وَإِنْ بَقِيَتْ في يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرفُ أَرْبَابَهَا، تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ، بِشرْطِ الضَّمَانِ، كَاللُّقَطَةِ.
ــ
أنَّ القَوْلَ قولُ البائِعِ، كذلك هذا. وإن غَصَبَه خَمْرًا، فقال المالِكُ: تَخَلَّلَ عندَك. وأنْكَرَ الغاصِبُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ تَغيُّرِه وبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الغاصِبِ. وإنِ اخْتَلَفَا في تلَفِه، فالقولُ قولُ الغاصِبِ إذا ادَّعَى التَّلَفَ؛ لأنَّه أَعْلَمُ بذلك، وتَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ عليه، فإذا حَلَف، فللمالِكِ المُطالبَةُ ببَدَلِه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ رَدُّ العَينِ، فلَزِمَ بَدَلُها, كما لو غَصَب عَبْدًا فأَبَقَ. وقيلَ: ليس له المُطالبَةُ بالبَدَلِ؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه. وإن قال: غَصَبْتَ مني حَدِيثًا. قال: بل عَتِيقًا. فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الحَدِيثِ، وللمالِكِ المُطالبَةُ بالعَتِيق؛ لأنَّه دُونَ حَقِّه. وإنِ اخْتَلَفا في الثِّيابِ التي على العَبْدِ، فهي للغاصِبِ؛ لأنَّها في يَدِه، فكان القَول قوْله فيها، ولم يَثْبُتْ أنَّها كانت لمالِكِ العَبْدِ.
٢٣٦٤ - مسألة: (وإن بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْلَمُ أَرْبابَها، تَصَدَّقَ بها عنهم، بشَرْطِ الضَّمَانِ، كاللُّقَطَةِ) لأنَّه عاجِزٌ عن
стр. 7422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَدِّها على أصحابِها، فإذا تَصَدَّقَ بها عنهم كان ثَوابُها لأرْبابِها، فيُسْقِطُ ذلك إثْمَ غَصْبِها، ولأنَّ قَضاءَ الحُقُوقِ في الآخِرَةِ بالحَسَناتِ وحَمْلِ السَّيِّئاتِ، فإذا طُلِبَ منه عِوَضُ الغصْبِ أحَالهُم بثَوابِ الصَّدَقَةِ. [وعنه في اللُّقَطَةِ، لا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ] (١) بها. فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه. فعلى هذا، له دَفْعُه إلى نائِبِ الإِمَامِ، كالضَّوَالِّ.
стр. 7423
فَصْلٌ: وَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيرِه، ضَمِنَهُ.
ــ
فصل: قال، ﵁: (ومَن أَتْلَفَ مالًا مُحْتَرَمًا لغيرِه، ضَمِنَه) إذا كان بغيرِ إذْنِه. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّه فَوَّتَه عليه، فوَجَبَ عليه ضَمانه, كما لو غَصَبَه فتَلِفَ عندَه.
стр. 7424
وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرِهِ، أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِهِ، أَوْ رِبَاطَ فَرَسِهِ،
ــ
٢٣٦٥ - مسألة: (وإن فَتَح قَفَصًا عن طائِرِه) فطَارَ (أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِه، أو رِبَاطَ فَرَسِه) [إذا حَلَّ رِباطَ دابَّةٍ فذَهَبَتْ، أو فَتَح قَفَصًا عن طائِرِهِ فطار، ضَمِنَهما] (١). وبه قال مالِكٌ. وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ: لا ضَمانَ عليه، إلَّا أن يكونَ أهَاجَهُما حتى ذَهَبَا. وقال أصحابُ الشافِعِيِّ: إن وَقَفَا بعدَ الحَلِّ والفَتْحِ، ثم ذَهَبَا، لم يَضْمَنْهُما،
стр. 7425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن ذَهَبَا عَقِيبَ ذلك، ففيه قَوْلانِ. واحْتَجَّا بأنَّ لهما اخْتِيارًا، وقد وُجِدَتْ منهما المُباشَرَةُ، ومِن الفاتِحِ سَبَبٌ غيرُ مُلْجِئٍ، فإذا اجْتَمَعَا، لم يَتَعَلَّقِ الضَّمانُ بالسببِ، كما لو حَفرَ بِئْرًا فجاء عَبْدٌ لإِنْسانٍ فرَمَى نَفْسَه فيها. ولَنا، أنَّه ذَهَب بسَبَبِ فِعْلِه، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو نَفَّرَه، أو ذَهَب عَقِيبَ فَتْحِه وحَلِّه، والمُباشَرَةُ إنَّما حَصَلتْ مِمَّن لا يُمْكِنُ إحَالةُ الحُكْمِ عليه، فيَسْقُطُ، كما لو نَفَّرَ الطائِرَ، وأهَاجَ الدّابَّةَ، أو أشْلَى (١) كَلْبًا على صَبِيٍّ فقَتَلَه، أو أطْلَقَ نارًا في مَتاعِ إنْسانٍ، فإنَّ للنارِ فِعْلًا، لكنْ لَمَّا لم يُمْكِنْ إحالةُ الحُكْمِ عليها، كان وُجُودُه كعَدَمِه، ولأنَّ الطائِرَ وسائِرَ الصَّيدِ مِن طَبْعِه النُّفُورُ، وإنَّما يَبْقَى بالمانعِ، فإذا أُزِيلَ المانِعُ ذَهَبَ بطَبْعِه، فكان ضَمانُه على مَن أزَال المانِعَ، كمَن قَطَع عِلَاقَةَ قِنْدِيلٍ فوَقَعَ فانْكَسَرَ. وهكذا لو حَلَّ قَيدَ عَبْدٍ فذَهَبَ، أو أَسِيرٍ فأَفْلَتَ؛ لأنَّه تَلِفَ بسَبَبِ فِعْلِه.
стр. 7426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأمَّا إن فَتَح القَفَصَ، وحَلَّ الفَرَسَ، فبَقِيَا واقِفَين، فجاء إنْسانٌ فنَفَّرَهُما فذَهَبَا، فالضَّمانُ على مُنَفِّرِهِما؛ لأنَّ سَبَبَه أخَصُّ فاخْتَصَّ الضَّمانُ به، كالدّافِعِ مع الحافِرِ. وإن وَقَع طائِرُ إنْسانٍ على جِدَارٍ، فنَفَّرَه إنْسانٌ فطَارَ، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ تَنْفِيرَه لم يَكُنْ سَبَبَ فَوَاتِه، فإنَّه كان مُمْتَنِعًا قبل ذلك. وإن رَمَاه فقتَله، ضَمِنَه وإن كان في دارِه؛ لأنَّه كانْ يُمْكِنُه تَنْفِيرُه بغيرِ قَتْلِه. وكذلك لو مَرَّ طائِرٌ في هَواءِ دارِه فرَمَاه فقَتَلَه، ضَمِنَه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ مَنْعَ الطائِرِ مِن هَواءِ الدّارِ، فهو كما لو رَمَاه في هَواءِ دارِ غيرِه.
стр. 7427
أَوْ وكَاءَ زِقِّ مَائِعٍ، أَوْ جَامِدٍ فَأذَابَتْهُ الشَّمْسُ، أَوْ بَقِيَ بَعْدَ حَلِّهِ قَاعدًا فَأَلقَتْهُ الرِّيحُ فَانْدَفَقَ، ضَمِنَهُ. وَقَال الْقَاضِي: لَا يَضْمَنُ مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ.
ــ
٢٣٦٦ - مسألة: وإن حَلَّ (وكَاءَ زِقِّ مائعٍ، أو جامِدٍ فأذَابَتْه الشمسُ، أو بَقِيَ بعدَ حَلِّه قاعِدًا، فأَلْقَتْه الرِّيحُ فانْدَفقَ، ضَمِنَه) إذا حَلَّ وكَاءَ زِقٍّ مائعٍ فانْدَفَقَ، أو كان جامِدًا، فذَابَ بشمسٍ، أو سَقَط برِيحٍ أو بزَلْزَلةٍ، ضَمِنَه، سَواءٌ خَرَج في الحالِ، أو قَلِيلًا قَلِيلًا (١)، أو خَرَجَ منه شيءٌ بَلَّ أَسْفَلَه، فسَقَطَ، أو ثَقَّلَ أحَدَ جانِبَيه، فلم يَزَلْ يَمِيلُ قَلِيلًا قليلًا حتى سَقَطَ، [أو سَقَط بزَلْزَلَةٍ أو رِيحٍ، أو كان جامِدًا فذابَ بشمسٍ] (٢)؛ لأنَّه تَلِفَ بسَبَبِ فِعْلِه (وقال القاضي: لا يَضْمَنُ) إذا
стр. 7428
وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً في طَرِيقٍ فَأَتْلَفَتْ، أَو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا ضَمِنَ.
ــ
سَقَطَ برِيحٍ أو زَلْزَلَةٍ، ويَضْمَنُ فيما سِوَى ذلك. وبه قال أصحابُ الشافعيِّ. ولهم فيما إذا ذابَ بالشمسِ وَجْهان، قالوا: لأنَّ فِعْلَه غيرُ مُلْجِئٍ، والمَعْنَى الحادِثُ مُباشَرَةٌ، فلم يتَعَلَّقِ الضَّمانُ بفِعْلِه, كما لو دَفَعَه إنْسانٌ. ولَنا، أنَّ فِعْلَه سَبَبُ تَلَفِه، ولم يَتَخَلَّلْ بينَهما ما يُمْكِنُ إحالةُ الحُكْمِ عليه، فوَجَبَ عليه الضَّمانُ, كما لو خَرَج عَقِيبَ فِعْلِه، أو مال قَلِيلًا قَلِيلًا، وكما لو جَرَح إنْسانًا فأصَابَه الحَرُّ أو البرْدُ فسَرَتِ الجِنايَةُ، فإنَّه يَضْمَنُ. وأمّا إذا دَفَعَه إنْسانٌ، فإنَّ المُتَخَلِّلَ بينَهما مُباشَرَةُ مَن تُمْكِنُ الإِحالةُ عليه، بخِلافِ مسألَتِنا.
٢٣٦٧ - مسألة: (وإن رَبَط دابَّةً في طَرِيقٍ فأتْلَفَتْ، أو اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فَعَقَرَ، أو خَرَق ثَوْبًا، ضَمِن) إذا أَوْقَفَ الدّابَّةَ في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ،
стр. 7429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَمِن ما جَنَتْ بيَدٍ أو رِجْلٍ أو فَمٍ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بوَقْفِها فيه. وإن كان الطَّرِيقُ واسِعًا، ضَمِن في إحْدَى الرِّوايَتَين. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ انْتِفاعَه بالطَّرِيقِ مَشْرُوطٌ بالسَّلامَةِ. وكذلك (١) لو تَرَك في الطَّرِيقِ طِينًا فزَلَقَ به إنْسانٌ، ضَمِنَه. والثانيةُ، لا يَضْمَنُ؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بوَقْفِها في الطَّرِيقِ الواسِعِ، فلم يَضْمَنْ, كما لو وَقَفَها في مَوَاتٍ. وفارَقَ الطِّينَ؛ فإَّنه مُتَعَدٍّ بتَرْكِه في الطَّرِيقِ. وأمَّا الكَلْبُ، فيَلْزَمُه ضَمانُ ما أتْلَفَ؛ لأنَّه تَعَدَّى بذلك، فلَزِمَه الضَّمانُ, كما لو بَنَى في الطَّرِيقِ دُكّانًا.
стр. 7430
إلَّا أَنْ يَكُونَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغيرِ إِذْنِهِ.
ــ
٢٣٦٨ - مسألة: (إلَّا أن يكونَ دَخَل مَنْزِلَه بغيرِ إذنِه) لأنَّه مُتَعَدٍّ بالدُّخُولِ، فقد تَسَبَّبَ إلى إتْلافِ نَفْسِه بجِنايَتِه، وإن دَخَل بإذْنِ المالِكِ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه. فإن أَتْلَفَ الكَلْبُ بغيرِ العَقْرِ، مثلَ أن وَلَغ في إناءِ إنْسانٍ أو بال، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ هذا لا يَخْتَصُّ الكَلْبَ العَقُورَ.
قال القاضي: وإنِ اقْتَنَى سِنَّوْرًا يَأْكُلُ أفْراخَ الناسِ، ضَمِن ما أتْلَفَه، كالكَلْبِ العَقُورِ، ولا فَرْقَ بينَ اللَّيلِ والنَّهَارِ. فإن لم تَكُنْ له عادَةٌ بذلك،
стр. 7431
وَقِيلَ: في الْكَلْب رِوَايَتَانِ في الْجُمْلَةِ.
ــ
لم يَضْمَنْ صاحِبُه جِنايَتَة، كالكَلْبِ الذي ليس بعَقُورٍ. ولو أنَّ الكَلْبَ العَقُورَ أو السِّنَّوْرَ حَصَل عندَ إنْسانٍ مِن غيرِ اقْتِنائِه ولا اخْتِيارِه فأفْسَدَ، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يَحْصُلِ الإِتْلافُ بتَسَبُّبِه. فإنِ اقْتَنَى حَمامًا أو غيرَه مِن الطَّيرِ فأرْسَلَه نَهارًا، فلَقَطَ حَبًّا، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّ العادَةَ إرْسالُه.
٢٣٦٩ - مسألة: (وقيلَ: في الكَلْب رِوَايتانِ في الجُمْلَةِ) إحداهما، يَضْمَنُ، سَواءٌ كان في مَنْزِلِ صاحِبِه أَو خارِجًا، وسَواءٌ دَخَل بإذْنِ صاحِبِ المَنْزِلِ أو بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّ اقْتِناءَه الكَلْبَ العَقُورَ سَبَبٌ للعَقْرِ وأَذى الناسِ، فضَمِنَ صاحِبُه، كَمن رَبَط دابَّةً في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ. والثانيةُ،
غَيرِهِ فَأَتْلَفَهُ، ضَمِنَ إِذَا كَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِيهِ، أوْ فَرَّطَ، وَإلَّا فَلَا.
ــ
فتَعَدَّى إلى مِلْكِ غيرِه فأتْلَفَه، ضَمِنَ إذا كان قد أَسْرَفَ فيه، أو فَرَّطَ، وإلَّا فلا) وجُمْلَتُه، أنَّه إذا فَعَل ذلك، لم يَضْمَنْ إذا كان ما جَرَتْ به العادَةُ مِن غيرِ تفرِيطٍ؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ، ولأنَّها سِرَايَة فِعْلٍ مُباحٍ، فلم يَضْمَنْ، كسِرَايَةِ القَوَدِ. وفارَقَ مَن حَلَّ وكَاءَ زِقٍّ فانْدَفَقَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بحَلِّه، ولأنَّ الغالِبَ خُروجُ المائِعِ مِن الزِّقِّ المَفْتوحِ، بخِلافِ هذا. فإن كان بتَفْرِيطٍ منه أو إسْرافٍ؛ بأن أَجَّجَ نارًا تَسْرِى في العادَةِ لكَثْرَتِها، أو في رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَحْمِلُها، أو فَتَحَ ماءً كثيرًا يتَعَدَّى، أو فَتَح الماءَ في أرْضِ غيرِه، أو أَوْقَدَ في دارِ غيرِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به وإن سَرَى إلى غيرِ الدّارِ التي أَوْقَدَ فيها، والأرضِ التي فَتَحَ الماءَ فيها؛ لأنَّها سِرَايَةُ غدْوانٍ، أشْبَهَ سِرايَةَ الجُرْحِ الذي تَعَدَّى به. وكذلك (١) إن يَبَّسَتِ النارُ أغْصانَ شَجَرَةِ غيرِه، يَضْمَن؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا مِن نارٍ كَثِيرَةٍ، إلَّا أن تكونَ الأغْصان في هَوائِه، فلا يَضْمَنُ؛ لأنَّ دُخُولَها إليه غيرُ مُسْتَحَقٍّ، فلا يُمْنَعُ مِن التَّصَرُّفِ في دارِه؛ لحُرْمَتِها. ومَذْهَبُ الشافِعِيِّ كما ذَكَرْنا في هذا الفصلِ.
стр. 7435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن ألْقَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثَوْبَ غيرِه، لَزِمَه حِفْظُه؛ لأنَّه أمانَةٌ حَصَلَتْ تحتَ يَدِه، أشْبَهَتِ اللُّقَطَةَ. فإن لم يَعْرِفْ صاحِبَه، فهو لُقَطَةٌ يَثْبُتُ فيها أحْكامُها. وإن عَرَف صاحِبَه، لَزمَه إعْلَامُه، فإن لم يَفْعَلْ، ضَمِنَه؛ لأنَّه أمْسَكَ مال غيرِه بغيرِ إذنِه مِن غيرِ تَعْرِيفٍ، فهو كالغاصِبِ. وإن سَقَط طائِرٌ في دارِه، لم يَلْزَمْه حِفْظُه، ولا إعْلامُ صاحِبِه؛ لأنَّه مَحْفُوظٌ بنَفْسِه، إلَّا أن يكونَ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فهو كالثَّوْبِ. وإن دَخَل بُرْجَه، فأغْلَقَ عليه البابَ ناويًا إمْساكَه لنَفْسِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه أمْسَكَ مال غيره لنَفْسِه، فهو كالغاصِبِ، وإلَّا فلا ضَمان عليه؛ لأنَّه يَتَصَرَّف في بُرْجِه كيف شاءَ، فلا يَضْمَنُ مال غيرِه بتَلَفِه ضِمْنًا (١)، لتَصَرُّفِه الذي لم يَتَعَدَّ فيه.
стр. 7436
وَإِنْ حَفَرَ في فِنَائِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا.
ــ
٢٣٧١ - مسألة: (وإن حَفَر في فِنائِه بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها) الفِنَاءُ ما كان خارِجَ الدّارِ قَرِيبًا منها. إذا حَفَر في الطَّرِيقِ بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها، سَواءٌ حَفَرَها بإذْنِ الإِمامِ أو بغيرِ إذْنِه، وسَواءٌ كان فيها ضَرَرٌ أو لا. وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن حَفَرَها بإذْنِ الإِمامِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ للإِمَام أن يَأْذَنْ في الانْتِفاعِ بما لا ضَرَرَ فيه، بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ أن يَأْذَنَ في القُعُودِ (١) فيه، ويُقْطِعَه لمَن يَبِيعُ فيه. ولَنا، أنَّه تَلِفَ بحَفْرِ حُفْرَةٍ في مَكانٍ مُشْتَرَكٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه لغيرِ مَصْلَحَتِهم،
стр. 7437
وَإِنْ حَفَرَهَا في سَابِلَةٍ؛ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
ــ
فضَمِنَ, كما لو لم يَأْذَنْ فيه الإِمَامُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ للإِمامِ الإِذْنَ في هذا. وإنَّما جازَ الإِذْنُ في القُعُودِ (١)؛ لأنَّه لا يَدُومُ، ويُمْكِنُ إزَالتُه في الحالِ، أشْبَهَ القُعُودَ في المَسْجِدِ، ولأنَّ (٢) القُعُودَ جائِزٌ مِن غيرِ إذْنِ الإِمَام، بخِلافِ الحَفْرِ.
٢٣٧٢ - مسألة: (وإن حَفَرَها في سابِلَةٍ؛ لنَفْعِ المسلمينَ، لم يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين) مثلَ أن يَحْفِرَها ليَنْزِلَ فيها ماءُ المَطَرِ، أو ليَشْرَبَ منه المارَّةُ، ونحو هذا، فلا يَضْمَنُ؛ لأنَّه مُحْسِنٌ بفِعْلِه غيرُ مُتَعَدٍّ، أشْبَهَ باسِطَ الحَصِيرِ في المَسْجِدِ. وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَضْمَنُ إذا
стр. 7438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان بإذْنِ الإمامِ، وإن كان بغيرِ إذْنِه، لم يَضْمَنْ في إحدى الرِّوايَتَين، فإنَّ أحمدَ مَال في رِوايَةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ: إذا أَحْدَثَ بِئْرًا لماءِ المَطَرِ، ففيه (١) نَفْعٌ للمُسْلِمِينَ، أَرْجُو أن لا يَضْمَنَ. والثانيةُ، يَضْمَنُ. أَوْمَأَ إليه أحمدُ؛ لأنَّه افْتأَتَ علي الإِمَامِ. ولم يَذْكُرِ المَاضِي سِوَى هذه الرِّوايَةِ. والصَّحِيحُ الأوّلُ؛ لأن هذا مِمّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، ويَشُقُّ اسْتِئْذانُ الإِمَامِ فيه، وتَعُمُّ البَلْوَى به، ففي وُجُوبِ الاسْتِئْذانِ فيه تَفْويتٌ لهذه المَصْلَحَةِ العامَّةِ؛ لأنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ مَن يَتَحَمَّلُ كُلْفَةَ الاسْتِئْذانِ والحَفْرِ معًا، فتَضِيعُ هذه المَصْلَحَةُ، فوَجَبَ سُقُوطُ الاسْتِئْذانِ, كما في سائِرِ المَصالِحِ العَامّةِ؛ مِن بَسْطِ حَصِيرٍ في المَسْجِدِ، أو وَضْعِ سِرَاجٍ، أو رَمِّ شَعَثٍ، وأشْباهُ ذلك. وحُكمُ البِناءِ في الطَّرِيقِ حُكْمُ الحَفْرِ فيها، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ والخِلافِ، وهو أنَّه متى بَنَى بِناءً يَضُرُّ؛ لكَوْنِه في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ،
стр. 7439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو واسِعٍ إلَّا أنَّه يَضُرُّ بالمارَّةِ، أو بَنَى (١) لنَفْسِه، ضَمِن ما تَلِفَ به، وسَواءٌ في ذلك كلِّه إذْنُ الإِمَامِ وعَدَمُ الإِذْنِ. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أن يُعْتَبَرَ إذْنُ الإِمامِ في البِنَاءِ لنَفْعِ المُسْلِمينَ دونَ الحَفْرِ؛ لأنَّ الحَفْرَ تَدْعُو الحاجَةُ إليه لنَفْعِ الطَّرِيقِ، وإصْلاحِها، وإزالةِ الطِّينِ والماءِ منها، بخِلافِ البِناء، فجَرَى حَفْرُها مَجْرَى تَنْقِيَتها، وحَفْرِ هِدْفَةٍ (٣) منها، وقَلْعِ حَجَرٍ يَضُرُّ بالمارَّةِ، ووَضْعِ الحَصَى في حُفْرَةٍ فيها [لِيَمْلَأَها ويُسَهِّلَها] (٤) بإزَالةِ الطِّينِ ونحوه منها، وتَسْقِيفِ ساقِيةٍ فيها، ووَضْعِ حَجَرٍ في [طِينِ فيها] (٥) ليَطَأَ الناسُ عليه، فهذا كُلُّهُ مُباحٌ، لا يَضْمَنُ ما
стр. 7440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَلِفَ به. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ في بِناءِ القَناطِرِ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْتَبَرَ إذْنُ الإِمَامِ فيها؛ لأنَّ مَصْلَحَتَه لا تَعُمُّ، بخِلافِ غيرِه. قال بعضُ أصحابِنا في حَفْرِ البِئْرِ: يَنْبَغِي أن يَتَقَيَّدَ سُقُوطُ الضَّمانِ إذا حَفَرَها في مَكانٍ مائِلٍ عن القارِعَةِ، وجَعَل عليه حاجِزًا يُعْلَمُ به ليُتَوَقَّى.
стр. 7441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن حَفَر العَبْدُ بِئْرًا في مِلْكِ إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه، أو في طَرِيقٍ، يَتَضَرَّرُ به، ثم أُعْتِقَ، ثم تَلِفَ بها شيءٌ، ضَمِنَه العَبْدُ. وبه قال الشّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: الضَّمانُ على السَّيِّدِ؛ لأنَّ الجِنايَةَ بالحَفْرِ (١) في حالِ رِقِّه، وكان ضَمانُ جِنايَتِه حِينَئذٍ على سَيِّدِه، ولا يَزُولُ ذلك بعِتْقِه, كما لو جَرَح في حالِ رِقِّه ثم سَرَى جُرْحُه بعدَ عِتْقِه. ولَنا، أنَّ التلَفَ المُوجِبَ للضَّمانِ وُجِدَ بعدَ العِتْقِ، فكان الضَّمانُ عليه, كما لو اشْتَرَى سَيفًا في حالِ
стр. 7442
وَإِنْ بَسَطَ في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ.
ــ
رِقِّه ثم قَتَل به بعدَ عِتْقِه. وفارَقَ ما قاسُوا عليه؛ لأنَّ الإِتْلافَ المُوجِبَ للضَّمانِ وُجِدَ حال رِقِّه، وههُنا حَصَل بعدَ عِتْقِه. وكذلك القولُ في نَصْبِ حَجَرٍ أو غيرِه مِن الأسْبابِ التي يَجِبُ بها الضَّمانُ.
٢٣٧٣ - مسألة: (وإن بَسَط في مَسْجِدٍ حَصِيرًا، أو عَلَّقَ فيه قِنْدِيلًا) أو سَقَفَه، أو نَصَب عليه بابًا، أو جَعَل فيه رَفًّا ليَنْتَفِعَ به الناسُ، فتَلِفَ به شيءٌ، فلا ضَمانَ عليه. وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن فَعَل شيئًا
стр. 7443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن ذلك بغير إذْنِ الإِمامِ، ضَمِن في أحَدِ الوَجْهَين. وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ إذا لم يَأْذَنْ فيه الجِيرانُ. ولَنا، أنَّ هذا فِعْلٌ أحْسَنَ به ولم يَتَعَدَّ فيه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به, كما لو أَذنَ فيه الإِمامُ والجِيرانُ، ولأَنه فَعَل ما يَنْتَفِعُ به المُسْلِمونَ غالِبًا، فلم يَضْمَنْ، كمَن مَهَّدَ الطَّرِيقَ، ولأنَّ هذا مَأذُونٌ فيه عُرْفًا؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بالتبَّرُّعِ به مِن غيرِ اسْتِئْذانٍ، فلم يَضْمَنْ فاعِلُه، كالمأْذُونِ فيه نُطْقًا.
стр. 7444
وَإِنْ جَلَسَ في مَسجِدٍ أوْ طَرِيقٍ وَاسِعٍ فَعَثَرَ بِهِ حَيَوَانٌ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
٢٣٧٤ - مسألة: (وإن جَلَس في مَسْجِدٍ أو طَرِيقٍ واسعٍ، فعَثَرَ به حَيوانٌ) فتَلِفَ (لمِ يَضْمَنْ، في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه جَلَس في مَكانٍ له الجُلُوسُ فيه مِن غيرِ تعَدٍّ على أحَدٍ. وفي الآخرِ، يَضْمَن؛ لأنَّ الطَّرِيقَ إنَّما جُعِلَتْ للمُرُورِ فيها لا الجُلُوسِ، والمَسْجِدُ للصَّلَاةِ وذِكْرِ الله تِعالى. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه فَعَل فِعْلًا مُباحًا. وقولُهم: إنَّ الطَّرِيقَ إنَّما
стр. 7445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جُعِلَتْ للمُرُورِ. مَمْنوعٌ، فإنَّ الطَّرِيقَ الواسِعَ يُجْلَسُ فيه عادةً، وكذلك المَسْجِدُ جُعِلَ للصلاةِ وانْتِظارِها والاعْتِكافِ فيه في جَميعِ الأوْقاتِ، وبعضُها لا تُباحُ الصَّلاةُ فيه، ولأنَّ انْتِظارَ الصلاةِ والاعْتِكافَ قُرْبَةٌ، فلم يتَعَلَّقْ به الضَّمانُ، كالصلاةِ. والله أعلمُ.
стр. 7446
وَإِنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَوْ مِيزَابًا إِلَى الطَّرِيقِ، فَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ أَتْلَفَهُ، ضَمِنَ.
ــ
٢٣٧٥ - مسألة: (وإن أخْرَجَ جَنَاحًا أو مِيزَابًا إلى الطَّرِيقِ، فسَقَطَ على شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِنَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا أَخْرَجَ إلى الطَّرِيقِ النافِذِ جَناحًا، أو سابَاطًا، فسَقَطَ، أو شيءٌ منه على شيءٍ، فأتْلَفَه، ضَمِنَه المُخْرِجُ. وقال أصحابُ الشافِعِيِّ: إن وَقَعَتْ خَشَبَةٌ ليست مُرَكَّبَةً على حائِطٍ، [وَجَب ضَمانُ ما أتْلَفَتْ، وإن كانت مُرَكَّبَةً على حائِطِه] (١)، وَجَب نِصْفُ الضمانِ؛ لأنَّه تَلِفَ بما وَضَعَه على مِلْكِه ومِلْكِ غيرِه، فيُقْسَمُ الضَّمانُ عليهما. ولَنا، أنَّه تَلِفَ بما أخْرَجَه إلى هَواءِ (٢) الطَّرِيقٍ، فضَمِنَه, كما لو بَنَى حائِطَه مائِلًا إلى الطَّرِيقِ [فأَتْلَفَ، أو أقامَ خَشَبَةً في مِلْكِه مائِلَةً إلى الطريقِ] (١)، أو كما لو لم تَكُنِ الخَشَبَةُ الساقِطَةُ مَوْضُوعَةً على الحائِطِ. ولأنَّه إخْراجٌ يَضمَنُ به البَعْضَ، فضَمِنَ به الكلَّ، كالذي
стр. 7447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرْنا. ولأنَّه تَلِف بعُدْوانِه، فضَمِنَه, كما لو وَضَع البِناءَ على أرْضِ الطرَّيقِ. والدَّلِيلُ على عُدْوانِه وُجُوبُ ضَمانِ البعضِ؛ لأنَّه لو كان مُباحًا لم يَضْمَنْ به، كسائِرِ المُباحاتِ، ولأنَّ هذه خَشَبَةٌ لو سَقَط الخارِجُ منها حَسْبُ، فأتْلَفَ شيئًا، ضَمِنَه، فيَجِبُ أن يَضْمَنَ ما أَتْلَفَ جَمِيعَها، كسائِرِ المَواضِعِ التي يَجِبُ الضَّمانُ فيها، ولأنَّنا لم نَعْلَمْ مَوْضِعًا يَجِبُ الضَّمانُ كلُّه ببعضِ الخَشَبَةِ ونِصْفُه بجَمِيعِها. وإن كان إخْراجُ الجَناحِ إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ به وإن كان بإذْنِهِم، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ فيه.
فصل: وإن أخْرَجَ مِيزابًا إلى الطَّرِيقِ النافِذِ، فسَقَطَ على إنْسانٍ أو شيءٍ فأتْلَفَه، ضَمِن. وبهذا قال أبو حنيفة. وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما أتْلَفَه؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بإخْراجِه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به, كما لو أخْرَجَه إلى مِلْكِه. وقال الشافعيُّ: إن سَقَط كلُّه فعليه نِصْفُ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَلِف بما وَضَعَه على مِلْكِه ومِلْكِ غيرِه، وإنِ انْقَصَفَ المِيزابُ فسَقَطَ منه الخارِجُ حَسْبُ، ضَمِنَ الجَمِيعَ؛ لأنَّه كلَّه في غيرِ مِلْكِه. ولَنا، ما سَبَق في
стр. 7448
وَإِنْ مَال حَائِطُهُ، فَلَمْ يَهْدِمْهُ حَتَّى أَتْلَفَ شَيئًا، لَمْ يَضْمَنْهُ، نَصَّ عَلَيهِ. وَأَوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أَنَّهُ إِنْ تُقُدِّمَ إِلَيهِ بِنَقْضِهِ وَأُشْهِدَ عَلَيهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ضَمِنَ.
ــ
الجَناحِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ إخْراجَه مُباحٌ، بل هو مُحَرَّمٌ؛ لأنَّه أخْرَجَ إلى هَواءِ مِلْكِ غيرِه شَيئًا [يضُرُّ به، أشْبهَ ما أخْرَجَه إلى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ بغيرِ إذْنِه. فأمَّا إن أخْرَجَه إلى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ بغيرِ إذْنِه، فهو مُتَعَدٍّ، ويَضْمَنُ ما تَلِفَ به. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا.
٢٣٧٦ - مسألة: (وإن مال حائِطُه، فلم يَهْدِمْه حتى أَتْلَفَ شيئًا] (١)، لم يَضْمَنه. نَصَّ عليه. وأوْمَأَ في مَوْضِعٍ، أنَّه إن تُقُدِّمَ إليه لنَقْضِه وأُشْهِدَ عليه، فلم يَفْعَلْ، ضَمِن) إذا كان في مِلْكِه حائِطٌ مُسْتَوٍ
стр. 7449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[أو مائِلٌ إلى مِلْكِه] (١)، أو بِناءٌ كذلك، فسَقَطَ مِن غيرِ اسْتِهْدامٍ ولا مَيلٍ، فلا ضَمانَ على صاحِبِه فيما تَلِفَ به؛ لأنَّه لم يَتَعدَّ ببِنائِه، ولا حَصَل منه تَفْرِيطٌ بإبْقائِه، وإن مال قبلَ وُقُوعِه إلى مِلْكِه ولم يَتَجاوَزْه، فلا ضَمان عليه أيضًا؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ بِنائِه مائِلًا في مِلْكِه، وإن مال قبلَ وُقُوعِه إلى هَواءِ الطَّرِيقِ، أو إلى مِلْك إنْسانٍ، أو مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه، وكان بحيثُ لا يُمْكِنُه نَقْضُه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لم يتَعدَّ ببِنائِه، ولا فَرَّطَ في تَرْكِ نَقْضِه؛ لعَجْزِه عنه، أشْبَهَ ما لو سَقَط مِن غيرِ مَيلٍ. فإن أمْكَنَه نَقْضُه ولم يَنْقُضْه ولم يُطالبْ بذلك، لم يَضْمَنْ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ. وهو الظّاهِرُ (٢) عن الشافعيِّ. ونحوُه قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ،
стр. 7450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه بَناه في مِلْكِه، والمَيلُ حادِثٌ بغيرِ فِعْلِه، أشْبَهَ ما لو وَقَع قبلَ مَيلِه. وذَكَر بعضُ أصحابِنا فيه وَجْهًا آخَرَ، أنَّ عليه الضَّمانَ. وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وأبِي ثَوْرٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بتَرْكِه مائِلًا فضَمِنَ ما تَلِفَ به، كما لو بَناه مائِلًا إلى ذلك ابْتِداءً، ولأنَّه لو طُولِبَ بنَقْضِها فلم يَفْعَلْ، ضَمِن ما تَلِف به، ولو لم يَكُنْ مُوجبًا للضَّمانِ لم يَضْمَنْ بالمُطالبَةِ, كما لو لم يَكُنْ مائِلًا أو كان مائِلًا إلى مِلْكِه. وأمّا إن طُولِبَ بنَقْضِه فلم يَفْعَلْ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن الجَوابِ فيها. وقال أصحابُنا: يَضْمَنُ. وقد أوْمَأَ إليه أحمدُ. وهو مَذْهَبُ مالِكٍ. ونحوَه قال الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: الاسْتِحْسانُ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّ حَقَّ الجَوازِ للمُسْلِمينَ، ومَيلُ الحائِطِ يَمْنَعُهم ذلك، فكان لهمُ المُطالبَةُ بإزالتِه، فإذا لم يُزِلْه، ضَمِنَ, كما لو وَضَع شيئًا على حائِطِ نَفْسِه فسَقَطَ في مِلْكِ غيرِه فطُولِبَ برَفْعِه فلم يَفْعَلْ حتى عَثَر به
стр. 7451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنْسانٌ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا ضَمانَ عليه. قال أبو حنيفةَ: وهو القِياسُ. لأنَّه بَناه في مِلْكِه ولم يَسْقُطْ بفِعْلِه، فأشْبَهَ ما لو لم يُطالبْ بنَقْضِه، أو سَقَط قبلَ مَيلِه، أو لم يُمْكِنْه نَقْضُه، ولأنَّه لو وَجَب الضَّمانُ به لم تُشْتَرَطِ المُطالبَةُ به، كما لو بَناه مائِلًا إلى غيرِ مِلْكِه. فإن قُلْنا: عليه الضَّمانُ إذا طُولِبَ. فإنَّ المُطالبَةَ مِن كلِّ مُسْلمٍ أو ذِمِّيٍّ تُوجِبُ الضَّمانَ، إذا كان مَيلُه إلى الطَّرِيقِ؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ منهم حَقَّ المُرُورِ، فكانت له المُطالبَةُ, كما لو مال الحائِطُ إلى مِلْكِ جَماعَةٍ كان لكلِّ واحِدٍ منهم المُطالبَةُ. وإذا طالبَ واحِدٌ، فاسْتَأْجَلَه صاحِبُ الحائِطِ، أو أَجَّلَه الإِمامُ، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّ الحَقَّ لجميعِ المُسْلِمينَ، فلا يَمْلِكُ الواحِدُ منهم إسْقاطَه. وإن كانتِ المُطالبَةُ لمُسْتَأْجِرِ الدّارِ ومُرْتَهِنِها ومُسْتَعِيرِها أو (١)
стр. 7452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُسْتَوْدَعِها، فلا ضَمانَ عليهم؛ لأنَّهم لا يَمْلِكُونَ النَّقْضَ، وليس الحائِطُ مِلْكًا لهم، وإن طُولِبَ المالِكُ في هذه الحالِ، فلم يُمْكِنْه اسْتِرْجاعُ الدّارِ ونَقْضُ الحائِطِ، فلا ضَمانَ عليه؛ لعَدَمِ تَفْرِيطِه، وإن أمْكَنَه اسْتِرْجاعُها كالمُعِيرِ والمُودِعِ والرَّاهِنِ إذا أمْكَنَه فَكاكُ الرَّهْنِ فلم يَفْعَلْ، ضَمِن؛ لأنَّه أمْكَنَه النَّقْضُ. وإن كان المالِكُ مَحْجُورًا عليه لسَفَهٍ أو صِغَرٍ أو جُنُونٍ، فطُولِبَ هو، لم يَلْزَمْه الضَّمانُ؛ لأنَّه ليس أهْلًا للمُطالبَةِ، وإن طُولِبَ وَلِيُّه أو وَصِيُّه، فلم يَنْقُضْه، فالضَّمانُ على المالِكِ؛ لأنَّ سَبَبَ
стр. 7453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الضَّمانِ مالُه، فكان الضَّمانُ عليه دونَ المُتَصَرِّفِ (١)، كالوَكِيلِ مع المُوَكِّلِ. وإن كان المِلْكُ مُشْتَرَكًا بين (٢) جَماعَةٍ، فطُولِبَ أحَدُهُم بنَقْضِه، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه نَقْضُه بدونِ إذْنِهِم، فهو كالعاجِزِ. والثاني، يَلْزَمُه بحِصَّتِه؛ لأنَّه يتَمَكَّنُ مِن النَّقْضِ بمُطالبَتِه شُرَكاءَه وإلْزَامِهِم النَّقْضَ، فصارَ بذلك مُفَرِّطًا. فإن كان مَيلُ الحائِطِ إلى مِلْكِ آدَمِيّ مُعَيَّن إمّا واحِدٍ أو جَماعَةٍ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ المُطالبَةَ تكونُ للمالكِ، أو ساكِنِ المِلْكِ الذي مال إليه دُونَ غيرِه. وإن كان لجَماعَةٍ، فأَيُّهم طالبَ، وَجَب النَّقْضُ بمُطالبَتِه، كما لو طالبَ واحِدٌ بنَقْضِ المائِلِ إلى الطَّرِيقِ، إلَّا أنَّه متى طُولِبَ ثم أجَّلَه صاحِبُ المِلْكِ، أو أبْرَأَة منه، أو فَعَل ذلك ساكِنُ الدّارِ التي مال إليها، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لِه، وهو يَمْلِكُ إسْقاطَه. وإن مال إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فالحَقُّ لأَهلِ الدَّرْبِ، والمُطالبَةُ لهم؛ لأنَّ المِلْكَ لهم، ويَلْزَمُ النَّقْضُ بمُطالبَةِ أحَدِهِم، ولا يَبْرَأُ بإبْرائِه وتَأْجيلِه، إلَّا أن يَرْضَى بذلك جَمِيعُهم؛ لأنَّ الحَقَّ للجَمِيعِ.
стр. 7454
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن لم يَمِلِ الحائِطُ لكنْ تَشَقَّقَ، فإن لم يُخْشَ سُقُوطُه؛ لكَوْنِ شُقُوقِه بالطُّولِ، لم يَجِبْ نَقْضُه، وحُكْمُه حُكْمُ الصَّحِيحِ، قِياسًا عليه. وإن خِيفَ وُقُوعُه؛ لكَوْنِه مَشْقُوقًا بالعَرْضِ، فحُكْمُه حُكْمُ المائلِ؛ لأنَّه يُخافُ منه التَّلَفُ، أشْبَهَ المائِلَ.
فصل: ولو بَنَى في مِلْكِه حائِطًا مائِلًا إلى الطَّريقِ أو إلى مِلْكِ غيرِه، فتَلِفَ به شيءٌ أو سَقَط على شيءٍ أتْلَفَه، ضَمِن؛ لتَعَدِّيه، فإنَّه ليس له البِناءُ في هَواءِ مِلْكِ غيرِه أو هَواءٍ مُشْتَرَكٍ، ولأنَّه يُعَرِّضُه للوُقُوعِ على غيرِه في غيرِ مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو نَصَب فيه مِنْجَلًا يَصِيدُ به. وهذا مَذْهَبُ الشافِعِيِّ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
стр. 7455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا تُقُدِّمَ إلى صاحِبِ الحائِطِ المائِلِ بنَقْضِه، فبَاعَه مائِلًا، فسَقَطَ على شيءٍ، فتَلِفَ به، فلا ضَمانَ على بائِعِه؛ لأنَّه ليس بمِلْكِه، ولا على المُشْتَرِي؛ لأنَّه لم يُطالبْ بنَقْضِه، وكذلك إن وَهَبَه وأقْبَضه، وإن قُلْنا بلُزُومِ الهِبَةِ، زال الضَّمانُ عنه بمُجَرَّدِ العَقْدِ. وإذا وَجَب الضَّمانُ وكان التّالِفُ به آدَمِيًّا، فالدِّيَةُ على عاقِلَتِه، فإن أنْكَرَتِ العاقِلَةُ كَوْنَ الحائِطِ لصاحِبِهم، لم يَلْزَمْهُم، إلَّا أنَّ يَثْبُتَ ذلك ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ عليهِم، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، وإنِ اعْتَرَفَ صاحِبُ الحائِطِ، فالضَّمانُ عليه دُونهم؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْتِرافَ، وكذلك إن أنْكَرُوا مُطالبَتَه بنَقْضِه، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا. وإن كان الحائِطُ في يَدِ صاحِبِهم، وهو ساكِنٌ في الدّارِ، لم يَثْبُتْ بذلك الوُجُوبُ عليهم؛ لأنَّ دَلالةَ ذلك على المِلْكِ مِن جِهَةِ الظاهِرِ، والظاهِرُ لا تَثْبُتُ به الحُقُوقُ، وإنَّما تُرَجَّحُ به الدَّعْوَى.
стр. 7456
وَمَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا، إلا أنْ تَكُونَ فِي يَدِ إِنْسَانٍ؛ كَالرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ وَالْقَائِدِ، فَيَضْمَنُ مَا جَنَت يَدُهَا أوْ فَمُهَا دُونَ مَا جَنتْ رِجْلُهَا.
ــ
٢٣٧٧ - مسألة: (وما أَتْلفَتِ البَهِيمَةُ، فلا ضَمانَ على صاحِبِها، إلَّا أنَّ تكونَ في يَدِ إنسانٍ؛ كالرَّاكِبِ والسَّائِقِ والقائِدِ، فيَضْمَنُ ما جَنَتْ يَدُها أو فَمُها دونَ ما جَنَتْ برِجْلِها) إذا أتْلَفَتِ البَهِيمَةُ شيئًا، فلا ضَمانَ على صاحِبِها، إذا لم تَكُنْ يَدُ أَحَدٍ عليها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ» (١). يَعْنِي هَدْرًا. فأمَّا إن كانت يَدُ صاحِبِها عليها، كالرَّاكِبِ والسَّائِقِ والقائِدِ، فإنَّه يَضْمَنُ. وهذا قولُ شُرَيح، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ. وقال مالكٌ: لا ضَمانَ عليه؛ لِما ذَكَرْنا مِن
стр. 7457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحَدِيثِ، ولأنَّه جنايَةُ بَهِيمَةٍ، فلم يَضْمَنْها، كما لو لم تَكُنْ يَدُه عليها. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «الرِّجْلُ (١) جُبَارٌ». رَواه سعيدٌ (٢)، بإسْنادِه، عن الهُزَيلِ بنِ شُرَحْبيل، عن النبيِّ ﷺ . وعن أبي هُرَيرَةَ (٣) عن النبيِّ ﷺ . وتَخْصِيصُ الرِّجْلِ بكَوْنِها جُبارًا دَلِيلٌ على وُجُوبِ الضَّمَانِ في جِنايَةِ غيرِها، ولأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُها مِن الجِنايَةِ إذا كان راكِبَها أو يَدُه عليها، بخِلَافِ مَن لا يَدَ له عليها، وحَدِيثُه مَحْمُولٌ على مَن لا يَدَ له عليها.
стр. 7458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يَضْمَنُ ما جَنَتْ برِجْلِها. وبه قال أبو حنيفةَ. وعن أحمدَ رِوَيَة أُخرَى، أنَّه يَضْمَنُها. وهو قول شرَيحٍ، والشافِعِيِّ؛ لأنَّه مِن جنايَةِ بَهِيمَةٍ يَدُه عليها، فضَمِنَه، كجِنايَةِ يَدِها. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ «الرِّجْلُ جُبَارٌ». ولأنَّه لا يَمْلِكُ حِفْظَ رِجْلِها عن الجِنايَةِ، فلم يَضْمَنْها، كما لو لم تَكُنْ يَدُه عليها. فأمّا إن كانت جِنايَتُها بفِعْلِه، مثلَ أنَّ كَبَحَها أو ضَرَبَها في وَجْهِها ونحو ذلك، فإنَّه يَضْمَنُ جِنايَةَ رِجْلِها؛ لأنَّه السَّبَبُ في جِنايَتِها، فكان عليه ضَمانُها، ولو كان السَّبَبُ غيرَه، مثلَ أنَّ نَخَسَها أو نَفَّرَها، فالضَّمانُ على مَن فَعَل ذلك دونَ راكِبِها وسائِقِها وقائدِها؛ لأنَّه السَّبَبُ في جِنايَتِها.
стр. 7459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان على الدَّابَّةِ راكِبانِ، فالضَّمانُ على الأوَّلِ منهما؛ لأنَّه المُتَصَرِّفُ فيها القادِرُ على كَفِّها، إلَّا أنَّ يكونَ الأوَّلُ منهما صَغِيرًا أو مَرِيضًا ونحوَهما، ويكونَ الثاني هو المُتَوَلِّيَ لتَدْبِيرِها، فيكونُ الضمانُ عليه. فإن كان مع الدّابَّةِ قائِدٌ وسائِقٌ، فالضَّمانُ عليهما؛ لأن كلَّ واحِدٍ منهما لو انْفَرَدَ ضَمِن، فإذا اجْتَمَعا ضَمِنَا. وإن كان معهما أو مع أحَدِهما راكِبٌ، فالضَّمانُ عليهم جَمِيعًا، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لذلك. والثاني، الضَّمانُ على الرّاكِبِ؛ لأنَّه أقْوَى يَدًا وتَصَرُّفًا. ويَحْتَمِلُ أنَّ يكونَ على القائِدِ؛ لأنَّه لا حُكْمَ للرَّاكِبِ معه.
стр. 7460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والجَمَلُ المَقْطُورُ على الجَمَلِ الذي عليه راكِبٌ، يَضْمَنُ جِنايَتَه؛ لأنَّه في حُكْمِ القائِدِ، فأمّا الجَمَلُ المَقْطُورُ على الجَمَلِ الثاني، فيَنْبَغِي أنَّ لا يَضْمَنَ جِنايَتَه، إلَّا أنَّ يكونَ له سائِقٌ؛ لأن الرَّاكِبَ الأوَّلَ لا يُمْكِنُه حِفْظُه عن الجِنايةِ. ولو كان مع الدَّابَّةِ وَلَدُها، لم يَضْمَنْ جِنايَتَه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه حِفْظُه. وذَكَر ابنُ أبي مُوسَى في «الإرْشادِ» أنَّه يَضْمَنُ، قال: لأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُه (١) بالشَّدِّ.