وَلَهُ رَدُّهُ إِلَيهِمَا، وَلَا يَمْلِكُ رَدَّهُ إلَى أحَدِهِمَا، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيهِ رَدُّهُ إِلَى يَدِهِ، فَإن لَمْ يَفْعَلْ، ضَمِنَ حَقَّ الْآخَرِ.
ــ
مات العَدْلُ أو المُرْتَهِنُ، لم يَكُنْ لوَرَثَتِهما إمْساكُه إلَّا برِضَاهما. فإنِ اتَّفَقا عليه، جاز، وإنِ اتَّفَقا على عَدْلٍ يَضَعانِه عندَه، فلهما ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فيُفَوَّضُ أمْرُه إليهما. وإنِ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ والمُرْتَهِنُ عندَ مَوْتِ العَدْلِ، أو اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ ووَرَثَةُ المُرْتَّهِنِ، رَفَعا الأمْرَ إلى الحاكِمِ ليَضَعَه على يَدِ عَدْلٍ، فإن كان الرَّهْنُ في يَدِ اثْنَين، فمات أحَدُهما، أو تَغَيَّرَتْ حالُه؛ بفِسْقٍ (١)، أو ضَعْفٍ عن الحِفْظِ، أو عَداوَةٍ، أُقِيمَ مُقامَه عَدْلٌ يُضَمُّ إلى العَدْلِ الآخَرِ، فيَحْفَظان مَعًا.
١٨٠١ - مسألة: (ولَه رَدُّه إليهما، ولا يَمْلِكُ رَدَّه إِلى أحَدِهما، فإن فَعَل، فعَليه رَدُّه إلى يَدِه، فإن لم يَفْعَل، ضَمِن حَقَّ الآخرِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ العَدْلَ متى أرادَ رَدَّه عليهما، فله ذلك، وعليهما قَبُولُه؛ لأنَّه أمِينٌ مُتَطَوِّعٌ بالحِفْظِ، فلم يَلْزَمْه المُقامُ عليه، فإن امْتَنَعَا (٢)، أجْبَرَهُما الحاكِمُ، فإن تَغَيَّبا، نَصَبَ الحاكِمُ أمِينًا يَقْبِضُه لهما؛ لأنَّ للحاكِمِ ولايةً على المُمْتَنِعِ مِن الحَقِّ الذي عليه. فإن دَفَعَه إلى أمِين مِن غيرِ امْتِناعِهما، ضَمِنَ الأمينُ (٣)، وضَمِنَ الحاكِمُ؛ لأنَّه لا ولايةَ له على غَيرِ المُمْتَنِعِ.
стр. 5987
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذلك لو تَرَكَه العَدْلُ عندَ (١) آخَرَ مع وُجُودِهما، ضَمِن، وضَمِن القابِضُ. فإنِ امْتَنَعا، ولم يَجِدْ حاكِمًا، فَتَرَكَه عندَ عَدْلٍ آخَرَ، لم يَضْمَنْ. وإنِ امْتَنَعَ أحَدُهما، لم يكُنْ له دَفْعُه إلى الآخَرِ، فإن فَعَل، ضَمِن. والفَرْقُ بينَهما أنَّ أحَدَهما يُمْسِكُه لنَفْسِه، والعَدْلُ يُمْسِكُه لهما. هذا فيما إذا كانا حاضِرَينِ، فإن كانا غائِبَين، نَظرتَ، فإن كانَ للعَدْلِ عُذْرٌ مِن مَرَض أو سَفَرٍ أو نحوه، دَفَعَه إلى الحاكِمِ، فقَبَضَه منه، أو نَصَب له عَدْلًا يَقْبِضُه لهما. فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، أوْدَعَه عندَ ثِقَةٍ، وليس له أن يُودِعَه عندَ ثِقَةٍ مع وجُودِ الحاكِمِ، فإن فَعَل، ضَمِن. فإن لم يَكُنْ له عُذْر، وكانتِ الغَيبَةُ بَعِيدَةً، قَبَضَه الحاكِمُ منه، فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، دَفَعَه إلى عَدْلٍ، وإنْ كانَتِ الغَيبَةُ دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ، فهو كما لو كانا حاضِرَينِ؛ لأنَّهُما في حُكْمِ الإِقامَةِ، وإن كانَ أحَدُهما حاضِرًا وَحْدَه، فحُكْمُهما حُكْمُ الغائِبَين، وليس له دَفْعُه إلى الحاضِرِ منهما. وفي كلِّ مَوْضِع قُلْنا: لا يَجُوزُ له دَفْعُه إلى أحَدِهما. إذا دَفَعَه إليه لَزِمَه رَدُّه إلى يَدِه، فإن لم يَفْعَلْ، ضَمِن حَقَّ الآخَرِ؛ لأنَّه فَرَّطَ في دَفْعِه إليه. وقد قال ﵊: «عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حتَّى تُؤَدِّيَ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ (٢).
стр. 5988
وإذا أذِنَا لَهُ فِي الْبَيعِ، لَمْ يَبعْ إلَّا بنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ، بَاعَ بجِنْسِ الدَّينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جنْسُ الدَّينِ، بَاعَ بِمَا يَرَى أَنَّهُ أَصْلحُ.
ــ
١٨٠٢ - مسألة: (فإن أذِنا له في البَيعِ، لم يَبعْ إلَّا بنَقْدِ البَلَدِ، فإن كان فيه نُقُود، باع بجِنْسِ الدَّينِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّهما إذا أذِنا للعَدْلِ في البَيعِ، ولم يُعَيِّنا نَقْدًا، لم يَبعْ إلَّا بنَقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّ الحَظَّ فيه. فإن كان فيه نُقُودٌ، باع بأغْلَبِها؛ لذلك (١). فإن تَسَاوَت، فقال: القاضِي: يَبِيعُ بما يُؤَدِّيه إليه اجْتِهادُه. وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه الأحَظ. فإن تَساوَتْ، بِيعَ بجِنْسِ الدَّينِ. والذي ذَكَرَه شَيخُنا (٢) أنَّ النُّقُودَ إذا تَساوَتْ قَدَّمَ البَيعَ بجِنْسِ الدَّينِ على البَيعِ بما يَرَى فيه الحَظَّ؛ لأنَّه يُمْكِنُ القَضاءُ منه (فإن لم يَكُنْ فيها جِنْسُ الدَّينِ) وتَساوَتِ النُّقُودُ عندَه في الحَظِّ، عَيَّنَ الحاكِمُ له ما يَبيعُه به. وإن عَيَّنا له نَقْدًا، لم يَجُزْ أن يُخَالِفَهما؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، وإنِ اخْتَلَفا، لم يُقْبَلْ قولُ واحِدٍ منهما؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ
стр. 5989
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منهما فيه حَقًّا؛ للرَّاهِنِ مِلْكُ الثَّمَنِ، وللمُرْتَهِنِ حَقُّ الوَثِيقَةِ واسْتِيفاءُ حَقِّه. فعلى هذا، يَرْفَعُ الأمْر إلى الحاكِمِ، فيَأمُرُ بِبَيعِه بنَقْدِ البَلَدِ، سَواء كان مِن جِنْسِ الحَقِّ (١) أو لم يَكُنْ، وافَقَ قولَ أحَدِهما أو لم يُوافِقْ؛ لأنَّ الحَظَّ في ذلك. قال شَيخُنا (٢): والأولَى أن يَبِيعَه بما يَرَى الحَظَّ فيه. فإن كان (٣) في البَلَدِ نُقُود، فهو كما لو لم يُعَيِّنا نَقْدًا. وحُكْمُه في البَيعِ حُكْمُ الوَكِيلِ في وُجُوبِ الاحْتِياطِ، والمَنْعِ مِن البَيعِ بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، ومِن البَيعَ نَساءً، ومتى خالفَ، لَزِمَه ما يَلْزَمُ الوَكِيلَ المُخالِفَ. وذَكَر القاضِي رِوايَةً في البَيعِ نَساءً، أنَّه يَجُوزُ، بناءً على الوَكِيلِ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَيعَ ها هنا لإِيفاءِ دَين حالٍّ، يَجِبُ تَعْجِيلُه، والبَيعُ نَساءً يَمْنَعُ من ذلك. وكذا نَقُولُ في الوَكِيلِ: متى وُجِدَتْ في حَقِّه قَرِينَة دالَّة على مَنْع البَيعِ نَساءً، لم يَجُزْ له، وإنَّما الرِّوايَتان فيه عندَ انْتِفاءِ القَرائِنِ. وكل مَوْضِعٍ حَكَمْنا ببُطْلانِ البَيعِ، وَجَب رَدُّ المَبِيعِ إن كان باقِيًا، فإن تَعَذَّرَ، فللمُرْتَهِنِ تَضْمِينُ أيُّهما شاء، مِن العَدْلِ أو المُشْتَرِي، بأقَلِّ
стр. 5990
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمْرَينِ مِن قِيمَةِ الرَّهْنِ أو قَدْرِ الدَّينِ؛ لأنَّه يَقْبضُ قِيمَةَ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا لحَقِّه، لا رَهْنًا؛ فلذلك (١) لم يَكُنْ له أن يَقْبِض أكثَرَ مِن دَينه، وما بَقِيَ مِن قِيمَةِ الرَّهْنِ للرَّاهِنِ، يَرْجِعُ به على مَن شاء منهما. وإنِ اسْتَوْفَى دَينَه مِن الرَّاهِنِ، رَجَع الرَّاهِنُ بقِيمَتِه على مَن شاء منهما. ومتى ضَمِن المُشْتَرِي، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ العَينَ تَلِفَتْ في يَدِه. وإن ضَمِن العَدلُ رَجَع على المُشْتَرِي.
فصل: ومتى قَدَّرا (٢) له ثَمَنًا، لم يَجُزْ بَيعُه بدُونِه، وإن أُطْلِقَ، فله
стр. 5991
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيعُه بثَمَنِ مثلِه، أو زِيادَةٍ عليه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: له بَيعُه ولو بدِرْهَم. والكلامُ معه في الوَكالةِ. فإن أطْلَقا، فباعِ بأقَلَّ مِن ثَمَنِ المِثْلِ، مِمَّا يَتَغابَنُ النَّاسُ به، صَحَّ، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ذلك لا يُضْبَطُ غالِبًا. وإن كان النَّقْصُ أكْثَرَ مِن ذلك، أو باعَ بأنْقَصَ مِمَّا قُدِّرَ له، لم يَصِحَّ البَيعُ؛ لأنَّه بَيعٌ لم يُؤْذَنْ له (١) فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو خالفَ في النَّقْد. اخْتارَه شَيخُنا (٢). وقال أصحابُنا: يَصِحُّ، ويَضْمَنُ النَّقْصَ كلَّه.
стр. 5992
وَإنْ قَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ وَإنِ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الرَّاهِنِ.
ــ
في الوَكالةِ. فإن عَلِم المُشْتَرِي بعدَ تَلَفِ الثَّمَنِ في يَدِ العَدْلِ، رَجَع على
١٨٠٣ - مسألة: (وإن قَبَض الثَّمَنَ، فتَلِفَ في يَدِه، فهو مِن ضَمانِ الرَّاهِنِ) إذا باعَ العَدْلُ الرَّهْنَ بإذْنِهما، وقَبَضَ الثَّمَنَ، فتَلِفَ في يَدِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أمِينٌ، فهو كالوَكِيلِ. ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. ويَكُونُ مِن ضَمانِ الرَّاهِنِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَكُونُ مِن ضَمانِ المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّ البَيعَ لأجْلِه. ولَنا، أنَّه وَكِيلُ الرَّاهِنِ في البَيعِ، والثَّمَنُ مِلْكُه، وهو أمِينٌ له في قَبْضِه، فإذا تَلِفَ، كان مِن ضَمانِ مُوَكِّلِه، كسائِرِ الأمَناءِ. وإنِ ادَّعَى التَّلَفَ، فالقَوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه أمِينٌ، ويَتَعَذَّرُ عليه إقامَةُ البَيِّنةِ على ذلك، فإن كَلَّفْناه البَيِّنةَ، شَقَّ عليه، ورُبَّما أدَّى إلى أن لا يَدْخُلَ النّاسُ في الأماناتِ. فإن خالفاه في قَبْضِ الثَّمَنِ، فقالا: ما قَبَضَه مِن المُشْتَرِي. وادَّعَى ذلك، ففِيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّه أمِينٌ. والآخرُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ هذا إبْراءٌ للمُشْتَرِي مِن الثَّمَنِ، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه، كما لو أبرَأه مِن غيرِ الثَّمَنِ.
١٨٠٤ - مسألة: (وإنِ استُحِقَّ المَبِيعُ، رَجَع المُشْتَرِي على الرَّاهِنِ) إذا خَرَج المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، فالعُهْدَةُ على الرَّاهِنِ دُونَ العَدْلِ، إذا أعْلَمَ المُشْتَرِيَ أنَّه وَكِيل. وهكذا كلُّ وكِيل باع مال غَيرِه. وهذا قولُ الشَّافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: العُهْدَةُ على الوَكِيلِ. والكَلامُ معه يَأتِي
стр. 5993
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرَّاهِنِ، ولا شيءَ على العَدْلِ. فإن قيلَ: لِمَ لا يَرْجِعُ المُشْتَرِي على العَدْلِ لأنَّه قَبَض الثَّمَنَ بغيرِ حَقٍّ؟ قُلْنا؛ لأنَّه سَلَّمَه إليه على أنَّه أمِينٌ في قَبْضِه، يُسَلِّمُه إلى المُرْتَّهِنِ، فلذلك لم يَجِبِ الضَّمانُ عليه، فأمَّا المُرْتَهِنُ، فقد بأن له أنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ كان فاسِدًا، فإن كان مَشْرُوطًا في بَيع، ثَبَت له الخِيارُ فيه، وإلَّا سَقَط حَقُّه. فإن كان الرَّاهِنُ مُفْلِسًا، حَيًّا أو مَيِّتًا، كان المُرْتَهِنُ والمُشْتَرِي أسْوَةَ الغُرَماءِ؛ لأنَّهم تَساوَوْا في ثُبُوتِ حُقُوقِهِم في الذِّمَّةِ، فاسْتَوَوْا في قَسْمِ مالِه بينَهم. وأمّا إنْ خَرَج مُسْتَحَقًّا بعدَ دَفْعِ الثَّمَنِ إلى المُرْتَّهِنِ، رَجَع المُشْتَرِي على المُرْتَّهِنِ. وهو قولُ الشَّافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ على العَدْلِ، ويَرْجِعُ العَدْلُ على مَن شاء منهما مِن الرَّاهِنِ والمُرْتَهِنِ. ولَنا، أنَّ عَينَ مالِه صار إلى المُرْتَّهِنِ بغيرِ حَقٍّ، فكان رُجُوعُه عليه، كما لو قَبَضَه منه. فإن كان المُشْتَرِي رَدَّه بعَيبٍ، لم يَرْجِعْ على المُرْتَّهِنِ؛ لأنَّه قَبَض الثَّمَنَ بحَقٍّ، ولا على العَدْلِ، لأنَّه أمِين، ويَرْجِعُ على الرَّاهِنِ. فأمَّا إن كان العَدْلُ حينَ باعه لم يُعْلِم المُشْتَرِيَ أنَّه وَكِيل، كان للمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عليه، ويَرْجِعُ هو على الرَّاهِنِ إن أقَرَّ (١) بذلك، أو قامت به بَيِّنةٌ، وإن أنْكَرَ ذلك، فالقَوْلُ قولُ العَدْلِ مع يَمينِه، فإن نَكَل عن اليَمِينِ، فقُضِيَ عليه بالنُّكُولِ، أو رُدَّتِ اليَمينُ على المُشْتَرِي، فحَلَفَ ورَجَع على العَدْلِ، لم يَرْجِعِ العَدْلُ على الرَّاهِنِ؛ لأنَّه يُقِرُّ أنَّه ظَلَمَه. وعلى قولِ الخِرَقِيِّ، القولُ في حُدُوثِ العَيبِ قولُ
стр. 5994
وَإنِ ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ إِلَى الْمُرْتَهِنِ، فَأنْكَرَ، وَلَمْ يَكُنْ قَضَاهُ بِبَيِّنةٍ، ضَمِنَ. وَعَنْهُ، لَا يَضْمَنُ، إلا أن يَكُونَ أُمِرَ بِالإشْهَادِ، فَلَمْ يَفْعَلْ. وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْوَكِيلِ.
ــ
المُشْتَرِي مع يَمِينِه. وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ. فإذا حَلَف المُشْتَرِي، رَجَع على العَدْلِ، ورَجَع العَدْلُ على الرَّاهِنِ. فإن تَلِفَ المَبِيعُ في يَدِ المُشْتَرِي، ثم بان مُسْتَحَقًّا قبلَ وَزْنِ ثَمَنِه، فللمَغْصُوبِ منه تَضْمِينُ مَن شاء مِن الغاصِبِ والعَدْلِ والمُرْتَهِنِ (١)، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على المُشْترِي؛ لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، هذا إذا عَلِمَ بالغَصْبِ، وإن لم يَكُنْ عالِمًا، فهل يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ عليه، أو على الغاصِبِ؟ على رِوايَتَين.
١٨٠٥ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى دَفْعَ الثَّمَنِ إلى المُرْتَّهِنِ، فأنْكَرَ، ولم يَكُنْ قَضاه ببَيِّنةٍ، ضَمِن. وعنه، لا يَضْمَنُ، إلَّا أن يَكُونَ أُمِرَ بالإِشْهادِ، فلم يَفْعَلْ. وهكذا الحُكْمُ في الوَكِيلِ) إذا ادَّعَى العَدْلُ دَفعَ الثَّمَنِ إلى المُرْتَّهِنِ، فأنْكَرَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُقْبَلُ قَوْلُه في حَقِّ الرَّاهِنِ، ولا يُقْبَلُ في حَقِّ المُرْتَّهِنِ. ذَكَرَه القاضِي. وهو مَذْهَبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ العَدْلَ وَكِيلُ الرَّاهِنِ في دَفْعِ الثَّمَنِ إلى المُرْتَّهِنِ، وليس
стр. 5995
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بوَكِيل للمُرْتَهِنِ في ذلك، إنَّما هو وَكِيلُه في الحِفْظِ فقط، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه عليه فيما ليس بوَكِيل له فيه، كما لو وَكَّلَ رجلًا في قَضاءِ دَين، فادَّعَى أنَّه سَلَّمَه إلى صاحِبِ الدَّينِ. والثّانِي، يُقْبَلُ قَوْلُه على المُرْتَهِنِ في إسْقاطِ الضَّمانِ عن نَفْسِه، ولا يُقْبَلُ في نَفْي الضّمانِ عن غيرِه. ذَكَرَه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه أمِين، فقُبِلَ قَوْلُه في إسْقاطِ الضَّمانِ عن نَفْسِه، كالمُودَعِ يَدَّعِي رَدَّ الوَدِيعَةِ. فعلى هذا، إذا حَلَف العَدْلُ، سَقَط الضَّمانُ عنه، ولم يَثْبُتْ على المُرْتَهِنِ أنَّه قَبَضَه. وعلى القولِ الأولِ، يَحْلِفُ المُرْتَهِنُ، ويَرْجِعُ على مَن شاء منهما، فإن رَجَعَ على العَدْلِ، لم يَرْجِعِ العَدْلُ على الرّاهِنِ؛ لأنَّه يَقُولُ: ظَلَمَنِي وأخَذَ مِنِّي بغَيرِ حَق. فلم يَرْجِعْ على الرّاهِنِ، كما لو غَصَبَه مالًا آخَرَ، وإن رَجَع على الرّاهِنِ، فهل يَرْجِعُ الرّاهِنُ على العَدْلِ؟ يُنْظَرُ؛ فإن كان دَفَعَه إلى المُرْتَهِنِ بحَضْرَةِ الرّاهِنِ، أو ببَيِّنَةٍ فماتَتْ أو غابَتْ، لم يَرْجِعْ عليه؛
стр. 5996
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأَنه أمِينٌ، ولم يُفَرِّطْ في القَضاءِ، وإن دَفَعَه في غَيبَةِ الرّاهِنِ بغَيرِ بَيِّنَةٍ، رَجَع عليه في إحْدَى الروايَتَين؛ لأنَّه فَرَّطَ في القَضاءِ بغيرِ بَيِّنةٍ، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو تَلِفَ الرَّهْنُ بتَفْرِيطِه. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، لا يَرْجِعُ الرّاهِنُ
стр. 5997
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه، سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه؛ لأنَّه أمِين في حَقِّه، إلَّا أنَّه إن كَذَّبَه، فله عليه اليَمِينُ. فإنْ كان الرّاهِنُ أمَرَه بالإِشْهادِ، فلم يَفْعَلْ، لَزِمَه الضَّمانُ؛ لأنَّه مُفَرِّط. وهكذا الحُكْمُ في الوَكِيلِ؛ لأنَّه في مَعْناهُ.
فصل: إذا غَضب المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ مِن العَدْلِ ثمّ رَدَّه إليه، زال عنه الضَّمانُ. ولو كان الرهْنُ في يَدِ المُرْتَهِنِ، فتَعَدَّى فيه، ثم أزال التَّعدى، أو سافَرَ به، ثم رَدَّه، لم يَزُلْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّ استِئْمَانه زال بذلك، فلم يَعُدْ بفِعْلِه مع بَقائِه في يَدِه، بخِلافِ التي قَبْلَها، فإنَّه رَدَّه إلى يَدِ نائِبِ مالِكِها، أشْبَهَ ما لو رَدَّها إلى مالِكِها.
فصل: إذا اسْتَقْرَضَ ذِمِّيٌّ مِن مُسْلِم مالًا ورَهَنَه خَمْرًا، لم يَصِحَّ، سَواءٌ جَعَلَه في يَدِ ذِميٍّ أو غيرِه. فإن باعَها الرّاهِنُ أو نائِبُه الذِّمِّي، وجاء المُقْرِضَ بثَمَنِها، لَزِمَه قَبُولُه (١). فإن أربى، قيل له: إمّا أنَّ تَقْبِضَ، وإمّا أنَّ تُبْرِئ؛ لأنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ إذا تَقابَضُوا في العُقُودِ الفاسِدَةِ جَرَت مَجْرَى الصَّحِيحةِ. قال عمرُ، ﵁، في أهْلِ الذِّمَّةِ معهم الخَمْرُ: وَلُّوهم بَيعَها، وخُذُوا مِن أثْمانِها (٢). وإن جَعَلَها على يَدِ مُسْلِم، فباعَهَا، لم يُجْبَرِ المُرْتَهِنُ على قَبُولِ الثَّمَنِ؛ لأنَّه بَيعٌ فاسِدٌ لا يُقَرَّانِ عليه، ولا حُكْمَ له.
стр. 5998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَإنْ شَرَطَ أنْ يَبِيعَهُ الْمُرْتَهِنُ أو الْعَدْلُ، صَحَّ، وَإنْ عَزَلَهُمَا، صَحَّ عَزْلُهُ. وَيَحْتَمِلُ ألَا يَصِحَّ.
١٨٠٦ - مسألة: (وإن شَرَط أنَّ يَبِيعَه المُرْتهِنُ أو العَدْلُ، صَحَّ، فإن عَزَلَهما، صَحَّ عَزْلُه) إذا كان الرَّهْنُ على يَدَيْ عَدْلٍ، فشَرَطَ أنْ يَبِيعَه العَدْلُ عندَ حُلولِ الحَقِّ، أو أنْ يَبِيعَه المُرْتَهِنُ، صَحَّ، ويَصِحُّ بَيعُه؛ لأنَّه شَرْطٌ فيه مَصْلَحَة للمُرْتَهِنِ، لا يُنافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ، فصَحَّ، كما لو شَرَط صِفَةً فيه. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالك، والشافعيُّ، فيما إذا شَرَط أنَّ يَبِيعَه العَدْلُ. فإن شَرَط أنَّ يَبِيعَه المُرْتَهِنُ، ففيه اخْتلافٌ يُذْكَرُ في الشُّرُوطِ في الرَّهْنِ. فإن عَزَل الرّاهِنُ العَدْلَ أو المُرْتَهِن عن البَيعِ، صَحَّ، ولم يَمْلِكِ البَيعَ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يَنْعَزِلُ؛ لأنَّ وَكالتَه صارَتْ مِن حُقُوق الرَّهْنِ، فلم يَكُنْ للرّاهِنِ إسْقاطُه، كسائِرِ حُقُوقِه. قال ابنُ أبي مُوسَى: ويَتَوَجَّهُ لنا مِثْلُ ذلك؛ فإنَّ أحمدَ قد مَنَع الحِيلَةَ في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كُتُبِه، وهذا يَفْتَحُ بابَ الحِيلَةِ للرّاهِنِ، فإنَّه يَشْتَرِطُ ذلك للمُرْتهِنِ، ليُجِيبَه إليه، ثم يَعْزِلُه. والمَنْصُوصُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الوَكالةَ عَقْدٌ جائِزٌ، فلم يَلْزَمِ المُقامُ عليها، كسائِرِ الوَكالاتِ (١)، وكَوْنُه مِن حُقُوقِ الرَّهْنِ لا يَمْنَعُ جَوازَه،
стр. 5999
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما لو شَرَطا الرَّهْنَ في البَيعِ، فإنَّه لا يَصِيرُ لازِمًا، وكذلك إذا مات الرّاهِنُ بعدَ الإِذْنِ تَنْفَسِخُ الوَكالةُ، وقِياسُ المَذْهَبِ، أنَّه مَتَى عَزَلَه عن البَيعِ، وكان الرَّهْنُ مَشْرُوطًا في بَيعٍ، فللمُرْتَهِنِ فَسْخُ البَيعِ الذي حَصَل الرَّهْنُ عنه، كما لو امْتَنَعَ مِن تَسْلِيمِ الرَّهْنِ المَشْرُوطِ في البَيعِ، فأمّا إنْ عَزَلَه المُرْتَهِنُ، لم يَنْعَزِلْ؛ لأنَّ العَدْلَ وَكِيلُ الرّاهِنِ، لأنَّ الرَّهْنَ (١) مِلْكُه، ولو انْفَرَدَ بتَوْكِيله، صَحَّ، فلم يَنْعَزِلْ بعَزْلِ غيرِه، لكنْ لا يَجُوزُ بَيعُه بغيرِ إذْنِه، وهكذا لو لم يَعْزِلاه، فحَلّ الحَقُّ، لم يَبِعْه حتى يَستَأذِنَ المُرْتَهِنَ؛ لأنَّ البَيعَ لحَقِّه، فلم يَجُزْ حتى يَأذَنَ فيه، ولا يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ إذْنٍ مِن الراهِنِ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ الإِذْنَ قد وُجِدَ، فاكْتَفَى به، كما في الوَكالةِ في سائِرِ الحُقُوقِ. وذَكَر القاضِي وَجْهًا، أنَّه يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ إذْنٍ؛ لأنَّه قد يَكُونُ له غَرَضٌ في قَضاءِ الحَق مِن غيرِه. والأوَّلُ أوْلَى؛ فإنَّ الإِذْنَ كافٍ، ما لم يُغَيَّرْ، والغَرَضُ لا اعْتِبارَ به معِ صَرِيحِ الإِذْنِ بخِلافِه، بدَلِيلِ ما لو جَدَّدَ الإِذْنَ له (٢)، بخِلافِ المُرْتهِنِ؛ فإنَّ البَيعَ يَفْتَقِرُ إلى مُطالبَتِه بالحَق. ومَذهَبُ الشافعيِّ نحوٌ مِن هذا.
فصل: ولو أتْلَفَ الرَّهْنَ في يَدِ العَدْلِ أجْنَبِي، فعلى الجانِي قِيمَتُه، تَكُونُ رَهْنًا في يَدِه، وله المطالبَةُ بها؛ لأنَّها بَدَلُ الرَّهْنِ، وقائِمَةٌ مَقامَه، وله
стр. 6000
وإنْ شَرَطَ ألا يَبِيعَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ، أوْ إِنْ جَاءَهُ بِحَقِّهِ، وَإلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ. وَفِي صِحَّةِ الرَّهْنِ رِوَايَتَانِ.
ــ
إمْساكُ الرَّهْنِ وحِفْظُه. فإن كان المُتَراهِنانِ أذِنا له في بَيعِ الرَّهْنِ، فقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ أنَّ له بَيعَ بَدَلِه؛ لأنَّ له بَيعَ نَماءِ الرَّهْنِ تَبَعًا للأصْلِ، فالبَدَلُ أوْلَى. وقال أصحابُ الشافعيِّ: ليس له ذلك؛ لأنَّه مُتَصَرِّف بالإذْنِ، فلا يَمْلِكُ بَيعَ ما لم يُؤْذَنْ له في بَيعِه، والمَأذُونُ في بَيعِه قد تَلِف، وبَدَلُه غيرُه. وللقاضِي أنَّ يَقُولَ: إنَّه قد أذِنَ له في بَيعِ الرَّهْنِ، والبَدَلُ رَهْنٌ ثَبَتَ له حُكْمُ الأصْلِ مِن كَوْنِه يَمْلِكُ المُطالبَةَ به وإمْساكَه واسْتِيفاءَ دَينه مِن ثَمَنِه، فكذلك بَيعُه. فإن كان البَدَلُ مِن جِنْسِ الدَّينِ، وقد أذِنَ له في وَفائِه مِن ثَمَنِ الرَّهْنِ، مَلَك إيفاءَه منه؛ لأنَّ بَدَلَ الرهْنِ مِن جِنْسِ الدَّينِ، فأشْبَهَ ثَمَنَ المَبِيعِ.
١٨٠٧ - مسألة: (فإن شَرَط أنَّ لا يَبيعَه عندَ الحُلُولِ، أو إن جاءَه بحَقِّه) في مَحِلِّه (وإلّا فالرَّهْنُ له، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ. وفي صِحَّةِ الرَّهْنِ رِوايَتان) الشرُوطُ في الرَّهْنِ (١) قِسْمان؛ صَحِيحٌ، وفاسِدٌ. فالصَّحِيحُ
стр. 6001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مثلَ أنَّ يَشْتَرِطَ كَوْنَه على يَدَيْ عَدْلٍ، أو عَدْلَين، أو أكْثَرَ، أو أنَّ يَبِيعَه العَدْلُ عندَ حُلُولِ الحَق. ولا نَعْلَمُ في صِحَّتِه خِلافًا. فإن شَرَط أنَّ يَبِيعَه المُرْتَهِنُ، صَحَّ. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ. وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَوْكِيل (١) فيما يَتَنافَى فيه الغَرَضانِ، فلم يَصِحَّ، كما لو وَكَّلَه في بَيعِه مِن نَفْسِه. ووَجْهُ التَّنافِي أنَّ الرّاهِنَ يُرِيدُ الصَّبْرَ على المَبِيعِ والاحْتِياطَ في تَوْفِيرِ الثَّمنِ، والمُرْتَهِنُ يُرِيدُ تَعْجِيلَ الحَق وإنْجازَ البَيعِ. ولَنا، أنَّ (٢) ما جاز تَوْكِيلُ غيرِ المُرْتَهِنِ فيه، جاز تَوكِيلُ المُرْتَهِنِ فيه، كبَيعِ عَين أُخْرَى، ولأنَّ مَن جاز أنْ يُشْتَرَطَ له الإِمْساكُ، جاز اشْتِراطُ البَيعِ له، كالعَدْلِ، ولا يَضُرُّ اخْتِلافُ الغَرَضَين إذا كان غَرَضُ المُرْتَهِنِ مُسْتَحَقًّا له، وهو اسْتِيفاءُ الثَّمَنِ عندَ حُلُولِ الحَقِّ وإنْجازُ البَيعِ، على أنَّ الرّاهِنَ إذا وَكَّلَه مع العِلْمِ بغَرَضِه، فقد سَمَح له بذلك، والحَقُّ له، فلا يُمْنَعُ مِن السَّماحَةِ به، كما لو وَكَّلَ فاسِقًا في بَيعِ مالِه وقَبْضِ ثَمَنِه. ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَجُوز تَوْكِيلُه في بَيعِ شيءٍ مِن نَفْسِه، ولَئِن سَلَّمْنا، فلأنَّ الشَّخْصَ
стр. 6002
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الواحِدَ يَكُونُ بائِعًا مُشْتَرِيًا، ومُوجِبًا [وقابِلًا] (١)، وقابِضًا مِن نَفْسِه لنَفْسِه، بخِلافِ مسَألَتِنا.
فصل: إذا رَهَنَه أمَةً، فشَرَطا (٢) كَوْنَها عندَ امْرَأةٍ، أو ذِي مَحْرَمٍ لها (٣)، أو كَوْنَها في يَدِ المُرْتَهِنِ أو أجْنَبِي، على وَجْهٍ لا يُفْضِي إلى الخَلْوَةِ بها، مثلَ أن يَكُونَ لهما زَوْجات، أو سَرارِيّ، أو نِساءٌ مِن مَحارِمِهما معهما في دارِهما، جاز؛ لأنَّه لا يُفْضِي إلى مُحَرَّم. وإن لم يَكُنْ كذلك، فَسَد الشَّرْطُ؛ لإفْضائِه إلى الخَلْوَةِ المُحَرَّمَةِ، فلا يُؤْمَنُ عليها، ولا يَفسُدُ الرَّهْنُ؛ لأنَّه لا يَعُودُ إلى نَقْصٍ ولا ضَرَرٍ في حَقِّ المُتَعاقِدَين، ويَكُونُ الحُكْمُ كما لو رَهَنَها مِن غيرِ شَرْطٍ، يَصِحُّ الرَّهْنُ، ويَجْعَلُها الحاكِمُ على يَدِ مَن تَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِنْدَه. وإن كان الرَّهْنُ عَبْدًا، فشَرَطَ مَوْضِعَه، جاز، [وإن لم يَشْتَرِطْ مَوْضِعَه، صَحَّ] (٤)، كالأمَةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ للأمَةِ عُرْفًا، بخِلافِ العَبْدِ. والأوَّلُ أصَحُّ،
стр. 6003
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنَّ الأمَةَ إذا كان المُرْتَهِنُ مِمَّنْ يَجُوزُ وَضْعُها عِنْدَه كالعَبْدِ، وإذا كان مُرْتَهِنُ العَبْدِ امْرَأةً لا زَوْجَ لها، فشَرَطَتْ كَوْنَه عِنْدَها على وَجْهٍ يُفْضِي إلى خَلْوَتِه بها، لم يَجُزْ أيضًا، فاسْتَوَيا.
القسمُ الثّانِي، الشُّرُوطُ الفاسِدَةُ، وهو أنَّ يَشْتَرِطَ ما يُنافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ، نحو أنْ لا يُباعَ الرِّهْنُ عندَ حُلُولِ الحَقِّ، أو لا يُسْتَوْفَى الدَّينُ مِن ثَمَنِه، أو لا يُباعَ ما خِيف تَلَفُه، أو بَيعَ الرَّهْنِ بأيِّ ثَمَن كان، أو أنَّ لا يَبِيعَه إلَّا بما يُرْضِيه. فهذه شُرُوط فاسِدَة؛ لمُنافاتِها مُقْتَضَى العَقْدِ، فإنَّ المَقْصُودَ مع الوَفاءِ بهذه الشُّروطِ مَفْقُودٌ. وكذلك إن شَرَطا الخِيارَ للرّاهِنِ، أو أنَّ لا يَكُونَ العَقْدُ لازِمًا في حَقِّه، أو تَوْقِيتَ الرَّهْنِ، أو أنَّ يَكُونَ رَهْنًا يَوْمًا ويَوْمًا لا، أو كَوْنَ الرَّهْنِ في يَدِ الرّاهِنِ، أو أنْ يَنْتَفِعَ به، [أو يَنْتَفِعَ به] (١) المُرْتَهِنُ، أو كَوْنَه مَضْمُونًا على المُرْتَهِنِ أو العَدْلِ، فهذه كلها فاسِدَةٌ؛ لأنَّ منها ما يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، ومنها ما لا يَقْتَضِيه العَقْدُ، ولا هو مِن مَصلَحَتِه. وعن أحمدَ، إذا شَرَط في الرَّهْنِ أنَّ يَنْتَفِعَ به المُرْتَهِنُ، أنَّه يَجُوزُ في البَيعِ. قال القاضِي: مَعْناه أنَّ يَقُولَ: بِعْتُك هذا الثَّوْبَ بدِينارٍ، بشَرْطِ أنَّ ترْهَنَنِي عَبْدَكَ يَخْدِمُنِي شَهْرًا. فيَكُونُ بَيعًا وإجارَةً، فهو صَحِيحٌ. وإن أطْلَقَ، فالشَّرْطُ باطِلٌ؛ لجَهالةِ الثَّمَنِ.
стр. 6004
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال مالكٌ: لا بَأْسَ أنَّ يَشْتَرِطَ في البَيعِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ (١) إلى أجَلٍ في الدُّورِ والأرَضِينَ. وكَرِهَه في الحَيَوانِ والثِّيابِ، وكَرِهَه في القَرْضِ. ولَنا، أنَّه شَرَط في الرَّهْنِ ما يُنافِيه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَه في القَرْضِ. فإن شَرَط شيئًا منها في عَقْدِ الرَّهْنِ، فقال القاضِي: يَحْتَمِلُ أنَّ يَفْسُدَ الرَّهْنُ بها بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ العاقِدَ إنما بَذَل مِلْكَه بهذا الشَّرْطِ، فإذا لم يُسَلَّمْ له، لم يَصِحَّ العَقْدُ؛ لعَدَمِ الرِّضَا به بدُونِه. وقيلَ: إن شَرَط الرَّهْنَ مُؤَقتًا، أو رَهَنَه يَوْمًا ويَوْمًا لا، فَسَد الرَّهْنُ. وهل يَفْسُدُ بسائِرِها؟ على وَجْهَين، بناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ. ونَصَر أبو الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المَسائلِ» صَحَّتَه. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» (٢). وهو مَشْرُوطٌ فيه شَرْطٌ فاسِدٌ. ولم يُحْكَمْ بفَسادِه. وقِيلَ: ما يَنْقُصُ حَقَّ المُرْتَهِنِ يُبْطِلُه، وَجْهًا واحِدًا، وما لا، فعلى وَجْهَين. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المُرْتَهِنَ شُرِطَتْ له زِيادَةٌ لم تَصِحَّ له، فإذا فَسَدَتِ الزِّيادَةُ، لم يَبْطُلْ أصْلُ الرَّهْنِ.
стр. 6005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإنْ شَرَط أنَّه مَتَى حَلَّ الحَقُّ ولم يُوَفِّنِي فالرَّهْنُ لي بالدَّينِ، أو فهو مَبِيعٌ لي بالدَّينِ الذي عليك. فهو شَرْطٌ فاسِدٌ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وشُرَيح، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ لِما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ». رَواه الأثْرَمُ. قُلْتُ لأحْمَدَ: ما مَعْنَى قَوْلِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ»؟ قال: لا يَدْفَعُ رَهْنًا إلى رجل، ويَقُولُ: إن جِئْتُكَ بالدَّراهِمِ إلى كذا وكذا، وإلَّا فالرَّهْنُ لك. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مَعْنَى قَوْلِه: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ». عندَ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأحمدَ. وفي حَدِيثِ مُعاويَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ، أنَّ رَجلًا رَهَن دَارًا بالمَدِينَةِ إلى أجَل مُسَمًّى، فمَضَى الأجَلُ، فقال الذي ارْتَهَنَ: مَنْزِلِي. فقال النبيُّ ﷺ : «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ». ولأنَّه عَلَّقَ البَيعَ على شَرْطٍ، فإنَّه جَعَلَه مَبِيعًا بشَرْطِ أنَّ لا يُوَفِّيَه الحَقَّ في مَحِلِّه، والبَيعُ المُعَلَّقُ بشَرْطٍ لا يَصِحُّ، فإذا شَرَط هذا الشَّرْطَ فَسَد الرَّهْنُ. وفيه رِوايَة أُخْرَى، أنَّه لا يَفْسُدُ؛ لِما ذَكَرْنا في الشُّرُوطِ الفاسِدَة. وهذا ظاهِرُ قولِ أبي الخَطّابِ في «رُءُوسِ المسائِلِ»، واحْتَجَّ بالحَدِيثِ المَذْكُورِ، نَفَى (١) غَلْقَ الرَّهْنِ دون (٢) أصْلِه، فدَلَّ على صِحَّتِه، ولأنَّ الرّاهِنَ قد رَضِيَ برَهْنِه مع هذا الشَّرْطِ، فمع بُطْلانِه أوْلى أنَّ يَرْضَى به. ولَنا، أنَّه رَهْنٌ بشَرْطٍ فاسِدٍ،
стр. 6006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فكان فاسدًا، كما لو شَرَط تَوْقِيتَه، وليس في الخَبَرِ أنَّه شَرَط ذلك في ابْتِداءِ العَقْدِ، [فلا يَكُونُ حُجَّةً] (١).
فصل: وإذا قال الغَرِيمُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هذا على أنَّ تَزِيدَنِي في الأجَلِ. كان باطِلًا؛ لأنَّ الأجَلَ لا يَثْبُتُ في الدَّينِ، إلَّا أنَّ يَكُونَ مَشْرُوطًا في عَقْدٍ قد وَجَب به، وإذا لم يَثْبُتِ الأجَلُ، لم يَصِحَّ الرَّهْنُ؛ لأنَّه جَعَلَه في مُقابَلَتِه، ولأنَّ ذلك يُضَاهِي رِبا الجاهِلِيَّةِ، كانُوا يَزِيدُونَ في الدَّينِ، ليَزْدادُوا في الأجَلَ.
فصل: إذا كان له على رجلٍ ألْفٌ، فقال: أقْرِضْنِي ألْفًا، بشَرْطِ أنَّ أرْهَنَكَ عَبْدِي هذا بألْفَين. فنَقَلَ حَنْبَلٌ عنٍ أحمدَ، أنَّ القَرْضَ باطِلٌ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه قَرْضٌ يَجُرُّ مَنْفَعَة، وهي الاسْتِيثاقُ بالألْفِ الأوَّلِ. وإذا بَطَل القَرْضُ بَطَل الرَّهْنُ. فإن قيلَ: أليس لوٍ شَرَط أنَّ يُعْطِيَه رَهْنًا بما يُقْرِضُه (٢) جاز. قُلْنا: ليس هذا قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَة؛ لأنَّ غايَةَ ما حَصَل له تَأْكِيدُ الاسْتِيفَاءِ لبَدَلِ ما أقْرَضَه، وهو مِثْلُه. والقَرْضُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الوَفاءِ، وفي مَسْألَتِنا شَرَط في هذا القَرْضِ الاسْتِيثاقَ لدَينِه الأوَّلِ، فقد شَرَط اسْتِيثاقًا لغيرِ مُوجبِ القَرْضِ. ونَقَل مُهَنَّا أنَّ القَرْضَ صَحِيحٌ. ولعَلَّ أحمدَ حَكَم بصِحَّةِ القَرْضِ مع فَسادِ
стр. 6007
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّرْطِ؛ كَيلا يُفْضِيَ إلى جَرِّ المَنْفَعَةِ بالقَرْضِ، أو حَكَم بفَسادِ الرَّهْنِ في الألْفِ الأوَّلِ وَحْدَه. ولو كان مكانَ القَرْضِ بَيعٌ، فقال: بعْنِي عَبْدَك هذا بألْفٍ، على أنْ أرْهَنَك عَبْدِي به وبالألْفِ الآخَرِ الذي عَلَيَّ. فالبَيعُ باطِلٌ، رِوايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ؛ لكَوْنِه جَعَلَه ألْفًا ومَنْفَعَةً هي وَثِيقَةٌ بالألْفِ الأوَّلِ، وتلك المَنْفَعَةُ مَجْهُولَةٌ، ولأنَّه شَرَط عَقْدَ الرَّهْنِ بالألْفِ الأوَّلِ، فلم يَصِحَّ، كما لو أفْرَدَه، أو كما لو باعَه دارَه بشَرْطِ أنَّ يَبِيعَه الآخَرُ دارَه.
فصل: إذا فَسَد الرَّهْنُ، وقَبَضَه المُرْتَهِنُ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه قَبَضَه بحُكْمِ أنَّه رَهْنٌ، وكُلّ عَقْدٍ كان صَحِيحًا، مَضْمُونًا أو غيرَ مَضْمُونٍ، ففاسِدُه كذلك. فإن كان مُؤَقَّتًا، أو شَرَط [أنَّه يَصِيرُ للمُرْتَهِنِ] (١) بعدَ انْقِضاءِ مُدَّتِه، صار بعدَ ذلك مَضْمُونًا؛ لأنَّه مَقْبُوضٌ بحُكْمِ بَيعٍ فاسِدٍ. وحُكْمُ الفاسِدِ مِن العُقُودِ حُكْمُ الصَّحِيحِ في الضَّمانِ. وإن كان أرْضًا فغَرَسَها قبلَ انْقِضاءِ الأجَلِ، فهو كغَرْسِ الغاصِبِ؛ لأنَّه غَرَس بغَيرِ إذْنٍ. وإن غرَس بعدَ الأجَلِ، وكان قد شَرَط أنَّ الرَّهْنَ يَصِيرُ له، فقد غَرَس بإذْنٍ؛ لأنَّ البَيعَ قد تَضَمَّنَ الإِذْنَ وإن كان فاسِدًا. فعلى هذا، يَكُونُ الرّاهِنُ (٢) مُخَيَّرًا بينَ أنَّ يُقِرَّ غَرْسَه له، وبين أخْذِه بقِيمَتِه، وبين أنْ يُلْزِمَه بقَلْعِه ويَضْمَنَ له ما نَقَص.
стр. 6008
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا اشْتَرَى سِلْعَةً، وشَرَط أنَّ يَرْهَنَه بها شَيئًا مِن مالِه، أو شَرَطَ ضمِينًا، فالبَيعُ والشَّرْطُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ، غيرُ منافٍ لمُقْتَضاه، ولا نَعْلَمُ في صِحَّتِه خِلافًا إذا كان مَعْلُومًا. ومَعْرِفَةُ الرَّهْنِ تَحْصُلُ بالمُشاهَدَةِ وبالصِّفَةِ التي يُعْلَمُ بها المَوْصُوفُ، كما في السَّلَمِ، ويَتَعَيَّنُ بالقَبْضِ. والضَّمِينُ يُعْلَمُ بالإِشارَةِ إليه، ويَذْكُرُ اسْمَه ونَسَبَه (١)، ولا يَصِحُّ بالصِّفَةِ، بأن يَقُولَ: رجلٌ غَنِيٌّ. مِن غيرِ تَعْيِينٍ، لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأْتِي عليه. ولو قال: بشرطِ رَهْنٍ. أو: ضَمِينٍ. كان فاسِدًا؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، وليس له عُرْفٌ يَنْصَرِفُ إليه بالإِطلاقِ. ولو قال: بشَرْطِ رَهْنِ أحَدِ هذين العَبْدَين. أو: بضَمِينِ (٢) أحَدِ هذين الرجُلَين. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ، فلم يَصِحَّ مع عَدَمِ التَّعْيِينِ، كالبَيعِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وحُكِيَ عن مالكٍ، وأبي ثَوْرٍ، أنَّه يَصِحُّ الرَّهْنُ المَجْهُولُ، ويَلْزَمُه أنْ يَدْفَعَ إليه رَهْنًا بقَدْرِ الدَّينِ؛ لأنَّه وَثِيقَة، فجاز شَرْطُها مُطْلَقًا، كالشَّهادَةِ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: على أنَّ أرْهَنَكَ أحَدَ هذين العَبْدَين. جاز؛ لأنَّ بَيعَه جائِزٌ عندَه. ولَنا، أنَّه شَرَط رَهْنًا مَجْهُولًا، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَط رَهْنَ ما في كُمِّه، ولأنَّه عَقْدٌ يَخْتَلِفُ فيه المَعْقُودُ عليه، فلم يَصِحَّ مع الجَهْلِ، كالبَيعِ. وفارَقَ الشَّهادَةَ، فإنَّ لها عُرْفًا في الشَّرْعِ، فحُمِلَتْ عليه، والكَلامُ مع أبي حنيفةَ قد مَضَى في البَيعِ، فإنَّ الخِلاف فيه واحِدٌ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ المُشْتَرِيَ
стр. 6009
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن وَفَّى بالشَّرْطِ، فسَلَّمَ الرَّهْنَ، أو ضَمِن عنه الضامِنُ، لَزِم البَيعُ. وإن أبَى تَسْلِيمَ الرَّهْنِ، أو أبَى الضامِنُ أنَّ يَضْمَنَ، فللبَائِعِ الخِيارُ بينَ فَسْخِ البَيعِ، وإمْضائِه والرِّضَا به بلا رَهْنٍ ولا ضَمِين، فإنْ رَضِيَ، لَزِمَه البَيعُ. وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. ولا يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الرَّهْنِ. وقال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ: يَلْزَمُ الرَّهْنُ إذا شُرِطَ في عَقْدِ البَيعِ، ويُجْبَرُ عليه المُشْتَرِي، وإن وَجَدَه الحاكِمُ دَفَعَه إلى البائِعِ؛ لأنَّ عَقْدَ البَيعِ وَقَع عليه، أشْبَهَ الخِيارَ والأجَلَ. وقال القاضِي: ما عَدا المَكِيلَ والمَوْزُونَ، يَلْزَمُ فيه الرَّهْنُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ. وقد مَضَى الكَلامُ فيه. ولَنا، أنّه رَهْنٌ، فلم يَلْزَمْ قبلَ القَبْضِ، كما لو لم يَكُنْ مَشْرُوطًا في البَيعِ، أو كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، وإنَّما لَزِم الخِيارُ والأجَلُ بالشَّرْطِ؛ لأنَّه مِن تَوابعِ البَيعِ لا يَنْفرِدُ بنَفْسِه، والرَّهْنُ عَقْدٌ مُنْفرِدٌ بنَفْسِه، ليس مِن التَّوابعِ، ولأنَّ الخِيارَ والأجَلَ يَثْبُتُ بالقَوْلِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى تَسْلِيم، فاكْتُفِيَ في ثُبُوتِه بمُجَرَّدِ القولِ، بخِلافِ الرَّهْنِ. فأمَّا الضَّمِينُ فلا خِلافَ في أنَّه لا يَلْزَمُه الضَّمانُ، إذ لا يَلْزَمُه شَغْلُ ذِمَّتِه ووَفاءُ دَينِ غيرِه باشْتِراطِ غيرِه. ولو وَعَدَه بأنَّه يَضْمَنُ، ثم لم يَفْعَلْ، لم يَلْزَمْهُ، كما لو وَعَدَه أنَّه يَبِيعُه، ثم امْتَنَعَ. ومَتَى لم يَفِ المُشْتَرِي (١) للبائِعِ بشَرْطِه، كان له الفَسْخُ، كما لو شَرَطَ له صِفَةً في الثَّمَنِ، فلم يَفِ بها.
فصل: ولو شَرَط رَهْنًا، أو ضَمِينًا مُعَيَّنًا، فجاء بغيرِهما، لم يَلْزَمِ
стр. 6010
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البائِعَ قَبُولُه وإن كان ما أتَى به خَيرًا مِن المَشْرُوطِ، مثلَ أنْ يَأْتِيَ بأكْثَرَ قِيمَةً مِن المَشْرُوطِ، أو بضامِن أوْثَقَ مِن المُعَيَّنِ؛ لأنَّه عَقَد على مُعَيَّنٍ، فلم يَلْزَمْه قَبُولُ غيرِه، كالبَيعِ، ولأنَّ الغرَضَ يَخْتَلِفُ بالأعْيَانِ، فمنها ما يَسْهُلُ بَيعُه، ومنها ما هو أقَلُّ مُؤْنَةً وأسْهَلُ حِفْظًا، وبَعْضُ الذِّمَمِ أمْلأُ مِن بَعْض وأسْهَلُ، فلا يَلْزَمُه قَبُولُ غيرِ المُعَيَّنِ، كسائِرِ العُقُودِ.
فصل: فإن تَعَيَّبَ الرَّهْنُ، أو اسْتَحال العَصِيرُ خَمْرًا قبلَ القَبْضِ، فللبائِعِ الخِيارُ بينَ قَبْضِه مَعِيبًا ورِضاه بلارَهْن، فيما إذا تَخَمَّرَ العَصِيرُ، وبينَ فَسْخِ البَيعِ ورَدِّ الرَّهْنِ. وإن عَلِم بالعَيب بعدَ قَبْضِه، فكذلك، وليس له مع إمْساكِه أرْشٌ مِن أجْلِ العَيبِ؛ لأَنَّ الرَّهْنَ إنَّما لَزِم فيما حَصَل قَبْضُه، وهو المَوْجُودُ، والجُزءُ الفائِتُ لم يَلْزَمْ تَسْلِيمُه، فلم يَلْزَمِ الأرْشُ بَدَلًا عنه، بخِلافِ المَبِيعِ. وإن تَلِف أو تَعَيَّبَ بعدَ القَبْض، فلا خِيارَ للبائِعِ. وإنِ اخْتَلَفا في زَمَنِ حُدُوثِ العَيب، فإن كان لا يَحْتَمِلُ إلَّا قولَ أحَدِهما، فالقولُ قَوْلُه مِن غيرِ يَمِين؛ لأنَّ اليَمِينَ إنَّما تُرادُ لرَفْعِ الاحْتِمالِ. وإنِ احْتَمَلَ قَوْلَهما معًا، انْبَنَى على اخْتِلافِ المُتبايِعَين في حُدُوثِ العَيبِ، وفيه رِوايَتانِ، فيَكُونُ ههُنا وَجْهانِ؛ أحَدُهما، القولُ قولُ الرّاهِنِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ الأصْلَ صِحَّةُ العَقْدِ ولُزُومُه. والآخَرُ، القولُ قولُ المُرْتَهِنِ. وهو قِياسُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في قَبْضِ المُرْتَهِنِ للجُزْءِ الفائِتِ، فكان القولُ قولَه، كما لو اخْتَلَفا في قَبْضِ جُزْءٍ مُنْفَصِلٍ منه. وإنِ اخْتَلَفا في زَمَنِ التَّلَفِ، فقال الرّاهِنُ: بعد القَبْضِ. وقال المُرْتَهِنُ: قَبْلَه. فالقولُ قولُه؛
стр. 6011
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّه مُنْكِرٌ للقَبْضِ. وإن كان الرَّهْنُ عَصِيرًا فاسْتَحال. خَمْرًا، واخْتَلَفا في زَمَنِ اسْتِحالتِه، فالقولُ قولُ الرّاهِنِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال القاضِي: يُخَرَّجُ فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القولَ قولُ المُرْتَهِنِ، كالاخْتِلافِ في البَيعِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبْضِ، فهو (١) كما لو اخْتَلَفا في زَمَنِ التَّلَفِ. ولَنا، أنَّهما اتَّفَقا على العَقْدِ والقَبْضِ، واخْتَلَفا فيما يَفْسُدُ به، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِيه، كما لو اخْتَلَفا في شَرْطٍ فاسِدٍ. وفارَقَ اخْتِلافَهما في حُدُوثِ العَيبِ مِن وَجْهَين؛ أحَدهما، أنَّهما اتَّفَقا على القَبْضِ ههُنا، وثَمَّ اخْتَلَفا في قَبْضِ الجُزْءِ الفائِتِ. الثانِي، أنَّهما اخْتَلَفا ها هنا فيما يُفْسِدُ العَقْدَ، والعَيبُ بخِلافِه.
فصل: ولو وَجَد بالرَّهْنِ عَيبًا بعدَ أنَّ حَدَث عندَه عَيبٌ آخَرُ، فله رَدُّه وفَسْخُ البَيعِ؛ لأنَّ العَيبَ الحادِثَ في مِلْكِ الرّاهِنِ لا يَلْزَمُ المُرْتَهِنَ ضَمانه، بخِلافِ المَبِيعِ (٢). وخَرَّجَه القاضِي على رِوايَتَين، بِناءً على البَيعِ. فعلى قَوْلِه: لا يَمْلِكُ الرَّدَّ. [لا يَمْلِكُ الفَسْخَ] (٣). والصَّحِيحُ ما ذَكَرْناه. وإن هَلَك الرَّهْنُ في يَدِ المُرْتَهِنِ، ثم عَلِم أنَّه كان مَعِيبًا، لم يَمْلِكْ فَسْخَ البَيعِ؛ لأنَّه قد تَعَذَّرَ عليه رَدُّه. فإن قِيلَ: فالرَّهْنُ غيرُ مَضْمُونٍ، ولهذا لا يُمْنَعُ رَدُّه بحُدُوثِ العَيبِ فيه. قُلْنَا: إنَّما لا (٤) تُضْمَنُ قِيمَتُه لأنَّ
стр. 6012
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العَقْدَ لم يَقَعْ على مِلْكِه، وإنَّما وَقَع على الوَثِيقَةِ، فهو مَضْمُونٌ بالوَثِيقَةِ، أمّا إذا تَعَيَّبَ، فقد رَدَّه، فيَسْتَحِقُّ بَدَلَ ما رَدَّه، وههنا لم يَرُدَّ شيئًا، فلو أوْجَبْنا له بَدَلَه، لأوْجَبْنا على الرّاهِنِ غيرَ ما شَرَط على نَفْسِه.
فصل: ولو لم يَشْرُطَا رَهْنًا في البَيعِ، فتَطَوَّعَ المُشْتَرِي برَهْن، وقَبَضَه البائِعُ، كان حُكْمُه حُكْمَ الرَّهْنِ المَشْرُوطِ في بَيعِ، إلَّا أنَّه إذا رَدَّه بعَيبٍ أو غيرِه، لم يَمْلِكْ فَسْخَ البَيعِ.
فصل: إذا تَبايَعا بشَرْطِ أنَّ يَكُونَ المَبِيعُ رَهْنًا على ثَمَنِه، لم يَصِحَّ. قاله ابنُ حامِدٍ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَبِيعَ حينَ شَرَط رَهْنَه لم يَكُنْ مِلْكًا له، وسَواءٌ شَرَط أنَّه يَقْبِضُه ثم يَرْهَنُه، أو شَرَط رَهْنَه قبلَ قَبْضِه. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا حَبَس المَبِيعَ ببَقِيَّةِ الثَّمَنِ، فهو غاصِبٌ، ولا يَكُونُ رَهْنًا، إلَّا أنَّ يَكُونَ شَرْطًا عليه في نَفْسِ البَيعِ. وهذا يَدُلُّ على صِحَّةِ الشَّرْطِ؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيعُه، فصحَّ رَهْنُه. وقال القاضي: مَعْنَى هذه الرِّوايةِ أنَّه شَرَط عليه في البَيعِ رَهْنًا غيرَ المَبِيعِ، فيَكُونُ له حَبْس المَبِيعِ حتى يَقْبِضَ الرَّهْنَ، فإن لم يَف به، [وإلَّا] (١) فَسَخَ البَيعَ. فأمّا شَرْطُ رَهْنِ المَبِيعِ نَفْسِه على ثَمَنِه، فلا يَصِحُّ؛ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ له. والثاني، أنَّ البَيعَ يَقتَضِي إيفاءَ الثَّمَنِ مِن غيرِ المَبِيعِ. والثالِثُ، أنَّ البَيعَ يَقْتَضِي أنَّ يَكُونَ إمْساكُ المَبِيعِ مَضْمُونًا، والرَّهْنُ يَقْتَضِي أنَّ لا يَكُونَ مَضْمُونًا. الرابعُ، أنَّ البَيعَ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ المَبِيعِ أوَّلًا،
стр. 6013
فَصْلٌ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الدَّينِ، أو الرَّهْنِ، أوْ رَدِّهِ، أوْ قَال: أَقْبَضْتُكَ عَصِيرًا. قَال: بَلْ خَمْرًا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ.
ــ
ورَهْنُ المَبِيعِ يَقْتَضِي أنَّ لا يُسَلِّمَه حتى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، وهذا تَنَاقُضٌ في الأحْكامِ. وظاهِرُ الرِّوايَةِ صِحَّةُ رَهْنِه. قولُهم: إنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ. قلنا: إنَّما شَرَط رَهْنَه بعدَ مِلْكِه. وقَوْلُهم: البَيعُ يَقْتَضِي إيفاءَ الثَّمَنِ مِن غيرِ المَبِيعِ. مَمْنُوع، إنَّما يَقْتَضِي إيفاءَ الثَّمَنِ مُطْلَقًا، ولو تَعَذَّرَ وَفاءُ الثَّمَنِ مِن غيرِ المَبِيعِ لاسْتَوْفَى مِن ثَمَنِه. قَوْلُهم: البَيعُ يَقتَضِي تَسْلِيمَ المَبِيعِ قبلَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ. مَمْنُوعٌ. وإن سُلِّمَ، فلا يَمْنَعُ أنْ يَثْبُتَ بالشّرْطِ خِلافُه، كما أنَّ مُقْتَضَى البَيعِ حُلُولُ الثَّمَنِ ووُجُوبُ تَسْلِيمِه في الحالِ، ولو شَرَط التَّأْجِيلَ، جاز، وكذلك مُقْتَضَى البَيعِ ثُبُوتُ المِلْكِ في المَبِيعِ والتَّمْكِينُ مِن التَّصَرُّفِ فيه، ويَنْتَفِي بشَرْطِ الخيارِ، وهذا الجَوابُ عن باقي الوُجُوهِ. فأمّا إن لم يَشْرُطْ ذلك في البَيعِ، لكن رَهَنَه عندَه بعدَ البَيعِ؛ فإن كان بعد لُزُومِ البَيعِ، فالأوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّه يَصِحُّ رَهْنُه عندَ غَيرِه، فصَحَّ عندَه، كغَيرِه، ولأنَّه يَصِحُّ رَهْنُه على غيرِ ثَمَنِه، فيَصِحُّ رَهْنُه على ثَمَنِه. وإن كان قَبْلَ لُزُومِ البَيعِ، انْبَنَى على جَوازِ التَّصَرُّفِ في المَبِيعِ، ففي كلِّ مَوْضِعٍ جازَ التَّصَرُّفُ فيه جاز رَهْنُه، وما لا فلا؛ لأنَّه نَوْعُ تَصَرُّفٍ، أشْبَهَ البَيْعَ.
فصل: قال الشَّيخُ، ﵀: (وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الدَّينِ، أو الرَّهْنِ، أو رَدِّه، أو قال: أقْبَضْتُكَ عَصِيرًا. قال: بل خَمْرًا. فالقولُ
стр. 6014
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قولُ الرّاهِنِ) إذا اخْتَلَفا في قَدْرِ الحَقِّ، نحوَ أنَّ يَقُولَ الرّاهِنُ: رَهَنْتُكَ عَبْدِي هذا (١) بأَلْفٍ. فقال المُرْتَهِنُ: بل بألْفَين. فالقولُ قولُ الرّاهِنِ. وبه قال النَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيّ، والشافعيُّ، والبَتِّيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأيِ. وحُكِيَ عن الحَسَنِ، وقَتادَةَ، أنَّ القولَ قولُ المُرْتَهِنِ، ما لم يُجاوزْ ثَمَنَ الرَّهْنِ، أو قِيمَتَه. ونَحوُه قولُ مالكٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ بقَدْرِ الحَقِّ. ولَنا، أنَّ الرّاهِنَ مُنكِرٌ للزِّيادَةِ التي يَدَّعِيها المُرْتَهِنُ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأمْوَالهُمْ، ولكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ». رَواه مسلم (٢). ولأنَّ الأصْلَ براءَةُ الذِّمَّةِ مِن هذه الألْفِ، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِيها، كما لو اخْتَلَفا في أصْلِ الدَّينِ، وما ذَكَرُوه مِن الظّاهِرِ غيرُ
стр. 6015
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُسَلَّمٍ؛ فإنَّ العادَةَ رَهْنُ الشيءِ بأقَلَّ مِن قِيمَتِه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ القولَ قولُ الرّاهِنِ في قَدْرِ ما رَهَنَه، سَواءٌ اتَّفَقا على أنَّه رَهَنَه بجَميعِ الدَّينِ، أو اخْتَلَفا، فلو اتَّفقا على أنَّ الذينَ ألْفانِ، وقال الرّاهِنُ: إنَّما رَهَنْتُك بأحَدِ الألْفَين. وقال المُرْتَهِنُ: إنَّما رَهَنْتَنِي بهما. فالقولُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمينِه؛ لأنَّه يُنْكِرُ تَعَلُّقَ حَقِّ المُرْتَهِنِ في أحَدِ الألْفَين بعَبْدِه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. وإنِ اتَّفَقا على أنَّه رَهْن بأحَدِ الألْفَين، وقال الرّاهِنُ: رَهَنْتُه بالمُؤَجَّلِ. وقال المُرْتَهِنُ: بل بالحالِّ. فالقولُ قولُ الرّاهِنِ معِ يَمِينه؛ لأنَّه شكِر، ولأنَّ القولَ قَوْلُه في أصْلِ الرَّهْنِ، فكذلك في صِفتِه، هذا إذا لم تَكُنْ بَيِّنة. فإن كان لأحَدِهما بَيِّنةٌ، حُكِمَ له بها، وَجْهًا واحِدًا. وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الرَّهْنِ، فقال: رَهَنْتُك هذا العَبْدَ. قال: بل هو والعَبْدَ الآخَرَ. فالقولُ قولُ الرّاهِنِ؛ لأنَّه مُنْكِر. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. وإن قال: رَهَنْتُكَ هذا العَبْدَ. قال: بل هذه الجارِيَةَ. خَرَج العَبْدُ مِن الرَّهْنِ؛ لاعْتِرافِ المُرْتَهِنِ بأنه لم يَرْتَهِنْه (١)، وحَلَف الرّاهِنُ على أنَّه ما رَهَنَه الجارِيَةَ، وخَرَجَتِ الجاريةُ (٢). مِن الرَّهْنِ أيضًا.
стр. 6016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإنِ اخْتَلَفا في رَدِّ الرَّهْنِ إلى الرّاهِنِ، فالقولُ قَوْلُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، والأصْلُ معه. وكذلك الحُكْمُ في المُسْتَأجِرِ، إذا ادَّعَى رَدَّ العَينِ المُسْتَأجَرَةِ. وقال أبو الخَطّابِ: يَتَخَرَّجُ فيهما وَجْه آخَرُ، أنَّ القولَ قولُ المُرْتَهِنِ والمُسْتَأجِرِ في الرَّدِّ، بناءً على المُضارِب والوَكِيلِ بجُعْلٍ، فإنَّ فيهما وَجْهَين، والفَرْقُ بينَهما وبينَ المُرْتَهِنِ، أَنَّ المُرْتَهِنَ قَبَض العَينَ ليَنْتَفِعَ بها، وكذلك المُسْتَأجِرُ والوَكِيلُ، قَبَض العَينَ ليَنْتَفِعَ بالجُعْلِ لا بالعَينِ، والمُضارِبُ قَبَضها ليَنْتَفِعَ برِبْحِها لَا بها. وإنِ اخْتَلَفا في تَلَفِ العَينِ، فالقولُ قولُ المُرْتَهِن حِع يَمينه؛ لأنَّ يَدَه يَدُ أمانَةٍ، ويَتَعَذَّرُ عليه إقامَةُ البَيِّنةِ على التَّلَفِ، فقُبِلَ قَوْلُه فيه، كالمُودَعِ. فإنْ أتْلَفَها المُرْتَهِنُ، أو تَلِفَتْ بتَفرِيطِه، واخْتَلَفا في القِيمَةِ، فالقولُ قولُ المُرْتَهِن مع يَمِينه؛ لأنَّه غارِمٌ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
فصل: وإن قال الرّاهِنُ: رَهَنْتُك عَصِيرًا. قال: بل خمْرًا. فالقولُ قولُ الرّاهِنِ. يُرِيدُ إذا كان الرهْنُ شُرِطَ في البَيعِ، فقال الرّاهِنُ: رَهَنْتُكَ
стр. 6017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَصِيرًا، فليس لك فَسْخُ البَيعِ. وقال المُرْتَهِنُ: بل رَهَنْتَنِي خَمْرًا، فلي فَسْخُ البَيعِ. فالقولُ قولُ الرّاهِنِ. نَصَّ عليه أحمدُ. لأنَّهما اخْتَلَفا فيما يَفْسُدُ به (١) العَقْدُ، فكان القولُ قولَ من يَنْفِيه. وقد ذَكَرْنا ذلك.
فصل: وإذا قال: بِعْتُكَ هذا الثَّوْبَ، على أنَّ تَرْهَنَني بثَمَنِه عَبْدَيكَ هذَين. قال: بل على رَهْنِ هذا وَحْدَه. فحَكَى القاضِي فيها رِوايَتَين؛ إحْداهُما، يَتَحالفانِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في البَيعِ، فهو كالاخْتِلافِ في الثَّمَنِ. والثانيةُ، القولُ قولُ الرَّاهِنِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لشَرْطِ رَهْنِ العَبْدِ المُخْتَلَفِ فيه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. وهذا أصَحُّ.
فصل: وإن قال: أرْسَلْتَ وَكِيلَكَ، فرَهَنَني عَبْدَك هذا على عِشْرِينَ
стр. 6018
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَبَضَها. قال: ما أمَرْتُه إلَّا بعَشَرَةٍ، ولا قَبَضْتُ إلَّا عَشَرَةً. سُئِلَ الرَّسُولُ، فإن صَدَّقَ الرَّاهِنَ، فعليه اليَمِينُ أنَّه ما رَهَنَه إلَّا بعَشَرَةٍ، ولا قَبَض إلَّا عَشَرَةً، ولا يَمِينَ على الرّاهِنِ؛ لأنَّ الدَّعْوَى على غَيرِه، فإذا حَلَف الوَكِيلُ، بَرِئَا جَمِيعًا، وإن نَكَل، فعليه العَشَرَةُ المُخْتَلَفُ فيها، ولا يَرْجِعُ بها على أحَدٍ؛ لأنَّه يُصَدِّقُ الرّاهِنَ في أنَّه ما أخَذَها ولا أمَرَه بأخْذِها وإنَّما المُرْتَهِنُ ظَلَمَه. وإن صَدَّقَ المُرْتَهِنَ، وادَّعَى أنَّه سَلّمَ العِشْرِينَ إلى الرّاهِنِ، فالقولُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمِينه. فإن نَكَل، قُضِيَ عليه بالعَشَرَةِ، وتُدْفَعُ إلى المُرتَهِنِ، وإن حَلَف، بَرِيء، وعلى الوَكِيلِ غَرامَةُ العَشَرَةِ للمُرْتهنِ؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّها حَق له وإنَما الرّاهِن ظَلَمَه. فإن عَدِمِ الوَكِيلَ، أو تَعَذَّرَ إحْلافُه، فعلى الرّاهِنِ اليَمِينُ أنَّه ما أذِنَ في رَهْنِه إلَّا بعَشرَةٍ، ولا قَبَض أكثرَ منها، ويَبْقَى الرَّهْنُ بعَشَرةٍ.
فصل: إذا كان على رجلٍ ألْفانِ؛ أحَدُهما برَهْنٍ، والآخَرُ بغَيرِ رَهْن، فقَضَى ألْفًا، وقال: قَضَيتُ دَينَ الرَّهْنِ. وقال المُرْتَهِنُ: بل قَضَيتَ الدَّينَ الآخَرَ. فالقَوْلُ قولُ الرّاهِنِ مع يَمِينه، سَواءٌ اخْتَلَفا في نِيَّةِ الرّاهِنِ أو في لَفْظِه؛ لأنه أعْلَمُ بنِيَّته وصِفَةِ دَفْعِه، ولأنَّه يَقُولُ: إنَّ (١) الدَّينَ الباقِيَ بلا رَهْن. والقولُ قَوْلُه في أصْلِ الرَّهْنِ، فكذلك في صِفَتِه. وإنْ أطْلَقَ القَضاءَ، ولم يَنْو شيئًا، فقال أبو بكر: له صَرْفُها إلى أيِّهما شاء، كما لو كان له مالٌ حاضِرٌ وغَائِبٌ، فأدَّى قَدْرَ زَكاةِ أحَدِهما، كان (٢) له
стр. 6019
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ يُعَيِّنَ عن أيِّ المالينِ شاء. وهذا قولُ بَعْضِ أصحابِ الشافعيِّ. وقال بَعْضُهم: يَقَعُ الدَّفْعُ عن الدَّينَين معًا، عن كلِّ واحِدٍ نِصْفُه؛ لأنَّهما تَساوَيا في القَضاءِ، فتَساوَيا في وُقُوعِه عنهما، فأمّا إن أبرَأه المُرْتَهِنُ مِن أحَدِ الدَّينَين، واخْتَلَفا، فالقولُ قولُ المُرْتَهِنِ، على التَّفْصِيلِ الذي ذَكَرْناه في الرَّهْنِ. ذَكَرَه أبو بكرٍ.
فصل: إذا اتَّفَقَ المُتَراهِنان على قَبْضِ العَدْلِ للرَّهْنِ، لَزِم الرَّهْنُ في حَقِّهما، ولم يَضُرَّ إِنْكارُه؛ لأنَّ الحَقَّ لهما. وإن قال أحَدُهما: قَبَضَه العَدْلُ. فأنْكَرَ الآخرُ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ، كما لو اخْتَلَفا في قَبْضِ المُرْتَهِنِ، فإن شَهِد (١) العَدْلُ بالقَبْضِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه؛ لأنَّها شَهادَةُ الوَكِيلِ لمُوَكِّلِه، فيما هو وَكِيل فيه.
فصل: إذا كان في يَدِ رجلٍ عَبْدٌ، فقال: رَهَنْتَنِي عَبْدَك هذا بألْفٍ. قال: بل غَصَبْتَهُ. أو: اسْتَعَرْتَه. فالقولُ قولُ السيِّدِ، سواءٌ اعْتَرَف بالدَّينِ أو جَحَدَه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الرَّهْنِ. وإن قال السَّيِّدُ: بِعْتُك عَبْدِي
стр. 6020
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا بألْفٍ. قال: بل رَهَنْتَه عندي بها. فالقولُ قولُ كلِّ واحِدٍ منهما في العَقْدِ الذي يُنكِرُه، ويأخُذُ السَّيِّدُ عَبْدَه. وإن قال: رَهَنْتُكَهُ بألْفٍ أقْرَضْتَنِيه. قال: بل بِعْتَنِيه بألْفٍ قَبَضْتَه مِنِّي ثَمَنًا. فكذلك، ويَرُدُّ صاحِبُ العَبْدِ الألْفَ، ويَأخُذُ عَبْدَه.
فصل: وإذا ادَّعَى على رَجُلَين، فقال: رَهَنْتُمانِي عَبْدَكُما بدَيني عَلَيكُما. فأنْكَرَاه، فالقولُ قَوْلُهما، فإن شَهِد كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه، قُبِلَتْ شَهادَتُه، وللمُرْتَهِنِ أنَّ يَحْلِفَ مع كلِّ واحِدٍ نهما، ويَصِيرَ جَميعُه رَهْنًا، أو يَحْلِفَ مع أحَدِهما، ويَصِيرَ نَصِيبُ الآخَرِ رَهْنًا. وإن أقَرَّ أحَدُهما، ثَبَت في حَقِّه وَحْدَه. وإن شَهِد المُقِرُّ على المُنْكِرِ، قُبِلَتْ
стр. 6021
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَهادَتُه؛ لأنَّه لا يَجْلِبُ لنَفْسِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضررًا (١). وبهذا قال أصحابُ الشافعيِّ. وقال بعضُهم: إذا أنْكَرا جَمِيعًا، ففي شَهادَتِهما نَظَر؛ لأنَّ المَشْهُودَ له يَدَّعِي أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما ظالِمٌ له بجُحُودِه حَقَّه مِن الرَّهْنِ، ومتى طَعَن المَشْهُودُ له في شُهُودِه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهم له. قُلْنا: هذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ إنْكارَ الدَّعْوَى لا يَثْبُتُ به فِسْقُ المُدَّعَى عليه وإن كان الحَقُّ عليه؛ لجَوازِ أن يَنْسَى أو يَلْحَقَه شُبْهَةٌ فيما يَدَّعِيه أو يُنْكِرُه. وكذلك (٢) لو تَداعَى رَجُلانِ شيئًا، وتخاصَما فيه، ثم شَهِدا عندَ الحاكِمِ بِشيءٍ، لم تُرَدَّ شَهادَتُهما وإن كان أحَدُهما كاذِبًا. ولو ثَبَت الفِسْقُ بذلك، لم يَجُزْ قَبُولُ شَهادَتِهما جَمِيعًا، مع تَحَقُّقِ الجَرْحِ في أحَدِهما.
стр. 6022
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا ادَّعَى رجلان على رَجُلٍ أنَّه رَهَنَهُما عَبْدَه، وقال كل واحِدٍ منهما: رَهَنَه عندِي دُونَ صاحِبي. فأنْكَرَهما، فالقولُ قَولُه. وإن أنْكَرَ أحَدَهما، وصَدَّقَ الآخَرَ، سُلِّمَ إلى مَن صَدَّقَة، وحُلِّفَ الآخرُ. وإن قال: لا أعْلَمُ المُرْتَهِنَ منهما. حَلَف على ذلك، والقولُ قولُ مَن هو في يَدِه منهما، مع يَمِينه. وإن كان في أيدِيهما، حَلَف كل واحِدٍ منهما على نِصْفِه، وصار رَهْنًا عندَه. وإن كان في يَدِ غيرِهما، أقْرِعَ بينَهما، فمَنْ قَرَع صاحِبَه، حَلَف وأخَذَه، كما لو ادَّعَيا مِلْكَه. ولو قال: رَهَنْتُه عند أحَدِهما، ثم رَهَنْتُه للآخَرِ (١)، ولا أعْلَمُ السّابِقَ منهما. فكذلك. وإن قال: هذا هو السّابِقُ بالعَقْدِ والقَبْضِ. سُلِّم إليه، وحَلَف للآخَرِ (٢). وإن نَكَل والعَبْدُ في يَدِ الأوَّلِ، أو يَدِ غَيرِه، فعليه قِيمَتُه للثَّانِي، كما لو قال: هذا العَبْدُ لزَيدٍ، وغَصَبْتُه مِن عَمْرو، فإنه يُسَلَّمُ إلى زَيدٍ، ويَغْرَمُ قِيمَتَه لعَمْرو. وإنْ نَكَل والعَبْدُ في يَدِ (٣) الثانِي، أُقِرَّ في يَدِه، وغَرِم قِيمَتَه
стр. 6023
وإنْ أقَرَّ الرَّاهِنُ أنَّهُ أعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ رَهْنِهِ، عَتَقَ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ
ــ
للأوَّلِ؛ لأنَّه أقَرَّ له بعدَ ما فَعَل ما حال بينَه وبينَ مَن أقَرَّ (١) له به، فلَزِمَتْهُ قِيمَتُه، كما قُلْنا. وقال القاضِي (٢): إذا اعْتَرَف به (٣) لغيرِ مَن هو في يَدِه فهل يَرْجَحُ صاحِبُ اليَدِ أو المُقَرُّ له؟ على وَجْهَين. ولو اعْتَرَف لأحَدِهما، وهو في يَدَيهِما، ثَبَتَتْ يَدُ المُقَرِّ له في النِّصْفِ، وفي النصْفِ الآخَرِ وَجْهان.
١٨٠٨ - مسألة: (وإن أقَرَّ الرّاهِنُ أنَّه أعْتَقَ العَبْدَ قَبلَ رَهْنِه)
стр. 6024
رَهنًا، وَإنْ أَقَرَّ أنَّه كان جَنَى، أَو أنَّهُ بَاعَهُ، أَوْ غَصَبَهُ، قُبِلَ عَلَى نَفسِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، إلا أَنْ يُصَدِّقَهُ.
ــ
فالحُكْمُ في ذلك كما لو أعْتَقَه بعدَ رَهْنِه على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ؛ لأنَّ كلَّ مَن صَحَّ منه إنْشاءُ عَقْدٍ، صَحَّ منه الإِقْرارُ به، ولا يُقْبَلُ قَوْلُه في تَقَدُّمِ عِتْقِه؛ لأنَّه يُسْقِطُ حَقَّ المُرْتَهِنِ مِن عِوَضِه، فعلى هذا تُؤْخَذُ منه قِيمَتُه فتُجْعَلُ رَهْنًا مكانَه إن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه فَوَّتَه على المُرْتَهِنِ (١) بإقْرارِه، فهو كما لو أعْتَقَه، وإن كان مُعْسِرًا، فالحُكْمُ فيه كما ذَكَرْنا.
١٨٠٩ - مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّه كان جَنَى، أو أنَّه باعَه، أو غَصَبَه، قُبِلَ على نَفْسِه، ولم يُقْبَلْ على المُرْتَهِنِ، إلَّا أنَّ يُصَدِّقَه) وجُمْلته، أنَّه إذا أقَرَّ الرّاهِنُ أنَّ العَبْدَ كان جَنَى قبلَ رَهْنِه، فكَذَّبَه المُرْتَهِنُ وَوَلِيُّ الجِنايَةِ، لم يُسْمَعْ قَوْلُه، وإن صَدَّقَه وَلِيُّ الجِنايَةِ وَحْدَه، قُبِلَ إقْرارُه
стр. 6025
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على نَفْسِه دُونَ المُرْتَهِنِ، ويَلْزَمُه أَرْشُ الجِنايَةِ؛ لأنَّه حال بينَ المَجْنِيِّ عليه وبينَ رَقَبَةِ الجانِي بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو جَنَى عليه. وإن كان مُعْسِرًا، فمتى انْفَكَّ الرَّهْنُ، كان المَجْنِيُّ عليه أحَقَّ برَقَبَتِه، وعلى المُرْتَهِنِ اليَمينُ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك، فإن نَكَل قُضِيَ عليه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْبَلُ إقْرارُ الرّاهِنِ؛ لأنَّه غَيرُ مُتَّهَمٍ؛ لكَوْنِه [يُقِرُّ بما] (١) يُخْرِجُ الرَّهْنَ (٢) مِن مِلْكِهِ، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّه يُبْطِلُ بإقْرارِه حَقَّ المُرْتَهِنِ فيه. وإن أقَرَّ أنَّه غَصَبَه، لم يُقْبَلْ على المُرْتَهِنِ؛ لأنَّ إقْرارَ غيرِه لا يُقْبَلُ في حَقه. فعلى هذا، لا يَخْرُجُ مِن الرَّهْنِ، ولا يَزُولُ شيء مِن أحْكامِ الرَّهْنِ، ويَلْزَمُه قِيمَتُه للمَغْصُوبِ منه؛ لأَنه حَال بينَه وبينَه برَهْنِه. وكذلك لا يُقْبَلُ إقْرارُه على