فَإن قَال: لَا تُخْرِجْهَا وإن خِفْتَ عَلَيهَا. فَأخْرَجَهَا عِنْدَ الْخَوْفِ، أوْ تَرَكَهَا، لَمْ يَضْمَنْ.
ــ
٢٤٣٧ - مسألة: (فإن قال: لا تُخْرِجْها وإن خِفْتَ عليها. فأخْرَجَها عندَ الخَوْفِ، أو تَرَكَها، لم يَضْمَنْ) إذا أخْرَجَها في هذه الحالِ مِن غيرِ خَوْفٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُخالِفٌ شَرْطَ صاحِبِها لغيرِ حاجَةٍ. وإن أخْرَجَها عندَ خَوْفِه عليها، أو تَرَكَها، لم يَضْمَنْ إذا تَلِفَتْ؛ [لأن نَهْيَه] (١) مع خَوْفِ الهَلاكِ نصَّ فيه، وتَصْرِيحٌ به، فيكونُ مأذونًا في تَرْكِها في تلك الحالِ، فلم يَضْمَنْها؛ لامْتِثالِه أمْرَ صاحِبِها، أشْبَهَ ما لو أذِنَ له في إتْلافِها. ولا يَضْمَنُ إذا أخْرَجَها؛ لأنَّه زاده خَيرًا وحِفْظًا، فلم يَضْمَنْ، كما لو أذِنَ له في إتْلافِها، فلم يَفْعَلْ حتَّى تَلِفَتْ.
فصل: إذا أخْرَجَ الوَدِيعَةَ المَنْهِيَّ عن إخْراجِها، فتَلِفَتْ، فادَّعَى أَنَّه أخْرَجَها لغَشيانِ نارٍ، أو سَيلٍ، أو أمْرٍ ظاهِرٍ، وأنْكَرَ صاحِبُها وُجُودَه، فعلي المُسْتَوْدَعِ البَيِّنةُ أَنَّه كان في ذلك المَوْضِعِ ما ادَّعاه؛ لأنَّه ممَّا لا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ عليه؛ لظُهُورِه. فإذا ثَبَت ذلك، كان القولُ قَوْلَه في التَّلَفِ مع يَمِينِه، ولا يَحْتاجُ إلى بَيِّنةٍ؛ لأنَّه تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ، فلم يُطالبْ
стр. 7667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بها، كما لو ادَّعَى تَلَفَها بأمْر خَفِيّ. وهذا قولُ الشَّافعيِّ. والحُكْمُ في إخْراجِها مِن الخَرِيطَةِ (١) والصُّنْدُوق، حُكْمُ إخْراجِها مِن البَيتِ، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ.
فصل: ولو أمَرَه أن يَجْعَلَها في مَنْزِلِه، فتَرَكَها في ثِيابِه، وخَرَج بها، ضَمِنَها؛ لأنَّ البَيتَ أحْرَزُ لها. وإن جاءَه بها في السُّوق، فقال: احْفَظْها في بَيتكَ. فقام بها في الحالِ، فتَلِفَتْ، لم يَضْمَنْ. وإن ترَكَها في دُكّانِه أو ثِيابه، ولم يَحْمِلْها إلى بَيته مع إمكانِه، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّ بَيتَه أحْرَزُ لها. هَكذا قال أصْحابُنا. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أنَّه متى تَرَكَها عندَه إلى وَقْتِ مُضِيِّه إلى مَنْزِلِه فيَسْتَصْحِبُه (٣) معه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ المُودِعَ عالِمٌ بهذه العادَةِ، راضٍ بها، ولو لم يَرْضَ بها لشَرَطَ عليه خِلَافَها، وأمَرَه بتَعْجِيلِ حَمْلِها، فإمّا أن يَقْبَلَها بهذا الشَّرْطِ أو يَرُدَّها.
стр. 7668
وَلَوْ أوْدَعَهُ بَهِيمَةً، فَلَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى مَاتَتْ، ضَمِنَ، إلَّا أن يَنْهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ عَلْفِهَا.
ــ
٢٤٣٨ - مسألة: (وإن أوْدَعَه بَهِيمَةً، فلم يَعْلِفْها حتَّى ماتت، ضَمِنَها، إلَّا أن يَنْهاه المالِكُ عن عَلْفِها) إذا أوْدَعَه بَهِيمَةً، ولم يَأمُرْه بعَلْفِها، لَزِمَه ذلك. وبه قال الشافعيُّ. ويَحتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَحْفَظَه إيّاها، ولم يَأمُرْه بعَلْفِها، والعَلْف على مالكِها، فإذا لم يَعْلِفْها كان هو المُفَرِّطَ. ولَنا، أَنَّه لا يَجُوزُ إتْلافُها، ولا التَّفْرِيطُ فيها، فإذا أمَرَه بحِفْظِها تَضَمَّنَ ذلك عَلْفَها وسَقْيَها، فإن تَرَك عَلْفَها حتَّى تَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ فيها. فإن أمَرَه صاحِبُها بعَلْفِها وسَقْيِها، لَزِمَه ذلك لحُرْمَةِ صاحِبِها؛ لأَنه أخَذَها منه على ذلك، ولحُرْمَةِ البَهِيمَةِ، فإن الحَيَوانَ يَجِبُ إحْياؤه بالعَلْفِ والسَّقْي. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه عَلْفُها، إلَّا أن يَقْبَلَ ذلك؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ به، فلا يَلْزَمُه بمُجَرَّدِ أمْرِ صاحِبِها، كغيرِ الوَديعةِ. والأوَّلُ أوْلَى. ثم يُنْظَرُ؛ فإن قَدَر المُسْتَوْدَعُ على صاحِبِها أو وَكِيله، طالبَه بالإنْفاقِ عليها، أو يَرُدُّها عليه، أو يَأذَنُ له في الإنْفاقِ عليها ليَرْجِعَ به. فإن عَجَز عن صاحِبِها أو وكِيله، رَفَع الأمْرَ إلى الحاكِمِ،
стр. 7669
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن وَجَد لصاحِبِها مالًا أنْفَقَ عليها منه، وإن لم يَجِدْ مالًا فَعَل ما يَرَى لصاحِبِها الحَظَّ فيه، مِن بَيعِها، أو بَيعِ بَعْضِها وإنْفاقِه عليها، أو إجارَتها، أو الاسْتِدانَةِ على صاحِبِها، ويَدْفَعُه إلى المُودَعِ لينفِقَه عليها، أو إلى غيرِه فيُنْفِقُ عليها، إن رَأى ذلك. ويَجُوزُ أن يَأذَنَ للمُودعِ أن يُنْفِقَ عليها مِن مالِه، ويكونَ قابِضًا مِن نَفْسِه لنَفْسِه، ويَكِلُ ذلك إلى اجْتِهادِه في قَدْرِ ما يُنْفِقُ، ويَرْجِعُ به على صاحِبِها، فإنِ اخْتَلَفَا في قَدْرِ النَّفَقَةِ، قُبِل قولُ المُودَعِ إذا ادَّعَى النَّفَقَةَ بالمَعْرُوفِ، وإنِ ادَّعَي زِيادَةً، لم يُقْبَلْ. وإنِ اخْتَلَفا في قَدرِ المُدّةِ، فالقولُ قولُ صاحِبِها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك. وإن لم يَقدِرْ على الحاكِمِ، فأنْفَقَ عليها مُحْتَسِبًا بالرُّجوعِ على صاحِبِها، وأشْهَدَ على الرُّجُوعِ، رَجَع بما أنْفَقَ؛ لأنه مَأذُونٌ فيه عُرْفًا، ولا تَفْرِيطَ منه إذ لم يَجِدْ حاكِمًا. وإن فَعَل ذلك مع إمْكانِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ مِن غيرِ إذْنِه، ففيه رِوايَتان. نَصَّ عليهما فيما إذا أنفَق على البَهِيمَةِ المَرْهُونَةِ مِن غيرِ إذْنِ الرّاهِن؛ إحْداهما، يَرْجِعُ؛ لأنَّه مَأذُونٌ فيه عُرْفًا. والثانيةُ، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه مُفرط بتَرْكِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ. وإن أنْفَقَ مِن غيرِ
стр. 7670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إشْهادٍ، مع العَجْزِ عن اسْتِئْذانِ الحاكِمِ، أو مع إمْكانِه، ففي الرُّجُوعِ أيضًا وَجْهان، وَجْهُهما ما ذَكَرْنا. ومتى عَلَف البَهِيمَةَ أو سَقاها في دارِه أو غيرِها، بنَفْسِه أو أمَرَ غلامَه أو صاحِبَه ففَعَلَ ذلك، كما يَفْعَلُ كما في بَهائِمِه، على ما جَرَتْ به العادَةُ، فلا ضَمانَ فيه؛ لأنَّ هذا مَأذُون فيه عُرْفًا، لجَرَيانِ العادَةِ به، فأشْبَهَ المُصَرَّحَ به.
فصل: فإن نَهاه المالِكُ عن عَلْفِها وسَقْيِها، لم يَجُزْ له تَرْكُ عَلْفِها؛ لأنَّ للحَيَوانِ حُرْمَةً في نَفْسِه يَجِبُ إحْياؤه لحَقِّ اللهِ تعالى. فإن عَلَفَها وسَقاها، فهو كما لو لم يَنْهَه، وإن تَرَكَها حتَّى تَلِفَتْ، لم يَضْمَنْها. وهو قولُ أكْثَرِ أصْحابِ الشَّافعيِّ. وقال بَعْضُهم: يَضْمَنُ؛ لأنَّه تَعَدَّى بتَرْكِ عَلْفِها، أشْبَهَ ما إذا لم يَنْهَه. وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لنَهْي رسولِ اللهِ ﷺ عن إضاعَةِ المالِ، فيَصِيرُ أمْرُ مالِكِها وسُكوتُه سَواءً. ولَنا، أنَّه مُمْتَثِلٌ قولَ صاحِبِها، فلم يَضْمَنْها، كما لو أمَرَه بقَتْلِها، ففَعَل، وكما
стр. 7671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لو قال: لا تُخْرِجِ الوَدِيعَةَ وإن خِفْتَ عليها. فخاف عليها ولم يُخْرِجْها، أو أمَرَه بإلقائِها في نارٍ. وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه. ومَنَع ابنُ المُنْذِرِ الحُكْمَ فيما إذا أمَرَه بإتْلافِها فأتْلَفَها. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه نائِبُ صاحِبِها، فلم يَغْرَمْ، كما لو اسْتَنابَه في مُباحٍ، والتَّحْرِيمُ أثَرُه في بَقاءِ حَقِّ الله تعالى. وهو الإثْمُ، أمّا حَق الآدَمِيِّ فلا يَبْقَى مع إذْنِه في تَفْويته، ولأنَّها لم تَتْلَفْ بفِعْلِه، وإنَّما تَلِفَتْ بتَرْكِ العَلْفِ المَأذُونِ فيه، أشْبَهَ ما إذا نَهاه عن إخْراجِها مع الخَوْفِ، فلم يُخرِجْها.
стр. 7672
فَإِنْ قَال: اتْرُكِ الْوَدِيعَةَ فِي جَيبِكَ. فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ، ضَمِنَ. وَإنْ قَال: اتْرُكْهَا فِي كُمِّكَ. فَتَرَكَهَا فِي جَيبِهِ، لَمْ يَضْمَنْ. فَإن تَرَكَهَا فِي يَدِهِ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.
ــ
٢٤٣٩ - مسألة: (وإِن قال: اتْرُكِ الوَدِيعَةَ في جَيبك. فتَرَكَها في كُمِّه، ضَمِن) لأنَّه رُبَّما نسِيَ، فسَقَطَ الشيءُ مِن كُمِّه. وكذلك إن تَرَكَها في يَدِه؛ لأنَّ الجَيبَ أحْرَزُ (وإن قال: اتْرُكْها في كُمِّك. فتَرَكَها في [جَيبِه، لم يَضْمَنْ) لأنَّ الجَيبَ أحْرَزُ، على ما ذَكَرْنا. وإن قال: اتْرُكْها في كُمِّك (فتَرَكَها في] (١) يَدِه، احْتَمَلَ وَجْهَين) أحَدُهما، يَضْمَنُ؛ لأنَّ سُقُوطَ الشئِ مِن اليَدِ مع النِّسْيانِ أكْثَرُ مِن سُقُوطِه مِن الكُمِّ. والثَّانِي، لا يَضْمَنُ؛ لأنَّ اليَدَ لا يَنْبَسِطُ عليها الطَّرّارُ بالبَطِّ (٢)، بخِلافِ
стр. 7673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكُمِّ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أحْرَزُ مِن وَجهٍ، فتَساوَيا. ولِمَن نَصَر الأوَّلَ أن يقولَ: متى كان كلُّ واحِدٍ منهما أحْرَزَ مِن وَجْهٍ، وَجَب أن يَضْمَنَ؛ لأنَّه فَوَّتَ الوَجْهَ المَأمُورَ بالحِفْظِ به، وأتَى بما لم يُؤمَرْ به، فضَمِنَ لمُخالفَتِه. وعلى هذا، لو أمَرَه بتَرْكِها في يَدِه، فجَعَلَها في كُمِّه، ضَمِن لذلك (١). وقال القاضي: اليَدُ أحْرَزُ عندَ المُغالبَةِ، والكُمُّ أحْرَزُ عندَ عَدَمِ المُغالبَةِ. فعلى هذا، إن أمَرَه بتَرْكِها في يَدِه، فشَدَّها في كُمِّه من غيرِ حالِ المُغالبَةِ، فلا ضَمانَ عليه، وإن فَعَل ذلك عندَ المُغالبَةِ، ضَمِن. وإن أمَرَه بحِفْظِها مُطْلَقًا، فتَرَكَها في جَيبِه، أو شَدَّها في كُمِّه، لم يَضْمَنْها. وإن تَرَكَها في كُمِّه غيرَ مَشْدُودَةٍ، وكانت خَفِيفَةً لا يَشْعُرُ بها
стр. 7674
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا سَقَطَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُفَرِّط، وإن كانت ثَقِيلَةً يَشْعُرُ بها، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ هذا عادَةُ النَّاسِ في حِفْظِ أمْوالِهم. وإن شَدَّها على عَضُدِه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ ذلك أحْفَظُ لها. وقال القاضي: إن شَدَّها مِن جانِبِ الجَيبِ، لم يَضْمَنْها، وإن شَدَّها مِن الجانِبِ الآخَرِ، ضَمِن؛ لأنَّ الطَّرّارَ يَقْدِرُ على بَطِّها، بخِلافِ ما إذا شَدَّها ممّا يلي الجَيبَ. وهذا يَبْطُلُ بما إذا تَرَكَها في جَيبه، أو رَبَطَها في كُمِّه، فإنَّ الطَّرّارَ يَقْدِرُ على بَطِّها ولا يَضْمَنُ، وليس إمْكَانُ حِرْزِها بأحْفَظِ الحِرْزَين مانِعًا من إحْرازِها بما دُونَه، إذا كان حِرْزًا لمِثْلِها. وشَدُّها على العَضُدِ حِرْز لها كيفما كان؛ لأنَّ النّاسَ يُحَرِّزُون به أمْوالهم، فأشْبَهَ شَدَّها في الكُمِّ وتَرْكَها في الجيبِ، لكنْ لو أمَرَه بشَدِّها ممَّا يلي الجَيبَ، فشَدَّها مِن الجانِبِ الآخرِ، ضَمِن. وإن أمَرَه بشَدِّها ممّا يلي الجانِبَ الآخَرَ، فشَدَّها ممّا في الجَيبَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه أحْرَزُ. وإن أمَرَه بشَدِّها على عَضُدِه مُطْلَقًا، أو أمَرَه بحِفْظِها معه، فشَدَّها مِن أيِّ الجانِبَين كان، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه مُمْتَثِل أمْرَ مالِكِها، مُحْرِز لها بحِرْزِ مِثْلِها. وإن شَدَّها على وَسَطِه، فهو أحْرَزُ لها، وكذلك إن تَرَكَها في بَيته في حِرزِها.
стр. 7675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن أمَرَه أن يَجْعَلَها في صُنْدُوق، وقال: لا تَقْفِلْ عليها، ولا تَنَمْ فوقَها. فخالفَه، أو قال: لا تَقْفِلْ عليها إلَّا قُفْلًا واحِدًا. فجَعَلَ عليها قُفْلَيْن، فلا ضَمانَ عليه. ذَكَرَه القاضي. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافعيِّ. وحُكِيَ عن مالِكٍ أنَّه يَضْمَنُ؛ لأَنه خالفَ رَبَّها في شيءٍ له فيه غَرَضٌ يَتَعَلَّقُ بحِفْظِها، أشْبَهَ ما لو نَهاه عن إخْراجِها عن مَنْزِلِه، فأخرَجَها لغيرِ حاجَةٍ؛ وذلك لأنَّ النَّوْمَ عليها، وتَرْكَ قُفْلَين، وزِيادَةَ الاحْتِفاظِ، يُنَبِّهُ اللِّصَّ عليها، ويَحُثُّه على الجِدِّ في سَرِقَتِها، والاحْتِيالِ لأخْذِها. ولَنا، أنَّ ذلك أحْرَزُ لها، فلم يَضْمَنْ بفِعْلِه، كما لو أمَرَه بتَرْكِها في صَحْنِ الدّارِ، فتَرَكَها في البَيتِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه.
стр. 7676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن قال: اجْعَلْها في هذا البَيتِ، ولا تُدْخِلْه أحَدًا. فأدْخَلَ إليه قَوْمًا، فسَرَقَها أحَدُهم، ضَمِنَها؛ لأَنها ذَهَبَتْ بتَعَدِّيه ومُخالفَتِه. وسَواءٌ سَرَقَها حال إدْخالِهم أو بعدَه؛ لأنَّه رُبَّما شاهَدَ الوَدِيعَةَ في دُخُولِه البَيتَ، وعَلِم مَوْضِعَها، وطَرِيقَ الوُصُول إليها. وإن سَرَقَها مَن لم يَدْخُلِ البَيتَ، فقال القاضي: لا يَضْمَنُ؛ لَأنَّ فِعْلَه لم يَكُنْ سَبَبًا لإتْلافِها. ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّ الدّاخِلَ رُبَّما دَلَّ عليها مَن لم يَدْخُلْ، ولأنَّها مُخالفَة تُوجِبُ الضَّمانَ إذا كانت سَبَبًا لإتْلافِها، فأوْجَبَتْه وإن لم تِكنْ سَبَبًا، كما لو نَهاه عن إخْراجِها، فأخْرَجَها لغيرِ حاجَةٍ. وإن قال: ضَعْ هذا الخاتَمَ في الخِنْصِرِ. فوَضَعَه في البِنْصِرِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّها أغْلَظُ وأحْفَظُ له (١)، إلَّا أن (١) لا يَدْخُلَ فيها، فيَضَعَه في أنْمُلَتِها العُلْيَا، أو يَنْكَسِرَ لغِلَظِها عليه، فيَضْمَنَه في المَوْضِعَين؛ لأنَّ مُخالفَتَه سَبَبٌ لتَلَفِه.
стр. 7677
وَإنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالهُ؛ كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.
ــ
٢٤٤٠ - مسألة: (وإن دَفَع الوَدِيعَةَ إلى مَن يَحْفَظُ ماله؛ كزَوْجَتِهِ أو عَبْدِه، لم يَضْمَنْ) نَصَّ على هذا أحمدُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. وقال الشَّافعي: يَضْمَنُ؛ لأنَّه سَلَّمَ الوَدِيعَةَ إلى مَن لم يَرْضَ به صاحِبُها، فضَمِنَها، كما لو دَفَعَها إلى أجْنَبِيٍّ. ولَنا، أنَّه حَفِظَها بما يَحْفَظُ به ماله، أشْبَهَ ما إذا حَفِظَها بنَفْسِه، وكما لو دفع الماشِيَةَ إلى الرَّاعِي، أو البَهِيمَةَ إلى غُلامِه ليَسْقِيَها، ويُفارِقُ الأجْنَبِيَّ؛ فإنَّ دَفْعَها إليه لا يُعَدُّ حِفْظًا منه.
стр. 7678
وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى أجْنَبِي أَوْ حَاكِم، ضَمِنَ، وَلَيسَ لِلْمَالِكِ مطَالبَةُ الْأجْنَبِيِّ. وَقَال الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ.
ــ
٢٤٤١ - مسألة: (وإن دَفَعَها إلى أجْنَبِي أو حاكِم، ضَمِن، وليس للمالِكِ مُطالبَةُ الأجْنَبِيِّ. وقال القَاضِي: له ذلك) إذا دَفَع الوَدِيعَةَ. إلى غيرِه لغيرِ عُذْرٍ، فعليه الضَّمانُ، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَب، إلَّا أن يَدْفَعَها إلى مَن جَرتْ عادَتُه بحِفْظِ مالِه. وقد ذَكَرْناه في المَسْألةِ قبلَها، وذَكَرْنا الخِلافَ فيه. وقال شُرَيح، ومالِكٌ، والشّافعيُّ، وأبو حنيفةَ
стр. 7679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصْحابُه، وإسحاقُ: متى دَفَعَها إلى أجْنَبِي أو حاكِمٍ، ضَمِن. وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ عليه حِفْظَها وإحْرازَها، وقد أحْرَزَها عندَ غيرِه وحَفِظَها به، ولأنَّه يَحْفَظُ ماله بإيداعِه، فإذا أوْدَعَها فقد حَفِظَها بما يَحْفَظُ به ماله، فلم يَضْمَنْها، كما لو حَفِظَها في حِرْزِه. ولَنا، أنَّه خالفَ المُودِعَ فضَمِنَها، كما لو نَهاه عن إيداعِها؛ فإنَّه أمَرَه بحِفْظِها بنَفْسِه، فلم يَرْضَ لها غيرَه. فإن فَعَل فتَلِفَتْ عندَ الثَّانِي، مع عِلْمِه بالحالِ، فله تَضْمِينُ أيِّهما شاء؛ لأنَّهما مُتَعَدِّيان، ويَسْتَقِرُّ ضَمانُها على الثَّانِي؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل عندَه، وقد دَخَل على أنَّه يَضْمَنُ، وإن لم يَعْلَمِ الحال، فله تضْمِينُ الأوَّلِ، وليس للأوَّلِ الرجُوعُ على الثَّانِي؛ لأنَّه دَخَل معه في العَقْدِ على أنَّه أمِينٌ له (١) لا ضَمانَ عليه. وإن أحَبَّ المالِكُ تَضْمِينَ الثَّانِي، فليس له تَضْمِينُه، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ. قاله القاضي؛ لأنَّ أحمدَ ذَكَر الضَّمانَ على الأوَّل فقط. وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه قَبَض قَبْضًا مُوجِبًا للضَّمانِ على الأوَّلِ، فلم يُوجِبْ ضَمانًا آخَرَ. ويُفارِقُ
стр. 7680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القَبْضَ مِن الغاصِبِ؛ فإنَّه لم يُوجِبِ الضَّمانَ على الغاصِبِ، إنَّما لَزِمَه الضَّمانُ بالغَصْبِ. قال شَيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أنَّ له تَضْمِينَ الثَّانِي أيضًا. وهو قولُ القاضي، ومَذْهَبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه قَبَض مال غيرِه على وَجْهٍ لم يكنْ له قَبْضُه، ولمِ يَأذَنْ له مالِكُه، فيَضْمَنُه، كالقابِضِ مِن الغاصِبِ. وذِكْرُ أحمدَ الضَّمان على الأوَّلِ لا يَنْفِي الضَّمانَ عن الثّانِي، كما أنَّ الضَّمانَ يَلْزَمُ الغاصِبَ، ولا يَنْفِي وُجُوبَه على القابِضِ منه. فعلى هذا، يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الأوَّلِ، فإن ضَمَّنَه لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن ضَمَّنَ الثّانِيَ رَجَع على الأوَّلِ. وهذا القولُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، وما ذَكَرْنا للقولِ الأوَّلِ لا أصْلَ له، ثم هو مُنْتَقِضٌ بما إذا دَفَع الوَدِيعَةِ إلى إنْسانٍ عارِيَّةً أو هِبَة.
стр. 7681
وإنْ أرَادَ سَفَرًا، أوْ خَافَ عَلَيهَا عِنْدَهُ، رَدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا.
ــ
٢٤٤٢ - مسألة: (وإن أرَاد سَفَرًا، أو خافَ عليها عِنْدَه، رَدَّها على مالِكِها) أو وَكِيله فِي قَبضِها إن قَدَر على ذلك، ولم يَجُزْ له دَفْعُها إلى الحاكِمِ، ولا إلى غيرِه؛ لأنَّه ليس للحاكِمِ ولاية على الحاضِرِ، فإن فَعَل، ضَمِنَها؛ لأنَّه دَفَعَها إلى غيرِ مالِكِها بغيرِ إذْنِه مِن غيرِ عُذْرٍ، فضَمِنَها، كالصُّورَةِ الأولَى.
стр. 7682
فَإن لَمْ يَجِدْهُ، حَمَلَهَا مَعَهُ إنْ كَانَ أحفَظَ لَهَا، وَإلَّا دَفَعَهَا إلَى الْحَاكِمَ.
ــ
٢٤٤٣ - مسألة: (فإن لم يَجِدْه، حَمَلَها معه إن كان أحْفَظَ لها) إذا أراد السَّفَرَ بها وقد نَهاه صاحِبُها عنه، ضَمِنَها؛ لمُخالفَتِه، وإن لم يَنْهَه، لكنّ الطَّرِيقَ مَخُوفٌ، أو البَلَدَ الذي يُسافِرُ إليه مَخُوفٌ، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِها. وإن لم يكنْ كذلك، فله السَّفَرُ بها. نَصَّ عليه أحمدُ. سَواءٌ كان به ضَرُورَة إلى السَّفَرِ أو لم يكنْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافعي: إن سافَرَ بها مِع القُدْرَةِ على صاحِبِها أو وَكِيله أو الحاكِمِ أو أمِينٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه سافرَ بها مِن غير ضَرُورَةٍ، أشْبَهَ ما لو كان السَّفَرُ مَخُوفًا. ولَنا، أنَّه نَقَلَها إلى مَوْضِعٍ مَأمُونٍ، فلم يَضْمَنْها، كما لو نَقَلَها إلى البَلَدِ، ولأنَّه سافَرَ بها سَفَرًا غيرَ مَخُوفٍ، أشبَهَ ما لو لم
стр. 7683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَجِدْ أحَدًا يَدَعُها عندَه. قال شيخُنا (١): ويَقْوَى عندِي أنَّه متى سافَرَ بها مع القُدْرَةِ على مالِكِها أو وَكِيله فيها بغيرِ إذنِه، فهو مُفَرِّطٌ عليه الضَّمان؛ لأنَّه يُفَوِّتُ على صاحِبِها إمْكانَ استرْجاعِها، ويُخاطِرُ بها، فإن النبيَّ ﷺ
стр. 7684
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: «المُسَافِرُ وَمَالُهُ عَلَى قَلَتٍ، إلَّا مَا وَقَى الله» (١). أي على هَلاكٍ. ولا يَلْزَمُ مِن الإِذْنِ في إمْساكِها على وَجْهٍ لا يَتَضَمَّنُ هذا الخَطَرَ ولا يُفَوِّتُ إمْكانَ رَدِّها على صاحِبِها الإِذْنُ فيما يتَضَمَّنُ ذلك. فأمَّا مع غَيبَةِ المالِكِ [ووَكِيِله] (٢)، فله السَّفَرُ بها إذا كان أحْفَظَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ فيَخْتارُ ما فيه الحَظُّ. وهذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشرُوحِ.
٢٤٤٤ - مسألة: فإن لم يَجِدْ صاحِبَها ولا وَكِيله، فله دَفْعُها إلى الحاكِمِ، سَواءٌ كان به ضَرُورَةٌ إلى السَّفَرِ أو لم يكُنْ ؛ لأنَّه مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها، فلا يَلْزَمُه اسْتِدامَتُه، والحاكِمُ يَقُومُ مَقامَ صاحِبِها عندَ غَيبَتِه. فإن أوْدَعَها مع قُدْرَتِه على الحاكِمِ، ضَمِنَها؛ لأنَّ غيرَ الحاكِمِ لا ولايةَ
стр. 7685
فَإِنْ تعَذَّرَ ذَلِكَ، أوْدَعَهَا ثِقَةً، أوْ دَفَنَهَا وَأعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَسْكُنُ تِلْكَ الدَّارَ، وَإنْ دَفَنَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أحَدًا، أو أعْلَمَ بِهَا مَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ، ضَمِنَهَا.
ــ
له. ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ له إيداعُها؛ لأنَّه قد يكونُ أحْفَظَ لها وأحَبَّ إلى صاحِبِها. وإن لم يَقْدِرْ على الحاكِمِ، فأوْدَعَها ثِقَةً، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ. وذَكَر القاضي أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ أنَّه يَضْمَنُها، ثم تَأوَّلَ كَلامَه على أنَّه أوْدَعَها مِن غيرِ حاجَةٍ، أو مع قُدْرَته على الحاكِمِ.
٢٤٤٥ - مسألة: (فإن تَعَذَّرَ ذلك، أوْدَعَها ثِقَةً، أو دَفَنَها وأعْلَمَ بها ثِقَةً يَسْكُنُ تلك الدَّارَ، فإن دَفَنَها ولم يُعْلِمْ بها أحَدًا، أو أعْلَمَ بِها مَن لا يَسْكُنُ الدَّارَ، ضَمِنَها) إذا دَفَنَها في مَوْضِع، وأعْلَمَ بها ثِقَة يَدُه على المَوْضِعِ، وكانت ممّا لا يَضُرُّها الدَّفْنُ، فهو كإيداعِها عندَه،
стр. 7686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن لم يُعْلِمْ بها أحدًا، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِها، فإنَّه لا يَأْمَنُ أن يَمُوتَ في سَفَرِه فلا تَصِلُ إلى صاحِبِها، ورُبَّما نَسِيَ مَكانَها، أو أصابَها آفَةٌ مِن هَدْمٍ أو حَرْقٍ أو غرَقٍ، فتَضِيعُ. وإِن أعْلَمَ بها غيرَ ثِقَةٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه رُبَّما أخَذَها. وكذلك إن أعْلَمَ بها ثِقَةً لا يَدَ له على المَكانِ؛ لأنَّه لم يُودِعْها إيّاه، ولا يَقْدِرُ على الاحْتِفاظِ بها.
فصل: وإن حَضَرَه المَوْتُ، فحُكْمُه حُكْمُ السَّفَرِ، على ما مَضَى
стр. 7687
وَإنْ تَعَدَّى فِيهَا، فَرَكِبَ الدَّابَّةَ لِغَيرِ نَفْعِهَا، وَلَبِسَ الثّوْبَ، وَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا، ثُمَّ رَدَّهَا،
ــ
مِن أحْكامِه، إلَّا في أخْذِها معه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما سَبَبٌ لخُرُوجِها عن يَدِه.
٢٤٤٦ - مسألة: (وإن تَعَدَّى فيها، فرَكِبَ الدّابَّةَ لغيرِ نَفْعِها ،
стр. 7688
أوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أقَرَّ بِهَا.
ــ
ولَبِس الثَّوْبَ) أو أخَذَ الوَدِيعَةَ ليَسْتَعْمِلَها، أو ليَخُونَ (١) فيها (ثم رَدَّها) إلى مَوْضِعِها بنِيَّةِ الأمانَةِ، ضَمِنَها؛ لتَعَدِّيه، ولم يَزُلْ عنه الضَّمانُ برَدِّها. وهو قولُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَبْرأُ؛ لأنَّه مُمْسِكٌ لها بإذْنِ مالِكِها، فأشْبَهَ ما قبلَ التَّعَدِّي. ولَنا، أنَّه ضَمِنَها بعُدْوانٍ فبَطَلَ الاسْتِئْمانُ، كما لو جَحَدَها ثم أقَرَّ بها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرَه.
٢٤٤٧ - مسألة: فإن (جَحَدَها ثم أقَرَّ بها) فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه بجَحْدِها خَرَج عن الاسْتِئْمانِ عليها، فلم يَزُلْ عنه
стр. 7689
أوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا، أوْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ، ضمِنَهَا،
ــ
الضَّمان بالإقْرارِ بها؛ لأنَّ يَدَه صارت يَدَ عُدْوانٍ.
٢٤٤٨ - مسألة: فإن (كَسَر خَتْمَ كِيسِها) أو كانت مَشْدُودَةً فحَلَّ الشَّدَّ، ضَمِن، سَواءٌ أخْرَجَ منها شيئًا أو لم يُخْرِجْ؛ لأنَّه هَتَك الحِرْزَ بفِعْلٍ تَعَدَّى به. فإن خَرَق الكِيسَ فوقَ الشَّدِّ، فعليه ضَمانُ ما خَرَق خاصَّةً؛ لأنَّه لمّا هَتَك الحِرْزَ. وقال أبو حنيفةَ: إذا كَسَر خَتْمَ الكِيسِ، لم يَلْزَمْه ضَمانُ الوَدِيعَةِ؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ في غيرِه. ولَنا، أنَّه هَتَك حِرْزَها، فضَمِنَها إذا تَلِفَتْ، كما لو أوْدَعَه إيّاها في صُنْدُقٍ مُقْفَلٍ، ففَتَحَه وتَرَكه مَفْتوحًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لم يتَعَدَّ في غيرِ الخَتْمِ.
٢٤٤٩ - مسألة: وإن (خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه، ضَمِنَها) إذا خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه مِن مالِه أو مالِ غيرِه، ضَمِنَها، سَواءٌ خَلَطَها بمِثْلِها أو دُونِها، أوَ أجْوَدَ مِن جنْسِها أو مِن غيرِ جِنْسِها، مثلَ أن يَخْلِطَ الدَّراهِمَ بدَراهِمَ، أَوْ دُهْنًا بدُهْنٍ، كالزَّيتِ بالزيتِ أو
стр. 7690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السَّمْنِ أو بغيرِه. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي. وقال ابنُ القاسِمِ: إن خَلَط دَراهِمَ بدَراهِمَ على وَجْهِ الحِرْزِ، لم يَضْمَنْ. وحُكِيَ عن مالِكٍ، لا يَضْمَنُ إلَّا أن تكونَ دُونَها، لأنَّه لا يُمْكِنُه رَدُّها إلَّا ناقِصَةً. ولنا، أنَّه خَلَطَها بمالِه خَلْطًا لا يَتَمَيَّزُ، فوَجَبَ أن يَضْمَنَها، كما لو خَلَطَها بدُونِها، ولأنَّه إذا خَلَطَها بما لا يَتَمَيَّزُ، فقد فَوَّتَ على نَفْسِه إمْكانَ رَدِّها، فلَزِمَه ضَمانُها، كما لو ألْقاها في لُجَّةِ بَحْرٍ. فإن أمَرَه صاحِبُها بخَلْطِها بمالِه أو بغيرِه، ففَعَلَ ذلك، فلا ضَمانَ عليه، لأنَّه فَعَلَ ما أمَرَه به، فكان نائِبًا عن المالِكِ فيه. وقد نَقَل مُهَنّا عن أحمدَ، في رجلٍ اسْتُودِعَ عَشَرَةَ دَراهِمَ، واسْتَوْدَعَه آخَرُ عَشَرَةً، وأمَراه (١) أن يَخْلِطَها، فخَلَطَها، فضاعَتِ الدَّرِاهِمُ، فلا شيءَ عليه. فإن أمَرَه أحَدُهما بخَلْطِ دَراهِمِه، ولم يَأْمُرْه الآخرُ، فعليه ضَمانُ دَراهِمِ مَن لم يَأْمُرْه دُونَ الأخْرَى. وإنِ اخْتَلَطَتْ هي بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه، كما لو تَلِفَتْ بغيرِ تَفرِيطِه. وإن خَلَطَها غيرُه، فالضَّمانُ على مَن خَلَطَها، لأنَّ العُدْوانَ منه، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَها.
стр. 7691
وَإنْ خَلَطَهَا بِمُتَمَيِّزٍ، أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَسْقِيَهَا، لَمْ يَضْمَنْ.
ــ
٢٤٥٠ - مسألة: (وإن خَلَطَها بمُتَمَيِّزٍ، أو رَكِب الدّابَّةَ ليَسْقِيَها، لم يَضْمَنْ) أمّا إذا خَلَطَها بما تَتَمَيَّزُ منه، مِثْلَ أن خَلَط دَراهِمَ بدَنانِيرَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّها تَتَمَيَّزُ منها، فلا يَعْجِزُ بذلك عن رَدِّها، فلم يَضْمَنْها، كما لو تَرَكَها في صُنْدُوقٍ فيه أكْياسٌ له. وبهذا قال الشافعيُّ، ومالِكٌ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك الحُكْمُ إذا خَلَط بِيضًا بسُودٍ. وقد حُكِيَ عن أحمدَ، في مَن خَلَط دَراهِمَ بِيضًا بسُودٍ: يَضْمَنُها. ولَعَلَّه قال ذلك لكَوْنِها تَكْتَسِبُ منها سَوادًا، ويَتَغَيَّرُ لَوْنُها، فتَنْقُصُ قِيمَتُها، فإن لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، فلا ضَمانَ عليه. وإن رَكِب الدّابَّةَ ليَسْقِيَها أو يَعْلِفَها، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ رُكُوبَها لذلك مَأذُونٌ فيه عُرْفًا وشَرْعًا، لأنَّه مَأْذُون له في سَقْيِها، كما (١) أُذِنَ له في عَلْفِها، والعادَةُ أنَّ مَن يَسْقِيها يَرْكَبُها، فالإذْنُ في السَّقْي إذْنٌ في الرُّكُوبِ المُعْتادِ، ولهذا لو قال لوَكِيلِه: اسْقِ الدّابَّة. فإنَّه يُفهَمُ منه: ارْكَبْها له.
стр. 7692
وَإنْ أَخَذَ دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ، فَضَاعَ الْكُلُّ، ضَمِنَهُ وَحْدَهُ. وَعَنْهُ، يَضْمَنُ الْجَمِيعَ.
ــ
٢٤٥١ - مسألة: (وإن أخَذَ دِرْهَمًا ثم رَدَّه، فضاع الكلُّ، ضَمِنَه وَحْدَه) اخْتَارَه الخِرَقِيُّ (وعنه، يَضمَنُ الجَمِيعَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أُودِعَ شيئًا فأخَذَ بَعْضَه، لَزِمَه ضَمانُ ما أخَذَ؛ لتَعَدِّيه، فإن رَدَّه أو مِثْلَه، لم يَزُلِ الضَّمانُ (١) عنه. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال مالِكٌ: لا ضَمانَ عليه إذا رَدَّه أو مِثْلَه. وقال أصْحابُ الرَّأْي. إن لم يُنْفِقْ ما أخَذَه، [ورَدَّه] (٢)، لم يَضْمَنْ، وإن أنْفَقَه ثم رَدَّه أو مِثْلَه، ضَمِن. ولَنا، أنَّ الضَّمانَ تَعَلَّقَ بذِمَّتِه بالأخْذِ، بدَلِيلِ أنَّه لو تَلِف في يَدِه قبلَ رَدِّه ضَمِنَه، فلا يَزُولُ إلَّا برَدِّه إلى صاحِبِه كالمَغْصُوبِ. فأمّا سائِرُ الوَدِيعَةِ، فيُنْظرُ فيه، فإن لم تكنِ الدَّراهِمُ في كِيسٍ، أو كانت في كِيسٍ غيرِ مَشْدُودٍ، أو كانت ثِيابًا
стр. 7693
وَإنْ رَدَّ بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا، فَكَذَلِكَ، وَإنْ كَانَ غَيرَ مُتَمَيِّزٍ، ضَمِنَ الْجَمِيعَ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَضْمَنَ غَيرَهُ.
ــ
فأخَذَ منها واحِدًا ثم رَدَّه بعَيِنه، لم يَضْمَنْ غيرَه؛ لأنّه لم يَتَعَدَّ في غيرِه. وكذلك إن رَدَّ بَدَلَه مُتَمَيِّزًا؛ لِما ذَكَرْنا. وإن لم يكنْ مُتَمَيِّزًا، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه (لا يَضْمَنُ غيرَه) لأنَّ التَّعَدِّيَ اخْتَصَّ به، فاخْتَصَّ الضَّمانُ به، وخَلْطُ المَرْدُودِ بغيرِه لا يَقْتَضِي ضَمانَ الجَمِيعِ؛ لأنَّه يَجِبُ رَدُّه معها، فلم يُفَوِّتْ على نَفْسِه إمْكانَ رَدِّها، بخِلافِ ما إذا خَلَطَه بغيرِه. ولو أذِنَ له صاحِبُ الوَدِيعَةِ في الأخْذِ منها، ولم يَأْمُرْه برَدِّ بَدَلِه، فأخَذَ ثم رَدَّ بَدَل ما أخَذَ، فهو كرَدِّ بَدَلِ ما لم يُؤْذَنْ في أخْذِه. وقال القاضي: يَضْمَنُ الكلَّ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنه خَلَط الوَدِيعَة بما لا تَتَمَيَّزُ منه، فضَمِنَ الكلَّ، كما لو خَلَطَها بغيرِ البَدَلِ. وقد ذَكَرْنا فَرْقًا بينَ البَدَلِ وغيرِه، فلا يَصِحُّ القِياسُ. وإن كانتِ الدَّراهِمُ في كِيسٍ مَخْتُومٍ أو مَشْدُودٍ، فكَسر الخَتْمَ أو حَلَّ الشَّدَّ، ضَمِنَها، وقد ذَكَرْناه.
стр. 7694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا ضَمِن الوَدِيعَةَ بالاسْتِعْمالِ أو بالجَحْدِ، ثم رَدَّها إلى صاحِبِها، زال عنه الضَّمانُ، فإن رَدَّها صاحِبُها إليه، فهو ابْتِداءُ اسْتِئْمانٍ، وإن لم يَرُدَّها إليه، ولكنْ جَدَّدَ له الاسْتِئْمانَ، أو أَبْرَأه مِن الضَّمانِ، بَرِئَ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ الضَّمانَ حَقُّه، فإذا أَبْرَأه منه بَرِئَ كما لو أَبْرَأه مِن دَينٍ في ذمَّتِه. وإذا جَدَّدَ له اسْتِئْمانًا، فقد انتَهَى القَبْضُ المَضْمُون به، فزال الضَّمانُ. وقد قال أصْحابُنا: إذا رَهَن المَغْصُوبَ عندَ الغاصِبِ، أو أوْدَعَه عندَه، زال عنه ضَمانُ الغَصْبِ. فههُنا أوْلَى.
стр. 7695
وَإنْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ وَدِيعَةً، ضَمِنَهَا، وَلَمْ يَبْرَأْ إلا بِالتَّسْلِيمِ إِلى وَلِيِّهِ.
ــ
٢٤٥٢ - مسألة: (وإن أوْدَعَه صَبِيٌّ وَدِيعَةً، ضَمِنَها، ولم يَبْرَأْ إلَّا بالتَّسْلِيمِ إلى وَلِيِّهِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه لا يَصِحُّ الإيداعُ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ، فإن أوْدَعَ طِفْلٌ أو مَعْتُوة إنْسانًا وَدِيعَةً، ضَمِنَها بقَبْضِها؛ لأنّه أخَذَ ماله بغيرِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ، أشْبَهَ ما لو غَصَبَه، ولا يَزُولُ الضَّمانُ عنه برَدِّها إليه، وإنَّما يَزُولُ بدَفْعِها إلى وَلِيِّه النّاظِرِ في مالِه. فإن كان الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا،
стр. 7696
وَإِنْ أوْدَعَ الصَّبِيَّ وَدِيعَةً، فَتَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْ. وَإِنْ أتْلَفَهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَقَال الْقَاضِي: يَضْمَنُ.
ــ
صَحَّ إيداعُه لِما أُذِنَ له في التَّصَرُّفِ فيه؛ لأنَّه كالبالِغِ (١) بالنِّسْبَةِ إلى ذلك. فإنْ خاف أنَّه إذا لم يَأْخُذْه منه أتْلَفَه، لم يَضْمَنْه بأخْذِه؛ لأنَّه قَصَد تَخْلِيصَه مِن الهَلاكِ، فلم يَضْمَنْه، كما لو وَجَدَه في سَيل فأخْرَجَه منه.
٢٤٥٣ - مسألة: (وإن أوْدَعَ الصَّبِيَّ) أو المَعْتُوهَ (وَدِيعَةً، فتَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، لم يَضْمَنْ) فإن أتْلَفَها، أو أكلَها، ضَمِنَها في قولِ القاضي، وظاهِرِ مَذْهَبِ الشافعيِّ. ومِن أصْحابِنا مَن قال: لا ضَمانَ
стр. 7697
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه سَلَّطَه على إتْلافِها بدَفْعِها إليه، فلا يَلْزَمُه. ألا تَرَى أنَّه لو دَفَع إلى صَغِيرٍ سِكِّينًا، فوَقَعَ عليها، كان ضَمانُه على عاقِلَتِه؟ ولنا، أنَّ ما ضَمِن بإتْلافِه قبلَ الإيداعِ، ضَمِنَه بعدَ الإيداعِ، كالبالِغِ. ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه سَلَّطَه على إِتْلافِها. وإنَّما اسْتَحْفَظَه إيّاها، وفارَقَ دَفْعَ السِّكِّينِ، فإنَّه سَبَبٌ للإتْلافِ، ودَفْعُ الوَدِيِعَةِ بخِلافِه.
стр. 7698
وَإنْ أوْدَع عَبْدًا وَدِيعَةً فَأتْلَفَهَا، ضَمِنَهَا في رَقَبَتِهِ.
ــ
٢٤٥٤ - مسألة: (وإن أوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً فأتْلَفَها) خُرِّجَ على الوَجْهَين في الصَّغِيرِ، إذا أتْلَفَ (١) الوَدِيعَةَ، فإن قُلْنا: لا يَضْمَنُ الصَّبِيُّ. كانت في ذِمَّتِه. وإن قُلْنا: يَضْمَنُ. كانت في رَقَبَتِه.
стр. 7699
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا أوْدَعَه شيئًا، ثم سَألَه دَفْعَه إليه في وَقْتٍ أمْكَنَه ذلك، فلم يَفْعَلْ حتى تَلِف، ضَمِنَه. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ رَدِّ الوَدِيعَةِ على مالِكِها إذا طَلَبَها، فأمْكَنَ أداؤُها إليه بغيرِ ضَرُورَةٍ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بذلك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١). وقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» (٢). يَعْنِي عندَ طَلَبِها. ولأنَّها حَقٌّ لمالِكِها لم يتَعَلَّقْ بها حَقُّ غيرِه، فلَزِم أداؤُها إليه، كالمَغْصُوبِ والدَّينِ الحالِّ. فإنِ امْتَنَعَ مِن دَفْعِها في هذه الحال، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه صار غاصِبًا، لأنَّه أمْسَكَ مال غيرِه بغيرِ إذْنِه بفِعْل مُحَرَّمٍ، أشْبَهَ الغاصِبَ. فأمّا إن طَلَبَها في وَقْتٍ لم يُمْكِنْ دَفْعُها؛ لبُعْدِها، أولمَخافَةٍ في طَرِيقِها، أو للعَجْزِ عن حَمْلِها، أو غيرِ ذلك، لم يكنْ مُتَعَدِّيًا بتَرْكِ تَسْلِيمِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها. فإن تَلِفَتْ لم يَضْمَنْها؛ لعَدَمِ عُدْوانِه. وإن قال: أمْهِلُونِي حتى أقْضِيَ صَلاتِي -أو- آكُلَ، فإنِّي جائِعٌ -أو- أنامَ فإنِّي ناعِسٌ -أو- يَنْهَضِمَ عنِّي الطَّعامُ، فإني مُمْتَلِئٌ. أُمْهِلَ بقَدْرِ ذلك.
стр. 7700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وليس على المُسْتَوْدَعِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ وحَمْلُها إلى رَبِّها، إذا كانت ممّا لحَمْلِها مُؤْنَةٌ، قَلَّتِ المُؤْنَةُ أو كَثُرَتْ؛ لأنَّه قَبَض العَينَ لمَنْفَعَةِ مالِكِها على الخُصُوصِ، فلم تَلْزَمْه الغَرامَةُ عليها، كما لو وَكَّلَه في حِفْظِها في مِلْكِ صاحِبِها، وإنّما عليه التَّمْكِينُ مِن أخْذِها. فإن سافَرَ بها بغيرِ إذْنِ رَبِّها، رَدَّها إلى بَلَدِها؛ لأنَّه بَعَّدَها بغيرِ إذْنِ رَبِّها، فلَزِمَه رَدُّها، كالغاصِبِ.
فصل: إذا مات الرجلُ، وثَبَت أنَّ عندَه وَدِيعَةً لم تُوجَدْ بعَينِها، فهي دَينٌ عليه، تُغْرَمُ مِن تَركَتِه، فإن كان عليه دَينٌ سِواها، فهما سَواءٌ إن وَفَّتْ تَرِكَتُه بهما، وإلَّا اقْتَسماها (١) بالحِصَصِ. وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وداودُ بنُ (٢) أبي هِنْدٍ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه، وإسحاقُ. ورُوِيَ ذلك عن شُرَيح، ومَسْرُوقٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، وأبي جَعْفَرٍ محمدِ بنِ عليّ. ورُوِيَ عنِ النَّخَعِيِّ: الأمانَةُ قبلَ الدَّين. وقال الحارِثُ العُكْلِيُّ: الدَّينُ قبلَ الأمانَةِ. ولَنا، أنَّهما حَقَّان وَجَبا في ذِمَّتِه، فتَساوَيا كالدَّينَين. وسَواءٌ وُجِد في تَرِكَتِه مِن جِنْسِ الوَدِيعَةِ أو لم يُوجَدْ. وهذا إذا أقَرَّ المُودَعُ أنَّ عندِي وَدِيعَةً، أو عليَّ وَدِيعَةً لفُلانٍ، أو ثَبَتَتْ بَيِّنَةٌ أنَّه مات وعندَه وَدِيعَةٌ. فأمّا إن كانت عندَه وَدِيعَةٌ
стр. 7701
فَصْلٌ: وَالْمُودَعُ أمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ وَتَلَفٍ وَإذْنٍ في دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ، وَيُدَّعَى عَلَيهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ.
ــ
في حَياتِه، ولم تُوجَدْ بعَينِها، ولم يُعْلَمْ هل هي باقِيَةٌ عندَه أو تَلِفَتْ؟ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، وُجُوبُ ضَمانِها؛ لأنَّ الوَديعَةَ يَجِبُ رَدُّها، إلَّا أن يَثْبُتَ سُقُوطُ الرَّدِّ بالتَّلَفِ مِن غيرِ تَعَدٍّ، ولم يَثْبُتْ ذلك، ولأنَّ الجَهْلَ بعَينِها كالجَهْلٍ بها، وذلك لا يُسْقِطُ الرَّدَّ. والثانِي، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ أمانةٌ، والأصْلُ عَدَمُ إتْلافِها والتَّعَدِّي فيها، فلم يَجِبْ ضَمانُها. وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وأحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ. والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ (١) الرَّدِّ، فيَبْقَى عليه، ما لم يُوجَدْ ما يُزِيلُه.
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (والمُودَعُ أمِينٌ، والقولُ قَوْلُه فيما يَدَّعِيه مِن رَدٍّ أو تَلَفٍ أو إذْنٍ في دَفْعِها إلى إنْسانٍ) إذا ادعى المُسْتَوْدَعُ تَلَفَ الوَدِيعَةِ، فالقولُ قَوْلُه بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلَّ
стр. 7702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ المُودَعَ إذا أحْرَزَ الوَدِيعَةَ، ثم ذَكَر أنَّها ضاعَتْ، أنَّ القولَ قَوْلُه. وقال أكْثَرُهم: مع يَمِينِه. وإنِ ادَّعَى رَدَّها على صاحِبِها، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينِه. وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي، وإسحاقُ. وبه قال مالِكٌ إن كان دَفَعَها إليه بغيرِ بَيِّنةٍ، وإن كان أوْدَعَه إيّاها ببَيِّنةٍ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرَّدِّ إلَّا ببَيِّنةٍ. وحَكاه القاضي أبو الحُسَينِ رِوايَةً عن أحمدَ. ولَنا، أنَّه أمِينٌ لا مَنْفَعَةَ له في قَبْضِها، فقُبِل قَوْلُه في الرَّدِّ بغيرِ بَيِّنةٍ، كما لو أُودِعَ بغيرِ بَيِّنةٍ. وإن قال: دَفَعْتُها إلى فُلانٍ بأمْرِكَ. فأنْكَرَ مالِكُها الإذْنَ في دَفْعِها، فالقولُ قولُ المُودَعِ. نَصَّ عليه
стр. 7703
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ منصورٍ. وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى. وقال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والعَنْبَرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي: القولُ قولُ المالِك؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ، وله تَضْمِينُه. ولَنا، أنَّه ادَّعَى دَفْعًا يَبْرأُ به مِن الوَدِيعَةِ، فكان القولُ قَوْلَه، كما لو ادَّعَى رَدَّها على مالِكِها. ولو اعْتَرَفَ المالِكُ بالإِذْن، ولكنْ قال: لم يَدْفَعْها. فالقول قول المُسْتَوْدَعِ أيضًا، ثم يُنْظرُ في المَدْفُوعِ إليه؛ فإن أقَرَّ بالقَبْضِ، وكان الدَّفْعُ في دَينٍ، فقد بَرِئَ الكلُّ، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه. وقد ذَكَر أصْحابُنا أنَّ الدّافِعَ يَضْمَنُ؛ لكونِه قَضَى الدَّينَ بغيرِ بَيِّنةٍ، ولا تَجِبُ اليَمِينُ على صاحِبِ
стр. 7704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوَدِيعَةِ؛ لأنْ المُودَعَ مُفَرِّطٌ، لكونِه أذِنَ له في قَضاءٍ يُبَرِّئُه مِن الحَقِّ ولم يَبْرَأْ بدَفْعِه، فكان ضامِنًا، سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه. وإن أمَرَه بدَفْعِه وَدِيعَةً، لم يَحْتَجْ إلى بَيِّنةٍ؛ لأنّ المُودَعَ يُقْبَلُ قَوْلُه في التّلَفِ والرَّدِّ، فلا فائِدَةَ في الإشْهادِ عليه. فعلى هذا، يَحْلِفُ المُودَعُ ويَبرَأُ، ويَحْلِفُ الآخَرُ ويَبْرَأُ أيضًا، ويكونُ ذَهابُها مِن مالِكِها. وإنِ ادَّعَى عليه خِيانَةً أو تَفْرِيطًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك، أشْبَهَ الوَكِيلَ.
стр. 7705
وَإِنْ قَال: لَمْ تُودِعْنِي. ثُمَّ أقَرَّ بِهَا، أوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنةٍ، فَادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ أقَامَ بِهِ بَيِّنةً. وَيَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ بَيِّنتُهُ.
ــ
٢٤٥٥ - مسألة: (وإن قال: لم تُودِعْني. ثم أقَرَّ بها، أو ثَبَتَتْ ببَيِّنةٍ، ثم ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ) قَوْلُه (وإن أقام به بَيِّنَةً. ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ بَيِّنتُه) إذا ادَّعَى على رجلٍ وَدِيعَةً، فأنْكَرَ، ثم ثَبَت أنَّه أوْدَعَه،