← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

وإنْ أجَرَ الْوَلِيُّ الْيَتيمَ أو السَّيِّدُ الْعَبْدَ، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِي، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، لَمْ تَنْفَسِخِ الإجَارَةُ. وَيَحْتَمِلُ أنْ تَنْفسِخَ. ــ جِهَةِ المَوْرُوثِ، فلا يَمْلِكُ إلَّا ما خَلَّفَه، وما تَصَرَّفَ فيه في حَياتِه لا يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، والمَنافِعُ التي أجَرَها قد خَرَجَتْ عن مِلْكِه بالاجارَةِ فلا تَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، والبَطْنُ الثاني في الوَقْفِ يَمْلِكُونَ مِن جِهَةِ الواقِفِ، فما حَدَث فيها بعدَ البطْنِ الأولِ كان مِلْكًا لهم، فصادَفَ (١) تَصَرُّفَ المُؤْجِرِ في مِلْكِهم مِن غيرِ إذْنِهم، ولا ولايةٍ له عليهم. ويَتَخَرَّجُ أن تَبْطُلَ الاجارَةُ كُلُّها، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وهذا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشافعيِّ. فعَلَى هذا، إن كان المُؤْجِرُ قَبَض الأجْرَ كُلَّه، وقلنا: تَنْفَسِخُ الإجارَةُ. فلمَن انْتَقَلَ إليه الوَ قْفُ أخْذُه، ويَرْجِعُ المُسْتَأجِرُ على وَرَثَةِ المُؤْجِرِ بحِصَّةِ الباقِي مِن الأجْرِ. وإن قلنا: لا تَنْفسِخُ. رَجَع مَن انْتَقَل إليه الوَقْفُ على التَّرِكَةِ بحِصَّتِه. ٢١٨٠ - مسألة: (وإن أجَرَ الوَلِيُّ اليَتيمَ) أو ماله مُدَّةً، فبَلَغَ في أثْنائِها، فليس له فَسْخُ الإِجارَةِ. ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه عَقْد لازِمٌ عَقَدَه

стр. 6967

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بحَقِّ الولايةِ، فلم يَبْطُلْ بالبُلُوغِ، كما لو باعَ دارَه أو زَوَّجَه. ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الإجارَةُ فيما بعدَ البُلُوغِ؛ لِزَوالِ الولايةِ، لِما ذَكَرْنا في إجارَةِ الوَقْفِ. ويَحْتَمِلُ أَنه إذا أجَرَه مُدَّةً يتَحَقَّقُ فيها بُلُوغُه، وهو أن يُؤجِرَ ابنَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَتَينِ، فيَبْطُلُ في السّادِسَ عَشَرَ؛ لأنَّنا نَتَيَقَّنُ أنَّه أجَرَه فيها بعدَ بُلُوغِه. وهل يَصِحُّ في الخامِسَ عَشَرَ؛ على وَجْهَينِ، بِناءً على تَفرِيقِ الصَّفْقَةِ. وإن لم يتَحَقَّقْ فيها بُلُوغُه كالذي أجَرَه الخامِسَ عَشَرَ وَحْدَه، فبَلَغ في أثْنائِه، فيكونُ فيه ما ذَكَرْنا في صَدْرِ الفَصْلِ؛ لأنّا لو قُلْنا: يُلْزَمُ الصَّبِي بعَقْدِ الوَلِيِّ مُدَّةً يتَحَقَّقُ فيها بُلُوغُه، أفْضَى إلى أن يَعْقِدَ على مَنافِعِه طولَ عُمُرِه، وإلى أن يتَصرَّفَ فيه في غيرِ زَمَنِ ولايته عليه. ولا يُشْبِهُ النِّكاحَ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ مُدَّتِه، فإنَّه إنَّما يُعْقَدُ للأبدِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا بَلَغ الصَّبِي، فله الخِيارُ؛ لأنَّه عَقَد على مَنافِعِه في حال لا يَمْلِكُ التَّصرُّفَ في نَفْسِه، فإذا مَلَك، ثَبَتَ له الخيارُ، كالأمَةِ إذا عَتَقَتْ تحتَ زَوْج. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، عُقِد عليه قبلَ أن

стр. 6968

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ، فإذا مَلَكَه لم يَثْبُتْ له الخِيارُ، كالأبِ إذا زَوَّجَ وَلَدَه. والأمَةُ إنما ثَبَتَ لها الخِيارُ إذا عَتَقَتْ تحت عَبْدٍ؛ لأجْلِ العَيبِ، لا لما ذَكره، بدِليلِ أنَّها لو عَتَقَتْ تحت حُر، لم يَثْبُتْ لها الخِيارُ. وإن ماتَ الوَلِيُّ المُؤْجرُ للصَّبِيِّ أو مالِه، أو عُزِلَ وانْتَقَلَتِ الولايةُ إلى غيرِه، لم يَبْطُلْ عَقْدُه؛ لأَنه تَصَرَّفَ وهو من أهْلِ التَّصَرُّفِ في مَحَلِّ ولايته، فلم يَبْطُلْ تَصرُّفُه بمَوْتِه أو عَزْلَه، كما لو ماتَ ناظِرُ الوَقْفِ أو عُزِلَ، أو ماتَ الحاكِمُ بعد تَصَرُّفِه فيما له النَّظَرُ فيه. ويُفارِق ما لو أجَرَ المَوْقوف عليه الوَقْفَ مُدَّةً ثم ماتَ في أثنائِها؛ لأنَّه أجَرَ مِلْكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه في مُدَّةٍ لا ولايةَ له فيها، وههُنا إنَّما يَثْبُتُ للوَلِيِّ (١) الثاني التَّصَرُّفُ فيما لم يتَصَرَّفْ فيه الأوَّلُ، وهذا العَقْدُ قد تَصرَّفَ فيه الأوَّلُ، فلم تَثْبُتْ للثاني ولاية على ما تَناوَلَه (٢).

стр. 6969

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٢١٨١ - مسألة: فإن أجَرَ السيِّدُ عَبْدَه مُدَّةً ثم أعْتَقَه في أثْنائِها، صَحَّ العِتْقُ، ولم يَبْطُلْ عَقْدُ الإجارَةِ، في قِياسِ المَذْهَبِ. ولا يَرْجِع العَبْدُ على مَوْلاهُ بشيء. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيٍّ. وقال في القَدِيمِ: يَرْجِعُ على مَوْلاهُ بأجْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ المنافِعَ تُسْتَوْفى منه بِسَبَبٍ كان مِن جِهَةِ السَّيدِ، فرَجَعَ به (١) عليه،؛ لو أكْرَهَهُ بعد عِتْقِه على ذلك العَمَلِ. ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ اسْتُحِقَّتْ بالعَقْدِ قبلَ العِتْقِ، فلم يَرْجِعْ ببَدَلِها، كما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم أعْتَقَها بعد دُخُولِ الزَّوْج بها، فإنَّ ما يَسْتَوْفِيه السَّيدُ لا يَرْجِعُ به عليه. ويُخالِفُ المُكْرَهَ، فإنَّه تعَدَّى بذلك. وقال أبو حنيفةَ: للعَبْدِ الخِيارُ في الفَسْخِ أو الإمْضاءِ، كالصَّبِيِّ إذا بَلَغ؛ للمَعْنَى الذي ذَكَرَه ثَمَّ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِم على ما يَمْلِكُ، فلا يَنْفَسِخُ بالعِتْقِ، ولا يَزُولُ مِلْكُه عنه،؛ لو زَوَّجَ أمَتَه ثم باعَها. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ نَفَقَةَ العَبْدِ إن لم تَكُنْ مَشرُوطةً على المُسْتَأجِرِ، فهي على مُعْتِقِه؛ لأنَّه كالبَاقِي في ملكِه، لكَوْنِه يَمْلِكُ عِوَضَ نَفْعِه، ولأنَّ العَبْدَ عاجِر عن نَفَقَتِه؛ لأَنه مَشْغُول بالإجارَةِ، ولم تَجِبْ على المُسْتَأجِرِ؛ لأَنه اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَه بعِوَض غيرِ نَفَقَتِه، لم يَبْقَ إلَّا أنها على المَوْلَى. ويتَخَرَّجُ أن تَنْفَسِخَ الإجارَة، كالصَّبِيِّ، والله أعلمُ.

стр. 6970

فصْلٌ: وَإجَارَةُ الْعَينِ تَنْقَسِمُ قِسْمَينِ أحَدُهُمَا، أنْ تَكُونَ عَلَى مُدَّةٍ، كَإجَارَةِ الدَّارٍ شَهْرًا، والْأرْضِ عَامًا، وَالْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ أوْ لِلرَّعْي مُدَّةً مَعْلُومَة، يُسَمَّى الْأجِيرُ فِيهَا الْأجِيرَ الْخَاصَّ. ــ فصل: قال الشَّيخُ، ﵀: (وإجارَةُ العَينِ تَنْقَسِمُ قِسْمَينِ؛ أحدُهما، أن تكونَ على مُدَّةٍ، كإجارَةٍ الدَّارِ شَهْرًا، والأرْضِ عامًا، والعَبْدِ للخِدْمةِ أو للرَّعْي مُدَّةً مَعْلُومَة، ويُسَمَّى الأجِيرُ فيها الأجِيرَ الخاصَّ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ إجارةَ العَينِ مُدَةً مَعْلُومةً (١) تكون في الآدَمِيِّ

стр. 6971

وَيُشْتَرَطُ أنْ تَكُونَ المُدَّةُ مَعْلُومَةً، يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْعَين فِيهَا، وَإنْ طَالتْ. ــ وغيرِه؛ فأمّا غيرُ الآدَمِيِّ، فمثلُ إجارَةِ الدارِ شَهْرًا، والأرْضِ عامًا. وأمّا إجارَةُ الآدَمِيِّ، فمثلُ أن يَسْتَاجِرَ رَجُلًا يَبْنِي معه يومًا، أو يَخِيطَ له شهرًا، فهذا يُسَمَّى الأجِيرَ الخاصّ؛ لأنَّ المُسْتَأجِرَ يَخْتَص بمَنْفَعتِه في مُدَّةِ الإجارَةِ، لا يُشارِكُه فيها غيرُه. ٢١٨٢ - مسألة: (ويُشْتَرَطُ أن تكونَ المُدَّةُ مَعْلومةً، يَغْلِبُ على الظَّنِّ بَقَاءُ العَينِ فيها، وإن طالتْ) [ كالشهْر والسَّنَةِ ونحو ذلك، وأقلَّ وأكثرَ، إذا كان مَضْبُوطًا] (١). فأمّا ضَبْطُها بالشَّهْرِ والسَّنَةِ، فلا نَعْلَمُ فيه خلافًا، وإنَّما اشْتُرِطَ العِلْمُ بالمُدَّةِ؛ لأنَّها هي الضّابِطَةُ، فاشتُرِطَ

стр. 6972

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَعْرِفَتُها، كعَدَدِ المَكِيلاتِ فيما بِيعَ بالكَيلِ. فإن قدَّرَ المُدةَ بسَنَةٍ مُطْلَقةٍ، حُمِلَ على السنةِ الهِلالِيةِ؛ لأنَّها المَعْهودَةُ، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١). فوَجَبَ أن يُحْمَلَ العَقْدُ عليه. فإن قال: هِلَالِيةً. كان تَوْكِيدًا، وإن قال: عَدَدِيَّةً. أو: سَنَةً بالأيامِ. فهي ثَلاثُ مائةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا؛ لأن الشَّهْرَ العَدَدِيَّ ثَلاُثونَ يَوْمًا. وإنِ اسْتَأجَرَ سَنَةً هِلاليَّةً في أوَّلِها، عَدَّ اثْنَي عَشَرَ شَهْرًا بالأهِلَّةِ، سواء كان الشَّهْرُ تامًّا أو ناقِصًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ الهِلالِيَّ ما بينَ الهِلالينِ، يَنْقُصُ مَرَّةً ويَزِيدُ أُخْرَى. وكذلك إن كان العَقْدُ على أشْهُر دُونَ السَّنَةِ. وإن جَعَلَا المُدَّةَ سَنةً رُومِيَّةً أو شَمْسِيَّةً أو فارِسِيَّةً أو قِبْطِيَّةً، وهما يَعْلَمانِها، جازَ، وهي ثَلاثُ مِائةٍ وخَمْسَة وسِتُّونَ يَوْمًا ورُبْع يَوْمٍ؛ [فإنَّ الشهُورَ الرُّومِيَّةَ منها سَبْعَة أحَد وثَلاثونَ يومًا، وأرْبَعَة ثَلاثونَ يومًا، وشَهْر واحدٌ ثمانِية وعِشْرُونَ يومًا، وشُهُورُ القِبْطِ كلها ثَلاثونَ ثَلاثون، وزادُوها خَمْسَةَ أيام لِتُساويَ سَنَتُهم السَّنَةَ الرُّومِيَّةَ] (٢). وإن جَهِلَا ذلك أو أحَدُهما، لم يَصِحَّ.

стр. 6973

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن أجَرَه إلى العِيدِ، انْصَرَفَ إلى الذي يلِيه، وتَعَلَّقَ بأوَّلِ جُزْءٍ منه؛ لأنّه جَعَلَه غايةً، فتَنْتَهِي مُدَّةُ الإِجارَةِ بأوَّلِه. وقال القاضِي (١): لا بُدَّ مِن تَعْيِينِ العِيدِ فِطْرًا أو أضْحَى، مِن هذه السَّنَةِ أو مِن سَنةِ كذا. وكذلك الحُكْمُ إن عَلَّقَه بشَهْر يَقَعُ اسْمُه على شَهْرَين، كجُمادَى ورَبِيعٍ، يَجِبُ على قَوْلِه أن يَذْكُرَ الأوّلَ أو الثاني من سَنَةِ كذا. وإن عَلَّقه بشَهْر مُفْرَدٍ؛ كرَجَبٍ (١) فلا بُدَّ أن يبينه مِن أيِّ سَنَةٍ، وإن عَلَّقَه بِيَوْم، بَيَّنَه مِن أيِّ أسْبوع، وإن عَلَّقَهُ بعِيدٍ مِن أعيادِ الكُفَّارِ وهما يَعْلَمانِه، صَحَّ، وإلَّا لم يَصِحَّ. فصل: ولا تتَقَدَّرُ أكثرُ مُدَّةِ الإجارَةِ، بل يجوزُ إجارةُ (٢) العَينِ مُدّةً يَغْلِبُ على الظن بَقَاءُ العَينِ فيها، وإن طالتْ. وهذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، غيرَ أنَّ أصحابَ الشافعيِّ اخْتَلَفُوا في مَذْهَبِه، فمِنْهم مَن قال: له قَوْلان؛ أحْدُهما، كما ذَكَرْنا، وهو الصَّحِيحُ. والثاني، لا يجوزُ أكْثَرَ مِن سَنةٍ؛ لأنَّ الحاجَةَ لا تَدْعُو إلى أكْثَرَ منها. ومنهم من قال: له قَوْل ثالِث: أنَّها لا تجوزُ أكثَرَ مِن [ثلاثينَ سَنَةً] (٣). وحَكَى القاضِي في كِتابِ الخِلافِ عن ابنِ حامِدٍ، أنَّ أصحابَنا اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ الإجارَةِ، فمِنْهُم مَن قال: لا

стр. 6974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تجوزُ أكثر مِن سَنَةٍ. واختارَه. ومنهم مَن قال: إلى ثَلاثينَ سنةً، [لأنَّ الغالِبَ أنَّ الأعْيانَ لا تَبْقَى أكثر منها وتَتَغَيّرُ الأسْعارُ والأجْرُ] (١). ولَنا، قولُه تعالى إخْبارًا عن شُعَيب، ﵇، أنَّه قال: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (٢). وشَرعُ مَن قَبْلَنا شَرْع لَنا ما لم يَقُمْ على نَسْخِه دَلِيل. ولأن ما جاز العَقْدُ عليه سَنَة، جازَ أكثر منها، كالبَيعِ، والنِّكاحِ، والمُساقاةِ، والتَّقْدِيرُ بسَنةٍ وثَلاثينَ تَحَكُّمٌ لا دَليلَ عليه، وليس هو بأوْلَى مِن التَّقْدِيرِ بزِيادَةٍ عليه أو نُقْصانٍ منه. فصل: وإذا اسْتَأجَره سِنِينَ، لم يَحْتَج إلى تَقْسِيطِ الأجْرِ على كلِّ سَنَةٍ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، كما لو اسْتَأجَرَ سَنَة لم يَحْتَجْ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كلِّ شَهْر بالاتِّفاقِ، وكذلك لا يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كل يوم إذا اسْتَأجَرَ شَهْرًا، ولأن المَنْفَعَةَ كالأعْيانِ في البَيعِ، ولو اشْتَمَلَتِ الصَّفْقَةُ على أعْيانٍ، لم يَلْزَمْه تَقْدِيرُ ثَمَنِ كلِّ عَين، كذلك ها هنا. وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كلِّ سَنَةٍ؛ لأنَّ المنافِعَ تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ السِّنينَ، فلا يَأمَنُ أن يَنْفَسِخَ العَقْدُ فلا يَعْلَمُ بم يَرْجِعُ، وهذا يبطُلُ بالشهُورِ، فإنه لا يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ الأجْرِ على كل شَهْر مع الاحْتِمالِ الذي ذَكَرُوه.

стр. 6975

وَلَا يُشْتَرَطُ أنْ تَلِيَ الْعَقْدَ، فَلَوْ أجَرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أرْبَعٍ، صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْعَينُ مَشْغُولَةً وَقْتَ الْعَقْدِ أوْ لَمْ تَكُنْ. ــ ٢١٨٣ - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ أن تَلِيَ العَقْدَ، فلو أجَرَه سَنَةَ خَمْسٍ في سَنَةِ أرْبَعٍ، صَحَّ، سواء كانتِ العَينُ مَشْغُولَةً وَقْتَ العَقْدِ أو لم تَكُنْ) وكذلك إن أجَرَه شهْرَ رَجَبٍ في المُحَرَّمِ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعي: لا يَصِحُّ إلَّا أن يَسْتَأجِرَها مَن هي في إجارَتِه، ففيه قَوْلانِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على ما لا (١) يُمْكِنُ تَسْلِيمُه في الحالِ، فأشْبَهَ إجارَةَ العَينِ المَغْصُوبةِ. قال: ولا يجوزُ أن يَكْتَرِيَ بَعِيرًا بِعَينه إلا عندَ خُرُوجِه؛ لذلك. ولَنا، أنَّها مُدَّة يجوزُ العَقْدُ عليها مع غيرِها، فجازَ العَقْدُ عليها مُفْرَدَةً مع عُمُومِ الناسِ، كالتي تَلِي العَقْدَ، وإنَّما تُشْتَرَطُ القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ عندَ وُجُوبِه، كالسَّلَمِ، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ وُجُودُ القُدْرةِ عليه حال (٢) العَقْدِ، ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِها مَشْغُولةً أو غيرَ مَشْغُولةٍ؛ لِما ذَكَرْناه، وما

стр. 6976

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَكَرهُ يَبْطُلُ بما إذا أجَرَها مِن المُكْتَرِي، فإنه يَصِح مع ما ذَكَرُوه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الأجارَةَ إن كانتْ على مُدةٍ تَلِي العَقْدَ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ ابْتدائِها مِن حينِ العَقْدِ، وإن كانتْ لا تَلِيه فلا بُدَّ مِن ذِكْرِه؛ لأنها أحَدُ طَرَفي العَقْدِ، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه، كالانْتِهاءِ. وإن أطْلَقَ، فقال: أجَرْتُكَ سَنَةً أو شَهْرًا. صَحَّ، وكان ابْتِداؤها مِن حينِ العَقْدِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ. وقال الشافعيُّ، وبعضُ أصحابِنا: لا يَصِحُّ حتى يُسَمِّىَ الشَّهْرَ، ويَذْكُرَ في (١) أيِّ سَنَةٍ هي. قال أحمدُ في رِوايةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ: إذا اسْتَأجَرَ أجِيرًا شَهْرًا، فلا يجوزُ حتى يُسَمِّي الشَّهْرَ؛ [لأنه مُطْلَق مُفْتَقِرٌ إلى التَّعْيِينِ، كما لو قَرَّرَ صَوْمَ شَهْر] (٢). ولَنا، قولُ اللهِ تعالى حِكايةً عن شُعَيبٍ، ﵇: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾. لم يَذْكُرِ ابْتِداءَها. ولأنه تَقْدِير بمُدَّةٍ ليس فيها قُرْبة، فإذا أطْلَقَها وَجَب أن تَلِيَ السَّبَبَ، كَمُدَّةِ السَّلَمِ والإيلاءِ، وتُفارِقُ النَّذْرَ، فإنه قُرْبَة.

стр. 6977

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا تَمَّتِ الإجارَةُ وكانت على مُدَّةٍ، مَلَك المُسْتَأجِرُ المَنافِعَ المَعْقُودَ عليها إلى المُدَّةِ وتَحْدُثُ على مِلْكِه. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: تَحْدُثُ على مِلْكِ المُؤْجِرِ، ولا يَمْلِكُها المُسْتأجرُ بالعَقْدِ؛ لأنها مَعْدُومة. فلا تكونُ مَمْلوكةً، كالوَلَدِ والثَّمَرَةِ. ولَنا، أنَّ المِلْكَ عِبارَة عن حُكْم يَحْصُلُ به تَصَرُّف مَخْصُوص، وقد ثَبَت أن المَنْفَعَةَ المُسْتَقْبَلَةَ كان مالِكُ العَينِ يتَصَرَّفُ فيها كتَصَرُّفِه في العَينِ، فلَمّا أجَرَها كان المُسْتَأجِرُ مالِكًا للتَّصرُّفِ فيها؛ كان يَمْلِكُه المُؤْجِرُ، فثَبَتَ أنها كانت مَمْلوكةً لمالِكِ العَينِ. ثم انْتَقَلَتْ إلى المُسْتَأجِرِ، بخِلافِ الوَلَدِ والثَّمَرَةِ فإنَّ المُسْتَأجرَ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيها. قولُهم: إن المَنافِعَ (١) مَعْدُومة. قلنا: هي مُقَدَّرةُ الوُجُودِ؛ لأنَّها جُعِلَتْ مَورِدًا [للعَقْدِ، والعَقْدُ] (٢) لا يَرِدُ إلا على مَوْجُودٍ.

стр. 6978

وَإذَا أجرَهُ فِي أثْنَاءِ شَهْرٍ سَنَةً، اسْتَوْفَى شَهْرًا بِالعَددِ، وَسَائِرَهَا ــ ٢١٨٤ - مسألة: (وإذا أجَرَه في أثْناءِ شَهْر سَنَةً، اسْتَوْفَى شَهْرًا بالعَدَدِ، وسائِرَها بالأهلَّةِ) لأنَّه تَعَذَّرَ إتْمامُه بالهِلالِ، فتَمَّمْناه بالعَدَدِ،

стр. 6979

بِالْأهِلَّةِ. وَعَنْهُ، يَسْتَوْفِي الْجَمِيعَ بِالْعَدَدِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأشْهُرُ؛ كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَشَهْرَي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ. ــ وأمْكَنَ اسْتِيفاءُ ما عداه بالهلالِ، فوَجب ذلك؛ لأنَّه الأصلُ (وعنه، يَسْتَوفِي الجميعَ بالعددِ) لأنَّها مدة يُستَوْفَى بَعضها بالعدد، فوَجَب استيفاءُ جَمِيعِها به، كما لو كانتِ المُدَّةُ شَهْرًا واحِدًا، ولأنَّ الشَّهْرَ الأوَّلَ يَنْبَغِي أن (١) يَكْمُلَ مِن الشَّهْرِ الذي يلِيه، فيَحْصُلُ ابتداءُ الشَّهْرِ الثانِي في أثْنائِه، وكذلك كلُّ شَهْر يَأتِي بعدَه. ولأبي حنيفةَ والشافعيِّ كالرِّوايَتَين (وكذلك الحُكْمُ في كلِّ ما يُعْتَبَرُ فيه الأشْهُر؛ كَعِدَّةِ. الوَفاةِ، وشَهْرَي صِيامِ الكَفّارَةِ). فصل: ومَن اكْتَرَى دابَّةً إلى العشاءِ، فآخِرُ المُدَّةِ غُرُوبُ الشَّمْسِ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَور: آخِرُها زَوالُ الشَّمْسِ؛ لأنَّ العِشاءَ آخِرُ النَّهارِ، وآخِرُه النِّصْفُ الآخرُ مِن الزَّوالِ، وكذلك جاء في حَدِيثِ ذي اليَدَينِ، عن أبي هرَيرَة، قال: صَلَّى بِنا رسولُ اللهِ ﷺ

стр. 6980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إحْدَى صَلَاتَيِ (١) العَشِيِّ. يَعْنِي الظُّهْرَ أو العَصْرَ. هكذا تَفْسِيرُه (٢). ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (٣). يَعْنِي العَتَمَةَ. وقال النبي ﷺ : «لَوْلَا ان أشُقَّ عَلَى أمَّتِي لأخَّرْتُ العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيلِ» (٤). وإنما تَعَلَّقَ الحُكْمُ بغُرُوب الشَّمسِ؛ لأنَّ هذه الصَّلاةَ تُسَمَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ، فيَدُلُّ على أنَّ الأوَلَى المَغْرِبُ، وهو في العُرْفِ كذلك، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ الحُكْمُ به؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جُعِلَتْ إلى وَقْتٍ، تَعَلَّقَتْ بأوَّلِه، كما لو جَعَلَها إلى اللَّيلِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ لَفْظَ العَشِيِّ غيرُ لَفْظِ العِشاءِ، فلا يجوزُ الاحْتِجاجُ بأحَدِهما على الآخَرِ حتى يَقُومَ دَلِيل على أنَّ مَعْنَى اللَّفْظَينِ واحِدٌ. ثم لو ثَبَت أنَّ مَعْناهُما واحدٌ، غيرَ أنَّ أهْلَ العُرْفِ لا يَعْرِفُونَ غيرَ ما ذَكَرْنا. فإنِ اكْتَراها إلى اللَّيل، فهو إلى أوَّلِه، وكذلك إنِ اكْتَراها إلى النَّهارِ، فهو إلى أوَّلِه. ويَتَخرَّجُ أن يَدْخُلَ اللَّيلُ في المُدَّةِ الأولَى، والنَّهارُ في الثانيةِ؛ لِما ذَكَرْنا في مُدَّةِ الخِيارِ. وإنِ اكْتَراها نَهارًا، فهو إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. وإنِ اكْترَاها

стр. 6981

الْقِسْمُ الثَّانِي، إجَارَتُهَا لِعَمَل مَعْلُوم؛ كإجَارَةِ الدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِع مُعَيَّن، أوْ بَقَرة حَرْثِ مكَانٍ أوْ دِيَاسِ زَرْع، أو ــ لَيلَة، فهي إلى طلُوعِ الفَجْرِ، في قولِ الجميعِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال في لَيلَةِ القَدْرِ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١). وقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ (٢). فصل: وإنِ اكْتَرَى فُسْطاطًا إلى مَكَّةَ، ولم يَقُلْ متى أخْرُجُ، فالكِراءُ فاسِد. وبه قال أبو ثَوْرٍ. وهو قِياس قولِ الشافعيِّ. وقال أصحابُ الرَّأي: يَجُوزُ اسْتِحْسانًا، بخِلافِ القِيَاس. ولَنا، أنَّها مُدَّة غيرُ مَعْلُومةِ الابتداءِ، فلم يَجُزْ، كما لو قال: أجرْتُكَ دارِي مِن حينِ يَخْرُجُ الحاجُّ إلى رَأس السَّنَةِ. وقد اعْتَرَفُوا بمُخَالفتِه الدَّلِيلَ، وما ادَّعَوْه دَلِيلًا نمْنَعُ كَوْنَه دَلِيلًا. (القِسمُ الثاني، إجارَتُها لِعَمَل مَعْلُوم؛ كإجارَةِ الدَّابَّةِ للرُّكُوبِ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّن، أو بَقَر لِحَرْثِ مكانٍ أو دِياس زَرْع، واسْتِئْجارِ عَبْدٍ

стр. 6982

اسْتِئْجَار عَبْدٍ لِيَدُلَّه عَلَى طَرِيقٍ، أوْ رَحًى لِطَحْنِ قفْزَانٍ مَعْلومَةٍ، فَيُشْتَرَط مَعْرِفَة الْعَمَلِ، وَضَبْطهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ. ــ ليَدُلَّه على طَرِيقٍ، أو رَحًى لِطَحْنِ قُفْزانٍ مَعْلُومَةٍ، فيُشْترَط مَعْرِفَةُ العَمَلِ، وضَبْطُه بما لا يَخْتَلِفُ) لأنَّ الإِجارَةَ عَقْد مُعاوَضةٍ، فوَجَبَ أن يكونَ العِوَضُ فيها مَعْلُومًا، لِئَلَّا يُفْضِي إلى الاخْتلافِ والتَّنازعِ، كقَوْلِنا في البَيعِ. والعِلْمُ بمِقْدارِ المَنْفَعة؛ إمّا أن يَحْصلَ بتَقْدِيرِ المدَّةِ، كما ذَكَرْنا في إجارَةِ الدَّارِ وخِدْمةِ العَبْدِ مدَّةً مَعْلُومةً، وإمّا [أن يكونَ] (١) بتَقْدِيرِ العَمَلِ، ووَصْفِ ما يَعْمَلُه وضَبْطِه بما لا يُخْتَلَفُ فيه، كالمَبِيعاتِ. فصل: يجوز أن يَكْتَرِيَ بَقَرًا لِحَرْثِ مَكانٍ؛ لأنَّ البَقَرَ خُلِقَتْ لِلْحَرْثِ، ولذلك (٢) قال النبي ﷺ : «بَينَمَا رَجُل يَسوقُ بَقَرَةً، أرَادَ أنْ يَرْكَبَهَا، فَقَالتْ: إِنِّي لَمْ اخْلَقْ لِهَذَا، إنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ». مُتَّفَق عليه (٣). ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الأرْضِ وتَقْدِيرِ العَمَلِ، فأمّا الأرْض فلا تُعْرَفُ إلَّا بالمُشاهَدَةِ؛ فإنَّها تَخْتَلِفُ، فتكونُ صُلْبَةً تُتْعِب البَقَرَ والحَرّاثَ

стр. 6983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتكونُ فيها حِجارَة تتَعَلَّقُ فيها السِّكَّةُ (١)، وتكونُ رَخْوة يَسْهُلُ حَرْثُها، ولا تَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، فتَحتاجُ إلى الرُّؤيةِ. وأمّا تَقْدِيرُ العَمَلِ، فيجوزُ بأحَدِ شَيئَينِ؛ إمّا بالمُدَّةِ، كيَوْم، وإمّا بمَعْرِفةِ الأرْضِ، كهذه القِطْعةِ، أو مِن ههُنا إلى ههُنا، أو بالمِساحَةِ، كجَرِيب أو جَرِيبَينِ، أو كذا ذِراعًا في كذا، كلُّ ذلك جائِزٌ؛ لحُصُولِ العِلْمِ به. فإن قَدَّرَهُ بالمُدَّةِ، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ البَقَرِ التي يَعْمَلُ عليها؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِها، في القُوَّةِ والضعْفِ. ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ البَقَرَ مُفْرَدَةً؛ ليَتَولَّى رَبُّ الأرْضِ الحَرْثَ بِها، ويَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَها مع صاحِبِها، ويجوزُ اسْتِئْجارُها بآلتِها، وبدُونِها وتكونُ الآلةُ مِن عندِ صاحِبِ الأرْضِ، ويجوزُ اسْتِئْجارُ البَقَرِ وغيرِها لدِراسِ (٢) الزَّرْعِ؛ لأنها مَنْفَعة مُباحة مَقْصُودَة، أشْبَهَتِ الحَرْثَ. ويجوزُ على مُدَّةٍ أو زَرْع مُعَين، أو مَوْصُوفٍ، كما ذَكَرْنا في الحَرْثِ. ومتى كان على مُدَّةٍ، احْتِيجَ إِلى مَعْرِفةِ الحَيوانِ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ به، فمنه ما رَوْثُه طاهِر ومنه نجس، ولا يَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ عَينِ الحَيوانِ. ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ الحَيَوانَ بآلتِه وغيرِ ها، مع صاحِبِه ومُنْفَرِدًا، كما ذَكَرْنا في الحَرْثِ. فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ غَنَمٍ لتَدُوسَ له طِينًا أو زَرْعًا. ولأصْحابِ الشافعيِّ فيه وَجْه، أنه لا يجوزُ؛ لأنَّها مَنْفعَةٌ غيرُ مَقْصُودةٍ مِن هذا الحَيَوانِ.

стр. 6984

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولنا، أنَّها مَنْفعة مُبَاحة يُمْكِنُ اسْتِيفاؤها، أشْبَهَتْ سائِرَ المَنافعِ المُباحةِ، وكالتي قبلَها. فصل: فإنِ اكْتَرَى حَيَوانًا لِعَمَلٍ لم يُخْلَقْ له، كمَنِ اسْتَأجَرَ البَقَر للرُّكُوب أو الحَمْلِ، أو الإبلَ والحُمُرَ (١) للحَرْثِ، جازَ؛ لأنَّها مَنْفَعة مَقْصُودَةَ أمْكَنَ اسْتِيفاؤها مِن الحَيوانِ لم يَرِدِ الشَّرعُ بتَحْرِيمِها، فجازَ، كالتي خُلِقَتْ له، ولأنَّ مُقْتَضَى المِلْكِ جَوازُ التَّصرُّفِ بكلِّ ما تَصْلُحُ له العَينُ المَمْلوكَةُ ويُمْكِنُ تَحْصِيلُها منها، ولا يَمْتَنعُ ذلك إلا بمُعارِض راجِحٍ، أو ما وَرَد بتَحْرِيمِه نَص أو قِياسٌ صَحِيح، أو رُجْحانُ مَضَرَّةٍ على مَنْفعةٍ، ولم يُوجَدْ واحد منها، وكَثِير مِن الناسِ يَحْمِلُونَ على البَقَرِ ويَرْكَبُونَها، وفي بعضِ البِلادِ يُحْرَثُ على الإبِلِ والبغالِ والحَمِيرِ، فيكونُ مَعْنَى خَلْقِها لِلْحَرْثِ، إن شاء الله تعالى، أنَّه مُعْظَمُ نَفْعِها، ولا يمنعُ ذلك الانْتِفاع بها في شيءٍ آخَرَ،؛ أنَّ الخَيلَ خُلِقَتْ للرُّكوبِ والزِّينَةِ، ويباحُ أكْلُها، واللؤْلُؤُ خُلِقَ للْحِلْيَةِ، ويجوزُ اسْتِعمالُه في الأدْويةِ وغيرِها. فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ بَهِيمَةٍ لإدارةِ الرَّحَى، ويَفْتَقِرُ إلى شَيئَين (٢)؛ مَعْرِفَةُ الحَجَرِ بالمُشاهَدَةِ أو الصِّفَةِ؛ لأنَّ عَمَلَ البَهِيمةِ يَخْتَلِفُ فيه بثِقَلِه وخِفَّتِه، فيَحْتاجُ صاحِبُها إلى مَعْرِفَتِه. الشاق، تَقْدِيرُ العَمَلِ بالزّمانِ، كيَوْم أو يَوْمَين، أو بالطَّعامِ، فيقولُ: قَفِيزًا -أو-

стр. 6985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَفِيزَينِ. وذِكْرُ جِنْسِ المَطْحُونِ إن كان يَخْتَلِفُ؛ لأنَّ منه ما يَسْهُلُ طَحْنُه، ومنه ما يَشُقُّ. وإنِ اكْتَراها لادارَةِ دُولابٍ، فلا بُدَّ مِن مُشاهَدَتِه ومشاهَدةِ دِلائِه، لاخْتِلافِها، وتَقْدِيرِ ذلك بالزَّمانِ أو مِلْءِ هذا الحَوْضِ. وكذلك إنِ اكْتَراها للسَّقْي بالغَرْبِ (١)، فلا بُدَّ مِن معرِفَتِه؛ لأنه يَخْتَلِفُ بكِبَرِه وصِغَرِه. ويُقَدَّرُ بالزَّمانِ، أو بعَدَدِ الغُرُوبِ، أو بِمِلْءِ بِرْكةٍ، [ولا] (٢) يجوزُ تَقْدِيرُ ذلك بِسَقْيِ أرْض؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، فقد تكونُ الأرْضُ شَدِيدَةَ العَطَش لا يَرْويها القَلِيلُ، وتكونُ قَريبةَ العَهْدِ بالماءِ فيَكْفِيها (٣) اليَسِيرُ. وإن قَدَّرَه بِسَقْي ماشِيَةٍ، احْتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لذلك. ويَحْتَمِلُ الجوازُ؛ لأنَّ شُرْبَها يَتَقارَبُ في الغالِبِ. ويجوزُ اسْتِئْجارُ دابَّةٍ ليَسْتَقِيَ عليها ماءً، ولا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ الآلةِ التي يَسْتَقِي فيها؛ مِن رَاويةٍ أو قِرَبٍ أو جِرار، إمّا بالرُّؤيةِ، وإمّا بالصِّفَةِ. ويُقَدِّرُ العَمَلَ بالزَّمانِ، أو بالعَدَدِ، أو بِمِلْءِ شيءٍ مُعين، فإن قَدَّرَه بعَدَدِ المرّاتِ، احْتاجَ إلى مَعْرِفةِ المَكانِ الذي يَسْتَقِي منه، والذي يَذْهَبُ إليه؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ بالقُرْبِ والبُعْدِ، والسُّهُولةِ والحُزُونةِ، وإن قَدَّرَه على (٤) شيءٍ مُعَيَّن، احْتاجَ إلى مَعْرِفَتِه، ومَعْرِفةِ ما يَسْتَقِي منه. ويجوزُ أن يَكْتَرِيَ البَهِيمةَ بآلتِها وبدُونِها، مع صاحِبِها ووَحْدَها. فإن اكْتَراها لِبَلِّ تُرابٍ مَعْرُوفٍ، جازَ؛ لأنَّه يُعْلَمُ

стр. 6986

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالعُرْفِ. وكلُّ مَوْضِع وَقَع العَقْدُ على مُدةٍ، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ الظَّهْرِ الذي يَعْمَلُ عليه؛ لأن الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِها في القُوَّةِ والضعْفِ. وإن وَقَع على عَمَل مُعَيَّن، لم يَحْتَجْ إلى ذلك؛ لأنه لا يَخْتَلِفُ. ويَحْتَمِلُ أن يَحْتاجَ إلى ذلك في اسْتِقاءِ الماءِ عليه؛ لأن منه ما رَوْثُه وجِسْمُه طاهِر، كالخَيلِ والبَقَرِ، ومنه ما رَوْثُه نَجِس وفي جِسْمِه اخْتِلاف، كالبِغَالِ، فرُبما نَجَّسَ يَدَ المُسْشَقِي أو دَلْوَه، فيَتَنَجَّس الماءُ به، فيَخْتَلِفُ الغرَضُ بذلك، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه. ٢١٨٥ - مسألة: يجوزُ (اسْتِئْجارُ رَجُل ليَدُلَّهُ على طَرِيقٍ) لأنَّ النبيَّ ﷺ وأبا بكر اسْتَأجَرَا عَبْدَ اللهِ بنَ الأرَيقِطِ هادِيًا خِرِّيتًا (١). وهو الماهِرُ بالهِدايةِ، ليَدُلَّهُما على الطرِيقِ إلى المَدِينةِ. ٢١٨٦ - مسألة: (و) يَصِحُّ اسْتِئْجارُ (رَحًى لِطَحْنِ قُفْزانٍ مَعْلُومةٍ) ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ جِنْسِ المَطْحُونِ؛ بُرًّا، أو شَعِيرًا، أو ذُرَةً، أو غيرَه؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، فمنه ما يَسْهُلُ طَحْنُه، ومنه ما يَعْسُرُ، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه، لتَزُولَ الجَهالةُ. فصل: يجوزُ اسْتِئْجارُ كَيّالٍ، ووَزَّانٍ لِعَمَل مَعْلُوم، أو في مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ. وبه قال مالك، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وقد رُوِيَ في حَدِيثِ سُوَيدِ بنِ قَيس: أتانا رسولُ اللهِ

стр. 6987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ فاشْتَرَى مِنّا رجلٌ سَراويلَ، وثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بأجْرٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «زِنْ وأرْجِحْ». رَواه أبو داوُدَ (١). فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ رَجُل لِيُلازِمَ غَرِيمًا تُسْتَحَقُّ مُلازَمَتُه. وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه كَرِهَ ذلك، وقال: غيرُ هذا أعْجَبُ إليَّ. وإنَّما كَرِهَه؛ لأنَّه يَئُولُ إلى الخُصُومَةِ، وفيه تَضْيِيقٌ على المُسْلِمِ، ولا يَأمَنُ أن يكونَ ظالِمًا فيُساعِدَه على ظُلْمِه. ورُوِيَ عنه أنَّه قال: لا بأس به؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه مُحِقٌّ (٢)، فإنَّ الحاكِمَ في الظاهِرِ لا يَحْكُمُ إلَّا بحَق، ولهذا أجَزْنا للمُوَكلِ فِعْلَه. فصل: ويجوزُ الاسْتِئْجارُ لِحَفْرِ الآبارِ والأنْهارِ والقُنِيِّ؛ لأنها مَنْفَعة مَعْلُومة، يجوزُ أن يَتَطوَّعَ بها، [الرجلُ على غيرِه] (٣)، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالخِدْمَةِ. ولابدَّ مِن تَقْدِيرِ العَمَلِ بمُدَّةٍ أو عَمَل مُعَيَّن، فإن قَدَّرَهُ بمُدَّةٍ، نحوَ أن يَسْتَأجِرَه شَهْرًا لِيَحْفِرَ له بِئْرًا أو نَهْرًا؛ لم يَحْتَجْ إلى مَعْرِفةِ القَدْرِ، وعليه الحَفْرُ في ذلك الشَّهْرِ، قَلِيلًا حَفَر أو كثيرًا. قال شيخُنا (٤): ويَفْتَقِرُ إلى مَعْرِفةِ الأرْضِ التي يَحْفِرُ فيها. وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَحْتاجُ إلى ذلك؛ لأنَّ الغَرَضَ لا يَخْتَلِفُ بذلك. والأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ الأرْضَ الصلْبَةَ يَشُقُّ حَفْرُها، واللَّيِّنَةَ يَسْهُلُ.

стр. 6988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن قَدَّرَه بالعَمَلِ، فلابُدَّ مِن مَعْرِفةِ المَوْضِعِ بالمُشاهَدةِ؛ لكَوْنِها تَخْتَلِفُ بالسُّهُولةِ والصَّلَابَةِ، ولذلك (١) لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، ويَعْرِفُ دَوْرَ البِئرِ، وعُمْقَها، وطُولَ النَّهْرِ، وعَرْضَه، وعُمْقَه؛ لأنَّ العَمَلَ يَخْتَلِفُ بذلك. وإذا حَفَر بئرًا فعليه شَيلُ التُّرابِ؛ لأَنه لا يُمْكِنُه الحَفْرُ إلَّا بذلك، فقد تَضَمَّنَه العَقْدُ. فإن تَهَوَّرَ تُرابٌ مِن جانِبَيها أو سَقَطَتْ فيه بَهِيمةٌ أو نحو ذلك، لم يَلْزَمْه شَيلُه، وكان على صاحِبِ البِئْرِ؛ لأنَّه سَقَط فيها مِن مِلْكِه، ولا يتَضَمَّنُ عَقْدُ الإجارَةِ رَفْعَه. وإن وَصَل إلى صَخْرةٍ أو جَمادٍ يَمْنَعُ الحَفْرَ، لم يَلْزَمْه حَفْرُه؛ لأنَّ ذلك مُخالِف لِما شاهَدَه مِنَ الأرضِ، وإنَّما اعْتُبِرَتْ مُشاهَدَةُ الأرْضِ؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ، فإذا ظَهَر فيها ما يُخالِفُ المُشاهَدَةَ، كان له الخِيارُ في الفَسْخِ، فإن فَسَخ، كان له مِنَ (٢) الأجْرِ بحِصَّةِ ما عَمِلَ، فيُسقَطُ الأجْرُ على ما بَقِيَ وما عَمِلَ، فيقال: كم أجْرُ ما عَمِلَ، وكم أجْرُ ما بَقِيَ؟ فيُقَسَّطُ الأجْرُ المُسَمَّى عليهما. ولا يجوزُ تَقْسِيطُه على عَدَدِ الأذْرُعٍ؛ لأنَّ أعْلَى البِئرِ يَسْهُلُ نَقْلُ التُّراب منه، وأسْفَلَه يَشُقُّ ذلك فيه. وإن نبَع منه ما مَنَعَه مِنَ الحَفْرِ، فهو كالصَّخْرةِ، على ما ذَكَرْنا. فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ ناسِخٍ لِيَنْسَخَ له كُتُبًا مِنَ الفِقْهِ والحَدِيثِ والشِّعْرِ المُباحِ، أو سِجِلاتٍ، نص عليه في روايةِ مُثَنَّى بنِ جامِع،

стр. 6989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسَأله عن كِتابَةِ الحَدِيثِ بالأجْرِ، فلم يَرَ به بَأسًا. ولابدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ بالمُدَّةِ أو العَمَلِ، فإن قَدَّرَه بالعَمَلِ، ذَكَر عَدَدَ الوَرَقِ، وقَدرَه، وعَدَدَ السُّطُورِ في كلِّ ورَقةٍ، وقَدْرَ الحَواشِي، ودِقةَ القَلَمِ وغِلَظَه. فإن عَرَفَ الخَطَّ بالمُشاهَدَةِ، جازَ، وإن أمْكَنَه (١) بالصِّفَةِ ضَبَطَه، وإلَّا فلابُدَّ مِنَ المُشاهَدةِ؛ لأنَّ الأجْرَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه. ويجوزُ تَقْدِيرُ الأجْرِ بأجْزاءِ الفَرْعِ، وبأجْزاءِ الأصْلِ. وإن قاطَعَه على نَسْخِ الأصْلِ بأجْر واحدٍ، جازَ. وإن أخْطَأ بالشَّيءِ اليَسِيرِ، عُفِيَ عنه؛ لأَنه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. وإن كان كثيرًا بحيث يَخْرُجُ عنِ العادَةِ، فهو عَيب يُرَدُّ به. وقال ابنُ عَقِيلٍ: ليس له مُحادَثَةُ غيرِه حال النَّسْخِ. ولا التَّشاغُلُ بِما يَشْغَلُ سِرَّه ويُوجِبُ غَلَطَه، ولا لغيرِه تَحْدِيثُه وشَغْلُه. وكذلك الأعْمالُ التي تَخْتلُّ بِشَغْلٍ السِّرِّ والقَلْبِ، كالقِصارَةِ والنِّساجَةِ ونحوهما. ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ على نسْخِ مُصْحَفٍ، في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم جابرُ بنُ زَيدٍ، ومالِكُ بنُ دينار، وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ سِيرينَ: لا بَأسَ أن يَسْتَأجرَ الرجلَ شَهْرًا، ويَسْتَكْتِبَه مُصْحَفًا. وكَرِهَ عَلْقَمةُ كِتابَةَ المُصْحَفِ بالأَجْرِ، ولَعَلَّه يَرَى ذلك مما يَخْتَصُّ كَوْنَ فاعِله مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فكَرِهَ الأجْرَ عليه، كالصَّلاةِ. ولَنا، أَنه فِعْل مُباح يجوزُ أن يَنُوبَ فيه الغيرُ عن الغيرِ، فجازَ أخْذُ الأجْرِ عليه،

стр. 6990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَكِتابَةِ الحَدِيثِ، وقد جاء في الخَبَرِ: «أَحَقُّ مَا أخَذْتُمْ عَلَيهِ أجْرًا كِتَابُ اللهِ» (١). فصل: يَجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ لحَصادِ زَرْعِه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكان إبراهيمُ بنُ أدْهَمَ يُؤْجِرُ نَفْسَه لحَصادِ الزَّرْعِ. ويجوزُ تَقْدِيرُه بمُدَّةٍ وبِعَمَلٍ، مثلَ أن يُقاطِعَه على حَصادِ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ. ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ رجلًا لِسَقْي زَرْعِه وتَنْقِيَتِه ودياستِه (٢) ونَقْلِه إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ. ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ رَجُلًا يَحْتَطِبُ له؛ لأنَّه عَمَلٌ مُباحٌ، تَدْخُلُه النِّيابةُ، أشْبَهَ حَصادَ الزَّرْعِ. قال أحمدُ في رجلٍ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا على أن يَحْتَطِبَ له على حِمارَينِ كلَّ يَوْمٍ، فكان الرجلُ يَنْقُلُ عليهما وعلى حَمِيرٍ لرجلٍ آخَرَ، ويَأْخُذُ منه الأُجْرَةَ، فإن كان يَدْخُلُ عليه ضَرَرٌ، يَرْجِعُ عليه بالقِيمَةِ. وظاهِرُ هذا أن المُسْتأْجِرَ يَرْجِعُ على الأجِيرِ بقِيمَةِ ما اسْتَضَرَّ باشْتِغالِه عن عَمَلِه؛ لقولِه: إن كان يَدْخُلُ عليه ضَرَرٌ، يَرْجِعُ (٣) بالقِيمَةِ. فاعْتَبَرَ الضَّرَرَ. وظاهِرُ هذا أنَّه إذا لم يَسْتَضِرَّ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه اكْتَراه لعَمَلٍ فَوفّاه على التَّمامِ، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو اسْتَأْجَرَه لِعَمَلٍ، فكان يَقْرَأُ القُرآنَ في حال عَمَلِه، فإن ضَرَّ المُسْتَأْجِرَ، رَجَع عليه بقِيمَةِ ما فَوَّتَ عليه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّه يَرْجِعُ عليه بقِيمَةِ ما عَمِلَه لغيرِه؛ لأنَّه صَرَف مَنافِعَه المَعْقُودَ عليها إلى عَمَلِ غيرِ المُسْتَأْجِرِ، فكان عليه

стр. 6991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قِيمَتُها، كما لو عَمِلَ لِنَفْسِه. وقال القاضي: معناه أنَّه يَرْجِعُ عليه بالأجْرِ الذي أخَذَه مِنَ الآخَرِ؛ لأنَّ مَنافِعَه في هذه المُدَّةِ مَمْلُوكَةٌ لغيرِه، فما حَصَل في مُقابَلَتِها يكونُ للذي اسْتَأْجَرَه. فصل: يجوزُ الاستِئجارُ لِاسْتِيفاءِ القِصاصِ، في النَّفْسِ وما دُونَها. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ في النَّفْسِ؛ لأنَّ عَدَدَ الضَّرَباتِ يَخْتَلِفُ، ومَوْضِعُ الضَّرَباتِ غيرُ مُتَعَيَّنٍ، إذْ يُمْكِنُ أن يَضْرِبَ ممَّا يَلِي الرَّأْسَ، وممّا يَلي الكَتِفَ، فكان مَجْهُولًا. ولَنا، أنَّه حَقٌّ يجوزُ التَّوْكِيلُ في اسْتِيفائِهِ، لا يَخْتَصُّ فاعِلُه بكَوْنِه (١) مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليه، كالقِصاصِ في الطَّرفِ. وقولُه: إنَّ عَدَدَ الضَّرَباتِ يَخْتَلِفُ وهو مَجْهُولٌ. يَبْطُلُ بخِياطَةِ الثَّوْبِ، فإنَّ عَدَدَ الغَرَزاتِ مَجْهُولٌ. وقولُه: إن مَحَلَّه غيرُ مُتَعَيَّنٍ. قلنا: هو مُتَقارِبٌ، فلا يَمْنَعُ ذلك صِحَّتَه، كمَوْضِعِ الخِياطةِ مِن حاشِيَةِ الثَّوْبِ. فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ سِمْسارًا يَشْتَرِي له ثِيابًا. ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ. وكَرِهَه الثَّوْرِيُّ، وحَمّادٌ. ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ مُباحةٌ تجوزُ النِّيابةُ فيها، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالبِناءِ. وتجوزُ على مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، مثلَ أن يَسْتَأْجِرَه عَشَرَةَ أيامٍ يَشْتَرِي له فيها؛ لأنَّ المُدَّةَ مَعْلُومةٌ، والعَمَلَ مَعْلُومٌ، فأشْبَهَ الخَيّاطَ والقَصّارَ. وإن عَيَّنَ العَمَلَ دُونَ الزَّمانِ، فجَعَلَ له مِن كلِّ ألْفِ دِرْهَمٍ شَيئًا مَعْلُومًا، صَحَّ أيضًا. وإن

стр. 6992

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: كُلَّما اشْتَرَيتَ ثَوْبًا فلَكَ دِرْهَمٌ أجْرًا. وكانتِ الثِّيابُ مَعْلُومةً بِصِفَةٍ، أو مُقَدَّرَةً بثَمَنٍ، جازَ، وإن لم تَكُنْ كذلك، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ الثِّيابَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أثْمانِها، والأَجْرُ يَخْتَلفُ باخْتِلافِها. فإن اشْتَرَى فله أجْرُ مِثْلِه. وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه عَمِلَ عَمَلًا بِعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فكان له أجْرُ المِثْلِ، كسائِرِ الإِجاراتِ الفاسِدَةِ. فصل: وإنِ اسْتَأْجَرَه لِيَبِيعَ له ثِيابًا بِعَينِها، صَحَّ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك يتَعَذَّرُ عليه، فأشْبَهَ ضِرابَ الفَحْلِ، وحَمْلَ الحَجَرِ الكَبِيرِ. ولَنا، أنَّه عَمَلٌ مُباحٌ مَعْلُومٌ، تجوزُ النِّيابةُ فيه، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليه، كَشِراءِ الثِّيابِ؛ ولأنَّه يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه مُقَدَّرًا بزَمَنٍ، فجاز مُقَدَّرًا بالعَمَلِ، كالخِياطَةِ. وقولُهم: إنه يتَعَذَّرُ. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الثِّيابَ لا تَنْفَكُّ عن راغبٍ فيها، ولذلك صَحَّتِ المُضارَبةُ، ولا تكونُ إلَّا بالبَيعِ والشِّراءِ، بخِلافِ ما قاسُوا عليه، فإنَّه يتَعَذَّرُ. وإنِ اسْتَأْجَرَه على شِراءِ ثِيابٍ مُعَيَّنةٍ من رَجُلٍ مُعَيَّنٍ، [أو على بيعِها مِن رجلٍ مُعَيَّنٍ] (١)، احْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه قد يتَعذَّرُ، لامْتِناعِ صاحِبِها مِنَ البَيعِ، فيَتَعَذَّرُ تَحْصِيلُ العَمَلِ بحُكْمِ الظاهِرِ، بخِلافِ البَيعِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأَنه مُمْكِنٌ في الجُملةِ، فإن حَصَل مِن ذلك شيءٌ، اسْتَحَقَّ الأجْرَ، وإلَّا بَطَلَتِ الإِجارَةُ، كما لو لَمْ يُعَيِّنِ البائِعَ ولا المُشْتَرِيَ.

стр. 6993

فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِي، عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ، مَضْبُوطَةٍ بِصِفَاتٍ، كَالسَّلَمِ؛ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَبِنَاءِ دَارٍ، وَحَمْلٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ. وَلَا يَكُونُ الْأَجِيرُ فِيهَا إِلَّا آدَمِيًّا جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَيُسَمَّى الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ. ــ فصل: قال الشيخُ، ﵀: (الضَّرْبُ الثاني، عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ في الذِّمَّةِ، مَضْبُوطةٍ بصِفَاتٍ، كالسَّلَمِ؛ كخِياطَةِ ثَوْبٍ، وبِناءِ دارٍ، وحَمْلٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ. ولا يكونُ الأجِيرُ فيها إلَّا آدِميًّا جائِزَ التَّصَرُّفِ، ويُسَمَّى الأجِيرَ المُشْتَركَ) يجوزُ للآدَمِيِّ أَن يُؤْجِرَ نَفْسَه، بغيرِ خِلافٍ، وقد أجَرَ مُوسَى، ﵇، نَفْسَه لرِعايةِ الغَنَمِ، واسْتَأْجَرَ النبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ، ﵁، رَجُلًا ليَدُلَّهُما على الطَّرِيقِ (١)؛ لأنَّه يجوزُ الانْتِفاعُ به مع بَقاءِ عَينِه، أشْبَهَ الدُّورَ، ثمَّ إنَّ إجارَتَه تَقَعُ على مَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ، كالسَّلَمِ، ومتى كانت (٢) على عَمَلٍ مَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ لم يَكُنِ الأجيرُ فيها إلا آدَمِيًّا جائِزَ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّ الذِّمَّةَ لا تكونُ لغيرِ الآدَمِيِّ، ولا تَثْبُتُ المُعاوَضَةُ لِعَمَلٍ في الذِّمَّةِ لغيرِ جائِزِ التَّصَرُّفِ، ولا بُدَّ أن يكونَ

стр. 6994

وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَينَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ، كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِيَ هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ. ــ العَمَلُ الذي يَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ مَضْبوطًا بصِفاتِ السَّلَمِ ليَحْصُلَ العِلْمُ به [وقد ذكرنا ذلك] (١). ويُسَمَّى الأجِيرُ فيها الأجِيرَ المُشْتَرَكَ، مثلَ الخَيّاطِ الذي يَتَقَبَّلُ الخِياطَةَ لجَماعَةٍ، وكذلك القَصَّارُ، ومَن في معناه، فتكونُ مَنْفَعَتُه مُشْتَرَكةً بينهم. ٢١٨٧ - مسألة: (ولا يجوزُ الجَمْعُ بين تَقْدِيرِ المُدَّةِ والعَمَلِ، كقَوْلِه: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِيَ هذا الثَّوْبَ في يومٍ. وعنه، يجوزُ) لا يجوزُ الجَمْعُ بينَ تَقْدِيرِ المُدَّةِ والعَمَلِ، كقَوْلِه: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِيَ هذا الثَّوْبَ في يَوْمٍ. أو: تَبنىَ هذه الدّارَ في شَهْرٍ. وهو قولُ

стр. 6995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ الجَمْعَ بينهما يَزِيدُ الإِجارَةَ غَرَرًا لا حاجَةَ إليه؛ لأنَّه قد يَفْرَغُ مِنَ العَمَلِ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فإنِ اسْتُعْمِلَ في بَقِيَّةِ المُدَّةِ، فقد زادَ على ما وَقَع عليه العَقْدُ، وإن لم يَعْمَلْ، كان تاركًا للعَمَلِ في بعضِ المُدَّةِ، فهذا غَرَرٌ قد أمْكَنَ التَّحرُّزُ منه، ولم يُوجَدْ مِثلُه في محَلِّ الوفاقِ، فلم يَجُزِ العَقْدُ معه. ورُوِيَ عن أحمدَ في مَن اكْتَرَى دابَّةً إلى مَوْضِعٍ على أن يَدْخُلَه في ثلاثٍ، فدَخَلَه في سِتٍّ، قال: قد أضَرَّ به. فقِيلَ: يَرْجِعُ عليه بالقِيمَةِ؟ قال: لا، يُصالِحُه (١). وهذا يَدُلُّ على جَوازِ تَقْدِيرِهما جَمِيعًا، وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ الإِجارَةَ مَعْقُودةٌ على العَمَلِ (٢)، والمُدَّةُ إنَّما ذُكِرَتْ للتَّعْجِيلِ، فلا تَمْنَعُ ذلك. فعلى هذا، إذا أتمَّ العَملَ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، لم يَلْزَمْه العَمَلُ في بَقِيَّتِها؛ لأنَّه وَفَّى ما عليه قبل مُدَّتِه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ آخَرُ، كما لو قَضَى الدَّينَ قبلَ أجَلِه، وإن مَضَتِ المُدَّةُ قبلَ العَمَلِ (٣)، فلِلمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الإِجارَةِ؛ لأنَّ الأجِيرَ لم يَفِ له بشَرْطِه، فإن رَضِيَ بالبَقاءِ عليه لم يَمْلِكِ الأجِيرُ الفَسْخَ؛

стр. 6996

وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ؛ كَالْحَجِّ، وَالْأَذَانِ، وَنَحْوهِمَا. وَعَنْهُ؛ تَصِحُّ. ــ لأنَّ الإِخْلال بالشَّرْطِ منه، فلا يكونُ ذلك وَسِيلةً له إلى الفَسْخِ، كما لو تَعَذَّرَ المُسَلَّمُ فيه في وَقْتِه لم يَمْلِكِ المُسَلَّمُ إليه الفَسْخَ، ومَلَكَهُ المُسَلِّمُ، فإن اخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ طالبَه بالعَمَلِ لا غيرُ، كالمُسَلِّمِ إذا صَبَر عند تَعَذُّرِ المُسَلَّمِ فيه إلى حينِ وُجُودِه، لم يَكُنْ له أكْثَرُ مِن المُسَلَّمِ فيه، وإن فَسَخ العَقْدَ قبلَ العَمَلِ، سَقَط الأجْرُ والعَمَلُ، وإن كان بعد عَمَلِ بعضِه، فله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ العَقْدَ قد انْفَسَخَ، فسَقَطَ المُسَمَّى، ورَجَع إلى أجْرِ المِثْلِ. ٢١٨٨ - مسألة: (ولا تجوزُ الإِجارَةُ على عَمَلٍ يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ من أهْلِ القُرْبَةِ؛ كالحَجِّ، والأذانِ، ونحوهما. وعنه، تَصِحُّ) معنى قولِه: يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ. أنَّه يكونُ مُسْلِمًا. وقد اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في الاسْتِئْجارِ على ما (١)

стр. 6997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مُسْلِمًا؛ كالإِمامَةِ، والحَجِّ، والأذانِ، وتَعْلِيمِ القُرْآنِ، فرُوِيَ عنه، أنَّها لا تَصِحُّ. وبه قال عَطاءٌ، والضَّحّاكُ بنُ قَيسٍ، وأبو حنيفةَ، والزُّهْرِيُّ. وكَرِهَ إسحاقُ تَعْلِيمَ القُرْآنِ بأجْرٍ. قال عبدُ اللهِ بنُ شَقِيقٍ: هذه الرُّغْفانُ التي يَأْخُذُها المُعَلِّمُونَ مِنَ السُّحْتِ. وكَرِهَ أجْرَ المُعَلِّمِ مع الشَّرْطِ؛ الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، وطاوُسٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ. وعن أحمدَ رِوايةٌ أخرى، أنَّه يجوزُ. حكاهَا أبو الخَطّابِ، ونَقَل أبو طالبٍ عن أحمدَ أنَّه قال: التَّعْلِيمُ أحَبُّ إليَّ مِن أن يتَوَكَّلَ لهؤلاءِ السَّلاطِينِ، ومِن أن يتَوَكَّلَ لِرَجُلٍ مِن عامَّةِ الناسِ في ضَيعةٍ، ومِن أن يَسْتَدِينَ ويَتَّجِرَ، لعلَّه لا يَقْدِرُ على الوَفاءِ فيَلْقَى اللهَ بأماناتِ الناسِ، التَّعْلِيمُ أحَبُّ إليَّ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ مَنْعَه منه في مَوْضِعِ مَنْعِه للكَراهةِ لا للتَّحْرِيمِ. ومِمَّنْ أجازَ ذلك مالكٌ، والشافعيُّ. ورَخَّصَ في أُجُورِ المُعَلِّمينَ أبو قِلابَةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ -

стр. 6998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زَوَّجَ رَجُلًا بما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). فإذا جازَ تَعْلِيمُ القُرآنِ عِوَضًا في النِّكاحِ وقامَ مَقامَ المَهْر، جازَ أخْذُ الأُجْرةِ عليه في الإِجارَةِ. وقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ علَيهِ أَجْرًا كِتابُ اللهِ» (٢). حَديِثٌ

стр. 6999

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَحِيحٌ. وفي حَدِيثِ أبي سعيدٍ أنَّ رَجلًا رَقَى رَجُلًا بِفاتِحَةِ الكِتابِ على جُعْلٍ، فَبَرأ، وأخَذَ أصحابُه الجُعْلَ، فأتَوْا به النبيَّ ﷺ فأخْبَرُوه وسَألُوه، فقال: «لَعَمْرِي لَمَنْ أكَلَ بِرُقْيَةِ باطِلٍ، لَقَدْ أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ، كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» (١). حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وإذا جازَ أخْذُ الجُعْلِ، جازَ أخْذُ الأجْرِ؛ لأنَّه في مَعْناه، ولأنَّه يجوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليه مِن بَيتِ المالِ، فجازَ أخْذُ الأجْرِ عليه، كبِناءِ المَساجِدِ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى الاسْتِنابةِ في الحَجِّ عَمَّنْ وَجَب عليه وعَجَز عن فِعْلِه، ولا يَكادُ يُوجَدُ مُتَبَرِّعٌ بذلك، فيُحْتاجُ إلى بَذْلِ الأجْرِ فيه. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما رَوَى عُثمانُ بنُ أبي العاصِ، قال: إنَّ آخِرَ ما عَهِدَ إليَّ النبيُّ ﷺ ، أنِ

стр. 7000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ على أذانِه أجْرًا. قال التِّرْمِذِيُّ (١): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وروَى عُبادَةُ بنُ الصّامِتِ، قال: عَلَّمْتُ أُناسًا مِن أهْلِ الصُّفَّةِ القُرْآنَ والكِتابةَ، فأهْدَى إليَّ رَجُلٌ منهم قَوْسًا، قال: قلتُ: قَوْسٌ ولَيسَتْ بمالٍ (٢)، أتَقَلَّدُها في سَبِيلِ اللهِ. فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ ﷺ . وقَصَّ عليه القِصَّةَ، قال: «إِنْ سَرَّكَ أنْ يُقَلِّدَكَ اللهُ قَوْسًا مِنْ نارٍ فَاقْبَلْها» (٣). وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّه عَلَّمَ رجلًا سُورَةً مِن القُرآنِ، فأهْدَى له خَمِيصَةً (٤) أو ثَوْبًا. فذَكَرَ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: «لَوْ أنَّكَ لَبِسْتَها، أوْ أخَذْتَها، ألْبَسَكَ اللهُ مَكانَها ثَوْبًا مِنْ نَارٍ» (٥) وعن أُبَيٍّ، قال: كُنْتُ أَخْتَلِفُ إلى رجلٍ مُسِنٍّ قد أصابَتْه عِلَّةٌ، قد احْتَبَسَ في بَيتِه أُقْرِئُه القُرآنَ، فكان عندَ فَراغِه ممَّا أُقْرِئُه يقولُ لجارِيَةٍ له: هَلُمِّى طَعامَ أخِي. فيُؤْتَى بطَعامٍ لا آكُلُ

стр. 7001

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مثلَه بالمَدِينةِ، فحاكَ في نَفْسِي منه شيءٌ، فذَكَرْتُه للنبيِّ ﷺ ، فقال: «إنْ كَانَ ذَاكَ الطَّعامُ طَعَامَهُ وطَعامَ أهْلِه فَكُلْ مِنْهُ، وإن كان يُتْحِفُكَ به فَلَا تَأْكُلْهُ» (١). وعن عبدِ الرحمنِ بنِ شِبْلٍ الأنْصارِيِّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «اقْرَأُوا القُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فيه، ولا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ» (٢). روَى هذه الأحادِيثَ كُلَّها الأثْرَمُ في «سُنَنِه». ولأنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ هذه الأفْعالِ كَوْنَها قُرْبةً إلى اللهِ تعالى، فلم يَجُزْ أخْذُ الأجْرِ عليها، كما لو اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ خَلْفَه الجُمُعَةَ أو التَّراويحَ. فأمَّا الأخْذُ على الرُّقْيَةِ، فإنَّ أحمدَ اخْتارَ جَوازَه، وقال: لا بَأْسَ. وذَكَرَ حَدِيثَ أبي سعيدٍ. والفَرْقُ بينه وبينَ ما اخْتُلِفَ فيه، أنَّ الرُّقْيَةَ نَوْعُ مُداواةٍ؛ والمَأْخُوذُ عليها جُعْلٌ، والمُداواةُ يُباحُ أخْذُ الأجْرِ عليها، والجَعالةُ أوْسَعُ مِنَ الإِجارَةِ، ولهذا تجوزُ مع جَهالةِ العَمَلِ والمُدَّةِ. وقولُه ﵇: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ». يَعْنِي به الجُعْلَ أيضًا في الرُّقْيَةِ؛ لأنَّه ذَكَر ذلك في سِياقِ خَبَرِ الرُّقْيَةِ. وأمَّا جَعْلُ تَعْلِيمِ القُرْآنِ صَداقًا، فعنه فيه اخْتِلافٌ، وليس في الخَبَرِ تَصْرِيحٌ

стр. 7002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بأنَّ التَّعْلِيمَ صَداقٌ، إنَّما قال: «زَوَّجْتُكهَا [على ما] (١) مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». فيَحْتَمِلُ أنَّه [زَوَّجه إياها] (٢) بغيرِ صَداقٍ إكْرامًا له، كما زَوَّجَ أبا طَلْحةَ أُمَّ سُلَيمٍ على إسْلامِه (٣)، ونُقِلَ عنه جوازُه. والفَرْقُ بين المَهْرِ والأجْرِ، أنَّ المَهْرَ ليس بعِوَضٍ مَحْضٍ وإنَّما وَجَب نِحْلَةً ووُصْلَةً، ولهذا جاز خُلُوُّ العَقْدِ عن تَسْمِيَتِه، وصَحَّ مع فَسادِه، بخِلافِ الأجْرِ في غيرِه. فصل: فأمَّا الرِّزْقُ مِن بَيتِ المالِ، فيجوزُ على ما يَتَعَدَّى نَفْعُه مِن هذه الأُمُورِ؛ لأنَّ بَيتَ المالِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِين، فإذا كان بَذْلُه لمن يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المُسْلِمِين مُحْتاجًا إليه، كان مِنَ المَصالِحِ، وكان له أخْذُه؛ لأنَّه مِن أهْلِه، وجَرَى مَجْرَى الوَقْفِ على مَن يَقُومُ بهذه المَصالِحِ، بخِلافِ الأجْرِ. فصل: فإن أُعْطِيَ المُعَلِّمُ شَيئًا مِن غيرِ شَرْطٍ، جازَ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال، في رِوايةِ أيُّوبَ (٤) ابنِ سافرى: لا يَطْلُبُ، ولا يُشارِطُ، فإن أُعْطِيَ شيئًا أخَذَه. وقال، في رِوايةِ أحمدَ بنِ سعيدٍ: أكْرَهُ أجْرَ المُعَلِّمِ إذا شَرَط. وقال: إذا كان المُعَلِّمُ لا يُشارِطُ، ولا يَطْلُبُ

стр. 7003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن أحَدٍ شيئًا، إن أتاهُ شيءٌ قَبِلَه. كأنَّه يَراه أهْوَنَ. وكَرِهَهُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ القَوْسِ والخَمِيصَةِ التي أُعْطِيَهما (١) أُبَيٌّ وعُبادَةُ مِن غيرِ شَرْطٍ. ولأنَّ ذلك قُرْبةٌ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه بِشَرْطٍ ولا بغيرِه، كالصَّلاةِ والصِّيامِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، قولُ النبيِّ ﷺ : «مَا أتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيرِ مسألةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَخُذْهُ وتَمَوَّلْهُ، فَإنَّه رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيكَ» (٢). وقد أرْخَصَ رسولُ اللهِ ﷺ لأُبَيٍّ (٣) في أكْلِ طَعامِ الذي كان يُعَلِّمُه إذا كان طَعامَه وطَعامَ أهْلِه. ولأنَّه إذا كان بغيرِ شَرْطٍ كان هِبَةً مُجَرَّدَةً، فجازَ، كما لو لم يُعَلِّمْه شيئًا. فأمَّا حَدِيثُ القَوْسِ والخَمِيصَةِ فقَضِيَّتان في عَينٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ ﷺ عَلِمَ أنَّهما فَعَلا ذلك خالِصًا، فكَرِهَ أخْذَ العِوَضِ عنه مِن غيرِ اللهِ تعالى، ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك. فأمَّا إن أُعْطِيَ المُعَلِّمُ أجْرًا على تَعْلِيمِ الخَطِّ وحِفْظِه، جازَ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن كان المُعْطِي يَنْوي أنَّه يُعْطِيه لحِفْظِ الصَّبِيِّ وتَعْلِيمِه، فأرْجُو إذا كان كذا. ولأنَّ هذا ممَّا يجوزُ أخْذُ الأجْرِ

стр. 7004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه مُفْرَدًا، فجازَ مع غيرِه، كسائِرِ ما يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه. وهكذا لو كان إمامُ المَسْجِدِ [قَيِّمًا يَكْنُسُه] (١)، ويُسْرِجُ قَنادِيلَه، ويُغْلِقُ بابَه ويَفْتَحُه، فأخَذَ أجْرًا على خِدْمَتِه، أو كان النائِبُ في الحَجِّ يَخْدِمُ المُسْتَنِيبَ له في طَرِيقِ الحَجِّ، ويَشُدُّ (٢) له، ويَحُجُّ عن قَرِيبِه، فدَفَعَ إليه أجْرًا لخِدْمَتِه، جازَ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى. فصل: فأمَّا ما لا يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، كتَعْلِيمِ الخَطِّ والحِسابِ والشِّعْرِ المُباحِ (٣) وشِبْهِه، وبناءِ المَساجِدِ والقَناطِرِ، فيجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه؛ لأنَّه يَقَعُ تارَةً قُرْبةً، وتارَةً غيرَ قُرْبةٍ، فلم يُمْنَعْ مِن الاسْتِئْجارِ لِفِعْلِه، كغَرْسِ الأشْجارِ، وبناءِ البُيُوتِ. وكذلك في تَعْلِيمِ الفِقْهِ والحَدِيثِ. ذَكَرَه شَيخُنا (٤). وذَكَر القاضِي في «الخِلافِ» أنَّهما مِن القِسْمِ الأوَّلِ. والأوْلَى، إن شاء اللهُ، ما ذَكَرَه شَيخُنا؛ لكَوْنِ فاعِلِها (٥) لا يَخْتَصُّ أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، واللهُ

стр. 7005

فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْجُمَهُ، صَحَّ، وَيُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ أُجْرَتِهِ، وَيُطْعِمُهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ. وَقَال الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ. ــ أعلمُ. وأمَّا ما لا يَتَعَدَّى نَفْعُه فاعِلَه مِن العِباداتِ المَحْضَةِ، كالصِّيامِ، وصَلاةِ الإِنْسانِ لِنَفْسِه، وحَجِّه عن نَفْسِه، وأداءِ زَكاةِ نَفْسِه، فلا يجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضٌ للانْتِفاعِ، ولم يَحْصُلْ لغيرِه ههُنا انْتِفاعٌ، فأشْبَهَ إجارَةَ الأعْيانِ التي لا نَفْعَ فيها. ٢١٨٩ - مسألة: (وإنِ اسْتَأْجَرَ مَن يَحْجُمُه، صَحَّ، ويُكْرَهُ للْحُرِّ أكْلُ أُجْرَتِه، ويُطْعِمُه الرَّقِيقَ والبَهائِمَ. وقال القاضي: لا يَصِحُّ) يجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ حَجّامًا لِيَحْجُمَه، وأجْرُه مُباحٌ. اختارَه أبو الخَطّابِ. وهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: أنا آكُلُه. وبه قال عِكْرِمةُ، والقاسِمُ، ومحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسَينِ، ورَبِيعَةُ، ويَحْيَى الأنْصارِيُّ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال القاضي: لا يجوزُ. وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه، قال: وإن أُعْطِيَ شيئًا مِن غيرِ عَقْدٍ ولا شَرْطٍ، فله أخْذُه، ويَصْرِفُه في عَلْفِ دابَّتِه، وطُعْمِ عَبْدِه، ومُؤْنَةِ صِناعَتِه، ولا يَحِلُّ أكْلُه. وكَرِهَ كَسْبَ الحَجّامِ عثمانُ، وأبو هريرةَ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ؛
следующие страницы →