← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

وَلَا بِغَيرِ مُعَيَّن، كَأحدِ هذَين. ــ والشافعي في حُدُودِ اللهِ تعالى. واخْتَلَفَ قَوْلُه في حُدُودِ الآدَمِيِّ، فقال في مَوْضِع: لا كَفالةَ في حَدٍّ ولا لِعانَ. وقال في موضع: تَجُوزُ الكَفالةُ بمَن عليه حَقٌّ أو حَدٌّ؛ لأنَّه حَق لآدَمِيّ، فصَحَّتِ الكَفالةُ به، كسائِرِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ. ولَنا، ما روَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لَا كَفَالةَ في حدٍّ» (١). ولأنَّه حد، فلم تَصِحَّ الكَفالةُ فيه، كَحُدُودِ الله تِعالى، ولأنَّ الكَفالةَ اسْتِيثاق، والحُدُودُ مَبْناها على الإسْقاطِ والدَّرءِ بالشبُهاتِ، فلا يَدخُلُ فيها الاسْتِيثاقُ، ولأنه حَق لا يَجُوزُ اسْتِيفاؤه مِن الكَفِيلِ إذا تَعَذَّرَ عليه إحضارُ المَكْفُولِ به، فلا تَصِحُّ الكَفالةُ بمَن هوْ عليه، كحَد الزِّنَى. فصل: ولا تَجُوزُ الكَفالةُ بالمُكاتَبِ مِن أجْلِ دَينِ الكِتابَةِ؛ لأنَّ الحُضُورَ لا يَلْزَمُه، فلا تَجُوزُ الكَفالةُ به، كدَينِ الكِتابةِ. ١٨٤٦ - مسألة: (ولا) تَصِحُّ (بغيرِ مُعَيَّنٍ، كأحَدِ هذينِ)

стр. 6127

وإنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إنْسَانٍ أوْ عُضْو، أوْ كَفَلَ بِإِنْسَانٍ عَلَى أنهُ إنْ جَاءَ بِهِ، وَإلَّا فهُوَ كَفِيلٌ بِآخَرَ، أوْ ضَامِن مَا عَلَيهِ، صَحَّ، فِي أحَدِ الْوَجْهينِ. ــ لأنَّه غيرُ مَعلُومٍ في الحالِ ولا في المآلِ، فلا يُمكِنُ تَسْلِيمُه. ١٨٤٧ - مسألة: (وإن كَفَل بجُزْءٍ شائِع مِن إنْسانٍ أو عضْو، أو كَفَل بإنْسانٍ على أنَّه إن جاءَ به، وإلَّا فهو كَفِيلٌ بآخَرَ، أو ضامِن ما عليه، صَحَّ، في أحدِ الوَجْهين) أنها إذا قال: أنا كَفِيل بفُلانٍ. أو: بنَفْسِه. أو ببَدَنِه. أو: بوَجْهِه. كان كفِيلًا به. فإن كَفَل برأسِه أو كَبِدِه، أو جُزْءٍ لا تَبْقَى الحَياةُ بدُونِه، أو بِجُزْءٍ شائِع منه، كثلُثِه أو رُبْعِه، صَحَّتِ الكَفالةُ؛ لأنّه لا يُمكِنُه إحضارُ ذلك إلَّا بإحضاره كُلِّه. وقال القاضي: لا (١) تَصِحُّ الكَفالةُ ببعضِ البَدَنِ؛ لأنَّ ما لا يَسْرِي إذا خُصَّ (٢) به عُضْوٌ، لم يَصِحَّ، كالبَيعِ والإجارةِ. فإن كَفَل بعُضْوٍ (٣) تَبْقَى الحَياةُ بعد زَوالِه، كاليَدِ والرِّجْلِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، تَصِحُّ الكَفالةُ.

стр. 6128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اخْتارَه أبو الخَطابِ. وهو أحَدُ الوَجْهينِ لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنّه لا يُمكِنُه إحضارُ هذه الأعضاء على صِفَتِها إلَّا بإحضارِ البَدَنِ كلِّه، أشْبَه الكَفالةَ بوَجْهِه ورَأسِه، ولأنه حُكْم يتَعَلَّقُ بالجُملَةِ، فيَثْبُتُ حُكْمُه إذا أُضِيفَ إلى البعضِ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ. والثّانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ تَسْلِيمَه بدُونِ تَسْلِيمِ الجُملَةِ ممكِن مع بقائِها.

стр. 6129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا تَكَفَّلَ بإنْسانٍ على أنَّه إن جاء به وإلّا فهو كَفِيلٌ بآخَر أو ضامِنٌ ما عليه، لم (١) يَصِحَّ عند القاضِي فيهما؛ لأنَّ الأوَّلَ مُؤقَّت، والثّانِيَ مُعَلَّقٌ على شَرطٍ. وقال أبو الخَطّابِ: يَصِحُّ فيهما؛ لأنه ضَمان أو كَفالة؛ فيَصِح تَعلِيقُه على شَرطٍ، كضَمانِ العُهْدَةِ. فإن قال: إن جئْتَ به في وَقْتِ كذا، وإلا فأنا كَفِيل ببَدَنِ فلانٍ. أو: فأنا ضامِنَ لك المال الذي على فُلانٍ. أو قال: إذا جاء زَيد، فأنا ضامِنٌ لك

стр. 6130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما عليه. أو: إذا قَدِم الحاج، فأنا كَفِيل بفُلانٍ. أو قال: أنا كَفِيل بفُلانٍ شَهْرًا. فقال القاضِي: لا تَصِحُّ الكَفالةُ. وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، ومحمدِ [بنِ الحَسَن] (١)؛ لأنَّ ذلك خَطَر، فلم يَجُزْ تَعلِيقُ الضَّمانِ والكَفالةِ به، كمَجِئِ المَطَرِ، ولأنَّه إثْباتُ حَق لآدَمِي مُعَيَّن، فلم يَجُزْ تَعلِيقُه على شرطٍ، ولا تَوْقِيتُه، كالهِبَةِ. وقال الشَّريفُ أبو جَعفَر، وأبو الخَطّابِ: يَصِحُّ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأبي يُوسُف؛ لأنَّه أضافَ الضّمان إلى سَبَبِ الوُجُوبِ، فيَجِبُ أن يَصِحَّ، كضَمانِ الدَّرَكِ. والأوَّلُ أقْيسُ. فصل: وإن قال: كَفَلْتُ ببَدَنِ فُلانٍ، على أن يَبْرأ فُلان الكَفِيلُ. أو: على أن تُبْرِئَه مِن الكَفالةِ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه شَرَط شَرطًا لا يَلْزَمُ الوَفاءُ به، فيَكُونُ فاسِدًا، وتَفْسُدُ به الكَفالةُ. ويَحتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأَنه شَرَط تَحويلَ

стр. 6131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَثِيقَةِ التي على الكَفِيلِ إليه. فعلى هذا، لا تَلْزَمُه الكَفالةُ إلَّا أن يُبْرِئ المَكْفُولُ له الكَفِيلَ الأوَّلَ؛ لأنَّه إنَّما كَفَل بهذا الشَّرطِ، فلا تَثْبُتُ كَفالته

стр. 6132

وَلَا يَصِحُّ إلا بِرِضَا الْكَفِيلِ، وَفِي رِضَا الْمكْفُولِ بِهِ وَجْهانِ. ــ بدُونِ شَرطِه. وإن قال: كَفَلْتُ لك بهذا الغَرِيمِ على أن تُبْرِئَنِي مِن الكَفالةِ بفُلانٍ. أو: ضَمِنْتُ لك هذا الدَّينَ بشَرطِ أن تُبْرِئَنِي مِن ضَمانِ الدَّين الآخَرِ. أو: على أن تُبْرِئَنِي مِن الكَفالةِ بفُلانٍ. خُرِّجَ فيه الوَجْهان، أصَحُّهُما البُطْلانُ؛ لأَنه شَرَط فَسْخَ عَقْدٍ في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كالبَيعِ بشَرطِ فَسْخِ بَيعٍ آخَرَ. وكذلك لو شَرَط في الكَفالةِ أو الضَّمانِ أن يتَكَفَّلَ المَكْفُولُ له، أو (١) المكْفُولُ به بآخَرَ، أو يَضْمَنَ دَينًا عليه، أو يَبِيعَه شيئًا عَينه، أو يؤجِرَه دارَه، [يَصِحَّ] (٢)؛ لِما ذَكَرنا. ١٨٤٨ - مسألة: (ولا يَصِحُّ إلَّا بِرِضا الكَفِيلِ، وفي رِضا المَكْفُولِ به وَجْهان) يُعتَبَرُ رِضَا الكَفِيلِ في صِحَّةِ الكَفالةِ؛ لأنه لا يَلْزَمُه الحَقُّ ابْتِداءً إلَّا برِضاه، ولا يُعتَبَرُ رِضا المَكْفُولِ له؛ لأنَّها وَثِيقَة له لا قَبْضَ فيها، فصَحَّتْ مِن غيرِ رِضاه، كالشَّهادَةِ، ولأنَّها الْتزامُ حَق له مِن غيرِ عِوَض، فلم يُعتَبَر رِضاه فيها، كالنَّذْرِ. فأمّا رِضا المَكْفُولِ به،

стр. 6133

وَمَتَّى أحضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ، وَسَلَّمَهُ، بَرئ، إلَّا أنْ يُحضِرَهُ قَبْلَ الأجَلِ وَفِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ. ــ ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُعْتَبَرُ، كالضَّمانِ. والثّانِي، يُعتَبَرُ. وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، لأنَّ مَقْصُودَها إحضارُه، فإذا تَكَفَّلَ بغيرِ إذْنِه، لم يَلْزمه الحُضُورُ معه، ولأنَّه يَجْعَلُ لنَفْسِه حَقًّا عليه، وهو الحُضُورُ معه مِن غيرِ رِضاه، فلم يَجُزْ، كما لو ألْزَمَه الدَّينَ، وفارَقَ الضَّمانَ، فإن الضّامِنَ يَقْضِي الحَقَّ، ولا يَحتاجُ إلى المَضْمُونِ عنه. ١٨٤٩ - مسألة: (ومتى، [أحضرَ المَكْفُولَ به] (١)، وسَلَّمَه، بَرِئ، إلَّا أن يُحضِرَه قبلَ الأجَلِ وفي قَبْضِه ضَرَر) وجُملَةُ ذلك، أنَّ الكَفالةَ تَصِحُّ حالَّةً ومُؤجَّلَةً، كالضَّمانِ، فإن أطْلَقَ، انْصَرَف إلى الحُلُولِ؛ لأنَّ كلَّ عَقْدٍ يدخُلُه الحُلُولُ، إذا أُطْلِقَ اقْتَضَى الحلولَ،

стр. 6134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالثَّمَنِ والضمانِ. فإذا تَكَفَّلَ حالا، كان له مُطالبَتُه بإحضارِه، فإن أحضَرَه وهناك يَد حائِلَة ظالِمَة، لم يَبْرا منه، ولم يَلْزَمِ المَكْفُولَ له تَسَلُّمُه (١)؛ لأنَّه لا يَحصُلُ له غَرَضُه. كان لم تَكُنْ يد حائِلَة، لزِمَه قَبُولُه، فإن قَبِلَه بَرِئ مِن الكَفالةِ. وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يَبْرأ حتى يَقُولَ: قد بَرِئْتُ إليك منه. أو: قد سَلمتُه إليك. أو: قد أخْرَجْتُ نَفْسِي مِن كَفالتِه. والصحيحُ الأوّلُ؛ لأنّه عَقْد على عَمَلٍ، فبَرِئ منه بالعَمَلِ المَعقُودِ عليه، كالإجارَةِ. فإنِ امتَنَعَ مِن تَسَلُّمِه (٢) بَرِئ؛ لأَنه أحضَرَ ما يَجِبُ تَسْلِيمُه عندَ غَرِيمِه، وطَلَب منه تَسَلُّمَه (٣) على وَجْهٍ لا ضَرَرَ في قَبْضِه، فبَرِئ منه، كالمُسْلَمِ فيه. وقال بعضُ أصحابِنا: إذا امتَنَعَ مِن تَسَلمِه، أشْهدَ على امتِناعِه رَجُلَين، وبَرِئ؛ لأَنه فَعَل ما وَقَع العَقْدُ على

стр. 6135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فعلِه، فبَرِئ منه. وقال القاضي: يَرفَعُه إلى الحاكِمِ فيُسَلِّمُه إليه، فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، أشْهدَ شاهِدَينِ على إحضارِه وامتِناعِ المَكْفُولِ له مِن قَبُولِه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ مع وُجُودِ صاحِب الحَقِّ لا يَلْزَمُه دَفْعُه إلى نائِبِه، كحاكِم أو غيرِه. وإن كانتِ الكَفالةُ مُؤَجَّلَةً، لم يَلْزَم إحضارُه قبل الأجَلِ، كالدَّينِ المؤجّلِ، فإذا حَلَّ الأجَلُ فأحضَرَه وسَلَّمَه، بَرِئ. فإن أحضَرَه قبلَ الأجَلِ ولا ضَرَر في تَسَلُّمِه (١)، لَزِمَه. وإن كان فيه ضَرَرٌ، مثلَ أن تَكُونَ حُجَّةُ الغَرِيمِ غائِبةً، أو لم يَكُنْ يومَ مَجْلِسِ الحاكِمِ، أو الدَّينُ مُؤجَّل عليه لا يُمكِنُ اقْتِضاؤه منه، أو قد وَعَدَه بالإنْظارِ في تلك المُدَّةِ، لم يَلْزمه قَبُولُه، كمَن سَلّم المُسْلَمَ فيه قبل مَحِلِّه أو في غيرِ مَكانِه. فصل: وإذا عَيَّنَ في الكَفالةِ تَسْلِيمَه في مكانٍ، فأحضَرَه في غيرِه، لم يَبْرَأ مِن الكَفالةِ. وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمد. وقال القاضي: إن

стр. 6136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحضَرَه بمكانٍ آخَرَ مِن البَلَدِ وسَلَّمَه، بَرِئ مِن الكَفالةِ. وقال بعضُ أصحابِنا: متى أحضَرَه في أيِّ مكانٍ كان، وفي ذلك المَوْضِعِ سُلْطان، بَرِئ مِن الكَفالةِ؛ لكَوْنِه لا يمكِنُه الامتِناعُ مِن مَجْلِسِ الحاكِمِ، ويُمكِنُ إثْباتُ الحُجَّةِ فيه. وتِيلَ: إن كان عليه ضَرَرٌ في إحضارِه بمكانٍ آخَرَ، لم يَبْرأ الكَفِيلُ إذا أحضَرَه فيه، وإلَّا بَرِئ، كَقَوْلِنا فيما إذا أحضَرَه قبلَ الأجَلِ. ولأصحابِ الشافعيِّ اخْتِلافٌ على نحو ما ذَكَرنا. ولَنا، أنَّه سَلَّمَ ما شَرَط تَسْلِيمَه في مكانٍ في غيرِه، فلم يَبْرأ، كما لو أحضَرَ المسْلَمَ فيه في غيرِ المَوْضِعِ الذي شَرَطَه، ولأنَّه قد يُسَلِّمُ في مَوْضِع لا يَقْدِرُ على إثْباتِ الحُجَّةِ فيه؛ لِغَيبَةِ شُهُودِه، أو غيرِ ذلك، وقد يَهْرُبُ منه ولا يَقْدِرُ على إمساكه. ويُفارِقُ ما إذا سَلَّمَه قبلَ الأجَلِ، فإنَّه عَجَّلَ الحَقَّ قبلَ أجَلِه، فزادَه خَيرًا، فمتى لم يَكُنْ ضَرَرٌ، وَجب قَبُولُه. فإن وَقَعَتِ الكَفالةُ مُطْلَقةً، وَجب تَسْلِيمُه في مكانِ العَقْدِ، كالسَّلَمِ. فإن سَلَّمَه في غيرِه، فهو كتَسْلِيمِه في غيرِ المكانِ الذي عَيَّنَه. وإن كان المَكْفُولُ به مَحبُوسًا [عندَ غيرِ الحاكِمِ، لم يَلْزمه تَسْلِيمُه] (١)؛ لأن ذلك الحَبْسَ

стр. 6137

وَإنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ، أو تَلِفَتِ الْعَينُ بِفعلِ اللهِ تَعَالى، أو سَلَّمَ نفْسَهُ، بَرئ الْكَفِيلُ. ــ يَمنَعُه اسْتِيفاءَ حَقِّه. وإن كان مَحبوسًا عندَ الحاكِمِ، فسَلَّمَه إليه مَحبُوسًا، لَزِمَه تَسلِيمُه، لأنَّ حَبْس الحاكِمِ لا يَمنَعُه اسْتِيفاءَ حَقِّه. وإذا طالبَ الحاكِمُ بإحضارِه، أحضَرَه وحَكَم بينَهما، ثم يَرُدُّه إلى الحَبْسِ. فإن تَوَجَّه عليه حَقٌّ للمَكْفُولِ له، حَبَسَه بالحَقِّ الأوَّلِ وحَقِّ المَكْفُولِ له. ١٨٥٠ - مسألة: (وإن مات المَكْفُولُ به، أو تَلِفَتِ العَينُ بفعلِ اللهِ تعالى، أو سَلَّمَ نَفْسَه، بَرِئ الكَفِيلُ) إذا مات المَكْفُولُ به، بَرِئ الكَفِيلُ وسَقَطَتِ الكَفالةُ. وبه قال شُرَيح، والشَّعبِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ. ويَحتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ، ويُطالبُ بما عليه. وهو قولُ الحَكَمِ، ومالكٍ، واللَّيثِ. وحُكِيَ عن ابنِ شرَيحٍ؛ لأنَّ الكَفِيلَ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ، فإذا تَعَذرَتْ مِن جِهةِ مَن عليه الدَّينُ، اسْتَوْفى

стр. 6138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن الوَثِيقَةِ، كالرَّهْنِ، ولأنَّه تَعَذَّرَ إحضارُه، فلَزِمَ كَفِيلَه ما عليه، كما لو غاب. ولَنا، أن الحُضُورَ سَقَطَ عن المَكْفُولِ به، فبَرِئ الكَفِيلُ، كما لو بَرِئ مِن الدَّينِ، ولأن ما الْتَزَمَه مِن أجْلِه سَقَط عنِ الأصلِ، فبَرِئ الفَرْعُ، كالضّامِنِ إذا قَضَى المَضْمُونُ عنه الدَّينَ أو أبْرِئ منه، وفارَقَ ما إذا غاب، فإنَّ الحُضُورَ لم يَسْقُطْ عنه، وفارَقَ الرَّهْنَ، فإنّه عُلقَ به المالُ فاسْتُوفِيَ منه، وكذلك الحُكْمُ إن تَلِفَتِ العَينُ (١) المَكْفُولُ بها بفِعلِ اللهِ تعالى. وإن سَلَّمَ المَكْفُولُ به نَفْسَه، بَرِئ الكَفِيلُ؛ لأنَّه أتَى بما يَلْزَمُ الكَفِيلَ لأجْلِه، وهو إحضارُ نَفْسِه، بَرِئَتْ ذِمَّتُه، كما لو قَضَى الدَّينَ. فصل: إذا قال الكَفِيلُ: قد بَرِئ المَكْفُولُ به مِن الدَّينِ وسَقَطَتِ الكَفالةُ. أو قال: لم يَكُنْ عليه دَينٌ حينَ كَفَلْتُه. فأنْكَرَ المَكْفُولُ له، فالقولُ قَوْلُه؛ لأنَّ الأصلَ صِحَّةُ الكَفالةِ وبَقاءُ الدينِ، وعليه اليَمِينُ،

стр. 6139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن نَكَل، قُضِيَ عليه. ويَحتَمِلُ أن لا يُسْتَخلَفَ فيما إذا ادّعَى الكَفِيلُ أنه تَكفَّلَ بمَن لا دَينَ عليه؛ لأن الكَفِيلَ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِه فيما ادَّعاه، فإن مَن كَفَل بشَخْصٍ مُعتَرِفٌ بِدَينه في الظّاهِرِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأن ما ادَّعاهُ مُحتَمِلٌ. فصل: وإذا قال المَكْفُولُ له للكَفِيلِ: أبرَأتكَ مِن الكَفالةِ. بَرِئ؛ لأنه حَقُّه، فسَقَطَ بإسْقاطِه، كالدين. كان قال: قد بَرِئْتَ إليَّ منه. أو: قد رَدَدتَه إلَيَّ. بَرِئ أيضًا؛ لأنَّه مُعتَرِفٌ بوَفاءِ الحَقِّ، فهو كما لو اعتَرفَ بذلك في الضمانِ. وكذلك إذا قال له: بَرِئْتَ مِن الدَّينِ الذي كَفَلْتَ به. ويَبْرأ الكَفِيلُ في هذه المَواضِعِ دُونَ المَكْفُولِ به، ولا يَكُونُ إقْرارًا بقَبْضِ الحَقِّ [وهذا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ. وقيل: يكونُ إقْرارًا بقَبْضِ الحقِّ] (١) فيما إذا قال: بَرِئْتَ مِن الدَّينِ الذي كَفَلْتَ به. والأولُ أصَحُّ، لأنه يُمكِنُ بَراءَتُه بدُونِ قَبْضِ الحَقِّ بإبراءِ المُسْتَحِقِّ، أو مَوْتِ المَكْفُولِ به. فأمَّا إن قال للمَكْفولِ به: أبرَأتكَ عمّا لي قِبَلَكَ مِن الحَقِّ. أو: بَرِئْتَ مِن الدينِ الذي قِبَلَكَ. فإنَّه يَبْرأ مِن الحَقِّ وتَزُولُ الكَفالةُ؛ لأنه لَفْظٌ يَقْتَضِي العُمُومَ في كلِّ ما قِبَلَه. كان قال: بَرِئْتَ مِن الدَّينِ الذي كَفَل به فلانٌ. بَرِئ وبَرِئ كَفِيلُه.

стр. 6140

وَإنْ تَعَذَّرَ إِحضَارهُ مَعَ بَقَائِهِ، لَزِمَ الْكَفِيلَ الدَّينُ، أوْ عِوَضُ الْعَين وَإنْ غَابَ، أمهِلَ الْكَفِيلُ بِقَدرِ مَا يَمضِي فيُحضِرُهُ، فَإِنْ تَعَذَّر ــ ١٨٥١ - مسألة: (وإن تَعَذَّرَ إحضارُه مع بَقائِه، لَزِم الكَفِيلَ الدَّينُ أو عِوَضُ العَينِ) متى تَعَذَّرَ إحضارُ المَكْفُولِ به مع حَياتِه، أو امتَنَعَ مِن إحضارِه، لَزِمَه ما عليه. وقال أكثرهم: لا غُرمَ عليه. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه، ﵊: «الزَّعِيمُ غَارم» (١). ولأنَّها أحَدُ نوْعَي الكَفالةِ، فوَجَبَ بها الغُرْمُ، كالكَفالةِ بالمالِ. ١٨٥٢ - مسألة: (وإن غاب، أمهِلَ الكَفِيلُ بقدرِ ما يمضِي

стр. 6141

إِحضَارُهُ، ضَمِنَ مَا عَلَيهِ. ــ فيحضِرُه، فإن تَعَذَّرَ إحضارُه، ضَمِن ما عليه) إذا غاب المَكْفُولُ به، أو ارتَدَّ ولَحِق بدارِ الحَربِ، لم يُؤخَذِ الكَفِيلُ بالحَقِّ حتى يَمضِيَ زَمَن يُمكِنُ المُضِيُّ إليه وإعادَتُه. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ: يُحبَسُ في الحالِ؛ لأن الحَقَّ قد تَوَجَّه عليه. ولَنا، أنَّ الحَقَّ يعتَبَرُ في وُجُوبِ أدَائِه إمكانُ التَّسْلِيمِ وإن كان حالًّا، كالدَّينِ، فإذا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمكِنُ إحضارُه فيها ولم يُحضِره، أو كانتِ الغَيبةُ مُنْقَطِعَةً لا يُعلَمُ خَبَرُه، أو امتَنَعَ مِن إحضارِه مع إمكانِه، أُخِذْ بما عليه. وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن كانتِ الغَيبَةُ مُنْقَطِعَةً لا يُعلَمُ مَكانُه، لم يُطالَبِ الكَفِيلُ بإحضارِه، ولم يَلْزمه شيء. وإنِ امنتَعَ مِن إحضارِه مع إمكانِه حُبِس. وقد دَلَّلْنا على وُجُوبِ الغُرمِ في المَسْألةِ التي قبلَها. فصل: فإن كَفَل إلى أجَلٍ مَجْهُول، لم تَصِحَّ الكَفالةُ. وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنّه ليس له وَقْتٌ يَسْتَحِقُّ مُطالبَتَه فيه، وهكذا الضَّمانُ. كان جَعَلَه إلى الحَصادِ والجِذاذِ والعَطاء، خُرِّجَ على الوَجْهين، كالأجَلِ في البَيعِ. والأوْلَى صِحَّتُه ها هنا؛ لأَنَّه تَبَرُّعٌ مِن غيرِ عِوَض جَعَل له أجَلًا لا يَمنَعُ مِن حُصُولِ المَقْصُودِ منه، فصَح، كالنَّذْرِ وهكذا كلُّ مَجْهُولٍ لا يَمنَعُ مَقْصُودَ الكَفالةِ. وقد رَوَى مُهنَّا عن أحمدَ، في رجل كَفَل رجلًا فقال: إن جِئْتُ به في وَقْتِ كذا، وإلَّا فما عليه عَلَيَّ. فقال: لا أدرِي، ولكنْ إن قال: ساعَةَ كذا. لَزِمَه. فنَصَّ على تَعيِينِ السّاعَةِ،

стр. 6142

وَإِذَا طَالَبَ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ أَوْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِإِحْضَارِهِ، وَإِلَّا فَلَا. ــ وتَوَقَّفَ عن تَعْيِينِ الوَقْتِ، ولَعَلَّه أرادَ وَقْتًا مُتَّسِعًا، أو وَقْتَ شئٍ يَحْدُثُ، مثلَ وَقْتِ الحَصادِ، ونحوه. فأمّا إن قال: وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. أو نحوَ ذلك، صَحَّ. فإن قال: إلى الغَدِ. أو: إلى شَهْرِ كذا. تَعَلَّقَ بأوَّلِه، على ما ذَكَرْنا في السَّلَمِ. فإن تَكَفَّلَ برجلٍ إلى أجَلٍ، إن جاء به فيه، وإلَّا لَزِمَه ما عليه، صَحَّ. وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ، والشافعيُّ: لا تَصِحُّ الكَفالَةُ، ولا يَلْزَمُه ما عليه؛ لأنَّ هذا تَعْلِيقُ الضَّمانِ بخَطَرٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَه بقُدُومِ زَيْدٍ. ولَنا، أنَّ هذا مُوجِبُ الكَفالةِ ومُقْتَضاها، فصَحَّ اشْتِراطُه، كما لو قال: إن جِئْتُ به في وَقْتِ كذا، وإلَّا فلك حَبْسِي. ومَبْنَى (١) الخِلافِ ههنا على الخِلافِ في أنَّ هذا مُقْتَضَى الكَفالَةِ، وقد دَلَّلْنا عليه. ١٨٥٣ - مسألة: (وإذا طالَبَ الكَفِيلُ المَكْفُولَ به بالحُضُورِ معه، لَزِمَه ذلك إن كانتِ الكَفالَةُ بإذْنِه أو طالَبه صاحِبُ الحَقِّ بإحْضارِه، وإلَّا فلا) إذا كَفَل رجلًا بإذْنِه، فأرادَ إحْضارَه؛ ليُسَلِّمَه إلى المَكْفُولِ له، لَزِمَه الحُضُورُ معه؛ لأنَّه شَغَل ذِمَّتَه مِن أجْلِه بإذْنِه، فلَزِمَه تَخْلِيصُها،

стр. 6143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما لو اسْتَعارَ عَبْدَه فرَهَنَه بإذْنِه، فإنَّ عليه تَخْلِيصَه إذا طَلَبَه سَيِّدُه. وإن كانت بغيرِ إذْنِه، فإن طَلَبَه المَكْفُولُ له لَزِمَه الحُضُورُ؛ لأنَّ حُضُورَه حَقُّ للمَكْفُولِ له، وقد اسْتَنابَ الكَفِيلَ في ذلك. وإن لم يَطْلُبْه المَكْفُولُ له، لِم يَلْزَمْه الحُضُورُ؛ لأنَّه لم يَشْغَلْ ذِمَّتَهَ، وإنَّما الكَفِيلُ شَغَلَها باخْتِيارِ نفْسِه، فلم يَجُزْ أن يَثْبُتَ له بذلك حَقٌّ على غيرِه. وإن قال له المَكْفُولُ له: أحْضِرْ كَفِيلَكَ. كان تَوْكِيلًا في إحْضارِه، ولَزِمَه أن يَحْضُرَ معه، كما لو وَكَّلَ غيرَه. وإن قال: اخْرُجْ مِن كَفالتِكَ. احْتَمَلَ أن يَكُونَ تَوْكِيلًا في إحْضارِه، كاللَّفْظِ الأوَّلِ، واحْتَمَلَ أن يَكُونَ مُطالبَةً بالدَّينِ الذي عليه، فلا يَكُونُ تَوْكِيلًا، ولا يَلْزَمُه الحُضُورُ معه. فصل: وإذا قال رجلٌ لآخَرَ: اضْمَنْ عن فُلانٍ. أو: اكْفُلْ بفُلانٍ. ففَعَل، كان الضَّمانُ والكَفالةُ لازِمَين للمُبَاشِرِ دُونَ الآمِرِ؛ لأنَّه كَفَل باخْتِيارِ نَفْسِه، وإنَّما الأمْرُ إرْشادٌ وحَثٌّ على فِعْلِ خَيرٍ، فلا يَلْزَمُه به شيءٌ. فصل: ولو قال: أعْطِ فُلانًا ألْفًا. ففَعَلَ، لم يَرْجِعْ على الآمِرِ، ولم

стр. 6144

وَإِذَا كَفَلَ اثْنَانِ بِرَجُلٍ، فَسَلَّمَهُ أحَدُهُمَا، لَمْ يَبْرَأَ الْآخَرُ. ــ يَكُنْ ذلك كَفالةً ولا ضَمانًا، إلَّا أن يَقُولَ: أعْطِه عَنِّي. وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ عليه إذا كان خَلِيطًا له. ولَنا، أنَّه لم يَقُلْ: أعْطِه عَنِّي. فلم يَلْزَمْه الضَّمانُ، كما لو لم يَكُنْ خَلِيطًا. ولا يَلْزَمُ إذا كان له عليه مالٌ، فقال: أعْطِه فلانًا. حيثُ يَلْزَمُه؛ لأنَّه لم يَلْزَمْه لأجْلِ هذا القولِ، بل لأنَّ عليه حَقًّا يَلْزَمُه أداؤُه. فصل: ولو تَكَفَّلَ اثْنانِ بواحِدٍ، صَحَّ، وأيُّهُم قَضَى الدَّينَ، بَرِئ الآخَرُ؛ لِما ذَكَرْنا في الضَّمانِ. وإن سَلَّمَ المَكْفُولُ به نَفْسَه، بَرِئ كَفِيلاه. وإن أحْضَرَهَ أحَدُ الكَفِيلَينِ، لم يَبْرَأ الآخَرُ؛ لأنَّ إحْدَى الوَثِيقَتَين انْحَلَّتْ مِن غيرِ اسْتِيفاءٍ، فلم تَنْحَلَّ الأُخْرَى، كما لو أبْرَأ أحَدَهما، أو انْفَكَّ أحَدُ الرَّهْنَينِ مِن غيرِ قَضاءِ الحَقِّ، بخِلافِ ما إذا سَلَّمَ المَكْفُولُ به نَفسه؛ لأنه أصْلٌ لهما، فإذا بَرِئ الأصْلُ ممّا تَكَفَّلَ به عنه، بَرِئ كَفِيلاه؛ لأنَّهما فَرْعاه، وكلُّ واحدٍ مِن الكَفِلَينِ ليس بفَرْعٍ للآخَرِ، فلم يَبْرَأْ ببراءَتِه. وكذلك لو أَبْرَأَ المَكْفُولَ به، بَرِئ كَفِيلاه. ولو أُبْرِئ أحَدُ الكَفِيلَين وَحْدَه لم يَبْرَأ الآخَرُ.

стр. 6145

وَإنْ كَفَلَ وَاحِدٌ لِاثْنَينِ، فَأَبْرَأَةُ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَبْرأ مِنَ الْآخَرِ. ــ ١٨٥٤ - مسألة: (ولو تَكَفَّلَ واحِدٌ لاثْنَين، فأبْرَأه أحَدُهما) أو أحْضَرَه عند أحَدِهما (لم يَبْرأْ مِن الآخَرِ) لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين بمَنْزِلَةِ عَقْدَين، فقد الْتَزَمَ إحْضارَه عندَ (١) كلِّ واحِدٍ منهما، فإذا أحْضَرَه عندَ أحَدِهما، بَرِئَ منه، كما لو كان في عَقْدَين، وكما لو ضَمِن دَينًا لرَجُلَين (٢)، فوفَّى أحَدَهما حَقَّه. فصل: وإذا كانتِ السَّفِينةُ في البَحْرِ،. وفيها مَتاعٌ، فخِيفَ غَرَقُها،

стр. 6146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فألْقَى بعضُ مَن فيها مَتاعَه في البَحْرِ لتَخِفَّ، لم يَرْجِعْ به على أحَدٍ، سواءٌ ألْقاه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ أو مُتَبَرِّعًا؛ لأنَّه أتْلَفَ مال نفْسِه باخْتِيارِه مِن غيرِ ضَمانٍ. وإن قال له بعضُهم: ألْقِ مَتاعَكَ. فأَلْقاه، فكذلك؛ لأنَّه لم يُكْرِهْه، ولا ضَمِن له. فإن قال: ألْقِه، وعليَّ ضَمانُه. فألْقاه، فعلى القائِلِ الضَّمانُ. ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ ضَمانَ ما لم يَجِبْ صَحِيحٌ. وإن قال: ألْقِه، وأنا ورُكْبانُ السَّفينةِ ضُمَناءُ له. ففعَلَ. فقال أبو بكر: يَضْمَنُه القائِلُ وَحْدَه، إلَّا أن يَتَطَوَّعَ بَقِيَّتُهم. وقال القاضي: إن كان ضَمانَ اشْتِراكٍ، فليس عليه إلَّا ضَمانُ حِصَّتِه؛ لأنَّه لم يَضْمَنِ الجَمِيعَ، إنَّما ضَمِن حِصَّتَه، وأخْبَرَ عن سائِرِ رُكْبانِ السَّفِينَةِ بضَمانِ سائِرِه، فلَزِمَه حِصَّتُه، ولم يُقْبَلْ قَوْلُهَ في حَقِّ الباقِينَ. وإن كان ضَمانَ اشْتِراكٍ وانْفِرادٍ، بأن يَقُولَ: كلُّ واحدٍ مِنّا ضامِنٌ لك مَتاعَكَ أو قِيمَتَه. لَزِم القائِلَ ضَمانُ الجميعِ، وسَواءٌ قال هذا والباقُونَ يَسْمَعُونَ فسَكَتُوا، أو قالوا: لا نَفْعَلُ. أو لم يَسْمَعُوا؛ لأنَّ سُكُوتَهُم لا يَلْزَمُهم به حَقٌّ. فصل: قال مُهَنّا: سألتُ أحمدَ، عن رجلٍ له على رجُلٍ ألْفُ دَرْهمٍ

стр. 6147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأقامَ بها كَفِيلَين، كلُّ واحِدٍ منهما كَفِيلٌ ضامِنٌ، فأيُّهما شاء أخَذَه بحَقِّه، فأحال رَبُّ المالِ عليه رجلًا بحَقِّه؟ فقال: يَبْرَأُ الكَفِيلانِ. قُلْتُ (١): فإن مات الذي أحاله عليه بالحَقِّ ولم يَتْرُكْ شَيئًا؟ قال: لا شيءَ له، ويَذْهَبُ الألْفُ.

стр. 6148

بَابُ الْحَوَالةِ ــ بابُ الحَوالةِ الحَوالةُ ثابِتَةٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ. أمّا السُّنَّةُ، فما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وإذَا اُتْبعَ أحَدُكُم عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وفي لَفْظٍ: «ومَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَحْتَلْ» (٢). وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على جَوازِ الحَوالةِ في الجُمْلَةِ. واشْتِقاقُها مِن تَحْويل الحَقِّ مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ. وقد قِيلَ: إنَّها بَيعٌ. فإنَّ المُحِيلَ يَشتَرِي ما في ذِمَّتِه بما له في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، وجاز تَأْخِيرُ القَبْضِ رُخْصةً؛ لأنَّه مَوْضُوعٌ على الرِّفْقِ، فيَدْخُلُها خيارُ المَجْلِسِ؛ لذلك (٣). والصَّحِيحُ

стр. 6149

وَالْحَوَالةُ تَنْقُلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيهِ، فَلَا يَمْلِكُ الْمُحْتَالُ الرُّجُوعَ عَلَيهِ بِحَالٍ. ــ أنَّها عَقْدُ إرْفاقٍ مُنْفَردٌ بنَفْسِه، ليس بمَحْمُولٍ على غيرِه؛ لأنَّها لو كانت بَيعًا لَما جازَتْ؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، ولَما جاز التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه بَيعُ مالِ الرِّبا بجِنْسِه، ولَجازَتْ بلَفْظِ البَيعِ، ولَجازَت بينَ جِنْسَين، كالبَيعِ، ولأنَّ لَفْظَها يُشْعِرُ بالتَّحَوُّلِ لا بالبَيعِ. فعلى هذا، لا يَدْخُلُها خِيارٌ، وتَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ. وهذا أشْبَهُ بكَلامِ أحمدَ وأُصُولِه، ولابُدَّ فيها مِن مُحِيلٍ ومُحْتالٍ ومُحالٍ عليه. ١٨٥٥ - مسألة: (والحَوالةُ تَنْقُلُ الحَقَّ مِن ذِمَّةِ المُحِيلِ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه، فلا يَمْلِكُ المُحتالُ الرُّجُوعَ عليه بحالٍ) إذا صَحَّتِ الحَوالةُ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ المُحِيلِ، وانْتَقَلَ الحَقُّ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. ورُوي عن الحَسَنِ، أنَّه كان لا يَرَى الحَوالةَ بَراءَةً

стр. 6150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلَّا أن يُبْرِئَه. وعن زُفَرَ، أنَّه قال: لا تَنْقُلُ الحَقَّ. وأَجْراها مُجْرَى الضَّمَانِ. ولَنا، أنَّ الحَوالةَ مُشْتَقَّةٌ مِن تَحْويلِ الحَقِّ، بخِلافِ الضَّمانِ، فإنَّه مُشْتَقٌّ مِن ضَمِّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، فعُلِّقَ على كلِّ] (١) واحدٍ مُقْتَضاه وما دَلَّ عليه لَفْظُه. إذا ثَبَت ذلك، فمتى رَضِيَ بها المُحْتالُ ولم يَشْتَرِطِ اليَسارَ، لم يَعُدِ الحَقُّ إلى المُحِيلِ أبدًا، سَواءٌ أمْكَنَ اسْتِيفاءُ الحَقِّ، أو تَعَذَّرَ لِمَطْلٍ أو فَلَسٍ أو مَوْتٍ أو غيرِه. وبه قال اللَّيثُ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وقال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ: متى أفْلَسَ أو ماتَ، رَجَع على صاحِبِه. وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ عليه في حالين؛ إذا مات المُحالُ عليه مُفْلِسًا، وإذا جَحَدَه وحَلَف عليه عندَ الحاكِمِ. وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَرْجِعُ عليه في هاتَين الحالتَين، وإذا حُجِرَ عليه لفَلَسٍ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عُثْمانَ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ أُحِيلَ بحَقِّه،

стр. 6151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فماتَ المُحالُ عليه مُفْلِسًا. فقال: يَرْجِعُ بحَقِّه (١)، لا تَوًى (٢) على مالِ امْرِئ مُسْلِمٍ (٣). ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لم يُسَلَّمِ العِوَضُ فيه لأحَدِ المُتعاوضَين، فكان له الفَسْخ، كما لو اعْتاضَ بثَوْبٍ فلم يُسَلَّمْ إليه. ولَنا، أنَّ حَزْنًا جَدَّ سَعِيدِ بنِ المسَيَّبِ، كان له على عليٍّ، ﵁، دَينٌ، فأحالة به، فمات المُحالُ عليه، فأخْبَرَه، فقال: اخْتَرْتَ علينا، أبْعَدَكَ اللهُ. فأبْعَدَه بمُجَرَّدِ احْتِيالِه، ولم يُخْبِرْه أنَّ له الرُّجُوعَ. ولأنَّها بَراءَةٌ مِن دَينٍ ليس فيها قَبْضٌ مِمَّن هي عليه، ولا مِمَّن يَدْفَعُ عنه، فلم يَكُنْ فيها رُجُوعٌ، كما لو أَبرأَه مِن الدَّينِ، وحَدِيثُ عُثمانَ لم يَصِحَّ، يَرْويه خُلَيدُ (٤) بن جَعْفرٍ، عن مُعاويَةَ بنِ قُرَّةَ، عن عُثمانَ، ولم يَصِحَّ سَماعُه منه (٥). وقد رُوِيَ أنَّه قال: في حَوالةٍ أو كَفالةٍ. وهذا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، ولو صَحَّ، كان قولُ عليٍّ مُخالِفًا له. وقَوْلُهم: هو مُعاوَضَةٌ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِي إلي بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ، وهو مَنْهِيٌّ عنه. ويُفارِقُ المعاوَضَةَ بالثَّوْبِ؛ لأنَّ في ذلك قَبْضًا يَقِفُ اسْتِقْرارٌ العَقْدِ عليه، وههنا الحَوالة بمَنْزِلَةِ القَبْضِ، وإلَّا كان بَيعَ دَين بدَينٍ.

стр. 6152

وَلَا تَصِحُّ إلا بِثَلَاثةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَينٍ مُسْتَقِرٍّ، فَإن أَحَال عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ، أَو السَّلَمِ، أَو الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ أَحَال الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ، أَو الزَّوْجُ أمْرَأَتَهُ، صَحَّ. ــ ١٨٥٦ - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا بشُرُوطٍ ثَلاثةٍ؛ أحدُها، أن يُحِيلَ على دَينٍ مُسْتَقِرٍّ، فإن أحال على مالِ الكِتابَةِ، أو السَّلَمِ) قبلَ قَبْضِه (أو الصَّداقِ قبلَ الدُّخُولِ، لم يَصِحَّ. وإن أحال المُكاتَبُ سَيِّدَه، أو الزَّوْجُ امْرَأَتَه، صَحَّ) لا تَصِحُّ الحَوالةُ على دَينٍ غيرِ مُسْتَقِرٍّ؛ لأنَّ مُقْتَضاها إلْزامُ المُحالِ عليه الدَّينَ مُطْلَقًا، ولا يَثْبُتُ ذلك فيما هو بعَرْضِ السُّقُوطِ. ولا يُعْتَبَرُ أن يُحِيلَ بدَينٍ مُسْتَقِرٍّ، إلَّا أنَّ السَّلَمَ لا تَصِحُّ الحَوالةُ به ولا عليه؛ لأنَّ دَينَ السَّلَمِ ليس بمُسْتَقِرِّ، لكَوْنِه مُتَعَرِّضًا للفَسْخِ بانْقِطاع المُسْلَمِ فيه، ولا تَصِحُّ الحَوالةُ به؛ لأنَّها لا تَصِحُّ إلَّا فيما يَجُوزُ أخْذ العِوَضِ

стр. 6153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه، ولا يَجُوزُ ذلك في السَّلِمِ؛ لقَوْلِه ﵊: «مَنْ أسْلَمَ في شِيء، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غيرِهِ» (١). فلا تَصِحُّ الحَوالةُ على المُكاتَبِ بمالِ الكِتابَةِ؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ؛ لأنَّ له أن يَمْتَنِعَ مِن أدائه، ويَسْقُطُ بعَجْزِه. وتَصِحُّ الحَوالةُ عليه بدَينٍ غيرِ دَينِ الكِتابَةِ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ الأحْرارِ في المُدايَناتِ. وإن أحال المُكاتَبُ سَيِّدَه بنَجْم قد حَلَّ عليه، صَحَّ، وبَرِئَت ذِمَّةُ المُكاتَبِ بالحَوالةِ، ويَكُونُ ذلك بمَنْزِلَةِ القَبْضِ. وإن أحالتِ المَرْأةُ على زَوْجِها بصَداقِها قبلَ الدُّخُولِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، يَحْتَمِلُ أن يَسْقُطَ بانْفِساخِ النِّكاحِ بسَبَبٍ مِن جِهَتِها. وإن أحالها الزَّوْجُ به، صَحَّ؛ لأنَّ له تَسْلِيمَه إليها، وحَوالتُه به تَقُومُ مَقامَ تَسْلِيمِه. فإن أحالتْ به بعدَ الدُّخُولِ، صَحَّ؛ لأنَّه مُسْتَقِرٌّ. وإن أحال البائِعُ بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَصِحَّ، في قِياسِ ما ذَكَرْنا. وإن أحالهُ المُشْتَرِي به، صَحَّ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الوَفاءِ،

стр. 6154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [وله الوَفاءُ] (١) قبلَ الاسْتِقْرارِ. وإن أحال البائِعُ بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي، ثم ظَهَر على عَيبٍ، لم يَتَبَيَّنْ أنَّ الحَوالةَ كانت باطِلَةً؛ لأنَّ الثَّمَنَ كان ثابِتًا مُسْتَقِرًّا،، البَيعَ كان لازِمًا، وإنَّما ثَبَت الجَوازُ (٢) بعدَ العِلْمِ بالعَيبَ بالنِّسْبَةِ إلى المُشْتَرِي. ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الحَوالةُ، لأنَّ سَبَبَ الجَوازِ عَيبُ المَبِيعِ، وقد كان مَوْجُودًا وَقْتَ الحَوالةِ. وكلُّ مَوْضِعٍ أحال مَن عليه دَينٌ غيرُ مُسْتَقِرٍّ به، ثم سَقَط الدَّينُ، كالزَّوْجَةِ يَنْفسِخُ نِكاحُها بسَبَبٍ مِن جِهَتِها، أو المُشْتَرِي يَفْسَخُ البَيعَ ويَرُدُّ المَبِيعَ، فإن كان ذلك قبلَ القَبْضِ مِن المُحالِ عليه، فَفِيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ الحَوالةُ؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ في بَقائِها، ويَرْجِعُ المُحِيلُ بدَينِه على المُحالِ عليه. والثّانِي، لا تَبْطُلُ؛

стр. 6155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ عن المُحِيلِ، فلم يَعُدْ إليه، وثَبَت للمُحْتالِ، فلم يَزُلْ عنه، ولأنَّ الحَوالةَ بمَنْزِلَةِ القَبْضِ، فكأنَّ المُحِيلَ أَقْبَضَ المُحْتال

стр. 6156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دَيْنَه (١)، فرَجَع عليه به، ويَأْخُذُ المُحْتالُ مِن المُحالِ عليه. وسَواءٌ تَعَذَّرَ القَبْضُ مِن المُحالِ عليه أو لم يَتَعَذَّرْ. وإن كان بعدَ القَبْضِ، لم تَبْطُلْ، وَجْهًا واحِدًا، ويَرْجِعُ المُحِيلُ على المُحْتالِ به. فصل: وإن أحال مَن لا دَينَ عليه على مَن له عليه دَينٌ، فهي وَكَالةٌ يَثْبُتُ فيها أحْكامُها، وليست بحَوالةٍ؛ لأنَّ الحَوالةَ مَأْخُوذَة مِن تَحْويلِ الحَقِّ وانْتِقالِه، ولا حَقَّ ههُنا يَنْتَقِلُ [ولا] (٢) يَتَحَوَّلُ، وإنَّما جازَتِ

стр. 6157

وَالثَّانِي، اتِّفَاقُ الدَّينَينِ فِي الْجِنْسِ، وَالصِّفَةِ، وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلَ. ــ الوَكالةُ بلَفْظِ الحَوالةِ؛ لِاشْتِراكِهما في اسْتِحْقاقِ الوَكِيلِ مُطالبَةَ مَن عليه الدَّينُ، كاسْتِحْقاقِ المُحْتالِ مُطالبَةَ المُحالِ عليه، وتَحَوُّلُ ذلك إلى الوَكِيلِ كتَحَوُّلِه إلى المُحْتالِ. وإن أحال مَن عليه دَينٌ على مَن لا دَينَ عليه، فليست حَوالةً. نَصَّ عليه أحمدُ. فلا يَلْزَمُ المُحال عليه الأداءُ، ولا المُحْتال القَبُولُ؛ لأنَّ الحَوالةَ مُعاوَضَةٌ، ولا مُعاوَضَةَ ههُنا، وإنَّما هو اقْتِراضٌ. فإن قَبَض المُحْتالُ منه الدَّينَ، رَجَع على المُحِيلِ؛ لأنَّه قَرْضٌ. وإن أبْرأه، لم تَصِحَّ البَراءَةُ؛ لأَنَّها بَراءَةٌ لمَن لا دَينَ عليه. وإن وَهَبَه إيّاه بعدَ أن قَبَضَه منه، رَجَعَ المُحالُ عليه على المُحِيلِ به؛ لأنَّه قد غَرِم عنه، وإنَّما عاد إليه المالُ بعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ إليه؛ لكَوْنِه ما غَرِم عنه شيئًا. وإن أحال مَن لا دَينَ عليه على مَن لا دَينَ عليه، فهي وَكالةٌ في اقْتِراضٍ، وليست حَوالةً؛ لأنَّ الحَوالةَ إنَّما تَكون بدَينٍ على دَينٍ. الشَّرْطُ (الثّانِي، اتِّفاقُ الدَّينَين في الجِنْسِ، والصِّفَةِ، والحُلُولِ

стр. 6158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والتَّأْجِيلِ) لأَنَّها تَحْويلٌ للحَقِّ ونَقْلٌ له، فيَنْتَقِلُ على صِفَتِه، ويُعْتَبَرُ تماثُلُهما في الأُمورِ المَذْكُورةِ؛ أحدُها، الجِنْسُ، فَيُحِيلُ مَن عليه ذَهَبٌ بذَهَبٍ، ومَن عليه فِضَّةٌ بفِضَّةٍ. ولو أحال مَن عليه ذَهَبٌ بفِضَّةٍ أو بالعَكْسِ، لم يَصِحَّ. الثّانِي، الصِّفَةُ، فلو أحال مَن عليه صِحاحٌ بمُكَسَّرةِ، أو مَن عليه مِصْرِيَّةٌ بأَمِيرِيَّةٍ، لم يَصِحَّ. الثّالِثُ، الحُلولُ والتَّأْجِيلُ، ويُعْتَبَرُ اتِّفاقُ أجَلِ المُؤَجَّلَين؛ فإن كان أحَدُهما حالًّا والآخَرُ مُؤَجَّلًا، أو كان أحَدُهما إلى شَهْرٍ والآخَرُ إلى شَهْرَين، لم تَصِحَّ الحَوالةُ.

стр. 6159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولو كان الحَقّان حالَّين، فشَرَط على المُحْتالِ أن يُؤَخِّر حَقَّه أو بعْضَه إلى أجَلٍ، لم تَصِحَّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتَأَجَّلُ، ولأنَّه شَرَط ما لو كان ثابِتًا في نَفْسِ الأمْرِ لم تَصِحَّ الحَوالةُ، فكذلك إذا اشْتَرَطَه. فإذا اجْتَمَعَتْ هذه الأُمُورُ، وصَحَّتِ الحَوالةُ، فتَراضَيا بأن يَدْفَعَ المُحالُ عليه إلى المُحْتالِ خَيرًا مِن حَقِّه، أو رَضِيَ المُحْتالُ بدُونِ الصِّفَةِ، أو رَضِيَ مَن

стр. 6160

وَالثَّالِثُ، أنْ يُحِيلَ بِرِضَاهُ. ــ عليه المُؤَجَّل بتَعْجِيلِه، أو مَن له الحالُّ بإنْظارِه، جاز؛ لأنَّ ذلك يَجُوزُ في القَرْضِ، ففي الحَوالةِ أَوْلَى. فإن مات المُحِيلُ أو المُحْتالُ، فالأَجَلُ بِحالِه. وإن ماتَ المُحالُ عليه، انْبَنَى على حُلُولِ الدَّينِ بالمَوْتِ، وفيه رِوَايَتان. الشَّرْطُ (الثّالِث، أن يُحِيلَ برِضاه) لأنَّ الحَقَّ عليه، فلا يَلْزَمُه أَداؤُه مِن جِهَةِ الدَّينِ الذي على المُحالِ عليه. ولا خِلافَ في هذا. فصل: ويُعْتَبَر لصِحَّةِ الحَوالةِ أن تكونَ بمالٍ مَعْلُومٍ؛ لأنَّها إن كانت بَيعًا، فلا تَصِحُّ في مَجْهُولٍ، وإن كانت تَحَوُّلَ الحَقِّ، فيُعْتَبَر فيها التَّسْلِيمُ، والجَهالة تَمْنَعُ منه، فتَصِحُّ بكلِّ ما يَثْبُتُ مِثْلُه (١) في الذِّمّةِ بالإِتْلافِ مِن الأَثْمانِ والحُبُوبِ والأدْهانِ، ولا تَصِحُّ فيما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، ومِن شَرْطِ الحَوالةِ تَساوي الدَّينَين. فأمّا ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا غيرَ المِثْلِيّاتِ، كالمَعْدُودِ والمَذْرُوعِ، ففي صِحَّةِ الحَوالةِ به وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المِثْلَ فيه لا يَتَحَرَّرُ، ولهذا لا يُضْمَنُ بمِثْلِه في الإتْلافِ. وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ. والثّانِي، يَصِحُّ. ذكَرَه القاضِي؛ لأنَّه حَقٌّ ثابِتٌ في الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ ما له مِثْلٌ. ويَحْتَمِل أن يُخَرَّجَ هذان الوَجْهان على الخِلافِ فيما يَقْضِي به قَرْضَ هذه الأمْوالِ، فإن كان

стр. 6161

المقنع وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيهِ، وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ ــ عليه إبِلٌ مِن الدِّيَةِ، وله على آخَرَ مِثْلُها في السِّنِّ، فقال القاضِي: تَصِحُّ؛ لأَنَّها تخْتَصُّ بأقَلِّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ في السِّنِّ والقِيمَةِ وسائرِ الصِّفاتِ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا تَصِحُّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّها مَجْهُولَةٌ، ولأنَّ الإِبلَ ليست مِن المِثْلِيّاتِ التي تُضْمَنُ بمِثْلِها في الإِتْلافِ، فلا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا في روايَةٍ. وإن كان عليه إبِلٌ مِن (١) ديَةٍ، وله على آخَرَ مِثْلُها قَرْضًا، فأحَاله عليه، فإن قُلْنا: يَرُدُّ في (٢) القَرْضَ قِيمَتَها. لم تَصِحَّ الحَوالةُ؛ لِاخْتِلافِ الجِنْسِ. وإن قُلْنا: يَرُدُّ مِثْلَها. اقْتَضَى قولُ القاضِي صِحَّةَ الحَوالةِ؛ لأنَّه أمْكَنَ اسْتِيفاءُ الحَقِّ على صِفَتِه مِن المُحالِ. عليه، ولأنَّ الخِيَرَةَ في التَّسْلِيمِ إلى مَن عليه الدِّيَةُ، وقد رَضِيَ بتَسْلِيمِ ما له في ذِمَّةِ المُقْتَرِضِ. وإن كانت بالعَكْسِ، فَأحال (٣) المُقْرِضَ بإِبِلِ الدِّيَةِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّنا إن قُلْنا: تَجِبُ القِيمَةُ في القَرْضِ. فقد اخْتَلَفَ الجِنْسُ. وإن قُلْنا: يَجِبُ المِثْلُ. فلِلْمُقْرِضِ مِثْلُ ما أقْرَضَ في صِفاتِه وقِيمَتِه، والذي عليه الدِّيَةُ لا يَلْزَمُه ذلك. ١٨٥٧ - مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ رِضا المُحالِ عليه، ولا رِضا

стр. 6162

عَلَيهِ مَلِيئًا. ــ المُحْتالِ إن كان المُحالُ عليه مَلِيئًا) أمّا المُحالُ عليه فلا يُعْتَبَرُ رِضاه؛ لأنَّ للمُحِيلِ (١) أن يَسْتَوْفِيَ الحَقَّ بِنَفْسِه وبِوَكِيلِه، وقد أقامَ المُحْتال مُقامَ نَفْسِه في القَبْضِ، فلَزِمَ المُحال عليه الدَّفْعُ إليه، كالوَكِيلِ، وإنما تُعْتَبَرُ المَلاءَةُ في رِضا المُحْتالِ. [والمَلِئُ: القادِرُ على الوَفاءِ، غيرُ المُماطِلِ. جاءَ في الحَدِيثِ عن النبيِّ ﷺ أنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: «مَنْ] (٢) يُقْرِضُ الْمَلِئَ غَيرَ الْمُعْدِمِ» (٣). وقال الشّاعِرُ (٤): تُطِيِلينَ لَيّانِي وأنْتِ مَليئَةٌ ... وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوشاحِ التَّقاضِيَا يَعْنِي قادِرَةٌ على وَفائِي. قال أحمدُ في تَفْسِيرِ المَلِئِ: أن يَكُونَ مَلِيئًا بمالِه وقَوْلِه وبَدَنِه. فمتى أُحِيلَ على مَن هذه صِفَتُه، لَزِم المُحْتال والمُحال

стр. 6163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه القَبُولُ، ولم يُعْتَبَرْ رِضاهُما. وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ رِضاهُما؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ، فيُعْتَبَرُ الرِّضا مِن المُتَعاقِدَين. وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: يُعْتَبَرُ رِضا المُحْتالِ؛ لأنّ حَقَّه في ذِمَّةِ المُحِيلِ، فلا يَجُوزُ نَقْلُه إلى غيرِها بغيرِ رِضاه، كما لا يَجُوزُ أن يُجْبِرَه على أن يَأْخُذَ بالدَّينِ عَرْضًا (١). فأمّا المُحالُ عليه، فقال مالِكٌ: لا يُعْتَبَرُ رِضاه، إلَّا أن يَكُونَ المُحْتالُ عَدُوَّه. وللشافعيِّ في اعْتِبارِ رِضاه قَوْلان؛ أحدُهما، يُعْتَبَرُ. وهو يُحْكَى عن الزُّهْرِيِّ؛ لأنَّه أحَدُ مَن تَتِمُّ به الحَوالةُ، فأشْبَهَ المُحِيلَ. والثّانِي، لا يُعْتَبَرُ؛ لأنَّه أقَامَه في القَبْضِ مُقامَ نَفْسِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى رِضا مَن عليه الحَقُّ، كالتَّوْكِيلِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «إذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ». [مُتَّفقٌ عليه] (٢). ولأنَّ للمُحِيلِ أن يُوَفِّيَ الحَقَّ الذي عليه بنَفْسِه وبوَكِيلِه، وقد أقامَ المُحال عليه مُقامَ نَفْسِه في التَّقْبِيضِ، فلَزِمَ المُحْتال (٣) القَبُولُ، كما لو وَكَّلَ رجلًا في إيفائِه. وفارَقَ ما إذا أرادَ أن يُعْطِيَه عمَّا في ذِمَّتِه عَرْضًا؛ لأنَّه يُعْطِيه غيرَ ما وَجَب له، فلم يَلْزَمْه قَبُولُه.

стр. 6164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن لم يَكُنِ المُحالُ عليه مَلِيئًا، لم يَلْزَمْه أن يَحْتال؛ لمَفْهُومِ الحَدِيثِ، ولأنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك، فلم يَلْزَمْه، كما لو بَذَلَ له دُونَ حَقِّه في الصِّفَةِ. فصل: فإن شَرَط المُحْتالُ مَلاءَةَ المُحالِ عليه، فبانَ مُعْسِرًا، رَجَع على المُحِيلِ. وبه قال بعضُ الشّافِعِيَّةِ. وقال بعضُهم: لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ الحَوالةَ لا تُرَدُّ بالإِعْسارِ، وإذا لم يَشْتَرِطِ المَلاءَةَ، فلا تُرَدُّ به، وإن شَرَط، كما لو شَرَط كَوْنَهُ مُسْلِمًا. ويُفارِقُ البَيعَ، فإنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ بالإِعْسارِ فيه مِن غيرِ شَرْطٍ، بخِلافِ الحَوالةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١). ولأنَّه شَرَط ما فيه مَصْلَحَةُ العَقْدِ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فيَثْبُتُ الفَسْخُ بفَواتِه، كما لو شَرَط صِفَةً في المَبِيِعِ، وقد يَثْبُتُ بالشَّرْطِ ما لا يَثْبُتُ بإطْلاقِ العَقْدِ، بدَلِيلِ اشْتِراطِ صِفةٍ في المَبِيعِ.

стр. 6165

وَإِنْ ظَنَّهُ مَلِيئًا، فَبَانَ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالةِ، رَجَعَ عَلَيهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ. ــ ١٨٥٨ - مسألة: (وإن ظَنَّه مَلِيئًا، فبان مُفْلِسًا، ولم يَكُنْ رَضِيَ بالحَوالةِ، رَجَع عليه، وإلَّا فلا. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ) أمّا إذا لم يَرْضَ المُحْتالُ بالحَوالةِ، ثم بان المُحالُ عليه مُفْلِسًا أو مَيِّتًا، رَجَع على المُحِيلِ، بغيرِ خِلافٍ؛ فإنَّه (١) لا يَلْزَمُه الاحْتِيالُ على غيرِ المَلِئِ؛ لِما عليه فيه مِن الضَّرَرِ، وإنَّما أمَرَ النبيُّ ﷺ بقَبُولِ الحَوالةِ على المَلِئِ. وإن كان رَضِيَ بالحَوَالةِ، لم يَرْجِعْ؛ لأنَّه رَضِيَ بدُونِ حَقِّه. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ؛ لأنَّ الفَلَسَ عَيبٌ في الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى شيئًا يَظُنُّه سَلِيمًا فبان مَعِيبًا.
следующие страницы →