← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قبلَها. فإن كانا يَعْلَمان التي في البَيتِ، لكنَّها مَغْصُوبَة، أو امْتَنَعَ تَصْحِيحُ العَقْدِ فيها لمانِعٍ اخْتَصَّ بها، بَطَل العَقْدُ فيها، وفي صِحَّتِه في الأخْرَى وَجْهان، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، إلَّا أنَّها إن كانت قُفْزانُهما (١) مَعْلُومةً، أو قَدْرُ إحْداهما مَعْلُومٌ مِن الأخْرَى، فالأوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ قِسْطَ الأجْرِ فيها مَعْلُومٌ، وإن لم يَكُنْ كذلك، فالأوْلَى بُطْلانُه؛ لِجهالةِ العِوَضِ فيها. التاسعةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهي عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ، بدِرْهَم، فإن زادَتْ على ذلك، فالزّائِدُ بحِسابِ ذلك. صَحَّ في العَشَرَةِ؛ لأنَّها مَعْلُومة، ولم يَصِحَّ في الزِّيادَةِ؛ لأنَّها مَشْكُوكٌ فيها، ولا يَجُوزُ العَقْدُ على ما يُشَكُّ فيه. العاشرةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم، فإن قَدِمَ لي طَعَامٌ فحَمَلْتَه، فبحِسابِ ذلك. صَحَّ أيضًا في الصُّبْرَةِ، وفَسَد في الزِّيادَةِ؛ لِما ذَكَرْناه.

стр. 6932

فَصْلٌ: الثالِثُ، أنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً مَقْصُودَةً، فَلَا تَجُوزُ الإجَارَةُ عَلَى الزِّنَى، وَالزَّمْرِ، وَالْغِنَاءِ، وَلَا إجَارَةُ الدَّارِ لِتُجْعَلَ كَنِيسَةً أوْ بَيتَ نَار، أو لبَيعِ الْخَمْرِ. ــ فصل: قال المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللهُ تعالى: (الثالثُ، أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحةً مَقْصُودَةً، فلا تَجُوزُ الإجارَةُ على الزنَى، والزَّمْرِ، والغِناءِ، ولا إجارَةُ دارٍ لتُجْعَلَ كَنِيسَةً أو بَيتَ نار، أو لبَيعِ الخَمْرِ) أو القِمارِ. وجلةُ ذلك، أنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ الإجارَةِ أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحَةً، فإن كانت مُحَرَّمَةً، كالزنَى، والزَّمْرِ، والنَّوْحِ، والغِناءِ، لم يَجُزْ الاسْتِئْجارُ لفِعْلِه. وبه قال مالك، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ (١)، وصاحِباه، وأبو ثَوْرٍ. وكَرِهَ ذلك الشَّعْبِي، والنَّخَعِي؛ لأنَّه مُحَرَّم، فلم يَجُزْ الاسْتِئْجارُ عليه، كإجارَةِ الأمَةِ للزِّنى. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على إبْطالِ إجارَةِ النائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ. فصل: ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ كاتِبٍ ليَكْتُبَ له غِناءً أو نَوْحًا. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ. ولنا، أنَّه انْتِفاع بمُحَرَّم، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا. ولا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ على كَتْبِ شِعْر مُحَرَّم، ولا بِدْعةٍ، ولا شيءٍ مُحَرم؛ لذلك. فصل: ولا يَجُوزُ للرَّجُلِ (٢) إجارَةُ دارِه لمن يَتَّخِذُها كَنِيسةً أو بِيعةً،

стр. 6933

وَلَا يَصِحُّ الاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ الْمَيتَةِ وَالْخَمْرِ. وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَيُكْرَهُ أكْلُ أجْرَتِهِ. ــ أو لبَيعِ الخَمْرِ، أو القِمارِ. وبه قال الجَماعَةُ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيتُكَ في السَّواد فلا بَأسَ. وخالفَه صاحِبَاه. واخْتَلَفَ أصحابُه في تَأويل قَوْلِه. ولَنا، أنَّه فِعْل مُحَرَّم، فلم تَجُزِ الإجارَةُ عليه، كإجارَةِ عَبْدِه للفُجُورِ. ولو اكْتَرَى ذِمِّي مِن مُسْلِم دارًا، فأرادَ بَيعَ الخَمْرِ فيها، فلصاحِبِ الدّارِ مَنْعُه. وبذلك قال الثوْرِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيتُكَ في السَّوادِ والجَبَلِ، فله أن يَفْعَلَ ما يَشاءُ. ولَنا، أنَّه مُحَرَّم، جاز المنْعُ منه في المِصْرِ، فجاز في السَّوادِ، كقَتْلِ النفْسِ المُحَرَّمَةِ. ٢١٦٠ - مسألة: (ولا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ على حَمْلِ المَيتَةِ والخَمْرِ. وعنه، يَصِحُّ) للحُرِّ (ويُكْرَهُ أكْلُ أجْرَتِه) لا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ

стр. 6934

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على حَمْلِ الخَمْرِ لمن يَشْرَبُها (١)، أو يأكُلُ المَيتَةَ، ولا على حَمْل خِنْزِير، كذلك. وبه قال أبو يوسفَ، ومحمد، والشافعي. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ؛ لأنَّ العَمَلَ لا يَتَعَيَّنُ عليه، بدَلِيلِ أنَّه لو حَمَلَه مثلُه، جاز، ولأنَّه لو قَصَدَ إراقَتَه أو طَرْحَ المَيتَةِ، جاز. وقد رُوِيَ عن أحمدَ في مَن حَمَلَ خِنْزِير الذِمِّيَّةٍ، أو خمْرًا لنَصْرانِي: أكْرَهُ أكْلَ كِرائِه، ولكنْ يُقْضَى للحَمّالِ بالكِراءِ، فإذا كان لِمُسْلِم فهو أشَدُّ. قال القاضي: هذا مَحْمُود على أنَّه اسْتَأجَرَه ليُريقَها، فأمّا للشُّرْبِ فمَحْظُورٌ، لا يَحِلُّ أخْذُ الأجْرِ عليه. قال شيخُنا (٢): وهذا تَأويل بَعِيد؛ لقَوْلِه: أكْرَه أكْلَ كِرائِه، وإذا كان لمُسْلِم فهو أشَدُّ. والمَذْهَبُ خِلافُ هذه الرِّوايَةِ؛ لأنه اسْتِئْجار لِفعْل مُحَرَّم، فلم يَصِحَّ، كالزِّنَى. ولأنَّ النبيَّ ﷺ لَعَن حامِلَها

стр. 6935

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمَحْمُولَةَ إلَيهِ (١)، وقولُ أبي حنيفةَ: لا يَتَعَيَّنُ. يَبْطُلُ بما لو اسْتَأجَرَ أرْضًا ليَتَّخِذَها مَسْجدًا. فأمّا حَمْلُ الخَمْرِ لإراقَتِها، والمَيتَةِ لطَرْحِها، والاسْتِئجارُ لكَسْحِ الكُنُفِ، فجائِر؛ لأنَّ ذلك مُباح، وقد اسْتَأجَرَ النبيُّ ﷺ أبا طَيبةَ فحَجَمَه (٢). وقد قال أحمد، في رِوايَةِ ابنَ منصور، في مَن يُؤاجِرُ نَفْسَه لنِظارَةِ كَرْمِ نَصْرَانِي: يُكْرَه ذلك؛ لأنَّ الأصْلَ في ذلك راجِعٌ إلى الخَمْرِ.

стр. 6936

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: قد ذَكَرْنا أنَّ الاسْتِئْجارَ لكَسْحِ الكُنُفِ جائِز؛ إلَّا أَنه يُكْرَهُ له أكْلُ أجْرَتِه، كأجْرَةِ الحَجَّامِ، بل هذا أوْلَى. وقد روَى سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، أنَّ رَجُلًا حَج، وأتَى ابنَ عَبَّاس، فقال له: إنِّي رَجُل أكنُسُ، فما تَرَى في مَكْسَبِي؟ قال: أي شيءٍ تَكْنُسُ؟ قال: العَذِرَةَ. قال: ومنه حَجَجْتَ، ومنه تَزَوَّجْتَ؟! قال: نعم. قال: أنت خَبِيثٌ، وحَجُّك خَبِيثٌ، وما تَزَوَّجْتَ خَبِيثٌ. أو نحوَ هذا (١). ولأنَّ فيه دَناءَةً، فكُرِهَ، كالحِجامَةِ. وإنَّما قُلْنا بجَوازِ الإجارَةِ عليه؛ لدُعُوِّ الحاجَةِ إليه، ولا يَنْدَفِعُ ذلك إلَّا بالإباحَةِ، فجازَ، كالحِجامَةِ.

стр. 6937

فَصْلٌ: وَالْإجَارَةُ عَلَى ضَرْبَينِ؛ أحَدُهُمَا، إجَارَةُ عَين، فَتَجُوزُ إجَارَةُ كُلِّ عَين يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا. ــ فصل: ويُشْتَرَطُ أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مَقْصُودَةً، فلا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ شَمْعٍ ليَتَجَملَ به ويَرُدَّهُ، ولا طعام ليَتَجَملَ به على مائِدَتِه ثم يَرُده، ولا النقُودِ ليَتَجَمَّلَ بها الدكّانُ؛ لأنَّها لم تُخْلَقْ لذلك ولا تُرادُ له، فبذلُ العِوَضِ فيه سَفَهٌ، وأخْذُه مِن أكْلِ المالِ بالباطِلِ، وكذلك اسْتِئْجارُ ثَوْبٍ ليُوضَعَ على سَرِيرِ المَيِّتِ؛ لِما ذَكَرْنا. فصل: قال الشيخُ، ﵀: (والإجارَةُ على ضَرْبَين؛ أحدُهما، إجارَةُ عَينٍ، فتَجُوزُ إجارَةُ كُلِّ عَين يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ المُباحةِ منها مع بَقائِها) كالأرْضِ، والدّارِ، والعَبْدِ، والبَهِيمَةِ، والثِّيابِ، والفَساطِيطِ، والحِبالِ، والخِيامِ، والمَحامِلِ، والسُّرُجِ، واللِّجامِ، والسَّيفِ، والرُّمْحِ، وأشْباهِ ذلك. وقد ذَكَرْنا بعضَ ذلك في مَواضِعِه.

стр. 6938

فَيَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُ حَائِطٍ لِيَضَعَ عَلَيهِ أطْرَافَ خَشَبِهِ، وَحَيَوَانٍ لِيَصِيدَ بِهِ، إلَّا الكَلْبَ، ــ ٢١٦١ - مسألة: (ويَجُوزُ له اسْتِئْجارُ حائِطٍ ليَضَعَ عليه أطرافَ خَشَبِه) إذا كان الخَشَبُ مَعْلُومًا، والمُدَّةُ مَعْلُومةً. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ. ولَنا، أنَّ هذه مَنْفَعَة مَقْصُودَة، مَقْدُور على تَسْلِيمِها واسْتِيفائِها، فجازتِ الإجارَةُ عليها، كاسْتِئْجارِ السَّطْحِ للنَّوْمِ عليه. ٢١٦٢ - مسألة: (و) يجوزُ استِئْجارُ (حَيَوانٍ ليَصِيدَ به، إلَّا الكَلْبَ) يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الفَهْدِ، والبازِي، والصَّقْرِ، ونحوه

стр. 6939

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للصَّيدِ (١)، في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا، تَجُوزُ إعارَتُه له (٢)، فجازت إجارَتُه له، كالدَّابّةِ. فأمّا إجارَةُ سباع البَهائِمِ والطَّيرِ التي لا تَصْلُحُ للصَّيدِ، فلا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأنَّه لا نفْعَ فيها، وكذلك إجارَةُ الكلْبِ والخِنْزِيرِ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ بَيعُه. ويَتَخَرَّجُ جَوازُ إجارَةِ الكَلْبِ الذي يُباحُ اقْتِناؤه؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا تَجُوزُ إعارَتُه له، فجازت إجارَتُه له، كغيرِه. ولأصحابِ الشافعيِّ فيه (٣) وَجْهان، كهذَين.

стр. 6940

وَاسْتِئْجَارُ كِتَابٍ يَقْرأ فِيهِ، إلا الْمُصْحَفَ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، ــ ٢١٦٣ - مسألة: (و) يَجُوزُ (اسْتِئْجارُ كِتابٍ ليَقْرأ فيه، إلَّا المُصْحَفَ، في أحَدِ الوَجْهَين) تَجُوزُ إجارَةُ كُتُب العِلْمِ التي يَجُوزُ بَيعُها للانتْفاعَ بها مِن القِرَاءَةِ فيها، والنَّسْخِ منها، والرِّوايةِ، وغيرِ ذلك من الانْتِفاعِ المَقْصُودِ المُحْتاجِ إليه. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. ومُقْتَضى قَوْلِ أبي حنيفةَ، أَنه لا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأَنه عَلَّلَ مَنْعَ إجارَةِ المُصْحَف بأنَّه ليس في ذلك أكْثَرُ مِن النَّظَرِ إليه، ولا تَجُوُز الإجارَةُ لمِثْلِ ذلك، كما لا يَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَ سَقْفًا ليَنْظُرَ إلى عَمَلِه. ولَنا، أنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا يُحْتاجُ إليه، تَجُوزُ الإعارَةُ له، فجازتِ الإجارَةُ له، كسائرِ المَنافِعِ. وفارَق النَّظَرَ إلى السَّقْفِ؛ فإنَّه لا حاجَةَ إليه، ولا جَرَتِ العادَةُ بالإِعارَةِ مِن أجْلِه. وتَجُوزُ إجارَةُ كِتَابٍ فيه خَطٌّ حَسَن، يَنْقُلُ منه ويَكْتُبُ عليه، على قِياسِ ذلك.

стр. 6941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وفي إجارَةِ المُصْحَفِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ إجارَتُه؛ لأنه لا يَصِحُّ بَيعُه؛ إجْلالًا لكتابِ اللهِ تعالى وكَلامِه عن المُعاوَضةِ به وابتذالِه بالثمَنِ في البَيعِ والأجْرِ في الإجارَةِ. والثاني، يَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ الشافعي؛ لأنه انْتِفاع مُباحٌ، تَجُوزُ الإعارَةُ مِن أجْلِه، فجازت إجارَتُه، كسائِرِ الكُتُبِ. ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ جَوازِ البَيعِ عَدَمُ جَوإزِ الإجارَةِ، كالحُرِّ. فصل: والذي يَحْرُمُ بَيعُه تَحْرُمُ إجارَتُه، إلَّا الحُرَّ، والوَقْفَ، وأم الوَلَدِ، فإنَّه يَجُوزُ إجارَتُها وإن حَرُمَ بَيعُها، وما عدا ذلك لا تَجُوزُ إجارَتُه، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 6942

وَاسْتِئْجَارُ النقْدِ لِلتحَلِّي وَالْوَزْنِ لَا غَيرُ. ــ ٢١٦٤ - مسألة: (و) يَجُوزُ (اسْتِئْجارُ النقْدِ للتحَلِّي والوَزْنِ لا غيرُ) إذا كان في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ. وبه قال أبو حنيفةَ. وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ، والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّه لا تَجُوزُ إجارَتُها؛ لأن هذه المَنْفَعَةَ ليستِ المَقْصُودَ منها، ولذلك لا تُضْمَنُ مَنْفَعَتُها بغَصْبِها، فأشْبَهَتِ الشَّمْعَ. ولَنا، أنها عَين أمْكَنَ الانْتِفاع بها معِ بَقاءِ عَينها مَنْفَعَةً مُباحَة، فأشْبَهَتِ الحَلْىَ، وفارَقَ الشَّمْعَ؛ فإنه لا يُنْتَفعُ به إلَّا بما يُتْلِفُ عَينَه.

стр. 6943

فَإن أطْلَقَ الإجَارَةَ، لَمْ تَصِح فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَصِحُّ فِي الآخَرِ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِي ذَلِكَ. ــ ٢١٦٥ - مسألة: (فإن أطْلَقَ الإجارَةَ) صَحَّت (ويَنْتَفِعُ بها في ذلك) وهذا اخْتيارُ أبي الخَطابِ؛ لأنَّ مَنْفَعَتَها في الإجارَةِ مُتَعَينة في التحَلِّي والوَزْنِ، وهما مُتَقارِبانِ، فوَجَبَ أن تُحْمَلَ الإجارَةُ عندَ الإطْلاقِ عليهما، كاستئْجارِ الدّارِ مُطْلَقًا، فإنَّه يَتَناوَلُ السُّكْنَى وَوَضْعَ المَتاعِ فيها. فعلى هذا يَنْتَفِعُ بها فيما شاءَ منهما. وقال القاضي: لا تَصِحُّ الإجارَةُ، وتكون قَرْضًا. وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الإجارَةَ تَقْتَضِي الانْتِفاعَ، والانْتِفاعُ المُعْتادُ بالدراهِمِ والدَّنانِيرِ إنَّما هو بأعْيانِها، فإذا اطْلِقَ الانْتِفاعُ حُمِلَ على الانْتِفاعِ المُعتادِ. وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا تَصِحُّ الإجارَة، ولا تَكُونُ قَرْضًا؛ لأن التحَلِّيَ يَنْقُصُها، والوَزْنُ لا يَنْقُصُها، فقد اخْتَلَفَت جهَةُ الانْتِفاعِ، فلم يَجُزْ إطْلاقُها. ولا يَجُوزُ أن يُعَبرَ بها عن القَرْضِ؛ لَأنَّ القَرْضَ تَمْلِيك للعَينِ، والإجارَة تَمْلِيك للمَنْفَعَةِ تَقْتَضِي الانْتِفاعَ مع بقاءِ العَينِ، فلم يَجُزِ التَّعْبِيرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ. ولأن التَّسْمِيَةَ والألفاظَ

стр. 6944

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تُؤْخَذُ نَقْلًا، ولم يُعْهَدْ في اللِّسانِ التَّعْبِيرُ بالإجارَةِ عن القَرْضِ. قال شيخُنا (١): وقولُ أبي الخَطَّابِ أصَحُّ إن شاءَ الله تَعالى؛ لأنَّ العَقْدَ متى أمْكَنَ حَمْلُه على الصحَّةِ، كان أوْلَى مِن إفْسادِه، وقد أمْكَنَ حَمْلُها على إجارَتِها للجِهَةِ التي تَجُوزُ إجارَتُها فيها. وقولُ القاضي، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا. وما ذَكَر أصحاب الشافعيِّ مِن نَقْصِ العَينِ بالاسْتِعْمالِ في التَّحَلِّي، فبَعِيدٌ؛ فإن ذلك يَسِير لا أثَرَ له، فوجودُه كعَدَمِه. فصل: ويَجوز أن يَسْتَأجِرَ نَخْلًا لتجَفِّفَ عليها الثِّيابَ، أو يَبسطَها عليها ليَسْتَظِلَّ بظِلِّها. ولأصْحابِ الشافعيِّ في ذلك وَجْهان؛ لِما ذَكَروه في الأثْمانِ. ولنا، أنَّها لو كانت مَقْطُوعَةً، لجاز اسْتِئْجارها لذلك، فكذلك النّابِتَةُ، وذلك لأنَّ الانْتِفاعَ يَحْصل بهما على السواءِ في الحالتَين، فما جاز في إحْداهما يَجوز في الأخْرَى. ولأنها شَجَرَةٌ، فجاز اسْتِئْجارها لذلك، كالمَقْطُوعَةِ. ولأنَّها مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ يمْكِن اسْتِيفاؤها مع بَقَاءِ العَينِ، فجاز العَقْد عليها، كما لو كانت مَقْطوعَةً.

стр. 6945

وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ وَلَدِهِ لِخِدْمَتِهِ، وَامْرَأتِهِ لِرَضَاعَ وَلَدِهِ، وَحَضَانَتِهِ. ــ فصل: ويَجوز اسْتِئْجاز ما يَبقَى مِن الطِّيبِ والصَّنْدَلِ، وقِطَع الكافورِ، والنَّدِّ؛ ليَشمَّه المَرْضَى وغيرهم مدةً ثم يَردُّه؛ لأنها مَنْفعَةٌ مباحَة (١) أشْبَهَتِ الوَزْنَ والتحَلِّيَ، مع أنه لا يَنْفَكُّ مِن إخْلاقٍ وبِلًى. فصل: يَجوز اسْتِئْجار دار يَتخِذها مَسْجِدًا يصَلِّي فيه. وبه قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجوز؛ لأنَّ فِعْلَ الصلاةِ لا يَجوز اسْتِحْقاقه بعَقْدِ الإجارَةِ بحالٍ، فلا تجوزُ الإجارَةُ لذلك. ولَنا، أن هذه مَنْفَعَة مباحَة يمْكِنُ اسْتِيفاؤها مِن العَين مع بَقائِها، فجاز اسْتِئْجار العَينِ لها، كالسُّكْنَى، ويفارِق الصلاةَ؛ فإنها لا تَدْخُل النِّيابَة فيها، بخِلافِ المَسْجِدِ. ٢١٦٦ - مسألة: (ويَجوزُ اسْتئجار وَلَدِه لخِدْمَتِه، وامْرَأتِه لرَضاعِ وَلَدِه وحَضانَتِه) يَجوزُ اسْتِئْجار وَلَدِه لخِدْمَتِه، كالأجْنَبِيِّ،

стр. 6946

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واسْتِئْجارُ أمهِ وأخْتِه وابْنَتِه لرَضاعِ وَلَدِه، وكذلك سائِرُ أقاربِه بغيرِ خِلافٍ، كالأجانِبِ. فأمّا اسْتِئْجار امْرَأتِه لرَضاع وَلَدِه منها، فيَجُوزُ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَب. قال الخِرَقِي: إن أرادَتِ الأم أن ترْضِعَ وَلَدَها بأجْرَةِ مِثْلِها، فهي أحَق به مِن غيرِها، سواء كانت في حِبالِ الزَّوْجِ أو مُطَلَّقَةً. وقال القاضي: لا يَجُوزُ. وتَأوَّلَ كَلامَ الخِرَقِيِّ على أنها في حِبالِ زَوْج آخَرَ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأي. وحُكِيَ عن الشافعيِّ؛ لأنَّه قد اسْتَحَقَّ حَبْسَها والاسْتِمْتاعَ بها بعِوَضٍ، فلا يَجوزُ أن يَلْزَمَه عِوَض (١) آخَرُ؛ لذلك. ولَنا، أنَّ كل عَقْدٍ يَصِحُّ أن تَعْقِدَه صع غيرِ الزَّوْجِ، يَصِحُّ أن تَعْقِدَه معه، كالبَيعِ، ولأنَّ مَنافِعَها في الرَّضاع والحَضانَةِ غيرُ مُسْتَحَقَّةٍ للزَّوْجِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَمْلِكُ إجْبارَها على ذلك، ويَجُوزُ أن تَأخُذَ عليها العِوَضَ مِن غيرِه، فجاز لها أخْذُه منه، كثمَنِ مالِها. وقولُهم: إنها اسْتَحَقَّتْ عِوَضَ الحَبْسِ والاسْتِمْتاعِ. قلنا: هذا غيرُ الحَضانَةِ، واسْتِحقاقُ مَنْفَعةٍ مِن وَجْهٍ لا يَمْنعُ اسْتِحقاقَ مَنْفَعةٍ سِوَاها بعِوَض آخَرَ، كما لو اسْتَأجَرَها كم تَزَوَّجَها. وتَأويلُ القاضي كَلامَ الخِرَقِيِّ

стр. 6947

وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُهَا، أنْ يَعْقِدَ عَلَى نَفْعِ الْعَين دُونَ أجْزَائِهَا، فَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ الطَّعَامِ لِلأكْلِ، وَلَا الشمْعِ لِيُشْعِلَهُ، ــ يُخالِفُ الظّاهِرَ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ الألِفَ واللامَ في الزوْج للمَعْهُودِ، وهو أبو الطِّفْلِ. الثاني، أنَّها إذا كانت في حِبالِ زوْجٍ آخَرَ لا تكونُ أحَقَّ به، بل يَسْقُطُ حَقُّها مِن الحَضانَةِ، ثم ليس لها أن ترْضِعَ إلَّا بإذنِ زَوْجِها، ففَسَدَ التَّأويلُ. ٢١٦٧ - مسألة؛ [قال، ﵁] (١): (ولا تَصِحُّ) الإجارَةُ (إلَّا بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحدُها، أن يَعْقِدَ على نَفْعِ العَينِ دُونَ أجْزائِها) لأنَّ الإجارَةَ هي بَيعُ المَنافِعَ، فأمّا الأجْزاءُ، فلا تَدْخُلُ في الإجارَةِ (فلا يَصِحُّ إجارَة الطَّعامِ للأكْلِ، ولا الشَّمْعِ ليُشْعِلَه) لأنَّ هذا لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بإتْلافِ

стр. 6948

وَلا حَيَوَانٍ لِيَأخذ لبَنَهُ، ــ عَيْنِه، فلم يَجُزْ، كما لو اسْتَأجَرَ دِينارًا ليُنْفِقَه، فإنِ اسْتَأجَرَ شَمْعةً ليُسْرِجَها، ويَرُدَّ بَقِيتها وثَمَنَ ما ذَهَب وأجْرَ الباقِي، فهو فاسِد؛ لأنه يَشْمَلُ بَيعًا وإجارَةً، وما وَقع عليه البَيعُ مَجْهُول، وإذا جُهِلَ البَيعُ، جُهِلَ المُسْتَأجَرُ أيضًا، فيَفْسُدُ العَقْدان. ٢١٦٨ - مسألة: (ولا) يَجُوزُ استِئْجارُ (حَيَوانٍ ليَأخُذَ لَبَنَه) كاسْتِئْجارِ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ ليَأخُذَ لَبَنَها، أو ليَسْتَرْضِعَها

стр. 6949

إلا فِي الظِّئْرِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ، يَدْخُلُ تَبَعًا. ــ أسْخاله (١)، ونحوَها، ولا ليَأخُذَ صُوفَها وشَعَرَها ووَبَرَها، ولا اسْتِئْجارُ شَجَرةٍ ليَأخُذَ ثَمَرَتَها أو شيئًا مِن عَينها؛ لِما ذَكَرْناه. ٢١٦٩ - مسألة: (إلَّا في الظِّئْرِ ونَقْعِ (٢) البِئْرِ، يَدْخُلُ تَبَعًا) أمّا الظِّئْرُ فقد سَبَقَ ذِكْرُها. وأمّا نَقْعُ البِئرِ، فقال ابنُ عَقِيل: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ

стр. 6950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البِئْر ليَسْتَقِيَ منه أيامًا مَعْلُومَةً أو دِلاءً مَعْلُومةً؛ لأنَّ هَواءَ البِئْرِ وعُمْقَها فيه نَوْعُ انْتِفاعٍ بمرُورِ الدَّلْو فيه. فأمّا الماءُ فيؤخَذُ على أصْلِ الإباحَةِ.

стр. 6951

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الفَحْلِ للضِّرابِ. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأي. وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في جَوازِه، بِناءً على إجارَةِ الظئرِ للرَّضاعِ؛ لأنَّ الحاجَة تَدْعُو إليه. وهو قولُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن عَسْبِ الفَحْلِ. مُتَّفَق عليه (١). ولأنَّ المَقْصُودَ الماءُ الذي يُخْلقُ منه الوَلَدُ، فيَكُونُ عَقْدُ الإجارَةِ لاسْتِيفاءِ عَين [فلم يَجُزْ] (٢)، كإجارَةِ الغَنَمِ لأخْذِ لَبَنِها، ولأنَّ الماءَ مُحَرَّم لا قِيمَةَ له، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالمَيتَةِ. فأمّا مَن أجازَه، فيَنْبَغِي أن يُوقِعَ العَقْدَ على العَمَكِ، ويُقَدِّرَه بمَرَّةٍ أو مَرَّتَينِ. وقيل: يُقَدِّرُه بالمُدَّةِ. وهو بَعِيدٌ، فإنَّ مَن أرادَ إطْراقَ فَرَسِه (٣) مَرَّةً، فقَدَّره بمُدَّةٍ تَزِيدُ على قَدْرِ الفِعْلِ، لم يُمْكِنِ اسْتِيعابُها به، ورُبَّما لا يَحْصُلُ الفِعْلُ في المُدَّةِ، ويَتَعَذَّرُ ضَبْطُ مِقْدارِ الفِعْلِ، فيَتَعَيَّنُ التَّقْدِيرُ بالفِعْلِ، إلَّا أن يَكْتَرِيَ فَحْلًا لإطْراق ماشِيَةٍ كَثيرَةٍ، كتَيْسٍ يَتْرُكُه في غَنَمِه، فإنَّه إنَّما يَكْتَرِيه مُدَّةً مَعْلُومَةً. والمَذْهَبُ أنه لا يَجُوزُ إجارَتُه؛ لِما ذَكَرْناه،

стр. 6952

الثَّانِي، مَعْرِفَةُ الْعَينِ بِرُؤيَةٍ أوْ صِفَةٍ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَصِحُّ فِي الآخَرِ بِدُونِهِ، وَلِلْمُستَأجِرِ خِيَارُ الرؤيَةِ. ــ فإنِ احْتاجَ إلى ذلك، ولم يَجِدْ مَن يُطْرِقُ له، جاز له أن يَبْذُلَ الكِراءَ، وليس للمُطْرِق أخْذُه؛ لأنَّ ذلك بَذْلُ مالٍ لتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ مُباحةٍ تَدْعُو الحاجَةُ إليها، فجاز، كشراءِ الأسِيرِ، ورِشْوَةِ الظّالِمِ ليَدْفَعَ ظُلْمَه. وإن أطْرَقَ إنْسان فَحْلَه بغيرِ إجارَةٍ ولا شَرْطٍ، فأُهْدِيَتْ له هَدِيَّة، أو أكْرِمَ بكَرامةٍ لذلك، فلا بَأسَ به؛ لأنَّه فَعَل مَعْرُوفًا، فجازَتْ مُجازاتُه عليه، كما لو أهدَى هَدِيةً فجُوزِيَ عليها. واللهُ أعلمُ. ٢١٧٠ - مسألة: (الثاني، مَعْرِفةُ العَينِ برُؤيةٍ أو صِفَةٍ، في أحَدِ الوَجْهَين، ويَصِحُّ في الآخرِ بدُونِه، وللمُسْتَاجِرِ خِيارُ الرُّويةِ) يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ العَينِ المُسْتَأجَرَةِ بالمُشاهَدَةِ إن كانت لا تَنْضَبِطُ بالصِّفاتِ، أو

стр. 6953

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالصِّفَةِ إن كانت تَنْضَبِطُ بها، قِياسًا على البَيعِ. وفيه وَجْه آخَر، أنَّه لا يُشْتَرَطُ، ويَثْبُتُ للمُسْتَأجِر خِيارُ الرُّويةِ. وهو قولُ أصْحابِ الرأي. والخِلافُ ههُنا مَبْنِيٌّ على الخِلافِ في البَيعِ. وقد ذَكَرْناه، والمَشْهُورُ الأوَّلُ. فعلى هذا، إذا كانت ممّا لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، كالدورِ، والحَمّامِ، فلا بُدَّ مِن رُؤيتها، كالبَيعِ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بصِغَرِها، وكِبَرِها، ومَرافِقِها، ومُشاهَدَةِ قَدْرِ الحَمّامِ؛ ليَعْلَمَ كِبَرَها مِن صِغَرِها، ومَعْرِفةِ مائِهِ، ومُشاهَدَةِ الإيوانِ (١)، ومُطَّرَحِ الرَّمادِ، ومَوْضِح الزِّبْلِ، ومَصْرِفِ ماءِ الحَمّامِ. فمتى أخَلَّ بهذا أو بعضِه، لم يَصِحَّ؛ للجَهالةِ بما يَخْتَلِفُ به الغَرَضُ. وقد كَرِه أحمدُ، ﵀، كَرْىَ الحَمّامِ؛ لأنَّه يَدْخُلُه مَن يَكْشِفُ عَوْرَتَه فيه. قال ابنُ حامدٍ: هذا على طَرِيقِ كَراهَةِ التنزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ، فأمّا العَقْدُ فصَحِيح في قولِ أكثر أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ كِراءَ الحَمّامِ جائِر، إذا حَدَّدَه، وذَكَر جميعَ آلتِه شُهُورًا مُسَمّاةً. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرأي؛ لأنَّ المُكْتَرِي إنَّما يَأخُذُ الأجْرَ عِوَضًا عن دُخُولِ الحَمّامِ والاغْتِسالِ بمائِهِ، وأحْوالُ المُسْلِمِين مَحْمُولَةٌ على السَّلامَةِ، وإن وَقَعَ مِن بعضِهم فِعْلُ ما لا يَجُوزُ،

стр. 6954

الثَّالث، الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلا تَصحُّ إِجَارَةُ الآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أخْذِهِ. وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُشَاعِ مُفْرَدًا لِغَيرِ شَرِيكِهِ. وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازه. ــ لم يُحَرَّمِ الأجْرُ المَأخُوذُ منه، كما لو اكْتَرَى دارًا ليَسْكُنَها، فشربَ فيها خَمْرًا. ٢١٧١ - مسألة: (الثالثُ، القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ، فلا يَصِحُّ إجازَةُ الآبِقِ والشّارِدِ، ولا المَغْصُوبِ) مِن غيرِ غاصِبِه، إذا لم يَقْدِرْ على أخْذِه منه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عليه، فلم تَصِحَّ إجارَتُه، كبَيعِه. ٢١٧٢ - مسألة: (ولا تَجُوزُ إجارَةُ المُشَاعِ مُفْرَدًا لغيرِ شَرِيكِه. وعنه ما يَدُلُّ على الجَوازِ) قال أصحابُنا: لا تَجُوزُ إجارَةُ المُشاعِ لغيرِ الشَّرِيكِ، إلَّا أن يُؤْجِرَ الشرِيكان معًا. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وزُفَرَ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، فلم تَصِحَّ إجارَتُه، كالمَغْصُوبِ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّه لا يَقدِرُ على تَسْلِيمه إلَّا بتَسْليمِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، ولا ولايةَ له على

стр. 6955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مالِ شَرِيكِه. واخْتارَ أبو حَفْص العُكْبَرِي جَوازَه. وقد أوْمأ إليه أحمدُ. وهو قولُ مالك، والشافعيِّ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ؛ لأنه مَعْلُوم يَجُوزُ بَيعُه، فجازَتْ إجارَتُه، كالمُفْرَدِ. ولأنَّه عَقْد في مِلْكِه يَجُوزُ مع شَرِيكِه، فجاز مع غيرِه، كالبَيعِ. ومَن نَصَر الأولَ، فَرّقَ بينَ مَحَلِّ النِّزاعِ وبينَ ما إذا أجَرَه الشرِيكان، أو أجَرَه لشَرِيكِه، فإنَّه يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ إلى المُسْتَأجِرِ، فأشْبَهَ إجارَةَ المَغْصُوبِ مِن غاصِبِه دُونَ غيرِه. وإن كانت لواحدٍ فأجَرَ نِصْفَها، صَح؛ لأنه يُمْكِنُه تَسْلِيمُه، ثم إن أجَرَ نِصْفَها الآخَرَ للمُسْتَأجِرِ الأولِ، صَحَّ؛ لإمْكانِ تَسْلِيمِه إليه. وإن أجَرَه لغيرِه، فَفِيه وَجْهان، كالمسألة التي قبلَها؛ لأنه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ ما أجَرَه إليه. وإن أجَرَ الدّارَ لاثْنَين، لكُلِّ واحدٍ منهما نصفها، وكذلك؛ لأنه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ نَصيبِ كُلِّ واحدٍ إليه.

стр. 6956

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا تَجُوزُ إجارَةُ المُسْلِمِ للذِّمِّيِّ لخِدْمَتِه. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، فقال: إن أجَرَ نَفْسَه مِن الذِّمِّيِّ في خِدْمَتِه لم يَجُزْ، وإن كان في عَمَل شيءٍ جاز. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وقال في الآخَرِ: تَجُوزُ، لأَنه يَجُوزُ له إجارَةُ نَفْسِه في غيرِ الخِدْمَةِ، فجاز فيها، كإجارَته مِن المُسْلِمِ. ولَنا، أَنه عَقْد يَتَضَمَّنُ حَبْسَ المُسْلِمِ عندَ الكافِرِ وإذْلاله له واسْتِخْدامَه، أشبَهَ البَيعَ، يُحَقِّقُه أنَّ عَقْدَ الإجارَةِ للخِدْمَةِ يَتَعَيَّنُ فيه حَبْسُه مُدَّةَ الإجارَةِ واسْتِخدامُه، والبَيعُ لا يَتَعَيَّنُ فيه ذلك، فإذا مُنِعَ منه، فالمَنْعُ مِن الإجارَةِ أوْلَى. فأمّا إن أجَرَ نفْسَه منه في عَمَل مُعَيَّن في الذِّمَّةِ، كخِياطَةِ ثَوْبٍ، جاز بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ عَلِيًّا، ﵁، أجَرَ نَفْسَه مِن يَهُودِيٍّ يَسْتَقِي له كلَّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ، وأخْبَرَ النبيَّ ﷺ بذلك، فلم يُنْكِرْه، وكذلك الأنْصاري (١). ولأنه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لا يَتَضَمَّنُ إذْلال المُسْلِمِ ولا استِخْدامَه، فأشْبَهَ مُبايَعَتَه. وإن أجَرَ نَفْسَه منه [لعمل غيرِ] (٢) الخِدْمةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، جاز أيضًا، في ظاهِرِ

стр. 6957

الرَّابعُ، اشْتِمَالُ الْعَينِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، فَلَا تَجُوزُ إِجَارَةُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ لِلْحَمْلِ، وَلَا أرْض لَا تُنْبِتُ لِلزَّرْعِ. ــ كلامِ أحمدَ؛ لقولِه: وإن كان في عَمَلِ شيءٍ جاز. ونَقَلَ عنه أحمدُ بنُ سعيدٍ: لا بَأسَ أن يُؤَاجِرَ نَفْسَه مِن الذِّمِّيِّ. وهذا مُطْلَق في نَوْعيِ الإجارَةِ. وذَكَرَ بعضُ أصحابِنا أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ مَنْعُ ذلك وأشار إلى ما رَواه الأثْرَمُ، واحْتَجَّ بأنه عَقْد يَتَضَمَّنُ حَبْسَ المُسْلِمِ، أشْبَهَ البَيعَ. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا، فإنَّ كلامَ أحمدَ يَدُلُّ على خِلافِ ما قاله، فإنَّه خَصَّ المَنْعَ بالإجارَةِ للخِدْمةِ، وأجازَ إجارَتَه للعَمَلِ، وهذا إجارَة للعَمَلِ، ويُفارِق البَيعَ؛ فإنَّ فيه إثْباتَ المِلْكِ على المُسْلِمِ، ويُفارِق إجارَتَه للخِدْمَةِ؛ لتَضَمُّنِها الإذْلال. فصل: نَقَل إبراهيمُ الحَرْبي، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدِّيكَ ليُوقِظَه لوَقْتِ الصَّلاةِ، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ ذلك يَقِفُ على فِعْلِ الدِّيكِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُ ذلك منه بضَرْبٍ ولا غيرِه، وقد يَصِيحُ وقد لا يَصِيحُ. ورُبَّما صاحَ بعدَ الوَقْتِ. ٢١٧٣ - مسألة: (الرابعُ، اشْتِمالُ العَينِ على المَنْفَعَةِ. فلا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ للحَمْلِ، ولا أرْضٍ لا تُنْبِتُ للزَّرْعِ) لأنَّ الإِجارَةَ

стр. 6958

الْخَامِسُ، كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَمْلُوكَةً لِلْمُؤجِرِ، أو مَأذُونًا لَهُ فِيهَا، فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأجرِ إجَارَةُ الْعَينِ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ. ــ عَقْدٌ على المَنْفَعةِ، ولا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ هذه المَنْفَعَةِ مِن هذه العَينِ، فلا تَجُوزُ إجارَتُها، كالعَبْدِ الآبِقِ. ٢١٧٤ - مسألة: (الخامسُ، كَوْنُ المَنْفَعَةِ مَمْلُوكةً للمُؤْجِرِ، أو مَأذُونًا له فيها) لأنَّه تَصَرُّفٌ فيما لا يَمْلِكُه ولا أذِنَ فيه مالِكُه، فلم يَجُزْ، كَبَيعِه. ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ ويَقِفَ على إجازَةِ المالِكِ، بِنَاءً على بَيع العَينِ بغيرِ إذْنِ مالِكِها. [وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك في كتابِ البيعِ] (١). ٢١٧٥ - مسألة: (يَجُوزُ للمُسْتَأجِرِ إجارَةُ العَينِ لمَن يَقُومُ مَقامَه) مِن المُؤْجِرِ وغيرِه. يَجُوزُ للمُسْتَأجِرِ [أن يُؤجِرَ] (٢) العَينَ المُسْتَأجَرَةَ إذا قَبَضَها. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ،

стр. 6959

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وابنِ سِيرِينَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبيِّ، والثَّوْريِّ، والشافعيِّ، وأصحاب الرأي. وذَكَر القاضي فيه رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ النبي ﷺ نَهَى عن رِبْح ما لم يُضْمَنْ (١). والمَنافِعُ لم تَدْخُلْ في ضَمانِه، ولأنَّه عَقَدَ على ما لم يَدْخُلْ في ضَمانِه، فلم يَجُزْ، كبَيعِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ قبل قَبْضِه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ قَبْضَ العَينِ قامَ مَقامَ قَبْضِ المَنافِعِ، بدَلِيلِ أنّه يجوزُ التَّصَرُّفُ فيها، فجاز العَقْدُ عليها، كبَيعِ الثَّمَرَةِ على الشّجَرةِ، وبهذا الأصْلِ يَبْطُلُ قياسُ الرِّوايةِ الأخْرَى. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا تَجُوزُ إجارَتُه إلَّا لمَن يَقُومُ مَقامَه، أو دُونَه في الضَّرَرِ؛ لأن هذه المَنْفَعَةَ صارَتْ مَمْلُوكَةً له، فله أن يَستوْفِيَها بنَفْسِه وبنائِبهِ. والمُسْتأجَرَةُ لا تَجُوزُ إجارَتُها لمَن هو أكثرُ ضَرَرًا منه، ولا لمَن يُخالِفُ ضَرَرُه ضَرَرَه؛ لِما نَذْكُرُه.

стр. 6960

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمّا إجارَتُها قبلَ قَبْضِها، فتَجُوزُ مِن غيرِ المُؤْجِرِ في أحَدِ الوَجْهَين. وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ؛ لأنَّ قَبْضَ العَينِ لا يَنْتَقِلُ به الضَّمانُ إليه، فلم يَقِفْ جَوازُ التَّصَرُّفِ عليه. والثاني، لا يَجُوزُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والمَشْهُورُ مِن قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ المَنافِعَ مَمْلُوكَة بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فاعْتُبِرَ في جَوازِ العَقْدِ عليها القَبْضُ، كالأعْيانِ. وأمّا إجارَتُها للمُؤْجِرِ قبلَ القَبْضِ، فإذا قُلْنا: لا يَجوزُ مِن غيرِ المُؤْجِرِ. ففيها ههُنا وَجْهان؛ أحدهما، لا يَجوز كغيرِه. والثاني، يَجُوزُ؛ لأنَّ القَبْضَ لا يَتَعَذَّرُ عليه، بخِلافِ الأجْنَبِيِّ، وأصْلُهما بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه، هل يَصِحُّ مِن بائِعِه؛ على رِوايَتَين. وتَجوزُ إجارَتُها مِن المُؤْجِرِ بعدَ قَبْضِها. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى تَناقُضِ الأحكامِ؛ لأنَّ التسْلِيمَ مُسْتحَقٌّ على (١) المُكْرِى، فإذا اكْتَراها صار

стр. 6961

وَتَجُوزُ لِلْمُؤجِرِ وَغَيرِهِ بِمِثْلِ الأجْرَةِ وَزِيَادَةٍ. وَعَنْهُ، لَا تَجُوزُ بِزِيَادَةٍ. وَعَنْهُ، إِنْ جَدَّدَ فِيهَا عِمَارَةً، جَازَتِ الزِّيَادةُ، وَإلَّا فَلَا. ــ مُسْتَحِقًّا له، فيَصِيرُ مُسْتَحِقًّا لِما يُسْتَحَقُّ عليه، وهو تَناقُضٌ. ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ جاز مع الأجْنَبِيِّ، جاز مع العاقِدِ، كالبَيعِ. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّسْلِيمَ قد حَصَل، وهذا المُسْتحَقُّ له تَسْلِيمٌ آخَرُ، ثم يَبْطُلُ بالبَيعِ، فإنَّه يُسْتَحَقُّ عليه تَسْلِيمُ العَينِ، فإذا اشْتَراها اسْتَحَقَّ تَسْلِيمَها. فإن قِيلَ: التُّسْلِيمُ ههُنا مُسْتَحَق في جَميعِ المُدَّةِ. قلنا: المُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُ العَينِ، وقد حَصَل. وليس عليه تَسْلِيمٌ آخَرُ، غيرَ أنَّ العَينَ مِن ضَمانِ المُؤْجِرِ، فإذا تَعَذَّرَتِ المَنافِعُ بتَلَفِ الدّارِ، أو غَصْبِها، رَجَعَ عليه؛ لأنها تَعَذَّرَت بسَبَبٍ كان في ضَمانِه. ٢١٧٦ - مسألة: (وتَجُوزُ) إجارَتُها (بمِثْلِ الأجْرَةِ وزِيادَةٍ. وعنه، لا تَجُوزُ بزِيادَةٍ. وعنه، إن جَدُّدَ فيها عِمارَةً، جازَتِ الزِّيادَةُ، وإلَّا فلا) إذا قلنا بجَوازِ إجارَةِ العَينِ المُسْتَأجَرَةِ، جازَتْ بمِثْلِ الأجْرَةِ وزِيادَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، ورُوِيَ عن عطاءٍ، والحَسَنِ، والزُّهْرِيِّ.

стр. 6962

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ: لا تَجُوزُ بزِيادَةٍ، تُرْوَى كراهَةُ ذلك عن ابن المُسَيَّبِ، وأبي سَلَمَةَ، وابنِ سِيرِينَ، ومُجاهدٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ. وعنه، إن جَدَّدَ فيها عمارةً جازَتِ الزيادَةُ، وإلَّا فلا، فإن فَعَل تَصَدَّقَ بالزِّيادَة. رُوِيَ ذلك عن الشَّعْبِي. وبه قال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه يَرْبَحُ بذلَك فيما لم يَضْمَنْ، وقد نهَى النبي ﷺ عَنْ رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ. ولأَنه يَرْبَحُ فيما لم يَضْمَنْ، فلم يَجُزْ، كما لو رَبِحَ في الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه، ويُخالِفُ ما إذا عَمِلَ فيها، فإنَّ الرِّبْحَ في مُقابلَةِ العَمَلِ. وعن أحمدَ رِوايَة أخْرَى، إن أذِنَ له المالِكُ في الزِّيادَةِ، جاز، وإلَّا لم يَجُزْ. ولَنا، أنَّه عَقْد يَجُوزُ برَأسِ المالِ، فجاز بزِيادَةٍ، كبَيعِ المَبِيعِ بعدَ قَبْضِه، وكما لو أحْدَثَ فيها عِمارَةً لا يُقابِلُها جُزْءٌ مِن الأجْرِ (١). وأمّا الخَبَرُ، فإنَّ المَنافِعَ قد دَخَلَتْ في ضَمانِه مِن وَجْهٍ، بدَلِيلِ أنَّها لو فاتَتْ مِن غيرِ اسْتِيفائِه، كانت مِن ضَمانِه. والقِياسُ على بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه لا يَصِحُّ، فإنَّه لا يَجُوزُ وإن لم يَرْبَحْ فيه. وتَعْلِيلُهم بأنَّ الرِّبْحَ في مُقابَلةِ عَمَلِه مُلْغًى بما إذا كَنَس الدّارَ ونَظَّفَها، فإنَّ ذلك يَزِيدُ في أجْرِها عادةً. واللهُ أعلَمُ. فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلِ يَقْبَلُ العَمَلَ مِن الأعْمالِ، فيُقَبلُه بأقَلَّ مِن ذلك، أيجُوزُ له الفَضْلُ؟ قال: ما أدْرِي، هي مسألة فيها بعضُ الشيءِ. قلتُ: ألَيسَ كان الخَيّاطُ أسْهَلَ عِنْدَك إذا قَطَع الثَّوْبَ أو غيرَه،

стр. 6963

وَلِلْمُسْتَعِيرِ إجَارَتُهَا إِذَا أذِنَ لَهُ الْمُعِيرُ مُدَّةً بِعَينهَا. ــ إذا عَمِلَ في العَمَلِ شيئًا؟ قال: إذا عَمِلَ فهو أسْهَلُ. قال النَّخَعِيُّ: لا بَأسَ أن يَقْبَلَ الخَيّاطُ الثِّيابَ بأجْر مَعْلُوم، ثم يُقَبِّلُها بعدَ ذلك بعدَ أن يُعِينَ فيها، أو يَقْطَعَ، أو يُعْطِيَه سُلُوكًا أو إبَرًا، [أو يَخِيطَ فيها شيئًا] (١). فإن لم يُعِنْ فيها بشيءٍ، فلا يَأخُذَنَّ فَضْلًا. وهذا يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ النَّخَعِي قاله بِناءً على مَذْهَبِه، في أنَّ مَن اسْتَأجَرَ شيئًا لا يُؤْجرُه بزِيادَةٍ. وقِياسُ المَذْهَبِ جَوازُ ذلك، سواء أعَانَ فيها بشيءٍ أو لم يُعِنْ؛ لأنَّه إذا جاز أن يُقَبِّلَهُ بمثلِ الأجْرِ الأولِ، جاز بزِيادَةٍ عليه، كالبَيعِ، وكإجارَةِ العَينِ. ٢١٧٧ - مسألة: (وللمُسْتَعِيرِ إجارَتُها إذا أذِنَ له المُعِيرُ مُدَّةً بعَينها) لأنَّه لو أذِنَ له في بَيعِها، جازَ، فكذلك إذا أذِنَ له في إجارَتِها، ولأنَّ الحَقَّ له، فجازَ بإذْنِه. ولا بُدَّ مِن تَعْيِينِ المُدَّةِ في الإذْنِ؛ لأنَّ الإجارَةَ عَقْد لازِم، لا تَجُوزُ إلَّا مُدَّةً مُعَيَّنَةً.

стр. 6964

وَتَجُوزُ إجَارَةُ الْوَقْفِ. ــ ٢١٧٨ - مسألة: (وتَجُوزُ إجارَةُ الوَقْفِ) لأنَّ مَنافِعَه مَمْلُوكَةٌ للمَوْقُوفِ عليه، فجازَ له إجارَتُها، كالمُسْتَأجِرِ.

стр. 6965

فَإنْ مَاتَ الْمُؤجِرُ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ، لَمْ تَنْفَسِخِ الإجَارَةُ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَلِلثَّانِي حِصَّتُهُ مِنَ الأجْرَةِ. ــ ٢١٧٩ - مسألة: (فإن ماتَ المُؤْجِرُ، فانْتَقَلَ إلى مَن بَعدَه، لم تَنْفَسِخِ الإجارَةُ، في أحَدِ الوَجْهَين، وللثاني حِصَّتُه مِن الأجْرةِ) لأنَّه أجَرَ مِلْكَه في زَمَنِ ولايته، فلم تَبْطُلْ بمَوْتِه، كما لو أجَرَ مِلْكَه المُطْلَقَ (١). والثاني، تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّه أجَرَ مِلْكَه ومِلْكَ غيرِه، فَصَحَّ في مِلْكِه دُونَ مِلْكِ غيرِه، كما لو أجَرَ دارَين، إحداهما له والأخْرَى لغيرِه، بخِلافِ المطْلَقِ (١)، فإنَّ المالِكَ يَمْلِك مِن

стр. 6966

وإنْ أجَرَ الْوَلِيُّ الْيَتيمَ أو السَّيِّدُ الْعَبْدَ، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِي، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، لَمْ تَنْفَسِخِ الإجَارَةُ. وَيَحْتَمِلُ أنْ تَنْفسِخَ. ــ جِهَةِ المَوْرُوثِ، فلا يَمْلِكُ إلَّا ما خَلَّفَه، وما تَصَرَّفَ فيه في حَياتِه لا يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، والمَنافِعُ التي أجَرَها قد خَرَجَتْ عن مِلْكِه بالاجارَةِ فلا تَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، والبَطْنُ الثاني في الوَقْفِ يَمْلِكُونَ مِن جِهَةِ الواقِفِ، فما حَدَث فيها بعدَ البطْنِ الأولِ كان مِلْكًا لهم، فصادَفَ (١) تَصَرُّفَ المُؤْجِرِ في مِلْكِهم مِن غيرِ إذْنِهم، ولا ولايةٍ له عليهم. ويَتَخَرَّجُ أن تَبْطُلَ الاجارَةُ كُلُّها، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وهذا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشافعيِّ. فعَلَى هذا، إن كان المُؤْجِرُ قَبَض الأجْرَ كُلَّه، وقلنا: تَنْفَسِخُ الإجارَةُ. فلمَن انْتَقَلَ إليه الوَ قْفُ أخْذُه، ويَرْجِعُ المُسْتَأجِرُ على وَرَثَةِ المُؤْجِرِ بحِصَّةِ الباقِي مِن الأجْرِ. وإن قلنا: لا تَنْفسِخُ. رَجَع مَن انْتَقَل إليه الوَقْفُ على التَّرِكَةِ بحِصَّتِه. ٢١٨٠ - مسألة: (وإن أجَرَ الوَلِيُّ اليَتيمَ) أو ماله مُدَّةً، فبَلَغَ في أثْنائِها، فليس له فَسْخُ الإِجارَةِ. ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه عَقْد لازِمٌ عَقَدَه

стр. 6967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بحَقِّ الولايةِ، فلم يَبْطُلْ بالبُلُوغِ، كما لو باعَ دارَه أو زَوَّجَه. ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الإجارَةُ فيما بعدَ البُلُوغِ؛ لِزَوالِ الولايةِ، لِما ذَكَرْنا في إجارَةِ الوَقْفِ. ويَحْتَمِلُ أَنه إذا أجَرَه مُدَّةً يتَحَقَّقُ فيها بُلُوغُه، وهو أن يُؤجِرَ ابنَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَتَينِ، فيَبْطُلُ في السّادِسَ عَشَرَ؛ لأنَّنا نَتَيَقَّنُ أنَّه أجَرَه فيها بعدَ بُلُوغِه. وهل يَصِحُّ في الخامِسَ عَشَرَ؛ على وَجْهَينِ، بِناءً على تَفرِيقِ الصَّفْقَةِ. وإن لم يتَحَقَّقْ فيها بُلُوغُه كالذي أجَرَه الخامِسَ عَشَرَ وَحْدَه، فبَلَغ في أثْنائِه، فيكونُ فيه ما ذَكَرْنا في صَدْرِ الفَصْلِ؛ لأنّا لو قُلْنا: يُلْزَمُ الصَّبِي بعَقْدِ الوَلِيِّ مُدَّةً يتَحَقَّقُ فيها بُلُوغُه، أفْضَى إلى أن يَعْقِدَ على مَنافِعِه طولَ عُمُرِه، وإلى أن يتَصرَّفَ فيه في غيرِ زَمَنِ ولايته عليه. ولا يُشْبِهُ النِّكاحَ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ مُدَّتِه، فإنَّه إنَّما يُعْقَدُ للأبدِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا بَلَغ الصَّبِي، فله الخِيارُ؛ لأنَّه عَقَد على مَنافِعِه في حال لا يَمْلِكُ التَّصرُّفَ في نَفْسِه، فإذا مَلَك، ثَبَتَ له الخيارُ، كالأمَةِ إذا عَتَقَتْ تحتَ زَوْج. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، عُقِد عليه قبلَ أن

стр. 6968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ، فإذا مَلَكَه لم يَثْبُتْ له الخِيارُ، كالأبِ إذا زَوَّجَ وَلَدَه. والأمَةُ إنما ثَبَتَ لها الخِيارُ إذا عَتَقَتْ تحت عَبْدٍ؛ لأجْلِ العَيبِ، لا لما ذَكره، بدِليلِ أنَّها لو عَتَقَتْ تحت حُر، لم يَثْبُتْ لها الخِيارُ. وإن ماتَ الوَلِيُّ المُؤْجرُ للصَّبِيِّ أو مالِه، أو عُزِلَ وانْتَقَلَتِ الولايةُ إلى غيرِه، لم يَبْطُلْ عَقْدُه؛ لأَنه تَصَرَّفَ وهو من أهْلِ التَّصَرُّفِ في مَحَلِّ ولايته، فلم يَبْطُلْ تَصرُّفُه بمَوْتِه أو عَزْلَه، كما لو ماتَ ناظِرُ الوَقْفِ أو عُزِلَ، أو ماتَ الحاكِمُ بعد تَصَرُّفِه فيما له النَّظَرُ فيه. ويُفارِق ما لو أجَرَ المَوْقوف عليه الوَقْفَ مُدَّةً ثم ماتَ في أثنائِها؛ لأنَّه أجَرَ مِلْكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه في مُدَّةٍ لا ولايةَ له فيها، وههُنا إنَّما يَثْبُتُ للوَلِيِّ (١) الثاني التَّصَرُّفُ فيما لم يتَصَرَّفْ فيه الأوَّلُ، وهذا العَقْدُ قد تَصرَّفَ فيه الأوَّلُ، فلم تَثْبُتْ للثاني ولاية على ما تَناوَلَه (٢).

стр. 6969

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢١٨١ - مسألة: فإن أجَرَ السيِّدُ عَبْدَه مُدَّةً ثم أعْتَقَه في أثْنائِها، صَحَّ العِتْقُ، ولم يَبْطُلْ عَقْدُ الإجارَةِ، في قِياسِ المَذْهَبِ. ولا يَرْجِع العَبْدُ على مَوْلاهُ بشيء. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيٍّ. وقال في القَدِيمِ: يَرْجِعُ على مَوْلاهُ بأجْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ المنافِعَ تُسْتَوْفى منه بِسَبَبٍ كان مِن جِهَةِ السَّيدِ، فرَجَعَ به (١) عليه،؛ لو أكْرَهَهُ بعد عِتْقِه على ذلك العَمَلِ. ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ اسْتُحِقَّتْ بالعَقْدِ قبلَ العِتْقِ، فلم يَرْجِعْ ببَدَلِها، كما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم أعْتَقَها بعد دُخُولِ الزَّوْج بها، فإنَّ ما يَسْتَوْفِيه السَّيدُ لا يَرْجِعُ به عليه. ويُخالِفُ المُكْرَهَ، فإنَّه تعَدَّى بذلك. وقال أبو حنيفةَ: للعَبْدِ الخِيارُ في الفَسْخِ أو الإمْضاءِ، كالصَّبِيِّ إذا بَلَغ؛ للمَعْنَى الذي ذَكَرَه ثَمَّ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِم على ما يَمْلِكُ، فلا يَنْفَسِخُ بالعِتْقِ، ولا يَزُولُ مِلْكُه عنه،؛ لو زَوَّجَ أمَتَه ثم باعَها. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ نَفَقَةَ العَبْدِ إن لم تَكُنْ مَشرُوطةً على المُسْتَأجِرِ، فهي على مُعْتِقِه؛ لأنَّه كالبَاقِي في ملكِه، لكَوْنِه يَمْلِكُ عِوَضَ نَفْعِه، ولأنَّ العَبْدَ عاجِر عن نَفَقَتِه؛ لأَنه مَشْغُول بالإجارَةِ، ولم تَجِبْ على المُسْتَأجِرِ؛ لأَنه اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَه بعِوَض غيرِ نَفَقَتِه، لم يَبْقَ إلَّا أنها على المَوْلَى. ويتَخَرَّجُ أن تَنْفَسِخَ الإجارَة، كالصَّبِيِّ، والله أعلمُ.

стр. 6970

فصْلٌ: وَإجَارَةُ الْعَينِ تَنْقَسِمُ قِسْمَينِ أحَدُهُمَا، أنْ تَكُونَ عَلَى مُدَّةٍ، كَإجَارَةِ الدَّارٍ شَهْرًا، والْأرْضِ عَامًا، وَالْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ أوْ لِلرَّعْي مُدَّةً مَعْلُومَة، يُسَمَّى الْأجِيرُ فِيهَا الْأجِيرَ الْخَاصَّ. ــ فصل: قال الشَّيخُ، ﵀: (وإجارَةُ العَينِ تَنْقَسِمُ قِسْمَينِ؛ أحدُهما، أن تكونَ على مُدَّةٍ، كإجارَةٍ الدَّارِ شَهْرًا، والأرْضِ عامًا، والعَبْدِ للخِدْمةِ أو للرَّعْي مُدَّةً مَعْلُومَة، ويُسَمَّى الأجِيرُ فيها الأجِيرَ الخاصَّ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ إجارةَ العَينِ مُدَةً مَعْلُومةً (١) تكون في الآدَمِيِّ
следующие страницы →