. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمْرَين؛ مِن قِيمَتِه أو أَرْشِ جِنايَتِه؛ لأنَّ (١) أرْشَ الجِنَايَةِ إن كانَ أكْثَرَ، فلا يَتَعَلَّقُ بغيرِ العَبْدِ الجانِي؛ لعَدَمِ الجِنايَةِ مِن غيرِه، وإنَّما تَجِبُ قِيمَتُه وإن كان أقَلَّ، فلم يَجِبْ بالجِنايَةِ إلَّا هو. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أَنَّه يَلْزَمُه (١) أَرْشِ الجِنايَةِ كلُّه؛ لأَنَّه يَجُوزُ أن يَرْغَبَ فيه راغِبٌ، فيَشْتَرِيَه بأَرْشِ الجِنايَةِ، فإذا مَنَع منه، لَزِمَه جَمِيعُ الأَرْشِ؛ لتَفْويِته ذلك. وللشافعي قَوْلان، كالرَّوايَتَين.
فصل: فإن تَصَرَّفَ العَبْدُ غيرُ المَأْذُونِ ببَيعٍ، أو شِراءٍ بعَينِ المالِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ مِن المَحْجُورِ عليه فيما حُجِر عليه فيه، أشْبَهَ المُفْلِسَ، وقِياسًا على تَصَرُّفِ الأجْنَبِي. ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ، ويَقِفَ على إجازةِ السَّيِّدِ، كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ. فأمّا شِراؤه بثَمَن في ذِمَّتِه واقْتِراضُه، فيَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه، أشْبَهَ السَّفِيهَ، ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ الحَجْرَ لحَقِّ غيرِه، أشْبَهَ المُفْلِسَ والمَرِيضَ. ويَتَفَرَّعُ على
стр. 6477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذَين الوَجْهَين، أنَّ التَّصَرُّفَ إن كان فاسِدًا، فللبائِعِ والمُقْرِضِ أخْذُ مالِه إن كان باقِيًا، سَواءٌ كان في يَدِ العَبْدِ أو السَّيِّدِ، وإن كان تَالِفًا، فله قِيمَتُه، أو مِثْلُه إن كان مِثْلِيًّا. فإن تَلِفَ في يَدِ السَّيِّد، رَجَع عليه بذلك؛ لأنَّ عَينَ مالِه تَلِف في يَدِه، وإن شاء كان ذلك مُتَعَلِّقًا برَقَبَةِ العَبْدِ؛ لأنَّه الذي أخَذَه منه، وإن تَلِف في يَدِ العَبْدِ، فالرُّجُوعُ عليه. وهل يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه أو ذِمَّتِه؟ على رِوايَتَين. وإن قُلْنا: التَّصَرُّفُ صَحِيحٌ. والمَبِيعُ في يَدِ العَبْدِ، فللبائِعِ فَسْخُ البَيعِ، وللمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فيما أقْرَضَ؛ لأَنه قد
стр. 6478
وَإذَا بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ شَيئًا، لَمْ يَصِحّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ،
ــ
تَحَقَّقَ إعْسارُ المُشْتَرِي والمُقْتَرِضِ، فهو أسْوأُ حالًا مِن الحُرِّ المُعْسِرِ. وإن كان السَّيِّدُ قد انْتَزَعَه مِن يَدِ العَبْدِ، مَلَكَه بذلك؛ لأنَّه أخَذَ مِن عَبْدِه مالًا في يَدِه بحَقٍّ، فهو كالصَّيدِ. فإذا مَلَكَه السَّيِّدُ كان كهَلاكِه في يَدِ العَبْدِ، ولا يَمْلِكُ البائِعُ والمُقْرِضُ انْتِزاعَه مِن السَّيِّد بحالٍ. فإنَّ كان قد تَلِف، اسْتَقَرَّ ثَمَنُه في رَقَبَةِ العَبْدِ أو في ذِمَّتِه، سَواءٌ تَلِف في يَدِ العَبْدِ أو السَّيِّدِ.
١٩٧٨ - مسألة: (وإذا باع السَّيِّدُ عَبْدَه المَأذُونَ له شيئًا، لم يَصِحَّ
стр. 6479
وَيَصِحُّ فِي الْآخَرِ إِذَا كَانَ عَلَيهِ دَينٌ بِقَدرِ قِيمَتِهِ.
ــ
في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه مَمْلُوكُه، فلا يَثْبُتُ له دَين في ذِمَّتِه، كغيرِ المَأْذُونِ له، أو كمَن لا دَينَ عليه (ويَصِحُّ في الآخَرِ إذا كان عليه دَينٌ بقَدْر قِيمَتِه) لأنَّا إذا قُلْنا: إنَّ الدَّينَ يَتَعَلَّقُ برَقَبَتِه. فكأنَّه صار مُسْتَحَقًّا لأصْحابَ الديونِ، فيَصِيرُ كعَبْدِ غيرِه.
стр. 6480
وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ.
وَإنْ حُجِرَ عَلَيهِ وَفِي يَدِهِ مَالٌ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ، فَأقَرَّ بِهِ، صَحَّ.
ــ
١٩٧٩ - مسألة: (ويَصِحُّ إقْرارُ المَأذُونِ له في قَدْرِ ما أُذِن له فيه) دُونَ ما زاد عليه، لأنَّه لم يُؤْذَنْ له فيه، فهو كغيرِ المَأْذُونِ له، ولأنَّ الذي أُذِن له فيه يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، فيصِحُّ إقْرارُه به، كالحُرِّ.
١٩٨٠ - مسألة: (وإن حُجِر عليه وفي يَدة مالٌ، ثم أُذِن له فيه، فأقَرَّ به، صَحَّ) لأنَّ المانِعَ مِن صِحَّةِ إقْرارِه الحَجْرُ عليه، وقد زال، ولأنَّه يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، فيَصِحُّ إقْرارُه به، كما لو لم يُحْجَرْ عليه، وقِياسًا على غيرِه مِن الأحْرارِ.
стр. 6481
وَلَا يَبْطُلُ الإذْنُ بِالْإِباقِ.
ــ
١٩٨١ - مسألة: (ولا يَبْطُلُ الإذْنُ بالإِباقِ) وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: يَبْطُلُ (١) به (٢)؛ لأَنه يُزِيلُ ولايةَ السَّيِّدِ عنه في التِّجارَةِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَجُوزُ بَيعُه ولا هِبَتُه ولا رَهْنُه، فأشْبَهَ ما لو باعَه. ولَنا، أنَّ الإِباق لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الإذْنِ له في التِّجارَةِ، فلم يَمْنَعِ اسْتِدامَتَه، كما لو غَصَبَه غاصِبٌ، أو حُبِس بدَينٍ عليه. ولا يَصِحُّ ما ذَكَرُوه؛ فإنَّ سَبَبَ الولايةِ باقٍ، وهو الرِّقُّ، ويَجُوزُ بَيعُه وإجارَتُه ممَّن يَقْدِرُ عليه، ويَبْطُلُ بالمَغْصُوبِ.
стр. 6482
وَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِهِبَةِ الدَّرَاهِمِ وَكُسْوَةِ الثِّيَابِ. وَيَجُوزُ هَدِيَّتُهُ لِلْمَأْكُولِ، وَإعَارَةُ دَابَّتِهِ.
ــ
١٩٨٢ - مسألة: (ولا يَصِحُّ تَبَرُّعُ المأذُونِ له بهِبَةِ الدَّراهِمِ وكُسْوَةِ الثِّيابِ) لأنَّ ذلك ليس مِن (١) التِّجارَةِ، ولا يُحْتاجُ إليه فيها، فأشْبَهَ غيرَ المَأْذُونِ له.
١٩٨٣ - مسألة: (وتَجُوزُ هَدِيته للمَأْكُولِ، وإعارَةُ دايَّته) واتِّخاذُ الدَّعْوَةِ ما لم يَكُنْ إسْرافًا. وبه قال أبو حَنِيفةَ. وقال الشافعيُّ: لا يَجُوزُ ذلك بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بمالِ مَوْلاه، فلم يَجُزْ، كهِبَةِ الدَّراهِمِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُجِيبُ دَعْوَةَ المَمْلُوكِ (٢). وروَى أبو سعيدٍ مَوْلَى أبي (٣) أَسِيدٍ، أنَّه تَزَوَّجَ، فحَضَرَ دَعْوَتَه أُناسٌ مِن
стр. 6483
وَهَلْ لِغَيرِ الْمَأْذُونِ الصدَقَةُ مِنْ قُوتِهِ بِالرَّغِيفِ إِذَا لم يَضُرَّ بِهِ وَنَحْوهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
أصْحابِ رسول اللهِ ﷺ ، منهم عبدُ الله بِنُ مسعودٍ، وحُذيفَةُ، وأبو ذَرٍّ، فأمَّهم، وهو يَوْمَئِذٍ عَبْدٌ. رَواه صالِحٌ (١) في «مَسائِلِه» بإسْنادِه (٢). ولأنَّه ممّا جَرَتْ به عادَةُ التُّجارِ فيما بينَهم، فيَدْخُلُ في عُمُومِ الإذْنِ.
١٩٨٤ - مسألة: (وهل لغيرِ المَأْذُونِ له الصَّدَقَةُ مِن قُوتِه بالرَّغِيفِ ونحوه، إذا لم يَضُرَّ بِه؟ على رِوايَتَين) إحْداهُما، ليس له ذلك؛ لأن المال لسَيِّدِه، وانَّما أذِنَ له في الأكْلِ، فلم يَمْلِكِ الصَّدَقَةَ به، كالضَّيفِ، لا (٣) يَتَصَدَّقُ بما أُذِن له في أكْلِه. والثانيةُ، يَجُوزُ؛ لأنَّه ممّا جَرَتِ العادَةُ بالمُسامَحةِ فيه والإذْنِ عُرْفًا، فجاز، كصَدَقَةِ المرأةِ مِن بَيتِ زَوْجِها.
стр. 6484
وَهَلْ لِلْمَرأَةِ الصَّدَقَةُ مِنْ بَيتِ زَوْجِهَا بِغَيرِ إِذْنِهِ بِنَحْو ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
ــ
١٩٨٥ - مسألة: (وهل للمرأةِ الصَّدَقَةُ مِن بَيتِ زَوْجِها بغيرِ إذْنِه بنَحْو ذلك؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، يَجُوزُ؛ لأنَّ عائشةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : «مَا أنْفَقَتِ الْمَرْأةُ مِنْ بَيتِ زَوْجِهَا، غَيرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أنْفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ غَيرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ». ولم يَذْكُرْ إذْنًا. عن أسماءَ، أنَّها جاءَتِ النبيَّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، ليس لي (١) شيءٌ إلَّا ما أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيرُ، فهل عَلَيَّ جُناحٌ أن أرْضَخَ (٢) ممّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ قال: «ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ، وَلَا تُوعِي (٣)، [فيُوعِيَ الله] (٤) عَلَيكِ». مُتَّفَقٌ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَخْصُوصَةِ، والحديثُ الخاصُّ للرِّوايَةِ الثانيةِ ضعيفٌ. ولا يَصِحُّ قِياسُ المرأةِ على غيرِ ما؛ لأنَّها بحُكْمِ العادَةِ تَتَصَرَّفُ في مالِ زَوْجِها، وتَتَبَسَّطُ فيه، وتَتَصَدَّقُ منه بحُضُورِه وغَيبَتِه، والإِذْنُ العُرْفِيُّ يَقُومُ مَقامَ الإذْنِ الحَقِيقِيِّ، فصار كأنَّه قال لها: افْعَلِي هذا. فأمّا إن مَنَعَها ذلك، وقال: لا تَتَصَدَّقِي بشيء، ولا تَتَبَرَّعِي مِن مالِي بقَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ. لم يَجُز لها ذلك؛ لأنَّ المَنْعَ الصَّرِيحَ يَنفِي الإذْنَ العُرْفِيَّ. وكذلك لو كانتِ امْرَأَتُه مَمْنُوعَةً مِن التَّصَرُّفِ في بَيتِ زَوْجِها، كالتي يُطْعِمُها بالفَرْضِ، ولا يُمَكِّنُها مِن طَعامِه، فهو كما لو مَنَعَها بالقولِ. فإن كان في بَيتِ الرجلِ مَن يَقُومُ مَقامَ امْرَاته، كجارِيَتِه وأُخْتِه وغُلامِه المُتَصَرِّفِ في بَيتِ سَيِّدِه وطَعامِه، فهو كالزَّوْجَةِ فيما ذَكَرْنا؛ لوُجُودِ المَعْنَى فيه. والله أعلمُ.
стр. 6488
بَابُ الْوَكَالةِ
ــ
بابُ الوَكالةِ
وهي جائِزَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ فقولُ الله تِعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيهَا﴾ (١). فَجَوَّزَ العَمَلَ عليها، وذلك بحُكْمِ النِّيابَةِ عن المُسْتَحِقِّين. وأيضًا قولُه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا لَبِثْتُمْ أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ (٢). وهذه وَكالةٌ. وأمّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو داودَ، والأثْرَمُ، وابنُ ماجَه (٣)، بإسْنادِهم، عن عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ، قال: عُرِض للنبيِّ ﷺ ، فأعْطانِي دِينارًا، فقال: «يَا عُرْوَةُ، ائْتِ الْجَلَبَ، فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً». قال: فأتَيتُ الجَلَبَ فساوَمْتُ صاحِبَه، فاشْتَرَيتُ شاتَين بدِينارٍ، فجِئْتُ أسُوقُهما -أو أقُودُهما- فلقِيَني رَجلٌ بالطَّرِيقِ فساوَمَنِي، فبِعْتُ منه شاةً بدِينارٍ، فأتَيتُ النبيَّ ﷺ بالدِّينارِ
стр. 6489
تَصِحُّ الْوَكَالةُ بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى الإذْنِ، وَكُلِّ قَوْلٍ أو فِعْل يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ.
ــ
وبالشّاةِ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ: هذا دِينارُكم وهذه شاتُكم. قال: «وَصَنَعْتَ كَيفَ؟» قال: فحَدّثْتُه الحديثَ. فقال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِه». هذا لَفْظُ رِوَايةِ الأثْرَمِ. ورَوى أبو داودَ (١) بإسْناده عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خَيبَرَ، فأتَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وقُلْتُ: إنِّي أرَدْتُ الخُرُوجَ إلى خيبَرَ. فقال: «ائْتِ وَكِيلي، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ». ورُوِيَ عنه ﷺ أنَّه وَكَّلَ عمرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ في قَبُولِ نِكاحِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وأبا رافِع في قَبُولِ نِكاحِ مَيمُونَةَ (٢). وأجْمَعَتِ الأمَّةُ على جَوازِ الوَكالةِ في الجمْلَةِ. ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَة إلى ذلك؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ كلَّ أحدٍ فِعْلُ ما يَحْتاجُ إليه بنَفسِه.
١٩٨٦ - مسألة: (تَصِحُّ الوَكالةُ بكلِّ قولٍ. يَدُلُّ على الإذْنِ، وكلِّ قولٍ أو فعْل يَدُلُّ على القَبُولِ) لا تَصِحُّ الوَكالةُ إلَّا بالإِيجابِ والقَبُولِ؛ لأنَّه عَقْدٌ تَعَلَّقَ به حَقُّ كلِّ واحِدٍ منهما، فافْتَقَرَ إلى الإِيجابِ والقَبُولِ،
стр. 6490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالبَيعِ. والإِيجابُ هو كلُّ لَفْظٍ دَلَّ على الإِذْنِ، نحوَ قَوْلِه: افْعَلْ كذا. وأذِنْتُ لك في فِعْلِه. فإنَّ النبيَّ ﷺ وَكَّلَ عُرْوَةَ بنَ الجَعْدِ في شِراءِ شاةٍ بلَفْظِ الشِّراءِ. وكذلك قَوْلُه تعالى حكايَةً عن أهْل الكَهْفِ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. ولأنَّه لَفْظٌ دَلَّ على الإِذْنِ، فهو كقَوْلِه: وكَّلْتك.
стр. 6491
وَيَصِحُّ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخي، بِأنْ يُوَكِّلَهُ فِي بَيعِ شَيْءٍ، فَيَبِيعَهُ بَعْدَ سَنَةٍ، أو يُبَلِّغَهُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ مُنْذُ شَهْر، فَيَقُولَ: قَبِلْتُ.
ــ
وَيكْفِي في القَبُولِ قَوْلُه: قَبِلْتُ. وكُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عليه. ويجُوزُ بكلِّ فِعْلٍ دَلَّ عليه أيضًا، نحوَ أن يَفْعَلَ ما أمَرَه بفِعْلِه؛ لأنَّ الذين وَكَّلَهم النبيُّ ﷺ لم يُنْقَلْ عنهم سِوَى امْتِثالِ أمْرِه. ولأنَّه إذْن في التَّصَرُّفِ، فجازَ القَبُولُ فيه (١) بالفِعْلِ، كأكْلِ الطَّعامِ.
١٩٨٧ - مسألة: (ويَجُوزُ القَبُولُ على الفَوْرِ والتَّراخِي، نحوَ أن يُوَكِّلَه في بَيعِ شيءٍ، فيَبِيعَه بعدَ سَنَةٍ، أو يُبَلِّغَه أنَّه وَكَّلَه منذُ شَهْرٍ، فيقولَ: قَبِلْتُ) لأنَّ قَبُولَ وُكَلاءِ النبي ﷺ كان بفِعْلِهم، وكان مُتَراخِيًا عن تَوْكِيلِه إيّاهم، ولأنَّه إذْن في التَّصرُّفِ، والإذْنُ قائِمٌ (٢) ما لم يَرْجِعْ عنه، أشْبَهَ الإباحَةَ. وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ.
стр. 6492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَجُوزُ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، نحوَ قَوْلِه: إذا قَدِم الحاجُّ فافْعَلْ كذا. أو: إذا جاء الشِّتاءُ فاشْتَرِ لنَا كذا. و: إذا جاء الأضْحَى فاشتَرِ لنَا أُضْحِيَةً. و: إذا طَلَب منك أهْلِي (١) شيئًا فادْفَعْه إليهم. و: إذا دَخَلَ رَمَضانُ فقد وَكَّلْتُك في كذا. أو: فأنْتَ وَكِيلِي. وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ. وقال الشافعيُّ: لا تَصِحُّ، لكنْ إن تَصَرَّفَ صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لوُجُودِ الإذْنِ، وإن كان وَكِيلًا بجُعْلٍ، فَسَد المُسَمَّى، وله أَجْرُ المِثلِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ به في الحَياةِ، أَشْبَهَ البَيعَ. ولنا، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أميرُكُمْ زَيدٌ، فَإنْ قُتِلَ فَجَعْفَر، فَإن قُتِلَ فَعَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ» (٢). وهذا في مَعْناه، ولأنَّه عَقْدٌ اعْتُبِرَ في حَقِّ الوَكِيلِ (٣) حُكْمُهُ، وهو إِباحَةُ التَّصَرُّفِ وصِحَّتُه، فكان صَحِيحًا، كما لو قال: أنت وَكِيلِي في بَيعِ عَبْدِي إذا قَدِمَ الحاجُّ. ولأنَّه لو قال: وَكَّلْتُك في شِراءِ كذا في وَقْتِ كذا. صَحَّ بلا خلَافٍ، ومَحَلُّ النِّزاعِ في مَعْناه. ولأَنه إذْنٌ في التَّصَرُّفِ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ والتَّأْمِيرَ، ولأنَّه عَقْدٌ [يَصِحُّ بغيرِ جُعْل] (٤)، ولا يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فصَحَّ بالجُعْلِ، كالتَّوْكِيلِ النّاجِزِ.
стр. 6493
وَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ وَالتَّوَكُّلُ فِي شَيْءٍ، إلا مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ.
ــ
١٩٨٨ - مسألة: (ولا يَصِحُّ التَّوكِيلُ والتَّوَكُّلُ في شيءٍ، إلَّا ممَّن يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه) لأنَّ مَن [لا يَصِحُّ] (١) تَصَرُّفُه بنَفْسِه، فبِنائِبِه أوْلَى. وكلُّ مَن صَحَّ تَصَرُّفُه في شيءٍ بنَفْسِه، وكان ممّا تَدْخُلُه النِّيابَةُ، صَحَّ أن يُوَكِّلَ فيه، رَجلًا كان أو امرأةً، حُرًّا أو عَبْدًا، مُسْلِمًا أو كافِرًا. فأمّا
стр. 6494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَن يَتَصَرَّفُ بالإِذْنِ؛ كالعَبْدِ المَأْذُونِ له، والوَكِيلِ، والمُضارِبِ، فلا يَدْخُلُون في هذا، لكنْ يَصِحُّ مِن العَبْدِ التَّوْكِيلُ فيما يَمْلِكُه دُون سَيِّدِه، كالطَّلاقِ والخُلْعِ. وكذلك الحُكْمُ في المَحْجُورِ عليه لسفَهٍ، لا يُوَكّلُ إلَّا فيما له فِعْلُه، كالطُّلاقِ، والخُلْعِ، وطَلَبِ القِصاصِ. وكلُّ [ما صَحَّ أن] (١) يَسْتَوْفِيَه بنَفْسِه وتَدْخُلُه النِّيابَةُ، صَحَّ أن يَتَوَكَّلَ لغيرِه فيه، إلَّا الفاسِقَ، فإنَّه يَصِحُّ [أن يَقْبلَ] (١) النِّكاحَ لنَفْسِه. وذَكَر القاضي أَنه لا يجُوزُ أن يَقْبَلَه لغنرهِ. وظاهِرُ كَلامِ شيخِنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ، أنَّه يَصِحُّ. وهو قولُ أبي الخَطّابِ. وهو القِياسُ. ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَينِ. فأمّا تَوْكِيلُه في الإِيجابِ، فلا يَجُوزُ إلَّا على الرِّوايَةِ التي تُثْبِتُ الولايةَ له. وذَكَر أصْحابُ الشافعيِّ في ذلك وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَجُوزُ؛ لأنَّه ليس بولِيٍّ. والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه مُوجِبٌ للنكاحِ، أشْبَهَ الوَلِيَّ. ولأنَّه لا يَجُوزُ أن يَتَولَّى ذلك بنَفْسِه،
стр. 6495
وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِي مِنَ الْعُقُودِ، وَالْفُسُوخِ، وَالْعِتْقِ،
ــ
فلم يَجُزْ أن يَتَوَكَّلَ فيه، كالمرأةِ. ويَصِحُّ تَوْكِيلُ المرأةِ في طَلاقِ نَفْسِها وغيرِها. ويَصِحُّ تَوْكِيلُ العَبْدِ في قَبُولِ النِّكاحِ؛ لأنَّه ممَّن يَجُوزُ أن يقبلَ لنفسِه، وإنَّما يَقِفُ ذلك على إذْنِ سَيِّدهِ؛ ليَرْضَى بتَعَلُّقِ الحُقُوقِ به. ومَن لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في شيء لنَفْسِه، لا يَصِحُّ أن يَتَوَكَّلَ فيه، كالمرأةِ في عَقْدِ النِّكاحِ وقَبُولِه، والكافِرِ في تَزْويجِ مُسْلِمَةٍ، والطِّفْلِ والمَجْنُونِ في الحُقُوقِ كُلها. وللمُكاتَبِ أن يُوَكِّلَ فيما يَتصَرَّفُ فيه بنَفْسِه. وله أن يَتَوَكَّلَ بجُعْل؛ لأنَّه مِن اكْتِسابِ المالِ، ولا يُمْنَعُ مِن الاكتِسابِ. وليس له أن يَتَوكَّلَ بغيرِ جُعْلٍ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنافِعَه كأعْيانِ مالِه، وليس له بَذْلُ عَينِ مالِه بغيرِ عِوَض. وتَصِحُّ وَكالةُ الصَّبِي المُمَيِّزِ بإذْنِ الوَلِيِّ، بِناءً على صِحَّةِ تَصَرُّفِه بإذْنِه.
١٩٨٩ - مسألة: (ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في كلِّ حَقِّ آدمِي مِن العُقُودِ ،
стр. 6496
وَالطَّلاقِ، وَالرَّجْعَةِ، وَتَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ مِن الصَّيدِ وَالْحَشِيشِ، وَنَحْوهِ، إلا الظِّهَارَ، وَاللِّعَانَ، وَالْأَيمَانَ.
ــ
والفُسُوخِ، والعِتْقِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، وتَمَلُّكِ المُباحاتِ مِن الصَّيدِ والحَشِيشِ، ونحوه، إلَّا الظِّهارَ، واللِّعانَ، والأيمانَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّوْكيلَ يَجُوزُ في الشِّراءِ، والبَيعِ، ومُطالبةِ الحُقُوقِ، والعِتْقِ، والطَّلاقِ، حاضِرًا كان المُوَكِّلُ أو غائِبًا. وقد ذَكَرْنا الدَّليلَ على ذلك مِن الآيَةِ والخَبَرِ، والحاجَةُ تَدْعُو إليه؛ لأنَّه قد يكونُ ممَّن لا يُحْسِنُ البَيعَ والشِّراءَ، أو لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ إلى السُّوقِ، وقد يكونُ له مالٌ ولا يُحْسِنُ التِّجارةَ فيه، وقد يُحْسِنُ ولا يَتَفرَّغُ، وقد لا تَلِيقُ به التِّجارَةُ لكَوْنِه امرأةً، أو ممَّن يتَعَيَّرُ بها ويَحُطُّ ذلك مِن مَنْزِلَتِه، فأباحَها الشَّرْعُ دَفْعًا للحاجَةِ، وتَحْصِيلًا لمَصْلحَةِ الآدَمِيِّ المَخْلُوقِ لعِبادَةِ اللهِ
стр. 6497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سبحانَه. وكذلك يَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الحَوالةِ، والرَّهْنِ، والضَّمانِ، والكَفالةِ، والشَّرِكَةِ، والوَدِيعةِ، والمضارَبَةِ، والجَعالةِ، والمُساقاةِ، والإِجارَةِ، والقَرْضِ، والصُّلْحِ، والهِبَةِ، والصَّدَقَةِ، والوَصيَّةِ، والفَسْخِ، والإِبراءِ، لأنَّها في مَعْنَى البَيعِ في الحاجَةِ إلى والتَّوْكيلِ فيها، فيَثْبُتُ فيها حكْمُه. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الخلْعِ والرَّجْعَةِ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، كدُعائِها إلى التَّوْكِيلِ في البَيعِ. ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في تَحْصِيلِ المُباحاتِ؛ كإحْياءِ المَواتِ، واسْتِقاءِ الماءِ، والاصْطِيادِ، والاحْتِشاشِ؛ لأنَّها تَمَلُّكُ مالٍ بسَببٍ لا يَتَعَيَّنُ عليه، فجاز التَّوْكِيل فيه، كالابتِياعِ والاتِّهابِ.
стр. 6498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا تَصِحُّ في الأَيمانِ والنُّذُورِ؛ لأنَّها تَتَعلَّقُ بعَينِ الحالِفِ والنّاذِرِ، فأشْبَهَتِ العِباداتِ البَدَنيَّةَ والحُدُودَ. ولا تَصِحُّ في الإِيلَاءِ والقَسَامةِ واللِّعانِ؛ لأنَّها أيمانٌ. ولا في الظِّهارِ؛ لأنَّه قولٌ مُنْكَر وزُورٌ، فلا يَجُوزُ فِعْلُه ولا الاسْتِنابَةُ فيه، ولا تَجُوزُ في القَسْمِ بينَ الزَّوْجات؛ لأنَّها تَتَعلَّقُ ببَدَنِ الزَّوْجِ لأمْر يَخْتَصُّ به. ولا في الرِّضاعِ؛ لأَنه يَخْتصُّ بالمُرْضِعَةِ (١) بنباتِ لحْمِ المُرْتَضِعِ وإنْشازِ عَظْمِه مِن لبَنِها. ولا تَصِحُّ في الغَصْبِ ولا في الجِناياتِ؛ لأنَّ ذلك مُحَرَّم، وَكذلك كلُّ مُحَرَّم؛ لأنَّه لا يَحِلُّ له فِعْلُه بِنَفْسِه، فلم تَجُزِ النِّيابَة فيه.
стр. 6499
وَيَجُوزُ أنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ النِّكَاحَ، وَمَنْ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَمُوَلِّيَتهِ.
ــ
١٩٩٠ - مسألة: (ويَجُوزُ أن يُوَكِّلَ مَن يَقْبَلُ له النِّكاحَ، ومَن يُزَوِّجُ وَليَّتَه إذا كان الوَكيلُ ممَّن يَصِحُّ منه ذلك لنَفْسِه ومُوَلِّيَته) لأنَّ النبيَّ ﷺ وَكَّلَ عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وأبا رافِعٍ قَبُولِ النِّكاحِ له (١). ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فإنَّه رُبَّما احْتاجَ إلى التَّزَوُّجِ مِن مكانٍ بَعيدٍ لا يُمْكِنُه السَّفَرُ إليه،؛ تَزَوَّجَ النبيُّ ﷺ أُمَّ حَبِيبةَ وهي بأَرْضِ الحَبَشَةِ (٢). ويَجُوزُ أن يُوَكِّلَ مَن يُزَوجُ وَلِيَّتَه؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فأشْبَهَ البَيعَ، إذا كان الوَكِيلُ ممَّن يَصِحُّ منه ذلك لمُولِّيَتِه. وهل يَجُوزُ أن يكون فاسِقًا؟ يَنْبَنِي على اشْتِراطِ ذلك في ولايَةِ النكاحِ، وسَيُذْكَرُ في بابِه، إن شاء اللهُ تعالى.
стр. 6500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يَصِحُّ التَّوكيلُ في الشَّهادَةِ؛ لأنَّها تَتَعلَّقُ بعَينِ الشّاهِدِ؛ لكَوْنِها خَبَرًا عمَّا رَآه أو سَمِعَه، ولا يَتَحقَّقُ هذا المَعْنَى في نائِبِه (١)، فإنِ اسْتنابَ فيها، كان النّائِبُ شاهِدًا على شَهادَتِه؛ لكونِه يُؤَدِّي ما سَمِعَه مِن شاهِدِ الأصْلِ، وليس بوَكِيلٍ (٢). ولا يَصِحُّ في الاغْتِنامِ؛ لأنَّه متى حَضَر النّائِبُ تَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، فكان السَّهْمُ له. ولا في الالتِقاطِ؛ لأنَّه بأخْذِه يَصِيرُ لمُلْتَقِطِه.
فصل: ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في المُطالبَةِ بالحُقُوقِ، وإثْباتِها، والمُحاكَمَةِ فيها، حاضِرًا كان المُوَكِّلُ أو غائِبًا، صَحِيحًا أو مَريضًا. وبه قال مالِكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ، والشافعيُّ. وقال أبو حَنِيفَةَ: للخَصْمِ أن يَمْتَنِعَ مِن مُحاكَمةِ الوَكِيلِ إذا كان المُوَكِّلُ حاضِرًا؛ لأنَّ حُضُورَه مَجْلِسَ الحُكْمِ (٣) ومُخاصَمَتَه حَقٌّ لخَصْمِه
стр. 6501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه، فلم يَكُنْ له نَقْلُه إلى غيرِه بغيرِ رِضَاءِ خَصْمِه، كالدَّيْنِ عليه. ولنَا، أنَّه حَقٌّ تَجُوزُ النِّيابَةُ فية، فكان (١) لصاحِبِه الاسْتِنابَةُ بغيرِ رِضاءِ خَصْمِه، كحالةِ غَيبَتِه ومَرَضِه، وكدَفْعِ المالِ الذي عليه، ولأنَّه إجْماعُ الصحابةِ، ﵃، فإنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ، عنه، وَكَّلَ عَقِيلًا عندَ أبي بكرٍ، ﵁، وقال: ما قُضِيَ له فَلِي، وما قُضِيَ عليه فعَلَيَّ. ووَكَّلَ عبدَ اللهِ بنَ جَعْفَرٍ عندَ عُثْمانَ، وقال: إنَّ للخُصُومةِ قُحَمًا، وإنَّ الشَّيطان يَحْضُرُها، وإنِّي كْرَهُ أن أحْضُرَها (٢). قال أبو زِيادٍ (٣): القُحَمُ المَهالِكُ. وهذه قِصصٌ اشْتَهَرتْ؛ لأنَّها في مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، فلم يُنْقَلْ إنكارُها. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، فإنَّه قد يكونُ له حَق، أو يُدَّعَى
стр. 6502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه، ولا يُحْسِنُ الخُصُومةَ، أو لا يُحِبُّ أن يَتَولَّاها بنَفْسِه. ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الإِقْرارِ. ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيه، لأنَّه إخْبارٌ لحَقٍّ، فلم يَجُزِ التَّوكِيلُ فيه، كالشَّهادَةِ. ولنَا، أنَّه إثْباتُ حَق في الذِّمَّةِ بالقولِ، فجاز التَّوْكِيلُ فيه، كالبَيعِ، وفارَقَ الشَّهادَةَ، فإنَّها لا تثبت الحَقَّ، وإنَّما هو إخْبار بِثُبُوتِه على غيرِه. ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في إثْباتِ القِصاصِ وحَدِّ القَذْفِ، واسْتِيفائِهما، لأنَّهما مِن حُقُوقِ الآدَميِّين، وتَدْعُو الحاجَةُ إلى التَّوكِيلِ فيهما، لأنَّ مَن له الحَقُّ قد لا يُحْسِنُ الاسْتِيفاءَ، أو لا يُحبُّ أن يَتَوَلَّاهما.
стр. 6503
وَيَصِحُّ فِي كُلِّ حَقٍّ لِلّهِ تَعَالى تَدْخُلُهُ النِّيابَةُ، مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْحُدُودِ، فِي إِثبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا.
ــ
١٩٩١ - مسألة: (ويَجُوزُ في كلِّ حق للهِ تعالى تَدْخُلُه النِّيابَةُ، مِن العِباداتِ والحُدُودِ، في إثْباتِها واسْتِيفائِها) كحَدِّ الزِّنى والسَّرِقَةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اغْدُ يَا أُنَيسُ إلَى امْرَأةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». فغدا عليها أُنيسٌ، فاعْتَرفَتْ، فأمَرَ بها فرُجمَتْ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وأمَرَ النبيُّ ﷺ برَجْمِ ماعِزٍ، فَرَجَمُوه (٢). ووَكَّلَ عُثْمانُ عليًّا
стр. 6504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في إقامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ على الوَليدِ بنِ عُقْبةَ. رواه مسلم (١). ولأن الحاجَةَ تَدْعُو إليه؛ لأنَّ الإِمامَ لا يُمْكِنُه تَوَلِّي ذلك بِنَفْسِه. ويجوزُ التَّوْكِيلُ في إثْباتِها. وقال أبو الخطّابِ: لا يَجُوزُ. وهو قول الشافعيِّ؛ لأنَّها تَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ، وقد أمِرْنا بدَرْئِها بها، والتَّوكيلُ تَوصُّلٌ إلى الإيجابِ. ولنا، حديثُ أُنَيسٍ الذي ذَكَرْناه، فإنَّ النبيَّ ﷺ وَكَّلَه في إثْباتِه واسْتِيفائِه جمِيعًا بقَوْلِه: «فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْهَا». وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَكُنْ ثَبَت، وقد وكَّلَه في إثْباتِه. ولأنَّ الحاكِمَ إذا اسْتَنابَ، دَخَل في ذلك الحُدُودُ، فإذا دَخَلَتْ في التَّوْكيلِ بطَرِيق العُمُومِ، فبالتَّخْصِيصِ يكونُ دُخُولُها أوْلَى، والوَكِيلُ يَقُومُ مَقامَ المُوَكِّلِ في دَرْئِها بالشُّبُهاتِ.
стр. 6505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا العِباداتُ، فما تَعَلَّقَ منها بالمالِ؛ كالصَّدقاتِ، والزَّكاةِ، والمَنْذُوراتِ، والكَفّاراتِ، جاز التَّوكِيلُ في قَبْضِها وتَفْرِيقِها. ويَجُوزُ للمُخْرِجِ التَّوْكِيلُ في إخْراجِها ودَفْعِها إلى مُسْتَحِقِّها. ويَجُوزُ أن يَقُولَ لغيرِه: أخْرِج زَكاةَ مالِي مِن مالِكَ، لأنَّ النبيَّ ﷺ بَعَث عُمّاله لقَبْضِ الصَّدَقاتِ وتفْرِيقِها، وقال لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِن أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِم». مُتَّفَقٌ عليه (١). ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الحَجِّ إذا أَيِسَ المَحْجُوجُ عنه مِن الحَجِّ بنَفْسِه، وكذلك العُمْرَةُ. ويَجُوزُ أن يُسْتنابَ مَن يَحُجُّ عنه بعدَ المَوْتِ. فأمّا العِباداتُ البَدَنِيَّةُ المَحْضَةُ؛ كالصلاةِ، والصِّيامِ، والطهارةِ مِن الحَدَثِ، فلا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيها؛ فإنَّها تَتَعلَّقُ ببَدَنِ مَن هي عليه، فلا يَقومُ غيرُه مَقامَه، إلَّا أنَّ الصيامَ المَنْذُورَ يُفْعَلُ عن المَيِّتِ، وليس ذلك بتَوْكيل؛ لأنَّه لم يُوَكِّلْ في ذلك، ولا وَكَّلَ فيه يخرُه. ولا يَجُوزُ في الصلاةِ إلَّا في رَكْعَتَي الطَّوافِ تَبَعًا للحَجِّ. ولا تَجُوزُ الاسْتِنابةُ في الطهارَةِ إلَّا في صَبِّ الماءِ وإيصالِه إلى الأعْضاءِ، وفي تَطْهِيرِ النَّجاسَةِ عن البَدَنِ والثَّوْبِ وغيرِهما.
стр. 6506
وَيَجُوزُ الاسْتِيفَاءُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيبَتِهِ، إلا الْقِصَاصَ وَحَدَّ الْقَذْفِ عِنْدَ بَعْضِ أصْحَابِنَا، لَا يَجُوزُ فِي غَيبَتِهِ.
ــ
١٩٩٢ - مسألة: (ويَجُوزُ الاسْتِيفاءُ في حَضْرةِ المُوَكِّلِ وغَيبَتِه) نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مالِكٍ (إلَّا القِصاصَ وَحَدَّ القَذْفِ عندَ بعضِ أصحابِنا، لا يَجُوزُ في غيبَتِه) وقد أوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو قولُ أبِي حنيفةَ، وبعضِ الشافعيَّةِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ المُوَكِّلُ في حالِ غَيبَتِه، فيَسْقُطَ، وهذا الاحْتِمالُ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الاسْتِيفاءَ. ولأنَّ العَفْوَ مَنْدُوبٌ إليه، فإذا حَضَر احْتَمَلَ أن يَرْحَمَه فيَعْفُوَ. والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهبِ؛ لأنَّ ما جاز اسْتِيفاؤُه في حَضرةِ المُوَكِّلِ، جاز في غَيبَتِه، كالحُدودِ وسائِرِ الحُقُوقِ، واحْتِمالُ العَفْو بَعِيدٌ. والظّاهِرُ أنَّه لو عَفا لبعَثَ وأعْلَمَ وَكِيلَه بعَفْوه، والأصْلُ عَدَمُه، فلا يُوثِّرُ، [ألا تَرَى] (١) أنَّ قُضاةَ رسولِ اللهِ ﷺ كانُوا يَحْكُمُون في البِلادِ، ويُقيمُونَ الحُدُودَ التي تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، مع احْتِمالِ النَّسْخِ. وكذلك لا يُحْتاطُ (٢) في اسْتِيفاءِ الحُدُودِ بإحْضارِ الشهُودِ، مع احْتِمالِ رُجُوعِهم عن الشَّهادَةِ، [أو تَغَيُّرِ] (٣) اجْتِهادِ الحاكِمِ.
стр. 6507
وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلُهُ بِنَفْسِهِ، إلَّا بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ. وَعَنْهُ يَجُوزُ. وَكَذَلِكَ الْوَصِي وَالْحَاكِمُ. وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ، أوْ يَعْجِزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ.
ــ
١٩٩٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ للوَكِيلِ أن يُوَكِّلَ فيما يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه، إلَّا بإذْنِ المُوَكِّلِ. وعنه، يَجُوزُ. وكذلك الوَصِيُّ والحاكِمُ. وله التَّوْكيلُ فيما لا يَتَوَلَّى مِثْلَه بنَفْسِه، أو يَعْجزُ عنه لكَثْرَتِه وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ التَّوْكِيلَ لا يَخْلو مِن ثَلاثةِ أَحْوالٍ، أحَدُها، أن يَنْهَى المُوَكِّلُ وَكِيلَه عن التَّوْكِيلِ، فلا يَجُوزُ له ذلك بغيرِ خِلافٍ، لأنَّ ما نَهاه عنه غيرُ داخِل في إذْنِه، فلم يَجُزْ له، كما لو لم يُوَكِّلْه. الثانِي، أن
стр. 6508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَأْذَنَ له في التَّوكِيلِ، فيَجُوزُ له؛ لأنَّه عَقْدٌ أذِنَ فيه، فكان له فِعْلُه، كالتَّصَرُّفِ المَأْذُونِ فيه. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. فإن قال: وَكَّلْتُك فاصْنَعْ ما شِئْتَ. فله أن يُوَكِّلَ. وقال أصحابُ الشافعيِّ: ليس له التَّوْكِيلُ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ يَقْتَضِي تَصَرُّفًا يتَوَلَّاه بنَفْسِه، فقَوْلُه: اصْنَعْ ما شِئْتَ. يَرْجِعُ إلى ما يَقْتَضِيه التَّوْكِيلُ مِن تَصَرُّفِه بنَفْسِه. ولنَا، أنَّ لَفْظَه عامٌّ فيما شاء، فيَدْخُلُ في عُمُومِه التَّوْكِيلُ. الثالثُ، أطْلَقَ له الوَكالةَ، فلا يَخْلُو مِن أقْسام ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ العَمَلُ ممّا
стр. 6509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَرْتَفِعُ (١) الوَكِيلُ عن مِثْلِه، كالأعْمالِ الدَّنيَّةِ في حَقِّ أشْرافِ النّاسِ المُرْتفعِين عن فِعْلِها في العادَةِ، أو يَعْجِزُ عن عَمَلِه؛ لكَوْنِه لا يُحْسِنُه، فإنَّه يَجُوزُ (٢) له التَّوْكِيلُ فيه؛ لأنَّه إذا كان ممَّا لا يَعْمَلُه الوَكِيلُ عادَةً، انْصَرَفَ الإِذْنُ إلى ما جَرَتْ به العادَةُ مِن الاسْتِنابةِ فيه. القِسْمُ الثّانِي، أن يكونَ ممَّا يعملُه بنَفْسِه، إلَّا أنَّه يَعْجِزُ عن عَمَلِه؛ لكَثْرَتِه وانتِشارِه، فيَجُوزُ له التَّوْكِيلُ في عَمَلِه أيضًا؛ لأنَّ الوَكالةَ اقْتَضتْ جَوازَ التَّوْكِيلِ،
стр. 6510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[فجاز التوْكِيلُ] (١) في فِعْلِ جميعِه، كما لو أَذِن فيه بلفظِه. وقال القاضي: عندي إنَّما له التَّوْكيلُ فيما زاد على ما يَتمكَّنُ مِن عَمَلِه بنَفْسِه؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ إنما جاز للحاجَةِ، فاخْتَصَّ ما دَعَتْ إليه الحاجَةُ، بخِلافِ وُجُودِ إذْنِه، فإنَّه مُطْلَق. ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَين. القِسْمُ الثّالثُ، ما عَدا هذَينِ القِسْمَين، وهو ما يُمْكِنُه عَمَلُه بنَفْسِه ولا يَرْتَفِعُ (٢) عنه، فهل يَجُوزُ له التَّوْكِيلُ فيه؟ على رِوايَتَينِ؛ إحْداهما، لا يَجُوزُ. نَقَلهَا ابنُ مَنْصورٍ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وأبي يوسُفَ، والشافعيِّ؛ لأنه لم يَأْذَنْ له بالتَّوْكِيلِ ولا تَضَمَّنَه إذْنُه، فلم يَجُزْ، كما لو نَهاه، ولأنَّه اسْتئْمانٌ فيما يُمْكِنُه النُّهُوضُ فيه، فلم يكُنْ له أن يُوَلِّيَه مَن لم يَأْمَنْه عليه، كالوَدِيعةِ. والثانيةُ، يَجُوزُ. نقَلَهَا حَنْبَلٌ (٣). وبه قال ابنُ أبي لَيلَى، إذا مَرِض أو غاب؛ لأنَّ الوَكِيلَ له أن يَتَصَرَّفَ بنَفْسِه، فمَلَكَه بنائبِه، كالمالِكِ. والأُولَى أوْلَى. ولا يُشْبِهُ الوَكِيلُ المالِكَ؛ فإنَّ المالِكَ يتَصَرَّفُ في مِلْكِه كيف شاء؛ بخِلافِ الوَكِيلِ.
стр. 6511
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وكلُّ وَكِيلٍ جاز له التَّوْكِيلُ، فليس له أن يُوَكِّلَ إلَّا أمينًا؛ لأنَّه لا نَظَرَ للمُوَكِّلِ في تَوْكِيلِ من ليس بأمِينٍ، فَيُقَيَّدُ (١) جوازُ التَّوْكِيلِ بما فيه الحظُّ والنَّظَرُ، كما أنَّ الإِذْنَ في البَيعِ يَتَقَيَّدُ بالبَيعِ بثَمَنِ المِثْلِ، إلَّا أن يُعَيِّنَ له المُوَكِّلُ مَن يُوَكِّلُه، فيَجُوزُ توْكِيلُه وإن لم يكنْ أمِينًا؛ لأنَّه قَطَع نَظَرَه بتَعْيِينه. فإن وَكَّلَ أمِينًا فصار خائِنًا، فعليه عَزْلُه؛ لأنَّ تَرْكَه يتَصَرَّفُ مع الخِيانَةِ تَضْيِيعٌ وتَفْرِيطٌ، والوَكالةُ تَقْتَضِي اسْتِئْمانَ أمِينٍ، وهذا ليس بأَمِينٍ، فوَجَبَ عَزْلُه.
стр. 6512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والحُكْمُ في الوَصِيِّ يُوَكِّلُ فيما أُوصِيَ به إليه، وفي الحاكِمِ يُوَلَّى القَضاءَ في ناحِيةٍ يَسْتَنِيبُ غيرَه، حُكْمُ الوَكِيلِ فيما ذَكَرْنا مِن التفْصِيلِ، إلَّا أنَّ المَنْصُوصَ عن أحمدَ، في رِوايَةِ مُهَنَّا، جَوازُ ذلك. وهو قولُ الشافعَيِّ في الوَصِيِّ؛ لأنَّ الوَصِيَّ يتَصَرَّفُ بوَلائِه، بدَليلِ أنَّه يتَصَرَّفُ (١) فيما لم يُنَصَّ له على التَّصَرُّفِ فيه، والوَكِيلُ لا يَتَصَرَّفُ إلَّا فيما نُصَّ له عليه. قال شيخُنا (٢): والجَمْعُ بينَهما أوْلَى؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيرِه بالإذْنِ، فأشْبَهَ الوَكِيلَ، وإنَّما يتَصَرَّفُ فيما اقْتَضَتْه الوَصِيَّةُ، كالوَكِيلِ، إنَّما يتَصَرَّفُ فيما اقْتَضَتْه الوَكالةُ.
فصل: فأمَّا الوَلِيُّ في النِّكاح، فله التَّوْكِيلُ في تَزْويجِ مُوَلِّيتِه بغيرِ إذْنِها، أبًا كان أو غيرَه. وقال القاضي، في مَن لا يَجُوزُ له الإِجْبارُ: هو (٣) كالوَكِيلِ، يُخَرجُ على الرِّوايَتَينِ المَنْصُوصِ عليهما في الوَكيلِ. ولأصحابِ الشافعيِّ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ إلَّا بإذْنِها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّزْويجَ إلَّا بإذْنِها، أشْبَهَ الوَكِيلَ. ولنَا، أنَّ ولايَتَه مِن غيرِ
стр. 6513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جِهَتِها، فلم يُعْتَبرْ إذنها في تَوْكيلِه فيها، كالأبِ، بخِلافِ الوَكِيلِ، فإنَّ الوَلِيَّ مُتصَرِّفٌ بحُكْم الولايةِ الشَّرْعِيَّةِ، أشْبَهَ الحاكِمَ، ولأنَّ الحاكِمَ يَمْلِكُ تَفْويضَ عُقُودِ الأَنْكِحَةِ إلى غيرِه بغيرِ إذْنِ النِّساءِ، فكذلك الوَليُّ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالحاكِمِ. والذي يُعْتَبرُ إذنها فيه هو غيرُ ما يُوَكَّلُ فيه، بدَليلِ أنَّ الوَكِيلَ لا يَسْتَغْنِي عن إذْنِها في التَّزْويجِ، فهو كالمُوَكَّلِ في ذلك.
فصل: إذا أذِنَ المُوَكِّلُ في التَّوْكِيلِ، فوَكَّلَ، كان الوَكِيلُ الثانِي وَكِيلًا للمُوَكِّلِ، لا يَنْعزِلُ بمَوتِ الوَكِيلِ الأوَّلِ ولا عَزْلِه، ولا يَمْلِكُ الأوَّلُ عَزْلَ الثانِي؛ لأنَّه ليس بوَكِيلِه. وإن أذِنَ له أن يُوَكِّلَ لنَفْسِه، جاز، وكان وَكِيلًا للوَكِيلِ، يَنْعزلُ بمَوْتِه وعَزْلِه. وإن مات المُوَكِّلُ، أو عُزِل الأوَّلُ، انْعزَلا جَميعًا؛ لأنَّهما فرْعان له، لكنَّ أحَدَهما فَرْع الآخَرِ، فذَهَبَ حُكْمُهما بذَهابِ أصْلِهما. وإن وَكّلَ مِن غيرِ أن يُؤْذَنَ له في التَّوكِيلِ نُطْقًا، بل وُجِد عُرْفًا، أو على الرِّوايَةِ التي أجَزْنا له التَّوكِيلَ مِن غير إذْنٍ، فالثانِي وَكِيلُ الوَكِيلِ الأوَّلِ، حُكْمُه حُكْمُ ما لو أذِنَ له أن يُوَكِّلَ لنَفْسِه.
стр. 6514
وَيَجُوزُ تَوْكِيلُ عَبْدِ غَيرِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيرِ إِذْنِهِ.
ــ
١٩٩٤ - مسألة: (ويَجُوزُ تَوْكِيلُ عَبْدِ غيرِه بإذْنِ سَيِّدِه) لأنَّ المَنْعَ لِحَقِّ السَّيِّدِ، فجاز بإذْنِه (ولا يَجُوزُ بغيرِ إذْنِه) لأنَّه لا يجوزُ له التَّصرفُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لكَوْنِه مَحْجُورًا عليه. فإذا أذِنَ في ذلك، صَحَّ، كما تصِحُّ تَصَرُّفاتُه بإذْنِه.
стр. 6515
وَإنْ وَكَّلَهُ بِإِذْنِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
ــ
١٩٩٥ - مسألة: (فإن وَكّلَه بإذْنِه في شِراءِ نَفْسِه مِن سَيِّدِه، فعلى رِوايَتَين) إحْداهما، يَصِحُّ. وبه قال أبو حنيفةَ، وبعضُ الشّافِعيَّةِ. والثانيةُ، لا يَجُوزُ. وهو قولُ بعضِ الشّافعِيَّةِ؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِ سَيِّدِه، فأشْبَهَ ما لو وَكَّلَه في الشراءِ مِن نَفْسِه، ولهذا يُحْكَمُ للإِنْسانِ بما في يَدِ عَبْدِه. ولَنا، أنَّه يَجُوزُ أن يَشْتَريَ عَبْدًا مِن غيرِ مَوْلاه، فجاز أن يَشتَرِيَه مِن مَوْلاه، كالأجْنَبِيِّ، وإذا جازَ أن يَشْتَرِيَ غيرَه، جاز أن يَشْتَرِيَ نَفْسَه، كما أنَّ المرأةَ