وَإنْ أعْوَزَ الْمِثْلُ، فَعَلَيهِ قِيمَةُ مِثْلِهِ يَوْمَ إعْوَازِهِ. وَقَال الْقَاضِي: يَضْمَنُهُ. بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ. وَعنه، تَلْزَمُهُ قيمَتُهُ يَوْمَ تَلَفِهِ.
ــ
المِثْل، قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: كُل مَطْعُوم مِن مَأكُولٍ أو مَشْرُوبٍ، فمُجْمَعٌ على أنَّه يَجِبُ على مُسْتَهْلِكِه مِثْلُه لا قِيمَتُه. ولأنَّ المِثْلَ أقْرَبُ إليه مِن القِيمَةِ، فهو مُماثِل له مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ والمُشاهَدَةِ (١) والمَعْنَى، والقِيمَةُ مُماثِلَة مِن طَرِيقِ الظَّنِّ والاجتِهادِ، فقُدِّم ما طَرِيقُه المُشاهَدَة، كالنَّصِّ، لمَّا كان طَرِيقُه الإدْراكَ بالسَّماعِ كان أوْلَى مِن القِياسِ؛ لأنَّ طَرِيقَه الظَّنُّ والاجْتِهادُ.
٢٣٥١ - مسألة: (وإن أعْوزَ المِثْلُ، فعليه قِيمَةُ مِثْلِه يومَ إعْوازِه. وقال القاضي): تَجِبُ قِيمَتُه يومَ قبضِ البَدَلِ؛ لأنَّ الواجِبَ المِثْلُ إلى
стр. 7387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حينِ قَبْضِ البَدَلِ، بدَلِيلِ أنَّه لوْ وُجِدَ المِثْلُ بعدَ إعْوازِه، لكان الواجِبُ هو دونَ القِيمَةِ. وقال أبو حنيفةَ، ومالك وأكثرُ أصحابِ الشافعيِّ: تَجِبُ قِيمَتُه يومَ المُحاكَمَةِ؛ لأن القِيمَةَ لم تَنتقِلْ إلى ذِمَّتِه إلَّا حينَ حكَم بها الحاكِمُ. ولَنا، أن القِيمَةَ وَجَبَتْ في الذِّمَّةِ حينَ انْقِطاعِ المِثْلِ، فاعْتُبِرَتِ القِيمَةُ حِينَئِذٍ، كتَلَفِ المُتَقَوِّمِ، ودَلِيلُ وُجُوبِها حينئِذٍ أَنه يَسْتَحِقُّ طَلَبَها واسْتِيفاءَها (١)، ويَجِبُ على الغاصِبِ أداؤها , ولا يَنْفِي وُجُوبَ المِثْلِ؛ لأنَّه مَعْجُوز عنه، والتكْلِيفُ يَسْتَدْعِي الوُسْعَ، ولأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ طَلَبَ المِثْلِ ولا اسْتِيفاءَه، ولا يَجِبُ على الآخَرِ أداؤه، فلم
стр. 7388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَكُنْ واجِبًا، كحالةِ المُحَاكَمَةِ. وأمَّا إذا قَدَر على المِثْل بعدَ فَقْدِه، فإنَّه يَعُودُ وُجُوبُه؛ لأنَّه الأصْلُ قَدَر عليه قبلَ أدَاءِ البَدَلِ، فأَشْبَهَ القُدْرَةَ على الماءِ بعدَ التيمُّمِ، وهذا لو قَدَر عليه بعدَ المُحاكَمَةِ وقبلَ الاسْتِيفاءِ، اسْتَحَقَّ المالِكُ طَلَبَه وأخْذَه (وعنه، تَلْزَمُه قِيمَتُه يومَ تَلَفِه) لأن القِيمَةَ إنما ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ حينَ التَّلَفِ؛ لأنه قبلَ، التَّلَفِ يَجِبُ رَدُّه، فإذا تَلِفَ وَجَبَتْ قِيمَتُه [في الذِّمةِ حِينَئِذٍ وكان الواجبُ قِيمَتَه يومَ ثَبَت في الذِّمَّةِ، ولأنَّه مَضْمُون بالقِيمَةِ فوَجَبَت قِيمَتُه] (١) يومَ تَلَفِه، كغَيرِ المِثْلِيِّ.
стр. 7389
وَإنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ في بَلَدِهِ مِنْ نَقْدِهِ.
ــ
٢٣٥٢ - مسألة: (وإن لم يَكُنْ مِثْلِيًّا، ضَمِنَه (بقِيمَتِه يومَ تَلَفِه في بَلَدِه مِن نَقْدِه) لِما روَى عبد اللهِ بنُ عمرَ، ﵄، أن النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةُ العِدْلِ». مُتَّفَق (١)
стр. 7390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[عليه (١). فأمَرَ بالتَّقْويمِ في حِصَّةِ الشَّرِيك؛ لألها مُتْلَفَةٌ بالعِتْقِ، ولم يَأمُرْ بالمِثْلِ. ولأنَّ هذه الأشْياءَ لا تتساوَى أجْزاوها، وتَخْتَلِفُ صِفاتُها، فالقِيمَةُ فيها أعْدَلُ وأقْرَبُ إليها فكانت أوْلَى] (٢). في قولِ الجَماعَةِ. وحُكِيَ عن العَنْبَرِيِّ: يَجِبُ في كلِّ شيءٍ مثلُه؛ لِما رَوَتْ جَسْرَةُ بنتُ دَجاجَةَ، عن عائشةَ، ﵂، أنها قالت: ما رَأيتُ صانِعًا مثلَ حَفْصَةَ، صَنَعَتْ طَعامًا فَبَعَثَتْ به إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأخَذَنِي الأفْكَلُ (٣) فكَسَرْتُ الإنَاءَ، فَقُلْتُ: يَا رسول اللهِ، ما كَفَّارَةُ ما صَنَعْتُ؟ فقال:
стр. 7391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«إنَاءٌ مِثْلُ الإنَاءِ، وَطَعَامٌ مِثْلُ الطَّعَام». رَواه أبو داودَ (١). وعن أنس، أنَّ إحْدَى نِسَاءِ النبيِّ ﷺ كَسَرتْ قَصْعَةَ الأُخرَى، فدَفَعَ النبيُّ ﷺ قَصْعَةَ الكَاسِرَةِ إلى رسولِ صاحِبَةِ المَكْسُورَةِ وحَبَسَ المَكْسُورَةَ في بَيته، رَواه التِّرْمِذِيّ بنَحْوه (٢). وقال: حَسَنٌ صَحِيح. [ولَنا، حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، ﵄، في العِتْقِ، وما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى في الحديثِ مَحْمُولٌ على أنَّه جَوَّزَ ذلك بالتَّراضِي وعَلِم أنَّها تَرْضَى به] (٣). ويكونُ ذلك يومَ تَلَفِه؛ لِما ذَكَرنا. ويكُون في بَلَدِه
стр. 7392
وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَضْمَنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصَبَهُ.
ــ
مِن نَقْدِه؛ لأنَّه مَوْضِعُ الضَّمانِ، يَعْنِي يَضْمَنُه في البَلَدِ الذي غَصَبَه فيه مِن نَقْدِه (ويَتَخَرَّجُ أن يَضْمَنَه بقِيمته يومَ غَصَبَه) وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ. ورُويَ عن أحمدَ، لأَته فَوَّته عليه غَصْبِه، فكان عليه قِيمَةُ ما فوَّتَ عليه حينَ فَوَّتَه. وقد رُويَ عن أحمدَ، في رجل أخَذَ مِن رجل أرطالًا مِن كذا وكذا: أعْطاه على السِّعْرِ يومَ أخَذَه لا يومَ مُحاسَبَتِه. وكذلك (١) رُويَ عنه في حوائجِ البَقّالِ: عليه القيمةُ يومَ الأخْذِ. وهذا يَدُل على أنَّ القيمةَ تُعْتَبَرُ يومَ الغَصْبِ، والأوَّل أوْلَى. قال شيخُنا (٢): ويُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بينَ هذا وبينَ الغَصْبِ مِن قِبَل أنَّ ما أخَذَه ها هنا بإذْنِ مالِكِه مَلَكَه وحَلَّ له التَّصَرُّفُ فيه، فثَبَتَتْ قِيمَتُه يومَ مَلَكَه، ولم يَتَغَيَّرْ (٣) ما ثَبَت في
стр. 7393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذِمَّتِه بتَغَيُّرِ قِيمَةِ ما أخَذَه؛ لأنَّه مِلْكُه، والمَغْصُوبُ مِلْكُ المَغْصُوبِ منه، والواجِبُ رَدُّه لا قِيمَتُه، وإنَّما تَثْبُتُ قِيمَتُه في الذِّمَّةِ يومَ تَلَفِه أو انْقِطاعِ مِثْلِه، فاعْتُبِرَتِ القِيمَةُ حِينَئِذٍ، وتَغَيَّرَتْ بتَغَيُّرِه قبلَ ذلك، فأمَّا إن كان المَغْصُوبُ باقِيًا وتَعَذَّرَ رَدُّه، فأوجَبْنا رَدَّ قِيمَتِه، فإنَّه يُطالِبُه بها يومَ قَبْضِها، لأنَّ القِيمَةَ لم تَثْبُتْ في الذِّمةِ قبلَ ذلك، ولهذا يتَخَيَّرُ بينَ أخْذِها والمُطَالبَةِ بها، وبينَ الصَّبْرِ إلى وَقْتِ إمْكانِ الرد ومُطالبَةِ الغاصِبِ بالسَّعْيِ في رَدِّهِ، وإنَّما يَأخُذُ القِيمَةَ لأجْلِ الحَيلُولَةِ بينَه وبينَه، فيُعْتَبَرُ ما يَقُومُ مَقامَه؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عنه بخِلافِ غيرِه.
стр. 7394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّ ما تَتَماثَلُ أجزاؤه وتَتَقارَبُ؛ كالأثْمانِ والحُبُوبِ والأدْهانِ، يُضْمَنُ بمِثْلِه. وهذا لا خِلافَ فيه. فأمّا سائِرُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّه يَضْمَنُه بمِثْلِه أَيضًا، فإنَّه قال في رِوايَةِ حَرْب: ما كان مِن الدَّرَاهِمِ والدَّنانِيرِ، وما يُكالُ ويُوزَنُ. فظاهِرُه وجُوبُ المثْلِ في كلِّ مَكِيلٍ وَمْوُزونٍ، إلَّا أن يكونَ مِمّا فيه صِناعَةٌ مُباحَةٌ، كمَعْمُولِ الحَدِيدِ، والنُّحَاسِ، والرَّصَاص، والصُّوفِ، والشَّعَرِ المَغْزُولِ، فإنَّه يُضْمَنُ بقِيمَتِه؛ لأنَّ الصِّناعَةَ تُؤَثِّرُ في قِيمَتِه، وهي مُخْتَلفَة، فالقِيمَةُ فيه أحْصَرُ، فأشْبَهَ غيرَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ. وذَكَرَ القاضي أنَّ النُّقْرَةَ والسَّبِيكَةَ مِن الأثْمانِ، والعِنَبَ، والرُّطَبَ، والكُمَّثْرَى، إنما يُضْمَنُ بقِيمَتِه. وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ يَدُلُّ على ما قُلْنا. وإنَّما خَرَج منه ما فيه الصِّناعَةُ؛ لِما ذَكَرْنا. ويَحْتَمِلُ أن تُضْمَنَ النُّقْرَةُ بقِيمَتِها؛ لتَعَذُّرِ وُجودِ مِثْلِها إلَّا بكَسْرِ النُّقُودِ المَضْرُوبَةِ وسَبْكِها، وفيه إتْلافٌ.
стр. 7395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وقد قال الخِرَقِي في مَن غَصَب جارِيَةً حامِلًا فَوَلَدَتْ في يَدَيه، ثم ماتَ الوَلَدُ: أَخَذَها سَيِّدُها وقِيمَةَ وَلَدِها أكثَرَ ما كانت قِيمَتُه. فحَمَلَ القاضِيّ قولَ الخِرَقِيِّ على ما إذا اخْتَلَفَتِ القِيمَةُ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. فعلى هذا، إذا تَلِف المَغْصُوبُ، لَزِم الغاصِبَ قِيمَتُه أكثرَ ما كانت مِن يوم الغَصْبِ إلى يومِ التَّلَفِ؛ لأنَّ أكثر القِيمَتَين فيه للمَغْصُوبِ منه، فإذا تَعَذَّرَ رَدُّها، ضَمِنَه، كقِيمَتِه يومَ التَّلَفِ، وإنَّما سَقَطَتِ القِيمَةُ مع رَدِّ العَينِ. والمَذْهَب أنَّ زِيادَةَ القِيمَةِ بتَغَيُّرِ الأسْعارِ غيرُ مَضْمُونَةٍ على الغاصِبِ، وقد ذَكَرْنا ذلك. وعلى هذا، فكَلام الخِرَقِيّ محمولٌ على ما إذا اخْتَلَفَتِ القِيمَةُ لمَعْنًى في المَغْصُوبِ، مِن كِبَر، وصِغَر، وسِمَن، وهُزَالٍ، ونِسْيانٍ، ونحو ذلك، فالواجِبُ القِيمَةُ أكثر ما كانت؛ لأنَّها مَغْصُوبَةٌ في الحالِ التي زادَتْ فيها، والزيادَةُ لمالِكِها مَضْمُونَة على الغاصِبِ على ما قَدَّرْناه، بدَلِيلِ أنَّه لو رَدَّ العَينَ ناقِصَةً، لَزِمَه أرْش نَقْصِها وهو
стр. 7396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَدَلُ الزِّيادَةِ. فإذا ضَمِنَ الزِّيادَةَ مع رَدِّها (١)، ضَمِنَها عندَ تَلَفِها، بخِلافِ زِيادَةِ القِيمَةِ لتَغيُّرِ الأسْعارِ، فإنَّها لا تُضْمَنُ مع رَدِّها، فكذلك مع تَلَفِها. وقولُهم: إنَّها إنَّما سَقَطَتْ مع رَدِّ العَينِ. لا يَصِحُّ؛ لأنها لو وَجَبَتْ ما سَقَطَتْ بالردِّ، كزِيادَةِ السِّمَنِ. قال القاضِي: ولم أجِدْ عن أحمدَ رِوايَةً بأنها تُضْمَنُ بأكثرِ القِيمَتَين لتَغَيُّرِ الأسْعارِ. فعلى هذا، تُضْمَنُ بقِيمَتِها يومَ التَّلَفِ. وقد رُويَ عن أحمدَ، أنَّها تُضْمَنُ بقِيمَتِها يومَ الِغَصْبِ، إلَّا أنَّ الخَلَّال قال: جَبُنَ أحمدُ عنه. كأنَّه رَجَع إلى القولِ الأوّلِ، وقد ذكرْناه.
стр. 7397
فَإِنْ كَانَ مَصُوغًا أَوْ تِبْرًا تُخَالِفُ قِيمَتُهُ وَزْنَهُ، قَوَّمَهُ بِغَيرِ جِنْسِهِ.
ــ
٢٣٥٣ - مسألة: (فإن كان مَصُوغًا أو تِبْرًا تُخالِفُ قِيمَتُه وَزْنَه، قَوَّمَه بغَيرِ جِنْسِه) متى كان المُصَاغُ تَزِيدُ قِيمَتُه على وَزْنه أو تَنْقُصُ، والصِّناعَةُ مُباحَةٌ، كحَلْيِ النِّساءِ، وَجَب ضَمانُه بقِيمَتِه، لكن يُقَوِّمُه بغيرِ
стр. 7398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جِنْسِه، فيُقَوِّم الذَّهَبَ بالفِضَّةِ، والفِضَّةَ بالذَّهَب؛ لِئِلَّا يُفْضِيَ ذلك إلى الرِّبَا. وقال القاضي: يَجُوزُ تَقْويمُه بجِنْسِه؛ لأنَّ ذلك قِيمَتُه، والصَّنْعَةُ لها قِيمَة، بدَلِيلِ أنَّه لو اسْتَأجَرَه لِعَمَلِها جازَ، ولو كَسَرَ الحَلْيَ وَجَب عليه أرْشُ ذلك، ويُخالِفُ البَيعَ؛ لأنَّ الصَّنْعةَ لا يُقابِلُها العِوَضُ في العُقُودِ، ويُقابِلُها في الإتْلافِ، ألا تَرَى أنَّها لا تَنْفَرِدُ بالعَقْدِ وتَنْفرِدُ بضَمانِها في الإتْلافِ. قال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وذَكَر بعضُهم مثلَ القَوْلِ الأوّلِ، وهو الذي ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ القِيمَةَ مَأخُوذَة على سَبِيلِ العِوَضِ، فالزِّيادَةُ رِبًا، كالبَيعِ وكالنَّقْص. وقد قال أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا كَسَر الحَلْيَ، يُصْلِحُه أحَبُّ إلَيَّ. قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّهما تَراضَيا بذلك، لا على طَرِيقِ الوُجُوبِ. فإن كانتِ الصِّناعَةُ مُحَرَّمَة؛ كالأوانِي، وحلْيِ الرِّجالِ المُحَرَّمِ، لم يَجُزْ ضَمانُه بأكْثَرَ مِن وَزْنِه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصِّناعَةَ لا قِيمَةَ لها شَرْعًا.
стр. 7399
فَإِنْ كَانَ مُحَلّى بِالنَّقْدَينِ مَعًا، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَأعْطَاهُ بِقِيمَتِهِ عَرْضًا.
ــ
٢٣٥٤ - مسألة: (فإن كان مُحَلَّى بالنَّقْدَين معًا، قَوَّمَه بما شاءَ منهما) للحاجَةِ (وأعْطاهُ بقِيمَتِه عَرْضًا) لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى الرِّبَا, ولا يُمْكِنُ تَقْويمُه إلَّا بأحدِهما؛ لأنَّهما قِيَم الأمْوالِ، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى تَقويمِهما بأحدِهما, وليس أحدُهما بأوْلَى من الآخرِ، فكانتِ الخِيَرَةُ إليه في تقويمِه
стр. 7400
وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَغْصُوب، فَنَقَصَتْ قِيمَةُ بَاقِيهِ؛ كَزَوْجَيْ خُفٍّ تَلِفَ أَحَدُهُمَا، فَعَلَيهِ رَدُّ الْبَاقِي وَقِيمَةُ التَّالِفِ وَأَرْشُ النَّقْصِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْصِ.
ــ
بما شاء منهما. والدَّلِيلُ على أنَّه لا يُمْكِنُ تَقْويمُه [إلَّا بأحَدِ النَّقْدَين، أنَّه لا يُمْكِنُ تَقْويمُه] (١) بكلِّ واحِدٍ [مِن النَّقْدَين] (٢) مُنْفَرِدًا؛ لعَدَمِ مَعْرِفَةِ ما فيه منه، ولأنَّ قِيمَةَ الحِلْيَةِ قد تَنْقُصُ بالتَّحْلِيَةِ بها، وقد تَزِيدُ، ولا يُمكنُ إفْرادُها بالبَيعِ ولا بغيرِه مِن التَّصرُّفاتِ، وإنَّما يُقَوَّمُ المُحَلَّى كالسَّيفِ، بأن يُقال: كَمْ قِيمَةُ هذا؟ ولو بِيعَ، ما كان الثَّمَنُ إلَّا عِوَضًا له؛ لأنَّ الحِلْيَةَ صارت صِفَةً له وزِينَةً فيه، فكانتِ القِيمَةُ فيه مَوْصُوفةً بهذه الصِّفَةِ، كقِيمَتِه في بَيعِه. والله أعلمُ.
٢٣٥٥ - مسألة: (وإن تَلِفَ بعضُ المَغْصُوبِ، فنَقَصَتْ قِيمَةُ باقِيه؛ كَزَوْجَيْ خُفٍّ تَلِفَ أحَدُهما، فعليه رَدُّ الباقِي وقِيمَةُ التّالِفِ وأَرْشُ النَّقْصِ. وقيلَ: لا يَلْزَمُه أَرْشُ النَّقْصِ) إذا غَصَب شَيئَين يَنْقُصُهما
стр. 7401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التَّفْرِيقُ، كزَوْجَيْ خُفٍّ، أو مِصْرَاعَيْ بابٍ، فتَلِفَ أحَدُهما، رَدَّ الباقِيَ وقِيمَةَ التالِفِ وأَرْشَ نَقْصِهِما. فإذا كانت قِيمَتُهُما سِتّةَ دَراهِمَ، فصارَت قِيمَةُ الباقِي بعدَ التَّلَفِ دِرْهَمَين، رَدَّه وأَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَلْزَمُه إلَّا قِيمَةُ التّالِفِ مع رَدِّ الباقِي. وهو أحدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَتْلَفْ غيرُه، ولأنَّ نَقْصَ الباقِي نقْصُ قِيمَةٍ، فلا يَضْمَنُه، كالنَّقْصِ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ. ولَنا، أنَّه نَقْصٌ حَصَل بجِنايَتِه، فلَزِمَه ضَمانُه، كما لو غَضَب ثَوْبًا فشَقَّه ثم تَلِف أحَدُ الشِّقَّين، فإنَّه يَلْزَمُه رَدُّ الباقِي وقِيمَةُ التالِفِ وأَرشُ النَّقْصِ إن نَقَص، بخِلافِ نَقْصِ السِّعْرِ، فإنَّه لم يَذهَبْ مِن المَغْصُوبِ عَينٌ ولا مَعْنًى، وههُنا فَوَّتَ مَعْنًى، وهو إمْكانُ الانْتِفاعِ به، وهذا هو المُوجِبُ لنَقْصِ قِيمَتِه، وهو حاصِلٌ مِن جِهَةِ الغاصِبِ، فيَنْبَغِي أن يَضْمَنَه, كما لو فَوَّتَ بَصَرَه أو سَمْعَه أو عَقْلَه، أو فَكَّ تَرْكِيبَ بابٍ ونَحْوه.
стр. 7402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن غَصَب ثَوْبًا فلَبِسَه، فأَبْلَاه، فنَقَصَ نِصْفَ قِيمَتِه، ثم غَلَتِ الثِّيابُ، فعادَتْ قِيمَتُه كما كانت، مثلَ أن غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُه عَشَرَةٌ، فنَقَصَه لُبْسُه حتى صارَتْ قِيمَتُه خَمْسَةً، ثم زادَتْ قِيمَتُه فصارتْ عشرَةً، رَدَّه وأَرْشَ نَقْصِه؛ لأنَّ ما تَلِفَ قبلَ غَلَاءِ الثَّوْبِ ثَبَتَتْ قِيمَتُه في الذِّمَّةِ، فلا يَتَغَيَّرُ. ذلك بغَلَاءِ الثَّوْبِ ولا رُخْصِه. وكذلك بو رَخُصَتِ الثِّيابُ، فصارتْ قِيمَتُه ثَلاثَةً، لم يَلْزَمِ الغااصِبَ إلَّا خَمْسَةٌ مع رَدِّ الثَّوْبِ. ولو تَلِفَ الثَّوْبُ كلُّه وقِيمَتُه عَشَرَةٌ، ثم غَلَتِ الثِّيابُ، فصارت [قِيمَةُ الثَّوْبِ] (١) عِشْرِينَ، لم يَضْمَنْ إلَّا عَشَرَةً؛ لأنَّها ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ عَشَرَةً، فلا تُزادُ بغَلَاءِ الثِّيابِ، ولا تَنْقُصُ برُخْصِها.
فصل: فإن غَصَب ثَوْبًا أو زِلِّيًّا (٢) فذَهَبَ بعضُ أجْزائِه؛ كخَمْلِ المِنْشَفةِ، فعليه أَرْشُ نَقْصِه. وإن أقَامَ عندَه مُدَّةً لمِثْلِها أُجْرةٌ، لَزِمَتْه أُجْرَتُه، سَواءٌ اسْتَعْمَلَه أو تَرَكَه. ولا اجْتَمَعا، مثلَ أن أقَامَ عندَه مُدَّةً وذَهَب بعضُ أجْزائِه، فعليه ضَمانُهُما معًا؛ الأُجْرَةُ وأَرْشُ النَّقْصِ، سَواءٌ كان ذَهَابُ الأَجْزاءٍ بالاسْتِعْمالِ، [أو بغيرِه. وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: إن نقَص بغيرِ الاسْتِعْمالِ] (٣)، كثَوْبٍ يَنْقُصُه النَّشْرُ (٤)، نَقَص
стр. 7403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بنَشْرِه، وبَقِيَ عندَه مُدَّةً، ضَمِن الأَجْرَ والنَّقْصَ، وإن كان النَّقْصُ بالاسْتِعمالِ؛ كَثَوْبٍ لَبِسَه فأَبْلَاه، فكذلك يَضْمَنُهما معًا، في أحَدِ الوَجْهينِ. والثاني، يَجِبُ أَكْثَرُ الأَمْرَين مِن الأَجْرِ أو أَرْشِ النَّقْصِ؛ لأنَّ ما نَقَص مِن الأجْزاءِ في مُقابَلَةِ الأَجْرِ، ولذلك (١) لا يَضْمَنُ المُسْتَأْجِرُ تلك الأَجْزاءَ. ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك. ولَنا، أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَنْفَرِدُ بالإِيجابِ عن صاحِبِه، فإذا اجْتَمَعا وَجَبَا, كما لو أقَامَ في يَدِه مُدَّةً ثم تَلِف، والأُجْرَةُ تَجِبُ في مُقابَلَةِ ما يَفُوتُ مِن المنافِعِ، لا في مُقابَلَةِ الأجْزاءِ، [ولذلك يَجِبُ الأجْرُ وإن لم تَفُتِ الأجْزاءُ] (٢). وإن لم يَكُنْ للمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ، كثَوْبٍ غيرِ مَخِيطٍ، فليس على الغاصِبِ إلَّا ضَمان نَقْصِه.
فصل: فإن نَقَص المَغْصُوبُ عندَ الغاصِبِ ثم باعَه، فتَلِفَ عندَ المُشْتَرِي، فله تَضمِينُ مَن شاءَ منهما، إذا لم يَكُنِ النَّقْصُ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ، وقد ذَكَرْناه. فإن ضَمُّنَ الغاصِبَ، ضَمَّنَه قِيمَتَه أكْثَرَ ما كانت مِن حينِ الغَصْبِ إلى حينِ التَّلَفِ؛ لأنَّه في ضَمانِه مِن حينِ غَصْبِه إلى يومِ تَلَفِه، وإن ضَمَّنَ المُشْتَرِيَ، ضَمَّنَه قِيمَتَه أكْثَرَ ما كانت مِن حينِ قَبْضِه إلى يومِ تلفِه؛ لأنَّ ما قبلَ القَبْضِ لم يَدْخُلْ في ضَمانِه. وإن كانت له أُجْرَةٌ، فله الرُّجُوعُ على الغاصِبِ بجَمِيعِها، وعلى المُشْتَرِي بأَجْرِ مُقَامِه في يَدَيه،
стр. 7404
وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَأَبَقَ، أَوْ فَرَسًا فَشَرَدَ، أَوْ شَيئًا تَعَذَّرَ رَدُّهُ مَعَ بَقَائِهِ، ضَمِنَ قِيمَتَهُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيهِ بَعْدُ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيمَةَ.
ــ
وبالباقِي على الغاصِبِ. الكلامُ في رُجُوعِ كلِّ واحدٍ منهما على صاحِبِه قد ذَكَرْناه فيما مَضَى.
٢٣٥٦ - مسألة: (وإن غَضب عَبْدًا فأَبَقَ، أو فَرَسًا فشَرَدَ، أو شيئًا تَعَذَّرَ رَدُّه مع بَقائِه، ضَمِن قِيمَتَه، فإن قَدَر عليه بعدُ، رَدَّه وأخَذَ القِيمَةَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن غَصَب شيئًا فعَجَزَ عن رَدِّه مع بَقائِه، كعَبْدٍ أبَقَ، فللمَغْصُوبِ منه المُطالبةُ بَبدَله، فإذا أخَذَه مَلَكَه، ولم يَمْلِكِ الغاصِبُ العَينَ المَغْصُوبَةَ، بل متى قَدَرَ عليه لَزِمَه رَدُّه، ويَسْتَرِدُّ بَدَلَها الذي أدَّاه. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَتَخَيَّرُ المالِكُ
стр. 7405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بينَ الصَّبْرِ أبي إمْكانِ رَدِّها فيَسْتَرِدُّها، وبينَ تَضْمِينِه إيّاها، فيَزُولُ مِلْكُه عنها وتَصِيرُ مِلْكًا للغاصِبِ لا يَلْزَمُه رَدُّها، إلَّا أن يكونَ دَفَع دُونَ قِيمَتِها، فهو له مع يَمِينِه؛ لأنَّ المالِكَ مَلَك البَدَلَ، فلا يَبْقَى مِلْكُه على المُبْدَلِ، كالبَيعِ، ولأنّه تَضْمِينٌ فيما يُنْقَلُ المِلْكُ فيه، فنَقَلَه, كما لو خَلَط زَيتَه بزَيتِه. ولَنا، أنَّ المَغْصُوبَ لا يَصِحُّ تَمَلُّكُه بالبَيعِ ههُنا، فلا يَصِحُّ بالتَّضْمِينِ، كالتَّالِفِ، ولأنَّه ضَمِن ما تَعَذَّرَ عليه رَدُّه بخُرُوجِه عن يَدِه، فلا يَمْلِكُه بذلك, كما لو كان المَغْصُوبُ مُدَبَّرًا، وليس هذا جَمْعًا بينَ البَدَل والمُبْدَلِ؛ لأنَّه مَلك القِيمَة لأجْلِ الحَيلُولَةِ، لا على سَبِيلِ العِوَضِ، ولهذا إذا ردَّ المَغْصُوبَ إليه، رَدَّ القِيمَةَ عليه، ولا يُشْبِهُ الزَّيتَ؛ لأنَّه يَجُوزُ بَيعُه، ولأنَّ حَقَّ صاحِبِه انْقَطَعَ عنه لتَعَذُّرِ رَدِّه. إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه، إذا
стр. 7406
وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهُ. فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا، رَدَّهُ، وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ.
ــ
قَدَر على المَغْصُوبِ رَدَّه ونَماءَه المُنْفَصِلَ والمُتَّصِلَ، وأَجْرَ مِثْلِه إلى حينٍ دَفْعِ بَدَلِه. ويَجِبُ على المالِكِ رَدُّ ما أخَذَه بَدَلًا عنه إلى الغاصِبِ؛ لأنَّه أخَذَه بالحَيلُولةِ، وقد زالتْ، فيَجِبُ رَدُّ ما أخَذَ مِن أَجْلِها إن كان باقِيًا بعَينِه، وَرَدُّ زِيادَتِه المُتَّصِلَةِ؛ لأنَّهَا تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، [وهذا فَسْخٌ، ولا يَلْزَمُ (١) رَدُّ زِيادَتِه المُنْفَصِلَةِ؛ لأنَّها وُجِدَتْ في مِلْكِه، ولا تَتْبَعُ في الفُسُوخِ] (٢)، فأشْبَهَتْ زِيادَةَ المَبِيعِ المَرْدُودِ بعَيب. وإن كان البَدَلُ تالِفًا، فعليه مِثْلُه، أو قِيمَتُه إن لم يَكُنْ مِن ذَوَاتِ الأمْثالِ.
٢٣٥٧ - مسألة: (وإن غَصَب عَصِيرًا فتَخَمَّرَ، فعليه) مِثْلُه؛ لأنَّه تَلِفَ في يَدِه. فإن صار خَلًّا وَجَبَ رَدُّه (وما نَقَص مِن قِيمَةِ العَصِيرِ)
стр. 7407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَسْتَرْجِعُ ما أَدَّاه مِن بَدَلِه. وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَرُدُّ الخَلَّ، ولا يَسْتَرْجِعُ البَدَلَ، لأنَّ العَصِيرَ تَلِفَ بتَخَمُّرِه، فوَجَبَ ضَمانُه، فإن عادَ خَلًّا، كان كما لو هَزَلَتِ الجارِيَةُ السَّمِينَةُ، ثم عادَ سِمَنُها، فإنَّه يَرُدُّها وأَرْشَ نَقْصِها. ولَنا، أنَّ الخَلَّ عَينُ العَصِيرِ، تَغَيَّرَتْ صِفَتُه، وقد رَدَّه، فكان له اسْتِرْجاعُ ما أدَّاه بَدَلًا عنه, كما لو غَصَبَه فغَصَبَه منه غاصِبٌ ثم رَدَّه عليه، وكما لو غصَب حَمَلًا فصار كَبْشًا. وأمَّا السِّمَنُ الأوَّلُ فلَنَا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْناه، فالثانِي غيرُ الأوَّلِ، بخِلافِ مسألتِنا.
فصل: إذا غَصَب أثْمانًا، فطَالبَه مالِكُها بها في بَلَدٍ آخَرَ، وَجَب رَدُّها إليه؛ لأنَّ الأثْمانَ قِيَمُ الأَمْوالِ، فلا يَضُرُّ اخْتِلافُ قِيمَتِها. وإن كان المَغْصُوبُ مِن المُتَقَوَّماتِ، لَزِمَ دَفْعُ قِيمَتِه في بَلَدِ الغَصْبِ. وإن كان مِن
стр. 7408
فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَغْصُوب أُجْرَةٌ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ في يَدِهِ. وَعَنْهُ، التَّوَقُّفُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَال أَبُو بَكْرٍ:
ــ
المِثْلِيّاتِ وقِيمَتُه في البَلَدَينِ واحِدَةٌ، أو هي أَقَلُّ في البَلَدِ الذي لَقِيَه فيه، فله مُطالبَتُه بمِثْلِه؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على الغاصِبِ فيه. وإن كانت أكثَرَ، فليس له المِثْلُ؛ لأنّا لا نُكَلِّفُه النَّقْلَ إلى غيرِ البَلَدِ الذي غَصَب فيه، وله المُطالبَةُ بقِيمَتِه في بَلَدِ الغَصْبِ. وفي جَمِيعِ ذلك، متى قَدَر على المَغْصُوبِ أو المِثْلِ في بَلَدِ الغَصْبِ، رَدَّه وأخَذَ القِيمَةَ, كما لو غَصَب عَبْدًا فأَبَقَ.
فصل: قال، ﵁: (فإن كانت للمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ، فعلى الغاصِبِ أُجْرَةُ مِثْلِه مُدَّةَ مُقامِه في يَدِه) سَواءٌ اسْتَوْفَى المَنافِعَ أو تَرَكَها تَذْهَبُ. هذا المَعْرُوفُ في المَذْهَبِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ الأثرَمِ.
стр. 7409
هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
ــ
وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُ المَنافِعَ. وهو الذي نَصَرَه أصحابُ مالكٍ. وقد روى محمدُ بنُ الحَكمِ عن أحمدَ، في مَن غَصَب دارًا فسَكَنَها عِشْرِينَ سنة: لا أَجْتَرِئُ أن أَقُولَ: عليه أجْرُ (١) ما سَكَن. وهذا يَدُلُّ على تَوَقُّفِه عن إِيجابِ الأَجْرِ، إلَّا أنَّ أبا بكرٍ قال: (هذا قولٌ قَدِيمٌ) لأنَّ محمدَ بنَ الحَكَمِ ماتَ قبلَ أبِي عبدِ اللهِ بعِشْرِينَ سنة. واحْتَجَّ مَن لم يُوجِبِ الأجْرَ بقولِ النبيِّ ﷺ : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (٢). وضَمَانُها على الغاصِبِ. ولأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَه بغيرِ عَقْدٍ ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، أشْبَهَ ما لو زَنى بامْرأةٍ مُطاوعَةٍ. ولَنا، أنَّ كلَّ ما ضَمِنَه
стр. 7410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالإِتْلافِ في العَقْدِ الفاسِدِ، جازَ أن يَضْمَنَه بمُجَرَّدِ الإتْلافِ، كالأَعْيانِ، ولأنَّه أَتْلَفَ مُتَقَوَّمًا، فوَجَبَ ضَمانُه، كالأعْيانِ. أو نقولُ: مالٌ مُتَقَوَّمٌ مَغْصُوبٌ، فوَجَبَ ضَمانُه، كالعَينِ. وأمّا الخَبَرُ فوارِدٌ في البَيعِ، ولا يَدْخُلُ فيه الغاصِبُ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له الانْتِفاعُ بالمَغْصُوبِ بالإِجْماعِ. ولا يُشْبِهُ الزِّنَى؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإتْلافِ مَنافِعِها بغيرِ عِوَضٍ ولا عَقْدٍ يَقْتَضِي العِوَضَ، فكان بمَنْزِلَةِ مَن أعَارَه دارَه. ولو أكْرَهَها عليه، لَزِمَه مَهْرُها، والخِلافُ فيما له مَنافِعُ تُسْتَباحُ بعَقْدِ الإِجَارَةِ؛ كالعَقَارِ، والثِّيَابِ، والدَّوَابِّ، ونَحْوها. فأمّا الغَنَمُ والشَّجَرُ والطَّيرُ ونحوها، فلا شيءَ فيها؛ لأنَّه لا مَنافِعَ لها يُسْتَحَقُّ بها عِوَضٌ. ولو غَصَب جارِيَةً ولم يَطَأْها، ومَضَى عليها زَمَنٌ يُمْكِنُ الوَطْءُ فيه، لم يَضْمَنْ مَهْرَها؛ لأنَّ مَنافِعَ البُضْعِ لا تَتْلَفُ إلَّا بالاسْتِيفاءِ، بخِلافِ غيرِها، ولأنَّها لا تُقَدَّرُ بزَمَنٍ فيُتْلِفُها مُضِيُّ الزَّمَنِ، بخِلافِ المَنْفَعَةِ. ولو أَطْرَقَ الفَحْلَ لم يَضْمَنْ مَنْفَعَتَه؛ لأنَّه لا عِوَضَ له، لكنْ عليه ضَمانُ نَقصِه.
стр. 7411
وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلَى وَقْتِ تَلَفِهِ. وَإِنْ غَصَبَ شَيئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ، فَأَدَّى قِيمَتَهُ، فَعَلَيهِ أُجْرَتُهُ إلى وَقْتِ أَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهَانِ.
ــ
٢٣٥٨ - مسألة: (وإن تَلِفَ المَغْصُوبُ، فعليه أُجْرَتُه إلى وَقْتِ تَلَفِه) لأنَّه بعدَ التَّلَفِ لم تَبْقَ له مَنْفَعَةٌ، فلم يَجِبْ ضَمانُها, كما لو أَتْلَفَه مِن غيرِ غَصْبٍ.
٢٣٥٩ - مسألة: (وإن غَصَب شيئًا، فعَجَزَ عن رَدِّه، فأدَّى قِيمَتَه، فعليه أُجْرَتُه إلى وَقْتِ أَدَاءِ القِيمَةِ) لأنَّ مَنافِعَه إلى وَقْتِ أداءِ القِيمةِ
стр. 7412
فصْلٌ: وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ؛ كَالْحَجِّ، وَسَائِرِ
ــ
مَمْلُوكَةٌ لصاحِبِه، فلَزِمَه ضَمانُها. وهل يَلْزَمُه أَجْرُه مِن حينِ دَفْعِ بَدَلِه إلى رَدِّه؟ فيه وَجْهان؛ أَصَحُّهُما، لا يَلزَمُه؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ الانتِفاعَ ببَدَلِه الذي أُقِيمَ مُقامَه، فلم يَسْتَحِقَّ الانْتِفاعَ به وبما قامَ مَقامَه. والثاني، له الأَجْرُ؛ لأنَّ العَينَ باقِيةٌ على مِلْكِه، والمَنْفَعَةَ له.
فصل: [قال الشيخُ، ﵁] (١): (وتَصَرُّفاتُ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةُ؛ كالحَجِّ، وسائِرِ العِبادَاتِ، والعُقُودُ؛ كالبَيعِ
стр. 7413
الْعِبَادَاتِ، وَالْعُقُودِ؛ كَالْبَيعِ، وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوهَا، بَاطِلَةٌ في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وَالْأُخْرَى صَحِيحَة.
ــ
والنِّكَاحِ، ونحوها، باطِلَةٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَين، والأُخْرَى صَحِيحَةٌ) تَصَرُّفاتُ الغاصِبِ كتَصرُّفَاتِ الفُضُولِيِّ، وفيه رِوَايتانِ؛ أظْهَرُهما بُطْلانُها. والثانيةُ، صِحَّتُها ووُقُوفُها (١) على إجَازَةِ المالِكِ. وقد ذكَرَ شيخُنا في الكِتَابِ المَشْرُوحِ رِوايةً أنَّها تَقَعُ صَحِيحةً، وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وسَواءٌ في ذلك العِبادَاتُ؛ كالطَّهارَةِ، والصلاةِ، والزَّكاةِ، والحَجِّ، والعُقُودُ؛ كالبَيعِ، والإِجارَةِ، والنِّكَاحِ. وهذا يَنْبَغِي أن يَتَقَيَّدَ في العُقُودِ بما لم يُبْطِلْه المالِكُ، فأمّا ما اخْتارَ المالِكُ إبْطاله وأَخْذَ المَعْقُودِ عليه، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وأمّا ما لم يُدْرِكْه المالِكُ، فوَجْهُ التَّصْحِيحِ فيه أنَّ الغاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُه وتَكْثُرُ تَصَرُّفاتُه، ففي القَضاءِ ببُطْلانِها ضَرَرٌ كَثِيرٌ، ورُبَّما عادَ الضَّرَرُ على المالِكِ، فإنَّ الحُكْمَ بصِحَّتِها يَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ للمالِكِ، والعِوَضِ بنَمائِه وزِيادَتِه له، والحُكْمَ ببُطْلانِها يَمْنَعُ ذلك.
стр. 7414
وَإِنِ اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهَا.
ــ
٢٣٦٠ - مسألة: (وإنِ اتَّجَرَ بالدَّرَاهِمِ، فالرِّبْحُ لمالِكِها) إذا غَصَب أثمانًا فاتَّجَرَ بها، أو عُرُوضًا فباعَها واتَّجَرَ بثَمَنِها، فقال أصحابُنا: الرِّبْحُ للمالِكِ، والسِّلَعُ المُشْتَراةُ له. وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ: إن كان الشِّرَاءُ بعَينِ المالِ، فالرِّبْحُ للمالِكِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه. قال الشَّرِيفُ: وعن أحمدَ، أنَّه يَتَصَدَّقُ به؛ لوُقُوعِ الخِلَافِ فيه.
стр. 7415
وَإِنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِهِ ثُم نَقَدَهَا، فَكَذَلِكَ. وَعَنْهُ، الرِّبْحُ لِلْمُشْتَرِي.
ــ
٢٣٦١ - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه ثم نَقَدَها، [فكذلك إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه] (١)، احْتَمَلَ أن يكونَ الرِّبْحُ للغاصِبِ. وكذلك ذَكَرَه أبو الخَطّابِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافِعِيِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى لنَفْسِه في ذِمَّتِه، فكان الشِّراءُ له والرِّبْحُ له، وعليه بَدَلُ المَغْصُوبِ. وهذا قِياسُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ. واحْتَمَل أن يكونَ للمالِكِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى بعَينِ المالِ. وهذا المَشْهُورُ في
стр. 7416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَذْهَبِ. قال صاحِبُ «المُحَرَّرِ»: إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه بنِيَّةِ نَقْدِها؛ لِئَلَّا يَتَّخِذَ ذلك طَرِيقًا إلِي غَصْبِ مالِ الغَيرِ والتِّجارَةِ به. وإن خَسِر، فهو على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَل في المَغْصُوبِ. وإن دَفَع المال إلى مَن يُضارِبُ به، فالحُكْمُ في الرِّبْحِ على ما ذَكَرْنا. وليس على المالِكِ مِن أجْرِ العامِلِ شيءٌ؛ لأنَّه لم يَأْذَنْ له في العَمَل في مالِه. وإن كان المُضارِبُ عالِمًا بالغَصْبِ، فلا أَجْرَ له؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بالعَمَلِ، ولم يَغُرَّه أحَدٌ. وإن لم يَعْلَمْ، فعلى الغاصِبِ أَجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّه اسْتَعْمَله عَمَلًا بعِوَضٍ لم يَحْصُلْ له، فلَزِمَه أَجْرُه، كالعَقْدِ الفاسِدِ.
стр. 7417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن أَجَرَ الغاصِبُ المَغْصُوبَ، فالإِجازَةُ باطِلَةٌ، في إحْدَى الرِّواياتِ، كالبَيعِ، وللمالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهما شاءَ أَجْرَ المِثْلِ، فإن ضَمَّنَ. المُسْتَأْجِرَ، لم يَرْجِعْ بذلك؛ لأنَّه دَخَل في العَقْدِ على أنَّه يَضْمَنُ المَنْفَعَةَ ويَسْقُطُ عنه المُسَمَّى في العَقْدِ. وإن كان دَفَعَه إلى الغاصِبِ، رَجَع به. وإن تَلِفَتِ العَينُ في يَدِ المُسْتَأْجِرِ، فلمالِكِها تَضْمِينُ مَن شاءَ منهما قِيمَتَها، فإن ضَمَّنَ المُسْتَأْجِرَ، رَجَع بذلك على الغاصِبِ (١)؛ لأنَّه دَخَل معه على أنَّه لا يَضْمَنُ العَينَ، ولم يَحْصُلْ له (٢) بَدَلٌ في مُقابَلَةِ ما غَرِمَ. وإن كان عالِمًا بالغصْبِ، لم يَرْجِعْ على الغاصِبِ؛ لأنَّه دَخَل على بَصِيرَةٍ، وحَصَل
стр. 7418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التَّلَفُ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، فإن ضَمَّنَ الغاصِبَ الأجْرَ والقِيمَةَ، رَجَع بالأَجْرِ على المُسْتَأْجِرِ، عَلِم أو لم يَعْلَمْ، ويَرْجِعُ بالقِيمَةِ إن كان المُسْتَأْجِرُ عَلِمَ بالغَصْبِ. وهذا قولُ الشافِعِيِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ، في هذا الفَصْلِ. وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ الأَجْرَ للغاصِبِ دونَ صاحِبِ الدّارِ. وهو فاسِدٌ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضُ المنافِعِ المَمْلُوكَةِ لرَبِّ الدّارِ، فلم يَمْلِكْها الغاصِبُ، كعِوَضِ الأجْزاءِ.
стр. 7419
وَإِنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِنَاعَةٍ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ.
ــ
٢٣٦٢ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ المَغْصُوبِ، أو قَدْرِه، أو صناعَةٍ فيه، فالقولُ قولُ الغاصِبِ) إذا اخْتَلَفَ المالِكُ والغاصِبُ في قِيمَةِ المَغْصُوبِ ولا بَيِّنَةَ، فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه، فلا يَلْزَمُه ما لم يَقُمْ عليه حُجَّةٌ, كما لو ادَّعَى عليه دَينًا فأقَرَّ ببَعْضِه. وكذلك إنِ اخْتَلَفَا في قَدْرِه، فقال: غَصَبْتَنِي مِائَةً. قال: بل خَمْسِينَ. لِما ذَكَرْنا. وكذلك إن قال المالِكُ: كان كاتِبًا -أو- له صِناعَةٌ. فأنْكَرَ الغاصِبُ، فالقولُ قولُه كذلك (١). فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بالصِّفَةِ، ثَبَتَت.
стр. 7420
وَإِنِ اخْتَلَفَا في رَدِّهِ، أَوْ عَيبٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ.
ــ
٢٣٦٣ - مسألة: (وإنِ اخْتَلَفَا في رَدِّه، أو عَيبٍ، فالقولُ قولُ المالِكِ) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الردِّ وبَقاؤُه في يَدِ الغاصِبِ. وإن قال الغاصِبُ: كانت فيه سَلْعَةٌ -أو- إصْبَعٌ زائِدَةٌ -أو- عَيبٌ. وأنْكَرَ المالِكُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك. وإنِ اخْتَلَفا بعدَ زِيادَةِ قِيمَةِ المَغْصُوبِ في وَقْتِ الزِّيادَةِ، فقال المالِكُ: زادَتْ قبلَ تَلَفِه. وقال الغاصِبُ: بعدَ تَلَفِه. فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِه. وإن [شاهَدَتِ البَيِّنَةُ] (١) العَبْدَ مَعِيبًا، فقال الغاصِبُ: كان مَعِيبًا قبلَ غَصْبه. وقال المالِكُ: تَعَيَّبَ عندَك. فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّه غارِمٌ، ولأَنَّ الظّاهِرَ أنَّ صِفَةَ العَبْدِ لم تَتَغَيَّرْ. ويَتَخَرَّجُ أنَّ القولَ قولُ المالِكِ، كما إذا اخْتَلَفَ البائِعُ والمُشْتَرِى في العَيبِ: هل كان عندَ البائِعِ، أو حَدَث عندَ المُشْتَرِي؟ فإنَّ فيه رِوايَةً،
стр. 7421
وَإِنْ بَقِيَتْ في يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرفُ أَرْبَابَهَا، تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُمْ، بِشرْطِ الضَّمَانِ، كَاللُّقَطَةِ.
ــ
أنَّ القَوْلَ قولُ البائِعِ، كذلك هذا. وإن غَصَبَه خَمْرًا، فقال المالِكُ: تَخَلَّلَ عندَك. وأنْكَرَ الغاصِبُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ تَغيُّرِه وبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الغاصِبِ. وإنِ اخْتَلَفَا في تلَفِه، فالقولُ قولُ الغاصِبِ إذا ادَّعَى التَّلَفَ؛ لأنَّه أَعْلَمُ بذلك، وتَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ عليه، فإذا حَلَف، فللمالِكِ المُطالبَةُ ببَدَلِه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ رَدُّ العَينِ، فلَزِمَ بَدَلُها, كما لو غَصَب عَبْدًا فأَبَقَ. وقيلَ: ليس له المُطالبَةُ بالبَدَلِ؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه. وإن قال: غَصَبْتَ مني حَدِيثًا. قال: بل عَتِيقًا. فالقولُ قولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الحَدِيثِ، وللمالِكِ المُطالبَةُ بالعَتِيق؛ لأنَّه دُونَ حَقِّه. وإنِ اخْتَلَفا في الثِّيابِ التي على العَبْدِ، فهي للغاصِبِ؛ لأنَّها في يَدِه، فكان القَول قوْله فيها، ولم يَثْبُتْ أنَّها كانت لمالِكِ العَبْدِ.
٢٣٦٤ - مسألة: (وإن بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوبٌ لا يَعْلَمُ أَرْبابَها، تَصَدَّقَ بها عنهم، بشَرْطِ الضَّمَانِ، كاللُّقَطَةِ) لأنَّه عاجِزٌ عن
стр. 7422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَدِّها على أصحابِها، فإذا تَصَدَّقَ بها عنهم كان ثَوابُها لأرْبابِها، فيُسْقِطُ ذلك إثْمَ غَصْبِها، ولأنَّ قَضاءَ الحُقُوقِ في الآخِرَةِ بالحَسَناتِ وحَمْلِ السَّيِّئاتِ، فإذا طُلِبَ منه عِوَضُ الغصْبِ أحَالهُم بثَوابِ الصَّدَقَةِ. [وعنه في اللُّقَطَةِ، لا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ] (١) بها. فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه. فعلى هذا، له دَفْعُه إلى نائِبِ الإِمَامِ، كالضَّوَالِّ.
стр. 7423
فَصْلٌ: وَمَنْ أَتْلَفَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِغَيرِه، ضَمِنَهُ.
ــ
فصل: قال، ﵁: (ومَن أَتْلَفَ مالًا مُحْتَرَمًا لغيرِه، ضَمِنَه) إذا كان بغيرِ إذْنِه. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّه فَوَّتَه عليه، فوَجَبَ عليه ضَمانه, كما لو غَصَبَه فتَلِفَ عندَه.
стр. 7424
وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرِهِ، أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِهِ، أَوْ رِبَاطَ فَرَسِهِ،
ــ
٢٣٦٥ - مسألة: (وإن فَتَح قَفَصًا عن طائِرِه) فطَارَ (أَوْ حَلَّ قَيدَ عَبْدِه، أو رِبَاطَ فَرَسِه) [إذا حَلَّ رِباطَ دابَّةٍ فذَهَبَتْ، أو فَتَح قَفَصًا عن طائِرِهِ فطار، ضَمِنَهما] (١). وبه قال مالِكٌ. وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ: لا ضَمانَ عليه، إلَّا أن يكونَ أهَاجَهُما حتى ذَهَبَا. وقال أصحابُ الشافِعِيِّ: إن وَقَفَا بعدَ الحَلِّ والفَتْحِ، ثم ذَهَبَا، لم يَضْمَنْهُما،
стр. 7425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن ذَهَبَا عَقِيبَ ذلك، ففيه قَوْلانِ. واحْتَجَّا بأنَّ لهما اخْتِيارًا، وقد وُجِدَتْ منهما المُباشَرَةُ، ومِن الفاتِحِ سَبَبٌ غيرُ مُلْجِئٍ، فإذا اجْتَمَعَا، لم يَتَعَلَّقِ الضَّمانُ بالسببِ، كما لو حَفرَ بِئْرًا فجاء عَبْدٌ لإِنْسانٍ فرَمَى نَفْسَه فيها. ولَنا، أنَّه ذَهَب بسَبَبِ فِعْلِه، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو نَفَّرَه، أو ذَهَب عَقِيبَ فَتْحِه وحَلِّه، والمُباشَرَةُ إنَّما حَصَلتْ مِمَّن لا يُمْكِنُ إحَالةُ الحُكْمِ عليه، فيَسْقُطُ، كما لو نَفَّرَ الطائِرَ، وأهَاجَ الدّابَّةَ، أو أشْلَى (١) كَلْبًا على صَبِيٍّ فقَتَلَه، أو أطْلَقَ نارًا في مَتاعِ إنْسانٍ، فإنَّ للنارِ فِعْلًا، لكنْ لَمَّا لم يُمْكِنْ إحالةُ الحُكْمِ عليها، كان وُجُودُه كعَدَمِه، ولأنَّ الطائِرَ وسائِرَ الصَّيدِ مِن طَبْعِه النُّفُورُ، وإنَّما يَبْقَى بالمانعِ، فإذا أُزِيلَ المانِعُ ذَهَبَ بطَبْعِه، فكان ضَمانُه على مَن أزَال المانِعَ، كمَن قَطَع عِلَاقَةَ قِنْدِيلٍ فوَقَعَ فانْكَسَرَ. وهكذا لو حَلَّ قَيدَ عَبْدٍ فذَهَبَ، أو أَسِيرٍ فأَفْلَتَ؛ لأنَّه تَلِفَ بسَبَبِ فِعْلِه.