← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

فَصْلٌ فِي الْمُنَاضَلَةِ: وَتُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطٌ أرْبَعَةٌ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ عَلَى مَنْ يُحْسِنُ الرَّمْيَ، فَإنْ كَانَ فِي أَحدِ الْحِزْبَينِ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَأُخْرِجَ مِنَ الْحِزْبِ الْآخَرِ مِثْلُهُ، وَلَهُمُ ــ أنَّه قال: «مَنْ أجْلَبَ عَلَى الْخَيلِ يَوْمَ الرِّهَانِ فَلَيسَ مِنَّا» (١). قال الشيخُ، ﵀: (فصلٌ في المُناضلَةِ) وهي المُسابَقَةُ في الرَّمْي بالسِّهامِ، والمُناضَلَةُ: مَصْدَرُ ناضَلْتُه نِضالًا ومُناضَلَةً، وسُمِّيَ الرَّمْيُ نِضالًا؛ لأنَّ السَّهْمَ التَّامَّ يُسَمَّى نَضْلًا، فالرَّمْيُ به عَمَل بالنَّضْلِ، فسُمِّيَ نِضالًا ومُناضَلَةً، مثلِ جادَلْتُه جِدالًا ومُجادَلَةً (ويُشْتَرَطُ لها شُرُوط أرْبَعَةٌ؛ أحَدُها، أن تكون على مَن يُحْسِنُ الرَّمْيَ، فإن كان في أحَدِ الحِزْبَين مَن لا يُحْسِنُه، بَطَل العَقْدُ فيه) [إذا كان كلُّ حِزْبٍ جَماعَةً] (٢) (وأُخْرِجَ مِن الحِزْبِ الآخَرِ) مَن جُعِل بإزائِه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الزَّعِيمَين يَخْتارُ واحِدًا، ويَخْتارُ الآخرُ في مُقابَلَتِه آخَرَ، كما لو بَطَل العَقْدُ في بَعْضِ المَبِيعِ، بَطَل في ثَمَنِه. وهل

стр. 7177

الْفَسْخُ إِنْ أحَبُّوا. الثَّانِي مَعْرِفَةُ عَدَدِ الرِّشْقِ، وَعَدَدِ الْإِصَابَةِ. ــ يَبْطُلُ في الباقِين؟ على وَجْهَين، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فإن قُلْنا: لا يَبْطُلُ. فلكلِّ حِزْبٍ الخيارُ لتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ في حَقِّهم، فإن كان يُحْسِن الرَّمْيَ، لكنَّه قَلِيلُ الإِصابَةِ، فقال حِزْبُه: ظَنَنّاه كَثِيرَ الإِصابَةِ. أو: لم نَعْلَمْ حاله. وإن بان كَثِيرَ الإِصابَةِ، فقال الحِزْبُ الآخَرُ: ظَنَنّاه قَلِيلَ الإِصابَةِ. لم يُسْمَعْ ذلك منهم؛ لأنَّ شَرْطَ دُخُولِه في العَقْدِ أن يكونَ مِن أهلِ الصَّنْعَةِ دُونَ الحِذْقِ، كما لو اشْتَرَى عَبْدًا على أنَّه كاتِبٌ، فبان حاذِقًا أو ناقِصًا فيها (١)، لم يُؤثِّرْ (الثانِي، مَعْرِفَةُ عَدَدِ الرِّشْقِ، وعَدَدِ الإِصابَةِ) الرِّشْقُ، بكَسْرِ الرّاءِ: عَدَدُ الرَّمْي. وأهلُ العَرَبِيَّةِ يَقُولُون: هو عِبارَةٌ عمّا بينَ العِشْرِين والثَّلاثين. والرَّشقُ، بفَتْحِ الرّاءِ: الرَّمْيُ، مَصْدَرُ رَشَقْتُ. رَشْقًا. وإنَّما اشْتُرِطَ عِلْمُه؛ لأنَّه لو كان مَجْهُولًا أفْضَى إلى الاخْتِلافِ، لأنَّ أحَدَهما قد يُرِيدُ القَطْعَ، والآخَرُ الزِّيادَةَ. ولا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ عَدَدِ الإِصابَةِ، فيَقُولان: الرِّشْقُ عِشْرُون، والإصابَةُ خَمْسَةٌ -أو- سِتَّةٌ. أَو ما يَتَّفقان عليه، إلَّا أنَّه لا يَصِحُّ اشْتِراطُ إصابَةٍ تَنْدُرُ، كإصابَةِ جَمِيعِ الرِّشْقِ، أو تِسْعَةٍ مِن عَشَرَةٍ، ونحو هذا؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يُوجَدُ، فيَفُوتُ الغَرَضُ. وإنَّما اشْتُرِطَ العِلْمُ بعَدَدِ الإِصابَةِ؛ ليَتَبَيَّنَ حِذْقُهما.

стр. 7178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُشْتَرَطُ اسْتِواؤُهما في عَدَدِ الرِّشْقِ والإِصابَةِ وصِفَتِها، وسائِرِ أحْوالِ الرَّمْي. فإن جَعَلا رِشْقَ أحَدِهما عَشَرَةً، والآخرِ عِشْرِين، أو شَرَطا أن يُصِيبَ أحَدُهما خَمْسَةً، والآخَرُ ثَلاثَةً، أو شَرَطا إصابَةَ أحَدِهما خَواسِقَ والآخَرِ خَواصِلَ، أو شَرَطا أن يَحُطَّ أحَدُهما مِن إصابَتِه سَهْمَين، أو يَحُطَّ سَهْمَين من إصابَتِه بسَهْمٍ مِن إصابَةِ صاحِبه، أو شَرَطا (١) أنْ يَرْمِيَ أحَدُهما مِن بُعْدٍ والآخَرُ مِن قُرْبٍ، أو أن يَرْمِيَ أحدُهما وبينَ أصابِعِه سَهْمٌ، والآخَرُ بينَ أصابِعِه سَهْمان، أو أن يَرْمِيَ أحَدُهما وعلى رَأْسِه شيءٌ والآخرُ خالٍ عن شاغِلٍ، أو أن يَحُطَّ عن أحَدِهما واحِدًا مِن خَطَئِه لا له ولا عليه، وأشْباهُ هذا ممّا تَفُوتُ به المُساواةُ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَوْضُوعَها على المساواةِ، والغرضُ معرفةُ الحِذْقِ وزيادةِ أحَدُهما على الآخَرِ فيه، ومع التَّفاضُلِ لا يَحْصُلُ، فإنَّه رُبَّما أصاب أحَدُهما لكَثْرَةِ رَمْيِه لا لحِذْقِه، فاعْتُبِرَتِ المُساواةُ، كالمُسابَقَةِ بالحَيَوانِ.

стр. 7179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُشْتَرَطُ أن تكونَ المُسابَقَةُ على الإِصابَةِ لا على البُعْدِ، فلو قال: السَّبَقُ لأبْعَدِنا رَمْيًا. لم يَجُزْ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِن الرَّمْي الإِصابَةُ لا بُعْدُ المَسافَةِ، فإنَّ المَقْصُودَ مِن الرَّمْي إمّا قَتْلُ العَدُوِّ أو جَرْحُه، أو الصّيدُ، ونحوُ ذلك، وكلُّ هذا إنَّما يَحْصُلُ مِن الإِصابَةِ، لا مِن الإِبْعادِ. فصل: إذا عَقَدا النِّضال، ولم يَذْكُرا قَوْسًا، صَحَّ في ظاهِرِ كَلامِ القاضي، ويَسْتَويانِ في القَوسِ، إمّا العَرَبِيَّةُ وإمّا الفارِسِيَّةُ. وقال غيرُه: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَا نَوْعَ القَوْسِ الذي يَرْمِيان عليه في الابْتِداءِ؛ لأنَّ إطْلاقَه رُبَّما أفْضَى إلى الاخْتِلافِ، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ عنه بالتَّعْيِينِ للنَّوْعِ، فَيجِبُ ذلك. وإنِ اتَّفَقا على أنَّهما يَرْمِيان بالنُّشّابِ في الابتِداءِ، صَحَّ، ويَنْصَرِفُ إلى القَوْسِ الأعْجَمِيَّةِ؛ لأنَّ سِهامَها هو المُسمَّى بالنُّشّابِ، وسِهامَ العَرَبِيَّةِ يُسَمَّى نَبْلًا. فإن عَيَّنا نَوْعًا، لم يَجُزِ العُدُولُ عنها إلى غيرِها؛ لأنَّ أحَدَهما قد يكونُ أحْذَقَ بالرَّمْي بأحَدِ النَّوْعَين دُونَ الآخَرِ.

стр. 7180

الثَّالِثُ، مَعْرِفَةُ الرَّمْي، هَلْ هُوَ مُفَاضَلَةٌ أَوْ مُبَادَرَةٌ؟ فَالْمُبَادَرَةُ أَنْ يَقُولَا: مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسِ إِصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً، فَقَدْ سَبَقَ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ إِلَيهَا مَعَ تَسَاويهِمَا فِي الرَّمْي فَهُوَ السَّابِقُ، وَلَا يَلْزَمُ إتْمَامُ الرَّمْيَ. ــ (الثالثُ، مَعْرِفَةُ الرَّمْي، هل هو مُفاضَلَةٌ أو مُبادَرَةٌ؟) المُناضَلَةُ على ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ؛ أحَدُها، يُسَمَّى (المُبادَرَةَ) وهي (أن يقُولا: مَن سَبَق إلى خَمْسِ إصاباتٍ مِن عِشْرِين رَمْيَةً، فهو السّابِقُ. فأيُّهما سَبَق إليها مع تَساويهما في الرَّمْي) فقد سَبَق. فإذا رَمَيا عَشَرَة عَشَرَةً، فأصاب أحَدُهما خَمْسًا، ولم يُصِبِ الآخَرُ خمسًا، فالمُصِيبُ خَمْسًا هو السّابِقُ؛ لأنَّه قد سَبَق إلى خمْسٍ، وسَواءٌ أصاب الآخَرُ أرْبَعًا، أو ما دُونَها، أو لم يُصِبْ شيئًا (ولا) حاجَةَ إلى (إتْمامِ الرَّمْي) لأنَّ السَّبْقَ قد حَصَل بسَبْقِه إلى ما شَرَطا السَّبْقَ إليه. فإن أصاب كل واحِدٍ منهما مِن العَشْرِ خَمْسًا، فلا سابِقَ فيهما، ولا يُكْمِلان الرِّشْقَ؛ لأن جَمِيعَ الإِصابَةِ المَشْرُوطَةِ قد حَصَلَتْ، واسْتَوَيا فيها. فإن رَمَى أحَدُهما عَشْرًا فأصاب

стр. 7181

وَالْمُفَاضَلَةُ أَنْ يَقُولَا: أَيُّنَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِخَمْسِ إِصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً، سَبَقَ، فَأَيُّهُمَا فَضَلَ بِذَلِكَ، فَهُوَ السَّابِقُ. ــ خَمْسًا، ورَمَى الآخَرُ تِسْعًا فأصاب أرْبعًا، لم يُحْكَمْ بالسَّبْقِ ولا بعَدَمِه، حتى يَرْمِيَ العاشِرَ، فإن أصاب به، فلا سابِقَ فيهما، وإن أخْطَأ به، فقد سَبَق الأوَّلُ. فإن لم يكنْ أصاب مِن التِّسْعَةِ إلَّا ثلاثًا، فقد سُبِق، ولا يَحْتاجُ إلى رَمْي العاشِرِ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يَحْتَمِلُ أن يُصِيبَ به، ولا يُخْرِجُه عن كَوْنِه مَسْبُوقًا. الثانِي (المُفاضَلَةُ) وهي (أن يَقُولا: أيُّنا فَضَل صاحِبَه) بإصابَةٍ أو إصابَتَين أو ثَلاثٍ (مِن عِشْرِين رَمْيَةً) فقد (سَبَق). وتُسَمَّى مُحاطَّةً؛ لأنَّ ما تَساوَيا فيه مِن الإِصابَةِ مَحْطُوطٌ غيرُ مُعْتَدٍّ به. ويَلْزَمُ إكْمالُ الرِّشْقِ إذا كان فيه فائِدَةٌ. فإذا قالا: أيُّنا فَضَل صاحِبَه بثَلاثٍ، فهو سابِقٌ. فرَمَيَا اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا، فأصاب بها أحَدُهما، وأخْطَأها (١) الآخرُ كلَّها، لم

стр. 7182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَلْزَمْ إتْمامُ الرِّشْقِ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يُمْكِنُ أن يُصِيبَ الآخَرُ الثّمانِيَةَ الباقِيَةَ، ويُخْطِئَها (١) الأوَّلُ، ولا يَخْرُجُ الأوَّلُ بهذا عن كَوْنِه سابِقًا. وإن كان الأوَّلُ إنَّما أصاب مِن الاثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَشْرًا، لَزِمَهما أن يَرْمِيا الثالثةَ عَشْرَةَ، فإن أصابا بها أو أخْطآ، أو أصابَها الأوَّلُ وَحْدَه، فقد سَبَق، ولا يَحْتاجُ إلى إتْمام الرِّشْقِ. وإن أصابَها الآخَرُ [دُون الأوَّلِ] (٢)، فعليهما أن يَرْمِيا الرّابِعَةَ عَشرَةَ، والحُكْمُ فيها وفيما بعدَها، كالحُكْم في الثالثةَ عَشْرَةَ، [في أنَّه] (٣) متى ما أصاباها، أو أخْطآ، أو أصابَها الأوَّلُ، فقد سَبَق، ولا يَرْمِيان ما بعدَها. وإن أصابَها الآخَرُ وَحْدَه، رَمَيا ما (٤) بعدَها. وكذا كلُّ مَوْضِعٍ يكونُ في إتْمامِ الرِّشْقِ فائِدَةٌ لأحَدِهما، يَلْزَمُ إتْمامُه، وإن يَئس مِن الفائِدَةِ، لم يَلْزَمْ إتْمامُه. فإذا بَقِيَ مِن العَدَدِ ما يُمْكِنُ أن يَسْبِقَ أحَدُهما به صاحِبَه، أو يُسْقِطَ به سَبْقَ صاحِبِه، لَزِم الإِتْمامُ، وإلَّا فلا. فإذا كان السَّبْقُ يَحْصُلُ بثَلاثِ إصاباتٍ مِن عِشْرِين، فرَمَيا ثَمانِيَ عَشْرَةَ، فأخْطآها، أو أصاباها، أو تَساوَيا في الإِصابَةِ فيها، لم يَلْزَمِ الإِتْمامُ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يَحْتَمِلُ أن يُصِيبَ أحَدُهما هاتَين الرَّمْيَتَين، ويُخْطِئَهما الآخَرُ، ولا يَحْصُلُ السَّبْقُ بذلك. وكذلك إن فَضَل أحَدُهما الآخَرَ بخَمْسِ إصاباتٍ فما زاد، لم يَلْزَمِ الإِتْمامُ؛ لأنَّ إصابَةَ الآخَرِ السَّهْمَين

стр. 7183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الباقِيَين، لا يُخْرِجُ الآخَرَ عن كَوْنِه فاضِلًا بثلاثِ إصاباتٍ، وإن لم يَفْضُلْه إلَّا بأرْبَعٍ، رَمَيا السَّهْمَ الآخِرَ، فإن أصابَه المَفْضُولُ وَحْدَه، فعليهما رَمْيُ الآخِرِ، فإن أصابَه المَفْضُولُ أيضًا، سَقَط سَبْقُ الأوَّلِ، وإن أخْطآ في أحَدِ السَّهْمَين، أو أصاب الأوَّلُ في أحَدِهما، فهو سابِقٌ. الثالثُ (أن يَقُولا: أيُّنا أصاب خَمْسًا مِن عِشْرِينِ، فهو سابِقٌ) فمتى أصاب أحَدُهما خَمْسًا مِن العِشْرِين، ولم يُصِبْها الآخرُ، فالأوَّلُ سابِقٌ، وإن أصاب كل واحِدٍ منهما خَمْسًا، أو لم يُصِبْ واحِدٌ منهما خَمْسًا، فلا سابِقَ فيهما. وهذه في مَعْنَى المُحاطَّةِ، في أنَّه يَلْزَمُ إتْمامُ الرَّمْي ما كان فيه فائِدَةٌ، ولا يَلْزَمُ إذا خلا [عن الفائِدَةِ] (١). ومتى أصاب كلُّ واحِدٍ منهما خَمْسًا، لم يَلْزَمْ إتْمامُه، ولم يكنْ فيهما سابِقٌ. وإن رَمَيا سِتَّ عَشْرَةَ رَمْيَةً، فلم يُصِبْ واحِدٌ منهما شيئًا، لم يَلْزَمْ إتْمامُه، ولا سابِقَ فيهما؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يَحْتَمِلُ أن يُصِيبَها أحَدُهما وَحْدَه (٢)، ولا يَحْصُلُ السَّبْقُ بذلك. واخْتَلَفَ أصْحابُنا، فقال أبو الخَطّاب: لا بدَّ مِن معْرِفَةِ الرَّمْي، هل هو مُبادَرَةٌ أو مُحاطَّةٌ أو مُفاضَلَةٌ؟ لأنَّ غَرَضَ الرُّماةِ يَخْتَلِفُ؛ فمنهم مَن تَكْثُرُ إصابَتُه في الابْتِداءِ دُونَ الانْتِهاءِ، ومنهم بالعَكْسِ، فوَجَبَ بَيانُ ذلك؛ ليَعْلَمَ ما دَخَل فيه. وهذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ. وظاهِرُ كَلامِ القاضِي، أنَّه لا يُحْتاجُ إلى اشْتِراطِ ذلك؛ لأنَّ مُقْتَضَى

стр. 7184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النِّضالِ المُبادَرَةُ، وأنَّ مَن بادَرَ إلى الإِصابَةِ فهو السّابِقُ؛ فإنَّه إذا شُرِط السَّبْقُ لمَن أصاب خَمْسَةً مِن عِشْرِين، فسَبَقَ إليها واحِدٌ، فقد وُجِد الشَّرْطُ. ولأصْحابِ الشافعيّ وَجْهان كهَذَين. فصل: فإن شَرَطَا إصابَةَ مَوْضِعٍ مِن الهَدَفِ، على أن يُسْقِطَ ما قَرُب مِن إصابَةِ أحَدِهما ما بَعُد مِن إصابَةِ الآخَرِ، ففَعَل، ثم فَضَل أحَدُهما الآخَرَ بما شَرَطاه، كان سابقًا. ذَكَرَه القاضي. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه نَوْعٌ مِن المُحاطَّةِ. فإذا أَصاب أحَدُهما مَوْضِعًا بينَه وبينَ الغَرَضِ شِبْرٌ، وأصاب الآخَرُ مَوْضِعًا بينَه وبينَ الغَرَضِ أقَل مِن شِبْرٍ، سَقَط الأوَّلُ، وإن أصاب الأوَّلُ الغَرَضَ، أسْقَطَ الثانِيَ، وإن أصاب الثانِي الدّائِرَةَ التي في الغَرَضِ، لم يُسْقِطِ الأوَّلَ؛ لأنَّ الغَرَضَ كلَّه مَوْضِعُ الإِصابَةِ، فلا يَفْضُلُ أحَدُهما صاحِبَه إذا أصاباه، إلَّا أن يَشْتَرِطَا ذلك. وإن شَرَطا أن يَحْسِبَ (١) كلُّ واحِدٍ منهما خاسِقَه بإصابَتَين، جاز؛ لأنَّ أحَدَهما لم يَفْضُلْ صاحِبَه بشيءٍ، فقد اسْتَوَيا. فصل: فإنْ عقَدَ النِّضال جماعةٌ ليَتَفاصَلُوا (٢) حِزْبَين، فذَكَرَ القاضي أنَّه يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يجوزَ؛ لأنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ، وقبلَ التَّفاصُلِ لم يَتَعَيَّنْ مَن في كُلِّ واحِدٍ مِن الحِزْبَين. فعلى هذا، إذا تفاصَلُوا، عَقَدُوا النِّضال بعدَه. وعلى قولِ القاضي، يجوزُ العَقْدُ قبلَ

стр. 7185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّفاصُلِ. ولا يَجُوزُ أن يَقْتَسِمُوا بالقُرعَةِ؛ لأنَّها قد تَقَعُ على الحُذّاقِ في أحَدِ الحِزْبَين، وعلى الكَوادنِ في الآخرِ، فيَبْطُلُ مَقْصُودُ النِّضالِ، بل يكونُ لكلِّ حِزْبٍ زَعِيمٌ (١)، فيَخْتارُ أحَدُهما واحِدًا، ثم يَخْتارُ الآخَرُ واحِدًا كذلك، حتى يَتَفاصَلُوا جَمِيعًا. ولا يَجُوزُ أن يُجْعَلَ الْخِيارُ إلى أحَدِهما في الجَمِيعِ، ولا أن يَخْتارَ جَمِيعَ حِزْبِه أوَّلًا؛ لأنَّه يَخْتارُ الحُذّاقَ في حِزْبِه. ولا يَجُوزُ أن يُجْعَلَ رَئِيسُ الحِزْبَين واحِدًا؛ لأنَّه يَمِيلُ إلى حِزْبِه، فتَلْحَقُه التُّهْمَةُ. ولا يجوزُ أن يَخْتارَ كلُّ واحِدٍ مِن الرَّئِيسين أكْثَرَ مِن واحِدٍ واحِدٍ؛ لأنَّه أبْعَدُ مِن التَّساوي. فإذا اخْتَلَفا في المُبْتَدِئِ بالخِيارِ، أُقْرِعَ بينَهما. ولو قال أحَدُهما: أنا أخْتارُ أوَّلًا وأُخْرِجُ السَّبَقَ، أو يُخْرِجُه أصْحابِي. لم يَجُزْ؛ لأنَّ السَّبَقَ إنَّما يُسْتَحَقُّ بالسَّبْقِ، لا في مُقابَلَةِ تَفَضُّلِ أحَدِهما بشيءٍ. فصل: إذا أخْرَجَ أحَدُ الزَّعِيمَين السَّبَقَ مِنِ عندِه، فسُبِقَ حِزْبُه، لم يكُنْ على حِزْبِه شيءٌ؛ لأنَّه جَعَلَه على نَفْسِه دُونَهم. وإن شَرَطَه عليهم، فهو عليهم بالسَّويَّةِ، ويُقْسَمُ على الحِزْبِ الآخَرِ بالسَّويَّةِ، مَن أصاب ومَن أخْطَأ، في أحَدِ الوَجْهَين، كما أنَّه على الحِزْبِ الآخَرِ بالسَّويَّةِ. وفي الوَجْهِ الآخَرِ، يُقْسَمُ بينَهم على قَدْرِ الإِصابَةِ، ولا شيءَ لمَن لم يُصِبْ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَه بالإِصابَةِ، فكان على قَدْرِها، واخْتَصَّ بمَن وُجِدَت فيه، بخِلافِ المَسْبُوقِين، فإنَّه وَجَب عليهم لالْتِزامِهم به، وقد اسْتَوَوْا في

стр. 7186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك. فصل: ومتى كان النِّضالُ بينَ حِزْبَين، اشْتُرِطَ كونُ الرِّشْقِ يُمْكِنُ قَسْمُه بينَهم يغيرِ كَسْرٍ، ويَتَساوَوْنَ فيه، فإن كانوا ثَلاثَةً، وَجَب أن يكونَ له ثُلُثٌ، وكذلك ما زاد؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ كذلك، بَقِيَ سَهْمٌ أو أكْثَرُ بينَهم لا يُمْكِنُ الجَماعَةَ الاشْتِراكُ فيه. فصل: ولا يَجُوزُ أن يقولُوا: نُقْرِعُ، فمَن خَرَجَتْ قُرْعَتُه فهو السّابِقُ. ولا أنَّ مَن خَرَجَتْ قُرْعَتُه فالسَّبَقُ عليه. ولا أن يَقُولُوا: نَرْمِي، فأيُّنا أصاب فالسَّبَقُ على الآخَرِ. لأنَّه عِوَضٌ في عَقْدٍ، فلا يُسْتَحَقُّ بالقُرْعَةِ، ولا بالإِصابَةِ. وإن شَرَطُوا أن يكونَ فُلانٌ مُقَدَّمَ حِزْبٍ، وفُلانٌ مُقَدَّمَ الآخَرِ، ثم فُلانٌ ثانيًا (١) مِن (٢) الحِزْبِ الأوَّلِ، وفلانٌ ثانيًا (١) مِن الحِزْبِ الثانِي، كان فاسِدًا؛ لأنَّ تَقْدِيمَ كلِّ واحِدٍ مِن الحِزْبَين يكونُ إلى زَعِيمِه، وليس للحِزْبِ الآخَرِ مُشارَكَتُه في ذلك، فإذا شَرَطُوه كان فاسِدًا. فصل: إذا تَناضَلَ اثْنان، وأخْرَجَ أحَدُهما السَّبَقَ، فقال أجْنَبِيٌّ: أنا شَرِيكُك في الغُرْمِ والغُنْمِ، إن نَضَلَك فنِصْفُ السَّبَقِ عَلَيَّ، وإن نَضَلْتَه فنِصْفُه لي. لم يَجُزْ. وكذلك لو كان المُتَناضِلُون ثلاثةً منهما (٣) مُحَلِّلٌ،

стр. 7187

وَإذَا أَطْلَقَا الإِصَابَةَ، تَنَاوَلَهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ. فَإِنْ قَالا: خَوَاصِلَ. كَانَ تَأْكِيدًا، لأَنَهُ اسْمٌ لَهَا كَيفَمَا كَانَتْ. ــ فقال رابعٌ للمُسْتَبِقَين: أنا شَرِيكُكما في الغُنْمِ والغُرْمِ. كان باطِلًا؛ لأنَّ الغُنْمَ والغُرْمَ إنَّما يكون مِن المُناضِلِ، فأمّا مَن لا يَرْمِي، فلا يكونُ له غُنْمٌ ولا عليه غُرْمٌ. ولو شَرَطا في النِّضالِ أنَّه إذا جَلَس المُسْتَبِقُ كان عليه السَّبَقُ، لم يَجُزْ (١)؛ لأنَّ السَّبَقَ على النِّضالِ، وهذا الشَّرْطُ يُخالِفُ مُقْتَضَى النِّضالِ، فكان فاسِدًا. فصل: ولو فَضَل أحَدُ المُتَناضِلَين صاحِبَه، فقال المَفْضُولُ: اطْرَحْ فَضْلَك وأُعْطِيك دينارًا. لم يَجُزْ؛ لأنَّ المَقْصُودَ مَعْرِفَةُ الحِذْقِ، وذلك يَمْنَعُ منه. وإن فَسخا العَقْدَ وعَقَدا عَقْدًا آخَرَ، جاز. وإن لم يَفْسَخاه، ولكنْ رَمَيا تَمامَ الرِّشْقِ، فتَمَّتِ الإِصابَةُ له مع ما أسْقَطَه، اسْتَحَقَّ السَّبَقَ، ورَدَّ الدِّينارَ إن كان أخَذَهُ. ٢٢٤٢ - مسألة: (وإذا أطْلَقا الإِصابَةَ، تَناوَلَها على أيِّ صِفَةٍ كانت) لأنَّها إصابَة. وذَكَر شيخُنا صِفَةَ الإِصابَةِ شَرْطًا لصِحَّةِ المُناضَلَةِ في كتابِ «المُغْنِي» (٢). ٢٢٤٣ - مسألة (٣): (فإن قالا: خَواصِلَ. كان تَأْكيدًا) لها

стр. 7188

وَإنْ قَالا: خَوَاسِق. وَهُوَ مَا خَرَقَ الْغَرَضَ وَثَبَتَ فِيهِ. أَوْ: خَوَازِقَ. وَهُوَ مَا خزَقَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ. أَوْ: خَوَاصِرَ. وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَي الْغَرَضِ، تَقَيَّدَتْ بِذَلِكَ. ــ (لأنَّه اسْمٌ لها كَيفَما كانت) قال الأزْهَرِيُّ (١): يُقالُ: خَصَلْتُ مُناضِلِي خَصْلَةً وخَصْلًا. ويُسَمَّى ذلك الفَرْعَ والقَرْطَسَةَ، يُقال: قَرْطَسَ. إذا أصاب. ٢٢٤٤ - مسألة: (فإن قالا: خَواسِقَ. وهو ما خَرَق الغَرَضَ وثَبَت فيه. أوْ: خَوَازِقَ. وهو ما خَرَقَه) ووَقَع بينَ يَدَيه. أو: مَوارِقَ. وهو مَا نفَذَ الغَرَضَ، وَوَقَعَ مِن (٢) وَرائِه. أو: خَوارِمَ. وهو مَا خَرَم جانِبَ الغَرَضِ. أو: حَوابِيَ. وهو ما وَقَع بينَ يَدَي الغَرَضِ، ثم وَثَبَ إليه. ومنه يُقالُ: حَبا الصَّبِيُّ (أو: خَواصِرَ. وهو ما كان في أحَدِ جانِبَي الغَرَضِ) ومنه قِيلَ: الخَاصِرَةُ؛ لأنَّها في جانِبِ الإِنْسانِ (تَقَيَّدَتِ) المُناضَلَةُ (بذلك) لأنَّ المَرْجِعَ في المُسابَقَةِ إلى شَرْطِهما، فيُقَيَّدُ بما شَرَطاه ههُنا. وإن شَرَطا الخَواسِقَ والحَوابِيَ معًا، صَحَّ.

стр. 7189

وَإِنْ شَرَطَا إِصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنَ الْغَرَضِ، كَالدَّائِرَةِ فِيهِ، تَقَيَّدَ بهِ. الرَّابِعُ، مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْغَرَضِ؛ طُولِهِ، وَعَرْضِهِ، وَسُمْكِهِ، وَارْتِفَاعِهِ مِنَ الْأَرْضِ. وَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ بِالرَّمْي، أُقْرِعَ بَينَهُمَا. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ بِإِخْراجِ السَّبَقِ. ــ ٢٢٤٥ - مسألة: (وإن شَرَطا إصابَةَ مَوْضِعٍ مِن الْغَرَضِ، كالدّائِرَةِ فيه، تَقَيَّدَ به) لِما ذَكَرْنا. (الرّابِعُ، مَعْرِفَةُ قَدْرِ الغَرَضَ؛ طُولِه، وعَرْضِه، وسُمْكِه، وارتِفاعِه مِن الأرْضِ) الغَرَضُ ما يُقْصَدُ إصابَتُه؛ مِن قِرْطاسٍ أو جِلْدٍ أو خشَبٍ أو قَرْعٍ أو غيرِه، سُمِّيَ غَرَضًا؛ لأنَّه يُقْصَدُ، ويُسَمَّى شارةً وشَنًا. قال الأزْهَرِيُّ (١): ما نُصِب في الهَدَفِ فهو القِرْطاسُ، وما نُصِب في الهَواءِ فهو الغَرَضُ. ويَجِبُ أن يكونَ قَدْرُه مَعْلُومًا بالمُشاهَدَةِ، أو بتَقْدِيرِه بشِبْرٍ أو نحوه، بحَسَبِ الشَّرْطِ، فإنَّ الإِصابَةَ تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ صِغَرِه وكِبَرِه، وغِلَظِه ورِقَّتِه، فوَجَبَ اعْتِبارُ ذلك. ٢٢٤٦ - مسألة: (وإن تَشاحّا في المُبْتَدِئِ) منهما (أُقْرِعَ بينهما. وقِيلَ: يُقَدَّمُ مَن له مَزِيَّةٌ بإخْرَاجِ السَّبَقِ) [لأنَّه تَمَيَّزَ بذلك] (٢). وجُمْلَةُ

стр. 7190

وَإذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا فِي وَجْهٍ، بَدَأَ الْآخَرُ فِي الثَّانِي. ــ ذلك، أنَّه لا بُدَّ في المُناضَلَةِ مِن أن يَبْتَدِئَ أحَدُهما بالرَّمْي؛ لأنَّهما لو رَمَيا معًا أفْضَى إلى الاخْتِلافِ، ولم يُعْرَفِ المُصِيبُ منهما. فإن كان المُخْرِجُ أجْنَبِيًّا، قُدِّمَ مَن يَخْتارُه منهما، فإن لم يَخْتَرْ وتَشاحّا، أُقْرِعَ بينَهما، لأنَّهما تَساوَيا في اسْتحْقاقِ هذا، فصارا إلى القُرْعَةِ، كما لو تَنازَعَ المُتَقاسِمان في اسْتِحْقاقِ سَهْمٍ مُعَيَّنٍ، أو في المُبْتَدِئِ بالأخْذِ. وأيُّهما كان أحَقَّ بالتَّقْديمِ فبدَرَه الآخرُ فَرَمى، لم يُعْتَدَّ له بسَهْمِه، أصاب أم أخْطَأ. ٢٢٤٧ - مسألة: (وإذا بَدَأ أحَدُهما في وَجْهٍ، بَدَأ الآخَرُ في الثّانِي) تَعْدِيلًا بينَهما. فإن شَرَطا البَداءَةَ لأحَدِهما في كلِّ الوُجُوهِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ المُناضَلَةِ على المُساواةِ، وهذا تَفاضُلٌ، فإن فَعَلا ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ برِضاهما، جاز؛ لأنَّ البَداءَةَ لا أثَرَ لها في الإِصابَةِ، ولا في جَوْدَةِ الرَّمْي. وإن شَرَطا أن يَبْدَأَ كلُّ واحِدٍ منهما مِن (١) وَجْهَين مُتوالِيَين، جاز؛ لتَساويهما. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ اشْتِراط البَداءَةِ في كلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرْنا غيرَ لازِمٍ، ولا يُوثِّرُ في العَقْدِ؛ لأنَّه لا أثَرَ له في تَجْويدِ رَمْيٍ، ولا كَثْرَةِ إصابَةٍ، وكثِيرٌ مِن الرُّماةِ يَخْتارُ التَّأَخُّرَ على البِدايَةِ، فيكونُ وُجُودُ هذا الشَّرْطِ كعَدَمِه. وإذا رَمَى البادِئُ بسَهْمٍ، رَمَى الثانِي بسَهْمٍ كذلك،

стр. 7191

وَالسُّنَّةُ أنْ يَكُونَ لَهُمَا غَرَضَانِ، إذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا بِغرَضٍ، بَدَأَ الْآخَرُ بِالثَّانِي. ــ حتى يَقْضِيَا رَمْيَيهما؛ لأنَّ إطْلاقَ المُناضَلَةِ يقْتَضِي المُراسَلَةَ، ولأنَّه أقْرَبُ إلى التَّساوي، وأنْجَزُ للرَّمْيِ، لأنَّ أحَدَهما يُصْلِحُ قَوْسَه (١) ويَعْدِلُ سَهْمَه حتى يَرْمِيَ الآخَرُ. وإن رَمَيا سَهْمَين سَهْمَين، فحَسَنٌ. وإنِ اشْتَرَطا أن يَرْمِيَ أحَدُهما رِشْقَه، ثم يَرْمِيَ الآخَرُ، أو يَرْمِيَ أحَدُهما عَدَدًا، ثم يَرْمِيَ الآخَرُ مِثْلَه، جاز؛ لأنَّه لا يُؤثِّرُ في مَقْصودِ المُناضَلَةِ، وإن خالفَ مُقْتَضَى الإِطْلاقِ، كما يَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ في البَيعِ ما لا يَقْتَضِيه الإِطْلاقُ مِن النُّقُودِ والخِيارِ والأجَلِ، لَمّا كان غيرَ مانِعٍ مِن المَقْصُودِ. ٢٢٤٨ - مسألة: (والسُّنَّةُ أن يكونَ لهما غَرَضان) يَرْمِيان أحَدَهما، ثم يَمْضِيانِ إليه، فيَأْخُذان السِّهامَ يَرْمِيانِ الآخَرَ؛ لأنَّ هذا كان فِعْلَ أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «مَا بَيْنَ الغَرَضَينِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» (٢). وقال إبراهيمُ التيمِيُّ: رَأيتُ حُذَيفَةَ يَشْتَدُّ بينَ الهَدَفَين يقولُ: أنا بها (٣). في قَمِيصٍ. وعن ابنِ عُمَرَ مِثْلُ ذلك (٤). والهَدَفُ ما يُنْصَبُ الغَرَضُ عليه؛ إمّا تُرابٌ

стр. 7192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَجْمُوعٌ، أو حائِطٌ. ويُرْوَى أنَّ أصْحابَ رسولِ اللهِ ﷺ كانُوا يَشْتَدُّون بينَ الأغْراضِ يَضْحَكُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فإذا جاء اللَّيلُ كانُوا رُهْبانًا. فإن جَعَلُوا غَرَضًا واحِدًا، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ به، وهو عادَةُ أهْلَ عَصْرِنا. فصل: وإذا تَشاحّا في الوُقُوفِ، فإن كان المَوْضِعُ الذي طَلَبَه أحَدُهما أوْلَى، مثلَ أن يكونَ في أحَدِ المَوْقِفَين (١) يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ، أو رِيحًا يُؤْذِيه اسْتِقْبالُها، ونحوَ ذلك، والآخَرُ يَسْتَدْبِرُها، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَب اسْتِدْبارَها؛ لأنَّه العُرْفُ، إلَّا أن يكونَ في شَرْطِهما اسْتِقْبالُ ذلك، فالشَّرْطُ أوْلَى، كما لو اتَّفَقا على الرَّمي ليلًا. وإن كان المَوْقِفان سَواءً، كان ذلك إلى الذي يَبْدَأُ، فيَتْبَعُه الآخرُ، فإذا كان في الوَجْهِ الثانِي، وَقَف الثاني حيث شاءَ، ويَتْبَعُه الأوَّلُ. فصل: فإن أراد أحَدُهما التَّطْويلَ والتَّشاغُلَ عن الرَّمْي بما لا حاجَةَ إليه؛ مِن مَسْحِ القَوْسِ والوَتَرِ، ونحو ذلك، إرادَةَ التَّطْويلِ على صاحِبِه، لَعَلَّه يَنْسَى القَصْدَ الذي أصاب به أو يَفْتُرُ، مُنِع مِن ذلك، وطُولِبَ بالرَّمْي، ولا يُزْعَجُ بالاسْتِعْجالِ بالكُلِّيَّةِ، بحيث يُمْنَعُ مِن تحَرِّي الإِصابَةِ. ويُمْنَعُ كل واحِدٍ منهما مِن الكَلامِ الذي يَغِيظُ به صاحِبَه، مثلَ أن يَرْتَجِزَ، ويَفْتَخِرَ، ويَتَبَجَّحَ بالإِصابَةِ، ويُعَنِّفَ صاحِبَه على الخَطَأ،

стр. 7193

وَإِذَا أَطَارَتِ الرِّيحُ الْغَرَضَ، فَوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ، فَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمْ خَوَاصِلَ، احْتُسِبَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ خَوَاسِقَ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ وَلَا عَلَيهِ. ــ أو يُظْهِرَ (١) أنَّه يُعَلِّمُه. وهكذا الحاضِرُ معهما، مثلُ الأمِينِ والشّاهِدَين، يُكْرَهُ لهم مَدْحُ المُصِيبِ وتَعْنِيفُ المُخْطِئِ وزَجْرُه؛ لأنَّ فيه كَسْرَ قَلْبِ أحَدِهما وغَيظَه. ٢٢٤٩ - مسألة: (وإذا أطارَتِ الرِّيحُ الغَرَضَ، فوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ، فإن كان شَرْطُهما خَواصِلَ، احْتُسبَ) له (به) لعِلْمِنا أنَّه لو كان الغَرَضُ في مَوْضِعِه أصابَه. ٢٢٥٠ - مسألة: (وإن كَانَ) شَرْطُهما (خَواسِقَ، لم يُحْتَسَبْ له به، ولا عليه) وهذا قولُ أبي الخَطّابِ؛ لأنّا لا نَدْرِي هل يَثْبُتُ في الغَرَضِ إن كان مَوْجُودًا أو لا؟ وقال القاضي: يُنْظَرُ؛ فإن كانت صَلابَةُ الهَدَفِ كصَلابَةِ الغَرَضِ، فثَبَت في الهَدَفِ، احْتُسِبَ له به؛ لأنَّه

стр. 7194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لو بَقِيَ مَكانَه لثَبَتَ فيه، كثُبُوتِه في الهَدَفِ، وإن لم يَثْبُتْ فيه مع التَّساوي، لم يُحْتَسَبْ. وإن كان الهَدَفُ أصْلَبَ فلم يَثْبُتْ فيه، أو كان رِخْوًا، لم يُحْتَسَبِ السَّهْمُ له ولا عليه؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ هل كان يَثْبُتُ في الغَرَضِ لو بَقِيَ مَكانَه أو لا؟ وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. فإن وَقَع السَّهْمُ في غيرِ مَوْضِعِ الغَرَضِ، احْتُسِبَ به على رامِيه؛ لأنَّه أخْطَأَ، ولو وَقَع في الغَرَضِ في المَوْضِعِ الذي طار إليه، حُسِب عليه أيضًا، إلَّا أن يكونا اتَّفَقا على رَمْيِه في المَوْضِعِ الذي طار إليه. وكذلك الحُكْمُ إذا ألْقَتِ الرِّيحُ الغَرَضَ على وَجْهِه. فصل: إذا كان شَرْطُهما خَواصِلَ، فأصاب بنَصْلِ السَّهْمِ، حُسِب له كيف كان، فإن أصاب بعَرْضِه، أو بفُوقِه، نحوَ أن يَنْقَلِبَ السَّهْمُ بينَ يَدَي الغَرَضِ، فيُصِيبَ فُوقُه الغَرَضَ، لم يُعْتَدَّ به؛ لأنَّ هذا مِن سَيِّئِ الخَطَأ. فإنِ انْقَطَعَ السَّهْمُ قِطْعَتَين، فأصابَتِ القِطْعَةُ الأُخْرَى، لم يُعْتَدَّ به. وإن كان الغَرَضُ جِلْدًا خِيطَ عليه شَنْبَرٌ كَشَنْبَرِ المُنْخُلِ، وجَعَلا له عُرًى وخُيُوطًا تُعَلَّقُ به في العُرَى، فأصاب الشَّنْبَرَ أو العُرَى، نَظَرْتَ في شَرْطِهما؛ فإن شَرَطا إصابَةَ الغَرَضِ، اعْتُدَّ له؛ لأنَّ ذلك مِن الغَرَضِ، فأمّا المَعالِيقُ، وهي الخُيُوطُ، فلا يُعْتَدُّ له بإصابَتِها على كلا الشَّرْطَين؛ لأنَّها ليسَتْ مِنَ الجِلْدَةِ ولا مِنَ الغَرَضِ، فهي كالهَدَفِ. فصل: فإن كان شَرْطُهما خَواسِقَ، وهو ما ثَقَب الغَرَضَ وثَبَت فيه، فمتى أصاب الغَرَضَ بنَصْلِه وثَبَت فيه، احْتُسِبَ به. وإن خَدَشَه ولم يَثْقُبْه،

стр. 7195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يُحْتَسَبْ له، وحُسِب عليه. وإن مَرَق منه، احْتُسِبَ له به؛ لأنَّ ذلك لِقُوَّةِ رَمْيِه، فهو أبْلَغُ مِن الخاسِقِ، وإن خَرَقَه ووَقَع بينَ يَدَيه، احْتُسِبَ له به، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه ثَقَب ثَقْبًا يَصْلُحُ للخَسْقِ، وإنَّما لم يَثْبُتِ السَّهْمُ لسَبَبٍ آخَرَ، مِن سَعَةِ الثَّقْبِ أو غيرِه. والثانِي، لا يُحْتَسَبُ له. وهو أوْلَى؛ لأنَّ الخاسِقَ ما ثَبَت، وهذا لم يَثْبُتْ، وثُبُوتُه يكونُ لحِذْقِ الرّامِي، وقَصْدِه برَمْيِه ما اتَّفَقا عليه، إلَّا أن يكونَ امْتِناعُ السَّهْمِ مِن الثبوتِ لوُجُودِ ما يَمْنَعُ الثُّبُوتَ؛ مِن حَصاةٍ، أو حَجَرٍ، أو عَظْمٍ، أو أرْضٍ غَلِيظَةٍ، ففيه الوَجْهان أيضًا؛ إلَّا أنَّه إذا لم يُحْتَسَبْ له، لم يُحْتَسَبْ عليه؛ لكونِ العارِضِ مَنَعَه مِن الثُّبُوتِ، أشْبَهَ ما لو مَنَعَه عارِضٌ مِن الإصابَةِ. فإنِ اخْتَلَفا في وُجُودِ العارِضِ؛ فإن عُرِف مَوْضِعُ الثَّقْبِ باتِّفاقِهما أو بَيِّنَةٍ، نُظِر في المَوْضِعِ؛ فإن لم يكنْ فيه ما يَمْنَعُ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ، وإن كان فيه ما يَمْنَعُ، فالقولُ قولُ المُدَّعِي، بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ الحال تَشْهَدُ بصِدْقِ ما ادَّعاه. وإن لم يَعْلَما مَوْضِعَ الثَّقْبِ، إلَّا أنَّهما اتَّفَقا على أنَّه خَرَق الغَرَضَ، ولم يكنْ وراءَه شيءٌ [يَمْنَعُ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ بغيرِ يَمِينٍ أيضًا؛ لأنَّه لا مانِعَ. وإن كان وراءَه ما يَمْنَعُ] (١)، وادَّعَى المُصابُ عليه أنَّه لم يكنِ السَّهْمُ في مَوْضِع وراءَه ما يَمْنَعُ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِصابَةِ مع احْتِمالِ ما يَقُولُه المُصِيبُ. وإن أنْكَرَ أن يكونَ خَرَق، فالقولُ قَوْلُه أيضًا مع يَمِينِه؛ لِما ذَكَرْنا.

стр. 7196

وَإنْ عَرَضَ عَارِضٌ؛ مِنْ كَسْرِ قَوْسٍ، أَوْ قَطْعِ وَتَرٍ، أَوْ رِيحٍ ــ فصل: إذا شَرَطا خاسِقًا، فوَقَعَ السَّهْمُ في ثَقْبٍ في الغَرَضِ، أو مَوْضِعٍ بالٍ، فثَقَبَه وثَبَت في الهَدَفِ مُعَلَّقًا في الغَرَضِ؛ فإن كان الهَدَف صُلْبًا كصَلابَةِ الغَرَضِ، حُسِب له؛ لأنَّه عُلِم أنَّه لو كان الغَرَضُ صَحِيحًا، لثَبَتَ فيه، وإن كان الهَدَفُ تُرابًا أُهِيلَ، لم يُحْتَسَبْ له ولا عليه؛ لأنا لا نَعْلَمُ هل كان يَثْبُتُ في الغَرَضِ لو أصاب مَوْضِعًا منه قَويًّا أو لا؟ وإن صادَفَ السَّهْمَ في ثَقْبٍ في الغَرَضِ قد ثَبَت في الهَدَفِ مع قِطْعَةٍ مِن الغَرَضِ؛ فقال. الرّامِي: خَسَقْتُ، وهذه الجِلْدَةُ قَطَعَها سَهْمِي لشِدَّةِ الرَّمْيَةِ. فأنْكَرَ الآخرُ، وقال: بل كانت مَقْطُوعَةً. فإن عُلِم أنَّ الغَرَضَ كان صَحِيحًا، فالقولُ قولُ الرّامِي، وإنِ اخْتَلَفا، فذَكَرَ القاضي أنَّها كالتي قبلَها؛ إن كانْ الهدَفُ رِخْوًا [لم يُعْتَدَّ به] (١)، وإن كان قَويًّا صُلْبًا اعْتُدَّ به. وإن وَقَع سَهْمُه في سَهْمٍ ثابِتٍ في الغَرَضِ، اعْتُدَّ له به إن كان شَرْطُهما خَواصِلَ، وإن كان خَواسِقَ، لم يُحْتَسَبْ له ولا عليه؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ يَقِينًا أنَّه لولا فُوقُ السَّهْمِ الثّابِتِ لخَسَقَ. وإن أصابَ السَّهْمَ ثم سَبَح عنه فخَسَقَ، احْتُسِبَ له به. ٢٢٥١ - مسألة: (وإن عَرَض عارِضٌ؛ مِن كَسْرِ قَوْسٍ، أو

стр. 7197

شَدِيدَةٍ، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيهِ بِالسَّهْمِ. ــ قَطْعِ وَتَرٍ، أو رِيحٍ شَدِيدَةٍ، لم يُحْتَسَبْ عليه بالسَّهْمِ) إذا أخْطَأ لعارِضٍ ممّا ذَكَرْنا، أو حَيَوانٍ اعْتَرَضَ بينَ يَدَيه، أو رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَرُدُّ السَّهْمَ عَرْضًا، لم يُحْتَسَبْ عليه بذلك السَّهْمِ؛ لأنَّ خَطَأَه للعارِضِ، لا لسُوءِ رَمْيِه. قال القاضي: ولو أصاب لم يُحْتَسَبْ له، لأنَّه إذا لِم يُحْتَسَبْ عليه، لم يُحْتَسَبْ له؛ لأنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ كما يَجُوزُ أن تَصْرِف الرَّمْيَ الشَّدِيدَ فيُخْطِيء، يجوزُ أن تَصْرِفَ السَّهْمَ المُخْطِئَ عن خَطَئِه فيَقَعَ مُصِيبًا، فتكونَ إصابَتُه بالرِّيحِ، لا بحِذْقِ رَمْيِه. فأمّا إن وَقَع السَّهْمُ في حائِلٍ بينَه وبينَ الغَرَضِ فمَرَقَه وأصاب الغَرَضَ، حُسِب له، لأنَّ إصابَتَه لسَدادِ رَمْيِه، ومُروقَه لقُوَّتِه، فهو أوْلَى مِن غيرِه. وإن كانتِ الرِّيحُ لَيِّنَةً لا تَرُدُّ السَّهْمَ عادَةً، لم يُمْنَعْ، لأنَّ الجَوَّ لا يَخْلُو مِن رِيحٍ، ولأنَّ الرِّيحَ اللَّيِّنةَ لا تُوثِّرُ إلَّا في الرَّمْي الرِّخْو الذي لا يُنْتَفَعُ به. فصل: إذا قال رجلٌ لآخَرَ: ارْمِ هذا السَّهْمَ، فإن أصَبْتَ به فلك

стр. 7198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دِرْهَمٌ. صَحَّ، وكان جَعالةً؛ لأنَّه بَذَل مالًا في فِعْل له فيه غَرَضٌ (١) صَحِيحٌ، ولم يكُنْ نِضالًا؛ لأنَّ النِّضال يكونُ بينَ اثْنَين أو جَماعَةٍ على أن يَرْمُوا جَمِيعًا، ويكونُ الجُعْلُ لبَعْضِهم إذا كان سابِقًا. وإن قال: إن أصَبْتَ به فلك دِرْهَمٌ، وإن أخْطَأْتَ فعليك دِرْهَمٌ (٢). لم يَصحَّ، لأنَّه قِمارٌ. وإن قال: ارْمِ عَشَرَةَ أسْهُمٍ، فإن كان صَوابُك أكْثَرَ مِن خَطَئِك، فلك دِرْهَم. صَحَّ؛ لأنَّه جَعَل الجُعْلَ في مُقابَلَةِ إصابَةٍ مَعْلُومَةٍ، فإنَّ أكثَرَ العَشرَةِ أقَلُّه سِتَّةٌ، وليس ذلك مَجْهُولًا؛ لأنَّه بالأقَلِّ يَسْتَحِقُّ الجُعْلَ. وإن قال: إن كان صَوابُك أكْثَرَ، فلك بكلِّ سَهْمٍ أصَبْتَ به دِرْهَمٌ. صَحَّ. وكذلك إن قال: ارْمِ عَشَرَةً ولك بكلِّ سَهْمٍ أصَبْتَ به منها دِرْهَمٌ. أو قال: فلك بكلِّ سَهْمٍ زائِدٍ على النِّصْفِ مِن المُصِيباتِ دِرْهَمٌ (٣). لأن الجُعْلَ مَعْلُومٌ بتَقْدِيرِه بالإِصابَةِ، فأشْبَهَ ما لو قال: اسْتَقِ لي مِن هذا البئْرِ، ولك بكل دَلْوٍ تَمْرَةً. أَو قال: مَن رَدَّ عَبْدًا مِن عَبِيدِي، فله بكلِّ عَبْدٍ درْهَمٌ. وإن قال: إن كان خَطَؤُك أكْثَرَ، فعليك درْهَمٌ. أو نحوَ هذا، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه قِمارٌ. وإن قال: ارْمِ عَشَرَةً، فإن أخْطَأْتَها فعليك دِرْهَمٌ. أو نحوَ هذا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الجُعْلَ يكونُ في مُقابَلَةِ عَمَل، ولم يُوجَدْ مِن المُقابِلِ (٤) عَمَلٌ فيَسْتَحِقُّ به شيئًا. وكذلك (٥) لو قال الرّامِي لأجْنَبِيٍّ:

стр. 7199

وَإنْ عَرَضَ مَطَرٌ أوْ ظُلْمَةٌ، جَازَ تَأْخِيرُ الرَّمْي. ــ إن أخْطَأْتَ فلك دِرْهَمٌ. لم يَجُزْ؛ لذلك. فصل: وإن شَرَطا أن يَرْمِيا أرْشاقًا كَثِيرَةً، جاز؛ لأنَّه إذا جاز على القَلِيلِ جاز على الكَثِيرِ، ولا بُدَّ أن تكونَ مَعْلُومَةً. فإن شَرَطا أن يَرْمِيا منها كلَّ يَوْم قَدْرًا اتَّفَقا عليه، جاز؛ لأنَّ الغَرَضَ في ذلك صَحِيحٌ، فإنَّهما أو أحَدَهما قد يَضْعُفُ عن الرَّمْي كلِّه مع حِذْقِه. وإن أطْلَقا العَقْدَ، جاز، وحُمِل على التَّعْجِيلِ والحُلُولِ، كسائِرِ العُقُودِ، فيَرْمِيان مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِه، إلَّا أن يَعْرِضَ عُذْرٌ يَمْنَعُ؛ مِن مَرَضٍ، أو عُذْرٍ، كرِيحٍ تُشَوِّشُ السِّهامَ، أو لحاجَةٍ إلى طَعامٍ أو شَرابٍ أو صلاةٍ أو قَضاءِ حاجَةٍ؛ لأنَّ هذه مُسْتَثْناةٌ بالعُرْفِ. وإذا جاء اللَّيلُ تَرَكاه؛ لأنَّ العادَةَ تَرْكُ الرَّمْي بالليلِ، فحُمِلَ العَقْدُ عليه مع الإطْلاقِ، إلَّا أن يَشْتَرِطاه ليلًا، فيَلْزَمَ. فإن كانَتِ اللَّيلَةُ مُقْمِرَةً مُنِيرَةً، اكْتَفِيَ بذلك، وإلَّا رَمَيَا في ضَوْءِ شَمْعَةٍ أو مِشْعَلٍ. ٢٢٥٢ - مسألة: (وإن عَرَض مَطرٌ أو ظُلْمَةٌ، جاز تَأْخِيرُ الرَّمْي) لأنَّ المَطَرَ يُرْخِي الوَتَرَ ويُفْسِدُ الرِّيشَ. وإن عَرَض ظُلْمَةٌ، كمَجِئِ اللَّيلِ، تَرَكا الرَّمْيَ إلى الغَدِ؛ لأنَّ العادَةَ الرَّمْيُ نَهارًا، إلَّا أن يَشْتَرِطا الرَّمْيَ ليلًا، فيَأخُذُ أحَدُهما صاحِبَه بذلك، وقد ذَكَرْناه في الفَصْلِ قبلَه.

стр. 7200

وَيُكْرَهُ لِلْأَمِينِ وَالشُّهُودِ مَدْحُ أَحَدِهِمَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ. ــ ٢٢٥٣ - مسألة (١): (ويُكْرَهُ للأمِينِ والشهُودِ مَدْحُ أحَدِهما) وزَهْزَهَتُه (٢) إذا أصاب، وعَيبُه إذا أخْطَأ (لِما فيه مِن كَسْرِ قَلْبِ صاحِبِه) وقد ذَكَرْناه.

стр. 7201

كِتَابُ العَارِيَّةِ ــ كِتَابُ العارِيّةِ وهي مُشْتَقَّةٌ مِن عارَ الشيءُ: إذا ذَهَب وجاءَ. ومنه قِيلَ للبَطَّالِ: عَيَّارٌ؛ لِتَرَدُّدِه في بَطَالتِه. والعَرَبُ تقولُ: أعَاره وعَارَه. مثلَ أطَاعَه وطَاعَه. وهي إباحَةُ الانْتِفاعِ بعَين مِن أعْيانِ المالِ. والأصْلُ فيها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أما الكِتابُ فقَوْلُه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١). رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ قالا: العَوَارِيُّ. وفَسَّرَها ابنُ مسعودٍ، قال: القِدْرُ والمِيزانُ والدَّلْوُ. وأما السُّنَّةُ فرُويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال في خُطْبَتِه في حَجَّةِ الوَدَاعَ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالدَّينُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» (٢). قال التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وروَى صَفْوانُ بنُ أمَيَّةَ أنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَعارَ منه أدْراعًا يَوْمَ حُنَينٍ، فقال: أغَصْبًا يا محمدُ؟ قال: «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ». رَواه أبو داودَ (٣). وأجْمَعَ المُسْلِمون على جَوازِ العارِيّةِ واستِحْبابِها. ولأنَّه لمّا جازَتْ هِبَةُ الأعْيانِ، جازَت هِبَةُ المَنافِعِ، ولذلك

стр. 7202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَحَّتِ الوَصِيَّةُ بالأعْيانِ والمَنافِعِ جَمِيعًا. وهي مَنْدُوبٌ إليها غيرُ واجِبَةٍ في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقِيلَ: هي واجِبَةٌ؛ للآيَةِ، ولِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّها». الحديث. قيل: يا رسولَ اللهِ، وما حَقُّهَا؟ قال: «إعَارَةُ دَلْوهَا، وَإطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَمِنْحَةُ لَبَنِهَا يَوْمَ وُرُودِهَا» (١). فذَمَّ الله تَعالى مانِعَ العارِيّةِ، وتَوَعَّدَهُ رسولُ اللهِ ﷺ بما ذَكَره في خَبَرِه. ولنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «إذَا أَدَّيتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيتَ مَا عَلَيكَ». رَواه ابنُ المُنْذِرِ (٢). ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لَيسَ في المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» (٣). وفي حَدِيثِ الأعرابِيِّ الذي سَألَ النبيَّ ﷺ : ماذا فَرَض اللهُ عَلَيَّ مِن الصَّدَقَةِ؟ أو قال: «الزَّكَاة». قال: هل عَلَيَّ غَيرُها؟ قال: «لَا، إلَّا أنْ تَتَطَوَّعَ شَيئًا» (٤). أو كما قال. والآيَة فَسَّرَها ابنُ عُمَرَ والحَسَنُ بالزَّكَاةِ، وكذلك زَيدُ بنُ أسْلَمَ. وقالْ عِكْرِمَةُ: إذا جَمَعَ ثلاثتَها فله الوَيلُ، إذا

стр. 7203

وَهِيَ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، تَجُوزُ فِي كُلِّ الْمَنَافِعِ إلا مَنَافِعَ الْبُضْعِ. ــ سَهَا عن الصلاةِ ورَاءَى ومَنَعَ المَاعُونَ. فصل: ولا تَجُوزُ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في المالِ، أشْبَهَ البَيعَ. وتَنْعَقِدُ بكلِّ لَفْظٍ أو فِعْلٍ يَدُلُّ عليها؛ كقولِه: أعَرْتُكَ هذا. أو يَدْفَعُ إليه شيئًا ويقولُ: أَبَحْتُكَ الانْتِفاعَ به. أو: خُذْ هذا فانْتَفِعْ به. أو يقولُ: أَعِرْنِي هذا. أو: أعْطِنِيه أَرْكَبْه، أو أحْمِلْ عليه. فيُسَلِّمُه (١) إليه. وأَشْباهُ هذا؛ لأنَّه إباحَةٌ للتَّصَرُّفِ، فصَحَّ بالقَوْلِ والفِعْلِ الدَّالِّ عليه، كإباحَةِ الطَّعَامِ بقَوْلِه وتَقْدِيمِه إلى الضَّيفِ. ٢٢٥٤ - مسألة: (وهي هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، تَجُوزُ في كلِّ المَنافِعِ إلَّا مَنافِعَ البُضْعِ) تَجُوزُ إعارَةُ كلِّ عَين يُنْتَفَعُ بها مَنْفَعَةً مُباحَةً مع بَقائِها على الدَّوَامِ؛ كالدُّورِ، والعَبِيدِ، والجَوَارِي، والدَّوَابِّ، والثِّياب، والحَلْي لِلُّبْسِ، والفَحْلِ للضِّرابِ، والكَلْبِ للصَّيدِ، وغيرِ ذلك؛ لَأنَّ

стр. 7204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبيَّ ﷺ اسْتَعارَ أدْراعًا، وذَكَر إعارَةَ دَلْوها وفَحْلِها. وذَكَر ابنُ مسعودٍ عارِيَّةَ القِدْرِ والمِيزانِ، فثَبَتَ الحُكْمُ في هذه الأشياءِ، وما عداها يُقاسُ عليها إذا كان في مَعْناها. ولأنَّ ما جازَ للمالِكِ اسْتِيفاؤُه مِن المَنافعِ، مَلَكَ إباحَتَه إذا لم يَمْنَعْ منه مانِعٌ، كالثِّيابِ. ويَجُوزُ اسْتِعارَة الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ للوَزْنِ، فإن اسْتَعارَها ليُنْفِقَها، فهو قَرْضٌ. وهذا قولُ أصحابِ الرأي. وقيلَ: لا يَجُوز ذلك، ولا تكونُ العارِيَّة في الدَّنانيرِ،

стр. 7205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وليس له أن يَشْتَرِيَ بها شيئًا. ولنا، أنَّ هذا مَعْنى القَرْضِ، فانْعَقَدَ القَرْضُ به، كما لو صَرَّحَ به. فأما مَنافِعُ البُضْعِ فلا تُسْتَباحُ بالبَذْلِ ولا بالإِباحَةِ إجْماعًا، وإنَّما يُباحُ بأحَدِ شَيئَينِ؛ الزَّوْجِيّةِ، ومِلْكِ اليَمِينِ، قال الله سبحانَه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١). ولأنَّ مَنافِعَ البُضْعِ لو أُبِيحَتْ بالبَذْلِ والعارِيَّةِ لم يُحَرَّمِ الزِّنَى؛ لأنَّ الزَّانِيَةَ تَبْذُلُ نَفْسَها (٢) له، والزَّانِي مِثْلُها.

стр. 7206

وَلَا تَجُوزُ إِعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ. وَتُكْرَهُ إِعَارَةُ الْأَمَةِ الشَّابَّةِ لِرَجُلٍ غَيرِ مَحْرَمِهَا، ــ ٢٢٥٥ - مسألة: (ولا تَجُوزُ إعَارَةُ العَبْدِ المُسْلِمِ لكافِرٍ) لأنَّه لا يَجُوزُ تَمْكِينُه مِن اسْتِخْدامِه، فلم تَجُزْ عارِيَّتُه لذلك. ولا تَجُوزُ إعارَةُ الصَّيدِ لمُحْرِمٍ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له إمْسَاكُه. ٢٢٥٦ - مسألة: (وتُكْرَهُ إعارَةُ الأَمَةِ الشّابَّةِ لرجلٍ غيرِ مَحْرَمِها) إن كان يَخْلُو بها، أو (١) يَنْظُرُ إليها؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ عليها. فإن

стр. 7207

وَاسْتِعَارَةُ وَالِدَيهِ لِلْخِدْمَة. ــ كانت شَوْهاءَ، أو كَبِيرةً، فلا بَأْسَ؛ لأنَّها لا يُشْتَهَى مِثْلُها. وتَجُوزُ إعارَتُها لامْرأةٍ، ولذي مَحْرَمِها؛ لعَدَمِ ذلك. ولا تَجُوزُ إعارَةُ العَينِ لنَفْع مُحَرَّم، كإعارَةِ الدّارِ لمَن يَشْرَبُ فيها الخَمْرَ، أو يَبِيعُه، أو يَعْصِي اللهَ تعالى فيها، ولا إعارَةُ عَبْدٍ للزَّمْرِ، أو ليَسْقِيَه (١) الخَمْرَ، أو يَحْمِلَها إليه، أو يَعْصِرَها، ونَحْو ذلك؛ لأنَّه إعانَةٌ على المُحَرَّمِ. ٢٢٥٧ - مسألة: (واسْتِعارَةُ والِدَيه للخِدْمةِ) [ يُكْرَهُ أن يَسْتَعِيرَ والِدَيه لخِدْمَتِه] (٢)؛ لأنَّه يُكْرَهُ اسْتِخْدامُهما، فكُرِهَ اسْتِعارَتُهُما لذلك.

стр. 7208

وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ، مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ بِشَيْءٍ يَسْتَضِرُّ الْمُسْتَعِيرُ بِرُجُوعِهِ. ــ ٢٢٥٨ - مسألة: (وللمُعِيرِ الرُّجُوعُ) فيها (متى شاءَ، ما لم يَأْذَنْ في شَغْلِها بشيءٍ يَسْتَضِرُّ المُسْتَعِيرُ برُجُوعِه) تَجُوزُ العارِيَّةُ مُطْلَقَةً ومُؤقَّتَةً؛ لأنها إباحَةٌ، فأشْبَهَتْ إباحَةَ الطَّعامِ. وللمُعِيرِ الرُّجُوعُ فيها متى شاءَ، سَواءٌ كانت مُطْلَقَةً أو مُؤقَّتةً. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيّ. وقال مالكٌ: إن كانت مُؤَقَّتةً، فليس له الرُّجُوعُ قبلَ الوَقْتِ، وإن لم تُؤقَّتْ له مُدَّة، لَزِمَه تَرْكُه مُدَّةً يُنْتَفَعُ بها في مِثْلِها؛ لأنَّ المُعِيرَ قد مَلَّكَه المَنْفَعَةَ مُدَّةً، وصارتِ العَينُ في يَدِه بعَقْدٍ مُباحٍ، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فيها بغيرِ رِضَا المالكِ، كالعَبْدِ المُوصَى بخِدْمَتِه والمُسْتَأْجَرِ. ولَنا، أنَّ المَنافِعَ

стр. 7209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُسْتَقْبَلَةَ لم تَحْصُلْ في يَدِه، فلمِ يَمْلِكْها بالإِعارَةِ، كما لو لم تَحْصُلِ العَينُ في يَدِه، ولأنَّ المَنافِعَ إنَّما تُسْتَوْفى شيئًا فشيئًا، فكُلَّما اسْتَوْفَى مَنْفعَةً فقد قَبَضَها، والذي لم يَسْتَوْفِه لم يَقْبِضْه، فجازَ الرُّجُوعُ فيه، كالهِبَةِ قبلَ القَبْضِ. وأمَّا العَبْدُ المُوصَى بخِدْمَتِه، فللمُوصِي الرُّجُوعُ، ولم يَمْلِكِ الوَرَثَةُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ التبرعَ مِن غيرِهم، وأما المُسْتَأْجَرُ، فهو مَمْلُوكٌ بِعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فيَلْزَمُ، بخِلافِ مسألتِنا. ويَجُوزُ للمُسْتَعِيرِ الرَّدُّ متى شاء. بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه إباحَةٌ، فكان لمَن أُبِيحَ له تَرْكُه، كإبَاحةِ الطَّعامَ.

стр. 7210

مِثْلَ أَنْ يُعيِرَهُ سَفِينَةً لِحَمْلِ مَتَاعِهِ، فَلَيسَ لَهُ الرُّجُوعُ مَا دَامَتْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ. وَإنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلدَّفْنِ، لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَبْلَى الْمَيتُ. ــ ٢٢٥٩ - مسألة: فإن أذِنَ له في شَغْلِه بشيءٍ يَسْتَضِرُّ المُسْتَعِيرُ برُجُوعِه فيه، لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ؛ لما فيه مِن الإِضْرارِ بالمُسْتَعِيرِ (مثلَ أن يُعِيرَهُ سَفِينَةً لحَمْلِ مَتاعِه) أو لَوْحًا يَرْقَعُ به سَفِينةً، فرَقَعَها به ولَجَّجَ في البَحْرِ (لم يَجُزِ الرُّجُوعُ ما دامَتْ في لُجَّةِ البَحْرِ) لذلك، وله الرُّجُوعُ قبلَ دُخُولِها في البَحْرِ، وبعدَ الخُرُوجِ منه؛ لعَدَمِ الضَّرَرِ. ٢٢٦٠ - مسألة: (وإن أعارَه أرْضًا للدَّفنِ، لم يَرْجِعْ حتى يَبْلَى المَيتُ) وله الرُّجُوعُ فيها قبلَ الدَّفْنِ، وليس له الرُّجُوعُ بعدَ الدَّفْنِ حتى يَصِيرَ المَيتُ رَمِيمًا. قاله ابنُ البَنَّا.

стр. 7211

وَإنْ أعَارَهُ حَائِطًا لِيَضَع عَلَيهِ أطْرَافَ خَشَبِهِ، لَمْ يَرْجِعْ مَا دَامَ عَلَيهِ، فَإنْ سَقَطَ عَنْهُ لِهَدْمٍ أَوْ غَيرِهِ، لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ. ــ ٢٢٦١ - مسألة: (وإن أعارَه حائِطًا ليَضَعَ عليه أطْرافَ خَشَبِه، لم يَرْجِعْ ما دامَ عليه) إذا أعارَه حائِطًا ليَضَعَ عليه أطْرافَ خَشَبِه، جازَ، كما تَجُوزُ إعارَةُ الأرْضِ للغِراسِ والبِنَاءِ، وله الرُّجُوعُ قبلَ الوَضْعِ، وبعدَه، ما لم يَبْنِ عليه؛ لأنَّه لا ضَرَرَ عليه فيه، فإن بَنَى عليه لم يَجُزِ الرجُوعُ، لِما في ذلك مِن هَدْمِ البِنَاء. وإن قال: أنا أدْفَعُ إليك ما يَنْقُصُ بالقَلْعِ. لم يَلْزَمِ المُسْتَعِيرَ ذلك؛ لأَنَه إذا قَلَعَه انْقَلَعَ ما في مِلْكِ المُسْتَعِيرِ منه. ولا يَجِبُ على المُسْتَعِيرِ قَلْعُ شيءٍ مِن مِلْكِه بضَمانِ القِيمةِ. ٢٢٦٢ - مسألة: (وإن سَقَط عنه لهَدْم أو غيرِه، لم يَمْلِكْ رَدَّه) سَواءٌ بَنَى الحائِطَ بِآلَتِه أو بغيرِها؛ لأنَّ العارِيّةَ لا تَلْزَمُ، وإنَما امْتَنَعَ الرُّجُوعُ قبلَ انْهِدامِه؛ لِما فيه مِن الضرَرِ بالمُسْتَعِيرِ بإزَالةِ المَأذُونِ في وَضْعِه، وقد زال ذلك بانْهِدامِه، وسَواءٌ زال الخَشَبُ عنه بذلك، أو أزَاله المُسْتَعِيرُ باخْتِيارِه، وكذلك لو زال الخَشَبُ والحائِطُ بحالِه.

стр. 7212

وَإنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزَّرْعِ، لَمْ يَرْجِع إلَى الْحَصَادِ، إلا أنْ يَكُونَ مِمَّا يُحْصَدُ قَصِيلًا فَيَحْصُدَهُ. وَإنْ أَعَارَهَا لِلْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ، وَشَرَطَ ــ ٢٢٦٣ - مسألة: (وإن أعَارَه أرْضًا للزَّرْعِ، لم يَرْجِعْ إلى الحَصَادِ، إلَّا أن يكونَ مِمّا يُحْصَدُ قَصِيلًا فيَحْصُدَه) إذا أعارَه أرْضًا للزَّرْعِ، فله الرُّجُوعُ فيها ما لم يَزْرَعْ، فإذا زَرَع، لم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فيها إلى أن يَنْتَهِيَ الزَّرْعُ. فإن بَذَل المُعِيرُ له قِيمةَ الزَّرْعِ ليَمْلِكَه، لم يكنْ له ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ له وَقْتًا يَنْتَهِي إليه. فإن كان مِمّا يُحْصَدُ قَصِيلًا، فله الرُّجُوعُ في وَقْتِ إمْكانِ حَصادِه؛ لعَدَمِ الضَّرَرِ فيه. ٢٢٦٤ - مسألة: (وإن أعارَها للْغَرْسِ وَالبِنَاءِ، وشَرَطَ عليه القَلْعَ

стр. 7213

عَلَيهِ الْقَلْعَ فِي وَقْتٍ أوْ عِنْدَ رُجُوعِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، لَزِمَهُ الْقَلْعُ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْويَةُ الْأرْضِ إلا بِشَرْطٍ. ــ في وَقْتٍ أو عندَ رُجُوعِه، ثم رَجَع، لَزِمَه القَلْعُ) لقولِ النبيِّ ﷺ «المُؤمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١). حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ولأنَّ العارِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ غيرُ مُطْلَقَةٍ، فلم تَتَناوَلْ ما عدا المُقَيَّدَ؛ لأنَّ المُسْتَعِيرَ دَخَل في العارِيَّةِ راضِيًا بالْتزامِ الضَّرَرِ الدّاخِلِ عليه بالقَلْعِ، وليس على صاحِبِ الأرْضِ ضَمانُ نَقْصِه. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. فأما تَسْويَةُ الحُفَرِ، فإن كانت مَشْرُوطَةً عليه، لَزِمَه؛ لِما ذَكَرْنا، وإلَّا لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه رَضِيَ بضَرَرِ القَلْعِ مِن الحَفْرِ ونَحْوه، بشَرْطِ القَلْعِ.

стр. 7214

وإنْ لَمْ يَشْرُطْ عَلَيهِ الْقَلْعَ، لَمْ يَلْزَمْهُ، إلَّا أنْ يَضْمَنَ لَهُ الْمُعِيرُ النَّقْصَ. فَإِنْ قَلَعَ، فَعَلَيهِ تَسْويَةُ الْأَرْضِ، ــ ٢٢٦٥ - مسألة: (وإن لم يَشْتَرِطِ القَلْعَ، لم يَلْزَمْه، إلَّا أن يَضْمَنَ له المُعِيرُ النَّقْصَ) إذا لم يَشْتَرِطِ المُعِيرُ القَلْعَ، لم يَلْزَمِ المُسْتَعِيرَ القَلْعُ؛ لِما فيه مِن الضَّرَرِ عليه، فإن ضَمِن له النَّقْصَ، لَزِمَه؛ لأنَّه رُجُوعٌ في العارِيَّةِ مِن غيرِ إضْرارٍ (فإن قَلَع، فعليه تَسْويَةُ الأرْضِ) وكذلك إنِ اخْتارَ أخْذَ بِنائِه وغِراسِه، فإنَّه يَمْلِكُه، فمَلَكَ نَقْلَه؛ لأنَّ القَلْعَ باخْتِيارِه، لو امْتَنَعَ منه لم يُجْبَرْ عليه، [ولأنَّه] (١) قَلَعَه لِاسْتِخْلاصِ مِلْكِه مِن مِلْكِ غيرِه، فلَزِمَتْه التَّسْويةُ، كالشَّفِيعِ إذا أخَذَ غَرْسَه. وقال القاضِي (٢): لا يَلْزَمُه ذلك؛ لأنَّ المُعِيرَ رَضِيَ بذلك حيثُ أعارَه مع عِلْمِه بأنَّ له قَلْعَ غَرْسِه الذي لا يُمْكِنُ إلَّا بالحَفْرِ.

стр. 7215

وَإنْ أَبَى الْقَلْعَ، فَلِلْمُعِيرِ أَخْذُهُ بقِيمتِهِ، ــ ٢٢٦٦ - مسألة: (فإن أبَى القَلْعَ) في الحالِ التي لا يُجْبَرُ عليه فيها، فبَذَل له المُعِيرُ قِيمَةَ الغِرَاسِ والبِنَاءِ ليَمْلِكَه، أُجْبِرَ المُسْتَعِيرُ عليه، كالشَّفِيعِ مع المُشْتَرِي، والمُؤجِرِ مع المُسْتَأْجِرِ. فإن قال المُسْتَعِيرُ: أنا أدْفَعُ قِيمَةَ الأرضِ لتَصِيرَ لي. لم يَلْزَمِ المُعِيرَ؛ لأنَّ الغِراسَ والبِنَاءَ تاجٌ، والأرْضَ أَصلٌ، ولذلك يَتْبَعُها الغِرَاسُ والبنَاءُ في البَيعَ، ولا تَتْبَعُهُما. وبهذا كلِّه قال الشافعيُّ. وقال أَبو حنيفةَ، ومالكٌ: يُطالِبُ المُسْتَعِيرَ بالقَلْعِ مِن غيرِ ضَمانٍ، إلَّا أن يكونَ أعارَه مُدّةً مَعْلُومةً فرَجَعَ قبلَ انْقِضائِها؛ لأنَّ المُعِيرَ لم يَغُرَّه، فكان عليه القَلْعُ، كما لو شَرَطه عليه. ولَنا، أنَّه بَنَى وغَرَسَ بإذْنِ المُعِيرِ مِن غيرِ شَرْطِ القَلْعِ، فلم يَلْزَمْه القَلْعُ مِن غيرِ ضَمانٍ، كما لو طالبَه قبلَ انْقِضاءِ الوَقْتِ. وقولُهم: لم يَغُرَّه. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الغِراسَ والبِنَاءَ يُرادُ للتَّبْقِيَةِ، وتَقْدِيرُ المُدَّةِ يَنْصَرِفُ إلى ابْتِدائِه، كأنَّه قال: لا تَغْرِسْ بعدَ هذه المُدَّةِ.
следующие страницы →