. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنِ اسْتَأجَرَ أجِيرًا، فَلْيُعْلِمْهُ أجْرَهُ» (١). ويُعْتَبَرُ العِلْمُ بالرُّؤيَةِ أو بالصِّفَةِ، كالبَيعِ. فإن كان العِوَضُ مَعْلُومًا بالمُشاهَدَةِ دُونَ القَدْرِ، كالصُّبْرَةِ، جاز في أحَدِ الوَجْهَين، كالثَّمَنِ في البَيعِ. والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قد يَنْفَسِخُ العَقْدُ بعدَ تَلَفِ الصُّبْرَةِ، فلا يَدْرِي بكم يَرْجِعُ، فاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِه، كعِوَضِ السَّلَمِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ، ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّ المَنْفَعَةَ هاهُنا أُجْرِيَتْ مُجْرَى الأعْيانِ؛ لأنها مُتَعلِّقةٌ بعَينٍ حاضِرَةٍ، والسَّلَمُ يتَعَلَّقُ بمَعْدُومٍ، فافْتَرَقا. وللشافعيِّ نَحْوُ ما ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.
فصل: وكُلُّ ما جاز أن يكونَ ثَمَنًا في البَيعِ، جاز عِوَضًا في الإِجارَةِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيعَ.
стр. 6897
إلا أنَّهُ يَصِحُّ أن يَسْتَأجِرَ الأجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ. وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ.
ــ
٢١٤٨ - مسألة: (إلَّا أنَّه يجوزُ أن يَسْتَأجِرَ الأجِيرَ بطَعَامِه وكُسْوَتِه، وكذلك الظِّئْرُ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في مَن اسْتَأجَرَ أجيرًا بطَعامِه وكُسْوَتِه، أو جَعَل له أجْرًا وشَرَط طَعامَه وكُسْوَتَه، فرُوىَ عنه جوازُ ذلك. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وإسحاقَ. ورُوِيَ عن أبي بكر، وعُمَرَ، [وأبي موسى] (١)، ﵃، أنَّهم اسْتَأجَرُوا الأجَراءَ بطَعامِهم وكُسْوَتِهم. ورُوِيَ عنه، أنَّ ذلك جائِزٌ في الظِّئْرِ دُونَ غيرِها. اخْتارَه القاضي. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛
стр. 6898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّ ذلك مَجْهُولٌ، وإنَّما جازَ في الظِّئْرِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). أوْجَبَ لَهُنَّ النَّفَقَةَ والكُسْوَةَ على الرَّضاعِ، ولم يُفَرِّقْ بينَ المُطَلَّقَةِ وغيرِها، بل في الآيَةِ قَرينةٌ تَدُلُّ على طَلاقِها؛ لأنَّ الزَّوْجَةَ تَجِبُ نَفَقَتُها وكُسْوَتُها بالزَّوْجِيَّةِ وإن لم تُرْضِعْ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. والوارِثُ ليس بزوجٍ. ولأنَّ المَنْفَعَةَ في الرَّضاعِ والحَضانَةِ غيرُ مَعْلُومةٍ، فجاز أن يكونَ عِوَضُها كذلك. ورُوِيَ عنه رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ ذلك لا يَجُوزُ بحالٍ، في الظِّئْرِ ولا في غيرِها. وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ اخْتِلافًا كثيرًا مُتَبايِنًا، فيَكُون مَجْهُولًا، والأجْرُ مِن شَرْطِه أن يَكُونَ مَعْلُومًا. ولَنا، ما روَى ابنُ ماجه (٢) عن عُتْبَةَ بنِ النُّدَّرِ، قال: كُنّا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ فَقَرأ: ﴿طسم﴾ حتى إذا بَلَغ قِصَّةَ موسى ﵇ قال.: «إنَّ موسَى أجَرَ نَفْسَه ثَمَانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ، وطَعَامِ بَطْنِه». وشَرْعُ
стр. 6899
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَن قبلَنا شَرْعٌ لَنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه. وعن أبي هُرَيرَةَ أنَّه قال: كُنْتُ أجِيرًا لابنةِ غَزْوانَ بطعامِ بَطْنِي، وعُقْبَةِ رِجْلِي (١)، أحْطِبُ لهم إذا نَزَلُوا، وأحْدُو بهم إذا رَكِبُوا. رواه الأثْرَمُ، وابنُ ماجه (٢). ولأنَّه فِعْلُ مَن ذَكَرْنا مِن الصَّحابَةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه قد ثَبَت في الظِّئرِ في الآيَةِ، فيَثْبُتُ في غيرِها بالقِياسِ عليها، ولأنَّه عِوَضُ مَنْفَعةٍ، فقام العُرْفُ فيه مَقامَ التَّسْمِيَةِ، كنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ. ولأنَّ للكُسْوَةِ عُرْفًا، وهي كُسْوَةُ الزَّوْجاتِ، وللإطْعامِ عُرْفٌ، وهو الإطْعامُ في الكَفّاراتِ، فجاز إطْلاقُه، كنَقْدِ البَلَدِ. ونَخُصُّ أبا حَنِيفةَ بأنَّ ما جاز عِوَضًا في الرَّضاعِ، جاز في الخِدْمَةِ، كالأثْمانِ. إذا ثَبَت هذا، وتَشاحّا في مِقْدارِ الطعامِ والكُسْوةِ، رَجَع في القُوتِ إلى الإطْعامِ في الكَفّارَةِ، وفي الكُسْوَةِ (٣) إلى أقَل مَلْبُوسِ مثلِه؛ لأنَّ الإِطْلاقَ (٤) يُجْزِء فيه أقَلُّ ما يَتَناوَلُه اللَّفْظُ، كالوَصِيَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على المَلْبُوسِ في الكَفّارَةِ، كالمَطْعُومِ. قال أحمدُ: إذا تَشاحّا في الطَّعامِ حُكِم بمُدٍّ كُلَّ يَوْمٍ. ذَهَب به إلى ظاهِرِ ما أمَرَ الله تعالى مِن إطْعامِ
стр. 6900
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَساكِينِ، ففَسَّرَتْ ذلك السُّنَّةُ بأَنه مُدٌّ لكُلِّ مِسْكِين. ولأنَّ الإِطْعامَ مُطْلَقٌ في المَوْضِعَين، فما فُسِّرَ به أحَدُهما يُفَسَّرُ به الآخَرُ. وليس له إطْعامُ الأجِيرِ إلَّا ما يُوافِقُه مِن الأغْذِيةِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا، ولا يُمْكِنُه اسْتِيفاءُ الواجِبِ له منه.
فصل: فإن شَرَط الأجِيرُ كُسْوَةً ونَفَقَةً مَعْلُومة مَوْصُوفَةً، كصِفَتِها في السَّلَمِ، جاز عندَ الجميعِ، وإن لم يَشْرُطْ طَعامًا ولا كُسْوَةً، فنَفَقَتُه وكُسْوَتُه على نَفْسِه، وكذلك الظِّئرُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ عن أحَدٍ خِلافًا فيما ذَكَرْتُ. وإن شَرَط للأجِيرِ طَعامَ غيرِه وكُسْوَتَه مَوْصُوفًا، جاز؛ لأنَّه مَعْلُومٌ، فهو كما لو شَرَط دَراهِمَ مَعْلُومَةً، ويَكُونُ ذلك للأجِيرِ، إن شاء أطْعَمَه، وإن شاء تَرَكَه. وإن لم يَكُنْ مَوْصُوفًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك مَجْهُولٌ، احْتَمَلَ فيما إذا شَرَطَه للأجِيرِ للحاجةِ إليه وجَرْيِ العادَةِ به، فلا يَلْزَمُ احْتِمالُها مع عَدَمِ ذلك. ولو اسْتَأجَرَ دابَّةً بعَلَفِها، أو بأجْرٍ مُسَمَّى وعَلَفِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، ولا عُرْفَ له يَرْجِعُ إليه، ولا نَعْلَمُ أحدًا قال بجَوازِه، إلَّا أن يَشْتَرِطَه مَوْصُوفًا، فيَجُوزُ.
فصل: فإنِ اسْتَغْنَى الأجِيرُ عن طَعامِ المُسْتَأجِرِ بطَعامِ نَفْسِه أو غيرِه، أو عَجَز عن الأكْلِ لمَرَضٍ أو غيرِه، لم تَسْقُطْ نَفَقتُه، وكان له المُطالبَةُ بها؛ لأنَّها عِوَضٌ، فلا تَسْقُطُ بالغِنَى عنه، كالدَّراهِمِ. وإنِ
стр. 6901
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
احْتاجَ إلى دَواءٍ لمَرَضِه، لم يَلْزَمِ المُسْتَأجِرَ؛ لأنَّه لم يَشْرُطْ له إلَّا طَعامَ الأصِحّاءِ، لكنْ يَلْزَمُه بقَدْرِ طَعام الصَّحِيحِ؛ لأنَّ ما زاد على ذلك لم يَقَعِ العَقْدُ عليه، فلم يَلْزَمْ، كالزَّائِدِ في القَدْرِ.
فصل: فإن قَبَضَ الأجيرُ طَعامَه، فأحَبَّ أن يَسْتَفْضِلَ بعضَه لنَفْسِه، وكان المُؤجِرُ دَفَع إليه أكْثَرَ مِن الواجِبِ له ليَأكُلَ منه قَدْرَ حاجَتِه ويُفْضِلَ الباقيَ، أو كان في تَرْكِه لأكْلِه كُلِّه ضَرَرٌ على المُؤْجِرِ، بأن يَضْعُفَ عن العَمَلِ، أو يَقِلَّ لَبَنُ (١) الظِّئْرِ، مُنِع منه؛ لأنَّه في الصُّورَةِ الأولَى لم يُمَلِّكْه، وإنَّما أباحَه قَدْرَ حاجَتِه. وفي الثانيةِ على المُؤْجِرِ ضَرَرٌ بتَفويتِ بعضِ مَنْفَعَتِه عليه، فمُنِع منه، كالجَمّالِ إذا امْتَنَعَ مِن عَلْفِ الجِمالِ. وإن دَفَع إليه قَدْرَ الواجِبِ فَقَط أو أكثرَ منه، فمَلَّكَه إيّاه، ولم يكنْ في تَفْضِيله لبعضِه ضَرَرٌ بالمُؤْجِرِ، جاز؛ لأنَّه [حَقٌّ لا ضَرَرَ] (٢) فيه على المُؤْجِرِ، أشْبَهَ الدَّراهِمَ.
стр. 6902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن قَدَّمَ إليه طَعامًا فنُهِبَ أو تَلِف قبلَ أكْلِه، وكان على مائِدةٍ لا يَخُصُّه فيها بطَعامِه، فهو مِن ضَمانِ المُسْتَأجِرِ؛ لكَوْنِه لم يُسَلِّمْه إليه. وإن خَصَّه بذلك وسَلَّمَه إليه، فهو مِن [ضَمانِ الأجِيرِ] (١)؛ لأنَّه تَسَلَّمَ عِوَضَه على وَجْهِ التَّمليكِ، أشْبَهَ البَيعَ.
فصل: قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنّا: لا بَأسَ أن يَحْصُدَ الزَّرْعَ، ويَصْرِمَ النَّخْلَ، بسُدْسِ ما يَخرُجُ منه، وهو أحَبُّ إليَّ مِن المُقاطَعَةِ. إنَّما جاز هاهُنا؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالمُشاهَدَةِ، وهي أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، ومَن عَلِم شيئًا عَلِم جُزْءَه المُشاعَ، فيكونُ أجْرًا مَعْلُومًا. واختارَه على المُقاطَعَةِ معَ جَوازِها (٢)؛ لأنَّه رُبَّما لم (٣) يَخْرُجْ مِن الزَّرْعِ مثلُ الذي قاطَعَ عليه، وهاهُنا هو أقَلُّ منه يَقِينًا.
فصل: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الظِّئْرِ بطَعامِها وكُسْوَتِها، وفيه خِلافٌ ذَكَرْناه. وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على اسْتِئْجارِ الظِّئْرِ، وهي المُرْضعَةُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤). واسْتَرْضَعَ النبيُّ ﷺ لوَلَدِه إبراهيمَ (٥). ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه أكْثَرَ مِن الحاجَةِ إلى غيرِه، فإنَّ الطِّفْلَ في العادَةِ إنَّما يَعِيشُ بالرَّضاعِ، وقد يَتَعَذَّرُ
стр. 6903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَضاعُه مِن أُمِّه، فجاز ذلك، كالإجارَةِ في سائرِ المَنافِعِ. فإنِ اسْتَأجَرَها للرَّضاعِ دُونَ الحَضانَةِ، أو للحضانَةِ دُونَ الرَّضاعِ، أو لَهما، جازَ. وإن أطْلَقَ العَقْدَ على الرَّضاعِ، دَخَلَتْ فيه الحَضانةُ في أحدِ الوَجْهَينِ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأي؛ لأنَّ العُرْفَ جارٍ بأنَّ المُرْضِعَةَ تَحْضُنُ الصَّبِيَّ، فَحُمِلَ (١) الإطْلاقُ عليه. والثاني، لا تَدْخُلُ. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ العَقْدَ ما تَناوَلَها. ولأصْحابِ الشافعيِّ كهذين الوَجْهَينِ. والحَضانَةُ: تَرْبِيةُ الصَّبِيِّ وحِفْظُه وجَعْلُه في سَرِيرِه، ورَبْطُه، ودَهْنُه، وكَحْلُه، وتَنْظِيفُه، وغَسْلُ خِرَقِه، وأشْباهُ ذلك. واشْتِقاقُه مِن الحِضْنِ، وهو ما تحتَ الإِبطِ وما يَلِيه. وسُمِّيَتِ التَّرْبِيةُ حَضانةً تَجَوُّزًا مِن حَضانَةِ الطَّيرِ لبَيضِه وفِراخِه؛ لأنَّه يَجْعَلُها تحتَ جَناحِه، فَسُمِّيَتْ تَرْبِيةُ الصَّبِيِّ بذلك أخْذًا مِن فِعْلِ الطّائِرِ.
فصل: ولهذا العَقْدِ أرْبَعةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، العِلْمُ بمُدَّةِ الرَّضاعَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه إلَّا بِها؛ لأنَّ السَّقْيَ والعَمَلَ فيها يَخْتَلِفُ. الثاني، مَعْرِفةُ الصَّبِيِّ بالمُشاهَدَةِ؟ لأنَّ الرَّضاعَ يَخْتَلِفُ بكِبَرِ الصَّبِيِّ وصِغَرِه، ونَهْمَتِه وقَناعَتِه. وقال القاضي: يُعْرَفُ بالصِّفَةِ، كالرَّاكِبِ. الثالثُ، مَوْضِعُ الرَّضاعِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، فيَشُقُّ عليها في بَيته، ويَسْهُلُ في بَيتها. الرابعُ، مَعْرِفة العِوَضِ؛ لِما ذَكَرْنا.
стр. 6904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والمَعْقُودُ عليه في الرَّضاعِ خِدْمَةُ الصَبِيِّ وحَمْلُه ووَضْعُ الثَّدْيِ في فِيه، واللَّبَنُ تَبَعٌ، كالصِّبْغِ في إجارَةِ الصَّبّاغِ، وماءِ البِئْرِ في الدّارِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ عَينٌ، فلا يُعْقَدُ عليه في الإِجارَةِ، كلَبَنِ غيرِ الآدَمِيِّ. وقِيلَ: هو اللَّبَنُ. قال القاضي: وهو أشْبَهُ؛ لأنَّه المَقْصُودُ دُونَ الخِدْمَةِ، ولهذا لو أرْضَعَتْه ولم تَخْدُمْه، اسْتَحَقَّتِ الأجْرَةَ، ولو خَدَمَتْه ولم تُرْضِعْه، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. فجَعَلَ الأجْرَ مُرَتَّبًا على الإِرْضاعِ، فيَدُلُّ على أنَّه المَعْقُودُ عليه. ولأنَّ العَقْدَ لو كان على الخِدْمةِ، لَما لَزِمها سَقْيُه لَبَنَها، وإنَّما جازَ العَقْدُ عليه مع كَوْنِه عَينًا رُخْصَةً؛ لأنَّ غيرَه لا يَقُومُ مَقَامَه، والضَّرُورَةُ تَدْعُو إلى اسْتِيفائِه. وإنَّما جازَ في الآدَمِيِّينَ دُونَ سائِرِ الحَيَوانِ؛ للضَّرُورَةِ إلى حِفْظِ الآدَمِيِّ، والحاجةِ إلى إبْقائِه.
فصل: وعلى المُرْضِعَةِ أن تَأكُلَ وتَشْرَبَ ما يُدِرُّ لَبَنَها، ويَصْلُحُ به، وللمُكْتَرِي مُطالبَتُها بذلك؛ لأنَّه مِن تَمامِ التَّمْكِينِ مِن الرَّضاعِ، وفي تَرْكِه إضْرارٌ بالصَّبِيِّ. فإن لم تُرْضِعْه، لكِنْ سَقَتْه لَبَنَ الغَنَمِ، أو أطْعَمَتْه، فلا أجْرَ لها؛ لأنَّها لم تُوَفِّ المَعْقُودَ عليه، أشْبَهَ ما لو اسْتَأجَرَها لخِياطَةِ ثَوْبٍ، فلم تَخِطْه. وإن دَفَعَتْه إلى خادِمِها فأرْضَعَتْه، فكذلك. وبه قال أبو ثَوْرٍ. وقال أصحابُ الرَّأي (١): لها أجْرُها؛ لأنَّ رَضاعَه حَصَل بفِعْلِها. ولَنا، أنَّها لم تُرْضِعْه، أشْبَهَ ما لو سَقَتْه لَبَنَ الغَنَمِ، فإن قالت:
стр. 6905
وَيُسْتَحَبُّ أن تُعْطىَ عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أوْ وَلِيدَةً، إِذَا كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا.
ــ
أرْضَعْتُه. فأنْكَرَ المُسْتَرْضِعُ، فالقولُ قَوْلُها؛ لأنَّها مُؤْتَمَنَة.
٢١٤٩ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن تُعْطَى عندَ الفِطامِ عَبْدًا أو وَلِيدَةً، إذا كان المُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا) لِما روَى أبو داودَ (١) بإسْنادِه، عن هِشام بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن حَجّاجِ بنِ حَجّاجٍ الأسْلَمِيِّ، عن أبيه، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، ما يُذهِبُ عَنِّي مَذمَّةَ الرَّضاعِ؟ قال: «الغُرَّةُ؛ الْعَبْدُ (٢) أو الأمَةُ». قال الترْمِذِيُّ: حديثٌ حسن صَحيحٌ. المَذِمَّةُ بكَسْرِ الذّالِ، مِن الذِّمامِ، وبفَتْحِها مِن الذَّم. قال ابنُ عَقِيل: إنَّما خَصَّ الرَّقَبَةَ بالمُجازاةِ دُونَ غيرِها؛ لأنَّ فِعْلَها مِن الرَّضاعَةِ والحضانةِ سَبَبُ حَياةِ الوَلَدِ وبَقائِه وحِفْظِ رَقَبَتِه، فاسْتُحِبَّ جَعْلُ الجَزاءِ هِبَتَها
стр. 6906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[رَقَبَةً؛ [ليُناسِبَ ما] (١) بينَ النِّعْمَةِ والشُّكْرِ، ولهذا جَعَل الله تعالى المُرْضِعَةَ أمًّا، فقال سبْحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي] (٢) أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٣). وقال النبيُّ ﷺ : «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إلَّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ (٤) فَيُعْتِقَهُ» (٥). وإن كانتِ المُرْضِعَةُ مَمْلُوكَةً اسْتُحِبَّ إعْتاقها؛ لأنَّه يُحَصِّلُ أخَصَّ الرِّقابِ بها لها، وتَحْصُلُ به المجازاةُ التي جَعَلها النبيُّ ﷺ مُجازاةً للوالِدِ مِن النَّسَبِ.
стр. 6907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَجُوزُ للرَّجُلِ أن يُؤْجِرَ أمَتَه، ومُدَبَّرَتَه، وأُمَّ وَلَدِه، والمُعَلَّقَ عِتْقُها بصِفَةٍ، والمَأذُونَ لها في التِّجارَةِ للإرْضاعِ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنْفَعَتِها، أشْبَهَ إجارَتَها للخِدْمَةِ. وليس لواحِدَةٍ مِنْهُنَّ إجارَةُ نَفْسِها؛ [لأنَّ مَنْفَعَتَها] (١) لسَيِّدِها. فإن كان لها وَلَدٌ، لم يَجُزْ إجارَتُها للإرْضاعِ، إلَّا أن يكونَ فيها فَضْلٌ عن رِيِّه؛ لأنَّ الحَقَّ لوَلَدِها، ليس لسَيِّدِها إلَّا الفاضِلُ عنه. فإن كانت مُزَوَّجَةً، لم تَجُزْ إجارَتُها؛ لذلك، إلَّا بإذْنِ الزَّوْجَ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّه، لاشْتِغالِها عنه بالرَّضاعِ والحَضانَةِ. فإن أجَرَها
стр. 6908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للرَّضاعِ، ثم زَوَّجَها، صَحَّ النِّكاحُ، ولا تَنْفَسِخُ الإجارَةُ، وللزَّوْجِ الاسْتِمْتاعُ بها وَقْتَ فرَاغِها مِن الرَّضَاعِ والحَضانَةِ. وقال مالكٌ: ليس لزَوْجِها وَطْؤُها إلا برِضَى المُسْتأجِرِ؛ لأنَّه يَنْقُصُ اللبَنَ وقد
وإنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أوْ خَيَّاطٍ لِيَعْمَلَاهُ، وَلَهُمَا عَادَةٌ بِأُجْرَةٍ، صَحَّ، وَلَهُمَا ذَلِكَ، وَإنْ لَمْ يَعْقِدَا عَقْدَ إِجَارَةٍ. وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ، والرُّكُوبُ فِي سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ.
ــ
تَزْويجَها ولا وَطْأها ولا إجارَتَها لغيرِ الرَّضَاعِ، ولها أن تُؤْجِرَ نَفْسَها، لأنَّه مِن الاكتِسابِ.
٢١٥٠ - مسألة: (وإن دَفَعَ ثَوْبَه إلى خَيّاطٍ أو قَصّارٍ ليَعْمَلاهُ، ولهما عادَةٌ بأُجْرةٍ، صَحَّ، ولهما ذلك وإن لم يَعْقِدا عَقْدَ إجارَةٍ. وكذلك دُخُولُ الحَمَّامِ، والرُّكُوبُ في سَفِينةِ المَلَّاحِ) إذا دَفَعَ ثَوْبَه إلى خَيّاطٍ ليَخِيطَه،
стр. 6911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو قَصّارٍ لِيَقْصِرَهُ، مِن غيرِ عَقْدٍ ولا شَرْطٍ، ولا تَعْويض بأجْر، مثلَ أن يقولَ: خُذْ هذا فاعْمَلْه، وأنا أعْلَمُ أنَّك إنَّما تَعْمَلُه بأجْر. وكان الخَيّاطُ والقَصّارُ مُنْتَصِبَين لذلك، ففَعَلا ذلك، فلَهُما الأجْرُ. وقال أصْحابُ الشافعيِّ: لا أجْرَ لهما؛ لأنَّهما فَعَلا ذلك مِن غيرِ عِوَض جُعِلَ لهما، أشْبَهَ ما لو تَبَرَّعا بعَمَلِه. ولَنا، أن العُرفَ الجارِيَ بذلك يَقُومُ مَقامَ القَوْل، فصار كنَقْدِ البَلَدِ، وكما لو دَخَل حَمّامًا أو جلس في سَفِينةِ مَلَّاح، ولَأنَّ شاهِدَ الحالِ يَقْتَضِيه، فصار كالتَّعويضِ. فأمّا إن لِم يَكُونا مُنْتَصِبَين لذلك، لم يَسْتَحِقًّا أجْرًا إلَّا بعَقْدٍ أو شَرْطِ العِوَضِ، أو تعْويض به؛ لأنَّه لم يَجْرِ عُرْفٌ يَقُومُ مَقَام العَقْدِ، فهو كما لو تَبَرَّعَ به، أو عَمِلَه بغيرِ إذْنِ مالِكِه. وكذلك لو دَفَعَ ثَوْبَه إلى رَجُلٍ ليَبِيعَه، وكان مُنْتَصِبًا يَبِيعُ للنّاسِ بأجْرِ مِثْلِه، فهو كالقَصّارِ والخَيّاطِ فيما ذَكَرْنا، له الأجْرُ. نصَّ عليه أحمدُ. وإن لم يَكُنْ كذلك فلا شيءَ له؛ لِما تَقَدَّمَ. ومتى دَفَع ثَوْبَه إلى أحَدِ هؤُلاءِ ولم يُقاطِعْه على أجْرٍ، فله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الثِّيابَ يَخْتَلِفُ أجْرُها، ولم يُعَيِّنْ شيئًا، فجَرَى مَجْرى الإجارَةِ الفاسِدَةِ. فإن تَلِفَ الثَّوْبُ مِن حِرْزِه، أو بغيرِ فِعْلِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُضْمَنُ في العَقْدِ الصَّحِيحِ لا يُضْمَنُ في الفاسِدِ.
стр. 6912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا اسْتَأجَرَ رَجُلًا ليَحْمِلَ له كتابًا إلى مَكةَ أو غيرِها إلى إنْسانٍ، فحَمَلَه، فوَجَدَ المَحْمُولَ إليه غائِبًا، فرَدَّهُ، اسْتَحَق الأجْرَ لحَمْلِه في الذهابِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَمَلَه في الذَّهابِ بإذْنِ صاحِبِه صَرِيحًا، وفي الرَّدِّ تَضْمِينًا؛ لأنَّ تَقْدِيرَ كَلامِه: وإن لم تَجِدْ صاحِبَه فَرُدَّه. إذ ليس سِوَى رَدِّه إلا تَضْيِيعُه. وقد عَلِمَ أنَّه لا يَرْضَى تَضْيِيعَه، فتَعَيَّنَ رَدُّه.
стр. 6913
وَتَجُوزُ إجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ، وَخِدْمَةِ عَبْدٍ، وَتَزْويجِ امْرَأةٍ.
ــ
٢١٥١ - مسألة: (ويجوزُ إجارَةُ دارٍ بِسُكْنَى دارٍ، وخِدْمةِ عَبْدٍ، وتَزْويجِ امرأةٍ) وجُملةُ ذلك، أنَّ كل ما جازَ أن يكون ثَمَنًا في البَيعِ، جاز عِوَضًا في الإجارَةِ؛ لأنه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَه البَيعَ. فعلى هذا، يَجُوزُ أن يَكُونَ العِوَضُ عَينًا أو مَنْفَعَةً أُخْرَى، سَواءٌ كان الجِنْسُ واحدًا، كمَنْفَعةِ دارٍ بمَنْفَعةِ أُخْرَى. أو مخْتَلِفًا، كمَنْفَعةِ دارٍ بمَنْفَعةِ عَبْدٍ. قال أحمدُ: لا بَأسَ أن يَكْتَرِيَ بطَعَام مَوْصُوفٍ مَعْلُوم. وبه قال الشافعيُّ. قال اللهُ تعالى إخْبًارًا عن شُعَيب، أَنه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (١). فجَعَلَ النِّكاحَ عِوَضَ الإجارَةِ. وقال أبو حنيفةَ فيما حُكِيَ عنه: لا تَجُوزُ إجارَةُ دارٍ بسُكْنَى أخْرَى، ولا يَجُوزُ إلَّا أن يَخْتَلِفَ جِنْسُ المَنْفَعةِ، كَسُكْنَى دارٍ بمَنْفَعةِ بَهِيمةٍ؛ لأنَّ الجِنْس الواحِدَ عندَه يُحَرَّمُ النَّساءُ فيه. وكره الثَّوْرِيُّ الإجارَةَ بطَعام مَوْصُوفٍ. والصَّحِيحُ جِوازُه، وهو قولُ إسحاقَ، وأصحابِ الرَّأي، وقياسُ قوْلِ الشافعيِّ؛ لأنه عِوَضٌ يَجُوزُ في البَيعِ، فجازَ في الإجارَةِ، كالذَّهَبِ والفِضَّةِ. وما قاله أبو حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المنافِعَ في الإجارَةِ ليست في تَقْدِيرِ النَّسِيئةِ، ولو كانت نَسِيئةً ما جاز في جِنْسَينِ؛ لأنَّه يكونُ بَيعَ دَين بِدَين.
стр. 6914
وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْحَلْي بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ.
ــ
٢١٥٢ - مسألة: (وتَجُوزُ إجَارَةُ الحَلْي بأُجْرةٍ مِن جِنْسِه .
وقيلَ: لا تَصحُّ) تجوزُ إجارَةُ الحَلْي [للُّبْسِ والعارِيَّةِ] (١) نصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ ابْنِه عبدِ اللهِ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال في إجارَةِ الحَلْي: ما أدْرِي ما هو؟ قال القاضِي: هذا مَحْمُول على إجارَته بأُجْرةٍ مِن جِنْسِه، فأمّا بغيرِ جنْسِه، فلا بَأسَ؛ لتَصْرِيحِ أحمدَ بجَوازِه. وقال مالكٌ في إجارَةِ الحَلْي والثيابِ: هو مِن المُشْتَبِهاتِ. ولعَلَّه يَذْهَبُ إلى أنَّ المَقْصُودَ بذلك الزينَةُ، وليس ذلك مِن المَقاصِدِ الأصْلِيَّةِ. ومَن مَنَع ذلك بأجْرٍ مِن جِنْسِه، احْتَجَّ بأنَّها تَحْتَكُّ بالاسْتِعْمالِ، فيَذْهَبُ منه أجْزاء وإن كانت يَسِيرَةً، فيَحْصُلُ الأجْرُ في مُقابَلَتِها ومُقابَلَةِ الانْتِفاعِ بها، فيُفْضِي إلى بَيع ذَهَبٍ بذَهَبٍ وشيءٍ آخَرَ. ولَنا، أنَّها عَين يُنْتَفَعُ بها مَنْفَعَةً مُباحَة مَقْصُودَة مع بَقاءِ عَينها، فأشْبَهَتْ سائِرَ ما يَجُوزُ إجارَتُه. والزِّينَةُ مِن المقاصِدِ الأصْلِيَّةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى امْتَنَّ بها علينا بقَوْلِه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٢). وقولِه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (٣). وأباح الله تَعالى
стр. 6915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن التَّحَلِّي واللِّباسِ للنِّساءِ (١) ما حَرَّمَ على الرِّجَالِ؛ لحاجَتِهِنَّ إلى التَّزَيُّنِ للأزْواجِ، وأسْقَطَ الزَّكاةَ عن حَلْيِهِنَّ مَعُونَةً لَهُنَّ على اقْتِنائِه. وما ذَكَرُوه مِن نَقْصِها بالاحْتِكاكِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ ذلك يَسير لا يُقابَلُ بعِوَض، ولا يَكادُ يَظْهَرُ في وَزْنٍ، ولو ظهر، فالأجْرُ في مُقابَلَةِ الانْتِفاعِ، لا في مقابَلَةِ الأجْزاءِ؛ لأنَّ الأجْرَ في الإجارَةِ إنَّما هو عِوَضُ المَنْفَعَةِ، كما في سائِرِ المواضِعِ، ولو كان في مُقابَلَةِ الجُزْءِ الذّاهِبِ، لَما جازَ إجارَةُ أحَدِ النَّقْدَين بالآخَرِ؛ لإِفْضائِه إلى التَّفْرُّقِ في مُعاوَضَةِ أحَدِهما بالآخَرِ قبل القَبْضِ.
فصل: ولو استأجَرَ مَن يَسْلُخُ له بَهِيمةً بجِلْدِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ هل يَخْرُجُ الجِلْدُ سَلِيمًا أوْ لا؟ وهل هو ثَخِينٌ أوْ رَقِيق؟ ولأنَّه لا يَجُوزُ أن يكون عِوَضًا في البَيعِ، فلا يَجُوزُ أن يكونَ عِوَضًا في الإِجارَةِ، كسائِرِ المَجْهُولاتِ. فإن سَلَخَه بذلك، فله أجْرُ مِثْلِه. وإنِ استَأجَرَه لطَرْحِ مَيتَةٍ بجِلْدِها، فهو أْبلَغُ في الفَسادِ؛ لأنَّ جِلْدَ المَيتَةِ نَجِسٌ لا يجوزُ بَيعُه، وقد خَرَج بمَوْتِه عن كَوْنِه مِلْكًا، وله أجْرُ مِثْلِه إن فَعَل.
فصل: ولو استأجَرَ راعِيًا لغَنم بثُلَثِ دَرِّها وصُوفِها وشَعَرِها
стр. 6916
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونَسْلِها، أو نِصْفِه أو جَمِيعِه، لم يَجُزْ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ جَعْفَرِ (١) بن محمدٍ النَّسائيِّ؛ لأنَّ الأجْرَ غيرُ مَعْلُوم، ولا يَصْلُحُ عِوضًا في البيعِ. قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سألتُ أحمدَ عن الرجلِ يَدْفَعُ البَقَرَةَ إلى الرجلِ على أن يَعْلِفَها ويَحْفَظَها، ووَلَدُها بينهما. فقال: أكْرَه ذلك. وبه قال أبو أيُّوبَ وأبو خَيثَمَةَ. ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ العِوَضَ مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ لا يُدْرَى أيوجَدُ أمْ لا، والأصْلُ عَدَمُه، ولا يَصْلُحُ أن يَكُونَ ثَمَنًا. فإن قيل: فقد جَوَّزْتُم دَفْعَ الدّابَّةِ إلى مَن يَعْمَلُ عليها بنِصْفِ مَغَلِّها (٢). قلنا: إنَّما جازَ ثَمَّ تَشْبِيهًا بالمُضارَبةِ، ولأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ، فجازَ اشْتِراطُ جُزْء مِن النَّماءِ، كالمُضارَبَةِ والمُساقاةِ. وفي مَسألَتِنا لا يُمْكِنُ ذلك؛ لأنَّ النَّماءَ الحاصِلَ في الغَنَمِ لا يَقِفُ حُصُولُه على عَمَلِه فيها، فلم يُمْكِنْ إلْحاقُه بذلك. وذَكَر صاحِبُ المُحَرَّرِ روايةً أخرى: أنَّه يَجُوزُ، بِنَاءً على ما إذا دَفَع دابتَّهَ أو عَبْدَه بجُزْءٍ مِن كَسْبِه. والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الفَرْقِ. وعِلى قِياسِ ذلك، إذا دَفَعَ نَحْلَهُ إلى مَن يَقُومُ عليه بجُزْءٍ مِن عَسَلِه وشَمْعِه، يُخرَّجُ على الرِّوايَتَين. فإنِ اكْتَراه على رَعْيِها مُدَّةً مَعْلُومةً بجُزْءٍ مَعْلُومٍ منها، صَحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ والمُدَّةَ والأجْرَ مَعْلُومٌ، فصَحَّ، كما لو جَعَل الأجْرَ دَراهِمَ، ويَكُونُ النَّماءُ الحاصِلُ بينهما بحُكْمِ المِلْكِ؛ لأنَّه مَلَكَ الجُزْءَ المَجْعُولَ له منها في الحالِ، فكان له نَماؤه، كما لو اشْتَراه.
стр. 6917
وَإنْ قَال: إنْ خِطْتَ هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإنْ خِطْتَهُ غَدًا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ. فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
٢١٥٣ - مسألة: (وإن قال: إن خِطْتَ هذا الثوْبَ اليومَ فلَكَ دِرْهَم، وإن خِطتَه غَدًا فلك نِصْفُ دِرْهَم. فهل يَصِحُّ؟ على رِوايَتَين) إحداهما، لا يَصِحُّ، وله أجْرُ المِثْلِ، نَقَلَها أبو الحارِثِ عن أحمدَ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعي، وإسحاقَ، وأبي ثورٍ؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ اخْتَلَفَ فيه العِوَضُ بالتَّقْدِيمِ والتَّأخِيرِ، فلم يَصِحَّ. كما لو قال: بِعْتُكَ بدِرْهمٍ نَقْدًا وبدِرْهَمَين نَسِيئةً. والثانيةُ، يَصِحُّ. وهو قولُ الحارِثِ العُكْلِيِّ، وأبي يوسف، ومحمدٍ؛ لأنَّه سَمَّى لكلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، فصَحَّ. كما لو قال: كُلُّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن خاطَه اليومَ فله دِرْهَم، وإن خاطَه غدًا لم يَزِدْ على دِرْهَم (١)، ولا (٢) يَنْقُصُ عن نِصْفِ دِرْهم؛ لأنَّ المُؤْجِرَ قد جَعَل له نِصْفَ دِرْهَم، فلا يَنْقُصُ، منه. وقد رَضِيَ في أكْثَرِ العَمَلِ بدِرْهم فلا يُزَادُ عليه. وهذا لا يَصِحُّ، لأنَّه إن صَحَّ العَقْدُ، فله المُسَمَّى، وإن فَسَد فوُجُودُه كعَدَمِه، فيَجِبُ أجْرُ المِثْلِ، كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ.
стр. 6918
وَإنْ قَال: إنْ خِطتَهُ رُومِيًّا فَلَكَ دِرْهَم، وَإنْ خِطْتَهُ فَارِسِيًّا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَم. فَعَلَى وَجْهَينِ.
ــ
٢١٥٤ - مسألة: (وإن قال: إن خِطْتَه رُومِيًّا فلك دِرْهَم، وإن خِطْتَه فارِسيًّا فلك نِصْف درهمٍ) فهل يَصِحُّ؟ (على وَجْهَين) بِناءً على التي قبلَها، والخِلافُ فيها كالتي قبلَها، إلَّا أن أبا حنيفةَ وافَقَ صاحِبَيهِ في الصِّحَّةِ هاهُنا. ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، لم يتَعَيَّنْ فيه العِوَضُ ولا المُعَوَّضُ، فلم يَصِحَّ. كما لو قال: بِعْتُكَ هذا بدِرْهم أو: هذا بدِرْهَمَينِ. وفارَقَ هذا كلَّ دَلْو بتَمْرةٍ، مِن وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ العَمَلَ الثانِي يَنْضَم إلى العَمَلِ الأوَّلِ، ولكلِّ واحدٍ منهما عِوَضٌ مُقَدَّرٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم. وهاهُنا الخِياطَةُ
стр. 6919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحدةٌ، شَرَط فيها عِوَضًا إن وُجِدَتْ على صِفَةٍ، وعِوَضًا آخَرَ (١) إن وُجِدَتْ على أخْرَى، أشْبَهَ ما لو باعَه بعَشَرَةٍ صِحَاحٍ أو أحَدَ عَشَرَ مُكَسَّرةً. والثاني، أنَّه وَقَف الإِجارَةَ على شَرْطٍ بقَوْلِه: إن خِطْتَه كذا، فلك كذا وإن خِطْتَه كذا فلك كذا، بخِلافِ قَوْلِه: كلُّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ.
فصل: نَقَل مُهَنَّا عن أحمدَ، في مَن اسْتأجَرَ مِن حَمّالٍ (٢) إلى مِصْرَ بأرْبَعِين دِينارًا، فإن نَزَل دِمَشْقَ، فكِراؤه ثَلاُثون، فإن نَزَل الرَّقَّةِ، فكِرَاؤه عِشْرُون. فقال: إذا اكْتَرَى إلى الرَّقَّةَ بعِشْرِينَ (٣)، واكْتَرَى إلى دِمَشْقَ بعَشَرَةٍ، وإلى مِصْرَ بعَشَرَةٍ، جازَ، ولم يَكُنْ للحَمّالِ (٤) أن يَرْجِعَ. فظاهِرُ هذا، أنَّه لم يَحْكُمْ بصِحَّةِ العَقْدِ الأوَّلِ؛ لأنَّه في مَعْنَى
стр. 6920
وَإنْ أكْرَاهُ دَابَّةً، وَقَال: إنْ رَدَدْتَهَا الْيَوْمَ فَكِرَاؤهَا خَمْسَةٌ، وَإنْ رَدَدْتَهَا غَدًا فَكِرَاؤهَا عَشَرَةٌ. فَقَال أحْمَدُ: لَا بَأسَ بِهِ. وَقَال الْقَاضِي: تَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الأوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
ــ
بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ؛ لكَوْنِه خَيَّرَه بينَ ثلاثةِ عُقُودٍ. ويَتَخَرَّج فيه أن يَصِحَّ، بِنَاءً على المَسْألتَين قبلَ هذا. ونُقِلَ عن أحمدَ في رَجُلٍ اسْتأجَرَ رَجُلًا يَحْمِلُ له كِتابًا إلى الكُوفَةِ، وقال: إن أوصَلْتَ الكتابَ يومَ كذا، فلك عِشْرُون، وإن تَأخرْتَ بعدَ ذلك بيوم فلك عَشَرَة. فالإجارَةُ فاسِدَة، وله أجْرُ مِثْلِه، وهذا مثلُ الذي قبله.
٢١٥٥ - مسألة: (وإن أكْراه دابَّةً، وقال: إن رَدَدْتَها اليومَ فكِراؤها خَمْسة، وإن رَدَدْتَها غدًا فكِراؤها عَشَرَة. فقال أحمدُ: لا بَأسَ به. وقال القاضِي: تَصِحُّ في اليومِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي) فنَقَلَ عبدُ اللهِ في مَن اكْتَرَى دابةً، وقال: إن رَدَدْتَها غدًا فكِراؤها عَشَرَة، وإن رَدَدْتَها
стр. 6921
وإنْ أكْرَاهُ دَابةً عَشَرَةَ أيام بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْم دِرْهَم، فَقَال أحْمَدُ: هُوَ جَائِزٌ. وَقَال الْقَاضِي: تَصِحُّ فِي الْعَشَرَة وَحْدَهَا.
ــ
اليومَ فكِراؤها خَمْسَة. لا بَأسَ به. وهذه الرِّوايةُ تَدُلُّ على صِحَّةِ الإجارَةِ. والظّاهِرُ عن أحمدَ برِوايةِ الجَماعَةِ فيما ذَكَرْنا فَسادُ العَقْدِ، على قِياسِ بَيعَتَينِ في بَيعةٍ. وقال القاضِي: يَصِحُّ في اليومِ الأولِ دُونَ الثّانِي. وقِياسُ حَدِيثِ على والأنصارِيِّ صِحَّتُه؛ فإن عَلِيًّا آجَرَ نَفْسَهُ ليَهُودِي يَسْتَقِي له كلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ (١)، وكذلك الأنْصارِي (٢)، وسَنَذْكُرُ ذلك.
٢١٥٦ - مسألة: (وإن أكْراه دابَّةً عَشَرَةَ أيام بعَشَرَةِ دَراهِمَ، فما زادَ فله بكلِّ يوم دِرْهَمٌ، فقال أحمدُ) في رِوايةِ أبي الحارِثِ (هو جائِزٌ)
стр. 6922
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونَقَل ابنُ منصورٍ عنه في مَن اكْتَرَى دابَّةً مِن مَكةَ إلى جُدَّةَ بكذا، فإن ذَهَب إلى عَرَفاتٍ بكذا. فلا بَأسَ. ونَقَل عبدُ اللهِ عنه، لو قال: أكْرَيتُكَها (١) بعَشَرَةٍ. فما حَبَسَها فعليه في كلِّ يوم عَشَرَة، أنَّه يَجُوزُ. وهذه الرِّواياتُ تَدُلُّ على أن مَذْهَبَه، أنَّه متى قَدَّرَ لكلِّ عَمَل مَعْلُوم أجْرًا مَعْلُومًا، صَح. وتَأوَّلَ القاضِي هذا كُلَّه، على أنه يَصِح في الأوَّلِ ويَفْسُدُ في الثانِي؛ لأنَّ مُدَّتَه غيرُ مَعْلُومةٍ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ فيه، كما لو قال: اسْتَأجَرْتُكَ لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهي عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ بدِرْهَم، وما زادَ فبِحِسابِ ذلك. قال شيخُنا (٢): والظّاهِرُ عن أحمدَ خِلافُ هذا، فإنَّ قَوْلَه: فهو جائِزٌ. عادَ إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ (٣) قبلَه، وكذلك قولُه: لا بَأسَ. ولأنَّ لكلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، فَصَحَّ، كما لو اسْتَقَى له كل دَلْو بتَمْرَةٍ، وقد ثَبَت الأصْلُ بالخَبَرِ الوارِدِ فيه [على ما نَذْكُرُه] (٤). ومَسائِلُ الصُّبْرَةِ لا نَصَّ فيها عن الإمامِ، وقِياسُ نُصُوصِه صِحَّةُ الإجارَةِ، وإن سُلِّمَ فَسادُها؛ فلأنَّ القُفْزانَ التي شَرَطَ حَمْلَها (٥) غيرُ مَعْلُومةٍ بتَعْيِينٍ ولا صِفَةٍ، وهي مُخْتَلِفةٌ، فلم يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لجَهالتِها، بخِلافِ الأيامِ، فإنَّها مَعْلُومة.
стр. 6923
وَنَصَّ أحْمَدُ عَلَى أنَّهُ لَا يَجُوزُ أن يَكْتَرِيَ لِمُدَّةِ غَزَاتِهِ.
ــ
٢١٥٧ - مسألة: (ونَصَّ أحمدُ على أنَّه لا يَجُوزُ أن يَكْتَرِيَ لمُدَّةِ غَزاتِه) وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم، الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي. وقال مالكٌ: قد عُرِفَ وَجْهُ ذلك، وأرْجُو أن يَكُونَ خَفِيفًا. ولنا، أنَّ المُدَّةَ مَجْهُولةٌ والعَمَلَ مَجْهُولٌ، فلم يَجُزْ، كما لو اكْتَراها لمُدَّةِ سَفَرِه في تِجارَتِه، ولأنَّ مُدَّةَ الغَزِاةِ تَطُولُ وتَقْصُرُ، ولا حَدَّ لها تُعْرَفُ به، والعَمَلُ فيها يَقِلُّ ويَكْثُرُ، ونهايةُ سَفرِهم تَقْرُبُ وتَبْعُدُ، فلم يَجُزِ التَّقْدِيرُ بها، كغَيرِها مِن الأسْفارِ المَجْهُولَةِ. فإن فعل ذلك فله أجْرُ المِثْلِ، كالإِجاراتِ الفاسِدَةِ.
стр. 6924
وَإنْ سَمَّى لِكُلِّ يَوْم شَيئًا مَعْلُومًا، فَجَائِزٌ. وَإنْ أكْرَاهُ كُلَّ شَهْرٍ بدرْهَم، أوْ كُلَّ دَلْو بتَمْرَةٍ، فَالْمَنْصُوصُ أنهُ يَصِحُّ، وَكُلَّمَا دَخَلَ شَهْرٌ لَزِمَهُمَا حُكْمُ الْإجَارَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ
ــ
٢١٥٨ - مسألة: (وإن سَمَّى لكل يوم شَيئًا مَعْلُومًا، فجائِزٌ) وقال الشافعي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مُدَّةَ الإجارَةِ مَجْهُولةٌ. ولنا، أن عَلِيًّا، ﵁، أجَر نَفْسَه كُلَّ دَلْو بتَمْرةٍ، وكذلك الأنْصارِيُّ، فلم يُنْكِرْه النبي ﷺ (١). ولأنَّ كلَّ يَوْم مَعْلُومٌ مُدَّتُه وأجْرُه، فصَحَّ، كما لو أجَرَه شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ بدِرْهم، أو اسْتَأجَرَه لنَقْلِ صُبْرَةٍ مَعْلُومَةٍ كُلَّ قَفِيز بدِرْهَمٍ إذا ثَبَت هذا، فلا بُدَّ مِن تَعْيِينِ ما يَسْتَأجرُ له، مِن رُكُوبٍ، أو حَمْلٍ مَعْلُوم (٢). ويَسْتَحِقُّ الأجْرَ المُسَمَّى لكلِّ يوم، سواء أقامَتْ أو سارَتْ؛ لأنَّ المنافِعَ ذَهَبت في مُدَّتِه، أشبَهَ ما لو اكْتَرَى دارًا وغَلَقها ولم يَسْكُنها.
٢١٥٩ - مسألة: (وإن أكْراه كلَّ شَهْرٍ بدِرْهَم، أو كلَّ دَلْو بتَمْرةٍ، فالمنْصُوصُ) عن أحمدَ (أنَّه يَصِحُّ، وكلَّما دَخَل شَهْرٌ لَزِمَهما
стр. 6925
مِنْهُمَا الْفَسْخُ عِنْدَ تَقَضِّي كُلِّ شَهْر. وَقَال أبو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ.
ــ
حُكْمُ الإجارَةِ، ولكلِّ واحدٍ منهما الفَسْخُ عندَ تَقَضِّي كلِّ شَهْر. وقال أبو بكرٍ، وابنُ حامِدٍ: لا يَصِحُّ) اخْتَلَفَ أصحابُنا في ذلك، فقال القاضِي: يَصِحُّ. ونَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وهو اخْتِيارُ
стр. 6926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الخِرَقِيِّ. [إلَّا أنَّ] (١) الشَّهْرَ الأوَّلَ تَلْزَمُ الإجارَةُ فيه بإطْلاقِ العَقْدِ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ يَلي العَقْدَ، وأجْرُه مَعْلُومٌ، وما بعدَه مِن الشُّهُورِ يَلْزَمُ العَقْدُ فيه بالتَّلبُّسِ به، وهو السُّكْنَى في الدّارِ، إن أجَرَه دارًا؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حال العَقْدِ، فإذا تَلَبَّسَ به، تَعَيَّنَ بالدُّخُولِ (٢) فيه، فصَحَّ بالعَقْدِ الأولِ. وإن لم يتَلبَّسْ به، أو فَسَخ العَقْدَ عندَ انْقِضاء الأولِ، انْفَسَخَ، وكذلك حُكْمُ كلِّ شَهْرٍ يَأتِي. وهذا مَذْهَبُ أبي ثَوْرٍ، وأصَحاب الرأي. وحُكِيَ عن مالكٍ نحوُ هذا. إلَّا أنَّ الإِجارَةَ لا تَكُونُ لازِمَةً عندَه؛ لأنَّ المنافِعَ مُقَدَّرَةٌ بتَقْدِيرِ الأجْرِ، فلا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِ المُدَّةِ إلَّا في اللُّزُوم. واختار أبو بكرٍ عبدُ العزيز، و [أبو عبدِ الله] (٣) بنُ حامِدٍ، وابنُ عَقِيلٍ، أنَّ العَقْدَ لا يَصِحُّ. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والصَّحيحُ مِن قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ «كلَّ» اسمٌ للعَدَدِ، فإذا لم يُقَدِّرْه كان مُبْهَمًا (٤) مَجْهُولًا، فيَكُونُ فاسِدًا، كقَوْلِه: أجَرْتُكَ أشْهُرًا. وحَمَل (٥) أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ كَلامَ أحمدَ على أنَّه وَقَع على أشْهُر مُعَيَّنةٍ. وَوَجْهُ الأولِ،
стр. 6927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنَّ عَلِيًّا، ﵁، اسْتَقَى لرَجُلٍ مِن اليَهُودِ كلَّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ، وجاء به إلى النبيِّ ﷺ فأكَلَ منه. قال عَليٌّ (١): كُنْتُ أدْلُو الدَّلْوَ بتَمْرَةٍ وأشْتَرِطُها جَلْدَةً. وعن رَجُلٍ مِن الأنصارِ أَنه قال ليَهُودِيّ: أسْقِي نَخْلَكَ؟ قال: نعم، كل دَلْو بتَمْرةٍ. واشْتَرَط الأنصاريُّ أن لا يَأخُذَها خَدِرَةً (٢) ولا تارِزَةً (٣) ولا حَشَفةً (٤)، ولا يَأخُذُ إلا جَلْدَةً. فاسْتَقَى بنَحْو مِن صاعَين، فجاء به إلى النبيِّ ﷺ . رواهما ابنُ ماجه [في «سُنَنِه»] (٥). وهو نظيرُ مسألةِ إجارَةِ الدّارِ، ونَصَّ في المسألةِ الأخرى. ولأنَّ شُرُوعَه في كلِّ شَهْر مع ما تَقَدَّمَ (٦) مِن الاتِّفاقِ على تَقْدِيرِ أجْرِه والرِّضا ببَذْلِه به، جَرَى مَجْرَى ابْتداءِ العَقد عليه، وصار كالبَيعِ بالمُعاطاةِ، إذا وَجَد مِن المُسَاوَمةِ ما دَلَّ على التَّراضِي بها. فعلى هذا، مَتَى تَرَكَ التَّلبسَ به في شَهْر، لم تَلْزَمِ الإجارَةُ فيه؛ لعَدَم العَقْدِ. وكذلك إن فَسَخ، وليس بفَسْخٍ في الحَقِيقةِ؛ لأنَّ العَقْدَ الثاني ما ثَبَت. والقِياسُ يَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ؛ لأنَّ العَقْدَ تَناوَلَ جَمِيعَ الأشْهُرِ، وذلك مَجْهُولٌ. ثم لا وَجْهَ
стр. 6928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لاعْتِبارِ الشُّرُوعِ في الشهْرِ الذي يلي الأولَ، مع كَوْنِ الشُّهُورِ كلِّها داخِلةً في اللَّفْظِ. فأمّا أبو حنيفةَ فَذَهَب إلى أنَّهما إذا تَلبَّسا بالشهْرِ الثاني، فقد اتَّصَلَ القَبْضُ بالعَقْدِ الفاسِدِ. قال شيخُنا (١): ولا يَصِحُّ هذا العُذْرُ؛ لأن العَقْدَ الفاسِدَ في الأعْيانِ لا يَلْزَمُ بالقَبْضِ، ولا يُضْمَنُ بالمُسَمَّى، ثم لم يَحْصُلِ القَبْضُ هاهُنا إلَّا فيما (٢) اسْتَوْفاهُ. وقولُ مالكٍ لا يَصِحُّ؛ لأن الإجارَةَ مِن العُقُودِ اللازِمَةِ، فلا يَجُوزُ أن تَكُونَ جائِزَةً.
فصل: إذا قال: أجَرْتُكَ دارِي عِشْرِينَ شَهْرا، كلَّ شَهْر بدِرْهَم، جازَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٣)؛ لأنَّ المُدةَ مَعْلُومَة والأجْرَ مَعْلُومٌ، وليس لواحِدٍ منهما فَسْخٌ بحالٍ؛ لأنها مُدَّة (٤) واحِدَة، فأشْبَهَ ما لو قال: أجَرْتُكَ عِشْرِين شهرًا بعِشْرِين دِرْهمًا. فإن قال: أجَرْتُكَها شَهْرًا بدِرْهَم، وما زاد فبِحِسَاب ذلك. صَحَّ في الشَّهْرِ الأولِ؛ لأنَّه أفْرَدَه بالعَقْدِ، وبَطَل في الزّائِدِ؛ لأَنَّه مَجْهُول. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ في كل شَهْر تَلَبَّسَ به، كما لو قال: أجَرْتُكَها كلَّ شهر بدِرْهَم؛ لأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ. ولو قال: أجَرْتُكَها هذا الشَّهْرَ بدِرْهَم، وكلَّ شَهْر بعدَ ذلك بدِرْهَم أو بدِرْهَمَين. صَحَّ في الأولِ، وفيما بعدَه وَجْهان؛ لِما ذَكَرْنا.
стр. 6929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل في مَسائِلِ الصُّبْرَةِ: وفيها عَشْرُ مَسائِلَ؛ أحدُها، أن يَقولَ: اسْتَأجَرْتُكَ لحَمْلِ هذه الصُّبْرَةِ إلى مِصْرَ بعَشَرةٍ. فهي صَحِيحَة بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الصُّبْرَةَ مَعْلُومَة بالمُشاهَدَةِ، فجاز الاسْتِئْجارُ عليها، كما لو عَلِم كَيلَها. الثانيةُ، قال: اسْتَأجَرْتُكَ لتَحْمِلَها، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم. فيَصِحُّ. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ في قَفِيزٍ، ويبطُلُ فيما زادَ. وَمَبْنى الخِلافِ على الخِلافِ في بَيعِها، وقد ذَكَرْناه. الثالثةُ، قال: لتَحْمِلَها لي قَفِيزًا بدِرْهَم، وما زاد فبِحِساب ذلك. فيَجُوزُ، كما لو قال: كلَّ قَفِيز بدِرْهَم. وكذلك كل لَفْظٍ يَدُلُّ على إرادَةِ حَمْلِ جَمِيعِها، كقَوْلِه: لتَحْمِلَ قَفِيزًا منها بدِرْهَم، وسائِرَها -أو- باقِيَها بحِسابِ ذلك. أو قال: وما زادَ بحِسَابِ ذلك. يُرِيدُ باقِيَها كلَّه، إذا فَهِما ذلك مِن اللَّفْظِ، لدَلالتِه عندَهما عليه، أو لقَرِينَةٍ صُرِفَتْ إليه. الرابعةُ، قال: لتَحْمِلَ قَفِيزًا منها بدِرْهَم، وما زادَ فبحِسابِ ذلك. يُرِيدُ مهما حَمَلْتَه مِن باقِيها. فلا يَصِحُّ. ذَكَرَه القاضِي. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه بعضُها، وهو مَجْهُول. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأَنه في مَعْنَى: كلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ. الخامسةُ، قال: لتَنْقُلَ لي منها كلَّ قَفِيز
стр. 6930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بدِرْهَمٍ. فهي كالرابعةِ سواءً. السادسةُ، قال: لتَحْمِلَ لي منها قَفِيزًا بدِرْهَم، على أن تَحْمِلَ الباقِيَ بحِسَاب ذلك. فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه في مَعْنَى بَيعَتَين في بَيعةٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ مَعْناه: لتَحْمِلَ لي كلَّ قَفِيز منها بدِرْهَم. السابعةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم، وتَنْقُلَ لي صُبْرَةً أُخْرَى في البَيتِ بحِسابِ ذلك. فإن كانا يَعْلَمان الصُّبْرَةَ التي في البَيتِ بالمُشاهَدَةِ، صَحَّ فيهما؛ لأنَّهما كالصُّبْرَةِ الواحِدَةِ. وإن جَهِلَها (١) أحَدُهما، صَحَّ في الأولَى، وبَطَل في الثانيةِ؛ لأنَّهما عَقْدان، أحدُهما على مَعْلُوم، والثاني على مَجْهُولٍ، فصَحَّ في المَعْلُومِ، وبَطَل في المَجْهُولِ، كما لو قال: بِعْتُكَ عَبْدِي هذا بعَشَرَةٍ، وعَبْدِي الذي في البَيتِ بعَشَرةٍ. الثامنةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ والتي في البَيتِ بعَشَرَةٍ. فإن كانا يَعْلَمان التي في البَيتِ، صَحَّ فيهما، وإن جَهِلاها، بَطَل فيهما؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ بعِوَضٍ واحدٍ، على مَعْلُوم ومَجْهُولٍ، بخِلافِ التي
стр. 6931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلَها. فإن كانا يَعْلَمان التي في البَيتِ، لكنَّها مَغْصُوبَة، أو امْتَنَعَ تَصْحِيحُ العَقْدِ فيها لمانِعٍ اخْتَصَّ بها، بَطَل العَقْدُ فيها، وفي صِحَّتِه في الأخْرَى وَجْهان، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، إلَّا أنَّها إن كانت قُفْزانُهما (١) مَعْلُومةً، أو قَدْرُ إحْداهما مَعْلُومٌ مِن الأخْرَى، فالأوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ قِسْطَ الأجْرِ فيها مَعْلُومٌ، وإن لم يَكُنْ كذلك، فالأوْلَى بُطْلانُه؛ لِجهالةِ العِوَضِ فيها. التاسعةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهي عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ، بدِرْهَم، فإن زادَتْ على ذلك، فالزّائِدُ بحِسابِ ذلك. صَحَّ في العَشَرَةِ؛ لأنَّها مَعْلُومة، ولم يَصِحَّ في الزِّيادَةِ؛ لأنَّها مَشْكُوكٌ فيها، ولا يَجُوزُ العَقْدُ على ما يُشَكُّ فيه. العاشرةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم، فإن قَدِمَ لي طَعَامٌ فحَمَلْتَه، فبحِسابِ ذلك. صَحَّ أيضًا في الصُّبْرَةِ، وفَسَد في الزِّيادَةِ؛ لِما ذَكَرْناه.
стр. 6932
فَصْلٌ: الثالِثُ، أنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً مَقْصُودَةً، فَلَا تَجُوزُ الإجَارَةُ عَلَى الزِّنَى، وَالزَّمْرِ، وَالْغِنَاءِ، وَلَا إجَارَةُ الدَّارِ لِتُجْعَلَ كَنِيسَةً أوْ بَيتَ نَار، أو لبَيعِ الْخَمْرِ.
ــ
فصل: قال المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللهُ تعالى: (الثالثُ، أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحةً مَقْصُودَةً، فلا تَجُوزُ الإجارَةُ على الزنَى، والزَّمْرِ، والغِناءِ، ولا إجارَةُ دارٍ لتُجْعَلَ كَنِيسَةً أو بَيتَ نار، أو لبَيعِ الخَمْرِ) أو القِمارِ. وجلةُ ذلك، أنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ الإجارَةِ أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحَةً، فإن كانت مُحَرَّمَةً، كالزنَى، والزَّمْرِ، والنَّوْحِ، والغِناءِ، لم يَجُزْ الاسْتِئْجارُ لفِعْلِه. وبه قال مالك، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ (١)، وصاحِباه، وأبو ثَوْرٍ. وكَرِهَ ذلك الشَّعْبِي، والنَّخَعِي؛ لأنَّه مُحَرَّم، فلم يَجُزْ الاسْتِئْجارُ عليه، كإجارَةِ الأمَةِ للزِّنى. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على إبْطالِ إجارَةِ النائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ.
فصل: ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ كاتِبٍ ليَكْتُبَ له غِناءً أو نَوْحًا. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ. ولنا، أنَّه انْتِفاع بمُحَرَّم، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا. ولا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ على كَتْبِ شِعْر مُحَرَّم، ولا بِدْعةٍ، ولا شيءٍ مُحَرم؛ لذلك.
فصل: ولا يَجُوزُ للرَّجُلِ (٢) إجارَةُ دارِه لمن يَتَّخِذُها كَنِيسةً أو بِيعةً،
стр. 6933
وَلَا يَصِحُّ الاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ الْمَيتَةِ وَالْخَمْرِ. وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَيُكْرَهُ أكْلُ أجْرَتِهِ.
ــ
أو لبَيعِ الخَمْرِ، أو القِمارِ. وبه قال الجَماعَةُ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيتُكَ في السَّواد فلا بَأسَ. وخالفَه صاحِبَاه. واخْتَلَفَ أصحابُه في تَأويل قَوْلِه. ولَنا، أنَّه فِعْل مُحَرَّم، فلم تَجُزِ الإجارَةُ عليه، كإجارَةِ عَبْدِه للفُجُورِ. ولو اكْتَرَى ذِمِّي مِن مُسْلِم دارًا، فأرادَ بَيعَ الخَمْرِ فيها، فلصاحِبِ الدّارِ مَنْعُه. وبذلك قال الثوْرِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيتُكَ في السَّوادِ والجَبَلِ، فله أن يَفْعَلَ ما يَشاءُ. ولَنا، أنَّه مُحَرَّم، جاز المنْعُ منه في المِصْرِ، فجاز في السَّوادِ، كقَتْلِ النفْسِ المُحَرَّمَةِ.
٢١٦٠ - مسألة: (ولا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ على حَمْلِ المَيتَةِ والخَمْرِ. وعنه، يَصِحُّ) للحُرِّ (ويُكْرَهُ أكْلُ أجْرَتِه) لا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ
стр. 6934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على حَمْلِ الخَمْرِ لمن يَشْرَبُها (١)، أو يأكُلُ المَيتَةَ، ولا على حَمْل خِنْزِير، كذلك. وبه قال أبو يوسفَ، ومحمد، والشافعي. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ؛ لأنَّ العَمَلَ لا يَتَعَيَّنُ عليه، بدَلِيلِ أنَّه لو حَمَلَه مثلُه، جاز، ولأنَّه لو قَصَدَ إراقَتَه أو طَرْحَ المَيتَةِ، جاز. وقد رُوِيَ عن أحمدَ في مَن حَمَلَ خِنْزِير الذِمِّيَّةٍ، أو خمْرًا لنَصْرانِي: أكْرَهُ أكْلَ كِرائِه، ولكنْ يُقْضَى للحَمّالِ بالكِراءِ، فإذا كان لِمُسْلِم فهو أشَدُّ. قال القاضي: هذا مَحْمُود على أنَّه اسْتَأجَرَه ليُريقَها، فأمّا للشُّرْبِ فمَحْظُورٌ، لا يَحِلُّ أخْذُ الأجْرِ عليه. قال شيخُنا (٢): وهذا تَأويل بَعِيد؛ لقَوْلِه: أكْرَه أكْلَ كِرائِه، وإذا كان لمُسْلِم فهو أشَدُّ. والمَذْهَبُ خِلافُ هذه الرِّوايَةِ؛ لأنه اسْتِئْجار لِفعْل مُحَرَّم، فلم يَصِحَّ، كالزِّنَى. ولأنَّ النبيَّ ﷺ لَعَن حامِلَها
стр. 6935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمَحْمُولَةَ إلَيهِ (١)، وقولُ أبي حنيفةَ: لا يَتَعَيَّنُ. يَبْطُلُ بما لو اسْتَأجَرَ أرْضًا ليَتَّخِذَها مَسْجدًا. فأمّا حَمْلُ الخَمْرِ لإراقَتِها، والمَيتَةِ لطَرْحِها، والاسْتِئجارُ لكَسْحِ الكُنُفِ، فجائِر؛ لأنَّ ذلك مُباح، وقد اسْتَأجَرَ النبيُّ ﷺ أبا طَيبةَ فحَجَمَه (٢). وقد قال أحمد، في رِوايَةِ ابنَ منصور، في مَن يُؤاجِرُ نَفْسَه لنِظارَةِ كَرْمِ نَصْرَانِي: يُكْرَه ذلك؛ لأنَّ الأصْلَ في ذلك راجِعٌ إلى الخَمْرِ.