وَإِنْ جَنَى عَلَيهِ غَيرُ الْغَاصِبِ، فَلَهُ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ بأَكْثَرِ الْأَمْرَينِ، وَيَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَهُ تَضْمِينُ الْجَانِي أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَتَضْمِينُ الْغَاصِبِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّقْصِ.
ــ
٢٣٠٩ - مسألة: (وإن جَنَى عليه غيرُ الغاصِبِ، فله تَضْمِينُ الغاصِبِ أكْثَرَ الأَمْرَين، ويَرْجِعُ الغاصِبُ على الجانِي بأرْشِ الجِنايَةِ، وله تَضمِينُ الجانِي أَرْشَ الجِنايَةِ، وتَضْمِينُ الغاصِبِ ما بَقِيَ مِن النَّقْصِ) إذا غَصَب عَبْدًا فقَطَعَ آخَرُ يَدَه، فللمالِكِ تَضْمِينُ مَن شاءَ منهما؛ لأنَّ الجانِيَ قَطَع يَدَه، والغاصِبَ حَصَل النَّقْصُ في يَدِه، فإن ضَمَّنَ الجانِيَ ضَمَّنَه نِصْفَ القِيمَةِ لا غيرُ، ولم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّه لم يُضَمِّنْه أكْثَرَ مِمَّا وَجَب عليه، ويَضْمَنُ الغاصِبُ ما زادَ على نِصْفِ القِيمَةِ إن نَقَص أَكْثَرَ مِن النِّصْفِ، ولا يَرْجعُ على أحَدٍ. وإن قُلْنا: ضَمانُ الغَصْبِ ضَمانُ الجِنايَةِ. أو لم يَنْقُصْ أكْثَرَ مِن نِصْفِ قِيمَتِه. لم يَضْمَنِ الغاصِبُ ها هنا شيئًا. وإنِ اخْتارَ
стр. 7318
وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَخَصَاهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ قِيمَتِهِ. وَعَنْهُ، فِي عَينِ الدَّابَّةِ مِنَ الْخَيلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ رُبْعُ قِيمَتِهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
ــ
تَضْمِينَ الغاصِبِ وقُلْنا: إنَّ ضَمانَ الغَصْبِ (١) كضَمانِ الجِنايَةِ. ضَمَّنَه نِصْفَ القِيمَةِ، ورَجَع بها الغاصِبُ على الجانِي؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل بفِعْلِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه. وإن قُلْنا: إنَّ ضَمانَ الغَصْبِ بما نَقَص. فَلِرَبِّ العَبْدِ تَضْمِينُه بأكْثَرِ الأمْرَينِ؛ لأنَّ ما وُجِدَ في يَدِه فهو في حُكْمِ المَوْجُودِ منه، ثم يَرْجِعُ الغاصِبُ على الجانِي بنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّها أَرْشُ جِنايَتِه، فلا يَجِبُ عليه أَكْثَرُ منها.
٢٣١٠ - مسألة: (وإن غَصَب عَبْدًا فخَصَاه، لَزِمَه رَدُّه ورَدُّ قِيمَتِه) إذا غَصَب عَبْدًا، فقَطَعَ خُصْيَتَيه، أو يَدَيه، أو ذَكَرَه، أو لِسَانَه، أو ما تَجِبُ فيه الدِّيَةُ مِن الحُرِّ، لَزِمَه رَدُّه ورَدُّ قِيمَتِه كلِّها. نصَّ عليه
стр. 7319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحمدُ (١). وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يُخَيَّرُ المالِكُ بينَ أن يَصْبِرَ ولا شيءَ له، وبينَ أَخْذِ قِيمَتِه ويَمْلِكُه الجانِي؛ لأنَّه ضَمانُ مالٍ، فلا يَبْقَى مِلْكُ صاحِبه عليه مع ضَمانِه، كسائِرِ الأمْوالِ. ولَنا، أنَّ المُتْلَفَ البَعْضُ، فلا يَقِفُ ضَمانُه على زَوالِ المِلْكِ، كقَطْعِ ذَكَرِ المُدَبَّرِ، ولأنَّ المَضْمُونَ [هو المُفَوَّتُ] (٢)، فلا يَزُولُ المِلْكُ عن غيرِه بضَمانِه، كما لو قَطَع تِسْعَ أصَابِعَ. وبهذا يَنْفَصِلُ عما ذَكَرُوه، فإنَّ الضَّمانَ في مُقابَلَةِ التّالِفِ، لا في مُقابَلَةِ الجُمْلَةِ. فإن ذهَبَتْ هذه الأعْضاءُ بغيرِ جِنايَةٍ، فهل يَضْمَنُها ضَمانَ الإِتْلافِ أو ما نَقَصَ؟ على رِوَايَتَين مَضَى ذكْرُهما. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ عَينَ الدّابَّةِ تُضْمَنُ برُبْعِ قِيمَتِها مِن الخَيلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، فإنَّه قال في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في رجلٍ فَقَأَ عَينَ دابَّةٍ: عليه رُبْعُ قِيمَتِها. قيل له: فَقَأَ العَينَينِ. قال: إذا كانت واحِدَةً، فقال عُمَرُ: رُبْعُ القِيمةِ. وأمَّا العَينانِ، فما سَمِعْتُ فيهما شيئًا. قِيلَ له: فإن كان بَعِيرًا أو بَقَرَةً أو شاةً. فقال: هذا غيرُ الدّابَّةِ، هذا يُنْتَفَعُ بلَحْمِه، يُنْظَرُ ما نَقَصَها. وهذا يَدُلُّ على أنَّ أحمدَ إنَّما أوْجَبَ مُقَدَّرًا في العَينِ الواحِدَةِ مِن الدّابَّةِ، وهي الفَرَسُ والبَغْلُ والحِمارُ خاصَّةً؛
стр. 7320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للأَثَرِ الوارِدِ فيه، وما عَدَا هذا يُرْجَعُ إلى القِيَاسِ. واحْتَجَّ أصحابُنا لهذه الرِّوايَةِ بما روَى زَيدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى في عَينِ الدّابّةِ برُبْعِ قِيمَتِها (١). ورُوِيَ عن عمرَ، ﵁، أنَّه كَتَب إلى شُرَيحٍ لمَّا كَتَب إليه يَسْأَلُه عن عَينِ الدّابّةِ: إَّنا كُنّا نُنْزِلُها مَنْزِلَةَ الآدَمِيِّ، إلَّا أنَّه (٢) أجْمَعَ رَأْيُنا أنَّ قِيمَتَها رُبْعُ الثَّمنِ (٣). وهذا إجْماعٌ يُقَدَّمُ على القِيَاسِ. ذَكَر هذَين أبو الخَطَّابِ في «رُءُوسِ المَسائِلِ». وقال أبو حنيفةَ: إذا قَلَع عَينَيْ بَهِيمَةٍ يُنْتَفَعُ بها مِن وَجْهَين؛ كالدَّابَّةِ والبَعِيرِ والبَقَرَةِ، وَجَب نِصْفُ قِيمَتِها، وفي إحداهما رُبْعُ قِيمَتِها؛ لقولِ عُمَرَ: أجْمَعَ رأيُنا على أنَّ قِيمَتَها رُبْعُ الثَّمَنِ. والمَذْهَبُ أنَّ قَدْرَ الأَرْشِ ما نَقَص مِن القِيمَةِ، كسائِرِ الأعْيانِ. فأمَّا حَدِيثُ زَيدِ بنِ ثابتٍ، فلا أصْلَ له، ولو كان صَحِيحًا، لَما احْتَجَّ أحمدُ وغيرُه بحَدِيثِ عمرَ وتَرَكُوه، [فإنَّ قولَ النبيِّ ﷺ أحَقُّ أن يُحْتَجَّ به] (٤). وأمّا قولُ عُمَرَ، فمَحْمُولٌ عِلى أنَّ ذلك كان قَدْرَ نَقْصِها، كما رُوِيَ عنه أنَّه قَضَى في العَينِ القائِمَةِ بخمْسِينَ دِينارًا.
стр. 7321
وَإِنْ نَقَصَتِ الْعَينُ لِتَغَيُّرِ الْأَسَعَارِ، لَمْ يَضْمَنْ. نَصَّ عَلَيهِ.
ــ
٢٣١١ - مسألة: (وإن نَقَصَتْ) قِيمَةُ (العَينِ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ، لم يَضْمَنْ. نَصَّ عليه) وهو قولُ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وحُكِيَ عن أبي ثَوْرٍ، أنَّه يَضْمَنُه؛ لأنَّه يَضْمَنُه إذا تَلِفَتِ العَينُ، فيَلْزَمُه إذا رَدَّها، كالسِّمَنِ. وذَكَرَه ابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً عن أحمدَ. ولَنا، أنَّه رَدَّ العَينَ بحَالِها لم تَنْقُصْ منها عَينٌ ولا صِفَةٌ، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو لم تَنْقُصْ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه يَضْمَنُها مع تَلَفِ العَينِ، وإن سَلَّمْنا فَلأنَّه وَجَبَتْ قِيمَةُ العَينِ أكْثَرَ ماكانت قِيمَتُها، فدَخَلَتْ في التَّقْويمِ، بخِلافِ ما إذا رَدَّها، فإنَّ القِيمَةَ لا تَجِبُ، ويُخالِفُ السِّمَنَ، فإنَّه مِن عَينِ (١) المَغْصُوبِ، والعِلْمُ بالصِّناعَةِ صِفَةٌ فيها، وههُنا لم تَذْهَبْ عَينٌ ولا صِفَةٌ؛ ولأنَّه لا حَقَّ للمَغْصُوبِ منه في القِيمَةِ مع بَقاءِ العَينِ، وإنَّما حَقُّه في العَينِ، وهي باقِيَةٌ كما كانت، ولأنَّ الغاصِبَ يَضْمَنُ ما غَصَبَه، والقِيمَةُ لا تَدْخُلُ في الغَصْبِ، بخِلافِ زِيادَةِ العَينِ، فإنَّها مَغْصُوبَةٌ وقد ذَهَبَتْ.
стр. 7322
وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ لِمَرَضٍ، ثُمَّ عَادَتْ بِبُرْئِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيءٌ.
ــ
٢٣١٢ - مسألة: (وإن نَقَصَتِ القِيمَةُ لمَرَضٍ) أو غيرِه (ثم عادَتْ ببُرْئِه، لم يَلْزَمْه شيءٌ) إلَّا رَدَّه، إذا مَرِضَ المَغْصُوبُ ثم بَرَأ، أو ابْيَضَّتْ عَينُه ثم زال بَياضُها، أو غَصَب جارِيَةً حَسْناءَ فَسمِنَتْ سِمَنًا
стр. 7323
وَإِنْ زَادَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، مْثِلَ أَنْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً فَعَادَتِ الْقِيمَةُ، ضَمِنَ النَّقْصَ.
ــ
نَقَصَها، ثم خَفَّ سِمَنُها فعاد حُسْنُها وقِيمَتُها، رَدَّها ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ ما لَه قِيمَةٌ، والعَيبُ الذي أَوْجَبَ الضَّمانَ زال في يَدَيه. وكذلك لو حَمَلَتْ فنَقَصَتْ ثم وَضَعَتْ فزَال نَقْصُها، لم يَضْمَنْ شيئًا. فإن رَدَّ المَغْصُوبَ ناقِصًا بمَرَضٍ، أو عَيبٍ، أو سِمَنٍ مُفْرِطٍ، أو حَمْلٍ، فعليه أَرْشُ نَقْصِه، فإن زال عَيبُه في يَدِ مالِكِه، لم يَلْزَمْه رَدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ ضَمانُه برَدِّ المَغْصُوبِ. وكذلك إن أخَذَ المَغْصُوبَ دُونَ أَرْشِه، ثم زال العَيبُ قبلَ أَخْذِ أَرْشِه، لم يَسْقُطْ ضَمانُه لذلك.
٢٣١٣ - [مسألة: (وإن زاد مِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ مثلَ أن تَعَلَّمَ)] (١)
стр. 7324
وَإِنْ زادَتِ الْقِيمَةُ بِسِمَنٍ أَوْ نَحْوهِ ثُمَّ نَقَصَتْ، ضَمِنَ الزِّيَادَةَ.
ــ
[صَنْعَةً فعادَتِ القِيمَةُ، ضَمِن النَّقْصَ) لأنَّ الزِّيادَةَ الثانيةَ مِن غيرِ جِنْسِ الأُولَى، فلا يَنْجَبِرُ بها] (١).
٢٣١٤ - مسألة: (وإن زادَتِ القِيمَةُ لسِمَنٍ أو نَحْوه (٢) ثم نَقَصَتْ، ضَمِنَ الزِّيادَةَ) إذا زادَتْ قِيمَةُ المَغْصُوبِ في يَدِ الغاصِبِ لسِمَنٍ أو تَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، مثلَ ما إذا غَصَب عَبْدًا أو أمَةً وقِيمَتُه مِائَةٌ، فزَادَ بتَعْلِيمِه، أو في بَدَنِه، حتى صارت قِيمَتُه مِائَتَين، ثم نَقَص بنُقْصانِ بَدَنِه، أو نِسْيانِ ما عُلِّمَ حتى صارتْ قِيمَتُه مِائَةً، لَزِمَه رَدُّه، ويَأخُذُ مِن الغاصِبِ مِائَةً. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنفيةَ، ومالكٌ: لا يَجِبُ عليه عِوَضُ الزِّيادَةِ، إلَّا أن يُطالبَ برَدِّها زائِدَةً فلا يَرُدُّها؛ لأنَّه رَدَّ العَينَ كما أخَذَها
стр. 7325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلم يَضْمَنْ نَقْصَ قِيمَتِها، كنَقْصِ سِعْرِها (١). وذَكَر ابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ» رِوايَةً، أنَّ المَغْصُوبَ إذا زادَتْ قيمَتُه بسِمَنٍ، أو تَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، ثم نَقَصَتْ بزَوَالِ ذلك، فلا ضَمانَ عليه إذا رَدَّه بعَينِه. ولَنا، أنَّها زِيادَةٌ في نَفْسِ المَغْصُوبِ، فلَزِمَ الغاصِبَ ضَمانُها، كما لو طالبَهُ برَدِّها فلم يَفْعَلْ، ولأنَّها زادَتْ على مِلْكِ المَغْصُوبِ منه، فلَزِمَه ضَمانُها، كما لو كانت مَوْجُودَةً حال الغَصْبِ. وفارَقَ زِيادَةَ السِّعْرِ (٢)؛ لأنَّها لو كانت مَوْجُودَةً حال الغَصْبِ، لم يَضْمَنْها، والصِّناعَةُ إن لم تَكُنْ مِن عَينِ المَغْصُوبِ فهي صِفَةٌ فيه، ولذلك يَضْمَنُها إذا طُولِبَ برَدِّ العَينِ وهي مَوْجُودَةٌ فلم يَرُدَّها، وأجْرَيناها هي والتَّعْلِيمَ مُجْرَى السِّمَنِ الذي هو عَينٌ؛ لأنَّها صِفَةٌ تَتْبَعُ العَينَ، وأجْرَينا الزِّيادَةَ الحادِثَةَ في يَدِ الغاصِبِ مُجْرَى الزِّيادَةِ المَوْجُودَةِ حال الغَصْبِ؛ لأنَّها زِيادَةٌ في العَينِ المَمْلُوكَةِ للمَغْصُوبِ منه، فتكونُ مَمْلُوكَةً له؛ لأنَّهِا تابِعَة للعَينِ. فأمَّا إن غَصَب العَينَ سَمِينَةً، أو ذاتَ صِناعَةٍ، فَهَزَلَتْ أو نسِيَتْ، فنَقَصتْ قِيمَتُها، فعليه ضَمانُ نَقْصِها. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها نَقَصَتْ عن حالِ غَصْبِها نَقْصًا أثَّرَ في قِيمَتِها، فوَجَبَ ضَمانُها، كما لو ذَهَب بعضُ أَعْضائِها.
стр. 7326
وَإِنْ عَادَ مِثْلُ الزِّيَادَةِ الْأَولَى مِنْ جِنْسِهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
فصل: إذا غَصَبَها وقِيمَتُها مائَةٌ، فسَمِنَتْ فبَلَغَتْ قِيمَتُها ألْفًا، ثم تَعَلَّمَتْ صِنَاعَةً فَبَلغتْ ألْفَينِ، ثم هَزَلَتْ ونَسِيَتْ فعادَتْ إلى مائةٍ، رَدَّها ورَدَّ ألْفًا [وتِسْعَمائةٍ. وإن بَلَغَتْ بالسِّمَنِ ألْفًا، ثم هَزَلَتْ فعادَتْ إلى مِائَةٍ، ثم تَعَلَّمَتْ فبَلَغَتْ ألْفًا، ثم نَسِيَتْ فعادَتْ إلى مِائَةٍ، رَدَّها ورَدَّ ألْفًا] (١) وثَمانِمائَةٍ؛ لأنَّها نَقَصَتْ بالهُزَالِ تِسْعَمائَةٍ، وبالنِّسْيانِ تِسْعَمائَةٍ. وإن سَمِنَتْ فَبَلَغَتْ ألْفًا، ثم هَزَلَتْ فعادَتْ إلى مائةٍ، ثم تَعَلَّمَتْ فعادَتْ إلى ألْفٍ، رَدَّها وتِسْعَمائَةٍ؛ لأنَّ زَوال الزِّيادَةِ الأُولَى أَوْجَبَ الضَّمانَ، ثم حَدَثَتْ زِيادَةٌ أُخْرَى مِن وَجْهٍ آخَرَ على مِلْكِ المَغْصُوبِ منه، فلا يَنْجَبِرُ مِلْكُ الإِنْسانِ بمِلْكِه.
٢٣١٥ - مسألة: (فإن عادَ مثلُ الزِّيادَة الأُولَى مِن جِنْسِها) مثلَ أن كانت قِيمَتُها مائِةً فسَمِنَت فبَلَغَتْ ألْفًا، ثم هَزَلَتْ فعادَتْ إلى مائَةٍ، ثم سَمِنَتْ فعادَتْ إلى ألْفٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَرُدُّها زائِدَةً، ويَضْمَنُ نَقْصَ الزِّيادَةِ الأُولَى، كما لو كانا مِن جِنْسَين؛ لأنَّ الزِّيادَةَ الثّانِيةَ غيرُ الّاُولَى. فعلى هذا، إن هَزَلَتْ مَرَّةً ثانِيةً فعادَتْ إلى مِائَةٍ، ضَمِنَ
стр. 7327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّقْصَين بألْفٍ وثَمانِمائَةٍ. والثاني، إذا رَدَّها سَمِينَةً، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ ما ذَهَب عادَ، فهي كما لو مَرِضَتْ فنَقَصَتْ، ثم بَرِئَتْ فعادَتِ القِيمَةُ، أو نَسِيَتْ صِناعَةً ثم تَعَلَّمَتْها، أو أَبَقَ عَبْدٌ ثم عاد. وفارَقَ ما إذا زادَتْ مِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ لأنَّه لم يَعُدْ ما ذَهَب. وهذا الوَجْهُ أقْيَسُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الشَّواهِدِ. فعلى هذا، لو سَمِنَتْ بعدَ الهُزالِ ولم تَبْلُغ قِيمَتُها إلى ما بَلَغَتْ بالسِّمَنِ الأوَّلِ، أو زادَتْ عليه، ضَمِن أكْثَرَ الزِّيادَتين، و (١) تَدْخُلُ فيها الأُخْرَى. وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَضمَنُهما جَمِيعًا. فأمّا إن زادَتْ بالتَّعْلِيمِ أو الصِّناعَةِ، ثم نسِيَتْ ثم تَعَلَّمَتْ ما نَسِيَتْه فعادَتِ القِيمَةُ الأُولَى، لم يَضْمَنِ النَّقْصَ الأوّلَ؛ لأنَّ العِلْمَ الثانيَ هو الأوَّلُ، فقد عادَ ما ذَهَب. وإن تَعَلَّمَتْ (٢) عِلْمًا آخَرَ أو صِناعَةً أُخْرَى، فهو كعَوْدِ السِّمَنِ، فيه وَجْهان. ذَكَرَه القاضِي. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. وقال أبو الخَطّابِ: متى زادَتْ ثم نَقَصَتْ، ثم زادَتْ مِثْلَ الزِّيادَةِ الأُولَى، ففي ذلك وَجْهان، سَواءٌ كانَا مِن جِنْسٍ، كالسِّمَنِ مَرَّتَين، أو مِن جنْسَين كالسِّمَنِ والتَّعَلُّمِ، والأوَّلُ أَوْلَى.
стр. 7328
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيرِ جِنْسِ الْأُولَى، لَم يَسْقُطْ ضَمَانُهَا. وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا مُفْرِطًا فِي السِّمَنِ، فهَزَلَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ، رَدَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيهِ.
ــ
٢٣١٦ - مسألة: (وإن كانت مِن غيرِ جِنْسِ الأُولَى، لم يَسْقُطْ ضَمانُها) وقد ذكَرْناه في المسألة قبلَها.
٢٣١٧ - مسألة: (وإن غَصَب عَبْدًا مُفْرِطًا في السِّمَنِ، فهَزَلَ فزادَتْ قِيمَتُه) أو لم يَنْقُصْ (رَدَّه، ولا شيءَ عليه) لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما أَوْجَبَ
стр. 7329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في هذا ما نَقَص مِن القِيمَةِ، ولم يُقَدِّرْ بَدَلَه، ولم تَنْقُصِ القِيمَةُ، فلم يَجِبْ شيءٌ.
قال: فإن نَقَصَتْ عَينُ المَغْصُوبِ دُونَ قِيمَتِه، لم يَخْلُ مِن ثَلاثةِ أقْسامٍ؛ أحدُها، أن يكونَ الذاهِبُ مُقَدَّرَ البَدَلِ، كعَبْدٍ خَصَاه، وزَيتٍ أَغْلاه، ونُقْرَةٍ ضَرَبَها دَرَاهِمَ فنَقَصَتْ عَينُها دُونَ قِيمَتِها، فإنَّه يَجِبُ ضَمانُ النَّقْصِ، فيَضْمَنُ العَبْدَ بقِيمَتِه، ونَقْصَ الزَّيتِ والنُّقْرَةِ بمِثلِها، مع رَدِّ الباقِي منهما؛ لأنَّ الناقِصَ مِن العَينِ [له بَدَلٌ] (١) مُقَدَّرٌ، فلَزِمَ ما يُقَدَّرُ به، كما لو أذْهَبَ الكُلَّ. الثاني، أن لا يكونَ مُقَدَّرًا، كهُزَالِ العَبْدِ إذا لم تَنْقُصْ قِيمَتُه، وقد ذَكَرْناه. الثالثُ، أن يكونَ النَّقْصُ مُقَدَّرَ البَدَلِ، لكِنَّ الذاهِبَ منه أجْزاءٌ غيرُ مَقْصُودَةٍ، كعَصِيرٍ أغْلاه فذَهَبَتْ مائِيَّتُه وانْعَقَدَتْ أجْزاؤُه، فنَقَصَتْ عَينُه دونَ قِيمَتِه، فلا شيءَ فيه، في أحَدِ الوَجْهَينِ، سِوَى رَدِّه؛ لأنَّ النّارَ إنَّما أذْهَبَتْ مائِيَّتَه التي يُقْصَدُ إذْهابُها، ولهذا تَزْدادُ حَلاوَتُه وتَكْثُرُ قِيمَتُه، فهو كسِمَنِ العَبْدِ الذي لا تَنْقُصُ به قِيمَتُه إذا ذَهَب. والثاني، يَجِبُ ضَمانُه؛ لأنَّه مُقَدَّرُ البَدَلِ، فأشْبَهَ الزَّيتَ إذا أغْلاه. وإن نَقَصَتِ العَينُ والقِيمَةُ جَمِيعًا، وَجَب في الزَّيتِ وشِبْهِه ضَمانُ النَّقْصَينِ جَمِيعًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مَضْمُونٌ مُنْفَرِدًا، فكذلك إذا اجْتَمَعَا، وذلك مثلُ رَطْلِ زَيتٍ قِيمَتُه دِرْهَمٌ، فأغْلاه فنَقَصَ ثُلُثُه،
стр. 7330
وَإنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيرَ مُسْتَقِرٍّ، كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وَعَفِنَتْ، خُيِّرَ بَينَ أَخْذِ مِثْلِهَا، وَبَينَ تَرْكِهَا حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهَا وَيَأْخُذَهَا وَأَرْشَ نَقْصِهَا.
ــ
وصار قِيمَةُ الباقي نِصْفَ دِرْهَمٍ، فعليه ثُلُثُ رَطْلٍ وسُدْسُ دِرْهَمٍ، وإن كان قِيمَةُ الباقِي (١) ثُلُثَيْ دِرْهَمٍ، فليس عليه أكْثَرُ مِن ثُلُثِ رَطْلٍ؛ لأنَّ قِيمَةَ الباقِي لم تَنْقُصْ. وإن خَصَى العَبْدَ فنَقَصَتْ قِيمَتُه، فليس عليه أكْثَرُ مِن ضَمانِ خُصْيَتَيه؛ لأنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ ما لو فَقَأَ عَينَه.
٢٣١٨ - مسألة: (وإن نَقَص المَغْصُوبُ نَقْصًا غيرَ مُسْتَقِرٍّ، كحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ وعَفِنَتْ) وخشِىَ فسَادَها، فعليه ضَمانُ نَقْصِه. وقال القاضي: عليه بَدَلُه؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ قَدْرُ نَقْصِه. وهذا مَنْصُوصُ الشافِعِيِّ.
стр. 7331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وله قولٌ آخَرُ، أنَّه يَضْمَنُ نَقْصَه، وكلما نَقَص شيءٌ ضَمِنَه؛ لأنَّه يَسْتَنِدُ إلى السَّبَبِ المَوْجُودِ في يَدِ الغاصِبِ، فكان كالمَوْجُودِ في يَدِه. وقال أبو الخَطّابِ: يَتَخَيَّرُ صاحِبُه بينَ أَخْذِ بَدَلِه وبينَ تَرْكِه حتى يَسْتَقِرَّ فَسادُه، ويَأْخُذَ أرْشَ نَقْصِه. وهو الذي ذكَره شيخُنا في الكِتَابِ المَشْرُوحِ. وقال أبو حنيفةَ: يَتَخَيَّرُ بينَ أَخْذِه، ولا شيءَ له، أو تَسْلِيمِه إلى الغاصِبِ ويَأْخُذُ قِيمَتَه؛ لأنَّه لو ضَمِن النَّقْصَ مع أَخْذِه لَحَصَلَ له مِثْلُ كَيْلِه وزِيادةٌ، وهذا لا يَجُوزُ، كما لو باع قَفِيزًا جَيِّدًا بقَفِيزٍ رَدِئٍ [ودِرْهَمٍ] (١). ولَنا، أنَّ عَينَ مالِه باقِيَةٌ، وإنَّما حَدَثَ فيه نَقْصٌ، فوَجَبَ فيه ما نَقَص، كما لو كان عَبْدًا فمَرِضَ. وقد وافقَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ على هذا في العَفَنِ، وقال: يَضْمَنُ ما نَقَص. قَوْلًا واحِدًا، ولا يَضْمَنُ
стр. 7332
وَإِنْ جَنَى الْمَغْصُوبُ، فَعَلَيهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، سَوَاءٌ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ غَيرِهِ.
ــ
ما تَوَلَّدَ فيه؛ لأنَّه ليس مِن فِعْلِه. وهذا الفَرْقُ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَلَلَ قد يكونُ مِن غيرِ فِعْلِه أيضًا، وقد يكونُ العَفَنُ بسَبَبٍ منه. ثم إنَّ ما وُجدَ في يَدِ الغاصِبِ فهو مَضْمُونٌ عليه؛ لوُجُودِه في يَدِه، فلا فَرْقَ. وقولُ أبي حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطَّعامَ عَينُ مالِه، وليس ببَدَلٍ عنه. قال شيخُنا (١): وقولُ أبي الخَطّابِ لا بَأْسَ به. واللهُ أعْلَمُ.
٢٣١٩ - مسألة: (وإن جَنَى المَغْصُوبُ، فعليه أرْشُ جِنايَتِه، سَواءٌ جَنَى على سَيِّدِه أو غيرِه) إذا جَنَى العَبْدُ المَغْصُوبُ، فجِنايَتُه مَضْمُونَةٌ على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ في العَبْدِ الجانِي، لكَوْنِ الجنايَةِ تتَعَلَّقُ برَقَبَتِه، فكان مَضْمُونًا على الغاصِبِ، كسائِرِ نَقْصِه. وسَواءٌ في ذلك ما يُوجِبُ القِصَاصَ أو المال. ولا يَلْزمُه أكْثَرُ مِن النَّقْصِ الذي لَحِقَ العَبْدَ. وكذلك إن جَنَى على سَيِّدِه؛ لأنَّها مِن جُمْلَةِ جِناياتِه، فكان مَضْمُونًا [على الغاصِبِ] (٢)، كالجِنايَةِ على الأجْنَبِيِّ.
стр. 7333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: [إذا جَنَى العَبْدُ المَغْصُوبُ جِنايَةً أوْجَبَتِ القِصاصَ، فاقْتصَّ منه، ضَمِنَه الغاصِبُ بقِيمَتِه؛ لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فإن عُفِيَ عنه على مالٍ، تَعَلَّقَ برَقَبَتِه، وضَمانُه على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَدَث في يَدِه، فلَزِمَه ضَمانُه] (١)، ويَضْمَنُه بأقَلِّ الأَمْرَين مِن قِيمَتِه أو أَرْشِ جِنايَتِه، كما يَفْدِيه سَيِّدُه. وإن جَنَى على ما دونَ النَّفْسِ، مثلَ أن قَطَع يَدًا فقُطِعَتْ يَدُه قِصَاصًا، فعلى الغاصِبِ ما نَقَص العَبْدُ بذلك دونَ أَرْشِ اليَدِ؛ لأنَّ اليَدَ ذَهَبَتْ بسَبَبٍ غيرِ مَضْمُونٍ، فأشْبَهَ ما لو سَقَطَتْ. وإن عُفِيَ عنه على مالٍ، تَعَلَّقَ أرْشُ اليَدِ برَقَبَتِه، وعلى الغاصِبِ أقَلُّ الأمْرَين مِن قِيمَتِه أو أرْشِ اليَدِ. فإن زادَتْ جِنَايَةُ العَبْدِ على قِيمَتِه، ثم ماتَ، فعلى الغاصِبِ قِيمَتُه، يَدْفَعُها إلى سَيِّدِه، فإذا أخَذَها تَعَلَّقَ أرْشُ الجِنايَةِ بها؛ لأنَّها كانت مُتَعَلِّقَةً بالعَبْدِ، فتعَلَّقَتْ ببَدَلِه، كما أنَّ الرَّهْنَ إذا أَتْلَفَه مُتْلِفٌ وَجَبَتْ قِيمَتُه وتَعَلَّقَ الرَّهْنُ بها. فإذا أخَذَ وَلِيُّ الجِنَايةِ القِيمَةَ مِن المالِكِ، رَجَع المالِكُ على الغاصِبِ بقِيمَتِه مَرَّةً أُخْرَى؛ لأنَّ القِيمَةَ التي أخَذَها اسْتُحِقَّت بسَبَبٍ
стр. 7334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان في يَدِ الغاصِبِ، فكان مِن ضَمانِه. ولو كان العَبْدُ وَدِيعَةً فجَنَى جنايَةً اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَه، ثم إنَّ المُودَعَ قَتَلَه بعدَطا، فعليه قِيمَتُه، وتَعَلَّقَ بها أَرْشُ الجِنايَةِ، فإذا أخَذَها وَلِيُّ الجِنايَةِ، لم يَرْجِعْ على المُودَعِ؛ لأنَّه جَنَى وهو غيرُ مَضْمُونٍ عليه. ولو جَنَى العَبْدُ في يَدِ سَيِّدِه جِنايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، [ثم غُصِبَ فجَنَى في يَدِ الغاصِبِ جِنايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه] (١)، بِيعَ في الجنايَتَينِ، وقُسِمَ ثَمَنُه بينَهما، ورَجَع صاحِبُ العَبْدِ على الغاصِب بما أخَذَه الثاني منهما؛ لأنَّ الجِنايَةَ كانت في يَدِه، وكان للمَجْنِيِّ عليه أوّلًا أنَّ يَأْخُذَه دونَ الثاني؛ لأنَّ الذي يَأْخُذُه المالِكُ مِن الغاصِبِ هو عِوَضُ ما أخَذَه المَجْنِيُّ عليه ثانِيًا، فلا يَتَعَلَّقُ به حَقُّه، ويتَعَلَّقُ به حَقُّ الأوّلِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن قِيمَةِ الجانِي، لا يُزاحَمُ فيه. وإن مات هذا العَبْدُ في يَدِ الغاصِبِ، فعليه قِيمَتُه تُقْسَمُ بينَهما، ويَرْجعُ المالِكُ على الغاصِبِ بنِصْفِ القِيمَةِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للجِنايَةِ الثانِيَةِ، ويكَونُ للمَجْنِيِّ عليه أوَّلًا أن يَأْخُذَه؛ لِما ذَكَرْنا.
стр. 7335
وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْغاصِبِ وَعَلَى مَالِهِ هَدَرٌ. وَتُضْمَنُ زَوَائِدُ الْغَصْبِ؛ كَالْوَلَدِ، وَالثَّمَرَةِ إذَا تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ، كَالْأَصْلِ.
ــ
٢٣٢٠ - مسألة: (وجِنايَتُه على الغاصِبِ وعلى مالِه هَدَرٌ) لأنَّه إذا جَنَى على أَجْنَبِيٍّ وَجَب أرْشُه على الغاصِبِ، فلو وَجَب له شيءٌ، لوَجَبَ على نَفسِه، فكان هَدَرًا.
٢٣٢١ - مسألة: (وتُضْمَنُ زَوائِدُ الغَصْبِ؛ كالوَلَدِ، والثَّمَرَةِ إذا تَلِفَتْ أو نَقصتْ، كالأصْلِ) سَواءٌ تَلِف (١) مُنْفَرِدًا أو مع أَصْلِه، مثلَ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ، ووَلَدِ الحَيَوانِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يَجِبُ ضَمانُ زَوائِدِ الغَصْبِ إلَّا أن يُطالبَ بها فيَمْتَنِعَ
стр. 7336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن أدائِها؛ لأنَّها غيرُ مَغْصُوبَةٍ، فلا يَجِبُ ضَمانُها، كالوَدِيعَةِ. ودَلِيلُ عَدَمِ الغَصْبِ أنَّه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، [وثُبُوتُ] (١) يَدِه على هذه الزَّوائدِ [ليس مِن فِعْلِه؛ لأنَّه انْبَنَى على وُجُودِ الزَّوائِدِ في يَدِه، ووُجُودُها ليس بفِعْلٍ مُحَرَّمٍ منه. ولَنا، أنَّه مالُ المَغْصُوبِ منه، حَصَل في يَدِه، فيَضْمَنُه بالتَّلَفِ، كالأصْلِ. قَوْلُهم: إنَّ إثْباتَ يَدِه ليس مِن فِعْلِه. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه بإمْساكِ الأُمِّ تَسَبَّبَ إلى إثْباتِ يَدِه على هذه الزَّوائِدِ] (٢)، وإثْباتُ يَدِه على الأُمِّ مَحْظُورٌ.
стр. 7337
فَصْلٌ: وَإِنْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ خَلَطَ حِنْطَةً أَوْ زَيتًا بِمِثْلِهِ، لَزِمَهُ مِثْلُهُ مِنْهُ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ. وَفِي الْآخَرِ، يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ مِنْ حَيثُ شَاءَ.
ــ
٢٣٢٢ - مسألة: (وإن خَلَط المَغْصُوبَ بمالِه على وَجْهٍ لا يتَمَيَّزُ منه، مثلِ أن خَلَط حِنْطَةً أو زَيتًا بمِثْلِه، لَزِمَه مِثْلُه منه، في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخَرِ، يَلْزَمُه مثْلُه مِن حيثُ شاءَ) إذا خَلَط المَغْصُوبَ بمالِه بحيثُ لا يتَمَيَّزُ منه، كزَيتٍ بزَيتٍ، أو دَقِيقٍ بمِثْلِه، أو دَراهِمَ أو دَنانِيرَ بمِثْلِها،
стр. 7338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال ابنُ حامِدٍ: يَلْزَمُه مِثْلُ المَغْصُوبِ منه. وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه (١) نَصَّ على أنه يكونُ شَرِيكًا إذا خَلَطَه بغيرِ جنْسِه، فيكونُ تَنْبيهًا على ما إذا خَلَطَه بجِنْسِه. وهو قولُ بعضِ الشّافِعِيَّةِ، إلَّا في الدَّقِيقِ، فإنَّه تَجِبُ قِيمَتُه؛ لأنَّه عندَهم ليس بمِثْلِيٍّ. وقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يَلْزَمُه مثلُه مِن حيثُ شاءَ الغاصِبُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه رَدُّ عَينِ مالِه بالخَلْطِ، أشْبَهَ ما لو تَلِفَ؛ لأنَّه لا يَتَمَيَّزُ له شيءٌ مِن مالِه. ولَنا، أنَّه قَدَر على دَفْعِ بعضِ مالِه إليه مع رَدِّ المِثْلِ في الباقِي، فلم يَنْتَقِلْ إلى المِثْلِ في الجَمِيعِ، كما لو غَصَب صاعًا فتَلِفَ بعضُه؛ وذلك لأنَّه إذا دَفَع إليه منه، فقد دَفَع إليه بعضَ مالِه وبَدَلَ الباقِي، فكان أَوْلَى مِن دَفْعِه مِن غيرِه.
стр. 7339
وَإِنْ خَلَطَهُ بِدُونِهِ، أَوْ خَيرٍ مِنْهُ، أَو بِغَيرِ جِنْسِهِ، لَزِمَهُ مِثْلُهُ فِي قِيَاسِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ بقَدْرِ مِلْكَيهِمَا.
ــ
٢٣٢٣ - مسألة: (وإن خَلَطَه بدُونِه، أو خَيرٍ منه، أو بغيرِ جِنْسِه) فله (مِثْلُه في قِياسِ التي قبلَها. وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّهما شَرِيكان بقَدْرِ مِلْكَيهِما) فإنَّه قال في رِوايَةِ أبي الحارِثِ، في رجلٍ له
стр. 7340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَطْلُ زَيتٍ وآخَرَ له رَطْلُ شَيرَجٍ اخْتَلَطَا: يُبَاعُ الدُّهْنُ كُلُّه ويُعْطَى كلُّ واحِدٍ منهما قَدْرَ حِصَّتِه؛ وذلك أنَّنا إذا فَعَلْنا ذلك، أوْصَلْنا إلى كلِّ واحِدٍ منهما بَدَلَ عَينِ مالِه. وإن نَقَص المَغْصُوبُ عن قِيمَتِه مُنْفَرِدًا، فعلى الغاصِبِ ضَمانُ النَّقْصِ، لأنَّه حَصَل بفِعْلِه. وقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ أن يَلْزَمَ الغاصِبَ مثلُه؛ لأنَّه صار بالخَلْطِ مُسْتَهْلَكًا، [وكذلك] (١) لو اشْتَرَى زَيتًا فخَلَطَه بزَيتِه ثم أَفْلَسَ، صارَ البائِعُ كبعضِ الغُرَماءِ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه الوُصُولُ إلى عَينِ مالِه، فكان له بَدَلُه، كما لو كان تالِفًا. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كَلامُ أحمدَ على ما إذا اخْتَلَطَا مِن غيرِ غَصْبٍ، أمّا المَغْصُوبُ، فقد وُجِدَ مِن الغاصِبِ ما مَنَع المالِكَ أَخْذَ حَقِّه مِن المِثْلِيّاتِ مُتَمَيِّزًا (٢)، فلَزِمَه مثلُه، كما لو أتْلَفَه.
стр. 7341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إلَّا أنَّه إذا خَلَطَه بخَيرٍ منه، وبَذَل لصاحِبِه مثلَ حَقِّه منه، لَزِمَه قَبُولُه؛ لأنَّه أَوْصَلِ إليه بعضَ حَقِّه بعَينِه، وتَبَرَّعَ بالزِّيادَةِ في مثلِ الباقِي. وإن خَلَطَه بأَدْنَى منه، فرَضِيَ المالِكُ بأَخْذِ قَدْرِ حَقِّه منه، لَزِمَ الغاصِبَ بَذْلُه؛ لأنَّه أَمْكَنَه رَدُّ بعضِ المَغْصُوبِ ورَدُّ مثلِ الباقِي مِن غيرِ ضَرَرٍ. وقيلَ: لا يَلْزَمُ الغاصِبَ ذلك؛ لأنَّ حَقَّه انْتَقَلَ إلى الذِّمَّةِ، فلم يُجْبَرْ على عينِ مالٍ (١). وإن بَذَلَه للمَغْصُوبِ منه فأبَاهُ، لم يُجْبَرْ على قَبُوله، [لأنَّه دُونَ حَقِّه، وإن تَراضَيا بذلك، جازَ، وكان المالِكُ مُتَبَرِّعًا بتَرْكِ بعضِ حَقِّه. وإنِ اتَّفَقا على أن يَأْخُذَ أكثرَ مِن حَقِّه] (٢) من الرَّدِئِ، أو دونَ حَقِّه مِن الجَيِّدِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه رِبًا، لكَوْنِه يَأْخُذُ الزِّيادَةَ في القَدْرِ عِوَضًا عن الجَوْدَةِ. وإن كان بالعَكْسِ، فرَضِيَ بأخْذِ دونِ حَقِّه مِن الرَّدِئِ، أو سَمَح الغاصِبُ بدَفْعِ أكْثَرَ مِن حَقِّه مِن الجَيِّدِ، جازَ؛ لأنَّه لا مُقابِلَ للزِّيادَةِ، وإنَّما هي تَبَرُّعٌ مُجَرَّدٌ. وإن خَلَطَه بغيرِ جِنْسِه، فتَراضَيَا على أن يَأْخُذَ أكْثَرَ مِن قَدْرِ حَقِّه أو أقَلَّ، جازَ؛ لأنَّه بَدَلُه مِن غيرِ جِنْسِه، فلا تَحْرُمُ الزِّيادَةُ بينَهما.
стр. 7342
وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ سَويقًا فَلَتَّهُ بِزَيتٍ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا، أَوْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا، ضَمِنَ النَّقْصَ.
ــ
فصل: فإن خَلَطَه بما لا قِيمَةَ له، كزَيتٍ خَلَطَه بماءٍ، أو لَبَنٍ شابَه بماءٍ، فإن أمْكَنَ تَخْلِيصُه خَلَّصَه، ورَدَّه ورَدَّ نَقْصَه وإن لم يُمْكِنْ تَخْلِيصُه، أو كان ذلك يُفْسِدُه، لَزِمَه مثلُه؛ لأنَّه صار كالهالِكِ، وإن لم (١) يُفْسِدْه، رَدَّه ورَدَّ نَقْصَه، وإنِ احْتِيجَ في تَخْلِيصِه إلى غَرامَةٍ، لَزِمَ الغاصِبَ ذلك؛ لأنَّه بسببِه. ولأصْحابِ الشافعيِّ في هذه الفُصولِ نَحْوُ ما ذكَرْنا.
٢٣٢٤ - مسألة: (وإن غَصَب ثَوْبًا فَصَبَغَه، أو سَويقًا فَلَتَّه بزَيتٍ) وكان الصِّبْغُ والزَّيتُ مِن مالِ الغاصِبِ، فإن (نَقَصَتْ قِيمَتُهما، أو قِيمَةُ أحَدِهما، ضَمِن) الغاصِبُ (النَّقْصَ) لأنَّه بتَعَدِّيه، إلَّا أن يَنْقُصَ لتَغَيُّرِ
стр. 7343
وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ وَلَمْ تَزِدْ، أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَاليهِمَا، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا، فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِهِ.
ــ
الأسْعارِ، فلا يَضْمَنُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
٢٣٢٥ - مسألة: (وإن لم تَنْقُصْ ولم تَزِدْ) مِثْلَ أن كانت قِيمَةُ كلِّ واحِدٍ منهما خَمْسةً، فصارت قِيمَتُهما عَشَرَةً، فهما شَرِيكانِ؛ لأنَّ الصِّبْغَ والزَّيتَ عَينُ مالٍ له قِيمَةٌ، فإن تَرَاضَيَا بتَرْكِه لهما، جازَ، وإن باعَاه (١)، فثَمَنُه بينَهما نِصْفَين.
٢٣٢٦ - مسألة: وإن (زادتْ قِيمَتُهما) [ وكانتِ الزِّيادَةُ لزيادَةِ قِيمَةِ أحَدِهما، فالزِّيادَةُ لصاحِبِه] (٢). مثلَ أن كانت قِيمَةُ كلِّ واحِدٍ منهما
стр. 7344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَمْسَةً فصارت قِيمَتُهما عِشْرِينَ، فإن كان ذلك لِزِيادَةِ الثِّيابِ في السوقِ، كانتِ الزِّيادَةُ لصاحِبِ الثَّوْبِ، وإن كانت لِزِيادَةِ الصِّبْغِ، فهي لصاحِبِ الصِّبْغِ. وإن كانت لِزِيادَتِهِما معًا، فهي بينَهما على قَدْرِ زِيادَةِ كلِّ واحِدٍ منهما. فإن تَساوَيَا في الزِّيادَةِ في السُّوقِ، تَساوَى صاحِبَاهما (١) فيها. وإن زادَ أحَدُهما ثَمانِيَة والآخرُ اثْنَين، فهي بينَهما كذلك. وإن زادَا بالعَمَلِ، فالزيادَةُ بينَهما؛ لأنَّ عَمَلَ الغاصِبِ زادَ به في الثَّوْبِ والصِّبْغِ، وما عَمِلَه في المَغْصُوبِ للمَغْصُوبِ منه إذا كان أثَرًا، وزِيادَةُ مالِ الغاصِبِ له.
стр. 7345
وَإنْ أرَادَ أحَدُهُمَا قَلْعَ الصِّبْغِ لَمْ يُجْبَرِ الآخَرُ عَلَيهِ. وَيَحْتَمِلُ أنْ يُجْبَرَ إذَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ النَّقْصَ.
ــ
٢٣٢٧ - مسألة: (وإن أَرادَ أحَدُهما قَلْعَ الصِّبْغِ، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه. ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ إذا ضَمِنَ) له (الغاصِبُ النَّقْصَ) إذا أَرادَ الغاصِبُ قَلْعَ الصِّبْغِ، فقال أصحابُنا: له ذلك، سَواء أضَرَّ بالثَّوْبِ أو لم يَضُرَّ، ويَضْمَنُ نَقْصَ الثَّوْبِ إن نَقَصِ. وبهذا قال الشافعيُّ؛ لأنَّه عَينُ مالِه، فمَلَكَ أخْذَه، كما لو غرَس في أرضِ غيرِه. ولم يُفَرِّقْ
стр. 7346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أصحابُنا بينَ ما يَهْلِكُ صِبْغُه بالقَلْعِ وبينَ ما لا يَهْلِكُ. قال شيخُنا (١): ويَنْبَغِي أنَّ ما يَهْلِكُ بالقَلْعِ لا يَمْلِكُ قَلْعَه؛ لأنَّه سَفَه. وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه لا يَمْلِكُ قَلْعَه إذا تَضَرَّرَ به الثَّوْبُ؛ لأنَّه قال، في المُشْتَرِي إذا بَنَى أو غَرَس في الأرضِ المَشْفُوعَةِ: فله أخذُه إذا لم يَكُنْ في أخْذِه ضَررٌّ. وقال أبو حنيفةَ: ليس له أخْذُه؛ لأنَّ فيه إضْرارًا بالثَّوْبِ المَغْصُوبِ، فلم يُمَكَّنْ منه، كقَطْعِ خِرْقَةٍ منه. وفارَقَ قَلْعَ الغَرْسِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ قَلِيل، ويَحْصُلُ به نَفْعُ قَلْعِ العُرُوق مِن الأرْضِ. وإنِ اخْتارَ المَغْصُوبُ منه قَلْعَ الصِّبْغِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَمْلِكُ إجْبارَ الغاصِبِ عليه، كما يَمْلِكُ إجْبارَه على قَلْعِ شَجَرِهِ مِن أرْضِه، وذلك لأنَّه شَغَل مِلْكَه بمِلْكِه على وَجْهٍ أمْكَنَ تَخْلِيصُه، فلَزِمَه تَخْلِيصُه وإنِ اسْتَضَرَّ الغاصِبُ، كقَلْعِ الشَّجَرِ، وعلى الغاصِبِ ضَمانُ نَقْصِ الثَّوْبِ وأجْر القَلْعِ، كما يَضْمَنُ ذلك في الأرضِ. والثاني، لا يَمْلِك إجْبارَه عليه، ولا يُمَكَّنُ مِن قَلْعِه؛ لأنَّ الصِّبْغَ يَهْلِكُ بالاسْتِخْراجِ، وقد أمْكَنَ وُصُولُ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه بدُونِه بالبَيعِ، فلِم يُجْبَرْ [على قَلْعِه] (٢)، كقَلْعِ الزَّرْعِ مِن الأرْضِ، وفارَق الشَّجَرَ، فإنّه
стр. 7347
وَإنْ وَهَبَ الصِّبْغَ لِلْمَالِكِ، أو وَهَبَهُ تَزْويقَ الدَّارِ وَنَحْوهَا،
ــ
لا يَتْلَفُ بالقَلْعِ. قال القاضي: هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ. ولَعَلَّه أخَذَ ذلك مِن قولِ أحمدَ في الزَّرْعِ، وهذا مُخالف للزَّرْعِ؛ لأنَّ له غايَةً يَنْتَهِي إليها، ولصاحِبِ الأرْضِ أخْذُه بنَفَقَتِه، فلا يَمْتَنِعُ عليه اسْتِرْجاعُ أرْضِه في الحالِ، بخِلافِ الصِّبْغِ، فإنَّه لا نِهايَةَ له إلَّا تلف الثَّوْبِ، فهو أشْبَهُ بالشَّجَرِ (١) في الأرْضِ. ولا يَخْتَصُّ وُجُوبُ القَلْعِ في الشَّجَرِ بما لا يَتْلَفُ. فإنَّه يُجْبَرُ على قَلْع ما يَتْلَفُ وما لا يَتْلَف. ولأصحابِ الشّافِعِيِّ وَجْهانِ كهذَينِ.
فصل: وإن بَدَل رَبُّ الثوْبِ قِيمَةَ الصِّبْغِ للغاصِبِ ليَمْلِكَه، لم يجْبَرْ على قَبُولِه؛ لأنَّه إجْبار على بَيعِ مالِه، فلم يُجْبَرْ عليه، كما لو بَدَل له قِيمَةَ الغِرَاسِ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ على ذلك إذا لم يَقْلَعْه، قِياسًا على الشَّجَرِ والبِناءِ في الأرْضِ المَشْفُوعَةِ، والعارِيَّةِ، وفي الأرْضِ المَغْصُوبَةِ إذا لم يَقْلَعْه الغاصِبُ، ولأنَّه أمْرٌ يَرْتَفِعُ به النِّزاعُ، ويَتَخَلَّصُ به أحَدُهما مِن صاحِبِه من غيرِ ضَرَرٍ، فأُجْبِرَ عليه، كما ذَكَرْنا. وإن بَدَل الغاصِبُ قيمَةَ الثَّوْبِ لصاحِبِه ليَمْلِكَه، لم يُجْبَرْ على ذلك، كما لو بَدَل صاحِبُ الغَرْسِ قِيمَةَ الأرْضِ لمالِكِها في هذه المَواضِعِ.
٢٣٢٨ - مسألة: (وإن وَهَب) الغاصِبُ (الصِّبْغَ للمالِكِ، أو
стр. 7348
فَهَلْ يَلْزَم الْمَالِكَ قَبُولُهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ــ
وَهَبَه تَزْويقَ الدّارِ ونحوها، فهل) يَلْزَمُه قَبُولُه؟ (على وَجْهَين) أحَدُهما، يَلْزَمُه؛ لأنَّ الصِّبْغَ صار مِن صِفَاتِ العَينِ، فهو كزِيادَةِ الصِّفَةِ في المُسْلَمِ فيه. وهذا ظاهِرُ كَلام الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه قال في الصّدَاقِ: إذا كان ثَوْبًا فَصَبَغَتْه (١)، فبَذَلَتْ له نِصفَه مَصْبُوغًا، لَزِمَه قَبُولُه. والثاني، لا يُجْبَرُ؛ لأنها أعْيان مُتَمَيِّزَة، فأشْبَهَتِ الغِرَاسَ. وإن أَرادَ المالِكُ بَيعَ الثَّوْبِ، وأبى الغاصِبُ، فله بَيعُه؛ لأنَّه مِلْكُه، فلا يَمْلِكُ الغاصِبُ مَنْعَهْ مِن بَيعِ مِلْكِه بِعُدْوانِه، وإن أَرادَ الغاصِبُ بَيعَه، لم يُجْبَرِ المالِكُ على بَيعِه؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ (٢)، فلم يَسْتَحِقَّ إزَالةَ مِلْكِ صاحب الثَّوْبِ عنه بعُدْوانِه. ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ؛ ليَصِلَ الغاصِبُ إلى ثَمَنِ صِبْغِه.
стр. 7349
وإنْ غَصَبَ صِبْغًا فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا، أوْ زَيتًا فَلَتَّ بِهِ سَويقًا، احْتَمَلَ أنْ يَكُون كَذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أنْ تَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ، أوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا.
ــ
٢٣٢٩ - مسألة: (وإن غَصَب صِبْغًا فصَبَغَ به ثَوْبًا، أو زَيتًا فَلَتَّ به سَويقًا، احْتَمَلَ أن يكونَ كذلك) كما إذا غَصَب ثَوْبًا فصَبَغَه، حُكْمُه كحُكْمِه، إذا كان الثَّوْبُ والسَّويقُ للغاصِبِ؛ لأنَّه خَلَط المَغْصُوبَ بمالِه. (ويَحتَمِلُ أن يَلْزَمَه قِيمَتُه، أو مِثلُه إن كان مِثْلِيًّا) لأنَّ المَغْصُوبَ الصِّبْغُ، وقد تَفَرَّقَ في الثَّوْبِ وتَلِفَ، بخِلافِ المسألةِ المُتَقَدِّمَةِ.
стр. 7350
وَإنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا، فَصَبَغَهُ بِهِ، رَدَّهُ وَأرْشَ نَقْصِهِ، وَلا شَيءَ لَهُ في زِيَادَتِهِ.
ــ
٢٣٣٠ - مسألة: (وإن غَصَب ثَوْبًا وصِبْغًا، فصَبَغَه به، رَدَّه وأرْيقَ نَقْصِه، ولا شيءَ له في زِيادَتِه) إذا غَصَب ثَوْبًا وصِبْغًا مِن واحِدٍ، فصَبَغَه به، فلم تَزِدْ قِيمَتُهما ولم تَنْقُصْ، أو زادَتِ القِيمَةُ، رَدَّهُما ولا شيءَ عليه، وليس للغاصِبِ شيءٌ في الزِّيادَةِ؛ لأنَّه إنَّما له في الصِّبْغِ أثَرْ لا عَينٌ، وإن نَقَص، لَزِمَه ضَمان النَّقْصِ؛ لأنَّه بتَعَدِّيه، إلَّا أن يَنْقُصَ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ.
فصل: وإن غَصَب ثَوْبَ رجل وصِبْغَ آخَرَ، فصبَغَه به، فإن كانتِ القِيمَتان بحالِهما فهما شَرِيكانِ بقَدْرِ ماليهِما، وإن زادَتْ، فالزِّيادَةُ لهما، وإن نَقَصَتْ بالصِّبْغَ، فالضَّمانُ على الغاصِبِ، ويكونُ النَّقْصُ (١) مِن صاحِبِ الصِّبْغِ؛ لأنَّه تَبَدَّدَ في الثَّوْب، ويَرْجِعُ بها على الغاصِبِ، وإن نقَص لنَقْصِ سِعْرِ الثِّيابَ أو الصِّبْغِ، أَو لنَقْصِ سِعْرِهما،
стр. 7351
فصْلٌ: وَإنْ وَطِيء الْجَارِيَةَ، فَعَلَيهِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَإنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً، وَأرشُ الْبَكَارَةِ. وَعَنْهُ، لا يَلْزَمُهُ مَهْرُ الثَّيِّب.
ــ
لم يَضْمَنْه الغاصِبُ، وكان نَقْصُ كلِّ واحِدٍ منهما مِن صاحِبِه. وإن أَرادَ صاحِبُ الصِّبْغِ قَلْعَه، أو أَرادَ ذلك صاحِبُ الثَّوْبِ، فالحُكْمُ فيه كما لو صَبَغَه الغاصِبُ بصِبْغ مِن عِنْدِه، على ما مَرَّ بَيانُه. والحُكْمُ فيما إذا غَصَب سَويقًا فلتَّه بزَيتٍ، أو عَسَلًا ونَشَاءً، فعَقَدَه حَلْوَاءَ، حُكْمُ ما لو غَصب ثَوْبًا فصَبَغَه، على ما ذُكِرَ فيه.
فصل: قال الشَّيخُ، ﵁: (وإن وَطِئ الجارِيَةَ، فعليه الحَدُّ والمَهْرُ وأرشُ البَكَارَةِ وإن كانت مُطاوعَةً) إذا غَصَب جارِيَةً فوَطِئها فهو زَانٍ؛ لأنَّها ليست زَوْجَةً ولا مِلْكَ يَمِينٍ، وعليه حَدُّ الزِّنَى إن كان عالِمًا بالتَّحْرِيمِ؛ [لأنَّه لا مِلْكَ له عليها ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ] (١). وعليه مَهْرُ
стр. 7352
وَإنْ وَلَدَتْ، فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلسَّيِّدِ.
ــ
مِثْلِها، مُكْرَهَةً كانت أو مُطاوعَةً. وقال الشافعيُّ: لا مَهْرَ للمُطاوعَةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن مَهْرِ البَغِيِّ. [مُتَّفَق عليه] (١). ولَنا، أنَّ المَهْرَ حَق للسَّيِّدِ، فلم يَسْقُطْ بمُطَاوَعَتِها، كما لو أَذنَتْ في قَطعِ يَدِها, ولأنَّه حَقّ للسَّيِّدِ يَجِبُ مع الإكْراهِ، فيَجِبُ مع المُطاوَعَةِ، كأجْرِ مَنافِعِها، والخَبَرُ مَحْمُولٌ على الحُرَّةِ. ويَجبُ أرْشُ بَكَارَتِها, لأنَّه (٢) بَدَلُ جُزْءٍ منها. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ؛ لأنَّه يدخلُ في مَهْرِ البِكْرِ، ولهذا يَزِيدُ على مَهْرِ الثيبِ عادَةً؛ لأجْلِ ما يَتَضَمَّنُه مِن تَفْويتِ البَكَارَةِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُضْمَنُ مُنْفَرِدًا، بدَلِيلِ أنَّه لو وَطِئها ثيِّبًا وَجَب مَهْرُها، وإذا افْتَضَّها بإصْبَعِه، وَجَب أرْشُ بَكارَتِها، فكذلك وَجَب أن يَضْمَنَهُما إذا اجْتَمَعَا (وعنه، لا يَلْزَمُه مَهْر الثيبِ) لأنَّه لم يَنْقُصْها، ولم يُؤلمْها، أشْبَهَ ما لو قَبَّلَها. والأوَّلُ أوْلَى.
٢٣٣١ - مسألة: (وإن وَلَدَتْ، فالوَلَدُ رَقِيقٌ للسَّيِّدِ) لأنَّه مِن
стр. 7353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نَمائِها وأجْزائِها , ولا يَلْحَقُ نَسَبُه بالواطِئ؛ لأنَّه مِن زِنًى. وإن وَضَعَتْه حَيًّا، وجَب رَدُّه معها، كزَوائدِ الغَصْبِ، وإن اسْقَطَتْه مَيِّتًا، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ حَياتَه قبلَ هذا. هذا قولُ القاضِيّ. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافعيّ عندَ أصْحابِه. وقال القاضي أبو الحُسَينِ: يَجِبُ ضَمانُه بقِيمَتِه لو كان حَيًّا. نَصَّ عليه الشافعيُّ؛ لأنَّه يَضْمَنُه لو سَقَط بضَرْبِه، وما يُضْمَنُ بالإتْلافِ، يَضْمَنُه الغاصِبُ إذا تَلِفَ في يَدِه، كأُجْرَةِ الأرْضِ. قال شيخُنا (١): والأوْلَى، إن شاء الله، أنَّه يَضْمَنُه بعُشرِ قِيمَةِ أُمِّه؛ لأنَّه الذي يَضْمَنُه به بالجِنَايَةِ. وإن وَضَعَتْه حَيًّا ثم ماتَ، ضَمِنَه بقِيمَتِه.
стр. 7354
وَيَضْمَنُ نَقْصَ الْولادَةِ.
ــ
٢٣٣٢ - مسألة: (ويَضْمَنُ نَقْصَ الولادَةِ) ولا يَنْجَبِرُ بزِيادَتِها بالوَلَدِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَنْجَبِرُ نَقْصُها بوَلَدِها. ولَنا، أنَّ وَلَدَها مِلْك للمَغْصُوبِ منه، فلا يَنْجَبِرُ به نَقْص حَصَل بجِنايَةِ
стр. 7355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الغاصِبِ، كالنقْصِ الحاصِلِ بغيرِ الولادَةِ. وإن ضَرَب الغاصِبُ بَطْنَها، فألقَتِ الجَنِينَ مَيتا، فعليه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّه، وإن فَعَلَه أجْنَبِي، ففيه مِثْل ذلك، وللمالِكِ تَضْمِينُ أيهما شاءَ، ويَسْتَقِرُّ الضمانُ. على الضارِبِ؛ لأن الإتْلافَ وُجِدَ منه. وإن ماتتِ الجارِيَةُ، فعليه قِيمَتُها أكْثَرَ ما كانت. ويَدْخُلُ في ذلك أرْشُ بَكَارَتها ونَقْصُ ولادَتِها, ولا يدخلُ فيه ضَمانُ وَلَدِها ولا مَهْرُ مِثْلِها. ولا فرْقَ في هذه الأحْوالِ بينَ المُكْرَهَةِ والمُطاوعَةِ؛ لأنها حُقُوقٌ لسَيِّدِها، فلا تَسْقُطُ بمُطاوَعَتِها، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في مَهْرِ المُطاوعَةِ. فأمّا حُقُوق اللهِ تعالى مِن الحَدِّ والإثْمِ (١) والتعْزِيرِ، فإن كانت مُطاوعَةً عالِمَةً بالتَّحْرِيمِ، فعليها الحَدُّ إذا كانت مِن أَهْلِه، وإلَّا فلا.
فصل: فإن كان الغاصِبُ جاهلًا بتَحْرِيمِ ذلك؛ لقُرْبِ عَهْده بالإِسلامِ، أو ناشِئًا ببادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى عليه مثلُ هذا، أو اعْتَقَدها أمَتَه، فوَطِئها (٢)، ثم بأن أنَّها غيرُها، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ الحُدُودَ تُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، وعليه المَهْرُ وأرشُ البَكارَةِ. وإن حَمَلَتْ، فالوَلَدُ حُرٌ؛ لاعْتِقادِه أنَّها مِلْكُه، ويَلْحَقُه النَسَبُ؛ لمَكانِ الشُّبْهَةِ. وإن وَضَعَتْه مَيِّتًا، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَعْلَمْ حَياتَه ولأنَّه لم يَحُلْ بينَه وبينَه، وإنَّما