، فرَدَّها عليه، ولم يَقْبَلْه، فأتاه أُبَيٌّ، فقال: لقد عَلِم أهْلُ المَدِينَةِ أنِّي مِن أطْيَبِهم ثَمَرةً، وأنَّه لا حاجَةَ لنَا، فبِمَ مَنَعْتَ هَدِيَّتَنا؟ ثم أهْدَى إليه بعدَ ذلك، فقَبِلَ. وعن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، قال: قُلْتُ لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: إنِّي أُرِيدُ أن أسِيرَ إلى أرضِ الجِهادِ، إلى العِراقِ. فقال: إنَّك تَأْتِي أرضًا فاشٍ بها (٣) الرِّبا، فإن أقْرَضْتَ رجلًا قَرْضًا، فأتاكَ بقَرْضِكَ ليُؤَدِّيَ إليكَ قَرْضَك ومعه هَدِيَّةٌ، فاقْبِضْ قَرْضَك، وارْدُدْ عليه هَدِيَّتَه. رَواهما الأثْرَمُ (٤). وروَى البُخَارِيُّ (٥)، عن أبِي بُرْدَةَ بنِ (٦)
стр. 5890
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبي مُوسى، قال: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فلقِيتُ عبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ. وذَكَرَ حَدِيثًا. وفيه: ثم قال لي: إنَّك بأرْضٍ فيها الرِّبا فاشٍ، فإذا كان لك على رجلٍ دَينٌ (١)، فأهْدَى إليك حِمْلَ تِبْنٍ، أو حِمْلَ شَعِيرٍ، أو حِمْلَ قَتٍّ، فلا تَأْخُذْه، فإنَّه رِبًا. قال ابنُ أبي مُوسى: ولو أقْرَضَه قَرْضًا، ثم اسْتَعْمَلَه عَمَلًا، لم يَكُنْ يَسْتَعْمِلُه مِثْلَه قبلَ القَرْضِ، كان قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً. ولو اسْتَضافَ غَرِيمَه، ولم تَكُنِ العادَةُ جَرَت بذلك بينَهما، حَسَبَ له ما أكَلَه؛ لِما روَى ابنُ ماجه في «سُنَنِه» (٢) عن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَقْرَضَ أحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأهْدَى إلَيهِ أوْ حَمَلَه عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهُ، إلَّا أنْ يَكُونَ جَرَى بَينَهُ وَبَينَهُ قَبْلَ ذَلِكَ». وهذا كلُّه في مُدَّةِ القَرْضِ، فأمّا بعدَ الوَفاءِ، فهو كالزِّيادَةِ مِن غيرِ شَرْطٍ، وقد ذَكَرْناه.
فصل: ولو اقْتَرَضَ نِصْفَ دِينارٍ، فدَفَعَ إليه المُقْتَرِضُ دِينارًا
стр. 5891
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَحِيحًا، وقال: نِصْفُه وَفاءٌ، ونِصْفُه ودِيعةٌ عِنْدَك. أو: سَلَمٌ في شيءٍ. صَحَّ، ولا يَلْزَمُ المُقْرِضَ قَبُولُه؛ لأنَّ عليه في الشَّرِكَةِ ضَرَرًا. ولو اشْتَرَى بالنِّصْفِ الباقِي مِن الدِّينارِ سِلْعَةً، جاز. فإن كان بشَرْطٍ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: أقْضِيك صَحِيحًا، بشَرْطِ أن آخُذَ منك بنِصْفِه الباقِي قَمِيصًا. لم يَجُزْ؛ لأنَّه لم يَدْفَعْ إليه صَحِيحًا، إلَّا ليُعْطِيَه بالنِّصْفِ الباقِي فَضْلَ ما بينَ الصَّحِيحِ والمَكْسُورِ مِن النِّصْفِ المَقْضِيِّ. وإنِ اتَّفَقا على كَسْرِه، كَسَراه. وإنِ اخْتَلَفا، لم يُجْبَرْ أحَدُهما على ذلك؛ لأنَّه يَنْقُصُ قِيمَتَه.
فصل: ولو أفْلَسَ غَرِيمُه، فأقْرَضَه ألْفًا؛ ليُوَفِّيَه كلَّ شَهْرٍ شيئًا مَعْلُومًا، جاز؛ لأنَّه إنَّما انْتَفَعَ باسْتِيفاءِ ما هو مُسْتَحِقٌّ له. ولو كان له عليه حِنْطَةٌ، فأقْرَضَه ما يَشْتَرِي به حِنْطَةً يُوَفِّيه إيّاها، جاز؛ لذلك. ولو
стр. 5892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أرادَ رجلٌ أن يَبْعَثَ إلى عِيالِه نَفَقَةً، فأقْرَضَها رجلًا على أن يَدْفَعَها إلى عِيالِه، فلا بَأْسَ إذا لم يَأْخُذْ عليها شيئًا. وإنْ أقْرَضَ أكّارَه (١) ما يَشْتَرِي به بَقَرًا يَعْمَلُ عليها في أرْضِه، أو بَذْرًا يَبْذُرُه فيها، فإن كان شَرَطَ ذلك في القَرْضِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه شَرَط ما يَنْتَفِعُ به، أشْبَهَ الزِّيادَةَ. وإن لم يَكُنْ شَرْطًا، فقال ابنُ أبي مُوسى: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً. قال: ولو قال: أقْرِضْنِي ألْفًا، وادْفَعْ إلَيَّ أرْضَكَ أزْرَعْها بالثُّلُثِ. كان خَبِيثًا. قال شيخُنا (٢): والأوْلَى جَوازُ ذلك إذا لِم يَكُنْ مَشْرُوطًا؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، والمُسْتَقْرِضُ إنَّما يَقْصِدُ نفْعَ نَفْسِه، وإنَّما يَحْصُلُ انْتِفاعُ المُقْرِضِ ضِمْنًا، فأشْبَهَ أخْذَ السُّفْتَجَةِ به، وإيفاءَه في بَلَدٍ آخَرَ، مِن حيثُ إنَّه مَصْلَحَةٌ لهما جَمِيعًا.
فصل: قال أحمدُ في رجلٍ اقْتَرَضَ دَراهِمَ، وابْتاعَ بها منه شيئًا، فخَرَجَت زُيُوفًا: فالبَيعُ جائِزٌ، ولا يَرْجِعُ عليه بشيءٍ. يَعْنِي لا يَرْجِعُ البائِعُ على المُشْتَرِي ببَدَلِ الثَّمَنِ؛ لأنَّها دَراهِمُه (٣)، فعَيبُها عليه، وإنَّما له على المُشْتَرِي بَدَلُ ما أقْرَضَه إيّاه بصِفَتِه زُيُوفًا. وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ فيما إذا
стр. 5893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
باعَه السِّلْعَةَ بها، وهو يَعْلَمُ عَيبَها (١)، فأمّا إن باعَه في ذِمَّتِه بدَراهِمَ، ثم قَبَض هذه بَدَلًا عنها غيرَ عالِمٍ بها، فيَنْبَغِي أن يَجِبَ له دَراهِمُ خالِيَةٌ مِن العَيبِ، ويَرُدُّ هذه عليه، وللمُشْتَرِي رَدُّها على البائِعِ وَفاءً عن القَرْضِ، ويَبْقَى الثَّمَنُ في ذِمَّتِه. وإن حَسَبَها على البائِعِ وَفاءً عن القَرْضِ، ووَفّاه الثَّمَنَ جَيِّدًا، جاز. قال: ولو أقْرَضَ رجلًا دَراهِمَ، وقال: إذا مِتُّ فأنت في حِلٍّ. كانت وَصِيَّةً. وإن قال: إنْ مِتَّ فأنت في حِلٍّ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ هذا إبْراءٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، ولا يَصِحُّ ذلك. والأوَّلُ وَصِيَّةٌ؛ لأنَّه عَلَّقَه على مَوْتِ نَفْسِه، وذلك جائِزٌ. قال: ولو أقْرَضَه تِسْعِين دِينارًا وَزْنًا، بمائَةٍ عَدَدًا وزْنُها تِسْعُون، وكانت لا تَنْفَقُ في مكانٍ إلَّا بالوَزْنِ، جاز، وإن كانت تَنْفَقُ برُءُوسِها، فلا. وذلك لأنَّها إذا كانت تَنْفَقُ في مكانٍ برُءُوسِها، كان ذلك زِيادَةً؛ لأنَّ تِسْعِينَ مِن المائَةِ تَقُومُ مَقامَ التِّسْعِين التي أقْرَضَه إيّاها، وَيَسْتَفْضِلُ عَشَرَةً، ولا يَجوزُ اشْتِراطُ الزِّيادَةِ، وإذا كانت لا تَنْفَقُ إلَّا بالوَزْنِ، فلا زِيادَةَ فيها وإنِ اخْتَلَفَ عَدَدُها. قال: ولو قال: اقْتَرِضْ لي مِن فُلانٍ مائَةً، ولك عَشَرَةٌ. فلا بَأْسَ، ولو قال: اكْفُلْ عَنِّي، ولك ألْفٌ. لم يَجُزْ؛ وذلك لأنَّ قَوْلَه: اقْتَرِضْ لي ولك عَشَرَةٌ. جَعالةٌ على فِعْلٍ مُباحٍ، فجازَت، كما لو قال: ابْنِ لي هذا الحائِطَ، ولك عَشَرَةٌ. وأمّا الكَفالةُ؛ فلأنّ الكَفِيلَ يَلْزَمُه أداءُ الدَّينِ، فإذا أدّاه وَجَب له على المَكْفُولِ عنه، فصارَ كالقَرْضِ، فإذا أخَذَ عِوَضًا، صار قَرْضًا
стр. 5894
وَإِذَا أَقْرَضَهُ أَثْمَانًا، فَطَالبَهُ بِهَا بِبَلَدٍ آخَرَ، لَزمَتْهُ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ غَيرَهَا، لَمْ تَلْزَمْهُ. فَإِنْ طَالبَهُ بِالْقِيمَةِ، لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا.
ــ
جَرَّ مَنْفَعَةً، فلم يَجُزْ.
١٧٧١ - مسألة: (وإذا أقْرَضَه أثْمانًا، فطالبَه بها ببَلَدٍ آخَرَ، لَزِمَتْه. وإن أقْرَضَه غيرَها) فطالبَه بها (لم تَلْزَمْه. فإن طالبَه بالقِيمَةِ، لَزِمَه أداؤُها) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا أقْرَضَه ما لحَمْلِه مُؤْنَةٌ، فطالبَه بمِثْلِه بِبَلَدٍ آخَرَ، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه لا يَلْزمُه حَمْلُه إلى ذلك البَلَدِ. فإن تَبَرَّعَ المُقْتَرِضُ بدَفْعِ المِثْلِ، وأبَى المُقْرِضُ قَبُولَه، فله ذلك؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في قَبْضِه؛ لأنَّه رُبَّما احْتاجَ إلى حَمْلِه إلى المكانِ الذي أقْرَضَه فيه، وله المُطالبَةُ بقِيمَةِ ذلك في البَلَدِ الذي أقْرَضَه فيه؛ لأنَّه المكانُ الذي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فيه. ولو أقْرَضَه أثْمانًا، أو ما لا مُؤْنَةَ لحَمْلِه، وطالبَه بها، وهما ببَلَدٍ آخَرَ، لَزِمَه دَفْعُه؛ لأنَّ تَسْلِيمَه إليه في هذا البَلَدِ وغيرِه واحِدٌ.
стр. 5895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولو أقْرَضَ ذِمِّيٌّ ذمِّيًّا خَمْرًا، ثم أسْلَما أو أحَدُهما، بَطَل القَرْضُ، ولم يَجِبْ على المُقْتَرَضِ شيءٌ، سواءٌ كان هو المُقْتَرِضَ أو المُقْرِضَ؛ لأنَّه إذا أسْلَمَ لم يَجُزْ أنْ يَجِبَ عليه خمْرٌ؛ لعَدَمِ مالِيَّتِها، ولا
стр. 5896
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَجِبُ بَدَلُها؛ لأنَّه لا قِيمَةَ لها، ولذلك (١) لا يَضْمَنُها إذا أتْلَفَها. وإن كان المُقْرِضَ، لم يَجِبْ له شيءٌ؛ لِما ذَكَرْنا. والله أَعْلَمُ.
стр. 5897
بَابُ الرَّهْنِ
ــ
بابُ الرَّهْنِ
الرَّهْنُ في اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ والدَّوَامُ. يُقالُ: ماءٌ راهِنٌ. أي راكِدٌ. ونِعْمَةٌ راهِنَةٌ. أي دائِمَةٌ. وقِيلَ: هو الحبْسُ. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١). وقال الشاعرُ: (٢)
وفارَقَتْكَ برَهْنٍ لا فَكاكَ له ... يَوْمَ الوَداعِ فأضْحَى الرَّهْنُ قد غَلِقَا
شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِه لها واحْتباسَه عندَها لوَجْدِه بِها، بالرَّهْنِ الذي يَلْزَمُه المُرْتَهِنُ فيَحْبِسُه عِنْدَه ولا يُفارِقُه. وغَلَقُ الرَّهْنِ؛ اسْتِحْقاقُ المُرْتَهِنِ إيّاه لعَجْزِ الرّاهِنِ عن فَكاكِه.
стр. 5898
وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ،
ــ
١٧٧٢ - مسألة: (وهو وَثِيقَةٌ بالحَقِّ) الرَّهْنُ في الشَّرْعِ؛ المالُ الذي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بالدَّين؛ ليُسْتَوْفَى مِن ثَمَنِه إن تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤُه مِن ذِمَّةِ الغَرِيمِ. وهو جائِزٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ. قال اللهُ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١). ورَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ اشْتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا، ورَهَنَه دِرْعَه. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وعن أبي هُرَيرَةَ، ﵁، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» (٣). وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جَوازِ الرَّهْنِ في الجُمْلَةِ.
فصل: ويَجُوزُ الرَّهْنُ في الحَضَر كجَوَازِه في السَّفَرِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَ في ذلك، إلَّا مُجاهِدًا، قال: ليس الرَّهْنُ إلَّا في السَّفَرِ؛ [لأنَّ اللهَ تعالى شَرَط السَّفَرَ (٤) في الرَّهْنِ بقَوْلِه] (٥) تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ اشْتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا ورَهَنَه دِرْعَه، وكانا بالمَدِينَةِ. ولأنَّها وَثِيقَةٌ تَجُوزُ في السَّفَرِ، فجازَت في الحَضَرِ، كالضَّمانِ. فأمّا ذِكْرُ السَّفَرِ،
стр. 5899
لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ وَبَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ، إلا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ.
ــ
فإنَّه خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لكَوْنِ الكاتِبِ يُعْدَمُ في السَّفَرِ غالِبًا؛ ولهذا لم يَشْتَرِط عَدَمَ الكاتِبِ، وهو مَذْكُورٌ في الآيَةِ.
فصل: وهو غيرُ واجِبٍ. لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ بالدَّينِ، فلم يَجِبْ، كالضَّمانِ والكِتابَةِ. وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. إرْشادٌ لنا لا إيجابٌ عَلَينا، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. ولأنَّه أمَرَ به عندَ إعْوازِ الكِتابَةِ، وهي غيرُ واجِبَةٍ، فكذلك بَدَلُها.
١٧٧٣ - مسألة: وهو (لازِمٌ في حَقِّ الرّاهِنِ، جائِزٌ في حَقِّ المُرْتَهِنِ) لأنَّ العَقْدَ لحَقِّه وَحْدَه، فكان له فَسْخُه، كالمَضْمُونِ له. وهو لازِمٌ من جِهَةِ الرّاهِنِ؛ لأنَّ الحَظَّ لغَيرِه، فلَزِمَ مِن جِهَتِه، كالضَّمانِ في حَقِّ الضّامِنِ.
١٧٧٤ - مسألة: (يَجُوزُ عَقْدُه مع الحَقِّ وبعدَه، ولا يَجُوزُ قبلَه، إلَّا عندَ أبي الخَطّابِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الرَّهْنَ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ ثَلاثَةٍ؛
стр. 5900
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدُها، أن يقَعَ مع الحَقِّ، فيَقُولُ: بِعْتُكَ هذا بعَشَرَةٍ إلى شَهْرٍ، تَرْهَنُنِي بها كذا. فيَقُولُ: قَبلْتُ. فيَصِحُّ ذلك. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأَنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ثُبُوتِه، فإنَّه لو لم يَعْقِدْه مع ثُبُوتِ الحَقِّ، ويَشْتَرِطْه فيه، لم يَتَمَكَّنْ مِن إلْزامِ المُشْتَرِي عَقْدَه، وكانتِ الخِيَرَةُ إلى المُشْتَرِي، والظاهِرُ أنَّه لا يَبْذُلُه، فتَفُوتُ الوَثِيقَةُ بالحَقِّ. الحالُ الثّانِي، أن يَقَعَ بعدَ الحَقِّ، فيَصِحُّ بالإِجْماعِ؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ تَدْعُو الحاجَةُ إلى الوَثِيقَةِ به، فجازَ أخْذُها به، كالضَّمانِ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. جَعَلَه بَدَلًا عن الكِتَابَةِ، فيَكُونُ في مَحَلِّهِا، ومَحَلُّها بعدَ وُجُوبِ الحَقِّ، ولأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ على ذلك، وهو قَوْلُه تَعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١). فجَعَله مَذْكُورًا بعدَها بفاءِ التَّعْقِيبِ. الحالُ الثالِثُ، أن يَرْهَنَه قبلَ الحَقِّ، فيَقُولُ رَهَنْتُك عَبْدِي هذا بعَشَرَةٍ تُقْرِضُنِيها. فلا يَصِحُّ في ظاهِرِ المَذْهَبِ. اختارَه أبو بكرٍ، والقاضِي. وذَكَر القاضِي، أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في روايةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. واخْتارَ أبو الخَطّاب أنَّه يَصِحُّ. فإذا قال: رَهَنْتُك ثَوْبِي هذا بعَشَرَةٍ تُقرِضُنِيها غَدًا.
стр. 5901
وَيَصِحُّ رَهْنُ كُلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُهَا،
ــ
وَسلَّمَه إليه، ثم أقْرَضَه الدَّراهِمَ، [لزِمَه الرَّهْنُ] (١). وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، ومالكٍ؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ بالحَقِّ، فجازَ عَقْدُها قبلَ وُجُوبِه، كالضَّمانِ، أو فجازَ انْعِقادُها على شيءٍ يَحْدُثُ في المُسْتَقْبَلِ، كضَمانِ الدَّرْكِ. ولَنا، أنَّه وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ لا يَلْزَمُ قَبْلَه، فلم يَصِحَّ قَبْلَه، كالشَّهادَةِ، ولأنَّ الرَّهْنَ (٢) تابعٌ للحَقِّ، فلا يَسْبِقُه، كالشَّهادَةِ، وأمّا الضَّمانُ، فيَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ صِحَّتُه، وإنْ سَلَّمْناه، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ الضَّمانَ الْتِزامُ مالٍ تَبَرُّعًا بالقَوْلِ، فجازَ مِن غيرِ حَقٍّ ثابِتٍ، كالنَّذْرِ.
١٧٧٥ - مسألة: (ويَصِحُّ في كلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُها) لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الاسْتِيثاقُ بالدَّينِ؛ لِيُتَوَصَّلَ إلى اسْتيفائِه مِن ثَمَنِ الرَّهْنِ إن تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُه مِن ذِمَّةِ الرّاهِنِ، وهذا يَتَحَقَّقُ في كلِّ ما يَجُوزُ بَيعُه، ولأنَّ (٣) ما كان مَحَلًّا للبَيعِ كان مَحَلًّا لحِكْمَةِ الرَّهْنِ، ومَحَلُّ الشيءِ مَحَلُّ
стр. 5902
إلا الْمُكَاتَبَ، إِذَا قُلْنَا: اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ. لَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ.
ــ
حِكْمَتِه إلَّا أن يَمْنَعَ مِن ثُبُوتِه مانِعٌ، أو يَفُوتَ بشَرْطٍ، فيَنْتَفِيَ (١) الْحُكْمُ بِهِ.
١٧٧٦ - مسألة: (إلَّا المُكاتَبَ، إذا قُلْنا: اسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ. لم يَجُزْ رَهْنُه) إذا قُلْنا: لا يَجُوزُ بَيعُ المُكاتَبِ. لم يَجُزْ رَهْنُه؛ لعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِ الرَّهْنِ به. وإن قُلْنا: يَجُوزُ بَيعُه. وقُلْنا: اسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ في الرَّهْنِ. لم يَصِحَّ. والصَّحِيحُ أنَّ اسْتِدامَةَ القَبْضِ شَرْطٌ، فلا يَصِحُّ رَهْنُه. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ القَبْضِ غيرُ مُمْكِنَةٍ في حَقِّ المُكاتَبِ؛ لمُنافاتِها مُقْتَضَى الكِتابَةِ. وقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِه. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لأنَّه يَجُوزُ بَيعُه وإيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه. فعلى هذا، يَكُونُ ما يُؤَدِّيه من نُجُومِ الكِتابَةِ رَهْنًا معه، وإن عَجَز، ثَبَت الرَّهْنُ فيه وفي اكْتِسابِه، وإن عَتَق كان ما أدّاهُ مِن نُجُومِه بعدَ عَقْدِ الرَّهْنِ رَهْنًا، لمَنْزِلَةِ ما لوْ كَسَب العَبْدُ، ثم ماتَ.
فصل: فأمّا المُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ، فإن كانت تُوجَدُ قبلَ حُلُولِ الدَّينِ، لم يَصِحَّ رَهْنُه؛ لكَوْنِه لا يُمْكِنُ بَيعُه عندَ حُلُولِ الحَقِّ، ولا اسْتِيفَاءُ الدَّينِ
стр. 5903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن ثَمَنِه. وإن كان الدَّينُ يَحِلُّ قَبْلَها، صَحَّ رَهْنُه؛ لإِمْكانِ بَيعِه واسْتِيفاءِ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، وإن كانت تَحْتَمِلُ الأمْرَينِ، كقُدوم زَيدٍ، فقِياسُ المَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِه؛ لأنَّه في الحالِ مَحَلٌّ للرَّهْنِ، ويُمْكِنُ أنْ يَبْقَى حتى يَسْتَوْفِيَ الدَّينَ مِن ثَمَنِه، فأشْبَهَ المَرِيضَ والمُدَبَّرَ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ فيه غَرَرًا، إذْ يَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ. ولأصْحابِ الشافعيِّ اخْتِلافٌ، كنحو هذا.
فصل: ويَجُوزُ رَهْنُ الجارِيَةِ دُونَ وَلَدِها، وَوَلَدِها دُونَها وإن كان صَغِيرًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ لا يُزِيلُ المِلْكَ، فلا يَحْصُلُ بذلك تَفْرِقَةٌ، ولأنَّه يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الوَلَدِ مع أُمِّهِ، والأُمِّ مع وَلَدِها، فإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيعِ أحَدِهما بِيعَ معه الآخَرُ؛ لأنَّ الجَمْعَ في العَقْدِ مُمكِنٌ، والتَّفْرِيقَ حَرامٌ. فإذا بِيعَا مَعًا، تعَلَّقَ حَقُّ المُرْتَهِنِ مِن ذلك بقَدْرِ قِيمَةِ الرَّهْنِ مِن الثَّمنِ، فإذا كانتِ الجارِيَةُ رَهْنًا، وكانت قِيمَتُها مائَةً، مع أنَّها ذاتُ وَلَدٍ، وقِيمَةُ الوَلَدِ خَمْسُون، فحِصَّتُها ثُلُثا الثَّمَنِ. فإن لم يَعْلَمِ المُرْتَهِنُ بالوَلَدِ، ثم عَلِمَ،
стр. 5904
وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيهِ الْفَسَادُ بِدَينٍ مُؤَجَّلٍ، وَيُبَاعُ، وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا.
ــ
فله الخِيارُ في الرَّدِّ والإِمْساكِ؛ لأنَّ الوَلَدَ عَيبٌ فيها؛ لكَوْنِه لا يمكِنُ بَيعُها بدُونِه، فإن أمْسَكَ فلا شيءَ له غيرُها، وإن رَدَّها فله فَسْخُ البَيعِ، إن كانت مَشْرُوطَةً فيه.
١٧٧٧ - مسألة: (ويَجُوزُ رَهْنُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسادُ بدَينٍ مُؤَجَّلٍ، ويُباعُ ويُجْعَلُ ثَمَنُه رَهْنًا) يَجُوزُ رَهْنُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسادُ بدَينٍ حالٍّ ومُؤَجَّلٍ؛ لأنَّه يُمْكِنُ إيفاءُ الدَّين. مِن ثَمَنِه، أشبَهَ الثَّوْبَ، سواءٌ كان مِمّا يُمْكِنُ تَجْفِيفُه، كالعِنَبِ، أو لا يُمْكِنُ، كالبِطِّيخِ، فإنْ كان مِمّا يُجَفَّفُ، فعلى الرّاهِنِ تَجْفِيفُه؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ حِفْظِه وتبْقِيَتِه، فأشْبَهَ نَفَقَةَ الحَيَوانِ. وإن كان مِمّا لا يُجَفَّفُ، فإنَّه يُباعُ ويَقْضِي الدَّينَ مِن ثَمَنِه إن كان حالًّا، أو يَحِلُّ قبلَ فسادِه، وإن لم يَحِلَّ قبلَ فَسادِه، فشَرَطا بَيعَه وجَعْلَ ثَمَنِه رَهْنًا، فَعَلا ذلك. وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فذَكَرَ القاضِي فيه وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ بَيعَ الرَّهْنِ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ لا يَقْتَضِيه عَقْدُ الرَّهْنِ، فلم يَجِبْ، كما لو شَرَط أنْ لا يَبِيعَه. والثّاني، يَصِحُّ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ العُرْفَ يَقْتَضِي ذلك؛ لكَوْنِ المالِكِ لا يُعَرِّضُ مِلْكَه للتَّلَفِ
стр. 5905
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ،
ــ
والهَلاكِ، فإذا تَعَيَّنَ حِفْظُه في بَيعِه، حُمِلَ عليه مُطْلَقُ العَقْدِ، كالتَّجْفِيفِ في العِنَبِ، والإِنْفاقِ على الحَيَوانِ. وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين. فأمّا إن شَرَطا أن لا يُباعَ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه شَرَط ما يَتَضَمَّنُ فَسادَه، وفَواتَ المَقْصُودِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَط عدمَ النَّفَقَةِ على الحَيَوانِ. إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه إن شَرَط للمُرْتَهِنِ بَيعَه، أو أذِنَ له فيه بعدَ العَقْدِ، أو اتَّفَقا على أنَّ الرّاهِنَ يَبِيعُه أو غيرَه، باعَه، وإلَّا باعَه الحاكِمُ، وجَعَل ثَمَنَه رَهْنًا، ولا يَقْضِي الدَّينَ مِن ثَمَنِه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له تَعْجيلُ وفاءِ الدَّينِ قبلَ حِلِّه. وكذلك الحُكْمُ إن رَهَنَه ثِيابًا فخافَ تَلَفَها، أَو حَيَوانًا فخافَ مَوْتَه، لِما ذَكَرنا.
١٧٧٨ - مسألة: (ويَجُوزُ رَهْنُ المُشَاعِ) وبه قال ابنُ أبي لَيلَى، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والعَنْبَرِيُّ (١)، والشَّافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يَصِحُّ، إلَّا أن يَرْهَنَه لشَرِيكِه، أو يَرْهَنَها
стр. 5906
ثُمَّ إِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ فِي يَدِ أحَدِهِمَا أوْ غَيرِهِمَا، جَازَ، وَإنِ اخْتَلَفَا، جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ أمِين، أمانَةً، أوْ بِأُجْرَةٍ.
ــ
الشَّرِيكانِ لرجلٍ واحِدٍ، أو يَرْهَنَ رجلٌ دارَه مِن رَجُلَين، فيَقْبِضانِها معًا؛ لأنَّه عَقْدٌ تَخَلَّفَ عنه مَقْصُودُه لمَعْنًى اتَّصَلَ به، فلم يَصِحَّ، كما لو تَزَوَّجَ أخْتَهُ مِن الرَّضاعِ. بَيانُه، أنَّ مَقْصُودَه الحَبْسُ الدّائِمُ، والمُشاعُ لا يُمْكِنُ المُرْتَهِنُ حَبْسَه؛ لأنَّ شَرِيكَه يَنْتَزِعُه في نَوْبَتِه، ولأنَّ اسْتِدامَةَ القَبضِ شَرْطٌ، وهذا يَسْتَحِقُّ زَوال العَقْدِ عنه لمَعْنًى قارَنَ (١) العَقْدَ، فلم يَصِحَّ رَهْنُه، كالمَغْصُوبِ. ولَنا، أنَّ المُشاعَ يَصِحُّ بَيعُه في محلِّ الحَقِّ، فصَحَّ رَهْنُه، كالمُفْرَزِ (٢). قَوْلُهم: مَقْصُودُه الحَبْسُ. مَمْنُوعٌ، إنَّما المَقْصُودُ اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه عندَ تَعَذُّرِه مِن غَيرِه، والمُشاعُ قابِلٌ لذلك، ثم يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه برَهْنِ القاتِلِ والمُرْتَدِّ والمَغْصُوبِ، ورَهْنِ مِلكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فإنَّه يَصِحُّ عندَهم. إذا ثَبَت ذلك (فرَضِيَ الشَّرِيكُ والمُرْتَهِنُ بكَوْنِه في يَدِ أحَدِهما أو غيرِهما، جاز) لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما (فإنِ اخْتَلَفا، جَعَلَه الحاكِمُ في يَدِ أمين، أمانَةً، أو بأجْرَةٍ) لأنَّ المالِكَ لا يَلْزَمُه تَسْلِيمُ ما لم يَرْهَنْه، والمُرْتَهِنُ لا يَلْزَمُه تَرْكُ الرَّهْنِ عندَ
стр. 5907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المالكِ، فقامَ الحاكِمُ مَقامَهما في حِفْظِه لهما.
فصل: ويَصِحُّ أن يَرْهَنَ بعضَ نَصِيبِه مِن المُشاعِ، كما يَصِحُّ رَهْنُ جَمِيعِه، سواء رَهَنَه مُشاعًا في نَصِيبِه، مثلَ أن يَرْهَنَ نِصْف (١) نَصِيبِه، أو رَهَن نَصِيبَه من مُعَيَّن، مثلَ أن يكونَ له نِصْفَ دارٍ، فيَرْهَنَ نَصِيبَه [مِن بَيتٍ] (٢) منها بعَينِه. وقال القاضِي: يَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ رَهْنُ حِصَّتِه مِن مُعَيَّن مِن شيءٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُه؛ لاحْتِمالِ أن يَقْتَسِمَ الشرِيكانِ فيَحْصُلُ الرَّهْنُ في حِصَّةِ شَرِيكِه. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ بَيعُه، فصَحَّ رَهْنُه، كغيرِه، وما ذَكَرَه (٣) لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الرّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِن التَّصَرُّفِ في الرَّهْنِ بما يَضُرُّ بالمُرْتَهِنِ، فيُمْنَعُ مِن (٤) القِسْمَةِ المُضِرَّةِ، كما يُمْنَعُ من بَيعِه.
стр. 5908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَصِحُّ رَهْنُ المُرتَدِّ، والقاتِلِ في المُحارَبَةِ، والجاني، سواءٌ كانت جِنايَتُه عَمْدًا أو خَطَأً، على النَّفْسِ وما دُونَها. وقال القاضِي: لا يَصِحُّ رَهْنُ القاتِلِ في المُحارَبَةِ. واخْتارَ أبو بكر أنَّه لا يَصِحُّ رَهْنُ الجانِي. والاخْتِلافُ في ذلك مَبْنِيٌّ على الاخْتِلافِ في صِحَّةِ بَيعِه، وقد سَبَق. فإن كان المُرْتَهِنُ عالِمًا بالحالِ، فلا خِيارَ له؛ لأنَّه دَخَل على بَصِيرَةٍ، أشْبَهَ المُشْتَرِيَ إذا عَلِم العَيبَ. وإن لم يَكُنْ عالِمًا، ثم عَلِم بعدَ إسْلامِ المُرْتَدِّ، وفِداءِ الجانِي، فكذلك؛ لأنَّ العَيبَ زال، فهو كزَوالِ عَيبِ المَبِيعِ. وإن عَلِم قبلَ ذلك، فله رَدُّه وفَسْخ البَيعِ إن كان مَشْرُوطًا في العقْدِ؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضاه سَلِيمًا، فإذا ظَهَرَ مَعِيبًا، مَلَك الفَسْخَ، كالبَيعِ. وإنِ اخْتَارَ إمْساكَه فلا أَرش له؛ لأنَّ الرَّهْنَ بجُمْلتِه (١) لو تَلِفَ قبلَ قَبْضِه لم يَمْلِكْ بَدَلَه، فبَعْضُه أوْلَى. وكذلك لو لم يَعْلَمْ حتَّى قُتِلَ العَبْدُ بالرِّدَّةِ أو القِصاصِ، أو أُخِذَ في الجِنايَةِ، فلا أرش للمُرْتَهِنِ. وذكَر القاضِي أنَّ قِياسَ المَذْهَبِ أنَّ له الأرْشَ في هذه المَواضِعِ، قِياسًا على البَيعِ. وليس الأمْرُ كذلك، فإن المَبِيعَ عِوَضٌ عن الثَّمَنِ، فإذا فات بَعْضُه، رَجَع بما يُقابِلُه مِن الثَّمَنِ، ولو فات كلُّه، كتَلَفِ المَبِيعِ قبلَ قَبضِه، رَجَعَ بالثَّمَنِ كلِّه، والرَّهْنُ ليس بعِوَض، ولو تَلِف كلُّه قبلَ
стр. 5909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القَبْضِ، لَما اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بشيءٍ، فكيف يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ ببَدَلِ عَيبِه، أو فَوَاتِ بَعْضِه؟! وإنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِن فِدَاءِ الجاني، لم يُجْبَرْ، ويُباعُ في الجِنايَةِ؛ لأنَّ حَقَّ المَجْنِيِّ عليه مُقَدَّمٌ على الرَّهْنِ، كما لو (١) حَدَثَتِ الجنايَةُ بعدَ الرَّهْنِ. فعلى هذا، إنِ اسْتَغْرَقَ الأرْشُ قِيمَتَه، بِيعَ وبَطَل الرَّهْنُ، وإن لم يَسْتَغْرِقْها، بِيعَ منه بقَدْرِ الأرْشِ، والباقِي رَهْنٌ.
فصل: ويَصِحُّ رَهْنُ المُدَبَّرِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، بناءً على جَوازِ بَيعِه. وَمَنَع منه أبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لأنَّه مُعَلَّقٌ عِتْقُه بصِفَةٍ، أشْبَه ما لو كانت تُوجَدُ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يُقْصَدُ منه اسْتِيفاءُ الحَقِّ مِن العَينِ، أشْبَه الإِجارَةَ. ولأنَّه عَلَّقَ عِتْقَه بصِفَةٍ لا تَمْنَعُ اسْتِيفاءَ الحَقِّ، أشْبَه ما لو عَلَّقَه بصِفَةٍ لا تُوجَدُ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ. وما ذَكَرُوه يَنْتَقِض بهذا الأصْلِ. ويُفَارِقُ التَّدْبِيرُ التَّعْلِيقَ بصِفَةٍ تُوجَدُ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ؛ لأنَّ الرَّهْنَ لا يَمْنَعُ عِتْقَهُ بالصِّفَةِ، فإذا عَتَق تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ الدَّينِ منه، فلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ، والدَّينُ في المُدَبَّرِ يَمْنَعُ عِتْقَه بالتَّدْبِيرِ، ويُقَدَّمُ عليه، فلا يَمْنَعُ حُصُولَ المَقْصُودِ. والحُكْمُ فيما إذا عَلِم وُجُودَ التَّدْبِيرِ أو (٢) لم يَعْلَمْ، كالحُكْمِ في العَبْدِ الجانِي، على ما فُصِّلَ فيه.
стр. 5910
وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمَبِيعِ غَيرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِه، إلا عَلَى ثَمَنِهِ، فِي أَحَدِ الوَجْهَينِ.
ــ
ومتى مات السَّيِّدُ قبلَ الوَفاءِ فعَتَقَ المُدَبَّرُ، بَطَل الرَّهْنُ، وإن عَتَق بَعْضُه، بَقِيَ الرَّهْنُ فيما بَقِيَ، وإن لم يَكُنْ للسَّيِّدِ ماءٌ يَفْضُلُ عن وَفاءِ الدَّينِ، بِيعَ المُدَبَّرُ في الدَّينِ، وبَطَل التَّدْبِيرُ، ولا يَبْطُلُ الرَّهْنُ به. وإن كان الدَّينُ لا يسْتَغْرِقُه، بِيعَ منه بقَدْرِ الدَّينِ، وعَتَق ثُلُثُ الباقِي، وباقِيه للوَرَثَةِ.
١٧٧٩ - مسألة: (ويَجُوزُ رَهْنُ المَبِيعِ غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ قبلَ قَبْضِه إلَّا على ثَمَنِه، في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه يَجُوزُ (١) بَيعُه [قبلَ قَبْضِه] (٢)، فصَحَّ رَهْنُه، كما بعدَ القَبْضِ. فأمّا رَهْنُه على ثَمَنِه قبلَ قبْضِه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ؛ أحدُها، أنَّ البَيعَ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ المَبِيعِ أوَّلًا، والرَّهْنُ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الثَّمَنِ أوَّلًا. والثّانِي، أنَّ البَيعَ يَقْتَضِي إيفاءَ الثَّمَنِ مِن غيرِ المَبِيعِ، والرَّهْنُ يَقْتَضِي إيفاءَ الثَّمَنِ منه.
стр. 5911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثّالثُ، أنَّ البَيعَ يَقْتَضِي إمْسَاكَ المَبِيعِ مَضْمُونًا، والرَّهْنُ يَقْتَضِي عَدَمَ الضَّمانِ، وهذا يُوجِبُ تناقُضَ الأحْكامِ، وإنَّما تَتَحَقَّقُ هذه المَعانِي إذا شَرَط رَهْنَه قبلَ قَبْضِه، فإن شَرَط أنَّه يَقْبِضُه ثم يُسَلِّمُه رَهنًا، فإنَّه يَتَحَقَّقُ فيه بَعْضُ هذه المَعانِي. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا حَبَسَ المَبِيعَ (١) ببَقِيَّةِ الثَّمَنِ، فهو غاصِبٌ، ولا يكونُ رَهْنًا، إلَّا أن يَكُونَ شَرَط عليه في نَفسِ البَيعِ. قال القاضي: مَعْناه شَرَط عليه رَهْنًا غيرَ
وَمَا لَا يَجُوزُ بَيعُهُ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، إلا الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ
ــ
فيُمْكِنُ المُشْتَرِيَ أن يَقْبِضَه، ثم يُقْبِضَه. وإنَّما لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأنَّه يُفْضِي إلى رِبْحِ ما لم يَضْمَنْ، وهو مَنْهِيٌّ عنه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ رَهْنُه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه برِبْحٍ ولا برَأسِ المالِ، ولا يَصِحُّ هِبَتُه، فكذلك رَهْنُه.
١٧٨٠ - مسألة: (وما لا يَجُوزُ بَيعُه لا يَجُوزُ رَهْنُه، إلَّا الثَّمَرَةَ
стр. 5914
غَيرِ شَرْطِ الْقَطْعِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها مِن غيرِ شَرْطِ القَطْعِ، في أحَدِ الوَجْهَين) لا يَصِحُّ رَهْنُ ما لا يَجُوزُ بَيعُه؛ كأمِّ الوَلَدِ، والوَقف، والعَينِ المَرْهُونَةِ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ استيفاءُ الدَّين مِن ثَمَنِه، وما لا يَجُوزُ بَيعُه، لا يُمْكِنُ ذلك فيه. ولو رَهَن العَينَ المَرْهُونةَ عندَ المُرْتَّهِنِ، لم يَجُزْ، فلو قال الرّاهِنُ للمُرْتَهِنِ: زِدْنِي مالًا يَكُونُ الذي عندَك به رَهْنًا، وبالدَّينِ الأوَّلِ. لم يَجُزْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وقال مالكٌ، وأبو يُوسُفَ، والمُزَنِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يَجُوزُ ذلك؛ لأنَّه لو زادَه رَهْنًا، جاز، فكذلك إذا زادَ في دَينِ الرَّهْنِ، ولأنه لو فَدَى المُرْتَهِنُ العَبْدَ الجانِيَ بإذْنِ الرّاهِنِ ليَكُون رَهْنًا بالمالِ الأوَّلِ و [بما فَداه] (١) به، جاز، فكذلك ها هنا، ولأنَّها وَثِيقَةٌ مَحْضَةٌ، فجازَتِ الزِّيادَةُ فيها، كالضَّمانِ. ولَنا، أنَّها عَينٌ مَرْهُونَةٌ، فلم يَجُزْ رَهْنُها بدَين آخَرَ، كما لو رَهَنَها عندَ غيرِ المُرْتَّهِنِ. فأمّا الزِّيادَةُ في الرَّهْنِ، فتَجُوزُ؛ لأنَّها زِيادَةُ اسْتِيثاقٍ، بخِلافِ مَسْألتِنا. وأمّا العَبْدُ الجانِي، فلَنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ (٢)، فإنَّما يَصِحُّ (٣) فِداؤه، ليَكُونَ رَهْنًا بالفِداءِ والمالِ الأوَّلِ؛ لكَوْنِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيه، فإن الثَّمَرَةَ متى تَلِفَتْ، عاد إلى حَقِّه في ذِمَّةِ الرّاهِنِ، ولأنَّه يَجُوزُ بَيعُه، فجاز رَهْنُه، ومتى حَلَّ الحَقُّ بِيعَ، وإنِ اخْتارَ المُرْتَهِنُ تَأخِيرَ بَيعِه، فله ذلك. والثّانِي، لا يصِحُّ. وهو مَنْصُوصٌ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بَيعُه، فلا يَصِحُّ رَهْنُه، كسائِرِ ما لا يَجُوزُ بَيعُه.
فصل: وإن رَهَن ثَمَرَةً إلى مَحِلِّ تَحْدُثُ فيه أخْرَى لا تَتَمَيَّزُ، فالرَّهْنُ باطِل؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حينَ حُلُولِ الحَقِّ، فلا يُمْكِنُ إِمْضاءُ الرَّهْنِ على مُقْتَضَاه. وإن رَهَنَها بدَين حالِّ أو شَرَط قَطْعَها عندَ خوْفِ اخْتِلاطِها، جاز؛ لأنَّه لا غَرَر فيه. فإن لم يَقْطَعْها حتَّى اخْتَلَطَتْ، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لأنَّه وَقَع صَحِيحًا. لكنْ إن سَمَح الرّاهِنُ ببَيعِ الجَمِيعِ، أو اتَّفَقا على قَدْرٍ منه، جاز. وإنِ اخْتَلَفا وتَشاحَّا، فالقولُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمِينه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ.
стр. 5917
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يَصِحُّ رَهْن المُصْحَفِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين. نَقَل جَمَاعَة عنه: لا أُرَخِّصُ في رَهْنِ المُصْحَفِ، وذلك لأنَّ المَقْصُودَ مِن الرَّهْنِ اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، ولا يَحْصل ذلك إلَّا بِبَيعِه، وبَيعه غير جائِز. والثّانِية، يَصِحُّ. فإنَّه قال: إذا رَهَن مُصْحَفًا، لا يَقْرأ فيه إلَّا بإذْنِه. فظاهِر
في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وهو أوْلَى.
стр. 5918
وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ المُسْلِمِ لِكَافِر، إلا عِنْدَ أبي الْخَطَّابِ، إِذَا شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ مُسْلِم.
ــ
هذا صِحَّةُ رَهْنِه. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأي، بناءً على أنَّه يَصِحُّ بَيعُه، فيَصِحُّ رَهْنُه، كغَيرِه. والخِلاف في ذلك مَبْنِيٌّ على جَوازِ بَيعِه، وقد ذَكَرْناه في كتابِ البَيعِ (١).
١٧٨١ - مسألة: (ولا يَصِحُّ رَهْنُ العَبْدِ المُسْلِمِ لكافِرٍ) اخْتارَهُ القاضِي؛ لأنَّه عَقْدٌ يَقْتَضِي قَبْضَ المَعْقُودِ عليه والتَّسْلِيطَ على بَيعِه، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ صِحَّتَه، إذا شَرَطَا كَوْنَه على يَدِ
стр. 5919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُسْلم، ويَبِيعُه الحاكمُ إذا امْتَنَعَ مالِكُه. وهذا أوْلَى؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُل مِن غيرِ ضَرَرٍ.
فصل: ولا يَصِحُّ رَهْنُ المَجْهُولِ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه، فلو قال: رَهَنْتُكَ هذا الجِرابَ. أو: البَيتَ (١). أو: الخَرِيطَةَ بما فيها. لم يَصِحَّ؛ للجَهالةِ. وإن لم يَقُلْ: بما فيها. صَحَّ؛ للعِلْمِ بها. ولو قال: رَهَنْتُكَ أحَدَ هذَين العَبْدَين. لم يَصِحَّ؛ لعَدَمِ التَّعْيِينِ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه عندَه بشرْطِ الخِيارِ له. وقد ذُكِرَ ذلك (٢) في البَيعِ. وفي الجُمْلَةِ، أنَّه يُعْتَبَرُ للعِلْمِ في الرَّهْنِ ما يُعْتَبَرُ في البَيعِ. وكذلك القُدْرَة على التَّسْلِيمِ، فلا يَصِحُّ رَهْنُ الآبِقِ، ولا الشَّارِدِ، ولا غيرِ مَمْلُوكٍ؛ لأَنه لا يَصِحُّ بَيعُه.
стр. 5920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا سَوادُ العِراقِ، والأرْضُ المَوْقُوفَةُ على المُسْلِمِين، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه [لا يَجُوزُ بَيعُها، فكذلك رَهْنُها] (١). وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ. وحُكْمُ بِنائِها حُكْمُها، فإن كان (٢) من غيرِ تُرَابِها، أو الشَّجَرِ المُتَجَدِّدِ فيها، فإنَّه يَصِحُّ إفرادُه (٣) بالبَيعِ والرَّهْنِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين. نصَّ عليهما في البَيعِ؛ لأنَّه طَلْقٌ. والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه تابعٌ لِما لا يَجُوزُ رَهْنُه، فهو كأساساتِ الحِيطانِ. وإن رَهَنَه مع الأرْضِ، بَطَل في الأرْض. وهل يَجُوزُ في الأشْجارِ والبِناءِ إذا قُلْنا بجَوازِ رَهْنِها مُنْفَرِدَةً؟ يُخرَّجُ على الرِّوايَتَين في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ ﵁.
فصل: ولو رَهَن عَبْدًا أو باعَه يَعْتَقِدُه مَغْصُوبًا، فبانَ مِلْكَه، نحوَ أن يَرْهَنَ عَبْدَ ابْنِه، فيَبِينُ أَنَّه قد مات، وصار العَبْدُ مِلْكَه بالمِيراثِ، أو وَكَّلَ إنْسانًا يَشْتَرِي له عَبْدًا، فباعَه المُوَكِّلُ، أو رَهَنَه، يَعْتَقِدُه لسَيِّدِه الأوَّلِ، وكان تَصَرُّفُه بعدَ شِراءِ وَكِيله، ونحوَ ذلك، صَحّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه صادفَ مِلْكًا، فصَحَّ، كما لو عَلِم. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحّ؛ لأنَّه اعْتَقَدَه باطِلًا.