← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وكلُّ وَكِيلٍ جاز له التَّوْكِيلُ، فليس له أن يُوَكِّلَ إلَّا أمينًا؛ لأنَّه لا نَظَرَ للمُوَكِّلِ في تَوْكِيلِ من ليس بأمِينٍ، فَيُقَيَّدُ (١) جوازُ التَّوْكِيلِ بما فيه الحظُّ والنَّظَرُ، كما أنَّ الإِذْنَ في البَيعِ يَتَقَيَّدُ بالبَيعِ بثَمَنِ المِثْلِ، إلَّا أن يُعَيِّنَ له المُوَكِّلُ مَن يُوَكِّلُه، فيَجُوزُ توْكِيلُه وإن لم يكنْ أمِينًا؛ لأنَّه قَطَع نَظَرَه بتَعْيِينه. فإن وَكَّلَ أمِينًا فصار خائِنًا، فعليه عَزْلُه؛ لأنَّ تَرْكَه يتَصَرَّفُ مع الخِيانَةِ تَضْيِيعٌ وتَفْرِيطٌ، والوَكالةُ تَقْتَضِي اسْتِئْمانَ أمِينٍ، وهذا ليس بأَمِينٍ، فوَجَبَ عَزْلُه.

стр. 6512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والحُكْمُ في الوَصِيِّ يُوَكِّلُ فيما أُوصِيَ به إليه، وفي الحاكِمِ يُوَلَّى القَضاءَ في ناحِيةٍ يَسْتَنِيبُ غيرَه، حُكْمُ الوَكِيلِ فيما ذَكَرْنا مِن التفْصِيلِ، إلَّا أنَّ المَنْصُوصَ عن أحمدَ، في رِوايَةِ مُهَنَّا، جَوازُ ذلك. وهو قولُ الشافعَيِّ في الوَصِيِّ؛ لأنَّ الوَصِيَّ يتَصَرَّفُ بوَلائِه، بدَليلِ أنَّه يتَصَرَّفُ (١) فيما لم يُنَصَّ له على التَّصَرُّفِ فيه، والوَكِيلُ لا يَتَصَرَّفُ إلَّا فيما نُصَّ له عليه. قال شيخُنا (٢): والجَمْعُ بينَهما أوْلَى؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيرِه بالإذْنِ، فأشْبَهَ الوَكِيلَ، وإنَّما يتَصَرَّفُ فيما اقْتَضَتْه الوَصِيَّةُ، كالوَكِيلِ، إنَّما يتَصَرَّفُ فيما اقْتَضَتْه الوَكالةُ. فصل: فأمَّا الوَلِيُّ في النِّكاح، فله التَّوْكِيلُ في تَزْويجِ مُوَلِّيتِه بغيرِ إذْنِها، أبًا كان أو غيرَه. وقال القاضي، في مَن لا يَجُوزُ له الإِجْبارُ: هو (٣) كالوَكِيلِ، يُخَرجُ على الرِّوايَتَينِ المَنْصُوصِ عليهما في الوَكيلِ. ولأصحابِ الشافعيِّ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ إلَّا بإذْنِها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّزْويجَ إلَّا بإذْنِها، أشْبَهَ الوَكِيلَ. ولنَا، أنَّ ولايَتَه مِن غيرِ

стр. 6513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جِهَتِها، فلم يُعْتَبرْ إذنها في تَوْكيلِه فيها، كالأبِ، بخِلافِ الوَكِيلِ، فإنَّ الوَلِيَّ مُتصَرِّفٌ بحُكْم الولايةِ الشَّرْعِيَّةِ، أشْبَهَ الحاكِمَ، ولأنَّ الحاكِمَ يَمْلِكُ تَفْويضَ عُقُودِ الأَنْكِحَةِ إلى غيرِه بغيرِ إذْنِ النِّساءِ، فكذلك الوَليُّ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالحاكِمِ. والذي يُعْتَبرُ إذنها فيه هو غيرُ ما يُوَكَّلُ فيه، بدَليلِ أنَّ الوَكِيلَ لا يَسْتَغْنِي عن إذْنِها في التَّزْويجِ، فهو كالمُوَكَّلِ في ذلك. فصل: إذا أذِنَ المُوَكِّلُ في التَّوْكِيلِ، فوَكَّلَ، كان الوَكِيلُ الثانِي وَكِيلًا للمُوَكِّلِ، لا يَنْعزِلُ بمَوتِ الوَكِيلِ الأوَّلِ ولا عَزْلِه، ولا يَمْلِكُ الأوَّلُ عَزْلَ الثانِي؛ لأنَّه ليس بوَكِيلِه. وإن أذِنَ له أن يُوَكِّلَ لنَفْسِه، جاز، وكان وَكِيلًا للوَكِيلِ، يَنْعزلُ بمَوْتِه وعَزْلِه. وإن مات المُوَكِّلُ، أو عُزِل الأوَّلُ، انْعزَلا جَميعًا؛ لأنَّهما فرْعان له، لكنَّ أحَدَهما فَرْع الآخَرِ، فذَهَبَ حُكْمُهما بذَهابِ أصْلِهما. وإن وَكّلَ مِن غيرِ أن يُؤْذَنَ له في التَّوكِيلِ نُطْقًا، بل وُجِد عُرْفًا، أو على الرِّوايَةِ التي أجَزْنا له التَّوكِيلَ مِن غير إذْنٍ، فالثانِي وَكِيلُ الوَكِيلِ الأوَّلِ، حُكْمُه حُكْمُ ما لو أذِنَ له أن يُوَكِّلَ لنَفْسِه.

стр. 6514

وَيَجُوزُ تَوْكِيلُ عَبْدِ غَيرِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيرِ إِذْنِهِ. ــ ١٩٩٤ - مسألة: (ويَجُوزُ تَوْكِيلُ عَبْدِ غيرِه بإذْنِ سَيِّدِه) لأنَّ المَنْعَ لِحَقِّ السَّيِّدِ، فجاز بإذْنِه (ولا يَجُوزُ بغيرِ إذْنِه) لأنَّه لا يجوزُ له التَّصرفُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لكَوْنِه مَحْجُورًا عليه. فإذا أذِنَ في ذلك، صَحَّ، كما تصِحُّ تَصَرُّفاتُه بإذْنِه.

стр. 6515

وَإنْ وَكَّلَهُ بِإِذْنِهِ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ، فَعَلَى وَجْهَينِ. ــ ١٩٩٥ - مسألة: (فإن وَكّلَه بإذْنِه في شِراءِ نَفْسِه مِن سَيِّدِه، فعلى رِوايَتَين) إحْداهما، يَصِحُّ. وبه قال أبو حنيفةَ، وبعضُ الشّافِعيَّةِ. والثانيةُ، لا يَجُوزُ. وهو قولُ بعضِ الشّافعِيَّةِ؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِ سَيِّدِه، فأشْبَهَ ما لو وَكَّلَه في الشراءِ مِن نَفْسِه، ولهذا يُحْكَمُ للإِنْسانِ بما في يَدِ عَبْدِه. ولَنا، أنَّه يَجُوزُ أن يَشْتَريَ عَبْدًا مِن غيرِ مَوْلاه، فجاز أن يَشتَرِيَه مِن مَوْلاه، كالأجْنَبِيِّ، وإذا جازَ أن يَشْتَرِيَ غيرَه، جاز أن يَشْتَرِيَ نَفْسَه، كما أنَّ المرأةَ

стр. 6516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَمّا جاز تَوْكِيلُها في طَلاقِ غيرِ ما، جاز في طَلاقِ نَفْسِها. والوَجْهُ الذي ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ أكْثَرَ مَا يُقَدَّرُ (١) جَعْلُ تَوْكِيلِ العَبْدِ كتَوْكِيلِ سَيِّدِه، وَسنَذْكُرُ صِحَّةَ تَوْكِيلِ السَّيِّدِ في البَيعِ والشِّراءِ مِن نَفْسِه، فههنا أوْلَى. فعلى هذا، إذا قال العَبْدُ: اشْتَرَيتُ نَفْسِي لزيدٍ. وصَدَّقاه، صَحَّ، ولَزِم زيدًا الثَّمَنُ. وإن قال السَّيِّدُ: ما اشرَّيتَ نَفْسَكَ إلَّا لِنَفْسِك. عَتَق العَبْدُ؛ لإِقْرارِ السَّيِّدِ على نَفْسِه بما يَعْتِقُ به العَبْدُ (٢)، ويَلْزَمُ العَبْدَ الثَّمَنُ في ذِمَّتِه لسَيِّدِه؛ لأنَّ زيدًا لا يَلْزَمُه الثَّمَنُ، لعَدَم حُصُولِ العَبْدِ له، وكَوْنِ سَيِّدِه لا يَدَّعِيه عليه، فلَزِمَ العَبْدَ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مِمَّن باشَرَ العَقْدَ أنَّه له. وإن صَدَّقَه السَّيِّدُ وكَذَّبَهُ زيدٌ، نَظرتَ في تَكْذِيبِه، فإن كَذَّبَه في الوَكالةِ، حَلَف وَبرِئ، وللسَّيِّدِ فَسْخُ البَيعِ، واسْتِرْجاعُ عَبْدِه لتَعَذر ثَمَنِه، وإن صَدَّقَه في الوَكالةِ، وقال: ما اشْتَريتَ نَفْسَك لي. فالقولُ قولُ العَبْدِ؛ لأنَّ الوَكِيلَ يُقْبَلُ قَوْلُه في التَّصَرُّفِ المَأْذُونِ فيه.

стр. 6517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا وَكّلَ عَبْدَه في إعْتاقِ نَفْسِه، أو امْرأتَه في طَلاقِ نَفْسِها، صَحَّ. وإن وَكَّلَ العَبْدَ في إعْتاقِ عَبِيدِه، أو المرأةَ في طَلاقِ نِسائِه، لم يَمْلِكِ العَبْدُ (١) إعْتاقَ نَفْسِه، ولا المرأةُ طَلاقَ نَفْسِها؛ لأنَّه يَنْصَرِفُ بإطْلاقِه إلى التَّصَرُّفِ في غيرِه. ويَحْتمِلُ أنَّ لهما (٢) ذلك؛ لشُمُولِهما (٣) عُمُومَ اللَّفْظِ، كما يَجُوزُ للوَكيلِ في البَيعِ أن يَبِيعَ مِن نَفْسِه، في إحْدَى الرِّوايتَين.

стр. 6518

وَالْوَكَالةُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَينِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا. ــ وإن وَكَّلَ غَرِيمَه في إبْراءِ نَفْسِه، صَحَّ؛ لأنَّه وَكَّلَه في إسْقاطِ حَقٍّ عن (١) نَفْسِه، فهو كتَوْكِيلِ العَبْدِ في إعْتاقِ نفْسِه. وإن وَكَّلَه في إبْراءِ غُرَمائِه، لِم يكنْ له أن يُبْرِئ نفْسَه، كما لو وَكَّلَه في حَبْسِ غُرَمائِه، لم يَمْلِكْ حَبْسَ نفْسِه، وإن وَكَّلَه في خُصُومَتِهم، لم يكنْ وَكِيلًا في خُصُومَةِ نَفْسِه. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ إبْراءَ نَفْسِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ. وإن وَكّلَ المَضْمُونَ عنه في إبْراءِ الضّامِنِ، فأبْرَأه، صَحَّ، ولم يَبْرَأ المَضْمُونُ عنه. وإن وَكَّلَ الضّامِنَ في إبْراءِ المَضْمُونِ عنه، أو الكَفِيلَ في إبْراءِ المَكْفُولِ عنه، صَحَّ، وبَرِئَ الوَكِيلُ ببراءَتِه؛ لأنَّه فَرْعٌ عليه، فإذا بَرِئَ الأصْلُ بَرِئَ الفَرْعُ. ١٩٩٦ - مسألة: (والوَكالةُ عَقْدٌ جائِز مِن الطَّرَفَين، لكلِّ واحِدٍ منهما فَسْخُها) متى شاء؛ لأنَّه إذْن في التَّصَرُّفِ، فكان لكلِّ واحِدٍ منهما

стр. 6519

وَتَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَالْجُنُونِ، وَالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ، كَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ. وَلَا تَبْطُلُ بِالسُّكْرِ، وَالإغْمَاءِ، وَالتَّعَدِّي. ــ إبْطالُه، كالإذْنِ في أكْلِ طَعامِه. فإن وَكَّلَ المُرْتَهِنَ في بَيعِ الرَّهْنِ اخْتِلافٌ ذَكَرْناه. ١٩٩٧ - مسألة: (وتَبْطُلُ بالمَوْتِ، والجُنُونِ، والحَجْرِ للسَّفَهِ. وكذلك كل عَقْدٍ جائِز، كالشَّرِكَةِ والمُضارَبَةِ. ولا تَبْطُلُ بالسُّكْرِ، والإغماءِ، والتَّعَدِّي) تَبْطُلُ الوَكالةُ بمَوْتِ المُوَكِّلِ أو (١) الوَكِيلِ، [وجُنُونِه المُطْبِقِ] (٢)، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، إذا عُلِم الحالُ.

стр. 6520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكذلك تَبْطُلُ بخُرُوجِه عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، كالحَجْرِ عليه لسَفَهٍ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ، فلا يَمْلِكُه غيرُه مِن جِهَتِه، كالجُنُونِ والمَوْتِ. وكذلك كلُّ عَقْدٍ جائِزٍ، كالشَّرِكَةِ والمُضارَبَةِ، قِياسًا على الوَكالةِ. قال أحمدُ في الشَّرِكَةِ: إذا وُسْوسَ أحَدُهما، فهو مِثْلُ العَزْلِ. فصل: فإن حُجِر على الوَكِيلِ لفَلَس، فالوَكالةُ بحالِها؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ. وإن حُجِر على المُوَكِّلِ، وكانتِ الوَكالةُ في أَعْيانِ مالِه، بَطَلَتْ؛ لانْقِطاعِ تَصَرُّفِه فيها (١). وإن كانت في الخُصُومَةِ، أو الشِّراء في الذِّمَّةِ، أو الطَّلاقِ، أو الخُلْعِ، أو القِصاصِ، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ أهْل لذلك. وإن فَسَق الوَكِيلُ لم يَنْعَزِلْ؛ لأنَّه مِن أهْلِ (٢) التَّصَرُّفِ، إلَّا أن تكونَ الوَكالةُ فيما يُنافِيه الفِسْقُ، كالإيجابِ في عَقْدِ

стр. 6521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النِّكاحِ، فإنَّه يَنْعَزِلُ بفِسْقِ أحَدِهما؛ لخُرُوجِه عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ. وإن كان وَكِيلًا في القَبُولِ، لم يَنْعزِلْ بفِسْقِ مُوَكِّلِه؛ لأنَّه لا يُنافِي جَوازَ (١) قَبُولِه. وهل يَنْعزِلُ بفِسْقِ نَفْسِه؟ على وَجْهَين؛ أوْلاهما، أنَّه لا يَنْعزِلُ؛ لأَنه يَجُوزُ أن يَقْبَلَ النِّكاحَ لنَفْسِه، فجاز أن يَقْبَلَه لغيرِه، كالعدْلِ. وإن كان وَكِيلًا فيما يُشْتَرَطُ فيه الأمانَةُ، كوَكِيلِ وَلِيِّ اليَتيم، ووليِّ الوَقْفِ على المَساكِينِ، ونحو هذا، انْعَزَلَ بفسْقِه، وفِسْقِ مُوَكِّلِه؛ لخُرُجِهما بذلك عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ. وإن كان وَكِيلًا لوَكِيلِ مَن يتَصَرَّفُ في مالِ نَفْسِه، انْعَزَلَ بفسْقِه؛ لأنَّ الوَكِيلَ ليس له تَوْكِيلُ فاسِقٍ، ولا يَنْعَزِلُ بفِسْقِ مُوَكِّلِه؛ لأنَّ مُوَكِّلَه وَكِيل لرَبِّ المالِ، ولا يُنافِيه الفِسْقُ.

стр. 6522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا تَبْطُلُ الوَكالةُ بالنَّوْمْ، والسُّكْرِ، والإِغْماء؛ لأنَّ ذلك لا يُخْرِجُه عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، ولا تَثْبُتُ عليه الولايَةُ، إلًّا أن يَحْصُلَ الفِسْقُ بالسُّكْرِ، فقد ذَكَرْناه مُفَصَّلًا. ولا تَبْطُلُ بالتَّعَدِّي فيما وُكِّلَ فيه، مثلَ لُبْسِ الثَّوْبَ، ورُكُوبِ الدّابَّةِ. وهذا أحَدُ الوَجْهين لأصْحابِ الشافعيِّ. والثانِي، تَبْطُلُ بذلك، لأنَّها عَقْدُ أمَانَةٍ، فبَطَلَتْ بالتَّعَدِّي، كالوَدِيعَةِ. ولنَا، أنَّه تَصَرُّفٌ بإذْنِ مُوَكِّلِه، فصَحَّ، كما لو لم يَتَعَدَّ. ويُفارِقُ الوَدِيعَةَ مِن حيثُ إنَّها أمانَة مُجَرَّدَةٌ، فنافاها التَّعَدِّي والخِيانَةُ، والوَكالةُ إذْنٌ في التَّصَرُّفِ تَضَمَّنَتِ الأمانَةَ، فإذا انْتَفَتِ الأمانَةُ بالتعدِّي، بَقِيَ الإذْنُ بحالِه. فعلى هذا، لو وَكَّلَه في بَيعِ ثَوْبٍ فلَبِسَه،

стр. 6523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صار ضامِنًا. فإذا باعَه، صَحَّ بَيعُه، وبَرِئَ مِن ضَمانِه؛ لدخولِه في مِلْكِ المُشْتَرِي وضَمانِه. فإذا قَبَضَ الثَّمَنَ، كما كان أمانَةً في يَدِه غيرَ مَضْمُونٍ عليه؛ لأَنه قَبَضَه بإذْنِ المُوَكِّلِ ولم يَتَعدَّ فيه. ولو دَفَع إليه مالًا، ووَكَّلَه أن يَشْتَرِيَ به شيئًا فتَعَدَّى في الثَّمَنِ، صار ضامِنًا له (١)، وإذا اشْتَرَى به وسَلَّمَه زال الضَّمانُ، وقَبْضُه للمَبِيعِ قَبْضُ أمانَةٍ. وإن ظَهَر بالمَبِيعِ عَيبٌ فرُدَّ عليه، أو وَجَد هو بما اشْتَراه عَيبًا فرَدَّه وقَبَض الثَّمَنَ، كان مَضْمُونًا عليه؛ لأنَّ العَقْدَ المُزِيلَ للضَّمانِ زال، فعاد ما زال به.

стр. 6524

وَهَلْ تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ، وَحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ــ ١٩٩٨ - مسألة: (وهل تَبْطُلُ بالردة، وحُرِّيَّةِ العبدِ؟ على وَجْهَين) يَصِحُّ تَوْكِيلُ المُسْلِمِ كافِرًا فيما يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، سَواء كان ذِمِّيًّا، أو مُسْتَأْمَنًا، أو حَرْبِيًّا، أو مُرْتَدًّا؛ لأنَّ العَدالةَ لا تُشْتَرطُ في صِحَّة الوَكالةِ، فكذلك الدّينُ، كالبَيعِ. فإن وَكَّلَ مُسْلِمًا فارْتَدَّ، لم تَبْطُلْ وكالتُه، في أحَدِ الوَجْهَين، سواء لَحِق بدارِ الحَرْبِ أو أقام. وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ إذا لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ؛ لأنَّه صار منهم. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَصَرُّفُه لنَفْسِه، فلم تَبْطُلْ وَكالته، كما لو لم يَلْحَقْ بدارِ الحَرْبِ، ولأنَّ الرِّدَّةَ لا تَمْنَعُ ابتداءَ الوَكالةِ، فلا تَمْنَعُ اسْتِدامَتَها، كسائِر الكُفْرِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَبْطُلُ بالردَّةِ إذا قُلْنا: إن المُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلاكُه وتَبْطُلُ

стр. 6525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَصَرُّفاتُه. والوَكالةُ تَصَرُّفٌ. وإنِ ارتَدَّ المُوَكِّلُ، لم تَبْطُلِ الوَكالةُ فيما له التَّصَرُّفُ فيه، فأمّا الوَكِيلُ في مالِه فيَنْبَنِي على تَصَرُّفِه نَفْسِه، فإن قلنا: يَصِحُّ تَصرُّفُه. لم يَبْطُلْ تَوْكِيلُه. وإن قُلْنا: هو مَوْقُوفٌ. فوَكالته مَوْقُوفَةٌ. وإن قُلْنا: يَبْطُلُ تَصرُّفُه. بَطَل تَوْكِيلُه. وإن وكَّلَ في حالِ رِدَّتِه، ففيه الوُجُوهُ الثلاثةُ. فصل: وإن وَكَّلَ عَبْدَه، ثم أعْتَقَه أو باعَه، لم يَنْعَزِلْ؛ لأنَّ زَوالَ مِلْكِه لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الوَكالةِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَها. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَبْطُلُ؛ لأنَّ توْكِيلَ عَبْدِه ليس بتَوكِيلٍ في الحَقِيقَةِ، إنَّما هو اسْتِخْدامٌ بحَقِّ المِلْكِ، فيَبْطُلُ بزوالِ المِلْكِ وهكذا الوَجْهَانِ فيما إذا وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه ثم باعَه السَّيِّدُ. والصَّحِيحُ الأوّلُ؛ لأن سَيِّدَ العَبْدِ أذِنَ له في بَيعِ مالِه، والعِتْقُ لا يُبْطِلُ الإذْنَ، وكذلك البَيعُ، إلَّا أنَّ المُشْتَرِيَ إن رَضِيَ ببقائِه على الوَكالةِ وإلَّا بَطَلَتْ. فإن وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه فأعْتَقَه، فقال شيخُنا (١): لا تَبْطُلُ الوَكالةُ وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ هذا تَوكِيلٌ حَقِيقَةً،

стр. 6526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعِتْقُ غيرُ مُنافٍ له (١). وإنِ اشْتَرَاهُ المُوَكِّلُ منه، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّ مِلْكَه إيّاه لا ينافِي إذْنَه له في البَيعِ والشِّراءِ. وإن وَكَّلَ امْرَأتَه، ثم طَلَّقَها، لم تَبْطُلِ الوَكالةُ؛ لأنَّ (١) زوال النِّكاحِ لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ الوَكالةِ، فلم يَمْنَع اسْتِدامَتَها. فصل: وإن تَلِفَتِ العَينُ التي وَكَّلَ في التَّصرُّفِ فيها، بَطَلَتِ الوَكالةُ؛ لأن مَحَلَّها ذَهَب، فذَهَبَتِ الوَكالةُ، كما لو وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ فمات. و (٢) لو دَفَع إليه دِينارًا، ووَكَّلَه في الشِّراءِ [به فهَلَكَ الدِّينارُ أو ضاع، أو تَصَرَّفَ فيه الوَكيلُ، بَطَلَتِ الوَكالةُ، سَواءٌ وَكَّلَه في الشِّراءِ] (٣) بِعَينه أو مُطْلَقًا؛ لأنَّه إن وَكُّلَه في الشِّراءِ بعَينه، فقد اسْتَحال الشِّراءُ به بعدَ تَلَفِه،

стр. 6527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فبَطَلَتِ الوَكالةُ، وإن وَكَّلَه في الشِّراءِ مُطْلَقًا. ونَقَد الدِّينارَ، بَطَلَتْ أيضًا؛ لأنَّه إنَّما وَكَّلَه في الشِّراء به، ومَعْناه أن يَنْقُدَه ثَمَنَ ذلك المَبِيعِ، إمّا قبلَ الشِّراءِ أو بعدَه، وقد تَعَذَّرَ ذلك بِتَلَفِه، ولأنَّه لو صَحَّ شِراؤُه، للَزِمَ المُوَكِّلَ ثَمَن لم يَلْتَزِمْه، ولا رَضِيَ بلُزُومِه. وإنِ اسْتَقْرضَه الوَكِيلُ، وعَزَل دِينارًا عِوَضَه واشْتَرَى به، فهو كالشِّراءِ له مِن غيرِ إذْنٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ بَطَلَتْ، والدِّينارُ الذي عَزَلَه عِوَضًا لا يَصِيرُ للمُوَكِّلِ حتى يَقْبِضَه، فإذا اشْتَرَى للمُوَكِّلِ به شيئًا، وَقَف على إجازَةِ المُوَكِّلِ، فإن أجازَه، صَحَّ، ولَزِمَه الثَّمَنُ، وإلَّا لَزِم الوَكِيلَ. وعنه، يَلْزَمُ الوَكِيلَ بكلِّ حالٍ. وقال القاضي: متى اشْتَرَى بعَينِ مالِه شيئًا لغيرِه بغيرِ إذْنِه، فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّه (١) لا يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ بعَينِ مالِه ما يَمْلِكُه غيرُه. وقال أصحابُ الشافعيِّ: متى اشْتَرَى بعَينِ مالِه شيئًا لغيرِه، صَحَّ الشِّراءُ للوَكِيلِ؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لم يُؤْذَنْ له فيه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراهُ في الذِّمَّةِ. فصل: نَقَل الأثْرَمُ عن أحمدَ، في رجلٍ كان له على آخَرَ دَراهِمُ، فقال له: إذا أمْكَنَك قَضاؤُها فادْفَعْها إلى فُلانٍ. وغاب صاحِبُ الحَقِّ، ولم

стр. 6528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُوصِ إلى هذا الذي أَذِنَ له في القَبْضِ، لكنْ جَعَلَه وَكِيلًا، وتَمَكَّنَ مَن عليه الدَّيْنُ مِن القَضاءِ، فخاف إن دَفَعَها إلى الوَكِيلِ أن يكونَ المُوَكِّلُ قد مات، ويَخافُ التَّبِعَةَ مِن الوَرَثةِ، فقال: لا يُعْجِبُنِي أَن يَدْفَعَ إليه، لَعَلَّه قد مات، لكنْ يَجْمَعُ بينَ الوَكِيلِ والوَرِثَةِ، ويَبْرَأُ إليهما مِن ذلك. هذا ذَكَره أحمدُ على طَرِيقِ النَّظَرِ للغَرِيمِ، خوْفًا مِن التَّبِعَةِ مِن الوَرَثَةِ إن كان مَوْرُوثُهم قد مات فانْعَزَلَ وَكِيلُه وصار الحَقُّ لهم، فَيرْجِعُون على الدّافِع إلى الوَكِيلِ. فأمّا مِن طَريقِ الحُكْمِ، فللوكِيلِ المطالبَةُ، وللآخَرِ الدَّفْعُ إليه، فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ في رِوايةِ حَرْبٍ: إذا وَكّلَه [في الحَدِّ] (١) وغاب، اسْتَوفاه الوَكِيلُ. وهو أبْلَغُ مِن هذا؛ لكَوْنِه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، لكنَّ هذا احْتِياط حَسَن، وتَبْرِئَة للغَرِيمِ ظاهِرًا وباطنًا، وإزالةُ التَّبِعَةِ عنه. وفي هذه الرِّوايَةِ دَلِيلٌ على أنَّ الوَكِيلَ انْعَزَلَ بمَوْتِ المُوَكِّلِ وإن لم يَعْلَمْ بمَوْتِه؛ لأنه اخْتارَ أن لا يَدْفَعَ إلى الوَكِيلِ خَوْفًا مِن أن يكونَ المُوَكِّلُ قد مات فانْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ. ويَجُوزُ أن يكونَ اخْتارَ هذا لئلَّا يكونَ القاضي ممَّن يَرَى أنَّ الوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بالمَوْتِ، فيَحْكُمُ عليه بالغرامةِ، وفيها

стр. 6529

وَهَلْ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِالْمَوْتِ وَالْعَزْلِ قَبْلَ عِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ دَلِيلٌ على جَوازِ تَراخِي القَبُولِ عن الإِيجابِ؛ لأنَّه وَكَّلَه في قَبْضِ الحَقِّ ولم يَعْلَمْه، ولم يكنْ حاضِرًا فيَقْبَلَ. وفيها دَلِيلٌ على صِحَّةِ التَّوكيلِ (١) بغيرِ لَفْظِ التَّوكيل. وقد نَقَل جَعْفرُ بنُ محمدٍ، في رَجلٍ قال لرجلٍ: بِعْ ثَوْبِي. ليس بشيءٍ حتى يقولَ: قد وَكَّلْتُكَ. وهذا سَهْوٌ مِن النّاقِلِ. وقد تَقَدّمَ ذِكْرُ الدَّلِيلِ على جَوازِ التَّوْكيلِ بغيرِ لفظِه (٢)، وهو الذي نَقَلَه الجمَاعَةُ. ١٩٩٩ - مسألة: (وهل يَنْعزِلُ الوَكِيلُ بالمَوْتِ والعَزْلِ قبلَ عِلْمِه؟ على رِوايَتَينِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الوَكالةَ عَقْدٌ جائِز مِن الطَّرَفَينِ، وقد ذَكَرْنا ذلك، فللمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيله متى شاء، وللوَكِيلِ عَزْلُ نَفسِه [وقد ذَكَرْنَاه] (٣). وتَبْطُلُ بموتِ أحَدِهما، وجُنُونِه المُطْبِقِ. ولا خِلافَ نَعْلَمُه في ذلك مع العِلْمِ بالحالِ. فمتى تَصَرَّفَ بعدَ فَسْخِ المُوَكِّلِ. أو

стр. 6530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَوْتِه، فهو باطِلٌ إذا عَلِمَ ذلك. وإن لم يَعْلَمْ بالعَزْلِ، ولا بمَوْتِ المُوَكِّلِ، ففيه رِوايَتان. وللشافِعيِّ فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، يَنْعزِلُ. وهو ظاهِر كَلامِ الخِرَقِيِّ. فعلى هذا، متى تَصَرَّفَ فبان أنَّ تَصَرُّفَه بعدَ عَزْلِه أو مَوْتِ مُوَكِّلِه، فتَصَرُّفُه باطِل؛ لأنَّه رَفْعُ عَقْدٍ لا يَفْتَقِرُ إلى رِضا صاحِبِه، فصَحَّ بغيرِ عِلْمِه، كالطَّلاقِ والعَتاقِ. والثانيةُ، لا يَنْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَعْفرِ بن محمدٍ؛ لِما في ذلك مِن (١) الضَّرَرِ؛ لأنَّه قد يتَصَرَّفُ تَصَرُّفات (٢) فتَقَعُ باطِلةً، ورُبَّما باع الجارِيَةَ فيَطَؤُها المُشْتَرِي، أو الطَّعامَ فيَأكُلُه، أو غيرَ ذلك، فيتَصَرَّفُ فيه المُشْتَرِي، ويَجِبُ ضَمانُه، فيتَضَرَّرُ المُشْتَرِي والوَكِيلُ. [ولأنَّه] (٣) يتَصَرَّفُ بأمْرِ المُوَكِّلِ، فلا يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ في حَقِّ المأْمُورِ قبلَ عِلْمِه، كالفَسْخِ. فعلى هذه الرِّوايَةِ، متى تصَرَّفَ قبلَ العِلْمِ، صَحَّ تَصَرُّفُه. وهذا قولُ

стр. 6531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبي حنيفةَ. ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّ الوَكِيلَ إن عَزَل نَفْسَه، لم يَنْعَزِلْ إلَّا بحَضْرَةِ المُوَكِّلِ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بأمْرِ المُوَكِّلِ، فلا يَصِحُّ رَدُّ أمْرِه بغيرِ حَضْرَتِه، كالمُودَعِ في رَدِّ الوَدِيعَةِ. وَوَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْناه. فأما الفَسْخُ ففيه وَجْهان كالرِّوايَتَينِ. ويُمْكِنُ الفَرْقُ بينَهما بأنَّ أمْرَ الشّارِعِ يَتَضَمَّنُ المَعْصِيَةَ بتَرْكِه، ولا يكونُ عاصِيًا مع عَدَمِ العِلمِ، وهذا يَتَضَمَّنُ العَزْلُ عنه إِبْطال التَّصَرُّفِ، فلا يَمْنَعُ منه عَدَمُ العِلْمَ.

стр. 6532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا وقَعَتِ الوَكَالةُ مُطْلَقَةً، مَلَك التَّصَرُّفَ أبدًا، ما لم يَفْسَخ الوَكالةَ، ويَحْصُلُ بقَوْلِه: فَسَخْتُ الوَكالةَ. أو: أبْطَلْتُها. أو: نَقَضْتُها. أو: أزَلْتُك. أو: صَرَفْتُكَ. أو: عَزَلْتُكَ عنها. أو يَنْهاه عن فِعلِ ما أمَرَه به، وما أشْبَهَ ذلك مِن الألفاظِ المُقْتَضِيةِ عَزْلَه، والمُؤَدِّيةِ مَعْناه، أو يَعْزِلُ الوَكِيلُ نَفْسَه، أو يُوجَدُ ما يَقْتَضِي فَسْخَها حُكمًا، على ما ذَكَرْنا، أو يُوجَدُ ما يَدُلُّ على الرُّجُوعِ عن الوَكالةِ. فإذا وَكَّلَه في طَلاقِ امْرَأتِه ثم وَطِئَها، انْفَسخَتِ الوَكالةُ؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على رَغْبَتِه فيها واخْتِيارِ إمْساكِها، وكذلك لو وَطِئَ الرَّجْعِيَّ كان ارْتجاعًا لها، فإذا اقْتَضَى رَجعَتَها بعدَ طَلاقِها، فلأن يَقْتَضِيَ اسْتِبْقاءَها على نِكَاحِه (١) ومَنْعَ [طَلاقِه أوْلَى] (٢). وإن باشَرَها دُونَ الفَرْجِ، أو فَعَل ما يَحْرُمُ على غيرِ الزَّوْجِ،

стр. 6533

وَإذَا وَكَّلَ اثْنَينِ، لَمْ يَجُزْ لأحَدِهِمَا الانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، إلَّا أَنْ ــ فهل تَنْفَسِخُ الوَكالةُ في الطَّلاقِ؛ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ، بناءًا على الخِلافِ في حُصُولِ الرَّجْعَةِ به. وإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدٍ ثم كاتبَه أَو دَبَّرَه، انْفَسَختِ الوَكالةُ؛ لأنَّه على إحْدَى الرِّوايَتَين، لا يَبْقَى مَحَلًّا للبَيعِ، وعلى الرِّوايةِ الأخْرَى، تَصَرُّفُه فيه بذلك يَدُلُّ على أنَّه قَصَد الرُّجُوعَ عن بَيعِه. وإن باعَه بَيعًا فاسِدًا لم تَبْطُلِ الوَكالةُ؛ لأنَّ مِلْكَه في العَبْدِ لم يَزُلْ. ذَكَرَه ابن المُنْذِرِ. ٢٠٠٠ - مسألة: (وإذا وَكَّلَ اثْنَين، لم يكُنْ لأحَدِهما الانْفِرادُ

стр. 6534

يَجْعَلَ ذَلِكَ إِلَيهِ. ــ بالتَّصَرُّفِ، إلَّا أن يَجْعَلَ ذلك إليه) وجُمْلَة ذلك، أنَّه إذا وَكَّلَ وَكِيلَين وجَعَل لكلِّ واحِدٍ الانْفِرادَ بالتَّصَرُّفِ، فله ذلك؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه وإن لم يَجْعَلْ له ذلك، فليس لأحَدِهما الانْفِراد به؛ لأنَّه لم يَأْذنْ في ذلك، وإنَّما يَجُوزُ له فِعْلُ ما أذِنَ فيه مُوَكِّلُه. وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، فإن وَكَّلَهما في حِفْظِ جمالِه، حَفِظاه معًا في حِرْزٍ لهما؛ لأنَّ قَوْلَه: افْعَلا كذا. يَقْتَضِي اجْتِماعَهما على فِعْلِه، وهو مما يُمْكِن، فَتَعَلَّقَ بهما، وفارَقَ هذا قَوْلَه: بِعْتُكُما. حيثُ كان مُنْقَسِمًا بينَهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ المِلْكُ لهما (١) على الاجْتِماعِ، فانْقَسمَ بينَهما. فإن غاب أحَدُ الوَكِيلَين، لم يكنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا للحاكِمِ ضَمُّ أَمينٍ إليه ليَتَصَرَّفَا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا ولايةَ للحاكِمِ عليه، فلا يُقِيمُ الحاكِمُ وَكِيلًا (١) له بغيرِ إذْنِه. وفارَقَ ما لو مات أحَدُ الوَصِيَّين، حيث يُضِيفُ الحاكِم إلى الوَصِيِّ أمِينًا ليَتَصَرَّفَا؛ لكونِ الحاكِمِ له النَّظرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوصَ إلى أحَدٍ، أقام الحاكِمُ أمِينًا في النَّظرَ لليَتِيمِ. وإن حَضَر الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَين، والآخَرُ

стр. 6535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غائِبٌ، فادَّعَى الوَكالةَ لهما، وأقام بَيِّنَةً، سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَم بثُبُوتِ الوَكالةِ لهما، لم (١) يَمْلِكِ الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَر الآخَرُ تَصَرَّفا معًا، ولا يَحْتاجُ إلى إعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيلَ: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يَجُوزُ تَبَعًا لحَقِّ الحاضِرِ، كما يَجُوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ (٢) لمَن لم يُخْلَقْ (٣) لأجْلِ مَن يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ها هنا. وإن جَحَد الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَل نَفْسَه، لم يكنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَواءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحِدٍ منهما الانْفِرادُ بها. ولنَا، أنَّه لم يَرْضَ بتَصَرُّفِ أحدِهِما، أشْبَهَ البَيعَ والشِّراءَ.

стр. 6536

وَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي الْبَيعِ أن يَبِيعَ لِنَفْسِهِ. وَعَنْهُ، يَجُوزُ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي الندَاءِ، أوْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ. ــ ٢٠٠١ - مسألة: (ولا يَجوزُ للوَكِيلِ في البَيعِ أن يَبِيعَ لنَفْسِه) [ ولا في الشِّراءِ أن يَشْتَرِيَ مِن نَفْسِه] (١) (وعنه، يجوزُ إذا زاد على مَبْلَغِ ثَمَنِه في النِّدَاءِ، أو وَكَّلَ مَن يَبِيعُ وكان هو أحَدَ المُشْتَرِين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن وُكِّلَ في بَيعِ شيءٍ، لم يَجُزْ أن يَبِيعَه لنَفْسِه، ولا للوَكِيلِ في الشِّراءِ أن يَشْتَرِيَ مِن نفسِه، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ. نَقَلَها مُهَنّا. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ وأصحابِ الرَّأي. وكذلك الوَصِيُّ، لا يَجُوزُ أن يَشْتَرِيَ مِن مالِ اليَتيمِ شيئًا لنَفْسِه، في إحْدَى الرِّوايَتَين. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. وحُكِيَ في مالِكٌ، والأوْزاعِيِّ جَوازُ ذلك فيهما. والرِّوايَةُ الثانيةُ عن أحمدَ، يجوزُ لهما أن يَشتَرِيا بشَرْطَين؛ أحَدُهما، أن يَزِيدَ على مَبْلَغِ ثَمَنِه في النِّداءِ. والثانِي، أن يَتَولَّى النِّداءَ غيرُه. قال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يكونَ

стр. 6537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اشْتِراطُ تَوَلِّي غيرِه للنِّداءِ واجِبًا، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسْتَحَبًّا، والأوَّلُ أشْبَهُ بظاهِرِ كلامِه. وقال أبو الخَطّابِ: الشَّرْطُ الثانِي، أن يُوَلِّيَ مَن يَبِيعُ ويكونَ هو أحَدَ المُشْتَرِين. فإن قِيلَ: فكيف يجوزُ له دَفْعُها إلى غيرِه ليَبِيعَها، وهذا تَوْكِيل وليس للوَكِيلِ التَّوْكِيلُ؟ قُلْنا: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيما لا يَتَولَّى مِثْلَه بنَفْسِه، والنِّداءُ ممّا لم تَجْرِ (١) العادَةُ أن يَتَوَلّاه أكْثَرُ النَّاسِ بنُفُوسِهِم. فإن وَكَّلَ إنْسانًا يَشْتَرِي له، وباع، جاز على هذه الرِّوايَةِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أَمْرَ مُوَكِّلِه في البَيعِ، وحَصَّلَ غرَضَه مِن الثَّمَنِ، فجاز، كما لو اشْتَراها أجْنَبِي. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ للوَصِيِّ الشِّراءُ دُونَ الوَكِيلِ؛

стр. 6538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١). وإذا اشْتَرَى مال اليَتيمِ بأكْثَرَ مِن ثَمَنِه، فقد قَرِبَه بالتي هي أحْسَنُ. ولأنَّه نائِبٌ عن الأبِ، وذلك جائِز للأبِ، فكدلك نائِبُه. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، أنَّ العُرْفَ في البَيعِ بَيعُ الرجلِ مِن غيرِه، فحُمِلَتِ الوَكالةُ عليه، كما لو صَرَّحَ به، ولأنَّه تَلْحَقُه التُّهْمَةُ، ويتَنَافَى الغَرَضان في بَيعِه لنَفْسِه، فلم يَجُزْ، كما لو نَهاه. والوَصِيُّ كالوَكِيلِ؛ لأنَّه يلي بَيعَ مالِ غيرِه بتَوْلِيَتِه، فَأشْبَهَ الوكيلَ، أو مُتَّهَم، فأشْبَهَ الوَكِيلَ، بل التُّهْمَة في الوَصِيِّ آكَدُ؛ لأنَّ الوَكِيلَ يُتَّهَمُ في تَرْكِ الاسْتِقْصاءِ في الثَّمَنِ لا غيرُ، والوَصِيُّ يُتَّهَمُ في ذلك، وفي أنَّه يَشْتَرى مِن مالِ اليَتيمِ ما لا حَظ لليَتِيمِ في بَيعِه،

стр. 6539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فكان أَوْلَى بالمَنْعِ، وعندَ ذلك لا يكونُ أخْذُه لمالِه [قُرْبًا له] (١) بالتي هي أحْسَنُ. وقد رُوِيَ عن (٢) ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال في رجلٍ أوْصَى إلى رجلٍ بتَرِكَتِه، وقد تَرَك قَرِيبًا، فقال الوَصِيُّ: أشْتَرِيه. قال: لا. فصل: وحُكْمُ الحاكِمِ وأمِيِنه، كحُكْمِ الوَكِيلِ، والحُكْمُ في بَيع أحَدِ هؤلاء لوكِيلِه، أو وَلَدِه الصَّغيرِ، أو طِفْل يَلِي عليه، أو لوَكِيلِه، أو عَبْدِه المَأْذُونِ له، كالحُكْمِ في بَيعِه لنَفْسِه، كلُّ ذلك يُخَرَّجُ على رِوايَتَين، بِناءًا على بَيعِه لنَفْسِه. فأمّا بَيعُه لوَلَدِه الكَبِيرِ، أو والِدِه، أو مُكاتَبِه، فذَكَرَهم أصحابُنا أيضًا في جُمْلَةِ ما يُخَرَّجُ على رِوايَتَين. ولأصحابِ الشافعيِّ فيهم وَجْهان. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ بَيعُه لوَلَدِه الكَبِيرِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ مُوَكِّلِه، ووافَقَ (٣) العُرْفَ في بَيعِ غيرِه، كما لو باعَه لأخِيه، وفارَقَ البَيعَ لوَكِيلِه؛ لأنَّ الشِّراءَ إنَّما يَقَعُ لنَفْسِه، وكذلك بَيعُ عَبْدِه المَأْذُونِ، وبَيعُ طِفْلٍ يَلي عليه، بَيعٌ لنَفْسِه؛ لأنَّ الشِّراءَ إنَّما (٤) يَقَعُ لنَفْسِه.

стр. 6540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ووَجْهُ الجَمْعِ بينَهم، أنَّه يُتَّهَمُ في حَقِّهم، ويَمِيلُ إلى تَرْكِ الاسْتِقْصاءِ عليهم في الثَّمَنِ، كتُهْمَتِه في حَقِّ نَفْسِه، [ولذلك] (١) لا تُقْبَلُ شَهادَتُه لهم. والحُكْمُ فيما إذا أراد أن يَشْتَرِيَ لمُوَكِّلِه، كالحُكْمِ (٢) في بَيعِه لمالِه؛ لأنَّهما سَواءٌ في المَعْنَى. فصل: وإن وَكَّلَ رَجلًا يَتَزَوَّجُ له امرأةً، فهل له أن يُزَوِّجَه ابْنَتَه؟ يُخَرَّجُ على ما ذَكَرْنا في الوَكِيلِ في البَيعِ، هل يَبِيعُ لوَلَدِه الكَبِيرِ؟ وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَجُوزُ. ووَجْهُ القَوْلَينِ ما تَقَدَّمَ فيما قبلَها (٣). وإن أَذِنَتْ له مُوَلِّيتُه (٤) في تَزْويجِها، خُرِّجَ في تَزْويجِها لنَفْسِه أو لوَلَدِه أو لوالِدِه وَجْهانِ، بناءً على ما ذُكِر في البَيعِ. وكذلك إن وَكَّلَه رجل في تَزْويجِ ابْنَتِه، خُرِّجَ فيه مِثْلُ ذلك.

стр. 6541

وَهَلْ يَجُوزُ أنْ يَبِيعَهُ لِوَلَدِهِ، أو وَالِدِهِ، أو مُكَاتَبِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ــ ٢٠٠٢ - مسألة: (وهل يَجُوزُ أن يَبِيعَه لوَلَدِه، أو والِدِه، أو مُكاتَبِه؟ على وَجْهَينِ) وقد ذَكَرْناه في المسألَةِ قبلَها. فصل: فإن وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدِه، ووَكّلَه آخَرُ في شِرَاءِ عَبْدٍ، فقِياسُ المَذْهَبِ جَوازُ شِرائِه مِن نفْسِه؛ لأنَّه أُذِن له في طَرَفَي العَقْدِ، فجاز له أن يَليَهما إذا انْتَفَتِ التُّهْمَةُ، كالأبِ يَشْتَرِي مِن مالِ وَلَدِه لنَفْسِه. ولو وَكَّلَه المُتَدَاعِيان في الدَّعْوَى عنهما فالقِياسُ جوازُه؛ لأنَّه يُمْكِنُه الدَّعْوَى عن أحَدِهما والجَوابُ عن الآخَرِ، وإقامَةُ حُجَّةِ كل واحِدٍ منهما، ولأصحابِ الشافعيِّ في المَسْألَتَين وَجْهان. فصل: فإن أذِنَ للوَكِيلِ أن يَشْتَرِيَ مِن نَفْسِه، جاز ذلك. وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَجُوزُ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ له في عَقْدِه غَرَضان، الاسْتِرْخاصُ لنَفْسِه، والاسْتِقْصاءُ للمُوَكِّلِ، وهما مُتَضادَّان، فتَمانعا. ولَنا، أنَّه وَكَّلَه في التَّصَرُّفِ لنَفْسِه، فجاز، كما وَكّلَ المرأةَ في

стр. 6542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ طَلاقِ نَفْسِها، ولأنَّ عِلَّةَ المَنْعِ مِن الشراءِ (١) لنَفْسِه في مَحَلِّ الاتِّفاقِ التُّهْمَةُ؛ لدَلالتِها على عَدَمِ رِضا المُوَكِّلِ بهذا التَّصَرُّفِ، وإخْراجِ هذا التَّصَرُّفِ عن عُمُومِ لَفْظِه وإرادَتِه، وقد صَرَّحَ ههُنا بالإِذْنِ فيها، فلا يَبْقَى (٢) دَلالةُ الحالِ مع نَصِّه بلَفْظِه على خِلافِها. وقَوْلُهم: إِنَّه يتَضَادُّ مَقْصُودُه في البَيعِ والشِّراءِ. قُلْنا: إن عَيَّنَ المُوَكِّلُ له الثَّمَنَ فاشْتَرَى به (٣)، فقد زال مَقْصُودُ الاسْتِقْصاءِ، فإنَّه لا يُرادُ أكْثَرُ ممَّا قد (٤) حَصَّلَ، وإن لم يُعَيِّنْ له الثَّمَنَ تَقَيَّدَ (٥) البَيعُ بثَمَنِ المِثْلِ، كما لو باع لأجْنَبِيٍّ (٦). وقد ذَكَر أصحابُنا فيما إذا وَكَّلَ عَبْدًا يَشْتَرِي له نَفْسَه مِن سَيِّدِه وَجْهًا، أنَّه لا يَجُوزُ، فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه. والصَّحِيحُ ما قلنا، إن شاء اللهُ تعالى.

стр. 6543

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً، وَلَا بِغَيرِ نَقْدِ الْبَلَدِ. وَيَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ، كَالْمُضَارِبِ. ــ ٢٠٠٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يَبِيعَ نَساءً، ولا بغيرِ نَقْدِ البلدِ. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ، كالمضاربِ) وجملةُ ذلك، أنَّ المُوَكِّلَ إذا عيَّنَ للوكِيلَ الشراءَ أو البيع بنقدٍ مُعَيَّنٍ أو حالٍّ، لم تَجُزْ مُخالفَتُه؛ لأنَّه إنَّما يَتَصَرَّف بإذْنِه، ولم يَأْذَنْ في غيرِ ذلك. وإن أذِن له في الشِّراءِ أو البَيعِ بنسِيئَةٍ، جاز. وإن أطْلَقَ، لم يَبعْ إلَّا حالًّا بنقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّ الأصْلَ والبَيعِ الحُلُولُ، وإطْلاقُ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إلى نَقْدِ البَلَدِ، كما لو باع ماله. فإن كان في البَلَدِ نَقْدان، باع بأغْلَبِهما، فإن تَساوَيا، باع بما شاء منهما. وبهذا

стр. 6544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ وصاحِباه: له البَيعُ نَساءً؛ لأنَّه مُعْتادٌ، فأشْبَهَ الحالَّ. ويتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك، بِناءً غلى الرِّوايَةِ في المضُارِبِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه لو أطْلَقَ البَيعَ حُمِل على الحُلُولِ، فكذلك إذا أطْلَقَ الوَكالةَ، ولا نُسَلِّمُ تَساويَ العادَةِ فيهما، فإنَّ بَيعَ الحالِّ أكْثَرُ. ويُفارِقُ المُضارَبَةَ (١) لوَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ المَقْصُودَ مِن المُضارَبَةِ الرِّبْحُ، لا دَفْعُ الحاجَةِ بالثَّمَنِ في الحالِ، وقد يكونُ المَقْصُودُ في الوَكالةِ دَفْعَ حاجَةٍ

стр. 6545

وَإنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، صَحَّ، وَضَمِنَ النَّقْصَ. وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَصِحَّ. ــ ناجِزَةٍ (١) تَفُوتُ بَتأْخِيرِ الثَّمَنِ. والثانِي، أنَّ اسْتِيفاءَ الثَّمَنِ: في المُضارَبَةِ على المُضارِبِ، فيَعُودُ ضَرَرُ التَأْخِيرِ في التَّقاضِي عليه، وههُنا بخِلافِهِ، فلا يَرْضَى به المُوَكِّلُ، ولأنَّ الضَّررَ في تَوَى الثَّمَنِ (٢) على المُضارِبِ؛ لأنَّه يُحْسَبُ مِن الرِّبْحِ؛ لكَوْنِ الرِّبْحِ وقايَةً لرأْسِ المالِ، وههُنا يَعُودُ على المُوَكِّلِ، فانْقَطَعَ الإِلْحاق. ٢٠٠٤ - مسألة: (وإن باع بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، أو بأنْقَصَ ممّا قَدَّرَه له، صَحَّ، وضَمِنَ النَّقْصَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ) وجُمْلَةُ ذلك،

стр. 6546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّ الوَكِيلَ ليس له أن يَبِيعَ بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، أو دُونِ ما قَدَّرَه له. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا أطْلَقَ الوَكالةَ في البَيعِ، فله البَيعُ بأيِّ ثَمَنٍ كان؛ لأنَّ لَفْظَه في الإِذْنِ مُطْلَقٌ، فيَجِبُ حَمْلُه على إطْلاقِه. ولَنا، أنَّه وَكِيل مُطْلَق في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فاقتَضَى ثَمَنَ المِثْلِ، كالشِّراءِ، فإنَّه قد وافَقَ عليه، وبه يَنْتَقِضُ دَلِيلُه. فإن باعَ بأقَلَّ

стр. 6547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن ثَمنِ المِثْلِ ممّا لا (١) يتَغَابَنُ النّاسُ بمِثْلِه أو بدُونِ ما قَدَّرَه له، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لم يُؤْذَنْ (٢) له في البَيعِ. وعن أحمدَ أنَّ (٣) البَيعَ صَحِيحٌ، ويَضْمَنُ الوَكِيلُ النَّقْصَ؛ لَأنَّ مَن صَحَّ بيعُه بثَمَنِ المِثْلِ، صَحَّ بدُونِه، كالمَرِيضِ. فعلى هذه الرِّوايَةِ، يكونُ على الوَكِيلِ ضَمانُ النَّقْصِ، وفي

стр. 6548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَدْرِه وَجْهان، أحَدُهما ما بينَ ثَمنِ المِثْلِ (١) وما باعَه به. والثاني، ما بينَ ما يَتَغابنُ النَّاسُ به (٢) وما لا يَتغابنونَ؛ لأنَّ ما يتغابنُ الناسُ به يَصِحُّ بَيعُه به ولا ضَمانَ عليه. والأوَّلُ أقْيَسُ؛ لأنَّه بَيغ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، أشْبَهَ بَيعَ الأجْنَبِيِّ. وكلُّ تَصَرُّفٍ كان الوَكِيلُ فيه مُخالِفًا لمُوَكِّلِه، فحُكْمُه فيه حُكْمُ تَصَرُّفِ الأجْنَبِيِّ، على ما ذُكِر (٣) في مَوْضِعِه. فأمّا ما يَتَغابَنُ النّاسُ به عادَةً، وهو دِرْهَمٌ في عَشَرَةٍ، فَمَعْفُو عنه إذا لم يكنِ المُوَكِّل قَدَّرَ الثَّمَنَ؛ لأنَّ ما يَتَغابَنُ النّاسُ به يُعَدُّ (٤) ثمَنَ المِثْلِ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. فصل: ولو حَضَر مَن يَزِيدُ على ثَمَنِ المِثْلِ، لم يَجُزْ أن يَبِيعَ بِثَمَن المِثْلِ؛ لأنَّ عليه الاحْتِياطَ وطَلَبَ الحَظِّ لمُوَكِّلِه. فإن باع بثَمَنِ

стр. 6549

وَإنْ بَاع بِأَكْثَرَ مِنْهُ، صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ جنْسِ الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، أوْ لَمْ تَكُنْ. ــ المِثْلِ، فحَضَرَ مَن يَزِيدُ في مُدَّةِ الخِيارِ، لم يَلْزَمْه فَسْخُ العَقْدِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ مَنْهِيٌّ عنها، فلا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إليها، ولأنَّ المُزايِدَ قد لا يَثْبُتُ على الزِّيادَةِ، فلا يَلْزَمُه الفَسْخُ بالشَّكِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه ذلك؛ لأنَّها زيِادَة أمْكَنَ تَحْصيلُها، أشْبَهَ ما قبلَ البَيعِ، والنَّهْيُ يتَوَجَّهُ إلى الذي زاد لا إلى الوَكِيلِ، فأشْبَهَ ما إذا زاد قبلَ البَيعِ بعدَ الاتفاقِ عليه. ٢٠٠٥ - مسألة: (وإن باع بأكْثَرَ) مِن ثَمَنِ المِثْلِ (صَحَّ، سَواءٌ كانتِ الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ الثَّمَنِ الذي أمَرَ به، أو لم تكنْ) إذا وَكَّلَه

стр. 6550

وَإنْ قَال: بِعْهُ بِدِرْهَمٍ. فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ، صَحَّ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ. ــ في بَيعِ شيءٍ بثَمَنٍ (١)، مُعَيَّنٍ، فباعَه بأكْثَرَ منه، صَحَّ، قَلَّتِ الزِّيادَةُ أو كَثُرَتْ. وكذلك إن أطْلَقَ، فباعَه بأكْثَرَ مِن ثَمَن المِثْلِ؛ لأنَّه باع بالمأذُونِ فيه وزاد زِيادَةً تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه، وسَواءٌ كانتِ الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ الثَّمَنِ المَأْمُورِ به أو مِن غيرِ جِنْسِه، كمَن أذِنَ في البَيعِ بمائةِ دِرْهَمٍ، فباعَه بمائةِ درْهَم ودِينارٍ أو ثَوْبٍ. وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَصِحُّ بَيعُه بمائةٍ وثَوْبٍ، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه مِن غيرِ جِنْسِ الأثْمانِ. ولنا، أنَّها زِيادَةٌ تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه، أشْبَهَ ما لو باعَه بمائةٍ ودينارٍ، ولأنَّ الإِذْنَ في بَيعِه بمائةٍ إذْنٌ في بَيعِه بزيادَةٍ عليها عُرْفًا؛ لأنَّ مَن رَضِيَ بمائةٍ لا يَكْرَهُ أن يُزادَ عليها ما يَنْفَعُه ولا يَضُرُّه، ويَصِيرُ كما لو وَكَّلَهُ في الشِّراءِ فاشْتَرَى بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ أو بدُونِ ما قَدَّرَ له. ٢٠٠٦ - مسألة: (وإن قال: بِعْه بدِرْهَمٍ. فباعَه بدِينارٍ، صَحَّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ) لأنَّه مَأذُون فيه عُرْفًا، فإن مَن رَضِيَ بدِرْهَم رَضِيَ مَكانَه دِينارًا، فجَرَى مَجْرَى بَيعِه بمائةِ دِرْهَم ودِينارٍ، على ما ذَكَرْنا في
следующие страницы →