← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

فَصْلٌ: وَالْمُودَعُ أمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ وَتَلَفٍ وَإذْنٍ في دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ، وَيُدَّعَى عَلَيهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ. ــ في حَياتِه، ولم تُوجَدْ بعَينِها، ولم يُعْلَمْ هل هي باقِيَةٌ عندَه أو تَلِفَتْ؟ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، وُجُوبُ ضَمانِها؛ لأنَّ الوَديعَةَ يَجِبُ رَدُّها، إلَّا أن يَثْبُتَ سُقُوطُ الرَّدِّ بالتَّلَفِ مِن غيرِ تَعَدٍّ، ولم يَثْبُتْ ذلك، ولأنَّ الجَهْلَ بعَينِها كالجَهْلٍ بها، وذلك لا يُسْقِطُ الرَّدَّ. والثانِي، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ أمانةٌ، والأصْلُ عَدَمُ إتْلافِها والتَّعَدِّي فيها، فلم يَجِبْ ضَمانُها. وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وأحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ. والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ (١) الرَّدِّ، فيَبْقَى عليه، ما لم يُوجَدْ ما يُزِيلُه. فصل: قال الشيخُ، ﵀: (والمُودَعُ أمِينٌ، والقولُ قَوْلُه فيما يَدَّعِيه مِن رَدٍّ أو تَلَفٍ أو إذْنٍ في دَفْعِها إلى إنْسانٍ) إذا ادعى المُسْتَوْدَعُ تَلَفَ الوَدِيعَةِ، فالقولُ قَوْلُه بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلَّ

стр. 7702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ المُودَعَ إذا أحْرَزَ الوَدِيعَةَ، ثم ذَكَر أنَّها ضاعَتْ، أنَّ القولَ قَوْلُه. وقال أكْثَرُهم: مع يَمِينِه. وإنِ ادَّعَى رَدَّها على صاحِبِها، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينِه. وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي، وإسحاقُ. وبه قال مالِكٌ إن كان دَفَعَها إليه بغيرِ بَيِّنةٍ، وإن كان أوْدَعَه إيّاها ببَيِّنةٍ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرَّدِّ إلَّا ببَيِّنةٍ. وحَكاه القاضي أبو الحُسَينِ رِوايَةً عن أحمدَ. ولَنا، أنَّه أمِينٌ لا مَنْفَعَةَ له في قَبْضِها، فقُبِل قَوْلُه في الرَّدِّ بغيرِ بَيِّنةٍ، كما لو أُودِعَ بغيرِ بَيِّنةٍ. وإن قال: دَفَعْتُها إلى فُلانٍ بأمْرِكَ. فأنْكَرَ مالِكُها الإذْنَ في دَفْعِها، فالقولُ قولُ المُودَعِ. نَصَّ عليه

стр. 7703

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ منصورٍ. وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى. وقال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والعَنْبَرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي: القولُ قولُ المالِك؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ، وله تَضْمِينُه. ولَنا، أنَّه ادَّعَى دَفْعًا يَبْرأُ به مِن الوَدِيعَةِ، فكان القولُ قَوْلَه، كما لو ادَّعَى رَدَّها على مالِكِها. ولو اعْتَرَفَ المالِكُ بالإِذْن، ولكنْ قال: لم يَدْفَعْها. فالقول قول المُسْتَوْدَعِ أيضًا، ثم يُنْظرُ في المَدْفُوعِ إليه؛ فإن أقَرَّ بالقَبْضِ، وكان الدَّفْعُ في دَينٍ، فقد بَرِئَ الكلُّ، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه. وقد ذَكَر أصْحابُنا أنَّ الدّافِعَ يَضْمَنُ؛ لكونِه قَضَى الدَّينَ بغيرِ بَيِّنةٍ، ولا تَجِبُ اليَمِينُ على صاحِبِ

стр. 7704

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوَدِيعَةِ؛ لأنْ المُودَعَ مُفَرِّطٌ، لكونِه أذِنَ له في قَضاءٍ يُبَرِّئُه مِن الحَقِّ ولم يَبْرَأْ بدَفْعِه، فكان ضامِنًا، سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه. وإن أمَرَه بدَفْعِه وَدِيعَةً، لم يَحْتَجْ إلى بَيِّنةٍ؛ لأنّ المُودَعَ يُقْبَلُ قَوْلُه في التّلَفِ والرَّدِّ، فلا فائِدَةَ في الإشْهادِ عليه. فعلى هذا، يَحْلِفُ المُودَعُ ويَبرَأُ، ويَحْلِفُ الآخَرُ ويَبْرَأُ أيضًا، ويكونُ ذَهابُها مِن مالِكِها. وإنِ ادَّعَى عليه خِيانَةً أو تَفْرِيطًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك، أشْبَهَ الوَكِيلَ.

стр. 7705

وَإِنْ قَال: لَمْ تُودِعْنِي. ثُمَّ أقَرَّ بِهَا، أوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنةٍ، فَادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ أقَامَ بِهِ بَيِّنةً. وَيَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ بَيِّنتُهُ. ــ ٢٤٥٥ - مسألة: (وإن قال: لم تُودِعْني. ثم أقَرَّ بها، أو ثَبَتَتْ ببَيِّنةٍ، ثم ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ) قَوْلُه (وإن أقام به بَيِّنَةً. ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ بَيِّنتُه) إذا ادَّعَى على رجلٍ وَدِيعَةً، فأنْكَرَ، ثم ثَبَت أنَّه أوْدَعَه،

стр. 7706

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال: أوْدَعْتَنِي، وهَلَكَتْ مِن حِرْزي. لم يُقْبَلْ قَوْلُه، وعليه ضَمانُها. وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ، وإسحاق، وأَصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه مُكذِّبٌ لإنْكارِه الأوَّلِ، ومُعْتَرِفٌ على نَفْسِه بالكَذِبِ المُنافِي للأمانَةِ. وإن أقَرَّ صاحِبُها له بتَلَفِها مِن حِرْزِه قبلَ جَحْدِها، فلا ضَمانَ عليه. وإن أقَرَّ أنَّها تَلِفَتْ بعدَ جُحُودِه، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّه خَرَج بجُحُودِه عن الأمانَةِ، فصار ضامِنًا، كمَن طُولِبَ بالوَدِيعَةِ فامْتَنَعَ مِن رَدِّها. وكذلك إن أقام بَيِّنةً بتَلَفِها بعدَ الجُحُودِ؛ لذلك. وإن شَهِدَتْ بتَلَفِها قبلَ الجُحُودِ

стр. 7707

وَإنْ قَال: مَالكَ عِنْدِى شَيْءٌ. قُبِلَ قَوْلُهُ في الرَّدِّ والتَّلَفِ. ــ من الحِرْزِ، فهل تُسْمَعُ بيِّنتُه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تُسْمَعُ؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ لها بإنْكارِه الإيداعَ. والثَّاني، تُسْمَعُ؛ لأنَّ صاحِبَها لو أقرَّ بذلك سَقَط عنه، فتُسْمَعُ البَيِّنةُ به، فإنْ شَهِدَتْ بالتَّلَفِ من الحِرْزِ ولم تُعَيِّنْ قبلَ الجُحُودِ ولا بعدَه، واحْتَمَلَ الأمْرَين، لم يَسْقُطِ الضَّمانُ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُه، فلا يَنْتَفِي بأمْرٍ مُتَرَدِّدٍ. ٢٤٥٦ - مسألة: (وإن قال: ما لَكَ عندِي شيءٌ . قُبِل قَوْلُه في الرَّدِّ والتَّلَفِ) إذا قامت بَيِّنةٌ بالإِيداعِ، أو أقَرَّ به المُودَعُ بعدَ قَوْلِه: ما لَكَ عندِي شيءٌ -أو- لا حَقَّ لك عليَّ. ثم قال: ضاعَت مِن حِرْزِي. كان القولُ قَوْلَه مع يَمِينِه، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ قَوْلَه لا يُنافِي ما شَهِدَتْ به البَيِّنةُ، ولا يُكَذِّبُها، فإنَّ مَن تَلِفَتِ الوَدِيعَةُ مِن حِرْزِه بغيرِ تَفْرِيطِه لا شيءَ لمالِكِها عندَه، ولا يَسْتَحِقُّ عليه شيئًا.

стр. 7708

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن نَوَى الخِيانَةَ في الوَدِيعَةِ بالجُحُودِ أو الاسْتِعْمالِ، ولم يَفعَل ذلك، لم يَصِرْ ضامِنًا؛ لأنَّه لم يُحْدِث في الوَدِيعَةِ قولًا ولا فِعْلًا، فلم يَضْمَن، كما لو لم يَنْو. وقال ابنُ سُرَيجٍ: يَضْمَنُها؛ لأنَّه أمْسَكَها بنِيَّةِ الخِيانةِ، فضَمِنَها، كاللُّقَطَةِ بقَصْدِ التَّمْليكِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «عُفِيَ لأُمَّتِي عنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ، وما حَدَّثَتْ به أنْفسَها، ما لمْ تَتَكَلَّمْ بِه، أوْ تعْمَل بِهِ» (١). ولأنَّه لم يَخُنْ فيها بقولٍ ولا فِعْلٍ، فلم يَضْمَنْها، كالذي لم يَنْو، وفارَقَ المُلْتَقِطَ بقَصْدِ التَّمْلِيكِ، فإنه عَمِل فيها (٢) بأخْذِها ناويًا للخِيانَةِ فيها، فوَجَبَ الضمان بفِعْلِه المَنْويِّ، لا بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ولو الْتَقَطَها قاصِدًا لتَعْرِيفِها، ثم نَوَى بعدَ ذلك إمْساكَها لنَفْسِه، كانت كمسْأَلتِنا. وإن أخْرَجَها بنِيِّةِ الاسْتِعْمالِ، فلم يَسْتَعْمِلْها، ضَمِنَها. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُها إلَّا بالاسْتِعْمالِ؛ لأنَّه لو أخْرَجَها لنَقْلِها لم يَضْمَنْها. ولنا، أنَّه تَعَدَّى بإخْراجِها، أشْبَهَ ما لو اسْتَعْمَلَها، بخِلافِ ما إذا نَقَلَها.

стр. 7709

وَإِنْ مَاتَ الْمُودَعُ، وَادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ. وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ. قَبْلَ إِمْكَانِ رَدِّهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا، وَبَعْدَهُ يَضْمَنُهَا، في أحَدِ الْوَجْهَينِ. ــ ٢٤٥٧ - مسألة: (وإن مات المُودَعُ، فادَّعَى وارِثُه التَّسْلِيمَ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ) لأنَّ صاحِبَها لم يَأْتَمِنْه عليها، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه عليه، بخِلافِ المُودَعِ، فإنه ائْتَمَنَه، فقُبِلَ قَوْلُه بغيرِ بَيِّنةٍ. ٢٤٥٨ - مسألة: (فإن تَلِفَتْ عندَه قبلَ إمْكانِ رَدِّها، لم يَضْمَنْها)

стр. 7710

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه لا تَفْرِيطَ منه ولا تَعَدٍّ. وإن كان بعدَ الإمْكانِ فتَلِفَتْ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَضْمَنُها؛ لتَأخُّرِ رَدِّها مع إمْكانِه. والآخَرُ، لا يَضْمَنُها؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ في إِثْباتِ يَدِه عليهِا، إنَّما حَصَلَتْ في يَدِه بغيرِ فِعْلِه.

стр. 7711

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا مات المُودَعُ وعندَه وَدِيعَةٌ مَعْلُومَةٌ بعَينِها، فعلى وَارِثِه تَمْكِين صاحِبِها مِن أخْذِها، فإن لم يَفْعَلْ، ضَمِن كالمُودَعِ، فإن لم يَعْلَمْ صاحِبُها بمَوْتِ المُودَعِ، فعلى الوَرَثَةِ إعْلامُه، وليس لهم إمْساكها قبلَ أن يَعْلَمَ بها رَبُّها؛ لأنَّه لا يَأْتَمِنهم عليها، وإنّما حَصَل مال غيرِهم بأيدِيهم، بمَنْزِلةِ مَن أطارَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثوْبًا وعَلِمَ به، فعليه إعْلامُ صاحِبِه به، فإن أخَّرَ (١) ذلك مع الإمْكانِ ضَمِن. كذا ها هنا.

стр. 7712

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا تَثْبُتُ الوَدِيعَة إلَّا بإقْرارٍ مِن المَيِّتِ أو وَرَثَتِه، أو بَيِّنةٍ. وإن وُجِدَ عليها مَكْتوبٌ وَدِيعَةً، لم يكنْ حُجَّةً عليهم، لجَوازِ أن يكونَ الوعاء كانت فيه وَدِيعَةٌ قبلَ هذه، أو كان وَدِيعَةً لمَوْرُوثِهم عندَ غيرِه، أو كانت وَدِيعَةً فابْتاعَها، وكذلك لو وَجَد في رُزْمَانَجِ (١) أبيه أنَّ لفلانٍ عندِي وَدِيعةً كذا، لم يَلْزَمْه بذلك؛ لجَوازِ أن يكون قد رَدَّها ونَسِيَ الضَّرْبَ على ما كَتَب، أو غيرِ ذلك. وهذا قولُ أصْحابِ الشافعيِّ. وحَكَى القاضي أبو الحُسَينِ، أنَّ المَذْهَبَ وُجُوبُ الدَّفْعِ إلى مَن هو مكْتوبٌ باسْمِه. أوْمَأ إليه أحمدُ، كما لو وَجَد في رُزْمَانَجِ أبيه دَينًا على غيرِه بخَطِّ أبيه، كان له أن يَعْمَلَ على خَطِّه، ويَحْلِفَ على اسْتِحْقاقِه بالخَطِّ، فإذا وَجَد دَينًا عليه كان أَوْلَى وأحْوطَ.

стр. 7713

وَإذَا ادَّعَى الْوَدِيِعَةَ اثْنَانِ، فَأقَرَّ بِهَا لِأحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَحْلفُ الْمُودَعُ أيضًا. ــ ٢٤٥٩ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الوَدِيعَةَ اثْنان، فأقَرَّ بها لأحَدِهما، فهي له مع يَمِينِهِ) لأنَّ يدَه دَلِيلُ (١) مِلْكِه، بدَلِيلِ أنَّه لو ادَّعاها لنَفْسِه،

стр. 7714

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان القولُ قَوْلَه، فكذلك إذا أقَرَّ بها لغيرِه، ويَلْزَمُه أن يَحْلِفَ للآخَرِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لحَقِّه، فإن حَلَفَ بَرِئَ، وإن نَكَلَ لَزِمَه أن يَغْرَمَ له قِيمَتَها؛ لأنَّه فَوَّتَها عليه. وكذلك لو أقَرَّ له بها بعدَ أن أقَرَّ بها للأوَّلِ، فإنَّها تُسَلَّمُ إلى الأوَّلِ، ويَغْرَمُ قِيمَتَها للثانِي. نَصَّ عليه أحمدُ.

стр. 7715

وَإِنْ أَقَرَّ بهَا لَهُمَا، فَهِيَ لَهُمَا، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ قَال: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا. حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَيُقْرَعُ بَينَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا. ــ ٢٤٦٠ - مسألة: (وإن أقَرَّ بها لهما) جَمِيعًا، فهي بينَهما، ويَلْزَمُه اليَمِينُ لكلِّ واحِدٍ منهما في نِصْفِها (وإن قال: لا أعْرِفُ صاحِبَها) فاعْتَرَفا له بجهْلِه بعَين المُسْتَحِقِّ لها، فلا يَمِينَ عليه. وإنِ ادَّعَيا مَعْرِفَتَه، لَزِمَتْه يَمِينٌ واحِدَةٌ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك. وقال أبو حنيفةَ: يَحْلِفُ يمِينَينِ، كما لو أنْكَرَهما. ولَنا، أنَّ الذي يُدَّعَى عليه أمْرٌ واحِدٌ، وهو العِلْمُ بعَينِ المالِكِ، فكَفاه يَمِينٌ واحِدَةٌ، كما لو ادَّعَياها فأقَرَّ بها لأحَدِهما، ويُفارِقُ ما إذا أنْكَرَهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَدَّعِي عليه أنَّها له، فهما دَعْوَيان، فإن حَلَف أَقْرِعَ بينَهما، وسُلِّمَتْ إلى مَن تَقَعُ له الُقْرعَةُ. وقال الشافعيُّ: يَتَحالفان، ويُوقَفُ الشيءُ بينَهما حتى يَصْطَلِحا. وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ المالِكَ منهما. وللشافعيِّ قولٌ آخَرُ، أنَّها تُقْسَمُ بينَهما، كما لو أقَرَّ بها لهما. وهذا الذي حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ أبي لَيلَى. وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحِبَيه فيما حُكِى عنهم، قالوا: ويَضْمَنُ المُودَعُ

стр. 7716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نِصْفَها لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه فَوَّتَ ما اسْتُودِعَ بجَهْلِهِ. ولَنا، أنَّهما تَساوَيا في الحَقِّ فيما ليس بأيديِهما، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينَهما، كالعَبْدَين إذا أعْتَقَهما في مَرَضِه، فلم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما، أو كما لو أرادَ السَّفَرَ بإحْدَى نِسائِه. وقولُ أبي حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ العَينَ لم تَتْلَفْ، ولو تَلِفتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه، وليس في جَهْلِهِ تفْرِيطٌ، إذْ ليس في وُسْعِه أن لا يَنْسَى ولا يَجْهَلَ.

стр. 7717

وَإِنْ أوْدَعَهُ اثْنَانِ مَكِيلًا أوْ مَوْزُونًا، فَطَلَبَ أحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، سَلَّمَهُ إلَيهِ. وَإنْ غُصِبَتِ الْوَدِيعَةُ، فَهَلْ لِلْمُودِعِ الْمُطَالبَةُ بِهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ. ــ ٢٤٦١ - مسألة: (وإن أوْدَعَه اثْنان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فطَلَبَ أحَدُهما نَصِيبَه، سَلَّمَه إليه) لأنَّ قِسْمَتَه مُمْكِنَةٌ بغيرِ غَبْنٍ ولا ضَرَرٍ. اخْتارَه أبو الخَطّابِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَجُوزُ في غَيبَةِ الشَّرِيكِ، إلَّا أن يَحْكُمَ بها حاكِمٌ. قاله القاضي. ٢٤٦٢ - مسألة: (وإن غُصِبَتِ الوَدِيعَةُ، فهل للمُودِعِ المُطالبَةُ بِهَا؟ على وَجْهَين) أحَدُهما، له المُطالبَةُ بها؛ لأنّه مأْمُورٌ بحِفْظِها، وذلك

стр. 7718

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن حِفْظِها. والثَّاني، ليس له ذلك؛ لأنَّه لم يُؤْمَرْ به. ولا ضَمانَ على المُودَعِ، سواءٌ أُخِذَتْ مِن يَدِه قَهْرًا، أو أُكْرِهَ على تَسْلِيمِها فسَلَّمَها بنَفْسِه؛ لأنَّ الإكْراهَ عُذْرٌ له يُبيحُ دَفْعَها، فلم يَضْمَنْها، كما لو أُخِذَتْ مِن يَدِه قَهْرًا. والله أعلمُ.

стр. 7719

بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَهِيَ الْأرْضُ الدَّاثِرَةُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا مُلِكَتْ. ــ بابُ إحْياءِ المَوَاتِ (وهي الأرْضُ الدّاثِرَةُ التي لا يُعْلَمُ أنَّها مُلِكَتْ) المَواتُ: الأرْضُ الدّارِسَةُ. تُسَمَّى مَيتَةً ومَواتًا ومَوَتَانًا، بفَتْحِ المِيمِ والواو. والمُوتانُ: بضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الواو: المَوْتُ الذَّرِيعُ. ورجل مَوْتَانُ القَلْبِ، بفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الواو، يَعْنِي أعْمَى القَلْبِ، لا يَفْهَمُ. والأصْلُ في إحْياءِ المَواتِ ما روَى جابِرٌ، ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ» (١). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيِحٌ. ورَوَى سعيدُ بنُ زيدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فهِيَ لَهُ» (٢). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ. وروَى مالِكٌ،

стр. 7720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في «مُوَطَّئِه»، وأبو داودَ في «سُنَنِه» (١) عن عائشةَ مِثْلَه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وهو مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مُتَلَقَّى بالقَبُولِ عندَ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ وغيرِهم. وروَى أبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» (٢) عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أحْيا أَرْضًا لَيسَتْ لِأحَدٍ فَهُوَ أحَقُّ بِهَا». قال عُرْوَةُ: وقَضَى بذلك عُمَرُ بنُ الخَطّابِ في خِلافتِه. وعامةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ على أنَّ المَواتَ يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في شُرُوطِه.

стр. 7721

فَإنْ كَانَ فِيِهَا آثارُ الْمِلْكِ وَلَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ. ــ ٢٤٦٣ - مسألة: (فإن كان فيها آثارُ المِلْكِ ولا يُعْلَمُ لها مالِكٌ، ففيه رِوايَتانِ) وجملةُ ذلك، أن المَواتَ قِسْمان؛ أحَدُهما، ما لم يَجْرِ عليه مِلْكٌ لأحَدٍ ولم يُوجَدْ فيه أثَرُ عِمارَةٍ، فهذا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، بغيرِ خِلافٍ بينَ القائِلِين بالإحْياءِ؛ لأنَّ الأخْبارَ المَرْويَّةَ مُتَناولَةٌ له. القِسْمُ الثانِي، ما جَرَى عليه مِلْكٌ، وهو ثَلاثةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، ما له مالِكٌ مُعَيَّنٌ، وهو ضَرْبان؛ أحَدُهما، ما مُلِك بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، فهذا لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ ما عُرِف بمِلْكِ مالِكٍ غيرِ مُنْقَطِعٍ، أنَّه لا يَجُوزُ إحياؤُه لأحَدٍ غيرِ أرْبابِه. الثانِي، ما مُلِك بالإحْياءِ ثم تُرِك حتى دَثَر وعاد مَواتًا، فهو كالذي قبلَه سَواءً.

стр. 7722

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال مالِكٌ: تُمْلَكُ؛ لعُمُومِ قَوْلِه: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ». ولأنَّ أصْلَ هذه الأرْضِ مُباحٌ، فإذا تُرِكَتْ حتى تَصِيرَ مَواتًا، عادَتْ إلى الإباحَةِ، كمَن أخَذَ ماءً مِن نَهْرٍ ثم رَدَّه فيه. ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ يُعْرَفُ مالِكُها، فلم تُمْلَكْ بالإحْياءِ، كالتي مُلِكَتْ بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، والخَبَرُ مُقَيَّدٌ بغيرِ المَمْلُوكِ، بقَوْله في الرِّوايَةِ الأخْرَى: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً لَيسَتْ لأحَدٍ». وقَوْلِه: «مِنْ غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ» (١). وهذا يُوجِبُ تَقْيِيدَ مُطْلَقِ حَدِيثِه. وقال هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، في تَفْسِيرِ قَوْلِه ﵇: «لَيسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»: والعِرْقُ الظّالِمُ أن يَأْتِيَ الرجلُ الأرْضَ المَيتَةَ لغيرِه، فيَغْرِسَ فيها. رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ في «سُنَنِه». ثم الحديث مَخْصُوصٌ بما مُلِك بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ. ولأنَّ سائِرَ الأمْوالِ لا يَزُولُ المِلْكُ عنها بالتَّرْكِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأمْلاكِ إذا تُرِكَتْ حتى

стр. 7723

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَشَعَّثَتْ. وما ذَكَرُوه يَبطُلُ بالمَواتِ إذا أحْياه إنْسانٌ ثم باعَه، فتَرَكَه المُشْتَرِي حتى عاد مَواتًا، وباللُّقَطَةِ إذا مَلَكَها ثم ضاعَتْ منه، ويُخالِفُ ماءَ النَّهْرِ، فإنَّه اسْتُهْلِكَ. النَّوْعُ الثانِي، ما يُوجَدُ فيه آثارُ مِلْكٍ قَدِيمٍ جاهِلِيٍّ، كآثارِ الرُّومِ ومَساكِنِ ثَمُودَ ونحوهم، فهذا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَين؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، ولأنَّ ذلك المِلْكَ لا حُرْمَةَ له؛ لِما روَى طاوُسٌ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «عَادِيُّ الأرْضِ للهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ بَعْدُ». رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه»، وأبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» (١). وقال: عادِيُّ الأرْضِ؛ التي كان بها ساكِنٌ في آبادِ الدَّهْرِ، فانْقَرَضُوا، فلم يَبْقَ منهم أنِيسٌ، وإنَّما نَسَبَها إلى عادٍ؛ لأنَّهم كانُوا مع تَقَدُّمِهِم ذوي قُوَّةٍ وبَطْشٍ وآثارٍ كَثِيرةٍ، فنُسِبَ كلُّ أثَرٍ قَدِيمٍ إليهم. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا تُمْلَكُ؛ لأنها إمّا لمُسْلم أو ذِمِّيٍّ أو بَيتِ المالِ، أشْبَهَ

стр. 7724

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما لو تَعَيَّنَ مالِكُه. قال شيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أنَّ كلَّ ما فيه أثَرُ المِلْكِ، ولم يُعْلَمْ زَوالُه قبلَ الإسْلامِ أنَّه لا يُمْلَكُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ المسلمين أخَذُوه عامِرًا فاسْتَحَقُّوهْ، فصار مَوْقُوفًا بوقْفِ عُمَرَ له، فلم يُمْلَكْ، كما لو عُلِم مالِكُه. النَّوْعُ الثالثُ، ما جَرَى عليه المِلكُ في الإسْلامِ لمُسلِمٍ أو ذِمِّيٍّ غيرِ مُعَيَّنٍ، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ. وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، نَقَلَها عنه أبو داودَ، وأبو الحارثِ؛ لِما روَى كَثِيرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عَوْفٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَوَاتًا في غَيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» (٢).

стр. 7725

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقَيَّدَه بكَوْنِه في غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ. ولأن هذه الأرْضَ لها مالِكٌ، فلم يَجُزْ إحْياؤُها، كما لو كان مُعَيَّنًا، فإنَّ مالِكَها إن كان له وَرَثةٌ، فهي لهم، وإن لم يَكُنْ له وَرَثَةٌ، وَرِثَه المسلمون. والثانيةُ، أنَّها تُمْلَكُ بالإحْياءِ. نَقَلَها صالِحٌ وغيرُه. وهي مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالِكٍ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّها أرْضٌ مَواتٌ لا حَقَّ فيها لقَوْمٍ بأعْيانِهم، أشْبَهَتْ ما لم يَجْرِ عليه مِلْكُ مالِكٍ، ولأنَّها إن كانت في دارِ الإسْلامِ، فهي كلُقَطَةِ دارِ الإسْلامِ، وإن كانت في دارِ الكُفْرِ، فهي كالرِّكازِ.

стр. 7726

وَمَنْ أحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ، مُسْلِمًا كَانَ أو كَافِرًا، في دَارِ الإسْلَامِ وَغَيرِهَا. ــ ٢٤٦٤ - مسألة: (ومَنْ أحيا أرْضًا مَيتَةً فهي له) للأخْبارِ التي رَوَيناها (مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، في دارِ الإسْلامِ وغيرِها) لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأن عامِرَ دارِ الحَرْبِ إنَّما يُمْلَكُ بالقَهْرِ والغَلَبةِ، كسائِرِ أمْوالِهم. فأمّا ما عُرِف أنَّه كان مَمْلُوكًا في دارِ الحَرْبِ، ولم يُعْلَمْ له مالِكٌ مُعيَّنٌ، فهو على الرِّوايَتَين. فإن قِيلَ: هذا مِلْكُ كافِرٍ غيرُ مُحْتَرَم، فأشْبَهَ دِيارَ عادٍ، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه ﵇: «عَادِيُّ الأرْضِ لله ولِرَسُولِهِ، ثمَّ هِيَ لَكمْ بَعْدُ». ولأنَّ الرِّكازَ مِن أمْوالِهم، ويَمْلِكه واجِدُه، فهذا

стр. 7727

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أوْلَى. قُلْنا: قَوْلُه: «عَادِيُّ الأرْضِ». يَعْنِي ما تَقَدَّمَ مِلْكُه ومَضَتْ عليه الأزْمانُ، وما كان كذلك فلا حُكْمَ لمالِكِه. فأمّا ما قَرُب مِلْكُه، فيَحْتَمِلُ أنَّ له مالِكًا باقِيًا وإن لم يَتَعَيَّنْ، فلهذا قُلْنا: لا يُمْلَكُ على إحْدَى الرِّوايَتَين. وأمّا الرِّكازُ، فإَّنه يُنْقَلُ ويُحَوَّلُ، وهذا يُخالِفُ الأرْضَ، بدَلِيلِ أنَّ لُقَطَةَ دارِ الإسْلامِ تُمْلَكُ بعدَ التَّعْرِيفِ، بخِلافِ الأرْضِ

стр. 7728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا فَرْقَ بينَ المُسْلِمِ والذِّمِّيِّ في الإحْياءِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال مالِكٌ: لا يَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بالإحْياءِ في دارِ الإسْلام. قال القاضي: وهو مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أصحابِنا؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : «مَوَتَان الأرْضِ لِلّهِ ولِرَسُولِهِ، ثمّ هِيَ لَكمْ مِنِّي» (١). فجَمَعَ المَوَتانَ، ثم جَعَلَه للمسلمين. ولأن مَوَتانَ الأرْضِ مِن حُقُوقِها، والدّارَ للمسلمين، فكان مَواتها لهم، كمَرافِقِ المَمْلُوكِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ» (٢). ولأنَّ هذه جِهَةٌ مِن جهاتِ التَّملِيكِ، فاشْتَرَكَ فيها المُسْلِمُ والذِّمِّيُّ، كسائِرِ جِهاتِه. وحديثُهُم لا

стр. 7729

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَعْرِفُه، إنّما نَعْرِفُ قَوْلَه: «عَادِيُّ الأرْضِ لِلّه وَرَسُولِه ثُمَّ هِيَ لَكُمْ بَعْدُ، وَمَنْ أحْيَا مَوَاتًا مِنَ الأرْضِ فَلَهُ رَقَبَتُها». هكذا رَواه (١) سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، وهو مُرْسَلٌ، رَواه طاوُسٌ، عن النبيِّ ﷺ . ثم لا يَمْتَنِعُ أن يُرِيدَ بقَوْلِه: «هِيَ لَكُمْ». أي لأهْلِ دارِ الإسْلامِ. والذِّمِّيُّ مِن أهْلِ

стр. 7730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدّارِ، تَجْرِي عليه أحْكامُها. وقَوْلُهم: إنَّها مِن حُقُوقِ دارِ الإسْلامِ. قُلْنا: هو مِن أهْلِ الدّارِ، فيَمْلِكُها كما يَمْلِكُها بالشِّراءِ، ولأنَّه يَمْلِكُ مُباحاتِها مِن الحَشِيشِ والخَطَبِ والصُّيُودِ والرِّكازِ والمَعْدِنِ واللُّقَطَةِ، وهي مِن مَرافِقِ دارِ الاسْلامِ، فكذلك المَواتُ.

стр. 7731

بإِذْنِ الإِمَام أوْ غَيرِ إذْنِهِ إلا مَا أحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أرْضِ الْكُفَّارِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيهَا. ــ ٢٤٦٥ - مسألة: ويَمْلِكُه (بإذْنِ الإِمَامِ وغيرِ إذْنِه) وجملةُ ذلك، أنَّ إحْياءَ المَواتِ لا يَفْتَقِرُ إلى إِذْن الإمامِ. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يَفْتَقِرُ إلى إذْنِه؛ لأنَّ للإمام مَدْخَلًا في النَّظَرِ في ذلك، بدَلِيلِ مَن تَحَجَّرَ مَواتًا فلم يُحْيِه، فإنَّه يُطالِبُه بَالإحْياءِ أو التَّرْكِ، فافْتَقَرَ إلى إِذنِه، كمالِ بَيتِ المالِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ». ولأنَّ هذه عَيْنٌ مُباحَةٌ، فلا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُها إلى إذْنِ الإمامِ، كأخْذِ الحَشِيشِ والحَطَبِ، ونَظَرُ الإمامِ في ذلك لا يَدُلُّ على اعْتِبارِ إذْنِه، ألا تَرَى أنَّ مَن وَقَف في مَشْرَعةٍ، طالبَه الإمامُ أن يَأْخُذَ حاجَتَه ويَنْصَرِفَ، ولم يَفْتَقِرْ ذلك إلى إذْنِه. وأمّا مالُ بَيتِ المالِ فهو مَمْلُوكٌ للمسلمين، وللإمام تَعْيِين مَصارِفِه وتَرْتِيبُها، فافْتَقَرَ إلى إذْنِه، بخِلافِ مسألتِنا، فإنَّ هذا مُباحٌ، فمَن سَبَق إليه كان أحَقَّ النّاسِ به، كسائِرِ المُباحاتِ. ٢٤٦٦ - مسألة: (إلَّا ما أحْياه مُسْلِمٌ مِن أرْضِ الكُفّارِ التي صُولِحُوا عليها) وجملة ذلك، أنَّ جَمِيعَ البلادِ فيما ذَكَرْنا سَواءٌ، المَفْتوحُ عَنْوَةً، كأرْضِ الشّام والعِراقِ، وما أسْلَمَ أهْلُه عليه كالمَدِينَةِ، وما صُولِحَ أهْلُه على أنَّ الأرْضَ للمسلمين؛ كأرْضِ خَيبَرَ، إلَّا الذي صُولِحَ أهْلُه على أن الأرْضَ لهم ولَنا الخَراجَ عنها، فإن أصْحابَنا قالوا: لو دَخَل

стр. 7732

وَمَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، لَمْ يُمْلَكْ بِالْإحْيَاءِ. وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ. ــ إليها مُسْلِمٌ فأحْيا فيها مَوَاتًا لم يَمْلِكْه؛ لأنَّهم صُولِحُوا في بِلادِهم، فلا يَجُوزُ التَّعرُّضُ لشيءٍ منها، عامِرًا كان أو مَوَاتًا؛ لأنَّ المَوَاتَ تابعٌ للبَلَدِ، فإذا لم يَمْلِكْ عليهم البَلَدَ لم يَمْلِكْ مَوَاتَه. ويُفارِقُ دارَ الحَرْبِ، حيث يَمْلِكُ مَواتَها؛ لأنَّ دارَ الحَرْبِ على أصْلِ الإباحَةِ، وهذه صالحْناهم على تَرْكِها لهم. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها مَن أحْياها؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّها مِن مُباحَاتِ دارِهم، فجاز أن يَمْلِكَها مَن وُجِد منه سبَبُ تَمَلُّكِها، كالحَشِيشِ والحَطَبِ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه ليس في السَّوادِ مَواتٌ. يَعْنِي سَوادَ العِراقِ. قال القاضي: هو مَحْمُولٌ على العامِرِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ قال ذلك لكونِ السَّوادِ كان مَعْمُورًا كلَّه في زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطّاب، حينَ أخَذَه المسلمون مِن الكُفّارِ، حتى بَلَغنا أنَّ رَجُلًا منهم (١) سَأل أَن يُعْطَى خَرِبَةً، فلم يَجِدُوا له خَرِبةً فقال: إنَّما (١) أرَدْتُ أن أُعْلِمَكم كيف أخَذْتُمُوها مِنّا. وإذا لم يكنْ فيها مَواتٌ حينَ مَلَكَها المسلمون، لم يَصِرْ فيها مَواتٌ بعدَه؛ لأنَّ ما دَثَر مِن أمْلاكِ المسلمين لم يَصِرْ مَواتًا، على إحْدَى الرِّوايَتَين. ٢٤٦٧ - مسألة: (وما قَرُب مِن العامِرِ وتَعَلَّقَ بمَصالِحِه، لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ. فإن لم يتَعَلَّقْ بمَصالِحه، فعلى رِوَايَتَينِ) كلُّ ما تعَلَّقَ بمَصالِح

стр. 7733

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العامِرِ؛ مِن طُرُقِه، ومَسِيلِ مائِه، ومُطَّرَحِ قُمامَتِه، ومُلْقَى تُرابِه، وآلاتِه، لا يَجُوزُ إحْياوه، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ. وكذلك ما تعَلَّقَ بمَصالِحِ القَرْيَةِ؛ كفِنائِها، ومَرْعَى ماشِيَتِها، ومُحْتَطبِها، وطُرُقِها، ومَسِيلِ مائِها، لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، لا نَعْلَمُ فيه أيضًا خِلافًا بينَ أهلِ العِلْم. وكذلك حَرِيمُ البِئْرِ والنَّهْرِ والعَينِ، وكلُّ مَمْلُوكٍ لا يَجُوزُ إحْياءُ ما تعَلَّقَ بمَصالِحِه؛ لقولِه ﵊: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً في غَيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِيَ لَهُ» (١). مَفْهُومُه أنَّ ما تَعَلَّق به حَقُّ مُسْلِمٍ لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ. ولأنَّه تابعٌ للمَمْلُوكِ، ولو جَوَّزْنا إحياءَه، لبَطَلَ المِلْكُ في العامِرِ علي أهْلِه. وذَكَر القاضي أنَّ هذه المَرافِقَ لا يَمْلِكُها المُحْيي

стр. 7734

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالإحْياءِ، لكنْ هو أحَقُّ بها مِن غيرِه؛ لأنَّ الإحْياءَ الذي هو سَبَبُ المِلْكِ لم يُوجَدْ فيها. وقال الشافعيُّ: يَمْلِكُ بذلك. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ في حَرِيمِ البِئرِ؛ لأنَّه مَكانٌ اسْتَحَقَّه بالإحْياءِ، فمَلَكَه، كالمُحْيِي، ولأنَّ مَعْنَى المِلْكِ مَوْجُودٌ فيه؛ لأنَّه يَدْخُلُ مع الدّارِ في البَيعِ، ويَخْتَصُّ به صاحِبُها. فأمّا ما قَرُب مِن العامِرِ ولم يتَعَلَّقْ بمَصالِحِه، فيَجُوزُ إحياؤُه، في إحْدَى الرِّوايَتَين. قال أحمدُ في رِوايَةِ أبي الصَّقْرِ، في رَجُلَين أحْيَيا قِطْعَتَين مِن مَواتٍ، وبَقِيَتْ بينَهما رُقْعَةٌ، فجاء رجلٌ ليُحْيِيَها، فليس لهما مَنْعُه. وقال في جَبّانَةٍ بينَ قَرْيَتَينِ: مَن أحْياها فهي له. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لعُمُومِ قَوْلِه ﵇: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ».

стр. 7735

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأن النبيَّ ﷺ أقْطَعَ بِلال بنَ الحارِثِ العَقِيقَ (١)، وهو يَعْلَمُ أنه بينَ (٢) عِمارَةِ المَدِينَةِ. ولأنَّه مَواتٌ لم تتَعَلَّقْ به مَصْلَحَةُ العامِرِ، فجاز إحْياؤُه، كالبَعِيدِ. والثانيةُ، لا يَجُوزُ إحْياؤُه. وبه قال أبو حنيفةَ، واللَّيثُ؛ لأنَّه في مَظِنَّةِ تَعَلُّقِ المَصْلَحَةِ به، فإَّنه يَحْتَمِلُ أن يَحْتاجَ إلى فَتْحِ بابٍ في حائِطِه إلى فِنائِه ويَجْعَلَه طَرِيقًا، أو يَخْرَبَ حائِطُه فيَجْعَلَ آلاتِ البِناءِ في فِنائِه، وغيرِ ذلك، فلم يَجُزْ تَفْويت ذلك عليه، بخِلافِ البَعِيدِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّما يُرْجَعُ في القَرِيبِ والبَعِيدِ إلى العُرْفِ. وقال اللَّيثُ: حَدُّه غَلْوَةٌ (٣)، وهو [خُمْسُ خُمْسِ الفَرْسَخِ] (٤). وقال أبو حنيفةَ: حَدُّ البَعِيدِ هو الذي إذا وَقَفَ الرجلُ في أدْناه، فصاح بأعْلَى صَوْتِه، لم يَسْمَعْ أدْنَى أهْلِ المِصْرِ إليه. ولَنا (٥)، أنَّ التَّحْدِيدَ لا يُعْرَفُ إلَّا بالتَّوْقِيفِ، ولا يُعْرَفُ بالرَّأْي والتَّحَكُّمِ، ولم يَرِدْ مِن الشَّرْعِ تَحْدِيدٌ له، فوَجَبَ أن يُرْجَعَ في ذلك إلى العُرْفِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ، فقولُ مَن حَدَّدَ بهذا تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ،

стр. 7736

وَلَا تُمْلَكُ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ، كَالْمِلْحِ، وَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالْجَصِّ، بِالْإحْيَاءِ، وَلَيسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ. ــ وليس ذلك بأوْلَى مِن تَحْدِيدِه بشيءٍ آخَرَ، كمِيلٍ أو نِصْفِ مِيلٍ. وهذا التَّحْدِيدُ الذي ذَكَرُوه، واللهُ أَعلمُ، يَخْتَصُّ بما قَرُب مِن المِصْرِ أو القَرْيَةِ، ولا يَجُوزُ أن يكونَ حَدًّا لكلِّ ما قَرُب مِن عامِرٍ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى أنَّ مَن أحْيا أرْضًا في مَواتٍ، حَرُم إحْياءُ شيءٍ مِن ذلك المَواتِ على غيرِه، ما لم يَخْرُجْ عن ذلك الحَدِّ. ٢٤٦٨ - مسألة: (ولا تُمْلَكُ المَعادِنُ الظّاهِرَةُ؛ كالمِلْحِ، والقارِ، والكُحْلِ، والجَصِّ، والنِّفْطِ، بالإحْياءِ، وليس للإمامِ إقْطاعُه) وجملةُ ذلك، أنَّ المَعَادِنَ الظّاهِرَةَ، وهي التي يُوصَلُ إلى ما فيها مِن غيرِ مُؤْنَةٍ، يَنْتابُها النّاسُ، ويَنْتَفِعُون بها؛ كالمِلْحِ، والماءِ،

стр. 7737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والكِبْرِيتِ، والقِيرِ (١)، والمُومْيا (٢)، والنِّفْطِ، والكُحْلِ، والبِرامِ (٣)، والياقُوتِ، ومَقاطِعِ الطِّينِ، وأشْباهِ ذلك، لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، ولا يَجُوزُ إقْطاعُه لأحَدٍ مِن النّاسِ، ولا احْتِجارُه دُونَ المسلمين؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا بالمسلمين وتَضْيِيقًا عليهم، ولِما روَى أبو عُبَيدٍ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، بإسْنادِهِم (٤)، عن أَبْيَضَ بنِ حَمّالٍ، أنَّه اسْتَقْطَعَ رسولَ اللهِ ﷺ المِلْحَ الذي بمَأْرِبَ، فلَمّا وَلَّى، قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، أتَدْرِي ما أقْطَعْتَ له؟ إنَّما أقْطَعْتَه الماءَ العِدَّ (٥). فرَجَعَه منه. قال: قلتُ: يا

стр. 7738

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسولَ اللهِ، ما يُحْمَى (١) مِن الأرَاكِ؟ قال: «مَا لَمْ تَنَلْهُ أخْفَافُ الْإبِلِ». وهو حديثٌ غريبٌ. ورَواه سعيدٌ، قال: حَدَّثَنِي إسماعيلُ بنُ عَيّاشٍ، عن عَمْرِو بنِ قَيس المَأْرِبِيِّ (٢)، عن أبيه، عن أَبْيَضَ بن حَمّالٍ المَأْرِبِيِّ (٢) قال: اسْتَقْطَعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ مَعْدِنَ المِلْحِ بمَأْرِبَ، فأقْطَعَنِيه، فقِيلَ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه بمَنْزِلَةِ الماء العِدِّ. يَعْنِي أنَّه لا يَنْقَطِعُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «فَلا إذَنْ». ولأنَّ هذا يتَعَلَّقُ به مَصالِحُ المسلمين العامَّةُ، فلم يَجُزْ إحْياؤُه ولا إقْطاعُه، كمَشارِعِ الماءِ وطُرُقاتِ المسلمين. قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا مِن مَوَادِّ اللهِ الكريمِ، وفيضِ جُودِه الذي لا غَناءَ عنه، ولو مَلَكَه أحَدٌ بالاحْتِجارِ، مَلَك مَنْعَه، فضاق على النّاسِ، فإن أخَذَ العِوَضَ عنه أغْلاه، فخَرَجَ عن الوَضْعِ الذي وَضَعَه الله به مِن تَعْمِيمِ ذوي الحَوائِجِ مِن غيرِ كُلْفَةٍ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا.

стр. 7739

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فأمَّا المَعادِنُ الباطِنةُ، وهي التي لا يُوصَلُ إليها إلَّا بالعَمَلِ والمُؤْنَةِ؛ كمعادِنِ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَدِيدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، والبَلُّورِ، والفَيرُوزَجِ، فإن كانت ظاهِرَةً، لم تُمْلَكْ أيضًا بالإِحْياءِ؛ لِما ذكَرْنا في التي قبلَها. وإن لم تكنْ ظاهِرَةً، فحَفَرَها إنْسانٌ وأَظْهَرَها، لم يمْلِكْها بذلك في ظاهِرِ المَذْهَبِ، وظاهِرِ مَذْهَبِ الشافعيِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها بذلك. وهو قولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّه مَواتٌ لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بالعَمَلِ والمُؤْنَةِ، فمُلِكَ بالإِحْياءِ، كالأرْضِ، ولأنَّه بإظْهارِه تَهَيَّأَ للانْتِفاعِ به مِن غيرِ حاجةٍ إلى تَكْرارِ ذلك العَمَلِ، فأشْبَهَ الأرْضَ إذا أحْياها بماءٍ أو حاطَها. وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الإِحْياءَ الذي يُمْلَكُ به هو العِمارَةُ التي يتَهَيّأُ بها المُحْيَا للانْتِفاعِ مِن غيرِ تَكْرارِ عَمَلٍ، وهذا حَفْرٌ وتَخْرِيبٌ يَحْتاجُ إلى تَكْرارٍ عندَ كلِّ انْتِفاعٍ. فإن قِيلَ: فلو احْتَفَرَ

стр. 7740

فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا، مَلَكَهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ. ــ بِئْرًا مَلَكَها ومَلَكَ حَرِيمَها. قُلْنا: البِئْرُ تَهَيَّأتْ للانْتِفاعِ بها مِن غيرِ تَجْدِيدِ حَفْرٍ ولا عِمارَةٍ، وهذه المَعادِنُ تَحْتاجُ عندَ كلِّ انْتِفاعٍ إلى عَمَلٍ وعِمارَةٍ، فافْتَرقَا. قال أصْحابُنا: وليس للإِمامِ إقْطاعُها؛ لأنَّها لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ. والصَّحِيحُ جَوازُ ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أقْطَعَ بِلال بنَ الحارِثِ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ، جَلْسِيَّها وغَوْرِيَّها (١). رَواه أبو داودَ، وغيرُه (٢). ٢٤٦٩ - مسألة: (فإن كان بقُرْبِ السّاحِلِ مَوْضِعٌ إذا حَصَل فيه الماءُ صار مِلْحًا، مُلِك بالإِحْياءِ، وللإِمامِ إقْطاعُه) لأنَّه (٣) لا يُضَيِّقُ على المسلمين بإحْداثِه، بل يَحْدُثُ نَفْعُه بفِعْلِه، فلم يُمْنَعْ منه، كبَقِيَّةِ المَواتِ. وإحْياءُ هذا تَهْيِئَتُه لِما يَصْلُحُ له؛ مِن حَفْرِ تُرابِه، وتَمْهِيدِه، وفَتْحِ قَناةٍ إليه تَصُبُّ الماءَ فيه؛ لأنَّه يَتَهَيَّأُ بهذا للانْتِفاعِ به.
следующие страницы →