← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

وَإِنْ كَذَّبَهُ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ. فَإِنْ دَفَعَهُ إِلَيهِ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْوَكَالةَ، حَلَفَ، وَرَجَعَ عَلَى الدَّافِعَ وَحْدَهُ. ــ ٢٠٣٥ - مسألة: (وإن كَذَّبَه، لم يُسْتَحْلَفْ) وقال أبو حنيفة: يُسْتَحْلَفُ. وهذا مَبْنِيٌّ على الخِلافِ في وُجُوبِ الدَّفْعِ مع التَّصْدِيقِ، فمَن أوْجَبَ عليه ثَمَّ، أوْجَبَ عليه اليَمِينَ (١) مع التَّكْذِيبِ، كسائِرِ الحُقُوقِ، ومَن لم يُوجبْ عليه الدَّفْعَ مع التَّصْدِيقِ، لم يُلْزِمْه اليَمِينَ مع التَّكْذِيبِ؛ لعَدَمِ فائِدَتِها. ٢٠٣٦ - مسألة: (فإن دَفَعَه إليه، فأنْكَرَ صاحِبُ الحَقِّ الوَكالةَ، وحَلَف، رَجَع على الدّافِعِ وَحْدَه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن عليه الحَقُّ إذا دَفَعَه إلى الوَكِيلِ مع التَّصْدِيقِ أو عَدَمِه، فحَضَرَ المُوَكِّلُ وصَدَّقَ الوَكِيلَ، بَرِئَ الدّافِعُ، وإن كَذَّبَه، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينهِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. فإذا حَلَف

стр. 6617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكان الحَقُّ دَينًا، لم يَرْجِعْ إلَّا على الدّافِعِ وَحْدَه؛ لأنَّ حَقَّه في ذِمَّتِه، ولم يَبْرأْ منه بتَسْلِيمِه إلى غيرِ وَكِيلِ صاحِبِ الحَقِّ، والذي أخَذَه الوَكِيلُ عَينُ مالِ الدّافِعِ في زَعْمِ صاحِبِ الحَقِّ، والوَكِيلُ والدّافِعُ يَزْعُمان أنَّه صار مِلْكًا لصاحِبِ الحَقِّ، وأنَّه ظالِمٌ للدّافِعِ بالأخْذِ منه، فيَرْجِعُ الدّافِعُ فيما أخَذَ منه الوَكِيلُ، ويكونُ قِصاصًا ممّا أخَذَ منه صاحِبُ الحَقِّ، وإن كان قد تَلِف في يَدِ الوَكِيلِ، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ؛ لأنَّه مُقِرٌّ بأنَّه أمِينٌ لا ضَمانَ عليه، إلَّا أن يَتْلَفَ بتَعَدِّيه وتَفْرِيطِه، فيَرْجِعَ عليه.

стр. 6618

وَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ وَدِيعَةً، فَوَجَدَهَا، أَخَذَهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ، فَلَهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَلَا يَرْجِعُ مَنْ ضَمِنَهُ عَلَى الْآخَرِ. ــ ٢٠٣٧ - مسألة: (وإن كان المَدْفُوعُ وَدِيعَةً، فوَجَدَها، أخَذَها، وإن تَلِفَت، فله تَضْمِينُ مَن شاء منهما، ولا يَرْجِعُ مَن ضَمِنَه على الآخَرِ) بشيءٍ إذا كان المَدْفُوعُ عَينًا فوَجَدَها صاحِبُها، أخَذَها، وله مُطالبَةُ مَن شاء برَدِّها؛ لأنَّ الدّافِعَ دَفَعها إلى غيرِ مُسْتَحِقِّها، والوَكِيلُ عَينُ مالِه في يَدِه. فإن طالبَ الدّافِعَ، فللدّافِعِ مُطالبَةُ الوَكِيلِ جها وأخْذُها مِن يَدِه؛ ليُسَلِّمَها إلى صاحِبِها. فإن تَلِفَتِ العَينُ أو تَعَذَّرَ رَدُّها، فلصاحِبِها الرُّجُوعُ ببَدَلِها على مَن شاء منهما؛ لأنَّ الدّافِعَ ضَمِنَها بالدَّفْعِ، والقابِضَ قَبَض ما لا يَسْتَحِقُّ قَبْضَه. وأيُّهما ضَمِنَه لم يَرْجِعْ على الآخَرِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَدَّعِي أنَّ ما يَأْخُذُه ظُلْمٌ، ويُقِرُّ بأنَّه لم يُوجَدْ (١) مِن صاحِبِه تَعَدٍّ، فلا يَرْجِعُ على صاحِبِه بظُلْمِ غيرِه، إلَّا أن يكونَ الدّافِعُ دَفَعَها إلى الوَكِيلِ مِن غيرِ تَصْدِيقٍ، فيَرْجِعُ على الوَكِيلِ؛ لكَوْنِه لم يُقِرَّ بوَكالتِه، ولم تَثْبُتْ ببَيِّنَةٍ. وإن ضَمِن الوَكِيلُ، لم يَرْجِعْ على الدّافِعِ وإن صَدَّقَه، لكنْ إن كان الوَكِيلُ تَعَدَّى فيها أو فَرَّطَ اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه. فإن ضَمِن لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن ضَمِن الدّافِعُ، رَجَع عليه؛ لأنَّه وإن كان يُقِرُّ بأَنَّه قَبَضَه قَبْضًا شَرْعِيًّا، لكن إنَّما لَزِمَه الضَّمانُ لتَفْرِيطِه وتَعَدِّيه، فالدّافِعُ يقولُ: ظَلَمَنِي المالِكُ بالرُّجُوعِ عَلَيَّ. وله على الوَكِيلِ حَقٌّ

стр. 6619

وَإِنْ كَانَ ادَّعَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحالهُ بِهِ، فَفِي وُجُوبِ الدَّفْعِ إِلَيهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينِ مَعَ الإِنْكَارِ وَجْهَانِ. ــ يَعْتَرِفُ به الوَكِيلُ، فيَرْجِعُ عليه به. ٢٠٣٨ - مسألة: (فإن كان ادَّعَى أنَّ صاحِبَ الحَقِّ أحاله، ففي وُجُوبِ الدَّفْعِ إليه مع التَّصْدِيقِ، واليَمِينِ مع الإِنْكارِ وَجْهان) أحَدُهما، لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه غيرُ مُبْرِئٍ؛ لاحْتِمالِ أن يُنْكِرَ المُحِيلُ الحَوالةَ ويُضَمِّنَه، فأشْبَهَ المُدَّعِيَ للوَكالةِ. والثانِي، يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ أنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ إليه، أشْبَهَ الوارِثَ. والأوَّلُ أشْبَهُ؛ لأنَّ العِلَّةَ في جَوازِ مَنْعِ الوَكِيلِ كَوْنُ الدَّفْع (١) لا يُبْرِئُ، وهي مَوْجُودَةٌ ههُنا، والعِلَّةُ في وُجُوبِ الدَّفْعِ إلى الوارِثِ كَوْنُه مُسْتَحِقًّا، والدَّفْعُ إليه يُبْرِئُ، وهو مُتَخَلِّفٌ (٢) ههُنا، فإلحاقه بالوَكِيلِ أوْلَى. فإن قُلْنا: يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع الإِقْرارِ. لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الإِنْكارِ. وإن قلنا: لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع التَّصْدِيقِ. لم تَلْزَمْه اليمِينُ مع الإِنْكارِ؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيها. ومثلُ هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.

стр. 6620

وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَاتَ، وَأَنَّهُ وَارِثُهُ، لَزِمَهُ الدَّفْعُ إِلَيهِ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَالْيَمِينُ مَعَ الإِنْكَارِ. ــ ٢٠٣٩ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى أنَّه مات، وأنا وارِثُه) فصَدَّقَه أنَّه

стр. 6621

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وارِثُ الحَقِّ لا وارِثَ له سِواه (لَزِمَه الدَّفْعُ إليه) بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه مُقِرٌّ له بالحَقِّ، وأنَّه يَبْرَأُ بهذا الدَّفْعِ، فلَزِمَه, كما لو جاء صاحِبُ الحَقِّ. وإن أنْكَرَ، لَزِمَتْه اليَمِينُ أنَّهُ لا يَعْلَمُ صِحَّةَ ما قال؛ لأنَّ اليَمِينَ ههُنا على نَفْي فِعْلِ الغيرِ، فكانت على نَفْي العِلْمِ، وإنَّما لَزِمَتْه اليَمِينُ ههُنا؛ لأنَّ مَن لَزِمَه الدَّفْعُ مع الإِقْرارِ، لَزِ مَتْه اليَمِينُ مع الإِنْكارِ كسائِرِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ. فصل: ومَن طُلِب منه حَقٌّ فامْتَنَعَ مِن دَفعِه حتى يَشْهَدَ القابِضُ على نَفْسِه بالقَبْضِ، وكان الحَقُّ عليه بغيرِ بَيِّنَةٍ، لم يَلْزَمِ القابِضَ الإِشْهادُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في ذلك، فإنَّه متى ادَّعَى الحَقَّ على الدّافِعِ بعدَ ذلك قال: لا يُسْتَحَقُّ عَلَيَّ شيءٌ. والقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه. وإن كان الحَقُّ ثَبَت ببَيِّنةٍ، وكان مَن عليه الحَقُّ يُقْبَلُ قَوْلُه في الرَّدِّ، كالمُودَعِ والوكِيلِ بلا جُعْلٍ، فكذلك؛ لأنَّه متى ادُّعِيَ عليه حَقٌّ، أو قامَتْ به بَيِّنَةٌ، فالقولُ في الرَّدِّ قَوْلُه. وإن كان ممَّن لا يُقْبَلُ قَوْلُه في الرَّدِّ، أو يُخْتَلَفُ في قَبُولِ قَوْلِه، كالغاصِبِ والمُسْتَعيرِ والمُرْتَهِنِ، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُ ما قَبِلَه إلَّا بالإِشْهادِ؛ لئَلَّا يُنْكِرَ القابضُ القَبْضَ. ولا يُقْبَلُ قولُ الدّافِعِ في الرَّدِّ. وإن أنْكَرَ، قامت عليه البَيِّنَةُ. ومتى أشْهَدَ القابِضُ على نَفْسِه بالقَبْضِ، لم يَلْزَمْه تَسْلِيمُ الوَثِيقَةِ بالحَقِّ إلى مَن عليه الحَقُّ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ القَبْضِ تُسْقِطُ البَيِّنَةَ الأُولَى، والكِتابُ مِلْكُه، فلا يَلْزَمُه تَسْلِيمُه إلى غيرِه.

стр. 6622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل في الشَّهادَةِ على الوَكالةِ: إذا شَهِد بالوَكالةِ شاهِدٌ (١) وامْرَأتان، أو شاهِدٌ وحَلَف معه، فقال أصحابُنا: فيها رِوايَتان؛ إحْداهُما، تَثْبُتُ بذلك، إذا كانتِ الوَكَالةُ في المالِ. قال أحمدُ، في الرجلِ يُوَكِّلُ وَكِيلًا، ويُشْهِدُ على نَفْسِه رجلًا وامْرَأتَين: إذا كانتِ المُطالبَةُ بدَينٍ، فأمّا غيرُ ذلك فلا. والثانيةُ، لا تَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَين عَدْلَين. نَقَلَها الخِرَقِيُّ في قَوْلِه: ولا يُقْبَلُ فيما سِوَى الأمْوالِ (٢) ممّا يَطَّلِع عليه الرِّجالُ أقَلُّ مِن رَجُلَين. وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَكالةَ إثْباتٌ للتَّصَرُّفِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ قولُ الخِرَقِيِّ كالرِّوايَةِ الأُولَى؛ لأنَّ الوَكالةَ في المالِ يُقْصَدُ بها المالُ، فتُقْبَلُ شَهادَةُ النِّساءِ مع الرِّجالِ، كالبَيعِ والقَرْضِ. فإن شَهِدا بوَكالةٍ، ثم قال أحَدُهما: قد عَزَلَه. لم تَثْبُتْ وَكالتُه بذلك. وإن كان الشّاهِدُ بالعَزْلِ أجْنَبِيًّا، لم يَثْبُتِ العَزْلُ بشَهادَتِه وَحْدَه؛ لأنَّ العَزْلَ لا يَثْبُتُ إلَّا بما يَثْبُتُ به التَّوْكِيلُ. ومتى عاد أحَدُ الشّاهِدَين بالتَّوْكِيلِ، فقال: قد عَزَلَه. لم يُحْكَمْ بشَهادَتِهما؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن الشَّهادَةِ قبلَ الحُكْمِ بها، فلا يَجُوزُ للحاكِمِ الحُكْمُ بما رَجَع عنه الشّاهِدُ. وإن كان حُكْمُ الحاكِمِ بشَهادَتِهما، ثم قال أحَدُهما: قد عَزَلَه بعدَ ما وَكَّلَه. لم يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِه؛ لأنَّ الحُكْم (٣) قد نَفَذ بالشَّهادَةِ، ولم يَثْبُتِ العَزْلُ. فإن قالا جَمِيعًا: كان

стр. 6623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قد عَزَلَه. ثَبَت العَزْلُ؛ لأنَّ الشَّهادَةَ تَمَّتْ (١) في العَزْلِ، كتَمامِها في التَوْكِيلَ. فصل: فإن شَهِد أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه يومَ الجُمُعَةِ، وشَهِدآخَرُ أنَّه وَكَّلَهُ يومَ السَّبْتِ، لم تَتِمَّ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ يومَ الجُمُعَةِ غيرُ التَّوْكِيلِ يومَ السَّبْتِ، فلم تَكْمُلْ شَهادَتُهما على فِعْلٍ واحِدٍ. وإن شَهِد أحَدُهما أنَّه أقَرَّ بتَوْكِيلِه يومَ الجُمُعَةِ، وشَهِدآخَرُ أنَّه أقَرَّ به يومَ السَّبْتِ، تَمَّتِ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ الإِقْرارَين إخْبارٌ عن عَقْدٍ واحِدٍ، ويَشُقُّ جَمْعُ الشُّهُودِ ليُقِرَّ عندَهم حالةً واحِدةً، فجَوَّزَ له الإِقْرارَ عندَ كلِّ واحِدٍ وَحْدَه. وكذلك لو شَهِد أحَدُهما أنَّه أقَرَّ عندَه بالوَكالةِ بالعَجَميَّةِ، وشَهِد آخَرُ أنَّه أقَرَّ بها بالعَرَبِيَّةِ، ثَبَتَتْ. ولو شَهِد أحَدُهما أنه وَكَّلَه بالعَرَبِيةِ وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه بالعَجَمِيَّةِ، لم تَكْمُلِ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ بالعَرَبِيَّةِ غيرُ التَّوْكِيلِ بالعَجَمِيَّةِ، فلم تَكْمُلِ الشَّهادَةُ على فِعْلٍ واحَدٍ. وكذلك لو شَهِد أحَدُهما أنَّه قال: وَكَّلْتُك. وشَهِد الآخَرُ أنَّه قال: أذِنْتُ لك في التَّصَرُّفِ. أو أنَّه قال: جَعَلْتُك وَكِيلًا. أو شَهِد أنَّه قال: جَعَلْتُك جَرِيًّا. لم تَتِمَّ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ اللَّفْظَ مُخْتَلِفٌ. والجَرِيُّ؛ الوَكِيلُ. ولو قال أحَدُهما: أشْهَدُ أنَّه وَكَّلَه. وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أذِنَ له في التَّصَرُّفِ. تَمَّتِ الشَّهادَةُ؛ لأنَّهما لم يَحْكِيا لَفْظَ المُوَكِّلِ، وإنَّما عَبَّرا عنه بلَفْظِهما، واخْتِلافُ لَفْظِهما لا يُؤَثِّرُ إذا اتَّفَقَ مَعْناه. ولو قال أحَدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ

стр. 6624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عندِي أنَّه وَكِيلُه (١). وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عندِي أنَّه جَرِيُّه. أو: أنَّه وَصَّى إليه بالتَّصَرُّفِ في حَياتِه. ثَبَتَتِ الوَكالةُ بذلك. ولو شَهِد أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه في بَيعِ عَبْدِه، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه وزيدًا، أو شَهِد أنَّه وَكَّلَه في بَيعِه، وقال: لا تَبِعْه حتى تَسْتَأْمِرَنِي، أو تَسْتَأْمِرَ فُلانًا. لم تَتِمَّ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ الأوَّلَ أثْبَتَ اسْتِقْلاله (٢) بالبَيعِ مِن غيرِ شَرْطٍ، والثاني يَنْفِي ذلك، فكانا مُخْتَلِفَين. وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه في بَيعِ عبدِه، وشَهِد الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه في بَيعِ عبدِه وجارِيَتِه، حُكِمَ بالوَكالةِ في العَبْدِ؛ لاتِّفاقِهما عليه، وزِيادَةُ الثاني لا تَقْدَحُ في تَصَرُّفِه في الأوَّلِ، فلا تَضُرُّ. وهكذا لو شَهِد أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه في بَيعِه لزيدٍ، وشَهِد الآخَرُ أنَّه وَكَّلَه في بَيعِه لزيدٍ وإن شاء لعمرٍو. فصل: ولا تَثْبُتُ الوَكالةُ والعَزْلُ بخَبَرِ الواحِدِ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: تَثْبُتُ الوَكالةُ (٣) يخَبَرِ الواحِدِ، وإن لم يكنْ ثِقَةً. ويَجُوزُ التَّصَرُّفُ للمُخْبَرِ (٤) بذلك، إذا غَلَب على ظَنِّه صِدْقُ المُخْبِرِ، بشَرْطِ الضَّمانِ إن أنْكَرَ المُوَكِّلُ، ويَثْبُتُ العَزْلُ بخَبَرِ الواحِدِ إذا كان رسولًا؛ لأنَّ اعْتِبارَ شاهِدَين عَدْلَين في هذا يَشُقُّ، فسَقَطَ اعْتبارُه، ولأنَّه

стр. 6625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذْنٌ في التَّصَرُّفِ ومَنْعٌ منه، فلم تُعْتَبَرْ فيه شُرُوطُ الشَهادَةِ، كاسْتِخدامِ غُلامِه. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ مالِيٌّ، فلا يَثْبُتُ بخَبَرِ الواحِدِ، كالبَيعِ، وفارَق الاسْتِخْدامَ؛ فإنَّه ليس بعَقْدٍ. ولو شَهِد اثْنان أنَّ فُلانًا الغائِبَ وَكَّلَ فُلانًا الحاضِرَ، فقال الوَكِيلُ: ما عَلِمْتُ هذا، وأنا أتَصَرَّفُ عنه. ثَبَتَتِ الوَكالةُ؛ لأنَّ مَعْنَى ذلك أنِّي لم أعْلَمْ إلى الآنَ، وقَبُولُ الوَكالةِ يَجُوزُ مُتَراخِيًا، وليس مِن شَرْطِ التَّوكِيلِ حُضورُ الوَكِيلِ ولا عِلْمُه، فلا يَضُرُّ جَهْلُه به. وإن قال: ما أعْلَمُ صِدْقَ الشّاهِدَين. لم تَثْبُتْ وَكالتُه؛ لقَدْحِه في شَهادَتِهما. وإن قال: ما عَلِمْتُ. وسَكَتَ، قِيلَ له: فسِّرْ. فإن فَسَّرَ بالأوَّلِ، ثَبَتَتْ وَكالتُه، وإن فَسَّرَ بالثانِي، لم تَثْبُت. فصل: ويَصِحُّ سَماعُ البَيِّنَةِ بالوَكَالةِ على الغائِبِ، وهو أن يَدَّعِيَ أنَّ فُلانًا الغائِبَ وَكَّلَنِي في كذا. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ. بناءً على أنَّ الحُكْمَ على الغائِبِ لا يَصِحُّ. ولَنا، أنَّه لا يُعْتَبرُ رِضاه في سَماعِ البَيِّنَةِ، فلا يُعْتَبَرُ حُضُورُه، كغيرِه. وإذا قال له مَن عليه الحَقُّ: احْلِفْ أنَّك تَسْتَحِقُّ مُطالبَتِي. لم يُسْمَع؛ لأنَّ ذلك طَعْنٌ في الشَّهادَةِ. وإن قال: قد عَزَلَك المُوَكِّلُ، فاحْلِفْ أنَّه ما عَزَلك. لم يُسْتَحْلَفْ؛ لأنَّ الدَّعْوَى على المُوَكِّلِ، واليَمِينُ لا تَدْخُلُها النِّيابَةُ. وإن قال: أنت تَعْلَمُ أنَّ مُوَكِّلَك قد عَزَلَك. سُمِعَتْ دَعْواه. فإن طَلَبَ (١) اليَمِينَ مِن الوكيلِ (٢)، حَلَف على نَفْي العِلْمِ؛ لأنَّ الدَّعْوَى

стр. 6626

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه، وإن أقام الخَصْمُ بَيِّنةً بالعَزْلِ، سُمِعَتْ، وانْعَزَلَ الوَكِيلُ. فصل: وتُقْبَلُ شَهادَةُ الوَكِيلِ على مُوَكِّلِه؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ؛ لأنَّه لا يَجُرُّ بها نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ بها ضَرَرًا. وتُقْبَلُ شَهادَتُه له فيما لم يُوَكِّلْه فيه؛ لكَوْنِه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا. ولا تُقْبَلُ شَهادَتُه له فيما هو وَكِيل (١) فيه؛ لأنَّه يُثْبِتُ لنَفْسِه حَقًّا، بدَلِيلِ أنَّه إذا (٢) وَكَّلَه في قَبضِ حَقٍّ، فشَهِدَ به، ثَبَت له اسْتِحْقاقُ قَبْضِه، ولأنَّه خَصْمٌ فيه، بدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُ المُخاصَمَةَ فيه. فإن شَهِد بما كان وَكِيلًا فيه بعدَ عَزْلِه، لم تُقْبَلْ أيضًا، سَواءٌ كان خاصَمَ فيه بالوَكالةِ أو لم يُخاصِمْ. وبهذا قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان لم يُخاصِمْ فيه، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، [ولم] (٣) يخاصِمْ فيه، فأشْبَهَ ما لو (٤) لم يَكُنْ وَكِيلًا فيه. وللشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين. ولَنا، أنَّه بعَقْدِ الوَكالةِ صار خَصْمًا فيه، فلم تُقْبَلْ شَهادَتُه فيه، كما لو خاصَمَ فيه، وفارَقَ ما لم يَكُنْ وَكِيلًا فيه؛ فإنَّه لم يَكُنْ خَصْمًا فيه. فصل: إذا كانتِ الأمَةُ بينَ نَفْسَين، فشَهِدَا (٥) أنَّ زَوْجَها وَكَّلَ في طَلاقِها، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما، لأنَّهما يَجُرّانِ إلى أنْفُسِهما نَفْعًا، وهو زَوالُ

стр. 6627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَقِّ الزَّوْجِ مِن البُضْعِ الذي هو مِلْكُهما. وإن شَهِدا بعَزْلِ الوَكِيلِ في الطَّلاقِ، لم تُقْبَلْ (١)؛ لأنَّهما يَجُرّان إلى أنْفُسِهما نَفْعًا، وهو إبْقاءُ النَّفَقَةِ على الزَّوْجِ. ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ ابْنَي الرجلِ له بالوَكالةِ، ولا أبوَيه؛ لأنَّهما يُثْبِتان له حَقَّ التَّصَرُّفِ. ولا يَثْبُتُ للإِنْسانِ حَقٌّ بشَهادَةِ ابْنِه ولا أبِيه، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ ابْنَي المُوَكِّلِ ولا أبَوَيه بالوَكَالةِ. وقال بعضُ الشافعيَّةِ: تُقْبَلُ، لأنَّ هذا حَقٌّ على المُوَكِّلِ يَسْتَحِقُّ به الوَكِيلُ المُطالبَةَ، فقُبِلَتْ فيه شَهادَةُ قَرابَةِ المُوَكِّلِ، كالإِقْرارِ. ولَنا، أنَّ هذه شَهادَةٌ يَثْبُتُ بها حَقٌّ لأبيه أو ابْنِه، فلم تُقْبَلْ، كشهادَةِ ابْنَي الوَكِيلِ وأبوَيه، ولأنَّهما يُثْبِتانِ لأبِيهما نائِبًا مُتَصَرِّفًا له، وفارَق الشَّهادَةَ عليه بالإِقْرارِ، فإنَّها شَهادَةٌ عليه مُتَمَحِّضَةٌ. ولو ادَّعَى الوَكِيلُ الوَكالةَ، فأنْكَرَها المُوَكِّلُ، فشَهِدَ عليه ابْناه أو أربواه، ثَبَتَتِ الوَكالةُ، وأُمْضِيَ تَصَرُّفُه؛ لأنَّ ذلك شَهادَةٌ عليه. ولو ادَّعَى المُوَكِّلُ أنَّه تَصَرَّفَ بوَكالتِه، وأنْكَرَ الوَكِيلُ، فشَهِدَ عليه أبَواه أو ابْناه، قُبِل أيضًا؛ لذلك (٢). وإنِ ادَّعَى وَكِيلٌ لمُوَكِّلِه الغائِبِ حَقًّا، وطالبَ به، فادَّعَى الخَصْمُ أنَّ المُوَكِّلَ عَزَلَه، وشَهِد له بذلك ابْنا المُوَكِّلِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وثَبَت العَزْلُ بها؛ لأنَّهما يَشْهَدان على أبيهما. وإن لم يَدَّعِ الخَصْمُ عَزْلَه، لم تُسْمَعْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما يَشْهَدان لمَن لا يَدَّعِيها. فإن قَبَض الوَكِيلُ، فحَضَرَ المُوَكِّلُ وادَّعَى أنَّه

стр. 6628

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان قد عَزَل الوَكِيلَ، وأنَّ حَقَّه باقٍ في ذمَّةِ. الغَرِيمِ، وشَهِد له ابْناه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما يُثْبِتان حَقًّا لأبيهَما. ولو ادَّعَى مُكاتَبٌ الوَكالةَ، فشَهِدَ له سَيِّدُه، أو ابْنا سَيِّدِه، أو أبَواه، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّ السَّيِّدَ يَشْهَدُ لعَبْدِه، وابْناه يَشْهَدان لعَبْدِ أبيهما، والأبَوان يَشهَدان لعَبْدِ ابْنِهما. وإن عَتَق، فأعاد الشَّهادَةَ، فهل تُقْبَلُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين. فصل: إذا حَضَر رَجُلانِ عندَ الحاكِمِ، فأقَرَّ أحَدُهما أنَّ الآخَرَ وَكِيلُه، ثم غاب المُوَكِّلُ، وحَضَر الوَكِيلُ، فقَدَّمَ خَصْمًا لمُوَكِّلِه، وقال: أنا وَكِيلُ فُلانٍ. فأنْكَرَ الخَصْمُ كَوْنَه وَكِيلًا، فإن قُلْنا: لا يَحْكُم الحاكِمُ بعِلْمِه. لم تُسْمَعْ دَعْواه حتى تَقومَ البَيِّنَةُ بوَكالتِه. وإن قُلْنا: يَحْكُمُ بعِلْمِه. وكان الحاكِمُ يَعْرفُ المُوَكِّلَ بعَينِه واسْمِه ونَسَبِه، صَدَّقَه ومَكَّنَه مِن التَّصَرُّفِ؛ لأنَّ مَعْرِفَتَه كالبَيِّنَةَ. وإن عَرَفَه بعَينِه دُونَ اسْمِه ونَسَبِه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه حتى تَقُومَ البَيِّنَةَ عندَه بالوَكالةِ؛ لأنَّه يُرِيدُ تَثْبِيتَ نَسَبِه عندَه (١) بقَوْلِه، فلم يُقْبَلْ. فصل: ولو حَضَر عندَ الحاكِمِ رجلٌ، فادَّعَى أنَّه وَكِيلُ فُلانٍ الغائِبِ، في شيءٍ عَيَّنَه، وأحْضَرَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ له بالوَكَالةِ، سَمِعَها الحاكِمُ. ولو ادَّعَى حَقًّا لموَكِّلِه قبلَ ثُبُوتِ وَكالتِه، لم يَسْمَعِ الحاكِمُ دَعْواه. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْمَعُها، إلَّا أن يُقَدِّمَ خَصْمًا مِن خُصَماءِ المُوَكِّلِ، فيَدَّعِيَ عليه حَقًّا، فإذا أجابَ المُدَّعَى عليه، حِينَئِذٍ يَسْمَعُ

стр. 6629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحاكِمُ البَيِّنَةَ، فحَصَلَ الخِلافُ بينَنا في حُكْمَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ الحاكِمَ يَسْمَعُ البَيِّنةَ على الوَكَالةِ مِن غيرِ حُضُورِ خَصْمٍ، وعندَه لا يَسْمَعُ. والثاني، أنَّه لا يَسْمَعُ دَعْواه لمُوَكِّلِه قبلَ ثُبُوتِ وَكالتِه، وعندَه يَسْمَعُ. وبَنَى أبو حنيفةَ على أصْلِه في أنَّ (١) القَضاءَ على الغائِبِ لا يَجُوزُ، وسَماعَ البَيِّنَةِ بالوَكالةِ مِن غيرِ خَصْمٍ (٢) قَضاءٌ على الغائِبِ، وأنَّ الوَكالةَ لا تَلْزَمُ الخَصْمَ ما لم يُجِبِ الوَكِيلُ عن دَعْوَى الخَصْمِ أنَّك لست بوَكِيلٍ. ولَنا، أنَّه إثْباتٌ للوَكالةِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى حُضُورِ المُوَكَّلِ عليه, كما لو كان المُوَكَّلُ (٣) عليه جَماعةً، فأحْضَرَ واحِدًا منهم، فإنَّ الباقِين لا يُفْتَقَرُ إلى حُضُورِهم، كذلك ههُنا. والدَّلِيلُ على أنَّ الدَّعْوَى لا تُسْمَعُ قبلَ ثُبُوتِ الوَكالةِ، أنَّها لا تُسْمَعُ إلَّا مِن خَصْمٍ يُخاصِمُ عن نَفْسِه, أو عن مُوَكِّلِه، وهذا لا يُخاصِمُ عن نفْسِه، ولم يَثْبُتْ أنَّه وَكِيلٌ (٤) لمَن يَدَّعِي له، فلا تُسْمَعُ دَعْواه, كما لو ادَّعَى لمَن لم يَدَّعِ وَكَالتَه. وفي هذا الأصْلِ جَوابٌ عمّا ذَكَرَه. فصل: ولو حَضَر رجلٌ، وادَّعَى على غائِبٍ مالًا في وَجْهِ وَكِيله، فأنْكَرَه، فأقام بَيِّنَةً بما ادَّعاه، حَلَّفَه الحاكِمُ، وحَكَم له بالمالِ. فإذا حَضَر

стр. 6630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُوَكِّلُ وجَحَد الوَكالةَ، أو ادَّعَى أنَّه كان قد عَزَلَه، لم يُؤَثِّرْ ذلك في الحُكْمِ؛ لأنَّ القَضاءَ على الغائِبِ لا يَفْتَقِرُ إلى حُضُورِ وَكِيلِه.

стр. 6631

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة

стр. 6632

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

стр. 6633

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الشَّركَةِ ــ بابُ الشَّركَةِ الشَّرِكَةُ: هي الاجْتِماعُ في اسْتِحْقاقٍ أو تَصَرُّفٍ. وهي ثابِتَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ فقَوْلُه : ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) الآية. والْخُلَطاءُ هم الشُّرَكاءُ. ومِن السُّنَّةِ ما رُوِيَ أنَّ البَراءَ بنَ عازِبٍ وزَيدَ بنَ أَرْقَمَ كانا شَرِيكَين، فاشْتَرَيا فِضَّةً بنَقْدٍ ونسِيئَةٍ، فبَلَغِ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ ، فأمَرَهما أنَّ ما كان بنَقْدٍ فأجِيزُوه، وما كان نَسِيئةً فَرُدُّوه (٣). ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يَقُولُ اللهُ :

стр. 6634

وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، شَرِكَةُ الْعِنَانِ، ــ أنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ أحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَينِهِمَا». رَواه أبو داودَ (١). ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يَدُ اللهِ عَلَى الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا» (٢). وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جَوازِ الشَّرِكَةِ في الجُمْلَةِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أنْواعٍ منها نُبَيِّنُها إن شاء اللهُ تعالى. والشَّرِكَةُ نَوْعانِ؛ شَرِكَةُ أمْلاكٍ، وشَرِكَةُ عُقُودٍ. وهذا البابُ لشَرِكَةِ العُقُودِ. ٢٠٤٠ - مسألة: (وهي على خَمْسَمةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، شَرِكَةُ

стр. 6635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العِنانِ) والثَّانِي، شَرِكَةُ (١) المُضارَبَةِ، وشَرِكَةُ الوُجُوهِ، وشَرِكَةُ الأبدانِ، وشَرِكَةُ المُفاوَضَةِ. ولا يَصِحُّ شيءٌ منها إلّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على التَّصَرُّفِ [في المالِ] (٢)، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ جائِزِ التَّصَرُّفِ في المالِ، كالبَيعَ. فصل: قال أحمدُ: يُشارِكُ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ، ولكِنْ لا يَخْلُو اليَهُودِيُّ والنَّصْرانيُّ بالمالِ دُونَه، ويَكُونُ هو الذي يَلِيه؛ لأنَّه يَعْمَلُ بالرِّبا. وبهذا قال الحَسَنُ، والثَّوْرِيُّ. وكَرِهَ الشافعيُّ مُشارَكَتَهم مُطْلَقًا؛ لأنَّه رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ أنَّه قال: أكْرَهُ أن يُشارِكَ المُسْلِمُ اليَهُودِيَّ. ولا يُعْرَفُ له مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، ولأنَّ مال اليَهُودِيِّ وانَّصْرانِيِّ ليس بطَيِّبٍ، فإنَّهم يَبِيعُون الخَمْرَ، ويَتَعامَلُون بالرِّبا، فكُرِهَتْ مُعامَلَتُهم.

стр. 6636

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولَنا، ما روَى الخَلَّالُ (١) بإسْنادِه، عن عَطاءٍ قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عنَ مُشارَكَةِ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ، إلَّا أن يَكُونَ الشِّراءُ والبَيعُ بيَدِ المُسْلِمِ. ولأنَّ العِلةَ في كَراهَةِ ما خَلَوْا به مُعامَلَتُهم بالرِّبا، وبَيعُ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وهذا مُنْتَفٍ فيما حَضَرَه المُسْلِمُ أو وَلِيَه. وقولُ ابنِ عباسٍ مَحْمُولٌ على هذا، فإنَّه عَلَّلَ بكَوْنِهم يُرْبُون. كذلك رَواه الأثْرَمُ (٢) عن أبي حَمْزَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنه قال: لا تُشارِكَنَّ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولا مَجُوسِيًّا؛ لأنَّهم يُرْبُون، وإنَّ الرِّبا لا يَحِلُّ. وهو قولُ واحدٍ مِن الصَّحابَةِ لم يَنْتَشِرْ بينَهم، وهم لا يَحْتَجُّون به. وقَوْلُهم: إنَّ أمْوالهم غيرُ طَيِّبَةٍ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قد عامَلَهم، ورَهَن دِرْعَه عندَ يَهُودِيٍّ على شَعِيرٍ أخَذَه لأَهْلِه (٣)، وأرْسَلَ إلى آخَرَ يَطْلُبُ منه ثَوْبَين إلى المَيسَرَةِ (٤)، وأَضافَه يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وإهَالةٍ سَنِخَةٍ (٥). ولا يَأْكُلُ النبيُّ ﷺ إلَّا الطَّيِّبَ. وما باعُوه مِن الخَمْرِ والخِنْزِيرِ قبلَ مُشارَكَةِ المُسْلِمِ، فثَمَنُه حَلالٌ؛ لاعْتِقادِهم حِلَّه؛ ولهذا قال عُمَرُ، ﵁: وَلُّوهُمْ

стр. 6637

وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ بِمَاليهِمَا لِيَعْمَلَا فِيهِ ببَدَنَيهِمَا، وَرِبْحُهُ لَهُمَا، فَيَنْفُذَ تَصَرُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ في نَصِيبهِ، وَالْوَكَالةِ في نَصِيبِ شَرِيكِهِ. ــ بَيعَها وخُذُوا أَثْمانَها (١). فأمّا ما يَشْتَرِيه أو يَبِيعُه مِن الخَمْرِ بمالِ الشَّرِكَةِ أو المُضارَبَةِ فإنّه يَقَعُ فاسِدًا، و (٢) عليه الضَّمانُ؛ لأنَّ عَقْدَ الوَكِيلِ يَقَعُ للمُوَكِّلِ، والمُسْلِمُ لا يَثْبُتُ مِلْكُه على الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فأشبَهَ شِراءَ المَيتَةِ والمُعامَلَةَ بالرِّبا. وما خَفِي أمْرُه ولم يُعْلَمْ، فهو مُباحٌ بالأصْلِ. فأمّا المَجُوسِيُّ، فإنَّ أحمدَ كَرِهَ مُشارَكَتَه ومُعامَلَتَه؛ لأنَّه يَسْتَحِلُّ ما لا يَسْتَحِلُّ هذا. قال حَنْبَلٌ: قال عَمِّي: لا يُشارِكُه ولا يُضارِبُه. وهذا، واللهُ أَعْلَمُ، على سَبيلِ الاسْتِحْبابِ لتَرْكِ مُعامَلَتِه، والكَراهَةِ لمُشارَكَتِه. فإن فَعَل، صَحَّ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه صَحِيحٌ. فصل: وشَرِكَةُ العِنانِ (أن يَشْتَرِكَ اثْنان بماليهما ليَعْمَلا فيه ببَدَنَيهما، ورِبْحُه لهما، فيَنْفُذَ تَصَرُّفُ كلِّ واحدٍ منهما فيهما بحُكْمِ المِلْكِ في نَصِيبِه، والوَكالةِ في نَصِيبِ شَرِيكِه) وهي جائِزَةٌ بالإِجْماعِ. ذَكَرَه ابنُ المُنْذِرِ. وإنَّما اخْتُلِفَ في بعضِ شُرُوطِها، واخْتُلِفَ في عِلَّةِ تَسْمِيَتِها بهذا الاسْمِ، فقِيلَ: سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّهما يَتَساوَيان في المالِ والتَّصَرُّفِ،

стр. 6638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالفارِسَيْن إذا سَوَّيا بينَ فَرَسَيهما وتساوَيا في السَّيرِ، فإنَّ عِنانَيهما يَكُونان سَواءً. وقال الفَرّاءُ: هي مُشْتَقَّةٌ مِن عَنَّ الشيءُ، إذا عَرَض، يُقالُ: عَنَّتْ [لي حاجَةٌ] (١). إذا عَرَضَتْ، فسُمِّيَتِ الشَّرِكَةُ بذالك؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما عَنَّ له أن يُشارِكَ صاحِبه. وقيل: هي مُشْتَقَّة مِن المُعانَنَةِ، وهي المُعارَضَةُ، يُقالُ: عانَنْتُ فُلانًا. إذا عارَضْتُه بمثْلِ مالِه وأفْعالِه، فكلُّ واحدٍ مِن الشَّرِيكَين مُعارِضٌ لصاحِبِه بمالِه وأفْعالِه. وهذا يَرْجِعُ إلى قولِ الفَرّاءِ.

стр. 6639

وَلَا تَصِحُّ إلا بِشَرْطَينِ؛ أَحَدُهُمَا، أنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ ــ ٢٠٤١ - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا بِشَرطَين؛ أحَدُهما، أن يَكُونَ رَأْسُ المالِ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ) ولا خِلَاف في أنَّه يَجُوزُ أن يُجْعَلَ رأْسُ المالِ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ إذا كانَت غيرَ مَغْشُوشَةٍ؛ لأنَّهما قِيَمُ الأمْوالِ (١) وأثْمانُ البِياعاتِ، والنّاسُ يَشْتَرِكُون فيها مِن لَدُنِ النبيِّ ﷺ إلى زَمَنِنا هذا مِن غيرِ نَكِيرٍ. فصل: ولا تَصِحُّ بالعُرُوضِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ، وحَرْبٍ. وحَكاه عنه ابنُ المُنْذِرِ. وكَرِه ذلك يحيى ابنُ أبِي كَثِيرٍ، وابنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ إمَّا أن تَقَعَ على أعْيانِ العُرُوضِ أو قِيمَتِها أو أثْمانِها، لا يَجُوزُ وُقُوعُها على أعْيانِها؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ تَقتَضِي

стр. 6640

أوْ دَنَانِيرَ. وَعَنْهُ، تَصِحُّ بِالْعُرُوض، وَيُجْعَلُ رَأسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْعَقْدِ. ــ الرُّجُوعَ عندَ المُفاضَلَةِ برَأسِ المالِ أو بمِثْلِه، وهذه لا مِثْلَ لها فيُرْجَعُ إليه (١)، وقد تَزِيدُ قِيمَةُ جِنْسِ أحَدِهما دُونَ الآخرِ، فيَسْتَوْعِبُ بذلك. جَمِيعَ الرِّبْحِ أو جَمِيعَ المالِ، وقد تَنْقُصُ قِيمَتُه (٢)، فيُؤدِّي إلى أن يُشارِكَه الآخرُ (٣) في ثَمَنِ مِلْكِه الذي ليس برِبْحٍ، ولا على قِيمَتِها؛ لأنَّ القِيمةَ غيرُ مُتَحَقِّقَةِ القَدْرِ، فيُفْضِي إلى التَّنازُعِ، وقد يُقَوَّمُ الشيءُ بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه، ولأنَّ القِيمَةَ قد تَزِيدُ في أحَدِهما قبلَ بَيعِه، فيُشارِكُه الآخَرُ في العَينِ المَمْلُوكَةِ له، ولا يَجُوزُ وُقُوعُها على أثْمانِها؛ لأنَّها مَعْدُومَةٌ حال العَقْدِ، ولا يَمْلِكانِها؛ لأنَّه إن أرادَ ثَمَنَها الذي اشْتَراها به، فقد خَرَج عن مِلْكِه وصار للبائِعِ، وإن أرادَ ثَمَنَها الذي يَبِيعُها به، فإنَّها تَصِيرُ شَرِكَةً مُعَلَّقةً على شَرْطٍ، وهو بَيعُ الأعْيانِ، وهذا لا يَجُوزُ. وفيه رِوايَةٌ أُخرى، أنَّ الشَّرِكَةَ والمُضارَبَةَ تجُوزُ بالعُرُوضِ (ويُجْعَلُ رأسُ المالِ قِيمَتَها وَقْتَ العَقْدِ) (٤). قال أحمدُ: إذا اشْتَرَكا في العُرُوضِ، يُقَسَّمُ الرِّبْحُ على

стр. 6641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما اشْتَرَطا. وقال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسألُ عن المُضارَبَةِ بالمَتاعِ، فقال: جائِزٌ. فظاهِرُ هذا صِحَّةُ الشَّرِكَةِ بها. اختارَه أبو بَكْرٍ، وأبو الخَطّاب. وهو قولُ مالكٍ، وابنِ أبي لَيلَى. وبه قال في المُضارَبَةِ طاوُسٌ، والأَوْزاعِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الشَّرِكَةِ جَوازُ تَصَرُّفِهما (١) في المالين جميعًا، وكَوْنُ رِبْحِ المالين بينَهما، وهو حاصِل في العُرُوضِ كحُصُولِه في الأثْمانِ، فيَجبُ أن تَصِحَّ الشَّرِكَةُ والمُضارَبَةُ بها، كالأثْمانِ، ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منهما عندَ المُفاضَلَةِ بقِيمَةِ مالِه عندَ العَقْدِ، كما أنَّنا جَعَلْنا نِصابَ زَكاتِها قِيمَتَها. وقال الشافعيُّ: إن كانَتِ العُرُوضُ مِن ذَواتِ الأمْثال كالحُبُوبِ والأدْهانِ، جازَتِ الشَّرِكَةُ بها في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأَنَّها مِن ذواتِ الأمْثالِ (٢)، أشْبَهَتِ النُّقُودَ، ويَرْجِعُ عندَ المُفاضَلَةِ بمِثْلِها، وإن لم تَكُنْ مِن ذَواتِ الأمْثالِ، لم يَجُزْ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بمِثْلِها. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه نَوْعُ شَرِكَةٍ، فاسْتَوَى فيها ما له مِثْلٌ مِن العُرُوضِ وما لا مِثْلَ له، كالمُضارَبَةِ، فإنَّه سَلَّمَ أنَّ المُضارَبَةَ لا تَجُوزُ بشيءٍ مِن العُرُوضِ؛ ولأنَّها ليست بنَقْدٍ، فلم تَصِحَّ الشَّرِكَةُ بها، كالذِي لا مِثْلَ له.

стр. 6642

وَهَلْ تَصِحُّ بِالْمَغْشُوشِ وَالْفُلُوسِ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ــ ٢٠٤٢ - مسألة: (وهل تَصِحُّ بالمَغْشُوشِ والفُلُوسِ؟ على وَجْهَينِ) اخْتَلَفَ أصْحابُنا في الشَّرِكَةِ بالمَغْشُوشِ مِن الأثْمانِ، هل تَصِحُّ؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا تَصِحُّ، سَواءٌ قَلَّ الغِشُّ أو كَثُر. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان الغشُّ أقَلَّ مِن النِّصْفِ، جاز،

стр. 6643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن كَثُر، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالغالبِ في كَثِيرٍ مِن الأصُولِ. ولَنا، أنَّها مَغْشُوشَة، أشْبَهَ ما لو كان الغِشُّ أكثَر، ولأنَّ قِيمَتَها تَزِيدُ وتَنْقُصُ، أشْبَهتِ العُرُوضَ. وقَوْلُهم: الاعْتِبارُ بالغالِب. لا يَصِحّ، فإنَّ الفِضَّةَ إذا كانَتْ أقَلَّ، لم يَسْقُطْ حُكْمُها في الزَّكاةِ، وكذلك الذَّهَبُ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يَكونَ الغِشُّ قَلِيلًا لمَصْلَحَةِ النَّقْدِ، كَيَسِيرِ الفِضَّةِ في الدِّينارِ، كالحَبَّةِ ونَحْوها، فلا اعْتِبارَ به؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، ولا يُؤثِّرُ في رِبًا ولا غيرِه. والثّانِي، أنَّ الشَّرِكَةَ تَصِحُّ بها (١)؛ بناءً على صِحَّةِ الشَّرِكَةِ في العُرُوضِ، وقد ذَكَرْنا ذلك. وحُكْمُ النُّقْرَةِ (٢) في الشَّرِكَةِ بها كالحُكْمِ في العُرُوضِ (٣)؛ لأنّ قِيمَتَها تَزِيدُ وتَنْقصُ، أشْبَهَتِ العُرُوضَ.

стр. 6644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا تَصِحُّ الشرِكَةُ بالفُلُوسِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وابنُ القاسِمِ صاحِبُ مالِكٍ. ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ إذا كانَتْ نافِقَةً، فإنَّ أحمدَ قال: لا أرَى السَّلَمَ في الفُلُوسِ؛ لأنَّه يُشْبِهُ الصَّرْفَ. وهذا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّها ثَمَنٌ، فأشْبَهَتِ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ الشَّرِكَةَ تجُوزُ بها على كلِّ حالٍ وإن لم تَكُنْ نافِقَةً؛ بِناءً على جَوازِ الشَّرِكَةِ بالعُرُوضِ. وَوَجْهُ الأوَّلِ أنَّها تَنْفُقُ مَرَّةً وتَكْسُدُ أُخرى، فأشْبَهَتِ العُرُوضَ، فإذا قُلْنا بصِحَّةِ الشَّرِكَةِ بها فإنَّها إن كانَتْ نافِقَةً كان رأسُ المالِ مِثْلَها، وإن كانَتْ كاسِدَةً كانَتْ قِيمَتُها كالعُرُوضِ. فصل: ولا يَجُوزُ أن يَكُونَ رَأسُ مالِ الشَّرِكَةِ مَجْهُولًا، ولا جُزافًا؛ لأنَّه لابُدَّ مِن الرجُوعِ به عندَ المُفاصَلَةِ، ولا يُمْكِنُ مع الجَهْلِ به. ولا يَجُوزُ بمالٍ غائِب، ولا دَينٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّصَرفُ فيه في الحالِ، وهو مَقْصُودُ الشَّرِكَةِ.

стр. 6645

وَالثَّانِي، أنْ يَشْترِطَا لِكُلِّ وَاحِدٍ جُزْءًا مِنَ الربحِ مُشَاعًا مَعْلُومًا. ــ ٢٠٤٣ - مسألة: الشرْطُ (الثّانِي، أن يَشْرُطا لكلِّ واحِدٍ) منهما (جُزْءًا مِن الرِّبْحِ مُشاعًا مَعْلُومًا) كالنِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبْعِ؛ لأنَّها أحَدُ أنْواعِ الشَّرِكَةِ، فاشْتُرِطَ عِلْمُ نَصِيبِ كلِّ واحدٍ منهما مِن الرِّبْحِ، كالمُضارَبَةِ، ويَكُونُ الرِّبْحُ بينَهما على ما شَرَطاه، سَواءٌ شَرَطا لكلِّ واحدٍ منهما على قَدْرِ مالِه مِن الرِّبْحِ أو أقَلَّ أو أكثرً؛ لأنَّ العَمَلَ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ، بدَلِيلِ المُضارَبَةِ، وقد يتَفَاضَلان فيه لقُوَّةِ أحَدِهما وحِذْقِه، فجازَ أن يَجْعَلَ له حَظًّا مِن الرِّبْحِ، كالمُضارِبِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: مِن شَرْطِ صِحَّتِها كَوْنُ الرِّبْحِ والخُسْرانِ على قَدْرِ

стр. 6646

فَإِنْ قَالا: الرِّبْحُ بَينَنَا. فَهُوَ بَينَهُمَا نِصْفَينِ. فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا الرِّبْحَ، ــ المالين؛ لأنَّ الرِّبْحَ في هذه الشَّرِكَةِ تَبَعٌ (١) للمالِ، فلا يَجُوزُ تَغيِيرُه بالشَّرْطِ، كالوَضِيعةِ (٢). ولَنا، أنَّ العَمَلَ مما يُسْتَحَقُّ به الربْحُ، فجازَ أن يتَفَاضَلا في الرِّبْحِ مع وُجُودِ العَمَلِ منهما، كالمُضارِبَين لرجل واحِدٍ، وذلك أنَّ أحَدَهما قد يَكُونُ أْبصَرَ بالتِّجارَةِ مِن الآخَرِ وأقْوَى على العَمَلِ، فجازَ أن يَشْتَرِطَ له زِيادَةً في الرِّبْحِ في مُقابَلَةِ عَمَلِه، كما يُشْتَرَطُ الرِّبْحُ في مُقابَلَةِ (٣) عَمَلِ المُضارِبِ، وفارَقَ الوَضِيعَةَ، فإنَّها لا تَتَعَلَّقُ إلَّا بالمالِ، بدَلِيلِ المُضارَبَةِ. ٢٠٤٤ - مسألة: (فإن قالا: الرِّبْحُ بينَنا. فهو بينَهما نِصْفَين) لأنَّه إضافَةٌ (٤) إليهما إضافَةً واحِدَةً مِن غيرِ ترْجِيحٍ، فاقْتَضَى التَّسْويَةَ، كقَوْلِه: هذه الدّارُ بيني وبينَك، وكذلك في المُضارَبَةِ إذا قال: الرِّبْحُ بينَنا. ٢٠٤٥ - مسألة: (فإن لم يَذْكُرَا الرِّبْحَ) لم يَصِحَّ، كالمُضارَبَةِ؛ لأنَّه المَقْصُودُ مِن الشَّرِكَةِ، فلا يَجُوزُ الإخْلالُ به، فعلى هذا يَكُونُ الرِّبْحُ بينَهما على قَدْرِ المالين.

стр. 6647

أوْ شَرَطَا لِأحَدِهِمِا جُزْءًا مَجْهُولًا، أوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أوْ رِبْحَ أحَدِ الثَّوْبَينِ، لَمْ يَصِحَّ. ــ ٢٠٤٦ - مسألة: وإن (شَرَطا لأحَدِهما جُزْءًا مَجْهُولًا) لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الجهالةَ تَمْنَعُ تَسْلِيمَ الواجِبِ، ولأنَّ الرِّبْحَ هو المَقْصُودُ في الشَّرِكَةِ، فلم يَصِحَّ مع الجَهالةِ، كالثَّمَنِ والأُجْرَةِ في الإجارَةِ. وإن قال: لك مِثْلُ ما شُرِط لفُلانٍ. وهما يَعْلَمانِه، صَحَّ. وإن جَهِلاه. أو أحَدُهما، لم يَصِحَّ، كالثَّمَنِ في البَيعِ (١). ٢٠٤٧ - مسألة: فإن شَرَطا لأحَدِهما في الشَّرِكَةِ أو (٢) المُضارَبَةِ (دَراهِمَ مَعْلُومَةً، أو رِبْحَ أحَدِ الثَّوْبَينِ، لم يَصِحَّ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى جُعِلَ نَصِيبُ أحَدِ الشُّرَكاءِ دَراهِمَ مُعْلومَةً، أو جُعِلَ مع نَصِيبِه دَراهِمَ، مثلَ أن يَجْعَلَ لنَفْسِه جُزْءًا وعَشَرَةَ دَراهِمَ، بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَطُ عنه مِن أهْل العِلْمِ على إبْطالِ القِراضِ إذا جَعَل أحَدُهما أو كِلاهما لنفسِه دَراهِمَ مَعْلُومَة. وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأي. والجَوابُ فيما لو قال: لك نِصْفُ الرِّبْحِ إلَّا عَشَرَةَ دَراهِمَ. أو: نِصْفُ الرِّبْحِ وعَشَرَةُ دَراهمَ. كالجَوابِ فيما إذا شَرَط دَراهِمَ مُفْرَدَةً. وإنَّما لم يَصِحَّ؛ لأمْرَين؛ أحَدُهما، أنَّه إذا شَرَط دَراهِمَ مَعْلُومَةً، احْتَمَلَ أن لا يَرْبَحَ

стр. 6648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غيرَها، فيَحْصُلَ على جَمِيعِ الرِّبْحِ، واحْتَمَلَ أن لا يَرْبَحَها، فيَأخُذَ مِن رَأسِ المالِ. وقد يَرْبَحُ كَثيرًا فيَسْتَضِرُّ مَن شُرِطَتْ له الدَّراهِمُ. الثّانِي، أنَّ حِصَّةَ العامِلِ يَنْبَغِي أن تَكُونَ مَعْلُومَةً بالأجْزاءِ لَمّا تَعَذَّرَ كَوْنُها مَعْلُومَةً بالقَدْرِ، فإذا جُهِلَتِ الأجْزاءُ فَسَدَتْ، كما لو جُهِلَ القَدْرُ فيما يُشْتَرَطُ أن يَكُونَ مَعْلُومًا به. ولأنَّ العامِلَ في المُضارَبَةِ متى شَرَط لنفسِه دَراهِمَ مَعْلُومَةً، رُبَّما تَوانَى في طَلَبِ الرِّبْحِ لعَدَم فائِدَتِه منه، وحُصُولِ نَفْعِه لغيرِه، بخِلافِ ما إذا شُرِطَ له جُزْءٌ مِن الرِّبْحِ. فصل: وكذلك الحُكْمُ إذا شُرِطَ لأحَدِهما رِبْحُ أحَدِ الثَّوْبَين، أو رِبْحُ إحْدَى السَّفْرَتَين، أو رِبْحُ تِجارَتِه في شَهْر أو عام بعَينِّه؛ لأنَّه قد يَرْبَحُ في ذلك المُعَيَّنِ دُونَ غيرِه، وقد يَرْبَحُ في غيرِه دُونَه (١)، فيَخْتَصُّ أحَدُهما بالرِّبْحِ، وهو مُخالفٌ لِمَوْضُوعِ الشَّرِكَةِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. وإن دَفَع إليه ألْفًا مُضارَبَةً، وقال: لك رِبْحُ نِصْفِه. لم يَجُزْ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: يَجُوزُ، كما لو قال: لك نِصْفُ رِبْحِه. ولأنَّ رِبْح نِصْفِه هو نِصْفُ رِبْحِه، وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه شُرِطَ لأحَدِهما رِبْحُ بعضِ المالِ دُونَ بعضٍ، فلم يَجُزْ، كما لو قال: لك رِبْحُ هذه الخَمْسِمائَةِ. ولأنَّه يُمْكِنُ أن يُفْرِدَ نِصْفَ المالِ فيَرْبَحَ فيه دُونَ النِّصْفِ الآخَرِ، بخِلافِ نِصْفِ الرِّبْحِ، فإنَّه لا يُؤدِّي إلى انفِرادِه

стр. 6649

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ في الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ. وَلَا يُشْتَرَطُ أنْ يَخْلِطَا الْمَالينِ، وَلَا أن يَكُونَا مِنْ جِنْس وَاحِدٍ. ــ برِبْحَ شيءٍ مِن المالِ. ٢٠٤٨ - مسألة: (وكذلك الحُكْمُ في المُساقاةِ والمُزارَعَةِ) قِياسًا على الشَّرِكَةِ. ٢٠٤٩ - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ أن يَخْلِطا المالينِ، ولا أن يَكُونا مِن جِنْس واحِدٍ) لا يُشْتَرَطُ اخْتِلاطُ المالين في شَرِكَةِ العِنانِ إذا عَيَّناهما (١) وأحضَراهما. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ. إلَّا أنّ مالِكًا شَرَط أن تَكُونَ أيدِيهما عليه، بأن يَجْعَلاه في حانُوتٍ لهما، أو في يَدِ (٢)

стр. 6650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكِيِلهما. وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ حتى يَخلِطا المالين؛ لأنَّهما إذا لم يَخْلِطاهما فمالُ كلِّ واحدٍ منهما يَتْلَفُ منه دُونَ صاحِبِه، ويَزِيدُ له دُونَ صاحِبِه، فلم تَنْعَقِدِ الشَّرِكَةُ، كما لو كان مِن المَكِيلِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يُقْصَدُ به الرِّبْحُ، فلم يُشْتَرَطْ فيه خَلْطُ المالِ، كالمُضارَبَةِ، ولأنَّه عَقْدٌ على التَّصَرُّفِ، فلم يُشْتَرَطْ فيه خَلْطُ المالِ، كالوَكالةِ. ولَنا على (١) مالِكٍ، فلم يَكُنْ مِن شَرْطِه أن تَكُونَ أيدِيهما عليه، كالوَكالةِ. وقَوْلُهم: إنَّه يَتْلَف مِن مالِ صاحِبِه، أو يَزِيدُ على مِلْكِ صاحِبِه. مَمْنُوعٌ، بل يَتْلَفُ مِن مالِهما، وزِيادَتُه لهما؛ لأن الشَّرِكَةَ اقْتَضَتْ ثُبُوتَ المِلْكِ لكلِّ واحِدٍ منهما في نِصْفِ مالِ صاحِبِه، فيَكُونُ تَلَفُه منهما وزِيادَتُه لهما. وقال أبو حنيفةَ: متى تَلِف أحدُ المالين فهو مِن ضَمانِ صاحِبِه. ولَنا، أنَّ الوَضِيعَةَ والضَّمانَ أحَدُ مُوجِبي الشَّرِكَةِ، فتَعَلَّقَ بالشَّرِيكَين، كالرِّبْحَ، وكما لو اخْتَلَطا. فصل: ولا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِها (٢) اتِّفاقُ المالين في الجِنْسِ، بل يَجُوزُ أن يُخْرِجَ أحَدُهُما دَراهِمَ والآخَرُ دَنانِيرَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ. وقال الشافعيُّ: لا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إلَّا أن يَتَّفِقا في مالٍ واحدٍ؛ بِناءً على أنَّ خَلْطَ المالين شَرْطٌ، ولا يُمْكِنُ إلَّا في المالِ الواحِدِ.

стр. 6651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونحن لا نَشْتَرِطُ ذلك. ولَنا، أنَّهما مِن جِنْسِ الأثْمانِ، فصَحَّتِ الشَّرِكَةُ فيهما، كالجِنْسِ الواحِدِ، فعلى هذا، متى تَفاضَلا رَجَع هذا بدَنانِيرِه وهذا بدَراهِمِه، ثم اقْتَسَما الفَضْلَ. نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: كذا يَقُولُ (١) محمدٌ، والحسنُ. وقال القاضي: متى أرادَا المُفاضَلَةَ قَوَّما المَتاعَ (٢) بنَقْدِ البَلدِ، وقَوَّما مال الآخَرِ به. ويَكُونُ التَّقْويمُ حينَ صَرَفا الثَّمَنَ فيه. ولَنا، أنَّ هذه شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ، رَأسُ المالِ فيها الأثْمانُ، فيَكُونُ الرُّجُوعُ بجِنْسِ رَأسِ المالِ، كما لو كان الجِنْسُ واحدًا. فصل: ولا يُشتَرَطُ تَساوي المالين في القَدْرِ. وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأي. وقال بعض أصْحابِ الشافعيِّ: يُشتَرَطُ ذلك؛ لأنَّ صاحِبَ المالِ القَلِيلِ إن أخَذَ نِصْفَ الرِّبْحِ، أخَذَ [رِبْحَ مالٍ لا] (٣) يَملِكُه، وإن أخَذَ بقَدْرِ مالِه، أخَذَ شَرِيكُه بعضَ الرِّبْحِ الحاصلِ بعَمَلِه؛ لاسْتِوائِهما في العَمَلِ. ولَنا، أنَّهما مالان مِن جِنْسِ الأثْمانِ، فجازَ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عليهما، كما لو تَساوَيا.

стр. 6652

وَمَا يَشتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، فَهُوَ بَينَهُمَا. وَإنْ تَلِفَ أحَدُ الْمَالينِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمَا. ــ ٢٠٥٠ - مسألة: (وما يَشْتَرِيه كلُّ واحِدٍ منهما بعدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، فهو بينَهما) شَرِكَةُ العِنانِ مَبْنِيَّةٌ على الوَكالةِ والأمانَةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما بِدَفْعِ المالِ إلى صاحِبِه أمِنَه، وبإذْنِه له في التَّصَرُّفِ وَكَّلَه. ومِن شَرْطِ صِحَّتِها أن يَأذَنَ كلُّ واحِدٍ منهما لِصاحِبِه في التَّصَرُّفِ. فعلى هذا، ما يَشْتَرِيه كلُّ واحِدٍ منهما بعدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، فهو بينَهما؛ لأن العَقْدَ وَقَع على ذلك. فأمّا ما يَشْتَرِيه لنَفْسِه، فهو له، والقولُ قَوْلُه في ذلك؛ لأنه أعْلَمُ بنِيَّتِه. ٢٠٥١ - مسألة: (وإن تَلِف أحَدُ المالين، فهو مِن ضَمانِهِما) إذا خَلَطا المال، وإن لم يُخْلَطُ فكذلك؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى أن يَكُونَ المالان كالمالِ الو احِدِ، فكذلك في الضَّمانِ، كحالِ الخُلْطَةِ. وقال أبو حنيفةَ: متى تَلِف [أحَدُ المالين] (١)، فهو مِن ضَمانِ صاحِبِه. وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على خِلافِه.

стр. 6653

وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ. ــ ٢٠٥٢ - مسألة: (والوَضِيعَةُ على قَدْرِ المالِ) الوَضِيعَةُ: هي الخُسْرانُ في الشَّرِكَةِ. على كلِّ واحدٍ منهما (١) بقَدْرِ مالِه، فإن كان مُتَساويًا في القَدْرِ، فالخُسْرانُ بينَهما نِصْفين، وإن كان أثْلاثًا، فالوَضِيعَةُ أثْلاثًا. قال شيخُنا (٢): لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. وبه يَقُولُ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وغيرُهما. وفي شَرِكَةِ الوُجُوهِ تَكُونُ الوَضِيعَةُ على قَدْرِ مِلْكَيهِما في المُشْتَرَى (٣)، سَواءٌ كان الرِّبْحُ بينَهما كذلك أو لم يَكُنْ، وسَواءٌ كانَتِ الوَضِيعَةُ لتَلَفٍ أو نُقْصانٍ في الثَّمَن عمّا اشْتَرَيا به، أو غيرِ ذلك. والوَضِيعَةُ في المُضارَبَةِ على المال خاصَّة، لا شيءَ على العامِلِ منها (٤)؛ لأنَّ الوَضِيعَةَ عِبارَة عن نُقْصانِ رَأسِ المالِ، وهو مُخْتَصٌّ بمِلْكِ رَبِّه، لا شيءَ فيه للعامِلِ، فيَكونُ نَقْصُه مِن مالِه دُونَ غيرِه، وإنَّما يَشْتَرِكان فيما يَحْصُلُ مِن النَّماءِ، فأشْبَهَ المُساقاةَ والمُزارَعَةَ، فإنَّ رَبَّ الأرْضِ والشَّجَرِ يُشارِكُ العامِلَ فيما يَحْدُثُ مِن الزَّرْعِ والثَّمَرِ، وإن تَلِف

стр. 6654

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أنْ يَبِيعَ وَيَشتَرِي، وَيَقْبِضَ وَيُقْبضَ، وَيُطَالِبَ بِالدَّينِ، وَيُخَاصِمَ فِيهِ، وَيُحِيلَ وَيَحْتَال، وَيَرُدَّ بِالْعَيبِ، وَيُقِرَّ بِهِ، وَيُقَايِلَ، وَيَفْعَلَ كُلَّ مَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَةِ تِجَارَتِهِمَا. ــ الشَّجَرُ، أو هَلَك شيءٌ مِن الأرْضِ بِغَرَقٍ أو غيرِه، لم يَكُنْ على العامِلِ شيءٌ. فصل: قال الشَّيخُ، ﵀: (ويجُوزُ لكلِّ واحِدٍ منهما أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ، ويَقْبِضَ ويُقْبِضَ، ويُطالِبَ بالدَّينِ، ويُخاصِمَ فيه، ويُحِيلَ ويَحْتال، ويَرُدَّ بالعَيب، ويُقِرَّ به، ويُقايِلَ، ويَفْعَلَ كل ما هو مِن مَصْلَحَةِ تِجارَتِهما) يَجُوزُ لكلِّ واحِدٍ مِن الشَّرِيكَينِ أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ؛ مُساوَمَةً، ومُرابَحَةً، وتَوْلِيَةً، ومُواضَعَةً، كيف رَأى المَصْلَحَةَ؛ لأنَّ هذا عادةُ التُّجّارِ. وله أن يَقْبِضَ المَبِيعَ والثَّمَنَ ويُقْبِضَهما، ويُخاصِمَ في الدَّينِ،

стр. 6655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويُطالِبَ به، ويُحِيلَ ويَحْتال، ويَرُدَّ بالعَيبِ فيما وَلِيَه أو وَلِيَه صاحِبُه. وله أن يُقِرَّ به، يُقْبَلُ إقْرارُ الوَكِيلِ بالعَيبِ على مُوَكِّلِه. نصَّ عليه أحمدُ. وكذلك إن أقَرَّ بالثَّمَنِ أو بعضِه، أو أُجْرَةِ المُنادِي أو الحَمّالِ؛ لأنَّ هذا مِن تَوابعِ التِّجارَةِ، فهو كتسْلِيمِ المَبِيعِ وأداءِ ثَمَنِه، [لأن هذا عادَةُ التُّجّارِ] (١). ويَفْعَلُ كل ما هو مِن مَصْلَحَةِ التِّجارَةِ بمُطْلَقِ الشرِكَةِ؛ لأنَّ مَبْناها على الوَكالةِ والأمانَةِ، على ما ذَكَرْنا، فيَتَصَرفُ كلُّ واحِدٍ منهما في المالين، بحُكْمِ المِلْكِ (٢) في نَصِيبه، والوَكالةِ في نَصِيبِ شَريكِه. وفي الإقالةِ وَجْهان؛ أصَحُّهما (٣)، أنَّه يَمْلِكُها (٤)؛ لأنَّها إن كانت بَيعًا (٥)، فقد أذِنَ له فيه، وإن كانَت فَسْخًا، ففَسْخُ البَيعِ المُضِرِّ مِن مَصْلَحَةِ التِّجارَةِ، فمَلَكَه، كالرَّدِّ. والآخَرُ، لا يَمْلِكُها؛ لأنَّها فَسْخٌ، فلا يَدْخُلُ في الإذْنِ في التِّجارَةِ. وله أن يَسْتَأجِرَ مِن مالِ الشَّرِكَةِ،
следующие страницы →