← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أن يُقال للمُشْتَرِي: إمّا أن تَقْبِضَه، وإمّا أن تُبْرِئ منه. والثاني، يَأخُذُه الحاكِمُ عندَه. والثالثُ، يَبْقَى في ذِمَّةِ الشَّفِيعِ. وفي جَمِيعِ ذلك مَتَى ادَّعاه البائِعُ أو المُشْتَرِي، دُفِعَ إليه؛ لأَنه لأحَدِهما. وإن تَداعَياه جَمِيعًا، فأقَرَّ المُشْتَرِي بالبَيعِ، وأنْكَرَ البائِعُ أنَّه ما قَبَض منه شيئًا، فهو للمُشْتَرِي؛ لأنَّ البائِعَ قد أقَرَّ له به، ولأنَّ البائِعَ إذا أنْكَرَ القَبْضَ، لم يَكُنْ مُدَّعِيًا لهذا الثَّمَنِ؛ لأنَّ البائِعَ لا يَسْتَحِقُّ على الشَّفِيعِ ثَمَنًا، إنَّما يَسْتَحِقُّه على المُشْتَرِي، وقد أقَرَّ بالقَبْضِ منه، وأمّا المُشْتَرِي فإنَّه يَدَّعِيه، وقد أقَرَّ له باسْتِحْقاقِه، فوَجَبَ دَفْعُه إليه.

стр. 7632

وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِع. ــ ٢٤٢٧ - مسألة: (وعُهْدَةُ الشَّفِيعِ على المُشْتَرِي، وعُهْدَةُ المُشْتَرِي على البائِعِ) إذا أخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، فَظَهَرَ مُسْتَحَقًّا، فرُجُوعُه بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ. وإن وَجَدَه مَعِيبًا فله رَدُّه على المُشْتَرِي، أو أخْذُ أرْشِه منه، والمُشْتَرِي يَرُدُّ على البائِعِ، أو يَأخُذُ الأرْش منه، سَواءٌ قَبَض الشِّقْصَ مِن المُشْترِي أو مِن البائِعِ. وبه قال الشافعيُّ. وقال ابنُ أبي لَيلَى، والبَتِّيُّ: عُهْدَةُ الشَّفِيعِ على البائِعِ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَت له بإيجابِ البائِعِ، فكان رُجُوعُه عليه، كالمُشْتَرِي. وقال أبو حنيفةَ: إن أخَذَه مِن المُشْتَرِي فالعُهْدَةُ

стр. 7633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه، وإن أخَذَه مِن البائِعِ فالعُهْدَةُ عليه؛ لأنَّ الشَّفِيعَ إذا أخَذَه مِن البائِعِ، تَعَذَّرَ قَبْضُ المُشْتَرِي، فيَنْفَسِخُ البَيعُ بينَ البائِعِ والمُشْتَرِي، فكأنَّ الشَّفِيعَ أخَذَه مِن البائِعِ مالِكًا مِن جِهَتِه، فكانت عُهْدَتُه عليه. ولَنا، أنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقّة بعدَ الشِّراءِ وحُصُولِ المِلْكِ للمُشْتَرِي، ثم يَزُولُ المِلْكُ مِن المُشْتَرِي إلي الشَّفِيعِ بالثَّمَنِ، فكانتِ العُهْدَةُ عليه، كما لو أخَذَه منه ببَيعٍ، ولأنَّه مَلَكَه مِن جِهَةِ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ، فمَلَكَ رَدّه عليه بالعَيبِ، كالمُشْتَرِي في البَيعِ الأوَّلِ. وقِياسُه على المُشْتَرِي في جَعْلِ عُهْدَتِه على البائِعِ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ مَلَكَه مِن البائِعِ، بخِلافِ الشَّفِيعِ. وأمّا إذا أخَذَه مِن البائِعِ، فالبائِعُ نائِبٌ عن المُشْتَرِي في التَّسْلِيمِ المُسْتَحَقِّ عليه. ولو انْفَسخَ العَقْدُ بينَ المُشْتَرِي والبائِعِ، بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأَنها اسْتُحِقَّتْ به.

стр. 7634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وحُكْمُ الشَّفِيعِ في الرَّدِّ بالعَيبِ، حُكْمُ المُشْتَرِي مِن المُشْتَرِي، فإن عَلِمَ المُشْتَرِي بالعَيبِ، ولم يَعْلَمِ الشَّفِيعُ، فللشَّفِيعِ رَدُّه على المُشْتَرِي، أو أخْذُ أرْشِه منه، وليس للمُشْتَرِي شيء. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الشَّفِيعُ أخْذَ الأرْشِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأخُذُ بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، فإذا أخَذَ الأرْشَ، فما أخَذَه بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ على المُشْتَرِي. وإن عَلِمَ الشَّفِيعُ وحدَه، فليس لواحِدٍ منهما رَدٌ ولا أرْشٌ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ أخَذَه عالِمًا بعيبِه فلم يَثْبُتْ له رَدٌّ ولا أرْشٌ، كالمُشْتَرِي إذا عَلِم العَيبَ، والمُشْتَرِي قد اسْتَغْنَى عن الرَّدِّ لزَوال مِلْكِه عن المَبِيعِ، وحُصُولِ الثَّمَنِ له مِن الشَّفِيعِ، ولم يَمْلِكِ الأرْشَ؛ لأنَّه اسْتَدْرَكَ ظُلامَتَه، ورَجَع إليه جَمِيعُ الثَّمَنِ، فأشْبَهَ ما لو رَدَّه على البائِعِ. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَ الأرْشِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن الجُزْءِ الفائِتِ مِن المَبِيعِ، فلم يَسْقُطْ بزَوالِ مِلْكِه عن المَبِيعِ، كما لو اشْتَرَى قَفِيزَين فتَلِف أحَدُهما وأخَذَ الآخرَ. فعلى هذا، ما يَأخُذُه مِن الأرْش يَسْقُطُ عن الشَّفِيعِ مِن الثَّمَنِ بقَدْرِه؛ لأنَّ الشِّقْصَ يَجِبُ عليه بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ

стр. 7635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأرْش قبلَ أخْذِ الشَّفِيعِ منه. وإن عَلِمَا جميعًا، فليس لواحِدٍ منهما رَدُّ ولا أرْشٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما دَخَل على بَصِيرَةٍ، ورَضِيَ ببَذْلِ الثَّمَنِ فيه بهذه الصِّفَةِ. وإن لم يَعْلَمَا، فللشَّفِيعِ رَدُّه على المُشْتَرِي، وللمُشْتَرِي رَدُّه على البائعِ، فإن لم يَرُدَّه الشَّفِيعُ، فلا رَدَّ للمُشْتَرِي؛ لِما ذَكَرْنا أوّلًا. وإن أخَذَ الشَّفِيعُ أرْشَه مِن المُشْتَرِي، فللمُشْتَرِي أخْذُه مِن البائِعِ. وإن لم يَأخُذْ منه شيئًا، فلا شيءَ للمُشْتَرِي. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَه على الوَجْهِ الذي ذَكَرْناه. فإذا أخَذَه، فإن كان الشَّفِيعُ لم يُسْقِطْه عن المُشْتَرِي، سَقَط عنه مِن الثَّمَنِ بقَدْرِه؛ لأنَّه الثَّمَنُ الذي اسْتَقَرَّ عليه البَيعُ، وسُكُوتُه لا يُسْقِطُ حَقَّه، وإن أسْقَطَه عن المُشْتَرِي، تَوَفَّرَ عليه، كما لو زادَه على الثَّمَنِ باخْتِيارِه. فأمَّا إنِ اشْتَراه بالبَراءَةِ مِن كلِّ عَيبٍ، فالصَّحِيحُ مِن (١) المَذْهَبِ، أنَّه لا يَبْرأ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو لم يَشْتَرِطْ. وفيه رِوايَة أُخرَى، أنَّه يَبْرأ، إلَّا أن يكونَ البائِعُ عَلِم بالعَيبِ فَدَلَّسَه واشْتَرَطَ البَراءَةَ. فعلى هذه الروايةِ، إن عَلِم الشَّفِيعُ باشْتِراطِ البَراءَةِ، فحُكْمُه حُكْمُ المُشْتَرِي؛ لأنَّه دَخَل على شِرائِه، فصار [كمُشْتَر ثانٍ اشْتَرطَ] (٢) البَراءَةَ، وإن لم يَعْلَم ذلك، فحُكْمُه كما (٣) ما لو عَلِمَه المُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ.

стр. 7636

فَإِنْ أبَى الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيع، أجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيهِ. وَقَال أبو الْخَطَّابِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَأخُذَهُ الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعَ. ــ ٢٤٢٨ - مسألة: (وإن أبى المُشْتَرِي قَبْضَ المَبِيعِ، أجْبَرَه الحاكِمُ عليه) ثم يَأخُذُه الشَّفِيعُ منه. قاله القاضِي، قال: وليس له أخْذُه مِن البائِع. وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَشْتَرِي الشِّقْصَ مِن المُشْتَرِي، فلا يَأخُذُه مِن غيرِه. وبَنَوْا ذلك على أنَّ البَيعَ لا يتم إلَّا بالقَبْضِ، فإذا فاتَ القَبْضُ، بَطَل العَقْدُ، وسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ (وقال أبو الخَطّابِ: قِياسُ المَذْهَبِ أن يَأخُذَه الشَّفِيعُ مِن يَدِ البائِعِ) ويكونُ كأخْذِه مِن المُشْترِي. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ العَقْدَ يَلْزَمُ في بَيعِ العَقارِ قبلَ قَبْضِه، ويَدْخُلُ المَبِيعُ في مِلْك المُشْتَرِي وضَمانِه، ويَجُوزُ له التَّصَرُّف فيه بنَفْسِ العَقْدِ، فصارَ كما لو قَبَضَه المُشْتَرِي. واللهُ أعْلَمُ.

стр. 7637

وَإذَا وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا عَنْ أبِيهِمَا، فَبَاعَ أحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَالشُّفْعَةُ بَينَ أخِيهِ وَشَرِيكِ أبِيهِ. ــ ٢٤٢٩ - مسألة: (ولو وَرِثَ اثْنان شِقْصًا عن أبيِهما، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بينَ أخِيه وشَرِيكِ أبيه) وبه قال أبو حنيفةَ، والشّافعيُّ في الجَدِيدِ. وقال في القَدِيمِ: الأخُ أَحَقُّ بالشُّفْعَةِ. وبه قال مالكٍ؛ لأنَّ أخَاه أخَصُّ بشَرِكَتِه مِن شَرِيك أبِيه، لاشْتِراكِهِما في سَبَبِ المِلْكِ. ولَنا، أنَّهما شَرِيكان حال ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، فكانت بينَهما، كما لو مَلَكُوا كلُّهم بسَببٍ واحِدٍ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدّاخِلِ على شُركائِه بسَبَبِ شَرِكَتِه، وهو مَوْجُود في حَقِّ الكلِّ، وما ذَكَرُوه لا أصْلَ له، ولم يَثْبُتِ اعْتِبارُ الشَّرْعِ له في مَوْضِع، والاعْتِبارُ بالشَّرِكَةِ لا بسَبَبِها. وهكذا لو اشْتَرَى رجلٌ نِصْفَ دارٍ ثم اشْتَرَى اثْنانِ نِصْفَها الآخَرَ، أو وَرِثاه، أو اتَّهَباه، أو وَصَل إليهما بسَبَبٍ مِن أسْبابِ المِلْكِ، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه، أو وَرِثَ ثلاثةٌ دارًا فباعَ أحَدُهُم نَصِيبَه مِن اثْنَين، ثم باعَ أحَدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بينَ جَمِيعِ الشُّرَكاءِ. وكذلك لو مات رجلٌ وخَلَّف ابْنَين وأخْتَين، فباعَتْ إحْدَى البِنْتَين نَصِيبَها، أو إحدى الأخْتَين، فالشُّفعَةُ بينَ جَمِيعِ الشُّرَكاءِ. ولو ماتَ رجل وتَرَك ثَلاثَةَ بَنينَ وأرْضًا، فماتَ أحَدُهُم عن ابْنَين، فباعَ أحَدُ العَمَّين نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بينَ أخِيه وابْنَيْ

стр. 7638

وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِر عَلَى مُسْلِم. ــ أخِيه. ولو خَلَّف ابْنَين [وأوْصَى] (١) بثُلُثِه لاثْنَين، فباعَ أحَدُ (٢) الوَصِيِّين، أو أحَدُ الابنَين، فالشُّفْعَةُ بينَ شُرَكائِه كلِّهم. ولمُخَالِفِينا في هذه المسائِل اخْتِلافٌ يَطُولُ ذِكْرُه. ٢٤٣٠ - مسألة: (ولا شُفْعَةَ لكافِر على مُسْلِم) رُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ. وقال الثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشّافعيّ، وأصحابُ الرَّأي، وجَماعَة مِن أهلِ العِلْمِ: تَجبُ له الشُّفْعَةُ؛ لعمُومِ قولِه ﵇: «لَا يَحِل لَهُ أن يبيعَ حَتَّى يَسْتَأذِنَ شَرِيكَه، وَإنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أحقُّ بِهِ» (٣). ولأنَّه خِيَارٌ ثَابِت لدَفْعِ الضَّرَرِ بالشِّراءِ، فاسْتَوَى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، كالرَّدِّ بالعَيبِ. ولَنا، ما روَى الدَّارقُطنيُّ، في كِتابِ «العِلَلِ»، بإسْنادِه عن أنس، أن النبيَّ ﷺ قال: «لَا شُفْعَةَ

стр. 7639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِنَصْرَانِيٍّ» (١). وهذا يَخُصُّ عُمُومَ ما احْتَجُّوا به. ولأنَّه مَعْنًى يَخْتَصُّ العَقارَ، فأشْبَهَ الاسْتِعلاءَ في البُنْيانِ، يُحَقِّقُه أن الشُّفْعَةَ إنَّما تثْبُتُ للمُسْلِمِ دَفْعًا للضرَرِ عن مِلْكِه، وقُدِّمَ دَفْعُ ضَرَرِه على دَفْعِ ضَرَرِ المُشْتَرِي، ولا يَلْزَمُ مِن تَقْدِيمِ دَفْعِ ضَرَرِ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ تَقْدِيمُ دَفْعِ ضَرَرِ الذِّمِّيِّ، فإنَّ حَقَّ المُسْلِمِ أرْجَحُ، ورِعايَتَه أوْلَى، ولأن ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ في مَحَلِّ الإجْماعِ على خِلافِ الأصْلِ، رِعايَة لحَقِّ الشَّرِيكِ المسلمِ، وليس الذِّمِّي في مَعْنَى المسلمِ، فيَبْقَى فيه على مُقْتَضَى الأصْلِ. وتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ للمسلمِ على الذِّمِّيِّ؛ لعُمُومِ الأدِلَّةِ، ولأنَّها إذا ثَبَتَتْ للمسلمِ على المسلمِ مع عِظَمِ حُرْمَتِه، فلأنْ تَثْبُتَ على الذِّمِّيِّ مع دَنَاءته أوْلَى.

стр. 7640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وتَثْبُتُ للذِّمِّيِّ على الذِّمِّيِّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّهما تَساوَيَا في الدِّينِ، فتَثْبُتُ لأحَدِهما على الآخرِ، كالمُسْلِمَينِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. فإن تَبايَعُوا بخَمْر أو خِنْزِير، وأخَذَ الشَّفِيعُ بذلك، لم يُنْقَضْ ما فعلُوه. وإن جَرَى التَّقابُضُ بينَ المُتَبايِعَين دُونَ الشَّفِيعِ، وتَرافَعُوا إلينا، لم نَحْكُمْ له بالشُّفْعَةِ. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو الخَطَّابِ: إن تَبايَعُوا بخَمْرٍ، وقُلْنا: هي مالٌ لهم. حَكَمْنا له (١) بالشُّفْعَةِ. وقال أبو حنيفةَ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ إذا كان الثَّمَنُ خَمْرًا؛ لأنَّها مالٌ لهم، فأشْبَهَ ما لو تَبايَعُوا بدَرَاهِمَ، لكنْ إن كان الشَّفِيعُ ذِمِّيًّا، أخَذَه بمِثْلِه، وإن كان مُسْلِمًا، أخَذَه بقِيمَةِ الخَمْرِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ بخَمْر، فلم تَثْبُتْ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو كان بينَ مُسْلِمَين ولأنَّه عَقْدٌ بثَمَن مُحَرَّم، أشْبَهَ البَيعَ بالخِنْزِيرِ والمَيتَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الخَمْرَ مالٌ لهم (٢)؛ فإن اللهَ تَعالى حَرَّمَه كما حَرَّمَ الخِنْزِيرَ، واعْتِقادُهُم حِلَّه لا يَجْعَلُه مالًا، كالخِنْزِيرِ، وإنَّما لم يُنْقَضْ عَقْدُهُم إذا تَقابَضُوا؛ لأنَّنا لا نَتَعَرَّضُ لما فَعَلُوه مِمَّا يَعْتَقِدُونه في دِينهم ما لم يَتَحاكَمُوا إلينا قبلَ تَمامِه، ولو تحاكَمُوا إلينا قبلَ التَّقابُضِ لَفَسَخْناه. فأمَّا أهْلُ البِدَعِ فتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لمَن حَكَمْنا بإسْلامِه منهم، كالفاسِقِ بالأفْعالِ؛ لعُمُوم الأدِلَّةِ التي ذَكَرْناها. وروَى حَرْبٌ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن أصحابِ البِدَعِ، هل لهم شُفعَةٌ؟ وذُكِرَ له عن ابنِ إدْرِيسَ أنَّه قال:

стр. 7641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ليس للرّافِضَةِ شُفْعَة؟ فضَحِكَ، وقال: أراد أن يُخْرِجَهُم مِن الإسْلامِ. فظاهِرُ هذا أنَّه أثْبَتَ لهم الشُّفْعَةَ، وهذا مَحْمُولٌ على غيرِ الغُلاةِ منهم، فأمَّا الغُلاةُ، كالمُعْتَقِدِ أنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ في الرِّسَالةِ فجاءَ إلى النبيِّ ﷺ ، وإنَّما أرْسِلَ إلى عليٍّ، ونحوه، ومَن حُكِمَ بكُفْرِه مِن الدُّعاةِ إلى القَوْلِ بخَلْقِ القرآنِ، فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ إذا لم تثْبُتْ للذِّمِّيِّ الذي يُقَرُّ على كُفْرِه، فغيرُه أوْلَى. فصل: وتَثْبُتُ الشُّفعَةُ للبَدَويِّ على القَرَويِّ، وللقَرَويِّ على البَدَويِّ، في قولِ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ. وقال الشَّعْبِيُّ، والبَتِّيُّ: لا شُفْعَةَ لمَن لم يَسْكُن المِصْرَ. وعُمُومُ الأدِلةِ واشْتِرِاكُها في المَعْنَى المُقْتَضِي لوُجُوبِ الشًّفْعَةِ يَدُلُّ على ثبوتِها لهم. فصل: قال أحمدُ، في رِوايَةِ حَنْبَل: لا نَرَى في أرْضِ السَّوادِ شُفْعَةً؛ لأنَّ عُمَرَ، ﵁، وَقَفَها على المُسْلِمِينَ، فلا يَجُوزُ بَيعُها، والشُّفْعَةُ إنَّما تكونُ في البَيعِ. وكذلك الحُكْمُ في سائِرِ الأرْضِ التي وَقَفَها عمرُ، وهي التي فُتِحَتْ عَنْوَةً في زَمَنِه ولم يَقْسِمْها، كأرْضِ الشّامِ ومِصْرَ. وكذلك كلُّ أرْض فُتِحَتْ عَنْوَةً ولم تُقْسَمْ بينَ الغانِمِينَ، إلَّا أن يَحْكُمَ بِبَيعِها حاكِمٌ، أو يَفْعَلَه الإمامُ أو نائِبُه، فإن فَعَل ذلك ثَبَتَت فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه فَصْل مُخْتَلَفٌ فيه، ومتى حَكَم الحاكِمُ في المُخْتَلَفِ فيه بشيءٍ، نَفَذ حُكْمُه.

стр. 7642

وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أوْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارِبِ فِيمَا يَشتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجهَينِ. ــ ٢٤٣١ - مسألة: (وهل تَجِبُ الشُّفْعَةُ للمُضارِبِ على رَبِّ المالِ، أو لرَبِّ المالِ على المُضارِبِ فيما يَشْتَرِيه مِن مالِ المُضارَبَةِ؟ على وَجْهَين) إذا بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ مالِ المُضارَبَةِ، فللعامِلِ الأخْذُ بها إذا كان الحَظُّ فيها، فإن تَرَكَها فلرَبِّ المالِ الأخْذُ؛ لأنَّ مال المُضاربَةِ مِلْكُه، ولا يَنْفُذُ عَفْوُ العامِلِ؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه، فلم يَنْفُذْ عَفْوُه، كالمَأذُونِ له. فإنِ اشْتَرَى المُضارِبُ بمالِ المُضارَبَةِ شِقْصًا في شَرِكَةِ رَبِّ المالِ، فهل لرَبِّ المالِ فيه شُفْعَة؟ على وَجْهَين مَبْنِيَّيْن على شِرَاءِ رَبِّ المالِ مِن مالِ المُضارَبَةِ، وقد ذَكَرْناهُما. وإن كان المُضارِبُ شَفِيعَه، ولا رِبْحَ في المالِ، فله الأخْذُ بها؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه. وإن كان فيه رِبْح، وقُلْنا: لا يَمْلِكُ بالظُّهُورِ. فكذلك. وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالظُّهُورِ. ففيه وَجْهان، كرَبِّ المالِ. ومَذْهَبُ الشَّافعيِّ في هذا كلِّه على ما ذَكَرْنا. فإن باعَ المُضارِبُ شِقْصًا في شَرِكَتِه، لم يَكُنْ له أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه مُتَّهَم، فأشْبَهَ شِراءَه مِن نَفْسِه.

стр. 7643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثَلاثةٍ، فقارَضَ واحِدٌ منهم أحَدَ شَرِيكَيه بألْفٍ، فاشْتَرَى به نِصْفَ نَصِيبِ الثالثِ، لم تَثْبُتْ فيه شُفْعَة في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ أحَدَ الشَّرِيكَين رَبُّ المالِ، والآخَرَ العامِلُ، فهما كالشَّرِيكَين في المَتاعِ، فلا يَسْتَحِقُّ أحَدُهما على الآخَرِ شُفْعَةً. وإن باعَ الثَّالِثُ باقيَ نَصِيبِه لأجْنَبِي، كانتِ الشُّفْعَةُ مُسْتَحَقَّةً بينَهم أخْماسًا، لرَبِّ المالِ خُمْساها (١)، وللعامِلِ مِثْلُه، ولمالِ (٢) المُضارَبَةِ خُمْسُها بالسُّدْسِ الذي له، فيُجْعَلُ مالُ المُضارَبَةِ كشَرِيكٍ آخَرَ؛ لأنَّ حُكْمَه مُتَمَيِّز عن مالِ كلِّ واحِدٍ منهما.

стр. 7644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كانتِ الدّارُ بينَ ثَلاثة أثْلاثًا، فاشْتَرَى أجْنَبِيٌّ نَصِيبَ أحَدِهِم، فطالبَه أحَدُ الشَّرِيكَين بالشُّفْعَةِ، فقال: إنَّما اشْتَرَيتُه لشَرِيكِك. لم تُؤَثِّرْ هذه الدَّعْوَى في قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّ مِن الشُّفْعَةِ، فإن الشُّفْعَةَ بينَ الشَّرِيكَين نِصْفَين، سَواءٌ اشْتَراها الأجْنَبِيُّ لنَفْسِه أو للشَّرِيكِ الآخَرِ. وإن تَرَك المُطالِبُ بالشُّفْعَةِ حَقَّه منها بِناءً على هذا القولِ، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُه، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه. وإن أخَذَ نِصْفَ المَبِيعِ لذلك (١)، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُ المُشْتَرِي، وعَفَا الشَّرِيكُ عن شُفْعَتِه، فله أخْذُ نصِيبِه مِن الشُّفْعَةِ؛ لأنَّ اقْتِصارَه على أخْذِ النِّصْفِ انْبَنَى على خَبَرِ المُشْتَرِي، فلم يُؤَثِّرْ في إسْقاطِ الشُّفْعَةِ، واستَحَقَّ أخْذَ الباقِي لعَفْو شَرِيكِه عنه. وإنِ امْتَنَعَ مِن أخْذِ الباقِي سَقَطَتْ شُفْعَتُه كلُّها، لأنَّه لا يمْلِكُ تَبْعِيضَ صَفقَةِ المُشْتَرِي. ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْقُطَ حَقِّه مِن النِّصْفِ الذي أخَذَه، ولا يَبْطُلُ أخْذُه له، لأنَّ المشَترِيَ أقَرَّ بما تَضَمَّنَ اسْتِحْقاقَه لذلك، فلا يَبْطُلُ برُجُوعِه عن إقْرارِه. وإن أنْكرَ الشَّرِيكُ كَوْنَ الشِّراءِ له، وعَفَا عن شُفْعَتِه، وأصَرَّ المُشْتَرِي على الإقْرارِ للشَّرِيكِ به، فللشَّفِيعِ أخْذُ الكُلِّ؛ لأنَّه لا مُنازِعَ له في اسْتِحْقاقِه، وله الاقْتِصارُ على النِّصْفِ، لإقْرارِ المُشْتَرِي له باسْتِحْقاقِ ذلك.

стр. 7645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن قال أحَدُ الشَّرِيكَين للمُشْتَرِي: شِراؤكَ باطِلٌ. وقال الآخَرُ: هو صَحِيحٌ. فالشُّفْعَةُ كلها للمُعْتَرِفِ بالصِّحّةِ. وكذلك إن قال: ما اشْتَرَيتُه، إنَّما اتَّهَبْتُه. وصَدَّقَه الآخَرُ أنَّه اشْتَراه، فالشفْعَةُ للمُصَدِّقِ بالشِّراءِ؛ لأنَّ شَرِيكَه مُسْقِطٌ لحَقِّه باعْتِرافِه أنَّه لا بَيعَ، أو لا بَيعَ صَحِيحٌ. ولو احْتال المُشْتَرِي على إسْقاطِ الشُّفْعَةِ بحِيلَةٍ لا تُسْقِطُها، فقال أحَدُ الشَّفِيعَين: قد سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ. تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ؛ لاعْتِرافِ صاحِبِه بسُقُوطِها. ولو تَوَكَّلَ أحَدُ الشَّفِيعَين في البَيعِ أو الشِّراءِ، أو ضَمِن عُهْدَةَ المَبِيعِ، أو عَفَا عن الشُّفْعَةِ قبلَ البَيعِ، وقال: لا شُفْعَةَ لي؛ لذلك. تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ. وإنِ اعتَقَدَ أنَّ له شُفْعَةً، وطالبَ بها، فارْتَفَعا إلى حاكِم، فحَكَمَ بأنَّه لا شُفْعَةَ له، تَوَفَّرَتْ على الآخرِ؛ لأنَّها سَقَطَتْ بحُكْمِ الحاكِمِ، فأشْبَهَ ما لو سَقَطَتْ بإسْقاطِ المُسْتَحِقِّ.

стр. 7646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا ادَّعَى رجلٌ على آخَرَ ثُلُثَ دار، فأنكَرَه، ثم صالحَه عن دَعْواه بثُلُثِ دار أخْرَى، صَحَّ، ووَجَبَتِ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ المصالحِ به؛ لأنَّ المُدَّعِيَ يَزْعُمُ أَنَّه مُحِقٌّ في دَعْواه، وأنَّ ما أخَذَه عِوَضٌ عن الثُّلُثِ الذي ادَّعاه، فلَزِمَه حُكْمُ دَعْواه، ووَجَبَتِ الشُّفْعَةُ، ولا شُفْعَةَ على المُنْكِر في الثُّلُثِ المُصالحِ عنه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه على مِلْكِه لم يَزُلْ، وإنَّما دَفَع ثُلُثَ دارِه إلى المُدَّعِي اكْتِفاءً لشَرِّه ودَفْعًا لضَرَرِ الخُصُومَةِ واليَمينِ عن نَفْسِه، فلم تَلْزَمْه فيه شُفْعَة. وإن قال المُنْكِرُ للمُدَّعِي: خُذِ. الثُّلُثَ الذي تَدَّعِيه بثُلُثِ دارِكَ. ففَعَلَ، فلا شُفْعَةَ على المُدَّعِي فيما أخَذَه، وعلى المُنْكِرِ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ الذي يَأخُذُه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه أخَذَه عِوَضًا عن مِلْكِه الثابِتِ له. وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: تَجِبُ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ الذي أخَذَه المُدَّعِي أيضًا؛ لأنَّها مُعاوَضَة مِن الجانِبَين بشِقْصَين، فوَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فيهما، كما لو كانت بينَ مُقِرَّين. ولَنا، أنَّ المُدَّعِيَ يَزْعُمُ أنَّ ما أخَذَه كان مِلْكًا له قبلَ الصُّلْح، ولم يَتَجَدَّدْ له عليه مِلْكٌ، وإنَّما اسْتَنْقَذَه بصُلْحِه، فلم تَجِبْ فيه شُفْعَة، كما لو أقَرَّ له به.

стр. 7647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثلاثةٍ أثْلاثًا، فاشْتَرَى أحَدُهُم نَصِيبَ أحَدِ شَرِيكَيه، ثم باعَه لأجْنَبِي، ثم عَلِم شَرِيكُه، فله أن يَأخُذَ بالعَقْدَين، وله الأخْذُ بأحَدِهما؛ لأنَّه شَرِيكٌ فيهما. فإن أخَذَ بالعَقْدِ الثَّاني أخَذَ جَميع ما في يَدِ مُشْتَرِيه؛ لأنَّه لا شَرِيكَ له في شُفْعَتِه. وإن أخَذَ بالعَقْدِ الأوَّلِ، ولم يَأخُذْ بالثَّاني، أخذَ نِصْفَ المَبِيعِ، وهو السُّدْسُ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ شَرِيكُه في شُفْعَتِه، ويَأخُذُ نِصْفَه مِن المُشْتَرِي الأوَّلِ، ونِصْفَه مِن المُشْتَرِي الثَّاني؛ لأنَّ شَرِيكَه لمّا اشْتَرَى الثُّلُثَ كان بينَهما نِصْفين، لكلِّ واحِدٍ منهما السُّدْسُ، فإذا باع الثُّلُثَ مِن جَمِيعِ ما في يَدِه، وفي يَدِه ثُلُثان، فقد باع نِصْفَ ما في يَدِه، والشَّفِيعُ يَسْتَحِقُّ رُبْعَ ما في يَدِه، وهو السُّدْسُ، فصارَ مُنْقَسِمًا في يَدَيهِما نِصْفَين، فيَأخُذُ مِن كلِّ واحِدٍ منهما نِصفَه، وهو نِصْف السُّدْسِ، ويَدْفَعُ ثَمَنَه إلى الأوَّلِ، ورْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني على الأوَّلِ برُبْعِ الثَّمَنِ الذي اشْتَرى به، وتكونُ المسألةُ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ، ثم تَرْجِعُ إلى أرْبَعَةٍ، للشَّفِيعِ نِصْف الدّارِ، ولكلِّ واحِدٍ مِن الآخَرَين الرُّبْع. وإن أخَذَ بالعَقْدَين أخَذَ جَمِيعَ ما في يَدِ الثَّاني ورُبْعَ ما في يَدِ الأوَّلِ،

стр. 7648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصارَ له ثَلاثةُ أرْباعِ الدّارِ، ولشَرِيكِه الرُّبْعُ، ويَدْفَعُ إلى الأوَّلِ نِصْفَ الثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثَّاني ثَلاثةَ أرْباعِ الثَّمَنِ الثَّاني، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ برُبْع الثَّمَنِ الثَّاني؛ لأنَّه يَأخُذُ نِصْفَ ما اشْتَراه الأوَّلُ، وهو السُّدْسُ، فيَدْفعُ إليه نِصْفَ الثَّمَنِ؛ لذلك، وقد صار نِصْفُ هذا النِّصْفِ في يَدِ الثَّاني، وهو رُبْعُ ما في يَدِه، فيَأخُذُه منه، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ بثَمَنِه، وبَقِيَ المَأخُوذُ مِن الثَّاني ثَلاثةَ أرْباعِ ما اشْتَراه، فأخَذَها منه، ودَفَع إليه ثلاثةَ أرْباعِ الثَّمَنِ. وإن كان المُشتَرِي الثَّاني هو البائِعَ الأولَ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، لا يَخْتَلِفُ. وإن كانتِ الدّارُ بينَ الثلاثةِ أرْباعًا، لأحَدِهم نِصْفُها وللآخَرَين نِصْفُها بينَهما، فاشْتَرَى صاحِبُ النِّصْفِ مِن أحَدِ شَرِيكَيه رُبْعَه، ثم باعَ رُبْعًا مِمَّا في يَدِه لأجْنَبِي، ثم عَلِم شَرِيكُه فأخَذَ بالبَيعِ الثَّاني، أخَذَ جَمِيعَه، ودَفَع إلى المُشْتَرِي ثَمَنَه. وإن أخَذَ بالبَيعِ الأوَّلِ وحدَه، أخَذَ ثُلُثَ المَبِيعِ، وهو نِصْفُ سُدْسٍ؛ لأنَّ المَبِيعَ كلَّه رُبْعٌ، فثُلُثُه نِصْفُ سُدْس، ويَأخُذُ ثُلُثَيه مِن المُشْتَرِي الأوَّلِ، وثُلُثَه مِن الثَّاني، ومَخْرَج ذلك مِن سِتَّةٍ وثَلاثينَ، النِّصْفُ ثمانِيَةَ عَشرَ، ولكلِّ واحِدٍ منهما تِسْعَة، فلما اشْتَرَى صاحِبُ النِّصْفِ تِسْعَةً، كانت شُفْعَتُها بينَه وبينَ شَرِيكِه الذي لم يَبعْ أثْلاثًا، لشَرِيكِه ثُلُثُها ثَلاثة، فلما

стр. 7649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ باعَ صاحِبُ النِّصْفِ ثُلُثَ ما في يَدِه، حَصَل في المَبِيع مِن الثلاثةِ ثُلثها، وهو سَهْمٌ، بَقِيَ في يَدِ البائِعِ منها سَهْمان، فتُرَدُّ الثلاثةُ إلى الشَّرِيكِ، يَصِيرُ في يَدِه اثْنَا عَشَرَ، وهي الثُّلُثُ، ويبقى في يَدِ المُشْتَرِي الثَّاني ثَمانِيَةٌ، وهي تُسْعانِ، وفي يَدِ صاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةَ عَشَرَ، وهي أرْبعةُ أتْساع، ويَدفَعُ الشَّرِيكُ الثَّمَنَ إلى المُشْتَرِي الأوَّلِ ويَرْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني عليه بتُسْعِ الثَّمَنِ الذي اشْتَرَى به؛ لأنَّه قد أخَذَ منه تُسْعَ مَبِيعِه، وإن أخَذَ بالعَقْدَين، أخَذَ مِن الثَّاني جَمِيعَ ما في يَدِه، وأخَذَ مِن الأوَّلِ نِصْفَ التُّسْعِ، وهي سَهْمانِ مِن سِتَّةٍ وثَلاثينَ، فيَصِيرُ في يَدِه عشْرُونَ سَهْمًا، وهي خَمْسَةُ أتْساع ويَبْقَى في يَدِ الأوَّلِ سِتَّةَ عَشَرَ سهْمًا، وهي أرْبَعَةُ أتْساع، ويَدْفَعُ إليه ثُلُثَ الثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثَّاني ثَمانِيَةَ أتْساعِ الثَّمَنِ الثَّاني، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ بتُسْعِ الثَّمَنِ الثَّاني.

стр. 7650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثلاثةٍ؛ لزَيدٍ نِصْفُها، ولعَمْرو ثُلثها، ولبَكْرٍ سُدْسُها، فاشْتَرَى بَكْرٌ مِن زَيدٍ ثُلُثَ الدّارِ، ثم باع عَمْرًا سُدْسَها، ولم يَعْلَمْ عَمْرُوٌ بشِرائِه للثُّلُثِ، ثم عَلِم، فله المُطالبَةُ بحَقِّه مِن شُفْعَةِ الثُّلُثِ، وهو ثُلُثاه، وهو تُسْعَا الدّارِ، فيَأخُذُ مِن بَكْر ثُلُثَيْ ذلك، وقد حَصَل ثُلُثُه الباقِي في يَدِه بشِرائِه للسُّدْسِ، فيَفْسَخُ بَيعَه فيه، ويَأخُذُه بشُفْعَةِ البَيعِ الأوَّلِ، ويَبْقَى مِن بَيعِه خَمْسَةُ أتْساعِه، لزَيدٍ ثُلُث شُفْعَتِه، فتُقْسَمُ بينَهما أثلاثًا. وتَصِحُّ المسألةُ مِن مائةٍ واثْنَين وسِتِّين سَهْمًا، الثُّلُثُ المَبِيعُ أرْبَعَة وخَمْسُونَ، لعَمْرو ثُلُثاهَا بشُفْعَتِه سِتَّة وثَلاثونَ سَهْمًا، يَأخُذُ ثُلُثَيها مِن بَكْرٍ، وهي أرْبَعَة وعِشْرُونَ سَهْمًا، وثُلُثُها في يَدِه اثْنا عَشَرَ سَهْمًا، والسُّدْسُ الذي اشْتَراه سَبْعَة وعِشْرُونَ سَهْمًا، قد أخَذَ منها اثْنيْ عَشَرَ بالشُّفْعَةِ، بَقِيَ منها خَمْسَةَ عَشَرَ، له ثُلُثاها عَشَرَة، ويَأخُذُ منها زَيدٌ خَمْسَةً، فحَصَلَ لزَيدٍ اثْنانِ وثَلاثونَ سهْمًا، ولبَكْر ثَلاثونَ سَهْمًا، ولعَمْرو مائةُ سَهْمٍ، وذلك نِصْف الدّارِ وتُسْعُها ونِصْفُ تُسْعِ تُسْعِها،

стр. 7651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَدْفَعُ [عَمْروٌ إلى بَكْر] (١) ثُلُثَي الثَّمَنِ في البَيعِ الأوَّلِ، وعلى زَيدٍ خَمْسَةُ أتْساعِ الثَّمَنِ الثَّانِي بينَهما أثْلاثًا. فإن عَفَا عَمْرو عن شُفْعَةِ الثُّلُثِ، فشُفْعَةُ السُّدْسِ الذي اشْتَراه بينَه وبينَ زَيدٍ أثلاثًا، ويَحْصُلُ لعَمْرو أرْبَعَةُ أتْساعِ الدّارِ، ولزَيدٍ تُسْعاها، ولبَكْر ثُلثها، وتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ. وإن باعَ بَكْرٌ السُّدْسَ لأجْنَبِي فهو كبَيعِه إيّاه لعَمْرو، إلَّا أنَّ لعَمْرو العَفْوَ عن شُفْعَتِه في السُّدْسِ، بخِلافِ ما إذا كان هو المُشْتَرِيَ، فإَّنه لا يَصِحُّ عَفْوُه عن نَصِيبِه منها. وإن باع بَكْر الثُّلُثَ لأجْنَبِي، فلعَمْرو ثُلُثَا شُفْعَةِ المَبِيعِ الأوَّلِ وهو التُّسْعانِ، يَأخُذُ ثُلُثَهُما مِن بَكْر وثُلُثَيهِم مِن المُشْتَرِي الثَّاني، وذلك تُسْعٌ وثُلُثُ تسع، يَبْقَى في يَدِ الثَّاني سُدْسٌ وسُدْسُ تُسْع، وهو عَشَرَة مِن أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ بينَ عَمْرو وزَيدٍ أثلاثًا، وتَصِحُّ أيضًا مِن مائةٍ واثْنَين وسِتِّينَ، ويَدْفَعُ عَمْرو إلى بَكْر ثُلُثَيْ ثَمَنِ مَبِيعِه، ويَدْفَعُ هو وزَيدٌ إلى المُشْتَرِي الثَّاني ثَمَنَ خَمْسَةِ أتْساعِ مَبِيعِه بينَهما أثلاثًا، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني على بَكْر بثَمَنِ أرْبَعَةِ أتْساعِ مَبِيعِه. وإن لم يَعْلَمْ عَمْروٌ حتَّى باع مِمَّا في يَدَيه سُدْسًا، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه في أحَدِ الوجوه، وله أن يَأخُذَ بها كما لو لم يَبع شيئًا. والثَّاني، تَبْطُلُ شُفْعَتُه كلُّها. والثَّالثُ، تَبْطُلُ في قَدْرِ ما باع، وتبْقَى فيما لم يَبعْ. وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ هذه الوُجُوهِ. فأمَّا شُفْعَةُ ما باعَه، ففيها ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّها بينَ المُشْتَرِي الثَّاني وزَيدٍ

стр. 7652

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبَكْر أرْباعًا، للمُشْتَرِي نِصْفُها، ولكلِّ واحِدٍ منهما (١) رُبْعُها، على قَدْرِ أمْلاكِهِم حينَ بَيعِه. والثاني، أنَّها بينَ زَيدٍ وبَكْر على أرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، لزَيدٍ تِسْعَة، ولبَكْر خَمْسَة؛ لأنَّ لزَيدٍ السُّدْسَ، ولبَكْر سُدْسٌ يَسْتَحِقُّ منه أرْبَعَةَ أتْساعِه بالشُّفْعَةِ، فيَبْقَى معه خَمْسَةُ أتْساعِ السُّدْسِ مِلْكُه مُستَقِرٌّ عليها، فأضَفْناه (٢) إلى سُدْسِ زَيدٍ، وقَسَمْنا الشُّفْعَةَ على ذلك، ولم نُعْطِ المُشْتَرِيَ الثانيَ ولا بَكْرًا بالسِّهامِ المُسْتحَقَّةِ بالشُّفْعَةِ شيئًا؛ لأنَّ المِلْكَ عليها غيرُ مُسْتَقِرٍّ. والثَّالثُ، إن عَفَا لهم عن الشُّفْعَةِ اسْتَحَقُّوا بها، وإن أُخِذَتْ بالشُّفْعَةِ لم يَسْتَحِقُّوا بها شيئًا، وإن عَفَا عن بعضِهم دُونَ بعض، اسْتَحَق المَعْفُوُّ عنه بسِهَامِه دُونَ غيرِ المَعْفُوِّ عنه. وما بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ فيه ببَيعِ عَمْرو، فهو بمَنْزِلةِ المَعْفُوِّ عنه، فيُخَرَّجُ في قَدْرِه وَجْهانِ. ولو اسْتَقْصَينا فُرُوعَ هذه المسألةِ على سَبِيلِ البَسْطِ، لطَال، وخَرَجَ إلى الإمْلالِ. فصل: إذا كانت دارٌ بينَ أرْبَعَةٍ أرْباعًا، فاشْتَرَى اثْنانِ منهم نَصِيبَ أحَدِهم، اسْتَحَقَّ الرّابع الشُّفْعَةَ عليهما، واسْتَحَق كلُّ واحِدٍ مِن المُشْتَرِيَيْن الشُّفْعَةَ على صاحِبِه. فإن طالبَ كلُّ واحِدٍ منهم بشُفْعَتِه، قُسِمَ المَبِيعُ بينَهم أثلاثًا، وصارتِ الدّارُ بينَهم كذلك، وإن عَفَا الرّابع وحدَه، قُسِمَ المَبِيعُ بينَ المُشْتَرِيَين نِصْفَين. وكذلك إن عَفَا الجَمِيعُ عن

стр. 7653

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شُفْعَتِهم، فيَصِيرُ لهما ثلاثةُ أرْباعِ الدَّارِ، وللرّابع الرُّبعُ بحالِه. وإن طالبَ الرابعُ وحدَه، أخَذَ منهما نِصْفَ المَبِيعِ؛ لأنَّ كلِّ واحِدٍ منهما له مِن المِلْكِ مثلُ ما للمُطالِبِ، فشُفْعَةُ مَبِيعِه بينَه وبينَ شَفِيعِه نِصْفَين، فيَحْصُلُ للرّابع ثلاثةُ أثْمانِ الدّارِ، وباقِيها بينَهما نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن سِتَّةَ عَشَرَ. وإن طالبَ الرابعُ وحدَه أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، قاسَمَه الثَّمَنَ نِصْفَين، فيَحْصُلُ للمَعْفُوِّ عنه ثلاثةُ أثْمانٍ، والباقِي بينَ الرابعِ والآخَرِ نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن سِتَّةَ عَشَرَ. وإن عَفَا أحَدُ المُشتَرِيَين ولم يَعْفُ الآخَرُ ولا الرابعُ، قسِمَ مَبِيعُ المَعْفُوِّ عنه بينَه وبينَ الرابع نِصْفين، ومِبيعُ الآخرِ بينَهم أثلاثًا، فيَحْصُلُ للذي لم يَعْفُ عنه رُبْع وثُلُثُ ثُمْنٍ، وذلك سُدْسٌ وثُمْن، والباقِي بينَ الآخرَين نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ. وإن عَفَا الرَّابع عن أحَدِهما، ولم يَعْفُ أحَدُهما عن صاحِبه، أخَذَ مِمَّن لم يَعْفُ عنه ثُلُثَ الثَّمَنِ، والباقِي بينَهما نِصْفَين، ويكَونُ الرَّابع كالعافِي في التي قبلَها، وتَصِحُّ أيضًا مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ. وإن عَفَا الرَّابع، وأحَدُهما عن الآخَرِ، ولم يَعْفُ الآخَرُ، فلغيرِ العافِي رُبْعٌ وسُدْسٌ، والباقِي بينَ العافِيَين نِصْفَين، لكل واحِدٍ منهما سُدْسٌ وثُمْنٌ، وتَصحُّ مِن أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ، وما يُفَرَّعُ مِن المَسائِلِ، فهو على سِياقِ (١) ما ذَكَرْناه.

стр. 7654

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة

стр. 7655

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته

стр. 7656

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب الوَدِيعَةِ ــ باب الوَدِيعَةِ والأصْلُ فيها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ فقولُ الله تِعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١). وقَوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢). وأمّا السُّنَّةُ فقولُ رسولِ اللهِ ﷺ : «أدِّ الأمانَةَ إلَى مَنِ ائتْمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذيُّ (٣)، وقال: حدِيثٌ حسنٌ. ورُوِيَ عنه، ﵊، أنَّه كانت عندَه ودائِعُ، فلَمّا

стр. 7657

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أراد الهِجْرَةَ أوْدَعَها عندَ أمِّ أيمَنَ، وأمَرَ عليًّا أن يَرُدَّها على أهْلِها (١). وأمّا الإجْماعُ، فأجْمَعَ عُلَماءُ كلِّ عَصْر على جَوازِ الإيداعِ والاسْتِيداعِ، والعِبْرَةُ تَقْتَضِيها؛ لحاجَةِ النّاسِ إليها، فإنَّه يَتَعَذَّر على جَمِيعِهم حِفْظُ أمْوالِهم بأنْفُسِهم، ويَحْتاجُون إلى مَن يَحْفَظُها لهم. والوَدِيعَةُ فَعِيلة، مِن وَدَع الشيءَ: إذا تَرَكَه، أي هي مَتْرُوكَة عندَ المُودَعِ. واشْتِقاقُها بِن السُّكُونِ. يُقالُ: وَدَع، يَدَعُ. فكأنَّها ساكِنَة عندَ المُودَعِ مُسْتَقِرة. وقِيلَ: هي مُشْتَقَّةٌ مِن الحِفْظِ والدَّعَةِ، فكأنَّها في دَعة عندَ المُودَعِ. وقَبُولُها مُسْتَحبٌّ لمَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِه الأمانَةَ؛ لأنَّ فيه قَضاءَ حاجَةِ أخِيه المُؤمِنِ ومُعاوَنَتَه. وهي عَقْدٌ جائِزٌ مِن الطَّرَفَين، متى أراد المُودِعُ أخْذَ وَدِيعَتِه لَزِم المُسْتَوْدَعَ رَدُّها؛ للآيَةِ. وإن رَدَّها المُسْتَوْدَعُ على صاحِبِها، لَزِمَه القَبُولُ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها، فلا يَلْزَمُه التَّبرُّعُ في المُستقْبَلَ.

стр. 7658

وَهِيَ أمَانةٌ لَا ضَمَانَ عَلَيهِ فِيهَا، إلَّا بَعْدَ أن يَتَعَدَّى. وإنْ تَلِفَتْ مِنْ بَينِ مَالِهِ، لَمْ يَضْمَنْ، فِي أصَحِّ الرِّوَايَتَينِ. ــ ٢٤٣٢ - مسألة: (وهي أمانَةٌ لا ضَمانَ عليه فيها، إلَّا أن يَتَعَدَّى. وإن تَلِفَتْ منِ بينِ مالِه، لم يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الوَدِيعَةَ أمانة، إذا تَلِفَتْ مِن غيرِ تَعَدٍّ ولا تفْرِيطٍ مِن المُودَعِ، فليس عليه ضَمان، سَواءٌ ذَهَب معها شيءٌ مِن مالِ المُودَع أو لم يَذهَبْ. هذا قولُ أكْثرِ أهلَ العِلْمَ. رُوِيَ ذلك عن أبي بكر، وعليٍّ، وابنَ مسعودٍ، ﵃. وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، وأبو الزِّنادِ،

стр. 7659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثَّوْرِيُّ، والشّافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأي. وعن أحمدَ رِوايَة، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعَة مِن بينِ مالِه ضَمِنَها؛ لِما رُوِيَ عن عُمَرَ، ﵁، أَنَّه ضَمَّنَ أنَسَ بنَ مالِكٍ وَدِيعَةً ذَهَبَتْ مِن بينِ مالِه (١). قال القاضي: والأوَّل أصَحُّ؛ لأنَّ الله تعالى سَمّاها أمانَةً، والضَّمان يُنافِي الأمانَةَ. وروَى الدّارَقطنيُّ (٢)، لأنَّ عمرِو بنِ شعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أن النبيَّ ﷺ قال: «لَيسَ عَلَى الْمُودَعِ ضَمَان». [ولأن المسْتَوْدَعَ مؤتَمَنٌ، فلم يَضْمَنْ ما تَلِف مِن غيرِ تَعَدِّيه ولا تَفْرِيطِه، كما لو ذَهَبَت مع مالِه] (٣)، ولأنَّ المسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَطها لصاحِبِها متَبَرِّعًا، مِن غيرِ نَفعٍ يَرْجِع إليه، فلو لَزِمَه الضَّمان لامْتَنَعَ النّاس مِنِ الاسْتِيداعِ، وذلك مضِرٌّ؛ لِما بَيَّناه مِن الحاجَةِ إليها. وما رُوِيَ عن عُمَرَ مَحْمولٌ على التَّفْرِيطِ مِن أنَسٍ في حِفْظِها، فلا ينافِي ما ذَكَرْناه. فإن تَعَدَّى المُودَع فيها، أو فَرَّطَ في حِفظِها، ضَمِنَها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه مُتْلِف لمالِ غيره، فضَمِنَه، كما لو أتْلَفَه مِن غير اسْتِيداع.

стр. 7660

وَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا. ــ فصل: فإن شَرَط المُودِعُ على المُسْتَوْدَعِ ضَمانَ الوَدِيعَةِ، فقَبِلَه، أو قال: أنا ضامِنٌ لها. لم يَضْمَنْ. قال أحمدُ في المُودَعِ: إذا قال: أنا ضامِنٌ. فسُرِقَتْ، فلا شيءَ عليه. وكذلك كلُّ ما أصْلُه الأمانةُ، كالمُضارَبَةِ، ومالِ الشَّرِكَةِ، والرَّهْنِ، والوَكالةِ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاق، وابنُ المُنْذِرِ؛ وذلك لأنَّه شَرَط ضَمانَ ما لم يُوجَدْ سَبَبُ ضَمانِه، فلم يَلْزَمْه، كما لو شَرَط ضَمانَ ما يَتْلَفُ في يَدِ مالِكِه. ٢٤٣٣ - مسألة: (ويَلْزَمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها) إذا أودِعَ وَدِيعَةً، ولم يُعَيِّن، المُودِعُ له مَوْضِعًا لها، فإن المُودَعَ يَلْزَمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها، كما يَحْفَظُ ماله. وحِرْزُ مِثْلِها يُذْكَر في بابِ القطعِ في السَّرِقَةِ. فإن لم يَحْفَظْها في حِرْزِ مِثْلِها، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ فيها، فإن وَضَعَها في حِرْزِ مِثْلِها، [ثم نَقَلَها عنه إلى حِرْزِ مثْلِها] (١)، لم يَضْمَنْها، سَواءٌ نَقَلَها إلى مِثْلِ الأوَّلِ أو دُونَه؛ لأنَّ صاحِبَها رَدَّ حِفْظَها إلى رَأيِه واجْتِهادِه، وأذِنَ له في إحْرازِها بما شاء مِن إحْرازِ مِثْلِها، ولهذا لو تَرَكَها في الثَّانِي أوَّلًا، لم يَضْمَنْها، فكذلك إذا نَقَلَها إليه. ولو كانتِ العَينُ في بَيتِ صاحِبِها، فقال لرجل: احْفَظْها في مَوْضِعِها. فنقَلَها عنه مِن غيرِ خَوْفٍ، ضَمِنَها؛

стр. 7661

وإنْ عَيَّنَ صَاحِبُهَا حِرْزًا، فَجَعَلَهَا فِي دُونِهِ، ضَمِنَ. ــ لأنَّه ليس بمُودَعٍ، إنَّما هو وَكِيل في حِفْظِها. وليس له إخْراجُها مِن مِلْكِ صاحِبِها، ولا مِن مَوْضِع اسْتَأجَرَه لها، إلَّا أن يَخافَ عليها، فعليه إخْراجُها؛ لأنَّه مَأمُور بحِفْظِها، وقد تَعَيَّن حِفْظُها في إخْراجِها، ويَعْلَمُ أنَّ صاحِبَها لو حَضَر في هذه الحالِ، أخْرَجَها، ولأنَّه مَأمُور بحِفْظِها على صِفَةٍ، فإذا تعَذَّرَتِ الصِّفَةُ، لَزِمَه حِفْظُها بدُونِها، كالمُسْتَوْدَعِ إذا خاف عليها. ٢٤٣٤ - مسألة: (وإن عَيَّن صاحِبُها حِرْزًا، فجَعَلَها في دُونِه، ضَمِن) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُودِعَ إذا أمَرَ المُسْتَوْدَعَ بحِفْظِها في مكانٍ عَيَّنه، فحفظَها فيه، ولم يَخْشَ عليها، فلا ضَمانَ عليه، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مُمْتَثِلٌ، غيرُ مُفرِّطٍ. وإن أحْرَزَها في دُونِه، ضمِن؛ لأنَّه مُخالِف، ولأنَّ صاحِبَها لم يَرْضَه.

стр. 7662

وإن أحْرَزَهَا بِمِثْلِهِ، أوْ فَوْقَهُ، لَمْ يَضْمَنْ. وَكِيلَ: يَضْمَنُ إلَّا أن يَفْعَلَهُ لِحَاجَةٍ. ــ ٢٤٣٥ - مسألة: (وإن أحْرَزَها في مِثْلِه، أو فوقَه، لم يَضْمَنْ) وكذلك إن نَقَلَها إلى مِثْلِ ذلك الحِرْزِ لغيرِ جاجَةٍ. هذا قولُ القاضي. وهو مَذْهَبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ تَقْيِيدَه بهذا الحِرْزِ، يَقْتَضِي ما هو مِثْلُه، كمَن اكْتَرَى أرْضًا لزَرْعِ الحِنْطَةِ، فله زَرْعُها وزَرْعُ مِثْلِها في الضَّرَرِ، ولأن مَن رَضِيَ حِرْزًا، رَضِيَ مِثْلَه أو فوقَه (وقِيلَ: يَضْمَنُ) ويَحْتَمِلُه كَلامُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ الأمْرَ بشيء يقْتَضِي تَعَيُّنه، فلا يُعْدَلُ عنه إلَّا بدَلِيل. وإن نَقَلَها إلى أحْرَزَ منه، فهو كما لو نَقَلَها إلى مِثْلِه، وإن فَعَلَه لحاجَةٍ، لم يَضْمَنْ؛ لِما نَذْكُرُه.

стр. 7663

وَإنْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا، فَأخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ التَّوَى، لَمْ يَضْمَنْ. وَإنْ تَرَكَهَا فَتَلِفَتْ، ضَمِنَ. وإن أخْرَجَهَا لِغَيرِ خوْفٍ، ضَمِنَ. ــ ٢٤٣٦ - مسألة: (وإن نَهاه) المالِكُ (عن إخْراجِها) فأخْرَجَها (لغَشيانِ شيءٍ الغَالِبُ منه التَّوَى (١)، لم يَضْمَنْ. وإن تَرَكَها فتَلِفَتْ، ضَمِنَها. وإن أخْرَجَها لغيرِ خَوْفٍ، ضَمِن) إذا نَهاه المالِكُ عن إخْراجِها مِن ذلك المَكانِ، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ ما لو لم يَنْهَه، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيه. فإن أخْرَجَها لشيءٍ الغالِبُ منه التَّوَى، مِثْلَ أن خاف عليها نَهْبًا، أو هَلاكًا، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ في حِفْظِها، لأنَّ حِفْظَها

стр. 7664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَقْلُها؛ وتَرْكَها تَضْيِيعٌ لها. وإن نَقَلَها في هذه الحالِ إلى دُونِ الحِرْزِ؛ فإن أمْكَنَه إحْرازُها في مِثْلِه، أو أعْلى منه، ضَمِنَها؛ لتَفْرِيطِه، وإن لم يُمْكِنْه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ إحْرازَها بذلك أحْفَظُ لها، وليس في وُسْعِه سِواه. وإن تَرَكَها فتَلِفَتْ، ضَمِن، سَواءٌ تَلِفَتْ بالأمْرِ المَخُوفِ أو بغيرِه؛ لأنَّه مُفَرِّط في حِفْظِها؛ لأنَّ حِفْظَها في نَقْلِها، وتَرْكُها تَضْيِيعٌ لها. وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه لا يَضْمَنُ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ صاحِبِها، أشْبَهَ ما لو قال: لا تُخرِجْها وإن خِفْتَ عليها. فإن أخْرَجَها لغيرِ خَوْفٍ، ضَمِن سَواءٌ أخْرَجَها إلى مِثْلِ الحِرْزِ أو دُونِه أو فوقِه؛ لأنَّه خالفَ نَصَّ صاحِبها لغيرِ فائِدَةٍ. وهذا ظاهِرُ كلامِ الشَّافعيِّ. وفيه قولٌ آخَرُ، أَنَّه لا يَضْمَنُ، كما لو لم يُعَيِّنْ

стр. 7665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له حِرْزًا. وقد ذَكَرْناه. وهو قولُ القاضي. وقال أبو حنيفةَ: إن نَهاه عن نَقلِها مِن بَيتٍ، فنَقَلَها إلى بَيتٍ آخَرَ مِن الدّارِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ البَيتَين مِن دار واحِدَةٍ حِرْزٌ واحِد، وطَرِيقُ أحَدِهما طَرِيقُ الآخَرِ، فأشْبَهَ ما لو نَقَلَها مِن زَاويَةٍ إلى زاويَةٍ. وإن نَقَلَها مِن دارٍ إلى دار أخْرَى، ضَمِن. ولَنا، أنَّه خالفَ أمْرَ صاحِبها بما لا مَصْلَحَةَ فيه، فيَضْمَنُ، كما لو نَقَلَها مِن دار إلى دار. ولا يَصِحُّ هذا الفَرْقُ؛ لأنَّ بُيُوتَ الدّارِ تَخْتَلِفُ، فمنها ما هو أقْرَبُ إلى الطَّرِيقِ، أو إلى الانْهِدامْ، أو إلى مَوْضِعِ الوَقُودِ، أو أسْهَلُ فَتْحًا، أو أضْعَفُ حائِطًا، أو أسْهَلُ نَقْبًا، أو يكون المالِكُ يَسْكُنُ به، أو غيرِه وأشْباه هذا ممّا يُؤثِّرُ في الحِفْظِ أو في عَدَمِه، فلا يَجُوزُ تَفْويت غَرَضِ رَبِّ الوَدِيعَةِ مِن تَعْيينه مِن غيرِ ضَرُورَةٍ.

стр. 7666

فَإن قَال: لَا تُخْرِجْهَا وإن خِفْتَ عَلَيهَا. فَأخْرَجَهَا عِنْدَ الْخَوْفِ، أوْ تَرَكَهَا، لَمْ يَضْمَنْ. ــ ٢٤٣٧ - مسألة: (فإن قال: لا تُخْرِجْها وإن خِفْتَ عليها. فأخْرَجَها عندَ الخَوْفِ، أو تَرَكَها، لم يَضْمَنْ) إذا أخْرَجَها في هذه الحالِ مِن غيرِ خَوْفٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُخالِفٌ شَرْطَ صاحِبِها لغيرِ حاجَةٍ. وإن أخْرَجَها عندَ خَوْفِه عليها، أو تَرَكَها، لم يَضْمَنْ إذا تَلِفَتْ؛ [لأن نَهْيَه] (١) مع خَوْفِ الهَلاكِ نصَّ فيه، وتَصْرِيحٌ به، فيكونُ مأذونًا في تَرْكِها في تلك الحالِ، فلم يَضْمَنْها؛ لامْتِثالِه أمْرَ صاحِبِها، أشْبَهَ ما لو أذِنَ له في إتْلافِها. ولا يَضْمَنُ إذا أخْرَجَها؛ لأنَّه زاده خَيرًا وحِفْظًا، فلم يَضْمَنْ، كما لو أذِنَ له في إتْلافِها، فلم يَفْعَلْ حتَّى تَلِفَتْ. فصل: إذا أخْرَجَ الوَدِيعَةَ المَنْهِيَّ عن إخْراجِها، فتَلِفَتْ، فادَّعَى أَنَّه أخْرَجَها لغَشيانِ نارٍ، أو سَيلٍ، أو أمْرٍ ظاهِرٍ، وأنْكَرَ صاحِبُها وُجُودَه، فعلي المُسْتَوْدَعِ البَيِّنةُ أَنَّه كان في ذلك المَوْضِعِ ما ادَّعاه؛ لأنَّه ممَّا لا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ عليه؛ لظُهُورِه. فإذا ثَبَت ذلك، كان القولُ قَوْلَه في التَّلَفِ مع يَمِينِه، ولا يَحْتاجُ إلى بَيِّنةٍ؛ لأنَّه تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ، فلم يُطالبْ

стр. 7667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بها، كما لو ادَّعَى تَلَفَها بأمْر خَفِيّ. وهذا قولُ الشَّافعيِّ. والحُكْمُ في إخْراجِها مِن الخَرِيطَةِ (١) والصُّنْدُوق، حُكْمُ إخْراجِها مِن البَيتِ، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ. فصل: ولو أمَرَه أن يَجْعَلَها في مَنْزِلِه، فتَرَكَها في ثِيابِه، وخَرَج بها، ضَمِنَها؛ لأنَّ البَيتَ أحْرَزُ لها. وإن جاءَه بها في السُّوق، فقال: احْفَظْها في بَيتكَ. فقام بها في الحالِ، فتَلِفَتْ، لم يَضْمَنْ. وإن ترَكَها في دُكّانِه أو ثِيابه، ولم يَحْمِلْها إلى بَيته مع إمكانِه، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّ بَيتَه أحْرَزُ لها. هَكذا قال أصْحابُنا. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أنَّه متى تَرَكَها عندَه إلى وَقْتِ مُضِيِّه إلى مَنْزِلِه فيَسْتَصْحِبُه (٣) معه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ المُودِعَ عالِمٌ بهذه العادَةِ، راضٍ بها، ولو لم يَرْضَ بها لشَرَطَ عليه خِلَافَها، وأمَرَه بتَعْجِيلِ حَمْلِها، فإمّا أن يَقْبَلَها بهذا الشَّرْطِ أو يَرُدَّها.

стр. 7668

وَلَوْ أوْدَعَهُ بَهِيمَةً، فَلَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى مَاتَتْ، ضَمِنَ، إلَّا أن يَنْهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ عَلْفِهَا. ــ ٢٤٣٨ - مسألة: (وإن أوْدَعَه بَهِيمَةً، فلم يَعْلِفْها حتَّى ماتت، ضَمِنَها، إلَّا أن يَنْهاه المالِكُ عن عَلْفِها) إذا أوْدَعَه بَهِيمَةً، ولم يَأمُرْه بعَلْفِها، لَزِمَه ذلك. وبه قال الشافعيُّ. ويَحتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَحْفَظَه إيّاها، ولم يَأمُرْه بعَلْفِها، والعَلْف على مالكِها، فإذا لم يَعْلِفْها كان هو المُفَرِّطَ. ولَنا، أَنَّه لا يَجُوزُ إتْلافُها، ولا التَّفْرِيطُ فيها، فإذا أمَرَه بحِفْظِها تَضَمَّنَ ذلك عَلْفَها وسَقْيَها، فإن تَرَك عَلْفَها حتَّى تَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ فيها. فإن أمَرَه صاحِبُها بعَلْفِها وسَقْيِها، لَزِمَه ذلك لحُرْمَةِ صاحِبِها؛ لأَنه أخَذَها منه على ذلك، ولحُرْمَةِ البَهِيمَةِ، فإن الحَيَوانَ يَجِبُ إحْياؤه بالعَلْفِ والسَّقْي. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه عَلْفُها، إلَّا أن يَقْبَلَ ذلك؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ به، فلا يَلْزَمُه بمُجَرَّدِ أمْرِ صاحِبِها، كغيرِ الوَديعةِ. والأوَّلُ أوْلَى. ثم يُنْظَرُ؛ فإن قَدَر المُسْتَوْدَعُ على صاحِبِها أو وَكِيله، طالبَه بالإنْفاقِ عليها، أو يَرُدُّها عليه، أو يَأذَنُ له في الإنْفاقِ عليها ليَرْجِعَ به. فإن عَجَز عن صاحِبِها أو وكِيله، رَفَع الأمْرَ إلى الحاكِمِ،

стр. 7669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن وَجَد لصاحِبِها مالًا أنْفَقَ عليها منه، وإن لم يَجِدْ مالًا فَعَل ما يَرَى لصاحِبِها الحَظَّ فيه، مِن بَيعِها، أو بَيعِ بَعْضِها وإنْفاقِه عليها، أو إجارَتها، أو الاسْتِدانَةِ على صاحِبِها، ويَدْفَعُه إلى المُودَعِ لينفِقَه عليها، أو إلى غيرِه فيُنْفِقُ عليها، إن رَأى ذلك. ويَجُوزُ أن يَأذَنَ للمُودعِ أن يُنْفِقَ عليها مِن مالِه، ويكونَ قابِضًا مِن نَفْسِه لنَفْسِه، ويَكِلُ ذلك إلى اجْتِهادِه في قَدْرِ ما يُنْفِقُ، ويَرْجِعُ به على صاحِبِها، فإنِ اخْتَلَفَا في قَدْرِ النَّفَقَةِ، قُبِل قولُ المُودَعِ إذا ادَّعَى النَّفَقَةَ بالمَعْرُوفِ، وإنِ ادَّعَي زِيادَةً، لم يُقْبَلْ. وإنِ اخْتَلَفا في قَدرِ المُدّةِ، فالقولُ قولُ صاحِبِها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك. وإن لم يَقدِرْ على الحاكِمِ، فأنْفَقَ عليها مُحْتَسِبًا بالرُّجوعِ على صاحِبِها، وأشْهَدَ على الرُّجُوعِ، رَجَع بما أنْفَقَ؛ لأنه مَأذُونٌ فيه عُرْفًا، ولا تَفْرِيطَ منه إذ لم يَجِدْ حاكِمًا. وإن فَعَل ذلك مع إمْكانِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ مِن غيرِ إذْنِه، ففيه رِوايَتان. نَصَّ عليهما فيما إذا أنفَق على البَهِيمَةِ المَرْهُونَةِ مِن غيرِ إذْنِ الرّاهِن؛ إحْداهما، يَرْجِعُ؛ لأنَّه مَأذُونٌ فيه عُرْفًا. والثانيةُ، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه مُفرط بتَرْكِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ. وإن أنْفَقَ مِن غيرِ

стр. 7670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إشْهادٍ، مع العَجْزِ عن اسْتِئْذانِ الحاكِمِ، أو مع إمْكانِه، ففي الرُّجُوعِ أيضًا وَجْهان، وَجْهُهما ما ذَكَرْنا. ومتى عَلَف البَهِيمَةَ أو سَقاها في دارِه أو غيرِها، بنَفْسِه أو أمَرَ غلامَه أو صاحِبَه ففَعَلَ ذلك، كما يَفْعَلُ كما في بَهائِمِه، على ما جَرَتْ به العادَةُ، فلا ضَمانَ فيه؛ لأنَّ هذا مَأذُون فيه عُرْفًا، لجَرَيانِ العادَةِ به، فأشْبَهَ المُصَرَّحَ به. فصل: فإن نَهاه المالِكُ عن عَلْفِها وسَقْيِها، لم يَجُزْ له تَرْكُ عَلْفِها؛ لأنَّ للحَيَوانِ حُرْمَةً في نَفْسِه يَجِبُ إحْياؤه لحَقِّ اللهِ تعالى. فإن عَلَفَها وسَقاها، فهو كما لو لم يَنْهَه، وإن تَرَكَها حتَّى تَلِفَتْ، لم يَضْمَنْها. وهو قولُ أكْثَرِ أصْحابِ الشَّافعيِّ. وقال بَعْضُهم: يَضْمَنُ؛ لأنَّه تَعَدَّى بتَرْكِ عَلْفِها، أشْبَهَ ما إذا لم يَنْهَه. وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لنَهْي رسولِ اللهِ ﷺ عن إضاعَةِ المالِ، فيَصِيرُ أمْرُ مالِكِها وسُكوتُه سَواءً. ولَنا، أنَّه مُمْتَثِلٌ قولَ صاحِبِها، فلم يَضْمَنْها، كما لو أمَرَه بقَتْلِها، ففَعَل، وكما
следующие страницы →