وَإنْ قَال: لَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ. صَحَّ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ. وَإنْ قَال: وَلِي ثُلُثُ الرِّبْحِ. فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
٢٠٦٩ - مسألة: (وإن قال: لك ثُلُثُ الرِّبْحِ. صَحَّ، والباقِي لِرَبِّ المالِ) إذا قَدَّرَ نَصِيبَ العامِلِ، فقال: لك ثُلُثُ الرِّبْح -أو- رُبْعُه -أو جُزْءُ مَعْلُومٌ. صَحَّ، والباقِي لرَبِّ المال؛ لأنُّه يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بمالِه؛ لكَوْنِه نَماءَه وفَرْعَه، والعامِلُ يَأْخُذُ بالشَّرْطِ، فما شُرِط له اسْتَحَقَّه، وما بَقِي فلرَبِّ المالِ بحُكْمِ الأصْلِ.
٢٠٧٠ - مسألة: (وإن قال: ولي ثُلُثُ الرِّبْحِ) ولم يَذْكُرْ نَصِيبَ العامِلِ، ففيهْ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ العامِلَ إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْط، ولم يُشْتَرَطْ له شيءٌ، فتَكُونُ المُضارَبَةُ فاسِدَةً. والثاني، يَصِبحُّ، ويَكُونُ الباقِي للعامِلِ. وهو قولُ أبِي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّ الرِّبْحَ لا يَسْتَحِقُّه غيرُهما، فإذا قُدِّرَ نَصِيبُ أحَدِهما منه فالباقِي للآخَرِ
стр. 6687
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بمَفْهُومِ اللَّفْظِ، كما عُلِمَ ذلك مِن قَوْلِه تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (١). ولم يَذْكُرْ نَصِيبَ الأبِ، فعُلِمَ أنَّ الباقِيَ له. ولأنَّه لو قال: أوْصَيتُ بهذه المائَةِ لزَيدٍ وعَمْرٍو، ونَصِيبُ زَيدٍ منها ثَلاُثون. زكان الباقِي لعَمْرٍو، وكذا ها هنا، وهذا أصَحُّ إن شَاءَ الله تَعالى.
فصل: فإن قال: لي النِّصْفُ ولك الثُّلُثُ. وسَكَت عن الباقي، صَحَّ، وكان لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه لو سَكَت عن جَميعِ الباقِي بعدَ جُزْءِ العامِلِ كان لرَبِّ المالِ، فكذا إذا ذَكَر البعضَ وتَرَك البعضَ. وإن قال: خُذْه مُضارَبَةً على الثُّلُثِ. أو قال: بالثُّلُثِ. صَحَّ، وكان تَقْدِيرُ النَّصِيبِ للعامِلِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ يُرادُ لأجْلِه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يَسْتَحِقُّ بمالِه لا بالشَّرْطِ، والعامِلُ يَسْتَحِقُّ بالعَمَلِ، وهو يَقِلُّ ويَكْثُرُ، وإنَّما تَتَقَدَّرُ حِصَّتُه بالشَّرْطِ، فكان الشَّرْطُ له. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
стр. 6688
وَإنِ اخْتَلَفَا، لِمَنِ الْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ؟ فَهُوَ لِلْعَامِلِ. وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ.
ــ
٢٠٧١ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفا) في (الجُزْءِ المَشْرُوطِ، فهو للعامِلِ) قَلِيلًا كان أو كَثِيرًا؛ لِما ذَكَرْنا، واليَمِينُ على مُدَّعِيه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ خِلافَ ما قاله، فتَجِبُ اليَمِينُ لنَفْي الاحْتِمالِ، كما تَجِبُ على المُنْكِرِ لنَفْي ما يَدَّعِيه المُدَّعِي.
٢٠٧٢ - [مسألة: (وكذلك حُكْمُ المُساقاةِ والمُزارَعَةِ) قِياسًا عليها] (١).
فصل: وإن قال: خُذْه مُضارَبَةً ولك ثُلُثُ الرِّبْحِ وثُلُثُ ما بَقِيَ. صَحَّ، وله خَمْسَةُ أتْساعِ (٢) الرِّبْحِ؛ لأنَّ هذا مَعْناه. وإن قال: لك ثُلُثُ الرِّبْحِ ورُبْعُ ما بَقِيَ. فله النِّصْفُ. وإن قال: لك رُبْعُ الرِّبْحَ ورُبْعُ ما بَقِيَ. فله ثَلاثةُ أثْمانٍ ونِصْفُ ثُمْنٍ. وسواءٌ عَرَفا الحسابَ أو جَهِلاه؛ لأنَّ ذلك أجْزاءٌ مَعْلُومَةٌ مُقَدَّرَةٌ، أشْبَهَ ما لو شَرَط الخُمْسَين. ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كمَذْهَبِنا.
стр. 6689
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَجُوزُ أن يَدْفَعَ مالًا إلى اثْنَين مُضارَبَةً في عَقدٍ واحِدٍ. فإن شَرَط لهما جُزْءًا مِن الرِّبْحِ بينَهما نِصْفَين، صَحَّ. وإن قال: لكما (١) كذا وكذا مِن الرِّبْحِ. ولم يُبيِّنْ كيف هو بينَهما، فهو بينَهما نِصْفان؛ لأنَّ إطْلاقَ قَوْلِه: لكما. يَقْتَضِي التَّسْويَةَ، كما لو قال لعامِلِه: الرِّبْحُ بينَنا. وإن شَرَط لأحَدِهما ثُلُثَ الرِّبْحِ، وللآخَرِ رُبْعَه والباقِيَ له، جاز. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّهما شَرِيكان (٢) في العَمَلِ بأبْدانِهما، فلم يَجُزْ تَفاضُلُهما في الرِّبْحِ، كشَرِيكَي الأبْدانِ. ولَنا، أنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَقْدان، فجاز أن يَشْتَرِطَ في أحَدِهما أكْثَرَ مِن الآخَرِ، كما لو انْفَرَدا. ولأنَّهما يَسْتَحِقّان بالعَمَلِ وهما يَتَفَاضَلان، فجاز تَفاضُلُهما في العِوَضِ، كالأجِيرَين. وشَرِكَةُ الأبْدانِ كمَسْألَتِنا لا يَجِبُ التَّساوي فيها، ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّ ذاك عَقْدٌ واحِدٌ وهذان عَقْدان.
فصل: وإن قارَضَ اثْنانِ واحِدًا بألْفٍ (٣) لهما، جاز. فإن شَرَطا له رِبْحًا مُتَساويًا بينهما (٤)، جاز. وكذلك إن شَرَط أحَدُهما له النِّصْفَ، والآخَرُ الثُّلُثَ، ويَكُون باقِي رِبحِ مالِ كلِّ واحِدٍ منهما له. وإن شَرَطا كَوْنَ الباقِي مِن الرِّبْحِ بينَهما نِصْفين، لم يَجُزْ. وهذا مُذْهَبُ الشافعيِّ. وكَلامُ القاضي يَقْتَضِي جَوازَه. وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، وأبي
стр. 6690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثَوْرٍ. ولَنا، أنَّ أحَدَهما يَحْصُلُ له مِن رِبْحِ مالِه النِّصْفُ، والآخَرَ الثُّلُثان، فإذا شَرَطَا (١) التَّساويَ فقد شَرَط أحَدُهما للآخَرِ جُزْءًا مِن رِبْحِ مالِه بغيرِ عَمَل، فلم يَجُزْ، كما لو شَرَط رِبْحَ مالِه المُنْفَرِدِ.
فصل: إذا شَرَطَا جُزْءًا مِن الرِّبْحِ لغيرِ العامِلِ نَظَرْتَ؛ فإن شَرَطاه لعَبْدِ أحَدِهما أو لعَبْدَيهما، صَحَّ، وكان مَشْرُوطًا لسَيِّدِه. فإذا جَعَلا الرِّبْحَ بينَهما وبينَ عبدِ أحَدِهما أثْلاثًا، كان لصاحِبِ العَبْدِ الثُّلُثان، وللآخرِ الثُّلُثُ. وإن شَرَطاه لأجْنَبِيٍّ، أو لوَلَدِ أحَدِهما، أو امْرَأَتِه، أو قَرِيبِه، وشَرَطا عليه عَمَلًا مع العامِلِ، صَحَّ، وكانا عامِلَين. وإن لم يَشْرُطا عليه عَمَلًا، لم تَصِحَّ المُضارَبَةُ. وبه قال الشافعيُّ. وحُكِيَ عن أصْحابِ الرَّأْي أنَّه يَصِحُّ، والجُزْءُ المَشْرُوطُ له لرَبِّ المالِ، سواءٌ شَرَط لقَرِيبِ العامِلِ أو قَرِيبِ رَبِّ المال أو لأجْنَبِيٍّ؛ لأنَّ العامِلَ لا يَسْتَحِقُّ إلا ما شُرِط له، ورَبُّ المالِ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بحُكْمِ الأصْلِ، والأجْنَبِيُّ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا؛ لأنَّ الرِّبْحَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بمالٍ أو عَمَلٍ، وليس له واحِدٌ منهما، فما شُرِط لا يَسْتَحِقُّه، فرَجَعَ إلى رَبِّ المالِ، كما لو تَرَك ذِكْرَه. ولَنا، أنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ يَعُودُ إلى الرِّبْحِ، ففَسَدَ به العَقْدُ، كما لو شَرَط دَراهِمَ مَعْلُومَةً. وإن قال: لك الثُّلُثان، على أن تُعْطِيَ امْرَأتَك نِصْفَه. فكذلك؛ لأنَّه شَرَط في الرِّبْحِ شَرْطًا لا يَلْزَمُ، فكان فاسِدًا. والحُكْمُ في الشَّرِكَةِ كالحُكْمِ في المُضارَبَةِ، فيما ذَكَرْنا.
стр. 6691
وَحُكْمُ الْمُضَارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فِيمَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ أوْ لَا يَفْعَلَهُ، وَمَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، وَفِي الشُّرُوطِ.
ــ
٢٠٧٣ - مسألة: (وحُكْمُ المُضارَبَةِ حُكْمُ الشَّركَةِ فيما للعامِلِ أن يَفْعَلَه أو لا يَفْعَلَه، وفيما يَلْزَمُه فِعْلُه، وفي الشُّرُوطِ) كلُّ ما جاز للشَّرِيكِ عَمَلُه جاز للمُضارِبِ، وما مُنِعَ منه الشَّرِيكُ (١) مُنِع منه المُضارِبُ، وما اخْتُلِفَ فيه ثَمَّ، فَههُنا مِثْلُه، وما جاز أن يَكُونَ رَأْسَ مالِ الشَّرِكَةِ، جاز أن يَكُونَ رَأْسَ مالِ المُضارَبَةِ، وما لا يَجُوزُ ثَمَّ لا يَجُوزُ ههُنا، على ما فَصَّلْناه؛ لأنَّها في مَعْناها.
стр. 6692
وَإنْ فَسَدَتْ، فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلِلْعَامِلِ الأُجْرَةُ: وَعَنْهُ، لَهُ الْأَقَلُّ مِنَ الأُجْرَةِ أوْ مَا شُرِطَ لَهُ مِنَ الرِّبْحَ.
ــ
٢٠٧٤ - مسألة: (وإذا فَسَدَتْ، فالرِّبْحُ لرَبِّ المالِ، وللعامِلِ الأُجْرَةُ. وعنه، له الأقَلُّ مِن الأُجْرَةِ أو ما شُرِط له مِن الرِّبْحِ) الكَلامُ في المُضارَبَةِ الفاسِدَةِ في فُصُولٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أنَّه إذا تَصَرّفَ العامِلُ، نَفَذ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه أَذِنَ فيه رَبُّ المالِ، فإذا بَطَل عَقْدُ المُضارَبَةِ، بَقِي الإذْنُ، فمَلَكَ به التَّصَرُّفَ، كالوَكِيلِ. فإن قِيلَ: فلو اشْتَرَى الرجلُ شِراءً فاسِدًا ثم تَصَرَّفَ فيه، لم يَنْفُذْ، مع أنّ البائِعَ قد أذِنَ له في التَّصَرُّفِ. قُلْنا: لأنَّ المُشْتَرِيَ يَتَصَرَّفُ مِن جِهَةِ المِلْكِ لا بالإِذْنِ، فإن أذِنَ البائِعُ، كان على أنَّه مِلْكُ المَأْذُونِ له، فإذا لم يَمْلِكْ، لم يَصِحَّ، وههُنا أذِنَ له رَبُّ المالِ في التَّصَرُّفِ في مِلْكِ نَفْسِه، وما شَرَط مِن الشَّرْطِ الفاسِدِ، فليس بمَشْرُوطٍ في مُقابَلَةِ الإِذْنِ؛ لأنَّه أذِنَ له في تَصَرُّفٍ يَقَعُ (١) له.
стр. 6693
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الفَصْلُ الثّانِي، أنَّ الرِّبْحَ جَمِيعَه لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، وإنَّما يَسْتَحِقُّ العامِلُ بالشَّرْطِ، فإذا فَسَدَتِ المُضارَبَةُ فَسَد الشَّرْطُ، فلم يَسْتَحِقَّ به شيئًا، ولكنْ له أجْرُ مِثْلِه. نَصَّ عليه أحمدُ (١). وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. واخْتارَ الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ أنَّ الرِّبْحَ بينَهما على ما شَرَط له. واحْتَجَّ بما رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا اشْتَرَكا في العُرُوض، قُسِم الرِّبْحُ على ما شَرَطا. قال: وهذه شَرِكَةٌ فاسِدَةٌ. واحْتَجَّ بأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ مع الجَهالةِ، فيَثْبُتُ المُسَمَّى في فاسِدِه، كالنِّكاحِ. قال: [ولا أجْرَ] (٢) له. وجَعَل أحْكامَها كأحْكام الصَّحِيحَةِ. وقد ذَكَرْنا ذلك. قال القاضي أبو يَعْلَى: والمَذْهَبُ ما حَكَينا، وكَلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على أنَّه صَحَّحَ الشَّرِكَةَ بالعُرُوضِ. وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه يَرْجِعُ إلى قِراضِ المِثْلِ. وحُكِيَ عنه، إن لم يَرْبَحْ، فلا أجْرَ له. ومُقْتَضَى هذا، أنَّه إن رَبِح فله الأقَلُّ مِمّا شَرَط له أو أجْرِ مِثْلِه. وعن أحمدَ مثلُ ذلك؛ لأنَّ الأُجْرَةَ إن كانت أكْثَرَ، فقد رَضِيَ بإسْقاطِ الزّائدِ منها عن المُسَمَّى، لرِضائِه به، وإن كانت أقَلَّ، لم يَسْتَحِقَّ أكْثَرَ منها؛ لفَسادِ التَّسْمِيَةِ بفَسادِ العَقْدِ، لأنَّه لو اسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ، لتَوَسَّلَ إلى فَسادِ العَقْدِ [إذا رأى] (٣) الخُسْرانَ. والمَشْهُورُ الأوَّلُ؛ لأنَّ تَسْمِيَةَ الرِّبْحِ مِن تَوابِعِ المُضارَبَةِ أو رُكْنٌ مِن أرْكانِها، فإذا
стр. 6694
وَإنْ شَرَطَا تَأْقِيتَ الْمُضَارَبَةِ، فَهَلْ تَفْسُدُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
فَسَدَتْ، فَسَدَتْ أرْكانُها وتَوابِعُها، كالصلاةِ. ونَمْنَعُ وُجُوبَ المُسَمَّى في النِّكاحِ الفاسِدِ، وإذا لم يَجِبْ له المُسَمَّى، وَجَب أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما عَمِل ليَأخُذَ المُسَمَّى، فإذا لم يَحْصُلْ له، وَجَب رَدُّ عَمَلِه إليه، وهو مُتَعَذِّرٌ، فتَجِبُ قِيمَته، وهي أجْرُ مِثْلِه، كما لو تَبايَعا بَيعًا (١) فاسِدًا، وتَقابَضا، وتَلِف أحَدُ العِوَضَين في يَدِ قابضِه، وَجَب رَدُّ بَدَلِه. فعلى هذا، له أجْر المِثْلِ، سواءٌ ظَهَر في المالِ رِبْحٌ أَو لم يَظْهَرْ. فإن رَضِيَ المُضارِبُ بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ، مثلَ أن يَقُولَ: قارَضْتُك والرِّبْحُ كلُّه لي. فالصَّحِيحُ أنَّه لا شيءَ للمُضارِبِ ههُنا؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بعَمَلِه، أشْبَهَ ما لو أعانَه في شَيْءٍ، أو تَوَكَّلَ له بغيرِ جُعْلٍ، أو أخَذَ له بِضاعَةً.
الفصلُ الثّالِثُ، أن لا يَضْمَنَ ما تَلِف بغيرِ تَعَدِّيه وتَفْرِيطِه؛ لأنَّ ما كان المَقْبُوضُ في صَحِيحِه مَضْمُونًا، كان مَضْمُونًا في فاسِدِه، وما لم يُضْمَنْ في صَحِيحِه لم يُضْمَنْ في فاسِدِه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَضْمَنُ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يَضْمَنُ ما قَبَضَه في صَحِيحِه، فلا يَضْمَنُ في فاسِدِه، كالوَكالةِ، ولأنَّها إذا فَسَدَتْ صارت إجارَةً، ولا يَضْمَنُ مَنُ الأجِيرُ ما تَلِف بغيرِ فِعْلِه ولا تَعَدِّيه، كذلك ههُنا.
٢٠٧٥ - مسألة: (وإن شَرَطا تَأْقِيتَ المُضارَبَةِ، فهل تَفْسُدُ؟ على رِوَايَتَين) وتَأْقِيتُها أن يَقُولَ: ضارَبْتُك على هذه الدَّراهِمِ سَنَةً، فإذا
стр. 6695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انْقَضَتِ السنَةُ فلا تَبعْ ولا تَشْتَرِ. إحداهما، يَصِحُّ. قال مُهَنّا: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ أعْطىَ رجلًا ألْفًا مُضارَبَةً شَهْرًا، فإذا مَضَى شهْرٌ تَكُونُ قَرْضًا. قال: لا بَأْسَ به. قُلْتُ: فإن جاء الشَّهْرُ وهي مَتاعٌ. قال: إذا باع المَتاعُ يَكُونُ قَرْضًا. وهذا قولُ أبي حنيفةَ. والثّانِيَةُ، لا يَصِحُّ. وهو قولُ الشافعيِّ، ومالكٍ، واخْتِيارُ أبي حَفْصٍ العُكْبَرِيِّ؛ لأمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أنَّه عَقْدٌ يَقَعُ مُطْلَقًا، فإذا شَرَط قَطْعَه لم يَصِحَّ، كالنِّكاحِ. الثّانِي، أنَّه ليس مِن مُقْتَضَى العَقْدِ ولا فيه له مَصْلَحَةٌ، أشْبَهَ إذا شَرَط أن لا يَبِيعَ. وبيانُ أنَّه ليس مِن مُقْتَضَى العَقْدِ، أنَّه يَقْتَضِي أن يَكُونَ رَأْسُ المالِ ناضًّا، فإذا مَنَعَه البَيعَ لم يَنِضَّ. الثَّالِثُ، أنَّ هذا يُودِّي إلى ضَرَرٍ بالعامِلِ؛ لأنَّه قد يَكُونُ الرِّبْحُ والحَظُّ في تَبْقِيَةِ المَتاعِ وبَيعِه بعد السَّنَةِ، فيَمْتَنِعُ ذلك بمُضِيِّها. ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ يَتَوَقَّتُ بنَوْعٍ مِن المَتاعِ، فجاز تَوْقِيتُه في الزَّمانِ، كالوَكالةِ. والمَعْنَى الأوَّلُ الذي ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالوَكالةِ
стр. 6696
وَإن قَال: بعْ هَذَا الْعَرْضَ وَضارِبْ بِثَمَنِهِ. أو: اقْبِضْ وَدِيعَتِي وَضَارِبْ بها. أو: إِذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَضَارِبْ بِهَذَا. صَحَّ.
ــ
والوَدِيعَةِ، والثّانِي والثّالِثُ يَبْطُلُ بتَخْصِيصِه بنَوْعٍ مِن المَتاع، ولأنَّ لرَبِّ المالِ مَنْعَه مِن التَّصَرُّفِ في كلِّ وَقْتٍ، إذا رَضِيَ أن يأْخُذَ بمالِه عَرْضًا (١)، فإذا شَرَط ذلك فقد شَرَط ما هو مِن مُقْتَضَى العَقْدِ، فصَحَّ، كما لو قال: إذا انْقَضَتِ السَّنَةُ فلا تَشْتَرِ شيئًا. وقد سَلَّمُوا صِحَّةَ ذلك.
٢٠٧٦ - مسألة: (وإن قال: بعْ هذا العَرْضَ وضارِبْ بثَمَنِه. أو: اقْبِضْ وَدِيعَتِي وضارِبْ بها. أو: إذا قَدِم الحاجُّ فضارِبْ بهذا. صَحَّ) في قَوْلِهم جَمِيعًا، ويَكُونُ وَكِيلًا في بَيعِ العَرْضِ، وقَبْضِ الوَدِيعَةِ،
стр. 6697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَأذُونًا له في التَّصَرُّفِ مُؤتَمَنًا عليه، فجاز جَعْلُه مُضارَبَةً، كما لو قال: اقْبِضِ المال مِن غُلامِي، فضارِبْ به. وأمّا إذا قال: إذا قَدِم الحاجُّ فضارِبْ بهذا. صَحَّ؛ لأنَّه أذِنَ في التَّصَرُّفِ، فجاز تَعْلِيقُه على شَرْطٍ مُسْتَقبَلٍ، كالوَكالةِ.
فصل: فإن كان في يَدِ إنْسانٍ وَدِيعَةٌ، فقال له رَبُّ الوَدِيعَةِ: ضارِبْ بها. صَحَّ. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأي. وقال الحَسَنُ: لا يَجُوزُ حتى يَقْبِضَها منه، قِياسًا على الدَّينِ. ولَنا، أنَّ الوَدِيعَةَ مِلْكُ رَبّ المالِ، فجاز أن يُضارِبَه عليها، كما لو كانت حاضِرَةً فقال: قارَضْتُك على هذه الألْفِ. وفارَقَ الدَّينَ؛ فإنَّه لا يَصِيرُ مِلْكًا للغَرِيمِ إلَّا بقَبْضِه. فأمّا إن كانتِ الوَدِيعَةُ قد تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه وصارَتْ في الذمَّةِ، لم يَجُزْ أن يُضارِبَ عليها، لما نَذْكُرُه.
فصل: ولو كان له في يَدِ غيرِه مالٌ مَغْصُوبٌ، فضارَبَ الغاصِبَ به، صَحَّ؛ لأنَّه مالٌ لرَبِّ المالِ، يَصِحُّ بَيعُه لغاصِبِه ولمَن يَقْدِرُ على أخْذِه منه، فأشْبَهَ الوَدِيعَةَ. فإذا ضارَبَ به، سَقَط ضَمانُ الغَصْبِ بعَقْدِ المُضارَبَةِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. وقال القاضي: لا يَزُولُ ضَمانُ الغَصْبِ إلَّا بدَفْعِه ثَمَنًا. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ القِراضَ لا يُنافِي الضَّمانَ، بدَلِيلِ ما
стр. 6698
وَإنْ قَال: ضَارِبْ بِالدَّينِ الَّذِي عَلَيكَ. لَمْ يَصِحَّ.
ــ
لو تَعَدَّى فيه. ولَنا، أنَّه مُمْسِكٌ للمالِ بإذنِ مالِكِه (١) لا يَخْتَصُّ بنَفْعِه ولم يَتَعدَّ فيه، فأشْبَهَ ما لو قَبَضَه وقَبَّضَه إيّاه.
٢٠٧٧ - مسألة: (وإن قال: ضارِبْ بالدَّينِ الذي عليك. لم يَصِحَّ) نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ أكثَرَ: أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه [مِن أهْلِ] (٢) العِلْمِ، أنَّه لا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ الرجلُ دَينًا له على رجلٍ مُضارَبَةً. ومِمَّن حَفِظْنا ذلك عنه؛ عطاءٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأي. وبه قال الشافعيُّ. وقال بعضُ أصحابِنا: يَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى شيئًا للمُضارَبَةِ، فقد اشْتَراه بإذْنِ رَبِّ المالِ، ودَفَع الثَّمَنَ إلى (٣) مَن أذِنَ له في دَفْعِ ثَمَنِه إليه، فتَبْرأُ ذِمَّتُه منه، ويَصِيرُ كما لو دَفَع إليه عَرْضًا (٤) وقال: بِعْه وضاربْ بثَمَنِه. وجَعَل أصحابُ الشافعيِّ مَكانَ
стр. 6699
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا الاحْتِمالِ أنَّ الشِّراءَ لرَبِّ المالِ، وللمُضارِبِ أجْرُ مِثلِه؛ لأنه عَلَّقَه بشَرْطٍ (١)، ولا يَصِحُّ عندَهم تَعْلِيقُ القِراضِ بشَرْطٍ. والمَذْهَبُ الأول؛ لأنَّ المال الذي في يَدَيْ مَن عليه الدينُ له، وإنَّما يَصِيرُ لغرِيمِه بقَبْضِه، ولم يُوجَدِ القَبْضُ ههُنا. فإن قال له: اعْزِلِ المال الذي لي عليك وقد قارَضتُكَ عليه. ففَعَلَ، واشْتَرَى بعَينِ ذلك المالِ شيئًا للمُضارَبَةِ، وَقَع الشِّراءُ له؛ لانه اشْتَرَى لغيرِه بمالِ نَفْسِه، فحَصَلَ الشِّراءُ له. وإنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه، فكذلك؛ لأنَّه عَقَد القِراضَ على ما لا يَمْلِكُه، وعَلَّقَه على شَرْطٍ لا يَمْلِكُ به المال.
فصل: ومِن شَرْطِ صِحَّةِ المُضارَبَةِ كَوْنُ رَأسِ المالِ مَعْلُومَ المِقْدارِ. فإن كان مَجْهُولًا أو جُزافًا، لم تَصِحَّ، وإن شاهَداه. وبهذا قال الشافعيُّ.
стр. 6700
وَإنْ أخرَجَ مَالًا لِيَعْمَلَ هُوَ فِيهِ وَآخَرُ، وَالرِّبْحُ بَينَهُمَا، صَحَّ. ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
ــ
وقال أبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرأي: تَصِحُّ إذا شاهَداه، والقولُ قول العامِلِ مع يَمِينه في قَدْرِه، لأنَّه أمِينُ رَبِّ المالِ، والقولُ قَوْلُه فيما في يَدِه، فقامَ ذلك مَقامَ المَعْرِفَةِ به. ولَنا، أنَّه مَجْهُول، فلم تَصِحَّ المُضارَبَةُ به، كما لو لم يُشاهِداه، ولأنَّه لا يَدْرِي بكم يَرْجِعُ عندَ المُفاصَلَةِ، ويُفْضِي إلى المُنازَعَةِ والاخْتِلافِ في مِقْدارِه، فلم يَصِحَّ، كما لو كان في الكِيسِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالسَّلَمِ، وبما إذا لم يُشاهِداه (١).
فصل: ولو أحْضَرَ كِيسَين، في كلِّ واحِدٍ منهما مال مَعْلُومُ المِقْدارِ، وقال: قارَضْتُك على أحَدِهما. لم يَصِحَّ، سواء تَساوَى ما فيهما أو اخْتَلَفَ؛ لأنَّه عَقْدٌ تَمْنَعُ صِحَّتَه الجَهالةُ، فلم يَجُزْ على غيرِ مُعَيَّن، كالبَيعَ.
٢٠٧٨ - مسألة: (وإن أخْرَجَ مالًا ليَعْمَلَ فيه هو وآخَرُ، والرِّبْحُ بينَهما، صَحَّ. ذكَرَه الخِرَقِيُّ) ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايةِ أبِي الحارِثِ. وتَكُونُ مُضارَبَةً؛ لأنَّ غيرَ صاحِبِ المالِ يَسْتَحِقُّ المَشْرُوطَ له
стр. 6701
وَقَال الْقَاضِي: إذَا شَرَطَ الْمُضَارِبُ أنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ، لَمْ يَصِحَّ، وَإنْ شَرَطَ عَمَلَ غُلَامِهِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
ــ
مِن الرِّبْحِ بعَمَلِه في مالِ غيرِه، وهذا حَقِيقَة المضارَبَةِ، (وقال) أبو عبدِ اللهِ ابن حامِدٍ، و (القاضي)، وأبو الخَطّابِ: (إذا شَرَط أن يَعْمَلَ معه رَبُّ المالِ، لم يَصِحَّ). وهذا مَذْهَب مالكٍ، والشافعيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأصحابِ الرأىِ، وأبي ثَوْر، وابنِ المنذرِ. وقال: ولا تَصِحُّ المضارَبَة حتى تسَلِّمَ المال إلى العامِلِ ويخَلِّيَ بينَه وبينَه؛ لأنَّ المضارَبَةَ تَقْتَضِي تَسْلِيمَ المالِ إلى المضارِبِ، فإذا شَرَط عليه العَمَلَ فيه ولم يُسَلِّمْه، فيُخالِف مَوْضُوعَها. وتَأولَ القاضِي كَلامَ أحمدَ والخِرَقِيِّ، على أنَّ رَبَّ المالِ عَمِل
стр. 6702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيه مِن غيرِ اشْتِراطٍ. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لأنَّ العَمَلَ (١) أحَدُ رُكْنَي المُضارَبَةِ، فجاز أن يَنْفَرِدَ به أحَدُهما مع وُجُودِ الأمْرَين مِن الآخَرِ، كالمالِ. وقَوْلُهم: إنَّ المُضارَبَةَ تَقْتَضِي تَسْلِيمَ المالِ إلى العامِلِ. مَمْنُوع، إنَّما تَقْتَضِي إطْلاقَ التَّصَرُّفِ في مالِ غيرِه بجُزْء مُشَاع مِن رِبْحِه، وهذا حاصِل مع اشْتِراكِهما في العَمَلِ، ولهذا لو دَفَع ماله إلى اثْنَين مُضارَبَةً، صَحَّ، ولم يَحْصُلْ تَسْلِيمُه إلى أحَدِهما.
فصل: وإن شَرَط أن يَعْمَلَ معه غُلامُ رَبِّ المالِ، صَحَّ. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الشافعيِّ، وقولُ أكْثَرِ أصْحابِه (٢). ومَنَعَه بعضُهم. وهو قولُ القاضي؛ لأنَّ يَدَ الغُلامِ كيَدِ سَيِّدِه. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهان؛ أحَدُهما: الجَوازُ؛ لأنَّ عَمَلَ الغُلامِ مال لسيِّدِه، فَصَحَّ ضَمُّه إليه، كما يَصِحُّ أن يَضُمَّ إليه بَهِيمَتَه يَحْمِلُ عليها. والثانِي، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِ سَيِّدِه.
стр. 6703
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإنِ اشْتَرَكَ مالانِ ببَدَنِ صاحِبِ أحَدِهما، فهذا يَجْمَعُ شَرِكةً ومُضارَبَة، وهو صَحِيح. فلو كان بينَ رَجُلَين ثَلاثةُ آلافِ دِرْهم؟ لأحَدِهما ألْف وللآخَرِ ألْفانِ، فأذِنَ صاحِبُ الألْفَين لصاحِبِ الألْفِ أن يَتَصَرّفَ فيه على أن يَكُونَ الرِّبْحُ بينَهما نِصْفَينِ، صحّ، ويَكُونُ لصاحِبِ الألْفِ ثُلُثُ الرِّبْحِ بحَقِّ مالِه، والباقي وهو ثُلُثا الرِّبْحِ، بينَهما؛ لصاحِبِ الألْفَين ثَلاثةُ أرْباعِه، وللعامِلِ رُبْعُه، وذلك لأنَّه جَعَل له نِصْفَ الرِّبْحِ فجَعَلْناه سِتَّةَ أسْهُم، منها ثَلاثة للعامِلِ، حِصَّةُ مالِه سَهْمان، وسَهْم يَسْتَحِقه بعَمَلِه في مالِ شَرِيكِهِ، وحِصةُ مالِ شَرِيكِه أرْبعَةُ أسْهُم، للعامِلِ سَهْم، وهو الرُّبْعُ. فإن قِيلَ فكيفَ تَجُوزُ المُضارَبَةُ ورَأسُ المالِ مُشَاع؟ قُلْنا: إنَّما تَمْنَعُ الإشاعةُ الجَوازَ إذا كانت مع غيرِ العامِلِ؛ لأنَّها تَمْنَعُه مِن التَّصَرُّفِ، [بخِلافِ ما إذا كانت مع العامِلِ، فإنَّها لا تَمْنَعُه مِن التَّصَرُّفِ] (١)، فلا تَمْنَعُ صِحَّةَ المُضارَبَةِ. وإن شَرَط للعامِلِ ثُلُثَ الرِّبْحِ فقط، فمالُ صاحِبِه بِضاعةٌ في يَدِه ولَيسَتْ مُضارَبَة؛ لأنَّ المُضارَبَةَ
стр. 6704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنما تَحْصُلُ إذا كان الرِّبْحُ بينَهما، فأمّا إذا قال: رِبْحُ مالِكَ لك ورِبْحُ مالِي لي. فقَبِلَ الآخَرُ، كان إبْضاعًا لا غيرُ. وبِهذا كلِّه قال الشافعي. وقال مالِك: لا يَجُوزُ أن يَضُمَّ إلى القِراضِ شَرِكةً، كما لا يَجُوزُ أن يَضُم إليه عَقْدَ إجارَةٍ. ولَنا، أنهما لم يَجْعَلَا أحَدَ العَقْدَين شَرْطًا للآخرِ، فلم يَمْنَعْ مِن جَمْعِهما، كما لو كانْ المالُ مُتَمَيِّزًا.
فصل: إذا دَفَع إليه ألْفًا مُضارَبَةً، وقال: أضِفْ إليه ألْفًا مِن عِنْدِك واتَّجِرْ بهما، والرِّبْحُ بينَنَا، لك ثُلُثاه ولِي ثُلثه. جاز، وكان شَرِكَةً وقِراضًا. وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ إذا وَقَعَتْ على المالِ، كان الرِّبْحُ تابِعًا له دُونَ العَمَلِ. ولَنا، أنهما تَساوَيا في المالِ، وانْفَرَدَ أحَدُهما بالعَمَلِ، فجاز أن يَنْفَرِدَ بزِيادَةِ الرِّبْحِ، كما لو لم يَكُنْ له مال. قَوْلُهم: إنَّ الرِّبْحَ تابع للمالِ وحدَه. مَمْنُوع، بل هو تابع لهما، كما أنه حاصِل بهما. فإن شَرَط غيرُ العامِلِ لنَفْسِه ثُلُثَي الرِّبْحِ، لم يَجُزْ. وقال القاضي: يَجُوزُ، بِناءً على جَوازِ تَفاضُلِهما في شَرِكَةِ العِنانِ. ولَنا، أنه شَرَطَ لنَفْسِه جُزْءًا مِن الرِّبْحِ لا مُقابِلَ له، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ رِبْحَ مالِ العامِلِ المُنْفَرِدِ، وفارق شَرِكةَ العِنَانِ؛ لأنَّ فيها عَمَلًا منهما، فجاز أن يَتَفاضَلا في الرِّبْح؛ لتَفاضُلِهما في العَمَلِ، بخِلافِ مَسْألتِنا. وإن جَعَلا الرِّبْحَ بينَهما نِصْفين، ولم يَقُولا: مُضارَبَةً. جازَ، وكان إبْضاعًا، كما تَقَدَّمَ. وإن قالا: مُضارَبَة. فَسَد العَقْدُ؛ لِما ذَكَرْناه.
стр. 6705
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّ حُكْمَ المُضارَبَةِ حُكْمُ الشَّرِكَةِ فيما للعامِلِ أن يَفْعَلَه أوْ لا يَفْعَلَه، والذي اخْتُلِفَ فيه في حَقِّ الشَّرِيكِ، فكذلك في حَق عامِلِ المُضارَبَةِ. وهل له أن يَبِيعَ نَساءً إذا لم يُنْهَ عنه؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، ليس له ذلك. وبه قال مالك، وابنُ أبي لَيلَى، والشافعيُّ؛ لأنَّه نائِب في البَيعِ، فلم يَجُزْ له ذلك بغيرِ إذْنٍ، كالوَكِيلِ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّ النائِبَ لا يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ إلَّا على وَجْهِ الحَظِّ والاحْتِياطِ، وفي النَّسِيئَة تَغْرِيرٌ بالمالِ. والثّانِيَةُ، يَجُوزُ له ذلك. وهو قولُ أبي حنيفةَ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيل؛ لأنَّ إذنه في التِّجارَةِ والمُضارَبَةِ يَنْصَرِفُ إلى التِّجارَةِ المُعْتادَةِ، وهذا عادَةُ التُّجّارِ، ولأنَّه يَقْصِدُ به الرِّبْحَ، والرِّبْحُ في النَّساءِ أكْثَرُ، والحُكْمُ في الوَكالةِ مَمْنُوع، ثم الفَرْقُ بينَ الوَكالةِ المُطْلَقَةِ والمُضارَبَةِ، أنَّ الوَكالةَ المَقْصُودُ منها تَحْصِيلُ الثَّمَنِ فحَسْبُ، ولا تَخْتَصُّ بقَصْدِ الرِّبْحِ، فإذا أمْكَنَ تَحْصِيلُه مِن غيرِ خَطَر، كان أوْلَى، ولأنَّ الوَكالةَ المُطْلَقَةَ في البَيعِ تَدُلُّ على أنَّ حاجَةَ المُوَكِّلِ (١) إلى الثَّمَنِ ناجزَة، فلم يَجُزْ تَأخِيرُه، بخِلافِ المُضارَبَةِ. فإن قال له: اعْمَلْ برأَيِكَ. أو: تَصَرَّفْ كيف شِئْتَ. فله البَيعُ نَساءً. وقال الشافعي: ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا، أشْبَهَ ما لو لم يَقُلْ له ذلك. ولَنا، أنَّه داخِل
стр. 6706
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في عُمُوم لَفْظِه، وقَرِينةُ حالِه تَدُلُّ على رِضاه برأيِه في صِفاتِ البَيعِ وفي أنْواعِ التِّجارَةِ، وهذا منها. فإذا قُلْنَا: له البَيعُ نَساءً. فالبَيعُ صَحِيح، ومهما فات مِن الثَّمَنِ. لا يَضْمَنُه، إلَّا أن يُفَرِّطَ ببَيعِ مَن لا يوثَقُ به، أو مَن لا يَعْرِفُه، فيَضْمَنُ الثمَنَ المُنْكَسِرَ على المُشْتَرِي. وإن قُلْنا: ليس له البَيعُ نَساءً. فالبَيعُ باطِل؛ لأنه فَعَل ما لم يُؤذَنْ له فيه، فهو كالبَيع. مِن الأجْنَبِيِّ، إلَّا على الروايَةِ التي تَقُولُ: يَقِفُ بَيعُ الأجْنَبِيِّ على الإِجازةِ. فههُنا مِثْلُه. ويَحْتَمِلُ كَلامُ الخِرَقِيِّ صِحةَ البَيعِ؛ فإنه قال: إذا باع المُضارِبُ نَساءً بغيرِ إذْنٍ، ضَمِن. ولم يَذْكُرْ فَسادَ البَيعِ. وعلى كلِّ حالٍ يَلْزَمُ العامِلَ الضمانُ؛ لأنَّ ذَهابَ الثَّمَن حَصَل بتَفْرِيطِه. وإذا قُلْنا بفَسادِ البَيعِ، ضَمِن المَبِيعَ بقِيمَتِه، إذا تَعَذر عليه اسْتِرْجاعُه، بتلَف المَبِيعِ أو امْتِناعِ المُشْتَرِي مِن رَده إليه. وإن قُلْنا بصِحتِه، احْتَملَ أن يَضْمَنَه بقِيمَتِه أيضًا؛ لأَنه لم يَفُتْ بالبَيعِ أكثرُ منها، ولا يَنْحَفِظُ (١) فيَ بتركِه سواها، وزيادَةُ الثمَن حَصَلَتْ بتَفْرِيطِه، فلا يَضْمَنُها، واحْتَمَل أن يَضْمَنَ الثَّمَنَ؛ لأنه وَجَب بالبَيعِ، وفات بتَفرِيطِ البائِعِ. فعلى هذا، إن نَقَص عن القِيمَةِ، فقد انْتَقَلَ الوُجُوبُ إليه، بدَلِيلِ أنه لو حَصَل الثَّمنُ، [لم يَضْمَنْ] (٢) شيئًا.
стр. 6707
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وهل له السَّفَرُ بالمالِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له ذلك. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، لأنَّ في السَّفَرِ تَغْرِيرًا بالمالِ وخَطَرًا، ولهذا يُرْوَى: «إنَّ المُسافِرَ [وماله] (١) على قَلَتٍ، إلَّا ما وقَى الله» (٢) أي هَلاكٍ. ولا يَجُوزُ له التَّغْرِيرُ بالمالِ بغيرِ إذْنِ مالِكِه. والثّانِي، له السَّفَرُ به إذا لم يَكُنْ مَخُوفًا. قال القاضي: قِياسُ المَذْهَبِ جَوازُه، بِناءً على السَّفَرِ بالوَدِيعَةِ. وهو قولُ مالك. وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، لأنَّ الإذْنَ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى ما جَرَتْ به العادَةُ، والعادَةُ جارِيَة بالتِّجارَةِ سَفَرًا و (٣) حَضَرًا، ولأنَّ المُضارَبَةَ مُشْتَقَّة مِن الضَّرْبِ في الأرْضِ، فمَلَكَ ذلك بمُطْلَقِها. وهذان الوَجْهانِ في المُطْلَقِ. فأمّا إن أذِنَ فيه أو نُهِيَ عنه، أو وُجِدَتْ قَرِينة دالَّة على أحَدِ الأمْرَينِ، تَعَيَّنَ ذلك، وجاز مع الإِذْنِ (٤)، وحَرُم مع النَّهْي. وليس له السَّفَرُ في مَوْضع مَخُوفٍ، على كِلا الوَجْهَين. وكذلك لو أذِنَ لا في السَّفَرِ مُطْلَقًا، لم يَكُنْ له السَّفَرُ في طَرِيقٍ مَخُوفٍ، ولا إلى بَلَدٍ مَخُوفٍ، فإن فَعَل فهو ضامِن لما يَتْلَفُ؛ لأنَّه تَعَدَّى بفِعْلِ ما ليس له فِعْلُه.
فصل: وليس للمُضارِب البَيعُ بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، ولا أن يَشْتَرِيَ بأكثر منه مِمّا لا يَتَغابَنُ الناسُ بمِثْلِه، فإن فَعَل، فقد رُوِيَ عن أحمدَ،
стр. 6708
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ البَيعَ يَصِحُّ، ويَضْمَنُ النقْصَ، كالوَكِيلِ، ولأنَّ الضَّرَرَ يَنْجَبِرُ بضَمانِ النَّقْصِ. قال شيخُنا (١): والقِياسُ بُطلانُ البَيعِ. وهو مذهَبُ الشافعي؛ لأنَّه بَيع لم يُؤذَنْ فيه، أشْبَهَ بَيعَ الأجْنَبِيِّ. فعلى هذا، إن تَعَذرَ رَدُّ المَبِيعِ، ضَمِن النَّقْصَ أيضًا، وإن أمْكَنَ رَدُّه، وَجَب إن كان باقِيًا، أو قِيمَتُه إن تَلِف، ولرَب المالِ مُطالبَةُ مَن شاء مِن العامِلِ أو المشتَرِي، فإن أخَذَ مِن المُشْتَرِي بقِيمَتِه، رَجَع المُشْتَرِي على العامِلِ بالثَّمَن، وإن رَجَع على العامِلِ بِقِيمَتِه، رَجَع العامِلُ على المُشْتَرِي بها ورَدَّ عليه الثَّمَنَ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يَدِه. أمّا ما يَتَغابَنُ الناسُ بمِثْلِه فلا يُمْنَعُ منه؟ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. وأمّا إذا اشْتَرَى بأكْثَرَ مِن ثَمَن المِثْلِ بعَينِ المالِ، فهو كالبَيعِ. وإنِ اشْتَرَى في الذمةِ، لَزِم العامِلَ دُونَ رَب المالِ إلَّا أن يُجِيزَه، فيَكُونَ له. هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِي. وقال القاضي: إن أطْلَقَ الشِّراءَ ولم يَذْكُرْ رَبَّ المالِ، فكذلك، وإن صَرَّحَ للبائِعِ أنِّي اشْتَرَيتُه فُلانٍ، فالبَيعُ باطِل أيضًا.
فصل: وهل له أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ بغيرِ نَقْدِ البَلَدِ؟ على رِوايَتَين؛ أصَحُّهما، جَوازُه إذا رَأى المَصْلَحةَ فيه والرِّبْحَ حاصِلًا به، كما يَجُوزُ أن يَبِيعَ عَرْضًا بعَرْض ويَشْتَرِيَه به. فإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ ذلك. ففَعَلَ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو اشْتَرَى أو باع بغيرِ ثَمَنِ المِثْلِ. وإن قال: اعْمَلْ برَأيِك.
стр. 6709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فله ذلك، وهل له الزِّراعَةُ (١)؟ يَحْتَمِلُ أن لا يَملِكَها؛ لأن المُضارَبَةَ لا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِها الزِّراعة (١)، وقد رُوِيَ عن أحمدَ، ﵀، في مَن دَفَع إلى رجلٍ ألْفًا، وقال: اتَّجِرْ فيها بما شِئْتَ. فزَرَعَ زَرْعًا، فرَبحَ فيه، فالمُضارَبَة جائِزَة، والرِّبْحُ بينَهما. قال القاضي: ظاهِرُ هذا أن قَوْلَه: اتُّجِرْ بما شِئْتَ. دَخَلَتْ فيه المُزارَعةُ؛ لأنها مِن الوُجُوهِ التي يبتغَى بها النَّماءُ. فعلى هذا، لو تَوَى المالُ في المُزارَعَةِ، لم يَلْزَمْهُ ضَمانُه.
فصل: وله أن يَشْتَرِيَ المَعِيبَ إذا رَأى المَصْلَحةَ فيه؛ لأن المَقْصُودَ الرِّبْحُ، وقد يَكُونُ الرِّبْحُ في المَعِيبِ. فإنِ اشْتَراه يَظنه سَلِيمًا فبانَ مَعِيبًا، فله فِعْلُ ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ؛ مِن رَدِّه، أو إمْساكِه وأخْذِ الأرْش. فإنِ اخْتَلَفَ العامِلُ ورَبُّ المالِ في الرَّدِّ، فطَلَبه أحَدُهما، واصباه الآخَرُ، فَعَل ما فيه النَّظَرُ والحَظُّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ تَحْصِيلُه، فيُحْمَلُ الأمْرُ على ما فيه الحَظُّ. وأمّا الشريكان إذا اخْتَلَفا في رَد المَعِيبِ، فلِطَالِبِ الرَّدِّ رَدُّ نصِيبِه، وللآخَرِ إمْساكُ نَصِيبِه، إلَّا أن لا يَعْلَمَ البائِعُ أنَّ الشِّراءَ لهما، فلا يَلْزَمُه قَبُولُ رَدِّ بَعْضِه؛ لأنّ ظاهِرَ الحالِ أن العَقْدَ لمَن وَلِيَه، فلم يَجُزْ إدْخالُ الضَّرَرِ على البائِعِ بتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عليه. ولو أرادَ الذي وَلِيَ العَقْدَ رَدَّ بعضِ المَبِيعِ وإمْساكَ البَعْضِ، كان (٢) حُكْمُه حُكْمَ ما لو أرادَ شَرِيكُه ذلك، على ما فَصَّلْناه. واللهُ أعلمُ.
стр. 6710
فصلٌ: وَلَيسَ لِلْعَامِلِ شِرَاءُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ. فَإِنْ فَعَلَ، صَحَّ، وَعَتَقَ، وَضَمِنَ ثَمَنَهُ. وَعَنْهُ، يَضْمَنُ قِيمَتَهُ، عَلِمَ
ــ
فصل: قال الشيخُ، ﵁: (وليس للعامِلِ شِراءُ مَن يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ) [بغيرِ إذْنِه] (١)؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، ولأنَّه لا حَظَّ للتِّجارةِ فيه. فإنِ اشْتَراه بإذْنِ رَبِّ المالِ، صَحَّ؛ لأنَّه يَصِحُّ شِراؤه بنَفْسِه، فإذا أذِنَ لغيرِه فيه، جاز، ويَعْتِقُ عليه، وتَنْفَسِخُ المُضارَبَةُ في قَدْرِ ثَمَنِه، [لأنَّه قد تَلِف، ويُحْسَبُ على رَبِّ المالِ، فإن كان ثَمَنُه كلَّ المالِ، انْفَسَخَتِ المُضارَبَةُ] (١) وإن كان في المالِ رِبْح، رَجَع العامِلُ بحِصَّتِه منه، فإن كان بغيرِ إذْنِ رَبِّ المالِ، احْتَمَلَ أن لا يَصِح الشراءُ إذا كان الثَّمَنُ عَينًا؛ لأنَّ العامِلَ اشْتَرَى ما ليس له أن يَشْتَرِيَه، فهو كما لو اشْتَرَى شيئًا بأكثرَ مِن ثَمَنِه، ولأنَّ الإذْنَ في المُضارَبَةِ إنَّما يَنْصَرفُ إلى ما يُمْكِنُ بَيعُه والرِّبْحُ فيه، وليس هذا كذلك. وإن كان اشْتَراه في الذِّمَّةِ، وَقَع الشِّراءُ للعاقِدِ، وليس له دَفْعُ الثَّمَنِ مِن مالِ المُضارَبَةِ، فإن فَعَل، ضَمِن. وهذا قولُ الشافعيِّ وأكثرَ الفُقَهاءِ. وقال القاضي: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ صِحَّةُ
стр. 6711
أوْ لَمْ يَعْلَمْ. وَقَال أبو بَكْر: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ، لَمْ يَضْمَنْ. وَيَحْتَمِل ألا يَصِحَّ البَيع.
ــ
الشِّراءِ؛ لأنَّه مالٌ متَقَوَّم قابِل للعُقُودِ، نصَحَّ شِراؤه، كما لو اشْتَرَى مَن نَذَر رَبُّ المالِ عتْقَه، ويَعْتِق على رَبِّ المالِ، وتَنْفَسِخ المضارَبَةُ فيه، ويَلْزَمُ العامِلَ الضَّمانُ، على ظاهِرِ كَلامٍ أحمدَ، عَلِم بذلك أو جَهِل، لأنَّ مال المضارَبَةِ تَلِف بسَبَبِه، ولا فَرْق في (١) الإتْلافِ المُوجبِ للضّمانِ بينَ العِلْمِ والجَهْلِ. ويَضْمَنُ قِيمَتَه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَت فيه ثم تَلِف، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَه بفِعْلِه. والثّانِي، يَضْمَن الثمَنَ الذي اشْتَراه به، لأنَّ التفْرِيطَ منه حَصَل بالشِّراءِ وبَذْلِ الثَّمَنِ فيما يَتْلَفُ بالشِّراء، فكان عليه ضَمانُ ما فَرّطَ فيه. ومتى ظَهَر في المالِ رِبْح، فللعامِلِ حِصته منه. (وقال أبو بَكْر: إن لم يَعْلَمِ) العامِلُ أنَّه يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ (لم يَضْمَنْ)
стр. 6712
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّ التَّلَفَ حَصَل لمَعْنًى في المَبِيعِ (١) لم يَعْلَمْ به، فلم يَضْمَنْ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيبَه، فتَلِفَ به. قال: ويَتَوَجَّهُ أن لا يَضْمَنَ، وإن
عَلِم.
стр. 6713
وإنِ اشْتَرَى امْرَأتهُ، صَحَّ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُ.
ــ
٢٠٧٩ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى امْرَأتَه، صَح، وانْفَسَخَ نكاحُهما) لأنَّه مَلَكَها، فإن كان قبْلَ الدُّخولِ، فهل يَلْزَمُ الزَّوْجَ نِصْف الصَّداقِ؟ فيه وَجْهان، يُذْكَران فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى. فإن قُلْنا: يَلْزَمُه. رَجَع به على العامِلِ؛ لأنه سبَبُ تَقْرِيرِه عليه، فرَجَعَ عليه، كما لو أفْسَدَتِ امْرأة نِكاحَه بالرَّضَاعِ. وإنِ اشْتَرَى زَوْجَ رَبَّةِ المالِ، صَحَّ، وانْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّها مَلَكَتْ زَوْجَها. وهذا قول أبي حنيفةَ. وقال
стр. 6714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشافعي (١): لا يَصِح الشِّراءُ إلا أن يَكُونَ بإذْنِها؛ لأن الإذْن إنَّما يَتَناوَلُ شِراءَ مالها فيه حَظ، وهذا الشِّراءُ يَضُر بها؛ لأنَّه يَفْسَخُ نِكاحَها، ويُسْقِط حَقها (٢) مِن النفَقَةِ والكُسْوَةِ، فلم يَصِحَّ، كشِراءِ ابنها (٣). ولَنا، أنه اشْتَرَى ما يُمْكِنُ طَلَبُ الرِّبْحِ فيه، فجاز، كما لو اشْتَرَى أجْنَبِيًّا، ولا ضَمانَ على العامِلِ فيما يَفُوتُ مِن المَهْرِ ويَسْقُطُ مِن النَّفَقَةِ؛ لأنَّ ذلك لا يَعُودُ إلى المُضارَبَةِ، وإنَّما هو بسَبَب آخَرَ، ولا فَرْقَ بينَ شِرائِه في الذِّمةِ أو بعَينَ المالِ.
فصل: وإنِ اشْتَرَى المَأذُونُ له مَن يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ بإذْنِه، صَحَّ وعَتَق. فإن كان على المَأذُونِ له دَين يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه وما في يَدِه، وقلنا: يَتَعَلَّقُ الدَّينُ برَقَبَتِه. فعليه دَفْعُ قِيمَةِ العَبْدِ الذي عَتَق إلى الغُرَماءِ؛ لأنَّه الذي أتْلَفَ عليهم بالعتْقِ. وإن نَهاه عن الشِّراءِ، فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّه يَمْلِكُه بالإذْنِ، وقد زال بالنَّهْي. وإن أطْلَقَ الإذْنَ، فقال أبو الخَطّابِ: يَصِح شِراؤه؛ لأنَّ مَن يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَه السَّيِّدُ، صَحَّ مِن (٤) المَأذُونِ له، كالأجْنَبِيِّ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ إذا أذِنَ له في التِّجارَةِ ولم يَدْفَعْ إليه مالًا. وقال القاضي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ فيه إتْلافًا على السَّيِّدِ، فإنَّ إذنه يَتَناوَلُ ما فيه حَظ، فلا يَدْخُلُ فيه الإِتْلافُ. وفارَقَ عامِلَ
стр. 6715
وَإنِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْح، لَمْ يَعْتِقْ، وَإنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
المضارَبَةِ؛ لأنَّه يَضْمَنُ القِيمَةَ، فيَزُولُ الضَّرَرُ. وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين. وإنِ اشترَى امْرأةَ رَبِّ المالِ، أو زَوْجَ رَبَّةِ المالِ، فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَين أيضًا، كَشِراءِ مَن يَعْتِقُ بالشراءِ.
٢٠٨٠ - مسألة: (وإنِ اشْتَرى) المُضارِبُ (مَن يَعْتِقُ) عليه، صَحَّ الشِّراءُ، فإن (لم يَظْهَرْ في المالِ رِبْح، لم يَعْتِقْ) منه شيء (وإن ظَهَر) فيه (رِبْحٌ) ففيه وَجْهان، مَبْنِيّان على العامِلِ متى يَمْلِكُ الرِّبْحَ؟ فإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالقِسْمَةِ. لم يَعْتِقْ منه شيء؛ لأنَّه [ما مَلَكَه] (١). وإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالظُّهُورِ. ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَعْتِقُ. وهو قولُ أبي بكر؛ لأنَّه لم يتمَّ مِلْكُه عليه؛ لكَوْنِ الرِّبْحِ وقايةً لرَأسِ المالِ، فلم يَعْتِقْ؛ لذلك. والثاني، يَعْتِقُ بقَدْرِ حِصَّتِه مِن الرِّبْحِ، إن كان مُعْسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه باقِيه
стр. 6716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه (١) مَلَكَه بفِعْلِه، فعَتَقَ عليه، كما لو اشْتَراه بمالِه. وهذا قولُ القاضِي، ومَذْهَبُ أصحابِ أبي حنيفةَ، لكنْ عِنْدَهم يسْتَسْعى في بَقِيَّته إن كان مُعْسِرًا. ولَنا رِوايَة كقَوْلِهم. وإنِ اشْتَراه ولم يَظْهَرْ رِبْحٌ، ثم ظَهَر بعدَ ذلك، والعَبْدُ باقٍ في التِّجارَةِ، فهو كما لو كان الربحُ ظاهِرًا وَقْتَ الشِّراءِ. وقال الشافعيُّ: إنِ اشْتَراه بعدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، لم يَصِحَّ؛ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أن يُنْجزَ العامِلُ حَقَّه قبلَ رَبِّ المالِ. ولَنا، أنَّهما شَرِيكان، فصَحَّ شِراءُ كلِّ واحِدٍ منهما مَن يَعْتِقُ عليه، كشَرِيكَيِ العِنانِ.
стр. 6717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وليس للمُضارِبِ أن يَشْترِيَ بأكثر مِن رَأسِ المالِ؛ لأنَّ الإِذْنَ ما تَناوَلَ أكْثَرَ منه. فإذا كان رَأسُ المالِ ألْفًا، فاشْتَرَى عَبْدًا بألْفٍ، ثم اشْتَرَى عَبْدًا آخَرَ بِعَينِ الألْفِ، فالشِّراءُ فاسِد؛ لأنَّه اشْتَرَى بمالٍ (١) تسْتَحَقُّ تَسْلِيمه في البَيعِ الأوَّلِ. وإنِ اشْتَراه في ذِمَّتِه، صَحَّ الشِّراء، والعَبْد له؛ لأنَّه اشْتَرَى في ذِمَّتِه لغيرِه بغيرِ إذْنِه في شِرَائِه فوَقَعَ له (٢). وهل يَقِفُ على إجازَةِ رَبِّ المالِ؟ على رِوايَتَين. ومَذْهَب الشافعيِّ كنَحْو ما ذَكَرْنا.
فصل: وليس للمُضارِبِ وَطْءُ أمَةِ المُضارَبَةِ (٣)، سَواءٌ ظَهَر رِبْحٌ أو لا، فإن فَعَل، فعليه المَهْرُ والتَّعْزِيرُ. وإن عَلِقَتْ منه ولم يَظْهَرْ في المالِ رِبْحٌ، فوَلَده رَقِيق؛ لأنَّها عَلِقَتْ منه في غيرِ مِلْكٍ، ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، ولا تَصِير أمَّ وَلَدٍ له؛ لذلك. وإن ظَهَر في المالِ رِبْح، فالوَلَدُ حُرٌّ، وتَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ له، وعليه قِيمَتُها. ونحوَ ذلك قال سفيان،
стр. 6718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإسْحاقُ. وقال القاضي: إن لم يَظْهَرْ رِبْحٌ، فعليه الحَدُّ؛ لأنه وَطِئ في غيرِ مِلْكٍ (١) ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ عليه التَّعْزِيرَ فقط؛ لأنَّ ظُهُورَ الرِّبْحِ يَنْبَنِي على التَّقْويمِ، وهو غيرُ مُتَحَقق، لاحْتِمالِ أنَّ السلع تُساوي أكْثَرَ مما قُوِّمَتْ به، فيَكُونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ، فإنّه يُدْرَأ بالشُّبُهاتِ.
فصل: وليس لرَبِّ المالِ وَطْءُ الأمَةِ أيضًا؛ لأنَّه يَنْقُصُها إن كانت بِكْرًا، ويُعَرِّضُها للخُرُوجِ مِن المُضارَبَةِ والتَّلَفِ، فإذ فَعَل، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه، فإن أحْبَلَها، صارتْ أمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُر؛ لذلك (٢)، وتَخْرُجُ مِن المُضارَبَةِ، وتُحْسَبُ قِيمَتُها، ويُضافُ إليها بَقِيَّةُ المالِ، فإن كان فيه رِبْح فلِلعامِلِ حِصَّتُه منه. وليس لواحِدٍ منهما تَزْويجُ الأمَةِ؛ لأنه يَنْقُصُها، ولا مُكاتَبَةُ العَبْدِ كذلك (٣). فإنِ اتَّفَقا عليه جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.
فصل: وليس للمُضارِبِ دَفْعُ المالِ مُضارَبةً بغيرِ إذْنٍ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وحَرْب، وعبدِ اللهِ. وخَرَّجَ القاضي وَجْهًا (٤) في جَوازِ ذلك، بِناءً على تَوْكِيلِ الوَكِيلِ. ولا يَصِحُّ هذا التَّخْرِيجُ والقِياسُ؛ لأنَّه إنَّما دَفَع إليه المال ههُنا ليُضارِابَ به، ودَفْعُه إلى غيرِه مُضارَبَةً يُخْرِجُه
стр. 6719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن كَوْنِه مُضارِبًا له، بخِلافِ الوَكِيلِ. ولأنَّ هذا يُوجِبُ في المالِ حَقًّا لغيرِه، ولا يَجُوزُ إيجابُ حَقٍّ في مالِ إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعي. ولا يُعْلَمُ عن غيرِهم خِلافُهم. فإن فَعَل فلمْ يَتْلَفِ المالُ ولا ظَهَر فيه رِبْحٌ، رَدَّه إلى مالِكِه، ولا شيءَ له ولا عليه. وإن تَلِف أو رَبِح فيه، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر: هو في الضَّمانِ والتّصَرُّفِ كالغاصِبِ، ولرَبِّ المال مُطالبةُ مَن شاء منهما برَدِّ المالِ إن كان باقِيًا، وبِرَدِّ بَدَلِه إن تَلِف أو تَعَذَّرَ رَدُّه، فإن طالب الأوَّلَ وضَمَّنَه قِيمَةَ التّالِفِ، ولم يكنِ الثّانِي عَلِم الحال، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ؛ لأَنه دَفَعَه إليه على وَجْهِ الأمانَةِ. وإن عَلِم، رَجَع عليه؛ لأنَّه قَبَض مال غيرِه على سَبِيلِ العُدْوانِ، وقد تَلِف تحتَ يَدِه، فاستقَرَّ عليه ضَمانُه. وإن ضَمَّنَ الثّانِيَ مع عِلْمِه بالحالِ، لم يَرْجِعْ على الأوَّلِ. وإن لم يَعْلَمْ، فكذلك في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يده، فاستقَرَّ الضَّمانُ عليه. والثّانِي، يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه غَرَّه، أشْبَهَ المَغْرُورَ بحُرِّيَّةِ أمَةٍ. وإن رَبِح، فالرِّبْحُ للمالِكِ، ولا شيءَ للمُضارِبِ الأوَّلِ، لأَنَّه لم يُوجَدْ منه مال ولا عَمَل. وهل للثّانِي أجْرَةُ مِثْلِه؟ على رِوايَتَين، إحْداهما، له ذلك، لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه بعِوَض لم يُسَلَّمْ له، فكان له أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبَةِ الفاسِدَةِ. والثّانِيَةُ، لا شيءَ له، لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه (١)، أشْبَهَ الغاصِبَ. وفارَقَ المُضارَبَةَ؛ لأنَّه عَمِل في مالِه بإذْنِه. وسواء اشْتَرَى بِعَينِ المالِ أو في الذِّمَّةِ.
стр. 6720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَحْتَمِلُ أنَّه إنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ يَكُونُ الربْحُ له؛ لأنَّه رَبِح فيما اشْتَراه في ذِمَّتِه مِمّا لم يَقَعِ الشِّراءُ فيه لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو لم (١) يَنْقُدِ الثَّمَنَ مِن مالِ المُضارَبَةِ. قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر: هذا قولُ أكثرَهم. يَعْنِي قولَ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان عالِمًا بالحالِ فلا شيءَ للعامِلِ، كالغاصِبِ، وإن جَهِل الحال، فله أجْرُ مِثْلِه، يَرْجِعُ به على المُضارِبِ (٢) الأوَّلِ؛ لأنَّه غَرَّه واسْتَعْمَلَه بعِوَض لم يُسَلمْ له، فكان أجْرُه عليه، كما لو استعْمَلَه في مالِ نَفْسِه. وقال القاضي: إنِ اشْتَرَى بعَين المالِ، فالشِّراءُ باطِل، وإنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ ثم نَقَد المال، وكان قد شَرَطَ رَبُّ المالِ للمُضارِب النصْفَ، فدَفَعَه المُضارِبُ إلى آخَرَ على أنَّ لرَبِّ المالِ النِّصْفَ والنِّصْفَ الآخَرَ بينَهما، فهو على ما اتَّفَقُوا عليه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضِيَ بنِصْفِ الرِّبْحِ، فلا يَدْفَعُ [إليه أكْثَرَ منه، والعامِلان على ما اتَّفَقا عليه. وهذا قولُ الشافعيِّ في القَدِيمِ. وليس هذا موافقًا لأصُولِ المَذْهَبِ] (٣)، ولا لنَصِّ أحمدَ؛ فإنَّ أحمدَ قال: لا يَطِيبُ الرِّبْحُ للمُضارِبِ. ولأنَّ المضارِبَ الأوَّلَ ليس له عَمَل ولا ما لم، ولا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ في المُضارَبَةِ إلَّا بواحِدٍ منهما، والثّانِيَ عَمِل في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه ولا شَرْطِه، فلم يَسْتَحِقَّ ما شَرَطَه له غيرُه، كما لو دَفَعَه (٤) إليه الغاصِبُ
стр. 6721
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُضارَبَةً، ولأنَّه إذا (١) لم يَسْتَحِق ما شَرَطَه له رَبُّ المالِ في المُضارَبَةِ الفاسِدَةِ، فما شَرَطَه له غيرُه بغيرِ إذْنِه أوْلَى.
فصل: فإن أذِنَ رَبُّ المالِ في ذلك، جاز. نَصَّ عليه أحمدُ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ويَكُونُ المُضارِبُ الأوَّلُ وَكِيلَ رَبِّ المالِ في ذلك. فإذا دَفَعَه إلى آخَرَ ولم يَشرُطْ لنَفْسِه شيئًا مِن الرِّبْحِ، كان صَحِيحًا. وإن شَرَط لنَفْسِه شيئًا منه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس مِن جِهَتِه ما لم ولا عَمَلٌ، والرِّبْحُ إنَّما يُسْتَحَقُّ بواحدٍ (٢) منهما. فإن قال: اعْمَلْ برأيِكَ -أو- بما أراكَ الله. جاز له دَفْعُه مُضارَبَةً. نَصَّ عليه؛ لأنَّه قد يَرَى أن يَدْفَعَه إلى أبصَرَ منه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ له ذلك؛ لأنَّ قَوْلَه: اعْمَلْ برأيِكَ. يَعْنِي في كَيفِيَّةِ المُضارَبَةِ والبَيعِ والشراءِ وأنواعِ التِّجارَةِ، [وهذا] (٣) يَخْرُجُ به عن المُضارَبَةِ، فلا يَتَناوَلُه إذنه.
فصل: وليس له أن يَخْلِطَ مال المُضارَبَةِ بمالِه، فإن فَعَل ولم يَتَمَيَّزْ، ضَمِنَه، لأنَّه أمانَة، فهو كالوَدِيعَةِ. فإن قال له: اعْمَلْ برأيِكَ. جاز ذلك. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرّأي. وقال الشافعي: ليس له ذلك، وعليه الضَّمانُ إن فَعَلَه؛ لأن ذلك ليس مِن التِّجارَةِ. ولَنا، أنَّه قد يَرَى الخَلْطَ أصْلَحَ له، فيَدْخُلُ في قَوْلِه: اعْمَلْ
стр. 6722
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
برأيِكَ. وهكذا القولُ في المُشارَكَةِ به، ليس له فِعْلُها، إلَّا أن يَقُولَ له: اعْملْ برَأيِكَ. فيَمْلِكُها.
فصل: وليس له شِراءُ خَمْرٍ ولا خِنْزِير، سواء كانا مُسْلِمَينِ أو كان أحَدُهما مُسْلِمًا، فإن فَعَل، فعليه الضَّمانُ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان العامِلُ ذِمِّيًّا، صَحَّ شِراوه للخَمْرِ وبَيعُه إيّاها؛ لأنَّ المِلْكَ عندَه يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، وحُقُوقُ العَقْدِ تَتعلَّقُ به. وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَصِحُّ شِراؤه إيّاها، ولا يَصِحُّ بَيعُه؛ لأنَّه يَبِيعُ ما ليس بمِلْكٍ له ولا لمُوَكِّلِه (١). ولَنا، أنَّه إن كان العامِلُ مُسْلِمًا، فقد اشْتَرَى خَمْرًا، ولا يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ خَمْرًا ولا يَبِيعَه، وإن كان ذِمِّيًّا، فقد اشْتَرَى للمُسْلِم ما لا يَصِحُّ أن يَمْلِكَه ابْتِداءً، فلا يَصِحُّ، كما لو اشْتَرَى الخِنْزِيرَ، ولأن الخَمْرَ مُحَرَّمَة، فلم يَصِحَّ شِراؤها له (٢)، كالخِنْزِيرِ والمَيتَةِ، ولأنَّ ما لا يَجُوزُ بَيعُه لا يَجُوزُ شِراؤه، كالمَيتَةِ والدَّمِ. وكلُّ ما جازَ في الشَّرِكَةِ جاز في المُضارَبَةِ، وما جازَ في المُضارَبةِ جاز في الشَّرِكةِ، وما مُنِعَ منه (٣) في إحْداهما (٤) مُنِعَ منه في الأخْرَى؛ لأنَّ المُضارَبَةَ شَرِكة (٥)، ومَبْنَى كلِّ واحِدٍ منهما على الوَكالة والأمانَةِ.
стр. 6723
وَلَيسَ لِلْمُضَارِبِ أنْ يُضَارِبَ لِآخَرَ، إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَر عَلَى الأوَّلِ. فَإن فَعَلَ، رَدَّ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الأوَّلِ.
ــ
٢٠٨١ - مسألة: (وليس للمُضارِبِ أن يُضارِبَ لآخَرَ، إذا كان فيه ضَرَر على الأوَّلِ. فإن فَعَل، رَدَّ نَصِيبَه من الرِّبْحِ في شَرِكَةِ الأوَّلِ) وجُملةُ ذلك، أنَّه إذا أخَذَ مِن إنْسانٍ مُضارَبَةً، ثم أرادَ أخْذَ مُضارَبَة مِن آخَرَ بإذْنِ الأوَّلِ، جاز. وكذلك إن لم يَأذَنْ ولم يَكُنْ عليه ضَرَر، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. فإن كان فيه ضَرَر على الأوَّلِ، ولم يَأذَنْ، مِثلَ أن يَكُونَ المال الثانِي كَثِيرًا يَسْتَوْعِبُ زَمانَه فيَشْغَلُه عن التِّجارَةِ في الأوَّلِ، أو يَكُونَ المالُ الأوَّلُ كثيرًا متى اشْتَغَلَ عنه بغيرِه انْقَطَعَ عن بعضِ تَصَرُّفاتِه، لم يَجُزْ ذلك. وقال أكْثَرُ الفُقَهاءِ: يَجُوزُ؛ لأنَّه عَقْد لا يَمْلِكُ به مَنافِعَه كُلَّها، فلم يَمْنَعْ مِن المُضارَبَةِ، كما لو لم يَكُنْ فيه ضَرَر، وكالأجِيرِ المُشْتَرَكِ. ولَنا، أنَّ المُضارَبَةَ على الحَظِّ والنَّماءِ، فإذا فَعَل ما يَمْنَعُه، لم يَجُزْ له، كما لو أرادَ التَّصَرُّفَ بالعَينِ، وفارَقَ ما لا ضَرَرَ فيه. فعلى هذا، إن فَعَل ورَبِح، رَدَّ الرِّبْحَ في شَرِكَةِ الأوَّلِ، ويَقْسِمانِه، فيَنْظُرُ ما رَبِح في المُضارَبَةِ
стр. 6724
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثّانِيَةِ، فيَدْفَعُ إلى رَبِّ المالِ منه (١) نَصِيبَه، ويَأخُذُ المُضارِبُ نَصِيبَه مِن الرِّبْحِ فيَضُمُّه إلى رِبْحِ المُضارَبَةِ الأولَى، ويُقاسِمُه لرَبِّ المُضارَبَةِ الأولَى؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ حِصَّتَه مِن الرِّبْحِ بالمَنْفَعَةِ التي استُحِقَّتْ بالعَقْدِ الأوَّلِ، فكان بينَهما، كَرِبْحِ المالِ الأولِ. فأمّا حِصَّةُ رَبِّ المالِ الثّانِي مِن الرِّبْحِ فتُدْفَعُ إليه؛ لأنَّ العُدْوانَ مِن المُضارِبِ لا يُسْقِطُ حَقَّ رَبِّ المالِ الثّانِي، ولأنّا لو رَدَدْنا رِبْحَ الثانِي كلَّه في الشَّرِكَةِ الأولَى، لاخْتَصَّ الضَّرَرُ برَبِّ المالِ الثّانِي، ولم يَلحَقِ المُضارِبَ شيءٌ مِن الضَّرَرِ، والعُدْوانُ منه، بل رُبَّما انْتَفَعَ إذا كان قد شَرَط الأوَّلُ النِّصْفَ والثّانِي الثُّلُثَ، ولأنَّه لا يَخْلُو؛ إمّا أن يُحْكَمَ بفَسادِ المُضارَبَةِ الثّانِيَةِ، أو بصِحَّتِها، فإن كانت فاسِدَةً، فالرِّبْحُ كُله لرَبِّ المالِ، وللمُضارِبِ أجْرُ مِثْلِه، وإن حَكَمْنا بصِحَّتِها، وَجَب صَرْفُ حِصَّةِ رَبِّ المالِ إليه بمُقْتَضى العَقْدِ ومُوجِبِ الشَّرْطِ. قال شيخُنا (٢): والنَّظَرُ يَقْتَضِي أن لا يَسْتَحِق
стр. 6725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَبُّ المُضارَبَةِ الأولَى مِن رِبْحِ الثَّانِيَةِ شيئًا؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بمالٍ أو عَمَل، ولم يُوجَدْ واحِد منهما، وتَعَدِّي المُضارِبِ إنَّما هو بتَرْكِ العَمَل واشْتِغالِه عن المالِ الأوَّلِ، وذلك لا يُوجِبُ عِوَضًا، كما لو اشْتَغَلَ بالعَمَلِ في مالِ نَفْسِه، أو آجَرَ نفْسَه، أو تَرَك التِّجارَةَ للَعِبٍ أو اشْتِغالٍ بعِلْم أو غيرِ ذلك. ولأنه لو أوْجَبَ عِوَضًا لأوْجَبَ شيئًا مُقَدَّرًا لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَقَدَّرُ برِبْحِه (١) في الثّانِي. والله أعلمُ.