← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

المقنع وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيهِ، وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ ــ عليه إبِلٌ مِن الدِّيَةِ، وله على آخَرَ مِثْلُها في السِّنِّ، فقال القاضِي: تَصِحُّ؛ لأَنَّها تخْتَصُّ بأقَلِّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ في السِّنِّ والقِيمَةِ وسائرِ الصِّفاتِ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا تَصِحُّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّها مَجْهُولَةٌ، ولأنَّ الإِبلَ ليست مِن المِثْلِيّاتِ التي تُضْمَنُ بمِثْلِها في الإِتْلافِ، فلا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا في روايَةٍ. وإن كان عليه إبِلٌ مِن (١) ديَةٍ، وله على آخَرَ مِثْلُها قَرْضًا، فأحَاله عليه، فإن قُلْنا: يَرُدُّ في (٢) القَرْضَ قِيمَتَها. لم تَصِحَّ الحَوالةُ؛ لِاخْتِلافِ الجِنْسِ. وإن قُلْنا: يَرُدُّ مِثْلَها. اقْتَضَى قولُ القاضِي صِحَّةَ الحَوالةِ؛ لأنَّه أمْكَنَ اسْتِيفاءُ الحَقِّ على صِفَتِه مِن المُحالِ. عليه، ولأنَّ الخِيَرَةَ في التَّسْلِيمِ إلى مَن عليه الدِّيَةُ، وقد رَضِيَ بتَسْلِيمِ ما له في ذِمَّةِ المُقْتَرِضِ. وإن كانت بالعَكْسِ، فَأحال (٣) المُقْرِضَ بإِبِلِ الدِّيَةِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّنا إن قُلْنا: تَجِبُ القِيمَةُ في القَرْضِ. فقد اخْتَلَفَ الجِنْسُ. وإن قُلْنا: يَجِبُ المِثْلُ. فلِلْمُقْرِضِ مِثْلُ ما أقْرَضَ في صِفاتِه وقِيمَتِه، والذي عليه الدِّيَةُ لا يَلْزَمُه ذلك. ١٨٥٧ - مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ رِضا المُحالِ عليه، ولا رِضا

стр. 6162

عَلَيهِ مَلِيئًا. ــ المُحْتالِ إن كان المُحالُ عليه مَلِيئًا) أمّا المُحالُ عليه فلا يُعْتَبَرُ رِضاه؛ لأنَّ للمُحِيلِ (١) أن يَسْتَوْفِيَ الحَقَّ بِنَفْسِه وبِوَكِيلِه، وقد أقامَ المُحْتال مُقامَ نَفْسِه في القَبْضِ، فلَزِمَ المُحال عليه الدَّفْعُ إليه، كالوَكِيلِ، وإنما تُعْتَبَرُ المَلاءَةُ في رِضا المُحْتالِ. [والمَلِئُ: القادِرُ على الوَفاءِ، غيرُ المُماطِلِ. جاءَ في الحَدِيثِ عن النبيِّ ﷺ أنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: «مَنْ] (٢) يُقْرِضُ الْمَلِئَ غَيرَ الْمُعْدِمِ» (٣). وقال الشّاعِرُ (٤): تُطِيِلينَ لَيّانِي وأنْتِ مَليئَةٌ ... وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوشاحِ التَّقاضِيَا يَعْنِي قادِرَةٌ على وَفائِي. قال أحمدُ في تَفْسِيرِ المَلِئِ: أن يَكُونَ مَلِيئًا بمالِه وقَوْلِه وبَدَنِه. فمتى أُحِيلَ على مَن هذه صِفَتُه، لَزِم المُحْتال والمُحال

стр. 6163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه القَبُولُ، ولم يُعْتَبَرْ رِضاهُما. وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ رِضاهُما؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ، فيُعْتَبَرُ الرِّضا مِن المُتَعاقِدَين. وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: يُعْتَبَرُ رِضا المُحْتالِ؛ لأنّ حَقَّه في ذِمَّةِ المُحِيلِ، فلا يَجُوزُ نَقْلُه إلى غيرِها بغيرِ رِضاه، كما لا يَجُوزُ أن يُجْبِرَه على أن يَأْخُذَ بالدَّينِ عَرْضًا (١). فأمّا المُحالُ عليه، فقال مالِكٌ: لا يُعْتَبَرُ رِضاه، إلَّا أن يَكُونَ المُحْتالُ عَدُوَّه. وللشافعيِّ في اعْتِبارِ رِضاه قَوْلان؛ أحدُهما، يُعْتَبَرُ. وهو يُحْكَى عن الزُّهْرِيِّ؛ لأنَّه أحَدُ مَن تَتِمُّ به الحَوالةُ، فأشْبَهَ المُحِيلَ. والثّانِي، لا يُعْتَبَرُ؛ لأنَّه أقَامَه في القَبْضِ مُقامَ نَفْسِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى رِضا مَن عليه الحَقُّ، كالتَّوْكِيلِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «إذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ». [مُتَّفقٌ عليه] (٢). ولأنَّ للمُحِيلِ أن يُوَفِّيَ الحَقَّ الذي عليه بنَفْسِه وبوَكِيلِه، وقد أقامَ المُحال عليه مُقامَ نَفْسِه في التَّقْبِيضِ، فلَزِمَ المُحْتال (٣) القَبُولُ، كما لو وَكَّلَ رجلًا في إيفائِه. وفارَقَ ما إذا أرادَ أن يُعْطِيَه عمَّا في ذِمَّتِه عَرْضًا؛ لأنَّه يُعْطِيه غيرَ ما وَجَب له، فلم يَلْزَمْه قَبُولُه.

стр. 6164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن لم يَكُنِ المُحالُ عليه مَلِيئًا، لم يَلْزَمْه أن يَحْتال؛ لمَفْهُومِ الحَدِيثِ، ولأنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك، فلم يَلْزَمْه، كما لو بَذَلَ له دُونَ حَقِّه في الصِّفَةِ. فصل: فإن شَرَط المُحْتالُ مَلاءَةَ المُحالِ عليه، فبانَ مُعْسِرًا، رَجَع على المُحِيلِ. وبه قال بعضُ الشّافِعِيَّةِ. وقال بعضُهم: لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ الحَوالةَ لا تُرَدُّ بالإِعْسارِ، وإذا لم يَشْتَرِطِ المَلاءَةَ، فلا تُرَدُّ به، وإن شَرَط، كما لو شَرَط كَوْنَهُ مُسْلِمًا. ويُفارِقُ البَيعَ، فإنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ بالإِعْسارِ فيه مِن غيرِ شَرْطٍ، بخِلافِ الحَوالةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١). ولأنَّه شَرَط ما فيه مَصْلَحَةُ العَقْدِ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فيَثْبُتُ الفَسْخُ بفَواتِه، كما لو شَرَط صِفَةً في المَبِيِعِ، وقد يَثْبُتُ بالشَّرْطِ ما لا يَثْبُتُ بإطْلاقِ العَقْدِ، بدَلِيلِ اشْتِراطِ صِفةٍ في المَبِيعِ.

стр. 6165

وَإِنْ ظَنَّهُ مَلِيئًا، فَبَانَ مُفْلِسًا، وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ بِالْحَوَالةِ، رَجَعَ عَلَيهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ. ــ ١٨٥٨ - مسألة: (وإن ظَنَّه مَلِيئًا، فبان مُفْلِسًا، ولم يَكُنْ رَضِيَ بالحَوالةِ، رَجَع عليه، وإلَّا فلا. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ) أمّا إذا لم يَرْضَ المُحْتالُ بالحَوالةِ، ثم بان المُحالُ عليه مُفْلِسًا أو مَيِّتًا، رَجَع على المُحِيلِ، بغيرِ خِلافٍ؛ فإنَّه (١) لا يَلْزَمُه الاحْتِيالُ على غيرِ المَلِئِ؛ لِما عليه فيه مِن الضَّرَرِ، وإنَّما أمَرَ النبيُّ ﷺ بقَبُولِ الحَوالةِ على المَلِئِ. وإن كان رَضِيَ بالحَوَالةِ، لم يَرْجِعْ؛ لأنَّه رَضِيَ بدُونِ حَقِّه. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ؛ لأنَّ الفَلَسَ عَيبٌ في الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى شيئًا يَظُنُّه سَلِيمًا فبان مَعِيبًا.

стр. 6166

وَإذَا أَحال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ،، أَو أَحال الْبَائِعُ عَلَيهِ بِهِ، فَبَانَ الْبَيعُ بَاطِلًا، فَالْحَوَالةُ بَاطِلَةٌ. ــ ١٨٥٩ - مسألة: (وإذا أحال المُشْتَرِي البائِعَ بالثَّمَنِ، أو أحال البائِعُ عليه به، فبان البَيعُ باطِلًا، فالحَوالةُ باطِلَةٌ) مثلَ أن يَشْتَريَ عَبْدًا، فَيُحِيلُ المُشْتَرِي البائِعَ بثَمَنِه (١)، ثم يَظْهَرُ العَبْدُ حُرًّا أو مُسْتَحَقًّا، فالبَيعُ باطِلٌ، والحَوالةُ باطِلةٌ؛ لأنَّا تَبَيَّنّا أن لا ثَمَنَ على المُشْتَرِي. وكذلك إن أحال البائِعُ على المُشْتَرِي أجْنَبيًّا بالثَّمَنِ متى بَطَل البَيعُ بَطَلتِ الحَوالةُ؛ لذلك. والحُرِّيَّةُ إنَّما تَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ أو اتِّفاقِهم، فإنِ اتَّفَقَ المُحِيلَ والمُحالُ عليه على حُرِّيَّتِه، وكَذَّبَهما المُحْتالُ، ولا بَيِّنَةَ بذلك، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما

стр. 6167

وَإِنْ فُسِخَ الْبَيعُ بِعَيبٍ أَوْ إِقَالةٍ، لَمْ تَبْطُلِ الْحَوَالةُ. ــ عليه؛ لأنَّهما يُبْطِلانِ حَقَّه، فأشْبَهَ ما لو باع المُشْتَرِي العَبْدَ ثم اعْتَرَفَ هو وبائِعُه أنَّه كان حُرًّا، لم يُقْبَلْ قَوْلهما على المُشْتَرِي الثّانِي. وإن أقاما بَيِّنَةً، لم تُسْمَعْ؛ لأنَّهما كَذَّباها بدُخولِهما في التَّبايُعِ. وإن أقامَ العَبْدُ بَيِّنَةً بحُرِّيَّتِه، قُبِلَتْ، وبَطَلَتِ الحَوالةُ. وإن صَدَّقَهما المُحْتالُ، وادَّعَى أنَّ الحَوالةَ بغيرِ ثَمَنِ العَبْدِ، فالقول قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ صِحَّةُ الحَوالةِ، وهما يَدَّعِيان بُطْلانَها، فكانت جَنْبَتُه أقْوَى. فإن أقام البَيِّنَةَ أنَّ الحَوالةَ كانت بالثَّمَنِ، قُبِلَتْ؛ لأنَّهما لم يُكَذِّباها وإنِ اتَّفَقَ المُحِيلُ والمُحْتالُ على حُرِّيَّةِ العَبْدِ، وكَذَّبَهما المُحالُ عليه، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما عليه في حُرِّيَّةِ العَبْدِ؛ لأنَّه إقْرارٌ على غيرِهما، وتَبْطلُ الحَوالةُ؛ لِاتِّفاقِ المَرْجُوعِ عليه بالدَّينِ والرّاجِعِ به على اسْتِحْقاقِ الرُّجُوعِ، والمُحالُ عليه يَعْتَرِفُ للمُحْتالِ بِدَينٍ لا يُصَدِّقُه فيه، فلا يَأْخُذُ منه شيئًا. وإنِ اعْتَرفَ المُحْتالُ والمُحَالُ عليه بحُرِّيَّةِ العَبْدِ عَتَق؛ لإِقْرارِ مَن هو في يَدِه بحُرِّيَّتِه، وبَطَلتِ الحَوالةُ بالنِّسْبةِ إليهما، ولم يَكنْ للمُحْتالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ؛ لأنَّ دُخُولَه معه في الحَوالةِ اعْتِرافٌ بِبَراءَتِه، فلم يَكنْ له الرُّجُوعُ عليه. ١٨٦٠ - مسألة: (فإن فُسِخَ العَقْدُ بعَيبٍ أو إقالةٍ، لم تَبْطُلِ الحَوالةُ) يَعْني إذا فُسِخَ العَقْدُ بعَيبٍ أو إقالةٍ بعدَ القَبْضِ، فيما إذا أحال

стр. 6168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المشْتَرِي البائِعَ بالثَّمَنِ، فقد بَرِئَ المُحالُ عليه؛ لأنَّه قَبَض منه بإذْنِه، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ. فإن كان ذلك قبلَ القَبْضِ، فقال القاضِي: تَبْطُلُ الحَوالةُ، ويَعُودُ المُشْتَرِي إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه، ويَبْرَأُ البائِعُ، فلا يَبْقَى له دَينٌ ولا عليه؛ لأنَّ الحَوالةَ بالثَّمَنِ، وقد سَقَط بالفَسْخِ، فيَجِبُ أن تَبْطلَ الحَوالة لذَهابِ حَقِّه مِن المالِ المحالِ به. وقال أبو الخَطّابِ: لا تَبْطُلُ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ عَوَّضَ البائِعَ عمّا في ذِمَّتِه ما له في ذِمَّةِ المحالِ عليه، ونَقَل حَقَّه إليه نَقْلًا صَحِيحًا، وبَرِئَ مِن الثَّمَنِ، وبَرِئَ المُحالُ عليه مِن دَينِ المُشْتَرى، فلم يَبْطُلْ ذلك بفَسْخِ العَقْدِ الأوَّلِ، كما لو أعْطاه بالثَّمَنِ ثَوْبًا وسَلَّمَه إليه، ثم فَسَخ العَقْدَ، لم يَرْجِعْ بالثَّوْبِ، كذا ههُنا. فإن قُلْنا ببُطْلانِ الحَوالةِ، رَجَع المُحِيلُ على المُحالِ عليه بدَينِه، ولم يَبْقَ (١) بينَهما وبينَ البائِعِ مُعامَلَةٌ. وإن قُلْنا: لا تَبْطُلُ.

стр. 6169

وَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحِيلَ الْمُشْتَرِيَ عَلَى مَنْ أَحَالهُ الْمُشْتَرِي عَلَيهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُحِيلَ المُحْتَال عَلَيهِ عَلَى الْبَائِع ــ رَجَعَ المُشْتَري على البائِعِ بالثمنِ، ويَأْخُذُه البائِعُ مِن المُحالِ عليه. وإن كانتِ المَسْأَلَةُ بحالِها، لكن أحال البائِعُ أجْنَبِيًّا بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي، ثم رَدَّ العَبْدَ المَبِيعَ، ففي الحَوالةِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّ ذِمَّةَ المُشْتَرِي بَرِئَتْ بالحَوالةِ مِن حَقِّ البائِعِ، وصار الحَقُّ عليه للمُحْتالِ، فأشْبَهَ ما لو دَفَعَه المُشْتَرِي إلى المُحِيلِ. فعلى هذا، يَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ بالثَّمَنِ، ويُسَلِّمُ للمُحْتالِ ما أحاله به. والثّانِي، تَبْطُلُ الحَوالةُ إن كان الرَّدُّ قبلَ القَبْضِ؛ لسُقُوطِ الثَّمَنِ الذي كانتِ الحَوالةُ به، [ولأنَّه] (١) لا فائِدَةَ في بَقاءِ الحَوالةِ، فيَعُودُ البائِعُ بدَيْنِه، ويَبْرَأُ المُشْتَرِي منهما، كالمسألةِ قبلَها. ١٨٦١ - مسألة: (وللبائِعِ أن يُحِيلَ المُشْتَرِيَ على مَن أحاله المُشْتَرِي عليه في الصُّورَةِ الأُولَى، وللمُشْتَرِي أن يُحِيلَ المُحْتال عليه على البائِعِ في الثّانِيَةِ) إذا قُلْنا: إنَّ الحَوالةَ لا تَبْطُلُ. (ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ

стр. 6170

فِي الثَّانِيَةِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا. ــ إذا لم يَكُنْ قَبَضَها) وقد ذَكَرناه. فصل: إذا أحال رجلًا على زَيدٍ بألْفٍ، فأحاله زَيدٌ بها على عَمْرٍو، فالحَوالةُ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ حَقَّ الثّانِي ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ في الذِّمَّةِ، فصَحَّ أن يُحِيلَ به، كالأوَّلِ. وهكذا لو أحال الرجلُ عَمْرًا على زَيدٍ بما ثَبَتَ له في ذِمَّتِه،

стр. 6171

وَإِذَا قَال: أَحَلْتُكَ. قَال: بَلْ وَكَّلْتَنِي. أَوْ قَال: وَكَّلْتُكَ. قَال: بَلْ أَحَلْتَنِي. فَالْقَولُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالةِ. ــ صَحَّ أيضًا؛ لِما ذَكَرْنا، وتَكَرُّرُ المُحْتالِ والمُحِيلِ لا يَضُرُّ. ١٨٦٢ - مسألة: (وإذا قال: أحَلْتُك. قال: بل وَكَّلْتَنِي. أو قال: وَكَّلْتُكَ. قال: بل أحَلْتَنِي. فالقولُ قولُ مُدَّعِي الوَكالةِ) إذا كان لرجلٍ دَين على آخَرَ، فأذِنَ لرَجُلٍ في قَبْضِه، ثم اخْتَلَفا، فقال: أحَلْتُكَ بدَينِك. قال: بل وَكَّلْتَنِي، ودَيِنْي باقٍ في ذِمَّتِك. أو قال: وَكَّلْتُكَ في قَبْضِ دَينِي بلَفْظِ التَّوْكِيلِ. قال: بل أَحَلْتَنِي بلَفْظِ الحَوالةِ. فالقولُ قولُ مُدَّعِي الوَكالةِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه يَدَّعِي بَقاءَ الحَقِّ على (١) ما كان، ويُنْكِرُ انْتِقاله، والأصْلُ معه. فإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها؛ لأنَّ اخْتِلَافَهُما

стр. 6172

وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَال: أَحَلْتُكَ. وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْوَكَالةُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ. ــ في اللَّفْظِ، وهو مِمّا يُمْكِنُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه. ١٨٦٣ - مسألة: (وإنِ اتَّفَقا على أنَّه قال: أحَلْتُكَ) بالمالِ الذي لي (١) قِبَلَ زَيدٍ. ثم اخْتَلَفا، فقال المُحِيلُ: إنَّما وَكَّلْتُك في القَبْضِ لِي. وقال الآخَرُ: بل أحَلْتَنِي بدَينِي عليك. فالقولُ قولُ مُدَّعِي الحَوالةِ، في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ الظاهِرَ معه، فإنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ في الحَوالةِ دُونَ الوَكالةِ، فيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ على ظاهِرِه، كما لو اخْتَلَفا في دارٍ في يَدِ أحَدِهما. والثّانِي، القولُ قولُ المُحِيلِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ حَقِّ المُحِيلِ

стр. 6173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على المُحالِ عليه، والمُحْتالُ يَدَّعِي نَقْلَه، والمُحِيلُ يُنْكِرُه، والقول قولُ المُنْكِرِ. فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَحْلِفُ المُحْتالُ، ويَثْبُتُ حَقُّه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه، ويَسْتَحِقُّ مُطالبَتَه، ويَسْقُطُ عن المُحِيلِ. وعلى الوَجْهِ الثّانِي، يَحْلِفُ المُحِيلُ، ويَبْقَى حَقُّه في ذِمَّةِ المُحالِ عليه. وعلى كلا الوَجْهَين، إن كان المُحْتالُ قد قَبَض مِن المُحالِ عليه، وتَلِف في يَدِه، فقد بَرِئَ كلُّ واحدٍ منهما مِن صاحِبِه، فلا ضَمانَ عليه، سواءٌ تَلِف بتَفْرِيطٍ أو غيرِه؛ لأنَّه إن تَلِف بتَفْريطٍ، وكان المُحْتالُ مُحِقًّا، فقد أتْلَفَ ماله، وإن كان مُبْطلاً، ثَبَت لكلِّ واحدٍ منهما في ذِمَّةِ الآخَرِ مثلُ (١) ما في ذِمَّتِه له، فيتَقَاصّان، ويَسْقُطان. وإن تَلِف بغيرِ تَفْرِيطٍ، فالمُحْتالُ يَقُولُ: قد قَبَضْتُ حَقِّي وتَلِف في يَدِي، وبَرِئَ منه المُحِيلُ بالحَوالةِ، والمُحالُ عليه بتَسْلِيمِه. والمُحِيلُ يَقُولُ: قد تَلِف المالُ في يَدِ وَكِيلِي بغيرِ تَفرِيطٍ. فلا ضَمانَ عليه. وإن لم يَتْلَفْ، احْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ المُحِيلُ طَلَبَه؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّ له عليه مِن الدَّينِ مثلَ ما له في يَدِه وهو مُسْتَحِقٌّ لقَبْضِه، فلا فائِدَةَ في أن يَقْبِضَه منه ثم يُسَلِّمَه إليه. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَه منه، ويَمْلِكَ المُحْتالُ مُطالبَتَه بدَينِه. وقيل: يَمْلِكُ المُحِيلُ أَخْذَه منه، ولا يَمْلِكُ المُحْتالُ المُطالبَةَ بدَينِه؛ لاعْتِرافِه ببَراءَةِ المُحِيلِ منه بالحَوالة.

стр. 6174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ المُحْتال إنِ اعْتَرفَ بذلك، فهو يَدَّعِي أنَّه قَبَض هذا المال منه بغيرِ حَقٍّ، وأَنه (١) يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ به. فعلى كلا الحالين، هو مُسْتَحِقٌّ للمُطالبَةِ بمِثْلِ هذا المالِ المَقْبوضِ منه في قَوْلِهما جميعًا، فلا وَجْهَ لإِسْقاطِه، ولا مَوْضِعَ للبَيِّنَةِ في هذه المَسْأَلَةِ؛ لأنَّهما لا يَخْتَلِفان في لَفْظٍ يُسْمَعُ، ولا فِعْلٍ يُرَى، وإنَّما يَدَّعِي المُحِيلُ نِيَّتَه (٢)، وهذا لا تَشْهَدُ به البَيِّنَةُ نَفْيًا ولا إثْباتًا. فصل: فإن قال: أحَلْتُك بدَينِك. قال: وَكَّلْتَنِي. ففيها (٣) وَجْهان أيضًا؛ لِما قَدَّمْنا. فإن قلنا: القولُ قولُ المُحِيلِ. فحَلَفَ، بَرِئَ مِن حقِّ المُحْتالِ، وللمُحْتالِ قَبْضُ المالِ مِن المُحالِ عليه لنَفْسِه؛ لأنَّه يَجُوزُ ذلك بقَوْلِهما معًا، فإذا قَبَضَه، كان له بحَقِّه. وإن قُلْنا: القَوْلُ قولُ المُحْتالِ. فحَلَفَ، كان له مُطالبَةُ المُحِيلِ بحَقِّه ومُطالبَةُ المُحْتالِ عليه؛ لأنَّه إمّا وَكِيلٌ أو مُحْتالٌ. فإن قَبَض منه قبلَ أخْذِه مِن المُحِيلِ، فله أخْذُ ما قَبَض لنَفْسِه (٤)؛ لأنَّ المُحِيلَ

стр. 6175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَقُولُ: هو لك. والمُحْتالُ يَقُولُ: هو أمانَةٌ في يَدِي، ولى مِثْلُه على صاحِبه، وقد أَذِنَ له في أخْذِه ضِمْنًا. فإذا أخَذَه لنَفْسِه، حَصَل غَرَضُه، ولم يَأْخُذْ مِن المُحِيلِ شيئًا. وإنِ اسْتَوْفَى مِن المُحِيلِ دُونَ المُحالِ عليه، رَجَع المُحِيلُ على المُحالِ عليه، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ الوَكالةَ قد ثَبَتَتْ بيَمِينِ المُحْتالِ، وبَقِيَ الحَقُّ (١) في ذِمَّةِ المُحالِ عليه للمُحِيلِ. والثَّانِي، لا يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه يَعْتَرِفُ أنَّه قد بَرِئَ مِن حَقِّه، وإنَّما المُحْتالُ (٢) ظَلَمَه بأخْذِ ما كان عليه. قال القاضِي: والأَوَّلُ أصَحُّ. وإن كان قد أخَذَ الحَوالةَ فتَلِفَتْ في يَدِه بتَفْرِيطٍ، أو أتْلَفَها، سَقَط حَقُّه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه إن كان مُحِقًّا فقد أتْلَفَ حَقَّه، وإن كان مُبْطِلًا فقد أتْلَفَ (٣) مِثْلَ دَينِه، فيَثْبُتُ في ذِمَّتِه، فيتَقَاصّانِ. وإن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِه، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَسْقُطُ حَقُّه أيضًا؛ لأنَّ ماله تَلِف تحتَ يَدِه. وعلى الثّانِي، له أن يَرْجِعَ على المُحِيلِ بِحَقِّه، وليس للمُحِيلِ الرُّجُوعُ على المُحالِ عليه؛ لأنَّه يُقِرُّ ببرَاءتِه.

стр. 6176

وَإِنْ قَال: أَحَلْتُكَ بِدَينِكَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالةِ، وَجْهًا وَاحِدًا. ــ ١٨٦٤ - مسألة: (وإن قال: أحَلْتُك بدَينِك. فالقولُ قولُ مُدَّعِي الحَوالةِ، وَجْهًا واحِدًا) إذا اتَّفَقا على أنَّه قال: أحَلْتُك بدَينِك. ثم اخْتَلَفا، فالقولُ قولُ مُدَّعِي الحَوالةِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ الحَوالةَ بِدَينِه لا تَحْتَمِلُ الوَكالةَ، فلم يُقْبَلْ قولُ مُدَّعِيها. وسَواءٌ اعْتَرَفَ المُحِيلُ بدَينِ المُحْتالِ، أو قال: لا دَينَ لك عَلَيَّ. لأنَّ قَوْلَه: أحَلْتُك بدَينِك. اعْتِرافٌ بدَينِه، فلا يُقْبَلُ جَحْدُه بعدَ ذلك. فأمّا إن لم يَقُلْ: بدَينِك. بل قال: أحَلْتُك. ثم قال: ليس لك عليَّ دَينٌ، وإنَّما أرَدْتُ التَّوْكِيلَ بلَفْظِ الحَوالةِ. أو قال: أرَدْتُ أن أقولَ: وَكَّلْتُكَ. فسَبَقَ لِسانِي، فقلتُ: أحَلْتُك. وادَّعَى المُحْتالُ أنَّها حَوالةٌ بدَينِه، وأنَّ دَينَه كان ثابِتًا على المُحِيلِ، فهل هو اعْتِرافُ بالدَّينِ أوْ لا؟ فيه وَجْهانِ سَبَق تَوْجِيهُهما. فصل: وإذا كان لرجلٍ دَينٌ على آخَرَ، فطَالبَه به، فقال: قد أحَلْتَ به عليَّ فُلانًا الغائِبَ. وأنْكَرَ صاحِبُ الدَّينِ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينِه. فإن كان لمَن عليه الدَّينُ بَيِّنَةٌ بدَعْواه، سُمِعَتْ بَيِّنَتُه؛ لإِسْقاطِ حَقِّ المُحِيلِ

стр. 6177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه (١). وإنِ ادَّعَى رجلٌ أنَّ فُلانًا الغائِبَ أحالنِي عليك، فأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فالقولُ قَوْلُه. فإن أقامَ المُدَّعِي بَيِّنَةً، ثَبَتَتْ في حَقِّه وحَقِّ الغائبِ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ يُقْضَى بها على الغائِبِ، ولَزِم الدَّفْعُ إلى المُحتالِ. وإن لم يَكُنْ له بَيِّنَةٌ، فأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فهل يَلْزَمُه اليَمِينُ؟ فيه وَجْهان، بِناءً على ما لو اعْتَرَفَ له هل يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه (٢)؟ على وجهينِ؛ أحدُهما، يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه مُقرٌّ بدَنْيِه عليه، ووُجُوبِ دَفْعِه إليه، فَلَزِمَه الدَّفْعُ إليه، كما لو كانت به بَيِّنَةٌ. والثّانِي، لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ إنْكارَ المُحِيلِ ورُجُوعَه عليه، فكان له الاحْتِياطُ لنَفْسِه، كما لو ادَّعَى أنِّي وَكِيلُ فُلانٍ في قَبْضِ دَينِه منك، فصَدَّقَه، وقال: لا أدْفَعُه إليك. فإذا قُلْنا: يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع الإقْرارِ. لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الإنْكارِ. فإذا حَلَفَ، بَرِئَ، ولم يَكُنْ للمُحْتالِ الرُّجُوعُ على المُحِيلِ؛ لاعْتِرافِه ببَراءَتِه. وكذلك إن قُلْنا: لا يَلْزَمُه اليمينُ. فليس للمُحتال الرُّجُوعُ على المُحِيلِ. ثم يُنْظَرُ في المُحِيلِ؛ فإن صَدَّقَ المُدَّعِي في أنَّه أحاله، ثَبَتتِ الحَوالةُ؛ لأنَّ رضا المُحتالِ عليه لا يُعْتَبَرُ. وإن أنْكَرَ الحَوالةَ، حَلَف، وسَقَط حُكْمُ

стр. 6178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحَوالةِ. وإن نَكَل المُحالُ عليه عن اليَمِينِ، فقُضِيَ عليه بالنُّكُولِ واسْتوفِيَ الحَقُّ منه، ثم إنَّ المُحِيلَ صَدَّقَ المُدَّعِيَ، فلا كَلامَ. وإن أنْكَرَ الحَوَالةَ، فالقولُ قَوْلُه، وله أن يَسْتَوْفِيَ مِن المُحالِ عليه (١)؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ له بالحَقِّ، ويَدَّعِى أنَّ المُحْتال ظَلَمَه، ويَبقَى دَينُ المُحْتالِ على المُحِيلِ. فإن أنْكَرَ المُحِيلُ أنَّ له عليه دَينًا، فالقولُ قَوْلُه بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ المُحْتال يُقِرُّ ببراءَتِه منه؛ لاسْتِيفائِه مِن المُحالِ عليه. وإن كان المُحِيلُ يَعْتَرِفُ به، لم يَكُنْ للمُحْتالِ المُطالبَةُ به؛ لأنَّه يُقِرُّ بأنَّه قد بَرِئَ منه بالحَوالةِ، والمُحِيلُ يُصَدِّقُ المُحال عليه في كونِ المُحْتالِ قد ظَلَمَه، واسْتَوْفَى مِنه بغيرِ حَقٍّ، والمحْتالُ يَزْعُم أنّ المحِيلَ قد أخَذَ منه أيضًا بغيرِ حَقٍّ، وأنَّه يَجِبُ عليه أن يَرُدَّ ما أخَذَ منه إليه، فيَنْبَغِي أن يَقْبِضَها المُحْتالُ ويُسَلِّمَها إلى المُحالِ عليه، أو يَأْذَنَ للمُحِيلِ في دَفْعِها إلى المُحالِ عليه. وإن صَدَّقَ المُحالُ عليه المُحْتال في الحَوالةِ، ودَفَع إليه، فأنْكَرَ المُحِيلُ الحَوالةَ، حَلَف، ورَجَع على المُحالِ عليه. والحُكْمُ في الرُّجُوعِ بما على المُحِيلَ مِن الدَّينَ على ما ذَكَرْنا في التي قبلَها. فصل: فإن كان عليه ألْفٌ ضَمِنَه رجلٌ، فأحال الضّامِن صاحِبَ الدَّينِ به، بَرِئَتْ ذِمَّتُه وذِمَّةُ المَضْمُونِ عنه؛ لأنَّ الحَوالةَ كالتَّسْلِيمِ،

стр. 6179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَكُونُ الحُكْمُ ههُنا كالحُكْمِ فيما لو قَضَى عنه الدَّينَ، على ما ذَكَرْنا. فإن كان الألْفُ على رَجُلَين، على كلِّ واحدٍ منهما خَمْسُمائَةٍ، وكلُّ واحدٍ كَفِيلٌ عن الآخرِ بذلك، فأحالهُ أحَدُهُما بالألْفِ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهما معًا، كما لو قَضاها. وإن أحال صاحِبُ الألْفِ رجلًا على أَحدِهِما بعَينِه صَحَّتِ الحَوالةُ؛ لأنَّ الدَّينَ على كلِّ واحدٍ منهما مُسْتَقِرٌّ. وإن أحال عليهما جميعًا، ليَسْتَوْفِيَ منهما أو مِن أيِّهما شاءَ، صَحَّتِ الحَوالةُ أيضًا عند القاضِي؛ لأنَّه لا فَضْلَ ههُنا في نَوْع ولا أجَلٍ ولا عَدَدٍ، وإنَّما هو زِيادَةُ اسْتِيثاقٍ، فلم يَمْنَعْ ذلك صِحَّةَ الحَوالةِ، كحَوالةِ المُعْسِرِ على المَلِئِ. وقال بعضُ الشّافِعِيَّةِ: لا تَصِحُّ الحَوالةُ؛ لأنَّ الفَضْلَ قد دَخَلَها. فإنَّ المُحْتال ارْتَفَقَ بالتَّخْيِيرِ بالاسْتِيفاءِ مِن أَيِّهما شاء، فأشْبَهَ ما لو أحاله على رَجُلَين له على كلِّ واحدٍ منهما ألْفٌ؛ ليَسْتَوْفِيَ مِن أَيِّهما شاء. والأوَّلُ أصَحُّ. والفَرْقُ بينَ هذه المَسْألَةِ، وبينَ ما إذا أحاله بألْفَين، أنَّه لا فَضْلَ بينَهما في العَدَدِ ها هنا، وثَمَّ تَفاضَلَا، ولأنَّ الحَوالةَ ههُنا بأَلْفٍ مُعَيَّنٍ، وثَمَّ الحَوالةُ بأحَدِهما مِن غيرِ تَعْيِينٍ، وأنَّه إذا قَضاه أحَدُهما الألْفَ، فقد قَضاه جَمِيعَ الدَّينِ، وثَمَّ إذا قَضَى أحَدُهما بَقِيَ ما على الآخَر. ولو لم يَكُنْ كلُّ واحدٍ مِن الرَّجُلَين ضامِنًا عن صاحِبِه، فأحال عليهما، صَحَّتِ الحَوالةُ بغيرِ إشْكالٍ؛ لأنَّه لَمّا كان له أن يَسْتَوْفِيَ الألْفَ مِن واحدٍ، كان له أن يَسْتَوْفِيَ مِن اثْنَين، كالوَكِيلَينِ.

стр. 6180

بَابُ الصُّلْحِ ــ بابُ الصُّلْحِ الصُّلْحُ مُعاقَدةٌ يُتَوَصَّلُ بها إلى إصْلاحٍ بينَ المُخْتَلِفَين، ويتَنَوّعُ أنْواعًا؛ صُلْحٌ بينَ المسلمين وأهْلِ الحَرْبِ، وصُلْحٌ بينَ أهْلِ العَدْلِ وأهْلِ البَغْي، وصُلْحٌ بينَ الزَّوْجَين إذا خِيفَ الشِّقاقُ بينَهما، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَينَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيرٌ﴾ (٢). وروَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «الصُّلْحُ بَينَ الْمُسْلِمينَ جَائِزٌ، إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أوْ أحَلَّ حَرَامًا». أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ (٣)، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. ورُوِيَ

стр. 6181

الصُّلْحُ فِي الْأَمْوَالِ قِسْمَانِ؛ أَحَدُهُمَا، صُلْحٌ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَهُوَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الصُّلْحُ عَلَى جِنْسِ الْحَقِّ، مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَينٍ، فَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَهُ، أَوْ بِعَينٍ، فَيَهَبَ لَهُ بَعْضَهَا، وَيَأْخُذَ ــ عن عُمَرَ، أنَّه كَتَب إلى أبي موسى بمِثلِ ذلك. وأجْمَعَ العُلَماءُ على جَوازِ الصُّلْحِ في هذه الأنْواعِ التي ذَكَرْنا، ولكلِّ واحِدٍ منها (١) بابٌ يُفْرَدُ له، وتُذْكَرُ فيه أحْكامُه. وهذا البابُ للصُّلْحِ بينَ المُخْتَلِفَين في الأمْوالِ. ١٨٦٥ - مسألة: و (الصُّلْحُ في الأمْوالِ قِسْمان؛ أحَدُهما، صُلْحٌ على الإِقْرارِ، وهو نَوْعان؛ أحَدُهما، صُلْحٌ على جِنْسِ الحَقِّ، مثلَ أن يُقِرَّ له بدَينٍ، فيَضَعَ عنه بَعْضَه، أو بعَينٍ، فيَهَبَ له بَعْضَها، ويَأْخُذَ

стр. 6182

الْبَاقِي، فَيَصِحَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الْبَاقِي. أَو يَمْنَعَهُ حَقَّهُ بِدُونِهِ. ــ الباقيَ، فيَصِحُّ إن لم يَكُنْ بشَرْطٍ، مثلَ أن يَقُولَ: على أن تُعْطِيَني الباقِيَ. أو يَمْنَعَه حَقَّه بدُونِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن اعْتَرفَ بدَينٍ أو عَينٍ في يَدِه، فأبْرأَه الغَرِيمُ مِن بعضِ الدَّينِ، أو وَهَبَه بعضَ العَينِ وطَلَب منه الباقيَ، صَحَّ إذا كانتِ البَراءَةُ مُطْلَقَةً من غيرِ شَرْطٍ. قال أحمدُ: إذا كان للرجلِ على الرجلِ الدَّينُ ليس عندَه وَفاءٌ، فوَضَعَ عنه بعضَ حَقِّه، وأخَذَ منه الباقِيَ، كان ذلك جائِزًا لهما، ولو فَعَل ذلك قاضٍ شافعٌ (١)، لم يَكُنْ

стр. 6183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه في ذلك إثْمٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قد كَلَّمَ غُرَماءَ جابِرٍ ليَضَعُوا عنه (١). وفي الذي أُصِيبَ في حَدِيقَتِه فمَرَّ به النبيُّ ﷺ وهو مَلْزُومٌ، فأشار إلى غُرَمائِه بالنِّصْفِ، فأخَذُوه منه (٢). فإن فَعَل ذلك قاضٍ اليَوْمَ، جاز إذا كان على وَجْهِ الصُّلْحِ والنَّظرَ لهما. وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ كَعْبٍ، عن أبيه، أنَّه تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَينًا كان له عليه في المَسْجِدِ، فارْتَفَعَت أصْواتُهما حتى سَمِعَها (٣) رسولُ اللهِ ﷺ ، فخَرَجَ إليهما، ثم نادَى: «يَا كَعْبُ» قال: لَبَّيكَ يا رسولَ اللهِ. فأشار إليه أن ضَعِ الشَّطْرَ مِن

стр. 6184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دَينِك. قال: قد فَعَلْتُ يا رسولَ اللهِ. قال رسولُ اللهِ ﷺ : «قُمْ فَأعْطِهِ». مُتَّفَقٌ عليه (١). فأمّا إن مَنَعَه المُقِرُّ مِن (٢) حَقِّه حتى يَضَعَ عنه بَعْضَه، فالصُّلْحُ باطِلٌ؛ لأنَّه صالحَ عن بَعْضِ مالِه ببَعْضِه، وسواءٌ كان بلَفْظِ الصُّلْحِ أو بلفظِ الإِبْراءِ، أو بلَفْظِ (٢) الهِبَةِ المَقْرُونِ بشَرْطٍ، مثلَ أن يَقُولَ: أبْرَأْتُك مِن خَمْسِمائَةٍ. أو: وَهَبْتُك بشَرْطِ أن تُعْطِيَنِي ما بَقِيَ. قال ابنُ أبي موسى: الصُّلْحُ على الإِقْرارِ هَضْمٌ للحَقِّ، فمتى ألْزَمَ المُقَرَّ له تَرْكَ بَعْضِ حَقِّه، فتَرَكَه مِن غيرِ طِيبِ نَفْسِه، لم يَطِبِ الأخْذُ (٣)، وإن تَطَوَّعَ المُقَرُّ له بإسْقاطِ بعضِ حَقِّه، جاز، غيرَ أنَّ ذلك ليس بصُلْحٍ، ولا مِن بابِ الصُّلْحِ بِسَبِيلٍ. فلم يَجْعَلْه صُلْحًا، ولم يُسَمِّ الخِرَقِيُّ الصُّلْحَ إلَّا في حالِ الإِنْكارِ. فأمّا مع الاعْتِرافِ، فإن قَضاه مِن جِنْسِ حَقِّه،

стр. 6185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهو وَفاءٌ، وإن قَضاه مِن غيرِ جِنْسِه، فهو مُعاوَضَةٌ، وإن أبْرَأَه مِن بَعْضِه، فهو إبْراءٌ، وإن وَهَبه بعضَ العَينِ، فهو هِبَةٌ، فلا يُسَمَّى صُلْحًا. وسَمّاه القاضي وأصحابُه صُلْحًا. وهو قولُ الشافعيِّ. والخِلافُ في التَّسْمِيَةِ، أمّا المَعْنَى فمُتَّفَقٌ عليه. وهو يَنْقَسِمُ إلى إِبرَاءٍ، وهِبَةٍ، ومُعاوَضَةٍ، وقد ذَكَرْنا الإِبْرَاءَ. فأمّا الهِبَةُ، فهو أن يَكُونَ له في يَدهِ عَينٌ، فيَقُولَ: قد وَهَبْتُك نِصْفَها وأعْطِنِي بَقِيَّتَها. فيَصِحُّ، ويُعْتَبَرُ له شُرُوطُ الهبَةِ. وإن أخْرَجَه مَخْرَجَ الشَّرْطِ، لم يَصِحَّ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأَنَّه إذا شَرَطَ في الهِبَةِ الوَفاءَ، جَعَل الهِبَةَ عِوَضًا عن الوَفاءِ، فكأنَّه عاوَضَ بعضَ حَقِّه ببَعْضٍ. فإن أبْرَأه مِن بعضِ الدَّينِ، أو وَهَب له بعضَ العَينِ بلَفْظِ الصُّلْحِ، مثلَ أن يقولَ: صالِحْنِي بنِصْفِ دَينِك علَيَّ، أو بنِصْفِ دارِك هذه. فيقولَ.: صالحْتُك بذلك. لم يَصِحَّ. ذَكَرَه القاضي وابنُ عَقِيلٍ. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ. وقال أكْثَرُهم: يَجُوزُ الصُّلْحُ؛ لأنَّه إذا لم يَجُزْ بلَفْظِه، خَرَج عن أن يَكُونَ صُلْحًا، ولا يَبْقَى له تَعَلُّقٌ به. أمّا إذا كان [بلَفْظِ الصُّلْحِ] (١) سُمِّيَ صُلْحًا؛ لوُجُودِ اللَّفْظِ، وإن تَخَلَّفَ المَعْنَى، كالهِبَةِ بشَرْطِ الثَّوابِ. وإنَّما يَقْتَضِي لَفْظُ الصُّلْحِ المُعاوَضَةَ إذا كان ثَمَّ عِوَضٌ، أمّا مع عَدَمِه فلا. وإنَّما مَعْنَى الصُّلْحِ الاتِّفَاقُ والرِّضا، وقد يَحْصُلُ هذا مِن غيرِ عِوَض، كالتَّمْلِيكِ، إذا كان بعِوَضٍ سُمِّيَ بَيعًا، وإن خَلا عن العِوَضِ سُمِّيَ هِبَةً. ولَنا، أنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ

стр. 6186

وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ ممَّنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ؛ كَالْمُكَاتَب، وَالْمَأْذُونِ لَهُ، وَوَلِيِّ الْيَتِيمِ، إلا فِي حَالِ الْإِنْكَارِ وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ. ــ يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ؛ لأنَّه إذا قال: صالِحْنِي بهِبَةِ كذا. أو: على هِبَةِ كذا. أو: على نِصْفِ هذه العَينِ. ونَحْوَ هذا، فقد أضاف إليه بالمُقَابَلَةِ، فصار كقَوْلِه: بعْنِي بألْفٍ. وإن أضاف إليه «عَلَى» جَرَى مَجْرَى الشَّرْطِ، كقَوْلِه: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (١). وقَوْلِه: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا﴾ (٢). وكلاهما لا يَجُوزُ؛ بدَلِيلِ ما لو صَرَّحَ بلَفْظِ الشَّرْطِ أو بِلَفْظِ المُعاوَضَةِ. وقَوْلُهم: إنَّه يُسَمَّى صُلْحًا. مَمْنُوعٌ، وإن سُمِّيَ صُلْحًا، فمجازٌ؛ لتَضَمُّنِه قَطْعَ (٣) النِّزاعِ وإزالةَ الخُصُومَةِ. وقَوْلُهم: إنَّ الصُّلْحَ لا يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ. مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْنا لكنَّ المُعاوَضَةَ حَصَلَتْ مِن اقْتِرانِ حَرْفِ الباءِ، أو عَلَى، أو نحوهما به، فإنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يَحْتَاجُ إلى حَرْفٍ يَتَعَدَّى به، وذلك يَقْتَضِي المُعاوَضَةَ، على ما بَيَّنَّا. ١٨٦٦ - مسألة: (ولا يَصِحُّ ذلك مِمَّن لا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ؛ كالمُكاتَبِ، والمَأْذُونِ له، ووَليِّ اليَتِيمِ، إلَّا في حالِ الإِنْكارِ وعَدَمِ

стр. 6187

وَلَوْ صَالحَ عَنِ الْمُؤجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا، لَمْ يَصِحَّ. ــ البَيِّنَةِ) لأنَّه تَبَرُّعٌ، وليس لهم التَّبَرُّعُ. فأمّا إذا لم يَكُنْ بالدَّينِ بَيِّنَةٌ (١)، أو كان على الإِنْكارِ، صَحَّ؛ لأنَّ اسْتِيفاءَهم البعضَ عندَ العَجْزِ عن اسْتِيفاءِ الكلِّ أوْلَى مِن تَرْكِه. ١٨٦٧ - مسألة: (وإن صالحَ عن المُؤَجّلِ ببَعْضِه حالًّا، لم يَصِحَّ) كَرِه ذلك زيدُ بنُ ثابِتٍ، وابنُ عُمَرَ، وقال: نَهَى عُمَرُ أن تُبَاعَ العَينُ بالدَّينِ. وكَرِه ذلك سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والقاسِمُ، وسالِمٌ، والحسنُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَينَةَ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ. ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، أنَّه لا بَأْسَ

стр. 6188

وَإنْ وَضَعَ بَعْضَ الْحَالِّ وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ، صَحَّ الإِسْقَاطُ دُونَ التَّأْجِيلِ. ــ به. وعن الحسنِ، وابن سِيرِينَ، أنَّهما كانا لا يَرَيانِ بَأْسًا بالعُرُوضِ أن يَأْخُذَها مِن حَقِّه قبلَ مَحِلِّه؛ لأنَّهما تَبايعا العُرُوضَ بما في الذِّمَّةِ، فصَحَّ، كما لو اشْتَراها بثَمَنِ مِثْلِها. ولَعَلَّ ابنَ سِيرِينَ يَحْتَجُّ بأنَّ التَّعْجِيلَ جائِزٌ، والإِسْقَاطَ وَحْدَه جائِزٌ، فجاز الجَمْعُ بينَهما، كما لو فَعَلا ذلك مِن غيرِ مُواطَأةٍ عليه. ولَنا، أنَّه يَبْذُلُ القَدْرَ الذي يَحُطُّه عِوَضًا عن تَعْجِيلِ ما في ذِمَّتِه، وبَيعُ الحُلُولِ والتَّأْجِيلِ لا يَجُوزُ، كما لا يجوزُ أن يُعْطِيَه عَشَرَةً حالَّةً بعِشْرين مُؤَجَّلَةٍ، ولأنَّه يَبِيعُه عَشَرَةً بعِشْرِين، فلم يَجُزْ، كما لو كانت مُعَيَّنةً. وفارَقَ ما إذا كان مِن غيرِ مُواطَأةٍ ولا عَقْدٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُتَبَرِّعٌ ببَذْلِ حَقِّه مِن غيرِ عِوَضٍ، ولا يَلْزَمُ من جَوَازِ ذلك جَوازُه في العَقْدِ، أو مع الشَّرْطِ، كبَيعِ دِرْهَم بدِرْهَمَين. ويُفارِقُ ما إذا اشْتَرَى العُرُوضَ بثَمَنِ مِثْلِها؛ لأنَّه لم يَأْخُذْ عن الحُلُولِ عِوَضًا. ١٨٦٨ - مسألة: (وإن وَضَع بعضَ الحالِّ وأجَّلَ باقِيَه، صَحَّ الإِسْقاطُ دُونَ التَّأْجِيلِ) إذا صالحَه عن ألْفٍ حالٍّ بنِصْفِها مُؤَجَّلًا، اخْتِيارًا

стр. 6189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منه وتَبَرُّعًا، صَحَّ الإِسْقاطُ، ولم يَلْزَمِ التَّأْجِيلُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتَأَجَّلُ بالتَّأْجِيلِ، على ما ذَكَرْنا، والإسْقاطُ صَحِيحٌ. وإن فَعَلَه لمَنْعِه مِن حَقِّه بدُونِه، أو شَرَط ذلك في الوَفاءِ، لم يَسْقُطْ، على ما ذَكَرْنا في أوَّلِ البابِ. وذَكَر أبو الخَطّابِ في هذا رِوايَتَين، أصَحُّهما لا يَصِحُّ. وما ذَكَرْنا من التّفْصِيلِ أوْلَى، إن شاء اللهُ تعالى.

стр. 6190

وَإِنْ صَالحَ عَنِ الْحَقِّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، مِثْلَ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دِيَةِ الْخَطَأ، أَوْ عَنْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ صَالحَهُ بِعَرْضٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا، صَحَّ فِيهِمَا. ــ ١٨٦٩ - مسألة: (وإن صالحَ عن الحَقِّ بأكْثَرَ منه مِن جِنْسِه، مثلَ أن يُصالِحَ عن دِيَةِ الخَطأ، أو قِيمَةِ مُتْلَفٍ بأكْثَرَ منها مِن جِنْسِها، لم يَصِحَّ) وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ؛ لأنَّه يَأْخُذُ عِوَضًا عن المُتْلَفِ، فجاز أن يَأْخُذَ أكْثَرَ مِن قِيمَتِه، كما لو باعَه بذلك. ولنا، أنَّ الدِّيَةَ والقِيمَةَ تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ مُقَدَّرَةً، فلم يَجُزْ أن يُصالِحَ عنها بأكْثَرَ منها مِن جنْسِها، كالثّابِتَةِ عن قرْضٍ أو ثمَنِ مَبِيعٍ، ولأنَّه إذا أخذَ أكْثَرَ منها، فقد أَخَذَ حَقَّه وزِيادَةً لا مُقابِلَ لها، فيكونُ أكْلَ مالٍ بالباطِلِ. ١٨٧٠ - مسألة: (وإن صالحَه بعَرْضٍ قِيمَتُه أكْثَرُ منها) جاز؛

стр. 6191

وَإِنْ صَالحَةُ عَنْ بَيتٍ عَلَى أَن يَسْكنَة سَنَةً، أَوْ يَبْنِيَ لَة فَوْقَهُ غرْفَةً، لَمْ يَصِحَّ. ــ لأنَّه بَيعٌ. فصل: ولو صالحَ عن المائةِ الثّابِتةِ بالإِتْلافِ (١) بمائةٍ مُؤجَّلَةٍ، لم تَصِرْ مُؤَجَّلَةً. وهذا قولُ الشافعيِّ. وعن أحمدَ، أنَّها تَصِيرُ مُؤَجَّلَةً. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه عاوَضَ عن المُتْلَف بمائةٍ مُؤَجَّلةٍ، فجاز، كما لو باعَه إيّاه. ولَنا، أنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ عليه قِيمَةَ المُتْلَفِ، وهو مائةٌ حالَّةٌ، والحالُّ لا يَتَأجَّلُ بالتَّأْجِيلِ، وإن جَعَلْناه بَيعًا، فهو بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، وهو غيرُ جائزٍ. ١٨٧١ - مسألة: (وإن صالحَه عن بَيتٍ على أن يَسْكُنَه سَنَةً، أو يَبْنِيَ له فَوْقَه غُرْفةً، لم يَصِحَّ) إذا ادّعَى على رجلٍ بَيتًا، فصالحَه على بعضِه، أو على أن يَبْنِيَ [فوقَه غُرْفَةً له، أو] (٢) على أن يَسْكُنَه سَنَةً، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُصالِحُه مِن (٣) مِلْكِه على مِلْكِه أو مَنْفَعَتِه. وإن أسْكَنَه كان

стр. 6192

وَإِنْ قَال: أَقِرَّ لِي بِدَينِي، وَأُعْطِيكَ مِنْهُ مِائَةً. فَفَعَلَ، صَحَّ الإِقْرَارُ، وَلَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ. ــ تَبَرُّعًا منه، متى شاء أخْرَجَه منها. وإن أعْطاه بعضَ دارِه بِناءً على هذا، فمتى شاء انْتَزَعَه منه؛ لأنَّه أعْطاه إيّاه عِوَضًا عمّا لا يَصْلُحُ عِوَضًا عنه. وإن فَعَل ذلك على سَبيلِ المُصالحَةِ، مُعْتَقِدًا أنَّ ذلك وَجَب عليه بالصُّلْحِ، رَجَع عليه بأَجْرِ ما سَكَن وأجْرِ ما كان في يَدِه مِن الدّارِ؛ لأنُّه أخَذَه بعَقدٍ فاسدٍ، فأشْبَهَ المَبِيعَ المَأْخوذَ (١) بعَقْدٍ فاسِدٍ، وسُكْنَى الدّارِ بإجارَةٍ فاسِدَةٍ. وإن بَنَى فوقَ البَيتِ غُرْفَةً، أُجْبِرَ على نَقْضِها. وإذا آجَرَ السَّطْحَ مُدَّةَ مُقامِه في يَدَيه (٢) فله (٣) أخْذُ آلتِه. وإنِ اتَّفَقا على أن يُصالِحَه صاحِبُ البَيتِ عن بِنائِه بعِوَضٍ، جاز. وإن بَنَى الغُرْفَةَ بتُرَابٍ مِن أرْضِ صاحِبِ البَيتِ وآلاتِه، فليس له أخْذُ بِنَائِه؛ لأنَّه مِلْكُ صاحِبِ البَيتِ. فإن أراد نَقْضَ البِناءِ، لم يَكُنْ له ذلك إذا أبْرَأه المالِكُ مِن ضَمانِ ما يَتْلَفُ به. ويَحْتَمِلُ (٤) أن يَمْلِكَ نَقضَه، كقَوْلِنا في الغاصِبِ. ١٨٧٢ - مسألة: (ولو قال: أقِرَّ لي بدَينِي، وأُعْطِيك منه مائةً. ففَعَلَ، صَحَّ الإقْرارُ، ولم يَصِحَّ الصُّلْحُ) لأَنه يَجِبُ عليه الإِقْرارُ بما عليه مِن الحَقِّ، فلم يَحِلَّ له أخْذُ العوَضِ عمّا يَجِبُ عليه. فعلى هذا، يَرُدُّ

стр. 6193

وَإنْ صَالحَ إِنْسَانًا لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، أَو امْرأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ، لَمْ يَصِحَّ. ــ ما أخَذَ؛ لأنَّه تَبَيَّنَ كَذِبُه بإقْرارِه، وأنَّ الدَّينَ عليه، فلَزِمَه أداؤُه بغيرِ عِوَضٍ. ١٨٧٣ - مسألة: (وإن صالحَ إنْسانًا ليُقِرَّ له بالعُبُودِيَّةِ، أو امْرَأَةً لتُقِرَّ له بالزَّوْجِيَّةِ، لم يَصِحَّ) لا يَصِحُّ (١) الصُّلْحُ على ما لا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، مثلَ أن يَدَّعِيَ على رجلٍ أنَّه عَبْدُه، فيُنْكِرَه، فيُصالِحَه على مالٍ ليُقِرَّ له بالعُبُودِيَّةِ، فلا يَجُوزُ ذلك؛ لأنَّه يُحِلُّ حَرامًا، فإنَّ إرْقاقَ الحُرِّ نَفْسَه لا يَحِلُّ بعِوَضٍ ولا بغيرِه. وكذلك إن صالحَ امرأةً لتُقِرَّ له بالزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه صُلْحٌ يُحِلُّ حَرامًا، ولأنَّها لو أرادَتْ بَذْلَ نَفْسِها بعِوَضٍ لم يَجُزْ. فإن دَفَعَتْ إليه عِوَضًا عن هذه الدَّعْوَى ليَكُفَّ نَفْسَه عنها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الصُّلْحَ في الإِنْكارِ إنَّما يكونُ في حَقِّ المُنْكِرِ لافْتِداءِ اليَمِينِ، وهذه لا يَمِينَ عليها، وفي حَقِّ المُدَّعِي يَأْخُذُ العِوَضَ في مُقابَلَةِ حَقِّه الذي يَدَّعِيه، وخُرُوجُ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، وإنَّما أُجِيزَ الخُلْعُ للحاجَةِ إلى افْتِداءِ نَفْسِها. والثّانِي، يَصِحُّ. ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ لأنَّ المُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضًا عن

стр. 6194

وَإِنْ دَفَعَ المُدَّعَى عَلَيهِ الْعُبُودِيَّةُ إِلَى الْمُدَّعِي مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ، صَحَّ. ــ حَقِّه مِن النِّكاحِ، فجاز، كعِوَضِ الخُلْعِ، والمرأةُ تَبْذُلُه لقَطْعِ خُصُومَتِه وإزالةِ شَرِّه، ورُبَّما تَوَجَّهَتِ اليَمِينُ عليها لكَونِ الحاكِمِ يَرَى ذلك، أو (١) لأنَّها مَشْرُوعَةٌ في حَقِّها في إحْدَى الرِّوايَتَينِ. ومتى صالحَتْه على (٢) ذلك، ثم ثَبَتَتِ الزَّوْجِيَّةُ بإقْرَارِها أو ببَيِّنَةٍ، فإن قُلْنا: الصُّلْحُ باطلٌ. فالنِّكاحُ باقٍ بحَالِه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ مِن الزَّوْجِ طَلاقٌ ولا خُلْعٌ. وإن قُلْنا: هو صَحِيحٌ. احْتَمَلَ ذلك أيضًا؛ لِما ذَكَرْنا. واحْتَمَلَ أن تَبِينَ منه [بأخْذِ العِوَضِ] (٣)؛ لأنَّه أخذَ العِوَضَ عمّا يَسْتَحِقُّه مِن نِكاحِها، فكان خُلْعًا، كما لو أقَرَّتْ له بالزَّوْجِيّةِ فَخالعَها. ولو ادَّعَتْ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها ثلاثًا، فصالحَها على مالٍ لتَنْزِلَ عن دَعْواها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يجُوزُ لها بَذْلُ نَفْسِها لمُطَلِّقِها بعِوَضٍ ولا بغيرِه. وإن دَفَعَتْ إليه مالًا ليُقِرَّ بطَلاقِها، لم يَجُزْ، في أحَدِ الوَجْهَينِ، وفي الآخَرِ، يجوزُ، كما لو بَذَلَتْ له عِوَضًا ليُطَلِّقَها ثلاثًا. ١٨٧٤ - مسألة: (وإن دفَعَ المُدّعَى عليه العُبُودِيَّةُ إلى المُدَّعِي مالًا صُلْحًا عن دَعْواه، صَحَّ) لأنَّه يجوزُ أن يُعْتِقَ عَبْدَه بمالٍ، ويُشْرَعُ للدّافِعِ

стр. 6195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لدَفْعِ اليَمِينِ الواجِبَةِ عليه، والخُصُومَةِ المُتَوَجِّهَةِ عليه (١).

стр. 6196

النَّوْعُ الثَّانِي، أَنْ يُصَالِحَ عَنِ الْحَقِّ بِغَيرِ جِنْسِهِ، فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ، فَإِنْ كَانَ بأَثْمَانٍ عَنْ أَثْمَانٍ، فهُوَ صَرْفٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيرِ الْأَثْمَانِ، فَهُوَ بَيعٌ، وَإِنْ كَانَ بِمَنْفَعَةٍ، كَسُكْنَى دَارٍ، فَهُوَ إِجَارَةٌ تَبْطُلُ بِتَلَفِ الدَّارِ، كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ. ــ (النَّوْعُ الثّانِي، أن يُصالِحَه عن الحَقِّ بغيرِ جِنْسِه، فهو مُعاوَضَةٌ) وذلك مثلُ أن يَعْتَرِفَ له بعَينٍ في يَدِه، أو دَينٍ في ذِمَّتِه، ثم يُعَوِّضَه عن ذلك بما يجوزُ تَعْويضُه به، وهو ثلاثةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن يُقِرَّ له بنَقْدٍ، فيُصالِحَه على نَقْدٍ آخَرَ، مثلَ أن يُقِرَّ له بمائَةِ دِرْهَمٍ، فيُصالِحَه عنها بعَشَرَةِ دَنانِيرَ، أو بالعَكْسِ، فهذا صَرْفٌ، يُشْتَرَطُ له شُرُوطُ الصَّرْفِ، مِن التَّقابُضِ في المَجْلِسِ ونحوه. القِسْمُ الثّانِي، أن يَعْتَرِفَ له بِعُرُوضٍ، فيُصالِحَه على أثمانٍ، أو بالعَكْسِ، فهذا بَيعٌ تَثْبُتُ فيه أحْكامُ البَيعِ. الثّالِثُ، أن يُصالِحَه على سُكْنَى دارٍ، أو خِدْمَةِ عَبْدِه، أو على أن يَعْمَلَ له عَمَلًا مَعْلُومًا، فتكونُ إجارَةً، لها حُكْمُ سائِرِ الإجاراتِ، فإن تَلِفَتِ

стр. 6197

وَإنْ صَالحَتِ الْمَرْأةُ بِتَزويجِ نَفْسِهَا، صَحَّ. فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيبٍ في مَبِيعِهَا، فَبَانَ أنهُ لَيسَ بِعَيبٍ، رَجَعَتْ بِأرْشِهِ لَا بِمَهْرِهَا. ــ الدّارُ أو العَبْدُ قبلَ اسْتِيفاءِ شيءٍ مِن المَنْفعَةِ، انْفَسَخَتِ الإجارَةُ، ورَجَع بما صالحَ عليه (١). وإن تَلِفَتْ بعدَ اسْتِيفاءِ بعضِ المَنْفَعةِ، انْفَسَخَتْ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، ورَجع بقِسْطِ ما بَقِيَ. ولو صالحَه على أن يُزَوِّجَه أمَتَه، وكان ممَّن يَجُوزُ له نِكاحُ الإماءِ، صَحَّ، وكان المُصالحُ عنه صَداقَها. فإنِ انْفَسَخَ النِّكاحُ قبلَ الدخُولِ بأمْر يُسْقِطُ الصَّداقَ، رَجَع الزوْجُ بما صالحَ عنه. وإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ، رَجَع بنِصْفِه. ١٨٧٥ - مسألة: (وإن صالحَتِ المرأةُ بتَزْويجِ نَفْسِها، صَحَّ. فإن كان الصُّلْحُ عن عَيبٍ في مَبِيعِها، فتبَيَّنَ أنَّه ليس بِعَيبٍ، رَجَعَتْ بأرْشِه

стр. 6198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا بمَهْرِ مِثْلِها) إذا اعْتَرَفَتِ امرأة لرجل بِدَين أو عَينٍ، فصالحَتْه على أن تُزَوِّجَه نَفْسَها، صَحَّ، ويكونُ صَداقًا لها. فإن كان المُعْتَرَفُ به عَيبًا في مَبِيعِها، فبان أنَّه ليس بعَيبٍ، كبَياضٍ في عَينِ العَبْدِ ظَنَّته عَمًى، رَجَعَتْ بأرْشِه؛ لأن ذلك صَداقُها، فرَجَعَت به لا بمَهْرِ

стр. 6199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِثْلِها. فإن لم يَزلِ العَيب، ولكنِ انْفَسَخَ نِكاحها بما يسْقِط صَداقَها، رَجَع عليها بأرْشِه.

стр. 6200

وإنْ صَالحَ عَمَّا في الذِّمَّةِ بِشيْءٍ في الذِّمَّةِ، لَمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لأنَّهُ بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ. ــ ١٨٧٦ - مسألة: (وإن صالحَ عمّا في الذمَّةِ بشيءٍ في الذِّمَّةِ، لم يَجُزِ التفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لأنه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ) وقد نَهَى الشّارِعُ عنه. فصل: وإن صالحَه بخِدْمَةِ عَبْدِه سَنَة، صَحَّ، وكانت إجارَة، على ما ذَكَرْنا. فإن باع العَبْدَ في السَّنَةِ، صَح البَيعُ، ويكونُ المُشْتَرِي مَسْلُوبَ المَنْفَعةِ بَقِيَّةَ السَّنَةِ، وللمُصالِحِ اسْتِيفاءُ مَنْفعَتِه إلى انْقِضاءِ السَّنَةِ، كما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم باعها. وإن لم (١) يَعْلَمِ المُشْتَرِي بذلك، فله الفَسْخُ؛ لأنه عَيبٌ. وإن أعْتَقَ العَبْدَ في أثْناءِ المُدَّةِ، صَحَّ عِتْقُه؛ لأنّه مَمْلُوكٌ يَصِح بَيعُه، فصَحَّ عِتْقُه كغيرِه، وللمُصالِحِ أن يَسْتَوْفِيَ نَفْعَه في المُدَّةِ؛ لأنه أعْتَقَه بعدَ أن مَلَّكَ مَنْفَعَتَه لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ الأمَةَ المُزَوَّجَةَ لحُرٍّ. ولا يَرْجِعُ العَبْدُ على سَيِّدِه بشيءٍ؛ لأنه ما أزال مِلْكَه بالعِتْقِ إلَّا عن الرَّقَبةِ، والمَنافِعُ حِينَئذ مَمْلُوكَة لغيرِه، فلم تَتْلَفْ مَنافِعُه بالعِتْق، فلا يَرْجِعُ بشيءٍ، ولأنه أعْتَقه مَسْلوبَ المَنْفعَةِ فلم يَرْجِعْ بشيءٍ، كما لو أعْتَقَ زَمِنا، أو مَقْطُوعَ اليَدَينِ، أو أمَة مُزَوجَة. وذَكَر القاضي، وابنُ عَقِيل, وَجْهًا أنَّه يَرْجِعُ على سَيِّدِه بأجْرِ مِثْلِه. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأن العِتْقَ اقْتَضَى إزالةَ مِلْكِه عن الرقَبةِ والمَنْفَعَةِ جَميعًا، فلَمّا لم تَحْصُلِ المَنْفَعَةُ للعَبْدِ ها هُنا، فكأنَّه حال بينَه وبينَ مَنْفَعَتِه. ولَنا، أن إعْتاقَه لم يُصادِفْ للمُعْتِقِ
следующие страницы →