← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَهادَتُه؛ لأنَّه لا يَجْلِبُ لنَفْسِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضررًا (١). وبهذا قال أصحابُ الشافعيِّ. وقال بعضُهم: إذا أنْكَرا جَمِيعًا، ففي شَهادَتِهما نَظَر؛ لأنَّ المَشْهُودَ له يَدَّعِي أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما ظالِمٌ له بجُحُودِه حَقَّه مِن الرَّهْنِ، ومتى طَعَن المَشْهُودُ له في شُهُودِه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهم له. قُلْنا: هذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ إنْكارَ الدَّعْوَى لا يَثْبُتُ به فِسْقُ المُدَّعَى عليه وإن كان الحَقُّ عليه؛ لجَوازِ أن يَنْسَى أو يَلْحَقَه شُبْهَةٌ فيما يَدَّعِيه أو يُنْكِرُه. وكذلك (٢) لو تَداعَى رَجُلانِ شيئًا، وتخاصَما فيه، ثم شَهِدا عندَ الحاكِمِ بِشيءٍ، لم تُرَدَّ شَهادَتُهما وإن كان أحَدُهما كاذِبًا. ولو ثَبَت الفِسْقُ بذلك، لم يَجُزْ قَبُولُ شَهادَتِهما جَمِيعًا، مع تَحَقُّقِ الجَرْحِ في أحَدِهما.

стр. 6022

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا ادَّعَى رجلان على رَجُلٍ أنَّه رَهَنَهُما عَبْدَه، وقال كل واحِدٍ منهما: رَهَنَه عندِي دُونَ صاحِبي. فأنْكَرَهما، فالقولُ قَولُه. وإن أنْكَرَ أحَدَهما، وصَدَّقَ الآخَرَ، سُلِّمَ إلى مَن صَدَّقَة، وحُلِّفَ الآخرُ. وإن قال: لا أعْلَمُ المُرْتَهِنَ منهما. حَلَف على ذلك، والقولُ قولُ مَن هو في يَدِه منهما، مع يَمِينه. وإن كان في أيدِيهما، حَلَف كل واحِدٍ منهما على نِصْفِه، وصار رَهْنًا عندَه. وإن كان في يَدِ غيرِهما، أقْرِعَ بينَهما، فمَنْ قَرَع صاحِبَه، حَلَف وأخَذَه، كما لو ادَّعَيا مِلْكَه. ولو قال: رَهَنْتُه عند أحَدِهما، ثم رَهَنْتُه للآخَرِ (١)، ولا أعْلَمُ السّابِقَ منهما. فكذلك. وإن قال: هذا هو السّابِقُ بالعَقْدِ والقَبْضِ. سُلِّم إليه، وحَلَف للآخَرِ (٢). وإن نَكَل والعَبْدُ في يَدِ الأوَّلِ، أو يَدِ غَيرِه، فعليه قِيمَتُه للثَّانِي، كما لو قال: هذا العَبْدُ لزَيدٍ، وغَصَبْتُه مِن عَمْرو، فإنه يُسَلَّمُ إلى زَيدٍ، ويَغْرَمُ قِيمَتَه لعَمْرو. وإنْ نَكَل والعَبْدُ في يَدِ (٣) الثانِي، أُقِرَّ في يَدِه، وغَرِم قِيمَتَه

стр. 6023

وإنْ أقَرَّ الرَّاهِنُ أنَّهُ أعْتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ رَهْنِهِ، عَتَقَ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ ــ للأوَّلِ؛ لأنَّه أقَرَّ له بعدَ ما فَعَل ما حال بينَه وبينَ مَن أقَرَّ (١) له به، فلَزِمَتْهُ قِيمَتُه، كما قُلْنا. وقال القاضِي (٢): إذا اعْتَرَف به (٣) لغيرِ مَن هو في يَدِه فهل يَرْجَحُ صاحِبُ اليَدِ أو المُقَرُّ له؟ على وَجْهَين. ولو اعْتَرَف لأحَدِهما، وهو في يَدَيهِما، ثَبَتَتْ يَدُ المُقَرِّ له في النِّصْفِ، وفي النصْفِ الآخَرِ وَجْهان. ١٨٠٨ - مسألة: (وإن أقَرَّ الرّاهِنُ أنَّه أعْتَقَ العَبْدَ قَبلَ رَهْنِه)

стр. 6024

رَهنًا، وَإنْ أَقَرَّ أنَّه كان جَنَى، أَو أنَّهُ بَاعَهُ، أَوْ غَصَبَهُ، قُبِلَ عَلَى نَفسِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، إلا أَنْ يُصَدِّقَهُ. ــ فالحُكْمُ في ذلك كما لو أعْتَقَه بعدَ رَهْنِه على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ؛ لأنَّ كلَّ مَن صَحَّ منه إنْشاءُ عَقْدٍ، صَحَّ منه الإِقْرارُ به، ولا يُقْبَلُ قَوْلُه في تَقَدُّمِ عِتْقِه؛ لأنَّه يُسْقِطُ حَقَّ المُرْتَهِنِ مِن عِوَضِه، فعلى هذا تُؤْخَذُ منه قِيمَتُه فتُجْعَلُ رَهْنًا مكانَه إن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه فَوَّتَه على المُرْتَهِنِ (١) بإقْرارِه، فهو كما لو أعْتَقَه، وإن كان مُعْسِرًا، فالحُكْمُ فيه كما ذَكَرْنا. ١٨٠٩ - مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّه كان جَنَى، أو أنَّه باعَه، أو غَصَبَه، قُبِلَ على نَفْسِه، ولم يُقْبَلْ على المُرْتَهِنِ، إلَّا أنَّ يُصَدِّقَه) وجُمْلته، أنَّه إذا أقَرَّ الرّاهِنُ أنَّ العَبْدَ كان جَنَى قبلَ رَهْنِه، فكَذَّبَه المُرْتَهِنُ وَوَلِيُّ الجِنايَةِ، لم يُسْمَعْ قَوْلُه، وإن صَدَّقَه وَلِيُّ الجِنايَةِ وَحْدَه، قُبِلَ إقْرارُه

стр. 6025

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على نَفْسِه دُونَ المُرْتَهِنِ، ويَلْزَمُه أَرْشُ الجِنايَةِ؛ لأنَّه حال بينَ المَجْنِيِّ عليه وبينَ رَقَبَةِ الجانِي بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو جَنَى عليه. وإن كان مُعْسِرًا، فمتى انْفَكَّ الرَّهْنُ، كان المَجْنِيُّ عليه أحَقَّ برَقَبَتِه، وعلى المُرْتَهِنِ اليَمينُ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك، فإن نَكَل قُضِيَ عليه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْبَلُ إقْرارُ الرّاهِنِ؛ لأنَّه غَيرُ مُتَّهَمٍ؛ لكَوْنِه [يُقِرُّ بما] (١) يُخْرِجُ الرَّهْنَ (٢) مِن مِلْكِهِ، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّه يُبْطِلُ بإقْرارِه حَقَّ المُرْتَهِنِ فيه. وإن أقَرَّ أنَّه غَصَبَه، لم يُقْبَلْ على المُرْتَهِنِ؛ لأنَّ إقْرارَ غيرِه لا يُقْبَلُ في حَقه. فعلى هذا، لا يَخْرُجُ مِن الرَّهْنِ، ولا يَزُولُ شيء مِن أحْكامِ الرَّهْنِ، ويَلْزَمُه قِيمَتُه للمَغْصُوبِ منه؛ لأَنه حَال بينَه وبينَه برَهْنِه. وكذلك لا يُقْبَلُ إقْرارُه على

стр. 6026

فَصْلٌ: وَإذَا كَانَ الرَّهْنُ مَرْكُوبًا أوْ مَحْلُوبًا، فَلِلْمُرْتَهِنِ أنْ يَرْكَبَ وَيَحْلُبَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ، مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ. ــ المُرْتَهِنِ ببَيعٍ ولا هِبَةٍ؛ لِما ذَكَرْنا. فإن صَدَّقَه المُرْتَهِنُ في ذلك، بَطَل الرَّهْنُ؛ لاعْتِرافِه بما يُبْطِلُه، فإذا انْفَكُّ، أخَذَ الرّاهِنُ بإقْرارِه. فصل: قال الشَّيخُ، ﵁: (وإذا كان الرَّهْنُ مَرْكُوبًا أو مَحْلُوبًا، فللمُرْتَهِنِ أنَّ يَرْكَبَ ويَحْلُبَ بقَدْرِ نَفَقَتِه، مُتَحَرِّيًا للعَدْلِ في ذلك) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الرَّهْنَ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَين؛ حَيَوانٍ، وغيرِه. والحَيَوانُ نَوْعان؛ أحَدُهما، إذا كان مَرْكُوبًا أو مَحْلُوبًا، فللمُرْتَهِنِ أنَّ يُنْفِقَ عليه، ويَرْكَبَ، ويَحْلُبَ، بقَدْرِ نَفَقتِه، مُتَحَرِّيًا للعَدْلِ في ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ، وأحمدَ بنِ القاسِمِ. واخْتارَهْ الخِرَقِيُّ. وهو قولُ إسحاقَ. وسواء أنْفَقَ مع تَعَذُّرِ النُّفَقَةِ مِن الرّاهِنِ؛ لغَيبَةٍ أو امْتِناع، أو مع القُدْرَةِ على أخْذِ النَّفَقَةِ منه واسْتِئْذانِه. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يُحْتَسَبُ له بما أنْفَقَ وهو مُتَطَوِّعٌ بها، ولا يَنْتَفِعُ مِن الرَّهْن

стр. 6027

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بشيء. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ؛ لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيه غُرْمُهُ» (١). ولأنَّه مِلْكُ غيرِه، لم يَأْذَنْ له في الانْتِفاعِ به ولا الإِنْفاقِ عليه، فلم يَكُنْ له ذلك، كغيرِ الرَّهْنِ. ولَنا، ما رَوَى البُخارِيُّ (٢) بإسْنادِه، عن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بنَفَقَتِهِ إذا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ (٣) الدَّر يُشْرَبُ بِنَفَقَتِه إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ». فجَعَلَ مَنْفَعَتَه بنَفَقَتِه، وهذا مَحَلُّ النِّزاعِ. فإن قِيلَ: المُرادُ به [أنَّ الرّاهِنَ] (٤) يُنْفِقُ ويَنْتَفِعُ. قُلْنا: لا يَصِحُّ؛ لوَجْهَين: أحَدُهما،

стр. 6028

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّه قد رُوِيَ في بَعْضِ الألْفاظِ: «إذَا كانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلَى المُرْتَهِن عَلَفُهَا، وَلَبَن (١) الدَّرِّ يُشْرَبُ، وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُه، [ويَرْكَبُ] (٢)» فجَعَلَ المُنْفِقَ المُرْتَهِنَ، فيَكُونُ هو المُنْتَفِعَ. الثّانِي، أنَّ قَوْلَه: «بِنَفَقَتِهِ». يُشِيرُ إلى أنَّ الانْتِفاعَ عِوَضُ النَّفَقَةِ، وإنَّما ذلك في حَقِّ المُرْتَهِنِ، أمّا الرّاهِنُ فإنْفاقُه وانْتِفاعُه لا بِطَرِيقِ المُعاوَضَةِ لأحَدِهما بالآخَرِ، ولأنَّ نَفَقَةَ الحَيَوانِ واجِبَةٌ، وللمُرْتَهِنِ فيه حَقٌّ، وقد أمْكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه مِن نَماءِ الرَّهْنِ، والنِّيابَةِ عن المالِكِ فيما وَجَب عليه، واسْتِيفاءِ ذلك مِن مَنافِعِه، فجازَ ذلك، كما يَجُوزُ للمَرْأةِ أخْذُ مُؤنَتِها مِن مالِ زَوْجِها عندَ امْتِناعِه بغيرِ إذْنِه، والنِّيابَةُ (٣) في الإِنْفاقِ عليها. والحَدِيثُ نَقُولُ به، والنَّماءُ للرّاهِنِ، ولكنْ للمُرْتَهِنِ ولايةُ صَرْفِه إلى نَفَقتِه؛ لثُبُوتِ يَدِه عليه وولايته، وهذا في مَن أنْفَقَ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، فإن أنْفَقَ مُتَبَرِّعًا بغيرِ نِيَّةِ الرُّجُوعِ، لم يَنْتَفِعْ به، رِوايَةً واحِدَةً.

стр. 6029

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: النَّوْعُ الثانِي، الحَيَوانُ غيرُ المَرْكُوبِ والمَحْلُوبِ، كالعَبْدِ والأمَةِ، فليس للمُرْتَهِنِ أنَّ يُنْفِقَ عليه ويَسْتَخْدِمَه بقَدْرِ نَفَقَتِه، في ظاهِرِ المَذْهَب. ذَكَرَه الخِرَقِي (١). ونصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ. قال: سَمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن الرجلِ يَرْهَنُ العَبْدَ، فيَسْتَخْدِمُه؟ فقال: الرَّهْنُ لا يُنْتَفَعُ منه بشيءٍ، إلَّا حَدِيثَ أبي هُرَيرَةَ خاصَّةً في الذي يُرْكَبُ ويُحْلَبُ ويُعْلَفُ. قلتُ له: فإن كان الرُّكُوبُ واللَّبَنُ أكْثَرَ؟ قال: لا، إلَّا بقَدْرٍ. ونَقَل حَنْبَل عن أحمدَ، أنَّ له اسْتِخْدامَ العَبْدِ أيضًا. وبه قال أبو ثَوْرٍ، إذا امْتَنَعَ المالِكُ مِن الإِنْفاقِ عليه. قال أبو بكرٍ: خالفَ حَنْبَل الجماعَةَ، والعَمَلُ على أنَّه لا يَنْتَفِعُ مِن الرَّهْنِ بشيءٍ، إلَّا ما خَصَّهُ الشَّرْعُ؛ فإنَّ القِيَاسَ [يَقْتَضِي أنَّ] (٢) لا يَنْتَفِعَ بشيءٍ منه، تَرَكْناه في المَرْكُوبِ والمَحْلُوبِ للأَثرِ، ففيما عَداه يَبْقَى على مُقْتضَى القِياسِ.

стр. 6030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القِسْمُ الثانِي، ما لا يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ، كالدّارِ والمَتاعِ ونحوه، فلا يَجُوزُ للمُرْتَهِنِ الانْتِفاعُ به (١) بغيرِ إذْنِ الرّاهِنِ. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرّاهِنِ، فكذلك نماؤُه. فإنْ أذِنَ الرّاهِنُ للمُرْتَهِنِ في الانْتِفاعِ بغيرِ عِوَض، وكان دَينُ الرَّهْن (٢) مِن قَرْضٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَصِيرُ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَة، وذلك حَرَامٌ. قال أحمدُ: أكْرَهُ قَرْضَ الدُّورِ، وهو الرِّبا المَحْضُ. يَعْنِي إذا كانتِ الدّارُ (٣) رَهْنًا في قَرْض يَنْتَفِعُ بها المُرْتَهِنُ. وإن كان الرَّهْنُ بثَمَنِ مَبِيعٍ، أو أجْرِ دارٍ، أو دَين غيرِ القَرْضِ، فأذِنَ له الرَّاهِنُ في الانْتِفاعِ، جاز ذلك. وقد رُوِيَ عن الحَسَنِ، وابنِ سِيرينَ. وهو قولُ إسحاقَ. فأمّا إن كان الانْتِفاعُ بعِوَضٍ، مثلَ أنِ اسْتَأْجَرَ المُرْتَهِنُ الدّارَ مِن الرّاهِنِ بأُجْرَةِ مِثْلِها مِن غيرِ مُحاباةٍ، جاز في القَرْضِ وغيرِه؛ لكَوْنِه ما انْتَفَعَ بالقَرْضِ، إنَّما انْتَفَعَ بالإجارَةِ، وإن حاباه، فهو كالانْتِفاع بغيرِ عِوَض، يَجُوزُ في غيرِ القَرْضِ. ومتى اسْتَأْجَرَها أو اسْتَعارَها المُرْتَهِنُ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ،

стр. 6031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنها تَخْرُجُ عن كَوْنِها رَهْنًا، فمتى انْقَضَتِ الإِجارةُ أو العارِيَّةُ، عاد الرَّهْنُ بحالِه. قال أحمدُ في رِوايَةِ الحَسَنِ بنِ ثَوَابٍ (١) عن (٢) أحمدَ، إذا كان الرَّهْنُ دارًا فقال المُرْتَهِنُ: اسْكُنْها بكِرائِها، وهي وَثِيقَةٌ بحَقِّي. تَنْتَقِلُ فتَصِيرُ دَينًا، وتَتَحَوَّلُ عن الرَّهْنِ. وكذلك إن أكْراها للرّاهِنِ. وقال أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا ارْتَهَنَ دارًا ثم أكْراها لِصاحِبِها، خَرَجَتْ مِن الرهْنِ، فإذا رَجَعَتْ إليه صارَتْ رَهْنًا. قال شَيخُنا (٣): والأوْلَى أنَّها لا تَخْرُجُ مِن الرَّهْنِ إذا اسْتَأجَرَها المُرْتَهِنُ أو اسْتَعَارَها؛ لأن القَبْضَ

стр. 6032

وَإنْ أنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ بِغَيرِ إِذْنِ الرَّاهِنِ مَعَ إِمْكَانِهِ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ، ــ مُسْتَدامٌ، ولا تَنافِيَ بينَ العَقْدَين. وكلامُ أحمدَ في رِوايَةِ الحَسَنِ بنِ ثَوَابٍ مَحْمُولٌ على أنَّه أذِنَ للرّاهِنِ (١) في سُكْناها، كما في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ؛ لأنَّها خرَجَتْ عن يَدِ المُرْتَهِنِ، فزال اللّزُومُ لزَوالِ اليَدِ، بخِلافِ ما إذا سَكَنَها المُرْتَهِنُ. ومتى اسْتَعارَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، صار مَضْمُونًا عليه. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا ضَمانَ عليه. ومَبْنَى ذلك على العارِيَّةِ، هل هي مَضْمُونَةٌ أم لَا؟ وسَيَأتِي ذلك. ١٨١٠ - مسألة: (وإن أنْفَقَ على الرَّهْنِ بغيرِ إذْنِ الرَّاهِنِ مع إمْكانِه، فهو مُتَبَرِّعٌ) إذا أنْفَقَ على الحَيَوانِ مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجعْ بشَئٍ؛ لأنَّه تَصَدَّقَ به، فلم يَرْجِعْ بعِوَضِه، كالصَّدَقَةِ على مِسْكِيَن، وإن نَوَى

стр. 6033

وَإنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِئْذَانِهِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنِ الْحَاكِمَ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ. ــ الرُّجُوعَ على المالِكِ، وكان ذلك بإذْنِ المالِكِ، رَجَع عليه؛ لأنَّه ناب عنه في الإِنْفاقِ بإذْنِه، فكانتِ النَّفَقَةُ على المالِكِ، كما لو وَكَّلَه في ذلك. ١٨١١ - مسألة: (وإن عَجَز عن اسْتِئْذانِه، ولم يَسْتَأْذِنِ الحاكِمَ، فعلى رِوايَتَين) مَفْهُومُ كلامِه ههُنا أنَّه متى قَدَر على اسْتِئْذانِ المالِكِ (١)، فلم يَسْتَأذِنْه، أنَّه يَكُونُ مُتَبَرعًا، لا يَرْجِعُ بشيءٍ. وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. لأنَّه مُفَرِّطٌ في تَرْكِ اسْتِئْذانِه مع القُدْرَةِ عليه، فلم يَرْجِعْ، كما لو عَمَّرَ دارَه بغيرِ إذْنِه. وإن عَجَز عن اسْتِئْذانِه، ولم يَسْتَأْذِنِ الحاكِمَ، ففيه رِوايَتان؛ إحداهُما، أنَّه مُتَبَرِّعٌ؛ لأنَّه لم يَسْتَأْذِنْ مالِكَه، ولا مَن يَقُومُ مَقامَه، أشْبَهَ ما لو كان المالِكُ حاضِرًا فلم يَسْتَأْذِنْه. والثانية،

стр. 6034

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَرْجِعُ عليه؛ لأَنه أنْفَقَ عليه عندَ العَجْزِ عن اسْتِئْذانِه، أشْبَهَ ما لو عَجَز عن اسْتِئْذانِ الحاكِمِ. وكذلك الحُكْمُ فيما إذا مات العَبْدُ المَرْهُونُ. وقال شَيخُنا (١) [فيما إذ] (٢) أنْفَقَ بغَيرِ إذْنِ الرّاهِنِ، بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ، مع إمْكانِه: إنَّه يُخَرَّجُ على رِوايَتَين، بِناءً على ما إذا قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه، وهذا أقْيَسُ في المَذْهَبِ، إذْ لا يُعْتَبَرُ في قَضاءِ الدَّينِ العَجْزُ عن اسْتِئْذانِ الغَرِيمِ.

стр. 6035

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ، وَفِي نَفَقَةِ الْجِمَالِ إِذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا فِي يَدِ الْمُكْتَرِي. ــ ١٨١٢ - مسألة: (وكذلك الحُكْمُ في الوَدِيعَةِ، وفي نَفَقَةِ الجِمَالِ إذا هَرَبَ الجَمَّالُ وتَرَكَها في يَدِ المُكْتَرِي) لأنَّها أمانَةٌ، فأشْبَهَتِ الرَّهْنَ.

стр. 6036

وَإنِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ، فَعَمَرَهَا الْمُرْتَهِنُ بِغَيرِ إِذْنِ الرَّاهِن، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. ــ ١٨١٣ - مسألة: (وإنِ انْهَدَمَتِ الدّارُ، فعَمَرَها المُرْتَهِنُ بغَيرِ إذْنِ الرّاهِنِ، لم يَرْجِعْ به، رِوايَةً واحِدَةً) وليس له الانْتِفاعُ بها بقَدْرِ عِمارَتِها، فإنَّ عِمارَتَها غيرُ واجِبَةٍ على الرّاهِنِ، فليس لغيرِه أنَّ يَنُوبَ عنه فيما لا يَلْزَمُه. فإن فَعَل، كان مُتَبَرِّعًا، كالأجْنَبِيِّ، بخِلافِ نَفَقَةِ الحَيَوانِ، فإنَّها تَجِبُ على مالِكِه؛ لحُرْمَتِه في نَفْسِه، وكذلك كَفَنُ العَبْدِ إذا مات، يَجِبُ على سَيِّدِه.

стр. 6037

فَصْلٌ: وَإذَا جَنَى الرَّهْنُ جِنَايَةً مُوجبَةً لِلْمَالِ، تَعَلَّقَ أرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ، وَلِسَيِّدِهِ فِدَاؤُهُ بِالأقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَو أَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يَبِيعُهُ فِي الْجِنَايَةِ، أوْ يُسَلِّمُهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، فَيَمْلِكُهُ. وَعَنْهُ، إِنِ اخْتَارَ فِدَاءَهُ، لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأرْشِ. ــ فصل: قال الشَّيخُ، ﵁: (إذا جَنَى الرَّهْنُ جِنَايَةً مُوجِبَةً للمالِ، تَعَلَّقَ أَرشُها برَقَبَتِه، ولِسَيِّدِه فِداؤُه بالأقَلِّ مِن قِيمَتِه أو أَرشِ جِنايَتِه، أو بَيعُه في الجِنَايَةِ، أو يُسَلِّمُه إلى وَلِيِّ الجِنايَةِ، فيَمْلِكُه. وعنه، إنِ اخْتارَ فِداءَه، لَزِمَه جَميعُ الأرْشِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ العَبْدَ المَرْهُونَ

стр. 6038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذا جَنَى على إنْسانٍ، أو على مالِه، تَعَلَّقَتِ الجِنايَةُ برقَبَتِه، وقُدِّمَتْ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّها مُقَدَّمَةٌ على حَقِّ المالِكِ، والمِلْكُ أقْوَى مِن الرهْنِ، فأوْلَى أنَّ يُقَدَّمَ على الرَّهْنِ. فإن قِيلَ: فحَقُّ المُرْتَهِنِ أيضًا يُقَدَّمُ على حَقِّ المالِكِ. قُلْنا: حَقُّ المُرْتَهِنِ ثَبَت مِن جِهَةِ المالِكِ بعَقْدِه، وحَقُّ الجِنايَةِ ثَبَت بغَيرِ اخْتِيارِه مُقَدَّمًا على حَقِّه، فيُقَدَّمُ على ما ثَبَت بعَقْدِه، ولأنَّ حَقَّ الجِنايَةِ مُخْتَصٌّ بالعَينِ، يَسْقُطُ بفَواتِها، وحَقُّ المُرْتَهِنِ لا يَسْقُطُ بفَواتِ العَينِ، ولا يَخْتَصُّ بها، فكان تَعَلُّقُه بها

стр. 6039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [أخَفَّ وأدْنَى] (١). فإن كانت جِنايَتُه مُوجِبَةً للقِصَاصِ في النَّفْسِ، فلِوَلِيِّ الجِنايَةِ اسْتِيفاؤُه، فإنِ اقْتَصَّ، سَقَط الرَّهْنُ، كما لو تَلِف. وإن كانت في طَرَفٍ، اقْتَصَّ منه، وبَقِي الرَّهْنُ في باقِيه. وإن عَفا على مالٍ، تَعَلَّقَ برَقَبَةِ العَبْدِ، وصار كالجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فيُقالُ للسَّيِّدِ: أنْتَ مُخَيَّرٌ بينَ فِدائِه وبينَ تَسْلِيمِه للبَيعِ. فإنِ اخْتارَ فِداءَه، فَداه بأقَلِّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه أو أرْشِ جِنايَتِه، في أصَحِّ الرِّوايَتَين؛ لأَنه إن كان الأرْشُ أقَلَّ، فالمَجْنِيُّ عليه لا يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِن أَرْشِ جِنايَته، وإن كانتِ القِيمَةُ أقَلَّ، فلا يَلْزَمُه أكْثَرُ منها؛ لأنَّ ما يَدْفَعُه عِوَضٌ عن العَبْدِ، فلا يَلْزَمُ أكْثَرُ مِن قِيمَتِه، كما لو أتْلَفَه. والثانيةُ، يَفْدِيهِ بأَرْشِ جِنايَته بالِغًا ما بَلَغ؛ لأَنه

стр. 6040

فَإِنْ فَدَاهُ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ، وَإنْ سَلَّمَهُ، بَطَلَ الرَّهْنُ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ، وَبَاقِيهِ رَهْنٌ. وَقِيلَ: يُبَاعُ جَمِيعُهُ، ويَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ رَهْنًا. ــ رُبَّما يَرْغَبُ فيه راغِبٌ، فيَشْتَرِيه بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه. ١٨١٤ - مسألة: (فإن فَداهُ، فهو رَهْنٌ بحالِه، وإن سَلَّمه بَطَل الرَّهْنُ) إذا فَداهُ الرّاهِنُ، فهو رَهْنٌ بحالِه؛ لأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ قائِم؛ لوُجُودِ سَبَبِه، وإنَّما قُدِّمَ حَقُّ المَجْنِيِّ عليه لقُوَّتِه، فإذا زال، ظَهَر حُكْمُ الرَّهْنِ، كحَقِّ مَن لا رَهْنَ له مع حِقِّ المُرْتَهِنِ في تَرِكَةِ المُفْلِسِ، إذا أسْقَطَ المُرْتَهِنُ حَقَّه ظَهَر حُكْمُ الآخرِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وإن سَلَّمَه، بَطَل الرَّهْنُ؛ لفَواتِ مَحَلِّه، فهو كما لو تَلِف. ١٨١٥ - مسألة: (فإن لم يَسْتَغْرِقِ الأرْشُ قِيمَتَه، بِيعَ منه بقَدْرِه، وباقِيه رَهْنٌ. وقِيلَ: يُباعُ جَمِيعُه، ويَكُونُ باقِي ثَمَنِه رَهْنًا) إذا لم يَسْتَغْرِقْ

стр. 6041

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَرْشُ الجِنايَةِ قِيمَةَ الرَّهْنِ، بيعَ منه بقَدْرِ الأَرْشِ، وباقِيه رَهْنٌ؛ لأنَّ بَيعَه إنَّما جاز ضَرُورَةَ إيفاءِ الحَقِّ، فإذا انْدَفَعَتِ الضَّرُورَةُ بِبَيعِ البَعْضِ، لم يَجُزْ بَيعُ ما بَقِيَ، لعَدَمِ الضَّرُورَةِ فيه. فإن تَعَذَّرَ بَيعُ بَعْضِه، بِيعَ كلُّه، للضَّرُورَةِ المُقْتَضِيَةِ لبَيعِه، ويَكُونُ باقِي ثَمَنِه رَهْنًا، لعَدَمِ تَعَلُّقِ الجنايَةِ به. وقال أبو الخَطّابِ: هل يُباعُ منه بقَدْرِ الجِنايَةِ، أو يُباعُ جَمِيعُه ويَكُونُ الفاضِلُ مِن ثمَنِه عن أَرْشِ جِنايَتِه رَهْنًا؟ علي وَجْهَين؛ أحَدُهما، يُباعُ بَعْضُه خاصَّةً، لِما ذَكَرْنا. والثانِي، يُباعُ جَمِيعُه، لأنَّ بَيعَ البَعْضِ تَشْقِيصٌ (١) له، وهو عَيبٌ يَنْقُصُ به الثَّمَنُ، وذلك يَضرُّ بالمالِكِ والمُرْتَهِنِ، وقد قال ﵇: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ (٢)».

стр. 6042

وَإِنِ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ فِدَاءَهُ، فَفَدَاهُ بإِذْنِ الرَّاهِنِ، رَجَعَ بِهِ، وَإِنْ فَدَاهُ بِغَير إِذْنِهِ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَين. ــ ١٨١٦ - مسألة: (فإنِ اخْتارَ المُرْتَهِنُ فِداءَه، ففَداهُ بإذْنِ الرّاهِنِ، رَجَع به، وإن فَداهُ بغَيرِ إذْنِه، فهلِ يَرْجِعُ به؟ على رِوايَتَين) إذا امْتَنَع الرّاهِنُ مِن فِداءِ الجانِي، فالمُرْتَهِنُ مُخيَّرٌ بينَ فِدائِه وتَسْلِيمِه، فإنِ اخْتارَ فِداءَه، فبِكمْ يفْدِيه؟ يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَين فيما يَفْدِيه به الرّاهِنُ. فإنْ فَداه بإذْنِ الرّاهِنِ، رَجَع به عليه، كما لو قَضَى دَينَه بإذْنِه. وإن فَداه مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجِعْ بشيء. وإن نَوَى الرُّجُوعَ، فهل يَرْجِعُ بذلك؟ على وَجْهَين، بناءً على ما لو قَضَى دَينَه بغَيرِ إذْنِه. فإن زادَ [في الفِداءِ على الواجِبِ] (١)، لم يَرْجِعْ به، [وَجْهًا واحِدًا] (٢). ومَذْهَبُ الشافعيِّ كما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّه لا يَرْجِعُ بما فَداه بغيرِ إذْنِه، وَجْهًا واحِدًا. وإن

стр. 6043

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شَرَط له الرَّاهِنُ الرُّجُوعَ، رَجَع، قَوْلًا واحِدًا. وإنْ قَضاهُ بإذْنِه مِن غيرِ شَرْطِ الرُّجُوعِ، ففيه وَجْهانِ، وهذا أصْلٌ يُذْكَرُ فيما بعدُ. فإنْ فَدَاهُ وشَرَطَ أنْ يكون رَهْنًا بالفِداءِ مع الدَّينِ الأوَّلِ، فقال القاضِي: يَجُوزُ ذلك؛ لأنَّ المَجْنِيَّ عليه يَمْلِكُ بَيعَ العَبْدِ وإبْطال الرَّهْنِ، فصارَ بمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الجائزِ قبلَ قَبْضِه، والزِّيادَةُ في دَينِ الرَّهْنِ قبلَ لزُومِه جائِزَة، ولأن أرْشَ الجنايَةِ مُتَعَلِّق به، وإنَّما يَنْتَقِلُ مِن الجِنايَةِ إلى الرَّهْنِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ العَبْدَ رُهِنَ بدَينٍ، فلم يَجُزْ (١) رَهْنُه بدَين سِواه، كما لو رَهَنَه بدَين غيرِ هَذا. وذَهَب أبو حنيفةَ إلى أنَّ ضَمانَ جِنايَةِ الرَّهْنِ على المُرْتَهِنِ، فإن فَداهُ، لم يَرْجِعْ بالفداءِ، وإن فَداهُ الرَّاهِنُ،

стр. 6044

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو بِيعَ في الجِنايَةِ، سَقَط دَينُ الرَّهْنِ، إن كان بقَدْرِ الفِداءِ. وبناه (١) على أصْلِه في أنَّ الرهْنَ مِن ضَمانِ المُرْتَهِنِ، وقد ذَكَرْنا ذلك. فصل: فإن كانتِ الجِنايَةُ على سَيِّدِ العَبْدِ، فلا تَخْلُو مِن حَالين؛ أحَدُهما، أنَّ تَكُونَ غيرَ مُوجِبَةٍ للقَوَدِ، كجِنايَةِ الخَطَأ، أو (٢) إتْلافِ مالٍ، فتَكُونُ هَدْرًا؛ لأنَّ العَبْدَ مالُ سَيِّدِه، فلا يَثْبُتُ له مالٌ في مالِه.

стр. 6045

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثانِي، أن تَكُونَ مُوجِبَةً للقَوَدِ، فلا تَخْلُو أنَّ تَكُونَ على النَّفْسِ، أو على ما دُونَها، فإن كانت على ما دُونَ النَّفْسِ، فالحَقُّ للسَّيِّدِ، فإن عَفا على مالٍ، سَقَط القِصاصُ، ولم يَجِبِ المالُ؛ لِما ذَكَرْنا. وكذلك إن عَفا على غيرِ مالٍ. وإن أرادَ أنَّ يَقْتَصَّ، فله ذلك؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ الجِنايَةَ على عَبْدِه، فيَثْبُتُ له ذلك بجِنايَتِه عليه، كالأجْنَبِيِّ، ولأنَّ القِصاصَ يَجِبُ للزَّجْرِ، والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى زَجْرِه عن سَيِّدِه. فإنِ اقْتَصَّ، فعليه قِيمَتُه، تَكُونُ رَهْنًا مكانَه، أو قَضاءً عن الدَّينِ؛ لأنَّه أخْرَجَه عن الرَّهْنِ باخْتِيارِه، فكان عليه بَدَلُه، كما لو أعْتَقَه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجبَ عليه شيءٌ؛ لأنَّه اقْتَصَّ (١) بإذْنِ الشَّارِعِ، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كالأَجْنَبِيِّ. وكذلك إن كانتِ الجِنايَةُ على النَّفْسِ فاقْتَصَّ الوَرَثَةُ، فهل تَجِبُ عليهم القِيمَةُ؟ يُخَرَّجُ على ما ذَكَرْنا. وليس للوَرَثَةِ العَفْوُ على مالٍ؛ لِما ذَكَرْنا في السَّيِّدِ؛ لأنَّهم يَقُومُونَ مَقامَ المَوْرُوثِ. وذَكَر القاضِي وَجْهًا آخَرَ، أنَّ لهم ذلك؛ لأن الجِنايَةَ في مِلْك غيرِهم، فكانَ لهم العَفْوُ على مالٍ، كما لو جَنَى على أجْنَبِيٍّ. وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين. فإن عَفا بعضُ الوَرَثَةِ، سَقَط القِصاصُ.

стр. 6046

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهل يَثْبُتُ لغيرِ العافِي نَصِيبُه مِن الدِّيَةِ؟ على وَجْهَين. ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ على نحو ما ذَكَرْناه. فصل: فإن جَنَى العَبْدُ (١) المَرْهُونُ على عَبْدِ سَيِّدِه، لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحَدُهما؛ أنَّ لا يَكُونَ مَرْهُونًا، فحُكْمُه حُكْمُ الجِنايَةِ على طَرَفِ سَيِّدِه، له القِصاصُ إن كانتْ جِنايَتُه مُوجِبَةً له، فإن عَفا على مالٍ أو غيرِه، أو كانت الجِنايَةُ لا تُوجِبُ القِصاصَ، ذَهَبَتْ هَدْرًا، وسَواءٌ كان المَجْنِيُّ عليه قِنًّا أو مُدَبَّرًا أو امَّ وَلَدٍ. الحالُ الثّانِي، أنَّ يَكُونَ رَهنًا، فلا يَخْلُو؛ إمّا أنَّ يَكُونَ رَهْنًا عندَ مُرتهِنِ القاتِلِ، أو غيرِه، فإن كان عند (٢) مُرْتَهِن القاتِلِ، والجِنايَةُ مُوجِبَة للقِصاصِ، فللسَّيِّدِ القِصاصُ. فإنِ اقْتَصَّ بَطَل الرَّهْنُ في المَجْنِيِّ عليه، وعليه قِيمَةُ المُقْتَصِّ منه. ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَجِبَ؛ لأنَّه اقْتَصَّ، بإذْنِ الشّارِعِ، فإن عَفا على مالٍ، أو كانتِ الجِنايَةُ مُوجبَةً للمالِ وكانا (٣) رَهْنًا بحَقٍّ واحِدٍ، فجِنايَتُه هَدْرٌ؛ لأنَّ الحَقَّ يَتَعَلَّقُ بكَلِّ واحِدٍ منهما، فإذا قُتِلَ أحَدُهما بَقِيَ الحَقُّ مُتَعَلِّقًا بالآخَرِ، وإن كان كلُّ

стр. 6047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واحِدٍ منهما رَهْنًا بحَقٍّ مُفْرَدٍ، ففيه أرْبَعُ مَسائِلَ؛ أحَدُها، أنَّ يَكونَ الحَقّان سَواءً وقِيمَتُهما سَواءً، فتَكُونُ الجِنايَةُ هَدْرًا، سَواءٌ كان الحَقّان مِن جِنْسَين، مثلَ أنَّ يَكُونَ أحَدُهما بمائةِ دِينارٍ، والآخَرُ بدَراهِمَ قِيمَتُها مائَة دِينارٍ، أو مِن جِنْس واحِدٍ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ في اعْتِبارِ الجِنايَةِ. المسألةُ الثانيةُ، أنَّ يَخْتَلِفَ الحَقّان وتَتَّفِقَ القِيمَتانِ، مثلَ أنَّ يَكُونَ دَينُ أحَدِهما مائةً ودَينُ الآخَرِ مائَتَين، وقِيمَةُ كلِّ واحِدٍ منهما مائَةً، فإن كان دَينُ القاتِل أكْثَرَ، لم يُنْقَلْ إلى دَينِ المَقْتُول؛ لعَدمِ الغَرَضِ فيه، وإن كان دَينُ المَقْتُولِ أكْثَرَ، نُقِلَ إلى القاتِلِ؛ لَأنَّ للمُرْتَهنِ غرَضًا في ذلك. وهل يُباعُ القاتِلُ وتُجْعَلُ قِيمَتُه رَهْنًا مكانَ المَقْتُولِ، أو يُنْقَلُ بحالِه؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يُباعُ؛ لأنَّه لا فائِدَةَ فيه. والثانِي، يُباعُ؛ لأنَّه رُبَّما زادَ فيه مَن يُبْلِغُه أكْثَرَ مِن ثَمَنِه، فإنْ عُرِضَ للبَيعِ فلم يُزَدْ فيه، لم يُبَعْ؛ لعَدمِ ذلك. المسألةُ الثالِثَةُ، أنَّ يَتَّفِقَ الدَّينان وتَخْتَلِفَ القِيمَتان، بأن يَكُونَ دَينُ كلِّ واحِدٍ منهما مائةً، وقِيمَةُ أحَدِهما مائةً والآخَر مائَتَين، فإن كانت قِيمَة المَقْتُولِ أكْثَرَ، فلا غَرَضَ في النَّقْلِ، فيَبْقَى بحالِه، وإن كانت قِيمَةُ الجانِي أكْثَرَ، بِيعَ منه بقَدْرِ جِنايَتِه، تَكُونُ رَهْنًا بدَينِ المَجْنِيِّ عليه، والباقي رَهْنٌ بدَينِه، وإنِ اتَّفَقَا على تَبْقِيَتِه ونَقْلِ الدَّينِ إليه، صار مَرْهُونًا بهما، فإن حَلَّ أحَدُ الدَّينَين، بِيعَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه إن كان دَينُه المُعَجَّلَ، بِيعَ ليَسْتَوْفِيَ مِن ثَمَنِه، وما بَقِيَ منه رَهْن بالدَّينِ الآخَرِ، وإن كان المُعَجَّلُ الآخَرَ

стр. 6048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بِيعَ ليَسْتَوْفِيَ منه بقَدْرِه، والباقِي رَهْنٌ بدَينِه. المسألةُ الرابعَةُ، أنَّ يَخْتَلِفَ الدَّينان والقِيمَتان، مثلَ أنَّ يَكُونَ أحَدُ الدَّينَين خَمْسِين، والآخَرُ ثمانِين، وقِيمَةُ أحَدِهما مائَةً والآخَرِ مائَتَين، فإن كان دَينُ المَقْتُولِ أكْثَرَ، نُقِلَ إليه، وإلَّا فَلَا. فصل: فإن كان المَجْنِيُّ عليه رَهْنًا عندَ غيرِ مُرْتَهِنِ (١) القاتِلِ، فللسَّيِّدِ القِصاصُ؛ لأنَّه مُقَدَّمٌ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، بدَلِيلِ أنَّ الجنايَةَ المُوجِبَةَ للمالِ مُقَدَّمَةٌ عليه، فالقِصَاصُ أوْلَى. فإنِ اقْتَصَّ، بَطَلَ الرَّهْنُ في المَجْنِيِّ عليه؛ لأنَّ الجنايَةَ عليه لم تُوجِبْ مالًا يُجْعَلُ رَهْنًا مَكانَه، وعليه قِيمَة المُقْتَصِّ منه، يَكُوَنُ رَهْنًا، لأنَّه أْبطَلَ حَقَّ الوَثِيقَةِ فيه باخْتِيارِه. ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَجِبَ؛ لِما ذَكَرْنا، وللسَّيِّدِ العَفْوُ على مالٍ، فتَصِيرُ كالجِنايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فيَثْبُتُ المالُ في رَقَبَةِ العَبدِ، لأنَّ السَّيِّدَ لو جَنَى على العَبْدِ، لوَجَبَ أرْشُ جِنايَتِه لِحَقِّ المُرْتَهِنِ، فبأنْ يَثْبُتَ على عَبْدِه أوْلَى. فإن كان الأرْشُ لا يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، بِعْنا منه بقَدْرِ أَرْشِ الجِنايَةِ، يَكُونُ رَهْنًا عندَ مُرْتَهِنِ المَجْنِيِّ عليه، وباقِيه رَهْنٌ عندَ مُرْتَهِنِه، وإن لم يُمْكِنْ بَيعُ بَعْضِه، بِيعَ جَمِيعُه، وقُسِمَ ثَمَنُه بينَهما على حَسَبِ ذلك، يَكُون رَهْنًا. وإن كانتِ الجِنايَةُ تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، نُقِلَ الجانِي، فجُعِلَ رَهْنًا عندَ الآخَرِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ يُباعَ؛ لاحْتِمالِ أنْ يَرْغَبَ في شِرائِه راغِبٌ بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه، فيَفْضُلُ مِن قِيمَتِه شيءٌ يَكُونُ رَهْنًا عندَ مُرْتَهِنِه. وهذا كلُّه قولُ

стр. 6049

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشافعيِّ. فصل: فإنْ كانتِ الجِنايَةُ على مَوْرُوثِ سَيِّدِه فيما دُونَ النَّفْسِ، كأطْرافِه أو مالِه، فهي كالجِنايَةِ على أجْنَبِيٍّ، وله القِصاصُ إن كانت مُوجِبَةً له، والعَفْوُ على مالٍ وغيرِه، وإن كانت مُوجِبَةً للمالِ ابْتداءً، ثَبَت، فإنِ انْتَقَلَ ذلك إلى السَّيِّدِ بمَوْتِ المُسْتَحِقِّ، فله ما لمَوْرُوثِه مِن القِصاصِ والعَفْو على مالٍ؛ لأنَّ الاسْتِدامَةَ أقْوَى مِن الابتِداءِ، فجازَ أنْ يَثْبُتَ بها ما لا يَثْبُتُ في الابتِداءِ، وإن كانتِ الجِنايَةُ على نَفْسِه بالقَتْلِ، ثَبَت الحُكْمُ لسَيِّدِه، وله أنَّ يَقْتَصَّ فيما يُوجِبُ القِصاصَ. وإن عَفا على مالٍ، أو كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للمالِ ابْتِداءً، فهل يَثْبُتُ للسَّيِّدِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَثْبُت. وهو قولُ [بَعْضِ أصحابِ] (١) الشافعيِّ؛ لأنَّ الجِنايَةَ على غيرِه، فأشْبَهَتِ الجِنايَةَ على ما دُونَ النَّفْسِ. والثانِي، لا يَثْبُتُ له مالٌ في عَبْدِه، ولا له العَفْوُ عليه. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه حَقٌّ ثَبَت للسَّيِّدِ ابْتِداءً، فلم يَكُنْ له ذلك، كما لو كانتِ الجِنايَةُ عليه. وأصْلُ الوَجْهَين في وُجُوبِ الحَقِّ في ابْتِدائِه، هل يَثْبُتُ للقَتِيلِ ثم يَنْتَقِلُ إلى وارِثِه، أو يَثْبُتُ للوارِثِ ابْتِداءً؟ على وَجْهَين. وكلُّ مَوْضِع ثَبَت له المالُ في رَقَبَةِ عَبْدِه، فإنَّه يُقَدَّمُ على الرَّهْنِ؛ لأنَّه يَثْبُتُ للمَوْرُوثِ (٢) بهذه الصِّفَةِ، فيَنْتَقِلُ إلى وارِثِه كذلك، فإنِ اقتَصَّ في هذه الصُّورَةِ، لم يَلزَمْه بَدَل الرَّهْنِ؛ لأنَّه

стр. 6050

وَإنْ جُنِيَ عَلَيهِ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاص، فَلِسَيِّدِهِ الْقِصَاصُ، فَإِنِ ــ إذا قُدِّمَ المالُ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، فالقِصاصُ أوْلَى. ولأنَّ القِصاصَ يَثْبُتُ للمَوْرُوثِ مُقَدَّمًا على حَقِّ المُرْتَهِنِ، فكذلك في حَقِّ وارِثِه. فإن كانتِ الجِنايَةُ على مُكاتَبِ السَّيِّدِ، فهي كالجِنايَةِ على وَلَدِه، وتَعْجِيزُه كمَوْتِ وَلَدِه، فيما ذَكَرْناه. فصل: فإن جَنَى العَبْدُ المَرْهُونُ بإذْنِ سَيِّدِه، وكان مِمَّنْ (١) يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الجِنايَةِ، وأنَّه لا يَجبُ عليه قَبُولُ ذلك مِن سَيِّدِه، فهي كالجِنايَةِ بغيرِ إذْنِه، وإنْ كان صَبِيًّا أَو أعْجَمِيًّا لا يَعْلَمُ ذلك، فالجانِي هو السَّيِّدُ، يَتَعَلَّقُ به مُوجَبُ الجِنايَةِ، ولا يُباعُ العَبْدُ فيها (٢)، مُوسِرًا كان السَّيِّدُ (٣) أو مُعْسِرًا، كما لو باشَرَ السَّيِّدُ (٤) الجِنايَةَ. وقال القاضِي: فيه وَجْهٌ، أنَّ العَبْدَ يُباعُ مع إعْسارِ السَّيِّدِ؛ لأنَّ العَبْدَ باشَرَ الجِنايَةَ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ العَبْدَ آلةٌ، فلو تَعَلَّقَتِ الجِنايَةُ به، بِيعَ فيها (٣) مع اليَسارِ. وحُكْمُ إقْرارِ العَبْدِ بالجِنايَةِ حُكْمُ إقْرارِ غيرِ المَرْهُونِ، على ما يَأْتِي بَيانُه إنْ شَاءَ الله تَعالى. ١٨١٧ - مسألة: (وإن جُنِيَ عليه جِنايَةٌ مُوجِبَةٌ للقِصاصِ ،

стр. 6051

اقْتَصَّ، فَعَلَيهِ قِيمَةُ أَقلِّهِمَا قِيمَةً، تُجْعَلُ مَكَانَهُ. ــ فللسَّيِّدِ القِصاصُ، فإنِ اقْتَصَّ، فَعَلَيه قِيمَةُ أقَلِّهما قِيمَةً، تُجْعَلُ مَكانَه) إذا جُنِيَ على الرَّهْنِ، فالخَصْمُ في ذلك السَّيِّدُ؛ لأنَّه المالِكُ، والأرْشُ الواجبُ بالجِنايَةِ مِلْكُه، وإنَّما للمُرْتَهِنِ فيه حَقُّ الوَثِيقَةِ، فصارَ كالعَبْدِ المُسْتَأْجَرِ والمُودَعِ. وبهذا قال الشافعيُّ وغيرُه. فإن تَرَكَ المُطالبَةَ، أو أخَّرَها، أو كان غائِبًا، أو له عُذْرٌ يَمْنَعُه منها، فللمُرْتَهِنِ المُطالبَةُ بها؛ لأنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بمُوجِبِها، فكان له الطَّلَبُ (١) به، كما لو كان الجانِي سَيِّدَه. ثم إن كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للقِصاصِ، فللسَّيِّدِ القِصاصُ؛ لأنَّه حَقٌّ له، وإنَّما يَثْبُتُ ليُسْتَوْفَى، فإنِ اقْتَصَّ، أُخِذَتْ منه قِيمَةُ أقَلِّهما قِيمَةً، فجُعِلَتْ مَكانَه رَهْنًا. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وهل قولُ إسحاقَ. ويَتَخَرَّجُ أنَّ لا يَجِبَ عليه شيءٌ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَجِبْ بالجِنايَةِ مالٌ، ولا اسْتُحِقَّ بحالٍ، وليس على الرّاهِنِ أنَّ يَسْعَى

стр. 6052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للمُرْتَهِنِ في اكْتِسابِ مالٍ. ووجْهُ الأوَّلِ، أنَّه أتْلَفَ مالًا اسْتُحِقَّ بسَبَبِ إتْلافِ الرَّهْنِ، فغَرِمَ قِيمَتَه، كما لو كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للمالِ. وهكذا الحُكْمُ فيما إذا ثَبَت القِصاصُ للسَّيِّدِ في عَبْدِه المَرْهُونِ. وإنَّما أوْ جَبْنا أقَلَّ القِيمَتَين؛ لأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بالمالِيَّةِ، والواجِبُ مِن المالِ هو أقَلُّ القِيمَتَين؛ لأنَّ الرَّهْنَ إن كان أقَلَّ لم يَجبْ أكْثَرُ مِن قِيمَتِه، وإن كان الجانِي أقَلَّ قِيمَةً لم يَجِبْ أكْثَرُ مِن قِيمَتِه؛ لأَنَّها التي أتْلَفَها بالقِصاصِ، وإن عَفا على مالٍ، صَحَّ عَفْوُه، ووَجَبَ أقَلُّ القِيمَتَينِ؛ لِما ذَكَرْنا. هذا إذا كان القِصاصُ قَتْلًا، وإن كان جُرْحًا أو قَلْعَ سِنٍّ، أو نحْوَه،

стр. 6053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالواجِبُ بالعَفْو أقَلُّ الأمْرَينِ؛ مِن أرْشِ الجُرْحِ، أو قِيمَةِ الجانِي؛ لِما ذَكَرْنا. وإن عَفَا مُطْلَقًا، انْبَنَى على مُوجِبِ العَمْدِ ما هو؟ فإن قُلْنا: مُوجبُه أحَدُ شَيئَين. ثَبَت المالُ. وإن قُلْنا: موجِبُه (١) القِصاصُ عَينًا. فحُكْمُهَ كما لو اقْتَصَّ، إن (٢) قُلْنا ثَمَّ: تَجِبُ القِيمَةُ على الرّاهِنِ. وَجَب هنا. وهو اخْتِيارُ أبي الخَطّابِ، لأنَّه فَوَّاتَ بَدَلَ (٣) الرَّهْنِ بعَفْوه، أشْبَهَ ما لو

стр. 6054

وَكذَلِكَ إِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ، فَاقْتَصَّ مِنْهُ هُوَ أَوْ ورَثتُهُ. ــ اقْتَصَّ. وإن قُلْنا: لا تَجِبُ على الرّاهِنِ ثَمَّ. لم تَجِبْ ههُنا. وهو قولُ القاضِي، ومَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه اكْتِسابُ مالٍ، فلا يُجْبَرُ عليه. وكذلك إن عَفا على غيرِ مالٍ. ١٨١٨ - مسألة: (وكذلك إن جَنَى على سَيِّدِه، فاقْتَصَّ منه هو أو وَرَثته) وقد ذَكَرْنا ذلك.

стр. 6055

وَإنْ عَفَا السَّيِّدُ عَلَى مَالٍ، أوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، فما قُبِضَ مِنْهُ، جُعِلَ مَكَانَهُ. ــ ١٨١٩ - مسألة: (وإن عَفا السَّيِّدُ على مالٍ، أو كانت مُوجِبَةً للمالِ، فما قُبِضَ منه، جُعِلَ مَكانَه) أمّا إذا كانتِ الجِنايَةُ مُوجِبَةً للمالِ، أو ثَبَت المالُ بالعَفْو عن الجِنَايَةِ المُوجِبَةِ للقِصاصِ، فإنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الرّاهِنِ والمُرْتَهِنِ، ويَجِبُ مِن غالِبِ نَقْدِ البَلَدِ، كقِيَمِ المُتْلَفاتِ، فلو

стр. 6056

وَإنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنِ الْمَالِ، صَحَّ فِي حَقِّهِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَإِذا انْفَكَّ الرَّهْنُ، رُدَّ إِلَى الْجَانِي. وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يَصِحُّ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ. ــ أرادَ الرّاهِنُ أنَّ يُصالِحَ عنها، أو (١) يَأْخُذَ عِوَضًا عنها، لم يَجُزْ إلَّا بإذْنِ المُرْتَهِنِ، فإن أذِنَ، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، وما قَبَض مِن شيءٍ فهو رَهْنٌ، بَدَلًا عن الأوَّلِ، وقائِمًا مَقامَه. ١٨٢٠ - مسألة: (وإن عَفا السَّيِّدُ عن المالِ، صَحَّ في حَقِّه، ولم يَصِحَّ في حَقِّ المُرْتَهِنِ، فإذا انْفَكَّ الرَّهنُ، رُدَّ إلى الجانِي. وقال أبو الخَطّابِ: يَصِحُّ، وعليه قِيمَتُه) إذا عَفا السَّيِّدُ عن المالِ، فقال القاضِي: يَسْقُطُ حَقُّ الرّاهِنِ دُونَ حَقِّ (٢) المُرْتَهنِ، فتُؤْخَذُ القِيمَةُ مِن الجانِي، تَكُونُ رَهْنًا، فإذا زال الرَّهْنُ، رَجَع الأَرْشُ إلى الجانِي، كما لو أقَرَّ أنَّ الرَّهْنَ مَغْصُوبٌ أو جانٍ. فإنِ اسْتَوْفَى الدَّينَ مِن الأرْشِ، احْتَمَلَ أنَّ يَرْجِعَ الجانِي

стр. 6057

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على العافِي؛ لأنَّ ماله ذَهَب في قَضاءِ دَينِه، فلَزِمَتْه غَرَامَتُه، كما لو اسْتَعارَه فرَهَنَه، واحْتَمَلَ أنَّ لا يَرْجِعَ عليه؛ لأنَّه لم يوجَدْ منه في حَقِّ الجانِي ما يَقْتَضِي وُجوبَ الضَّمانِ، وإنَّما اسْتُوفِيَ بسَبَب منه حال مِلْكِه له، فأشبَهَ ما لو جَنَى إنْسانٌ على عَبْدِه ثم وَهَبَه لغيرِه، فتَلِفَ بالجِنايَةِ السابِقَةِ. وقال أبو الخَطّابِ: يَصِحُّ (١) العَفْوُ مُطْلَقًا، ويُؤْخَذُ مِن الرّاهِنِ قِيمَتُه تَكُونُ رَهْنًا؛ لأنَّه أسْقَطَ دَينَه عن غَرِيمِه، فصَحَّ، كسائِرِ دُيُونِه. قال: ولا يُمْكِن كَوْنُه رَهْنًا مع عَدَم (٢) حَقِّ الرّاهِنِ فيه، ولَزِمَتْه القِيمَةُ، لتَقْويَةِ حَق المُرْتَهِنِ، كما لو أتْلَفَ بَدَلَ الرّهْنِ. وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ العَفْو أصْلًا؛ لأنَّ حَقَّ المرْتَهِنِ مُتَعَلِّق به، فلم يَصِحَّ عَفْو الرّاهِنِ عنه، كالرَّهْنِ نَفْسِه، وكما لو وُهِبَ الرَّهْن أو غُصِبَ، فعَفا عن غاصِبِه.

стр. 6058

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال شَيخُنا (١): وهذا أصَحُّ في النَّظَرِ. فإن قال المُرْتَهِنُ: أسْقَطْتُ حَقِّي مِن ذلك. سَقَط؛ لأنَّه يَنْفَعُ الرّاهِنَ ولا يَضُرُّه. وإن قال: أسْقَطْتُ الأرْشَ. أو: أبْرَأْتُ منه. لم يَسْقُطْ؛ لأنَّه مِلْكٌ للرّاهِنِ، فلا يَسْقُطُ بإسْقاطِ غيرِه. وهل يَسْقُطُ حَقُّه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَسْقُطُ. وهو قولُ القاضِي (٢)؛ لأنَّ ذلك يَتَضَمَّنُ إسْقاطَ حَقِّه، وإذا لم يَسْقُطْ حَقُّ غيرِه، سَقَط حَقُّه، كما لو قال: أسْقَطْتُ حَقِّي وحَقَّ الرّاهِنِ. والثانِي، لا يَسْقُطُ؛ لأنَّ العَفْوَ والإِبْراءَ منه لا يَصِحُّ، فلم يَصِحَّ ما تَضَمَّنَه. فصل: وإن أقَرَّ رجُل بالجنايَةِ على الرَّهْنِ، فكَذَّباه، فلا شيءَ لهما. وإن كَذَّبَه المُرْتَهِنُ وصَدَّقَه الرَّاهِنُ، فله الأرْشُ، ولا حَقَّ للمُرْتَهِنِ فيه، فإن صَدَّقَه المُرْتَهِنُ وَحْدَه، تَعَلَّقَ حَقُّه بالأرْشِ، وله قَبْضُه. فإذا قَضَى الرّاهِنُ الحَقَّ، أو أبْرَأَة المُرْتَهِنُ، رَجَع الأرْشُ إلى الجانِي، ولا شيءَ للرّاهِنِ فيه. وإنِ اسْتَوْفَى حَقَّه مِن الأرْشِ، لم يَمْلِكِ الجانِي مُطالبَةَ الرّاهِنِ بشيء؛ لأنَّه مُقِرٌّ له باسْتِحْقاقِه.

стр. 6059

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولو كان الرَّهْنُ أمَةً حامِلًا، فضَرَبَ بَطْنَها أجْنَبِيٌّ، فألْقَتْ جَنِينًا مَيتًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه. وإن ألْقَتْه حَيًّا، ثم مات لوَقْتٍ يَعِيشُ مِثلُه، ففيه قِيمَتُه. ولا يَجِبُ ضَمانُ نَقْصِ الولادَةِ؛ لأَنه لا يَتَمَيَّزُ نَقْصُها عمّا وَجَب ضَمانُه مِن وَلَدِها. ويَحْتَمِلُ أنْ يَضْمَنَ نَقْصَها بالولادَةِ؛ لأَنه حَصَل بفِعْلِه، فلَزِمَه ضَمانُه، كما لو غَصَبَها ثم جَنَى عليها. ويَحْتَمِلُ أنَّ يَجِبَ أكْثَرُ الأمْرَين؛ مِن نَقْصِها، أو ضَمانِ جَنِينِها؛ لأنَّ سَبَبَ ضَمانِهما (١) وُجِدَ، فإذا لم يَجْتَمِعْ ضَمانُهما، وَجَب ضَمانُ أكْثَرِهما. وإن ضَرَب بَطْنَ بَهِيمَةٍ، فألْقَتْ وَلَدَها مَيِّتًا، ففيه ما نَقَصَتْها الجِنايَةُ لا غيرُ، وما وَجَب مِن ذلك كلِّه، فهو رَهْن مع الأمِّ. وقال الشافعيُّ: ما وَجَب لنَقْصِ الأمِّ

стр. 6060

وَإنْ وَطِئَ المُرْتَهِنُ الْجَارِيَةَ مِنْ غَيرِ شُبْهَةٍ، فَعَلَيهِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ. ــ أو لنَقْصِ البَهِيمَةِ، فهو رَهْن مَعَها، وكذلك ما وَجَب في وَلَدِها، وما وَجَب في جَنِينِ الأمَةِ فليس برَهْن. ولَنا، أنَّه ضَمانٌ وُجِدَ بسَبَبِ الجِنايَةِ على الرَّهْنِ، فكان مِن الرَّهْنِ، كالواجِبِ لنَقْصِ الولادَةِ ووَلَدِ البَهِيمَةِ. ١٨٢١ - مسألة: (وإن وَطئ المُرْتَهِنُ الجاريَةَ) بغيرِ إذْنِ الرّاهِنِ (فعليه الحَدُّ والمَهْرُ، ووَلَدُه رَقِيق) لا يَحِلُّ للمُرْتَهِن وَطْءُ الجاريَةِ المَرْهُونَةِ إجْماعًا؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ (١). وليستْ هذه زَوْجَتَه ولا مِلْكَه. فإن فَعَل بغيرِ إذْنِ الرّاهِن، عالِمًا بالتَّحْرِيمِ، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيه، فإنَّ الرَّهْنَ وَثِيقةٌ بالدَّينِ، ولا مَدْخَلَ لذلك في إباحَةِ الوَطْءِ، ولأنَّ وَطْءَ المُسْتَأْجَرَةِ يُوجبُ الحَدَّ مع مِلْكِه لنَفْعِها، فالرَّهْنُ أوْلَى، ويَجِبُ عليه المَهْرُ، سَواءٌ أَكْرَهَها أو طاوَعَتْه. وقال الشافعيُّ: لا يَجِبُ المَهْرُ مع
следующие страницы →