. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَأْسَه. أو: رَأيتُ زَيدًا وَجْهَه. اخْتَصَّ الضَّرْبُ بالرَّأْسِ، والرُّؤْيَةُ بالوَجْهِ. ومنه قولُ القائِلِ: طَرَحْتُ الثِّيابَ بعضَها فوقَ بعضٍ. فإنَّ الفَوْقِيَّةَ تَخْتَصُّ بالبَعْضِ مع عُمُومِ اللَّفْظِ الأوَّلِ. كذا ههُنا. وفارَقَ العَطْفَ، فإنَّ عَطْفَ الخاصِّ على العامِّ يَقْتَضِي تَأْكِيدَه، لا تَخْصِيصَه. وكلامُ أحمدَ: هم شُرَكاءُ. يَحْتَمِلُ أن يَعُودَ إلى أوْلادِ أوْلادِه، أي يَشْتَرِكُ أوْلادُ المَوْقُوفِ عليهما وأوْلادُ غيرِهما؛ لعُمُومِ لَفْظِ الواقِفِ فيهم، ويتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلامِه عليه؛ لقِيامِ الدَّليلِ عليه. ولو قال: على وَلَدِي فُلانٍ وفُلانٍ، ثم على المَساكِينِ. خُرِّجَ فيه مِن الخِلافِ مثلُ ما ذكَرْنا. قال شيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أن يَدْخُلَ في الوَقْفِ وَلَدُ ولَدِه؛ لأنَّنا قد ذَكَرْنا مِن قبلُ أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ أنَّ قولَه: وَقَفْتُ على وَلَدِ وَلَدِي. يتَناوَلُ نَسلَه وعاقِبَتَه كلَّها.
فصل: ومَن وَقَف على أوْلادِه أبي أوْلادِ غيرِه، وله حَمْلٌ، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا قبلَ انْفِصالِه؛ لأنَّه لم تَثْبُتْ له أحْكامُ الدُّنْيا قبلَ انْفِصالِه. وقال أحمدُ، في روايةِ جَعْفَرِ بنَ محمدٍ، في مَن وَقَف نَخْلًا على قَوْمٍ وما تَوالدُوا، ثم
стр. 8087
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُلِد مَوْلُودٌ: فإن كانتِ النَّخْلُ قد أُبِّرَتْ، فليس له فيه شيءٌ، وهو للأولِ، وإن لم تَكُنْ قد أُبِّرَتْ، فهو معهم. وإنَّما قال ذلك لأنَّها قبلَ التَّأْبِيرِ تَتْبَعُ الأصْلَ في البَيعِ، وهذا المَوْجُودُ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَه مِن الأصْلِ، فتَتْبَعُه حِصَّتُه مِن الثَّمرَةِ, كما لو اشْتَرَى ذلك النَّصِيبَ مِن الأصْلِ، وبعدَ التَّأْبيرِ لا تَتْبَعُ الأصْلَ، ويَسْتَحِقُّها مَن كان له الأصْلُ، فكانت للأولِ، لأنَّ الأصْلَ كان كلُّه له، فاسْتَحَقَّ ثَمَرَتَه, كما لو باعَ هذا النَّصِيبَ منها، ولم يَسْتَحِقَّ المَوْلُودُ منها شيئًا، كالمُشْتَرِي. وهكذا الحُكْمُ في سائِرِ الثَّمَرِ الظاهِرِ على الشَّجَرِ، لا يَسْتَحِقُّ المَوْلُودُ منه شيئًا، ويَسْتَحِقُّ مِمّا ظَهَر بعدَ ولادَتِه. وإن كان الوَقْفُ أرْضًا فيها زَرْعٌ يَسْتَحِقُّه البائِعُ، فهو للأوّلِ. وإن كان مِمّا يَسْتَحِقُّه المُشْتَرِي، فللمَوْلُودِ حِصَّتُه منه؛ لأنِّ المَوْلُودَ يَتَجَدَّدُ اسْتِحْقاقُه للأصْلِ كتَجَدُّدِ مِلْكِ المُشْتَرِي فيه.
стр. 8088
وَإِنْ وَقَفَ عَلَى عَقِبِهِ، أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ، أَوْ ذُرِّيَّتِهِ، دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ. وَنُقِلَ عَنْهُ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ. وَنُقِلَ عَنْهُ في الْوَصِيَّةِ، يَدْخُلُونَ فِيهِ. وَذَهَبَ إِلَيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهَذَا مِثْلُهُ.
ــ
٢٥٨٢ - مسألة: (وإن وَقَف على عَقِبِه، أو وَلَدِ وَلَدِه، أو ذُرِّيَّتِه) أو نَسْلِه (دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين) بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. وأمّا وَلَدُ البَناتِ، فقال الخِرَقِيُّ: لا يَدْخلُون فيه. وقد قال أحمدُ، في مَن وَقَف على وَلَدِه: ما كان مِن وَلَدِ البَناتِ، فليس لهم فيه شيءٌ. فهذا النَّصُّ يَحْتَمِلُ أن يُعَدَّى إلى هذه المسْألةِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مَقْصُورًا (١) في مَن وَقَف على وَلَدِه ولم يَذْكُر وَلَدَ وَلَدِه. وممَّن قال: لا يَدْخُلُ وَلَدُ البَناتِ في الوَقْفِ الذي على أوْلادِه وأوْلادِ أولادِه؛ مالكٌ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ. وكذلك إذا قال: على ذُرِّيَّتِه ونَسْلِه. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّهم يَدْخُلُون في الوَصِيَّةِ،
стр. 8089
وَقَال أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ، رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالى: يَدْخُلُونَ في الْوَقْفِ.
ــ
وذَهَب إليه بعضُ أصْحابِنا. وهذا مثلُه (وقال أبو بكر، وابنُ حامدٍ) يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَناتِ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ؛ لأنَّ البَناتِ أوْلادُه، فأوْلادُهُنَّ أوْلادُ أوْلادِه حَقِيقَةً، فيَجِبُ أن يَدْخُلُوا في اللَّفْظِ؛ لتَناوُلِه لهم، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُوحًا هَدَينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ﴾. إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ (١). وهو وَلَدُ بِنْتِه، فجَعَلَه مِن ذُرِّيَّتِه، ولذلك ذَكَر اللهُ تعالى قِصَّةَ إبراهيمَ وعيسى وموسى وإسماعيلَ وإدْرِيسَ، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ (٢). وعيسى معهم، ولَمّا قال اللهُ تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ (٣). دَخَل في التَّحْرِيمِ حَلائِلُ أبناءِ البَناتِ، وقال النبيُّ ﷺ للحَسَنِ: «إنَّ ابْنِي هذا
стр. 8090
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَيِّدٌ» (١). ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّهم لم يَدْخُلُوا في قولِ اللهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢). ولأنَّه لو وَقَف على وَلَدِ فُلانٍ وقد صاروا قَبِيلةً، دَخَل فيه ولَدُ البَنِين دُونَ ولَدِ البَناتِ، وكذلك قبلَ أن يَصِيرُوا قَبِيلَةً؛ لأنَّ وَلَدَ البَناتِ مَنْسُوبُونَ إلى آبائِهم دُونَ أُمَّهاتِهم، قال الشاعرُ:
بَنُونا بَنُو أبْنائِنا وبَناتُنا ... بَنُوهنَّ أبْناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
стр. 8091
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقولُهم: إنَّهم أوْلادُ أوْلادِه حَقِيقَةً. قُلْنا: [إنَّهم لا] (١) يَنْتَسِبُونَ إلى الواقِفِ عُرْفًا، وكذلك لو قال: أوْلاد أوْلادِي المُنْتَسِبِين إليَّ. لم يَدْخُلُوا في الوَقْفِ. ولأنَّ وَلَدَ الهاشِمِيَّةِ مِن غيرِ الهاشِمِيِّ ليس بهاشِمِيٍّ، ولا يَنْتَسِبُ إلى أبيها. وأمّا عيسى ﵇، فلم يَكُنْ له نَسَبٌ يَنْتَسِبُ إليه، فنُسِبَ إلى أُمِّه (٢). وقولُ النبيِّ ﷺ للحَسَنِ: «إنَّ ابْنِي هذا سَيِّدٌ». مجازٌ بالاتِّفاقِ، بدَلِيلِ قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣). والقولُ بأنَّهم يَدْخَلُون أصحُّ وأقْوَى دَلِيلًا؛ لأنَّهم أوْلادُ أوْلادِه حَقِيقةً. فأمّا قِياسُهم على ما إذا كانُوا قَبِيلَةً، فيُفارِقُ ما إذا وَقَف على وَلَدِ فُلانٍ وليسُوا قَبِيلَةً؛ لأنَّه لو وَقَف على بَنِي فُلانٍ وهم قبيلةٌ، دَخَل فيه البَناتُ، بخِلافِ ما إذا وَقَف على بَنِي إنْسانٍ حَيٍّ أو مَيِّتٍ، وليسُوا قَبِيلَةً. وقِياسُهم على ما إذا قال: وَقَفْتُ على وَلَدِ ولَدِي المُنْتَسِبِين إليَّ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّهم خَرَجُوا مِن الوَقْفِ لكَوْنِهم لا يَنْتَسِبُون. وباقِي الأدِلَّةِ ضَعِيفةٌ جِدًّا.
стр. 8092
إلا أَنْ يَقولَ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي لِصُلْبِي فَلَا يَدْخُلُونَ.
ــ
٢٥٨٣ - مسألة: فإن قال: (على وَلَدِ ولَدِى لصُلْبِي) أو - المُنْتَسِبين إليَّ. لم يَدْخُلْ وَلَدُ البَناتِ. والخِلافُ إنَّما هو إذا لم يُوجَدْ
стр. 8093
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما يَدُلُّ على تَعْيِينِ أحَدِ الأمْرَين، فأمّا إن وُجِد ما يَصْرِفُ اللَّفْظَ إلى أحَدِهما انْصَرفَ إليه. فلو قال: على أوْلادِي، وأوْلادِ أوْلادِي، على أنَّ لوَلَدِ البَناتِ سَهْمًا، ولوَلَدِ البَنِين سَهْمَين. أو قال: فإذا خَلَتِ الأرْضُ ممَّن يَرْجِع نَسَبُه إليَّ. مِن قِبَلِ أبٍ أو أُمٍّ، كان للمَساكِينِ. أو كان البَطْنُ الأوّلُ مِن أوْلادِه المَوْقوفِ عليهم كلُّهم بَناتٌ، ونحوُ هذا ممّا يَدُلُّ على إرادَةِ وَلَدِ البَناتِ بالوَقْفِ، دَخَلُوا في الوَقْفِ. وإن قال: على أوْلادِي، وأوْلادِ أوْلادِي المُنْتَسِبِين إليَّ (١) -أو- غيرِ ذَوي الأرْحام. أو نحو ذلك. لم يَدْخُلْ فيه وَلَدُ البَناتِ. وإن قال: على وَلَدِي فُلانٍ وفُلانةَ وفُلانةَ، وأوْلادِهم. دَخَل فيه وَلَدُ البَناتِ. وكذلك إن قال: علَى أنَّ مَن مات منهم عن وَلَدٍ فنَصِيبُه لوَلَدِه. وإن قال الهاشِمِيُّ: وَقَفْت على أوْلادِي، وأوْلادِ أوْلادِي الهاشِمِيِّين, لم يَدْخُلْ في الوَقْفِ مِن أوْلادَ بَناتِه
стр. 8094
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَن كان غيرَ هاشِمِيٍّ. فأمّا مَن كان هاشِمِيًّا مِن غيرِ أوْلادِ بَنِيه، فهل يَدْخُلُون؟ على وَجْهَين؛ أَوْلاهما (١)، أنَّهم يَدْخُلُون؛ لأنَّه اجْتَمَعَ فيهم الصِّفَتان جميعًا، كَوْنُهم مِن أوْلادِ أوْلادِه, وكَوْنُهم هاشِمِيِّين. والثاني، لا يَدْخُلُون؛ لأنَّهم لم يَدْخُلُوا في مُطْلَقِ أوْلادِ أوْلادِه، فأشْبَهَ ما لو لم يَقُل: الهاشِمِيِّين. وإن قال: على أوْلادِي، وأوْلادِ أوْلادِي، ممَّن يُنْسَبُ إلى قَبِيلَتِي. فكذلك.
стр. 8095
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يَقْسِمَ الوَقْفَ على أوْلادِه على حَسَبِ قِسْمَةِ اللهِ تعالى المِيراثَ بينَهم، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيين. وقال القاضي: المُسْتَحَبُّ التَّسْويَةُ بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى؛ لأنَّ القَصْدَ القُرْبَة على وَجْهِ الدَّوامِ، وقد اسْتَوَوْا في القَرابَةِ. ولَنا، أنَّه إيصالٌ للمالِ إليهم، فيَنْبَغِي أن يكونَ بينَهم على حَسَب المِيراثِ، كالعَطِيَّةِ، ولأنَّ الذَّكَرَ في مَظِنَّةِ الحاجَةِ أكْثَرَ مِن الأُنْثَى؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما في العادَةِ يتَزوَّجُ، ويكونُ له الوَلَدُ، فالذَّكَرُ تَجِبُ عليه نَفَقةُ امْرَأتِه وأوْلادِه، والمرأةُ يُنْفِقُ عليها زَوْجُها، ولا تَلْزَمُها نَفَقةُ أوْلادِها، وقد فَضَّلَ الله تعالى الذَّكَرَ على الأُنْثَى
стр. 8096
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في المِيراثِ على وَفْقِ هذا المَعْنَى، فيَصِحُّ تَعْلِيلُه به، ويتَعَدَّى إلى الوَقْفِ والعَطايا والصِّلاتِ. وما ذَكَرَه القاضي لا أصْلَ له، وهو مُلْغًى بالمِيراثِ والعَطِيَّةِ. وإن خالفَ فسَوَّى بينَ الذَّكَرِ والأُنْثَى، أو فَضَّلَها عليه، أو فَضَّلَ بعضَ البَنِين أو بعضَ البَناتِ على بعضٍ، أو خَصَّ بعضَهم بالوَقْفِ دُونَ بعض، فقال أحمدُ، في رِوايةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: إن كان على طَرِيقِ الأثَرَةِ، فأكْرَهُه، وإن كان على أنَّ بعضَهم له عِيالٌ وبه حاجَةٌ. يَعْنِي فلا بَأْسَ به. ووَجْهُ ذلك أنَّ الزُّبَيرَ خَصَّ المَرْدُودَةَ مِن بَناتِه دُونَ المُسْتَغْنِيةِ مِنْهُنَّ بصَدَقَتِه (١). وعلى قياسِ قولِ أحمدَ، لو خصَّ المُشْتَغِلين بالعِلْمِ مِن أوْلادِه بوَقْفِه، تَحْرِيضًا لهم على [طَلَبِ العِلْمِ] (٢)، أو ذا الدِّينِ دُونَ الفُسّاقِ، أو المريضَ، أو مَن له فَضِيلَةٌ مِن أجْلِ فَضِيلَتِه، فلا بَأْسَ. وقد دَلَّ على ذلك أنَّ أبا بكرٍ، ﵁، نَحَل عائِشةَ جِذاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا دُونَ سائِرِ وَلَدِه (٣). وحَدِيثُ عُمَرَ، أنَّه كَتَب:
стр. 8097
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بسمِ اللهِ الرَّحَمن الرَّحِيم، هذا ما أوْصَى به عبدُ اللهِ عُمَرُ أمِيرُ المُؤمِنِين، إن حَدَث به حَدَثٌ، أنَّ ثَمْغًا و [صِرْمَةَ بنَ الأَكْوَعِ] (١) و (٢) العَبْدَ الَّذي فيه، والمائةَ سَهْم التي بخَيبَرَ، ورَقِيقَه الَّذي فيه، الَّذي أطْعَمَه محمدٌ ﷺ بالوادِ، تَلِيه حَفْصَةُ ما عاشَتْ، ثم تَلِيه ذُو الرَّأْي مِن أهْلِها، أن لا يُباعَ ولا يُشْتَرَى، يُنْفِقُه حيثُ رَأى مِن السائِلِ والمَحْرُومِ وذَوي القُرْبَى، لا حَرَجَ على مَن وَلِيَه إن أكَلَ أو آكَلَ أو اشْتَرَى رَقِيقًا منه. رَواه أبو دَاوُدَ (٣). فيه دَلِيلٌ على تَخْصِيصِ حَفصَةَ دُونَ إخوَتِها وأخَواتِها.
стр. 8098
وَإنْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً،
ــ
٢٥٨٤ - مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً) دُونَ الإِناثِ والخَناثَى عندَ الجُمْهُورِ. وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال الحَسَنُ، وإسحاقُ، وأبو ثَورٍ: هو للذَّكَرِ والأُنْثَى جميعًا؛ لأنَّه لو وَقَفَ على بَنِي فُلانٍ، أو أوْصَى لهم، وهم قَبِيلَة، دَخَل فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى. وقال الثَّوْرِيُّ: إن كانوا ذُكُورًا وإناثًا، فهو بينَهم، وإن كُنَّ إناثًا لا ذَكَرَ معَهُنَّ، فلا شيءَ لهُنَّ؛ لأنَّه متى اجْتَمَعَ الذُّكُورُ والإِناثُ، غَلَب لَفْظُ التَّذْكِيرِ، ودَخَل فيه الإناثُ، كلَفْظِ المُسْلِمين. ولَنا، أنَّ لَفْظَ البَنِين يَخْتَصُّ الذُّكُورَ، قال الله تَعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ (٤). وقد أخْبَر أنَّهم لا يَشْتَهُون البَناتِ، فقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّه الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم ما يَشْتَهُونَ﴾ (٥). وإنَّما دَخَلُوا في الاسْمِ إذا صاروا قَبِيلةً؛ لأنَّ
стр. 8099
إلا أن يَكُونُوا قَبِيلَةً، فَيَدْخُلَ فِيهِ النِّسَاءُ دُونَ أَولَادِهِنَّ مِنْ غَيرِهِمْ.
ــ
الاسْمَ نُقِل فيهم عن الحَقِيقَةِ إلى العُرْفِ، ولهذا تقولُ المرأةُ: أنا مِن بَنِي فُلانٍ إذا انْتَسَبَتْ إلى القَبِيلَةِ، ولا تقولُ ذلك إذا انْتَسَبَتْ إلى أبِيها. فأمّا إن وَقَف على بَناتِه، أو وَصَّى لهُنَّ، دَخَل فيه البَناتُ دُونَ غيرِهِنَّ، ولا يَدْخُلُ فيهِنَّ الخُنْثَى المُشْكِلُ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كونُه أُنْثَى. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
٢٥٨٥ - مسألة: (إلَّا أن يكونوا قَبِيلَة، فيَدْخُلُ فيه النِّساءُ دُونَ أوْلادِهِنَّ مِن غيرِهم) أمّا إذا وَقَف على بَنِي فُلانٍ، أو وَلَدِ فُلانٍ، وهم قَبِيلَةٌ، كبَنِي هاشِمٍ، وتَمِيمٍ، فإنَّه يَدْخُلُ فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى والخُنْثَى، ويَدْخُلُ وَلَدُ الرجلِ معه، ولا يَدْخُلُ فيه وَلَدُ بَناتِهم مِن غيرِهم؛ لأنَّ اسْمَ القَبيلَةِ يَشْتَمِلُ ذَكَرَها وأُنْثَاها، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ (١). ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٢) يُرِيدُ الجَمِيعَ. ورُوِيَ أنَّ جَوارِيَ بَنِي النَّجّارِ قُلْنَ:
стр. 8100
وَإنْ وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ، أوْ قَرَابَةِ فُلَانٍ، فَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى مِنْ أوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَجَاوَزْ بِسَهْمِ ذَوي الْقُرْبَى بَنِي هَاشِمٍ. وَعَنْهُ، إِنْ كَانَ يَصِلُ قَرَابَتَهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ في حَيَاتِهِ صُرِفَ إِلَيهِمْ، وَإلَّا فَلَا.
ــ
نحنُ جَوارٍ مِن بَنِي النَّجارِ ... يا حَبَّذا محمدٌ مِن جارِ (١)
ويقال: امْرَأةٌ مِن بَنِي هاشِمٍ. ولا يَدْخُلُ ولَدُ البَناتِ فيهم؛ لأنَّهم لا يَنْتَسِبُون إلى القَبِيلةِ.
٢٥٨٦ - مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ، أوْ قَرَابَةِ فُلَانٍ، فَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى مِنْ أوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَجَاوَزْ بِسَهْمِ ذَوي الْقُرْبَى) وجُمْلة ذلك، أنَّ الرجل إذا وَقَف على قَرابَتِه أو قَرابَةِ فُلانٍ، صُرِف الوَقْفُ إلى الذَّكَرِ والأُنْثَى مِن أوْلادِه وأوْلادِ أبِيه وجَدِّه وجَدِّ أبِيه، ويَسْتَوي فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، ولا يَنْصَرِفُ
стр. 8101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى مَن هو أَبْعَدُ منهم شيءٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لمّا قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (١). يَعْنِي قُرْبَى النبيِّ ﷺ ، أعْطَى النبيُّ ﷺ أوْلادَه وأوْلادَ عبدِ المُطَّلِبِ وأوْلادَ هاشِمٍ، ذكَرَهم وأُنْثاهم، ولم يُعْطِ مَن هو أَبعدُ منهم، كبَنِي عبدِ شَمسٍ وبَنِي نَوْفِلٍ شيئًا، إلَّا أنَّه أعْطَى بَنِي المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وعَلَّلَ عَطِيَّتَهَم بأنَّهم لم يُفارِقُوا بَنِي هاشِم في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلَام (٢). ولم يُعْطِ قَرابةَ أُمِّه، وهم بَنُو زُهْرَةَ شيئًا، ولم يُعْطِ منهم إلَّا مُسْلِمًا. فَحُمِل مُطْلَقُ كلامِ الواقِفِ على ما حُمِل عليه المُطْلَقُ مِن كلام الله تعالى، وفُسِّرَ بما فُسِّرَ به. ويُسَوَّى بينَ قَرِيبِهم وبعيدِهم، وذَكَرِهم وأُنْثاهم؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَشْمَلُهم، وبينَ الكَبِيرِ والصَّغِيرِ، والغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ لذلك. ولا يَدْخُلُ فيه الكُفّارُ؛ لأنَّهم لم يَدْخلوا في المُسْتَحِقِّ مِن قُرْبَى النبيِّ ﷺ . وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
стр. 8102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد نَقَل عبدُ اللهِ، وصالِحٌ، عن أبِيهما رِوايةً أُخْرَى، أنَّه يُصْرَفُ إلى قَرابَةِ أُمِّه، إن كان يَصِلُهم في حَياتِه؛ كإخْوَتِه مِن أُمِّه، وأخْوالِه، وخَالاتِه، وإن كان لا يَصِلُهم في حَياتِه، لم يُعْطَوْا شيئًا؛ لأنَّ صِلَتَه إيّاهم في حَياتِه قَرِينة دالَّة على إرادَتِهم بصِلَتِه هذه. وعنه رِواية ثالثةٌ، أنَّه يُجاوزُ بها أرْبعةَ آباءٍ. ذَكَرَها ابنُ أبي موسى في «الإِرْشادِ»، وهي تَدُلُّ على أنَّ لَفْظَه لا يَتَقَيَّدُ بالقَيدِ الَّذي ذكَرْناه. فعلى هذا، يُعْطَي كلُّ مَن يُعْرَفُ بقَرَابَتِه مِن قِبَلِ أبيه وأُمِّهِ، الذين يَنْتَسِبُون إلى الأبِ الأدْنى. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّهم قَرابَة، فيَتَناوَلُهم الاسْمُ، ويَدْخُلُون في عُمُومِه. وإعطاءُ النبيِّ ﷺ بعضَ قَرابَتِه تَخْصِيصًا لا يَمْنَع مِن العَمَلِ بالعُمُومِ في غيرِ هذا الموضِعِ. وقال أبو حنيفةَ: قَرابَتُه كلّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَم، فيُعْطَى مِن أدْناهم اثْنان فصاعِدًا، فإذا كان له عَمٌّ وخالان، أُعْطِي عَمُّه النِّصْفَ وخالاه النِّصْفَ. هكذا رُوِيَ عنه فيما إذا أوْصَى لقَرابَتِه.
стр. 8103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال قَتادَةُ: للأعْمامِ الثُّلُثان، وللأخْوالِ الثُّلُثُ. وهو قولُ الحَسَنِ. قال: ويُزادُ الأقْرَبُ بعضَ الزِّيادَة. وقال مالِكٌ: يُقْسَمُ على الأقْرَبِ فالأقْرَبِ بالاجْتِهادِ. ولَنا، أنَّ هذا لَه عُرْفٌ في الشَّرْعِ، وهو ما ذَكَرْناه، فيَجِبُ حَمْلُه عليه وتَقْدِيمُه على العُرْفِ اللُّغَويِّ، كالوضوءِ والصلاةِ والصوْمِ والحَجِّ، ولا وَجْهَ لتَخْصِيصِه بذِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ، فإنَّ اسْمَ القَرابَةِ يَقَعُ على غيرِهم عُرْفًا وشَرْعًا، وقد يُحَرَّمُ على الرجلِ رَبِيبَتُه وأُمَّهاتُ
стр. 8104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نِسائِه، ولا قَرَابةَ لهم، وتَحِلُّ له ابْنةُ عَمِّه وخالِه، وهُنَّ مِن أقارِبِه، وما ذَكَرُوه مِن التَّفْضِيلِ (١) لا يَقْتَضِيه اللَّفْظُ، ولا يَدُلُّ عليه دَلِيلٌ، فالمَصِيرُ إليه تَحَكُّمٌ. فأمّا إن كان في لَفْظِه ما يَدُلُّ على إرادَةِ قَرابَةِ أُمِّه، كقَوْلِه: وتُفَضَّلُ قَرابَتِي مِن جِهَةِ أبِي على قَرابَتِي مِن جِهَةِ أُمِّي. أو قولِه: إلَّا ابْنَ خالتِي فُلانًا. أو نحوَ ذلك، أو قَرِينةٍ تُخْرِجُ بعضَهم، عُمِل بما دَّلَّتْ عليه القَرِينَةُ، لأنَّها تَصْرِفُ اللَّفْظَ عن ظاهِرِه إلى غيرِه.
стр. 8105
وَأهْلُ بَيتِهِ بِمَنْزِلَةِ قَرَابَتِهِ. وَقَال الْخِرَقِيُّ: يُعْطَى مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ.
ــ
٢٥٨٧ - مسألة: (وَأهْلُ بَيتِهِ بِمَنْزِلَةِ قَرَابَتِهِ. وَقَال الْخِرَقِيُّ: يُعْطَى مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ) المَنْصُوصُ عن أحمدَ، ﵀، أنَّ أهْلَ بَيتِه بمَنْزِلَةِ قَرابَتِه، فإنَّه قال، في رِوايةِ عبدِ اللهِ: إذا أوْصَى بثُلُثِ مالِه لأهْلِ بَيتِه، فهو بمَثابَةِ قَوْلِه: لقَرابَتِي. وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، وقال: قال أحمدُ: قال النبيُّ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِي ولِأَهْلِ بَيتِي» (١). فجَعلَ سَهْمَ ذَوي القُرْبَى لهم عِوَضًا عن الصَّدَقَةِ التي حُرِّمَت عليهم، فكان ذَوو القُرْبَى الذين سَمَّاهم اللهُ تعالى هم أهْلُ بَيتِه الَّذين حُرِّمَتْ عليهم الصَّدَقَةُ. وذَكَر حَدِيثَ زَيدِ بنِ أرْقَمَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهلِ بَيتِي». قال: قُلْنا: مَن أهْلُ بَيتِه، نِساؤُه؟ قال: لا، أصْلُه وعَشِيرَتُه الَّذين حُرِّمَتْ عليهم الصَّدَقَةُ بعدَه؛ آلُ عَلِيٍّ، وآلُ
стр. 8106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَقِيلٍ، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَبّاس (١). قال القاضِي: قال ثَعْلَبٌ: أهْلُ البَيتِ عندَ العَرَبِ آباءُ الرجلِ وأوْلادُهم، كالأجْدادِ والأَعْمامِ وأوْلادِهم، ويَسْتَوي فيه الذُّكُورُ والإِناثُ. وذَكَر القاضي أنَّ أوْلادَ الرجلِ لا يَدْخُلُون في اسْمِ القَرابةِ ولا أهْلِ بَيتِه. وليس هذا بشيءٍ، فإنَّ وَلَدَ النبيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيتِه وأقارِبِه الذين حُرِمُوا الصَّدَقَةَ، وأُعْطُوا مِن سَهْمِ ذي القُرْبَى، وهُم أَقرَبُ أقارِبِه، فكيف لا يَكُونُون مِن أقارِبِه؟ وقد قال النبيُّ ﷺ لفاطِمَةَ ووَلَدَيها وزَوْجِها: «اللَّهُمَّ هؤُلاءِ أَهْلُ بَيتِي، فَأَذهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» (٢). ولو وَقَف على أقارِبِ رجلٍ، أو وَصَّى لأقارِبِه، دَخَل فيه وَلَدُه (٣)، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. والخِرَقِيُّ قد عَدَّهُم في القَرابةِ بقَوْلِه: لا يُجاوزُ به أرْبعَةَ آبَاءٍ (٤)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُجاوزْ بَنِي هاشِم بسَهْمِ ذَوي القُرْبَى. فجَعلَ هاشِمًا الأبَ الرابعَ، ولا يكونُ رابعًا إلَّا أن يَعُدَّ النبيَّ ﷺ أَبًا؛ لأنَّ هاشِمًا إنَّما هو رابعُ النبيِّ ﷺ . ووَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّ أُمَّه مِن أهْلِ بَيتِه، فكذلك أقارِبُها مِن أوْلادِها وأبوَيها وإخْوَتِها وأخَوَاتِها.
стр. 8107
وَقَوْمُهُ وَنُسَبَاؤُهُ كَقَرَابَتِهِ.
ــ
٢٥٨٨ - مسألة: (وَقَوْمُهُ وَنُسَبَاؤُهُ كَقَرَابَتِهِ) لأنَّ قَوْمَ الرجلِ قَبِيلَتُه، وهم نُسَباؤُه، قال الشاعرُ:
فقلْتُ لها أمّا رَفِيقِي فقَوْمُه ... تَمِيمٌ وأمّا أُسْرَتِي فَيمان
وقال أبو بكرٍ: هو بمَثابةِ أهْلِ بَيتِه؛ لأنَّ أهْلَ بَيتِه أقارِبُه، وأقارِبُه هم قَوْمُه ونُسَباؤُه. وقال القاضِي: إذا قال: لرَحِمِي، أو لأرْحامِي،
стр. 8108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو لنُسَبائِي، أو لمُناسِبِي. صُرِف إلى قَرابَتِه مِن قِبَلِ أبِيه وأُمِّه، ويتَعَدَّى وَلَدَ الأب الخامِسِ. فعلى هذا، يُصْرَفُ إلى كلِّ مَن يَرِثُ بفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ أوَ بالرَّحِمِ في حالٍ مِن الأحْوالِ. قال شيخُنا (١): وقوْلُ أبِي بكرٍ في المُناسِبِين أوْلَى مِن قوْلِ القاضِي، لأنَّ ذلك في العُرْفِ على مَن كان مِن العَشِيرَةِ التي يَنْتَسِبان إليها، وإذا كان كلُّ واحدٍ منهما يَنْتَسِبُ إلى قَبِيلةٍ غيرِ قَبِيلةِ صاحِبِه، فليس بمُناسِبٍ له.
فصل؛ وآلُه مثلُ قَرابَتِه، فإنَّ في بعضِ ألفاظِ حَدِيثِ زَيدِ بنِ أرْقَمَ: مَن آلُ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قال: أصْلُه وعَشِيرَتُه الَّذين حُرِمُوا الصَّدقةَ بعدَه؟ آلُ عَلِي، وآلُ عَبّاس، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَقِيلٍ. والأصْلُ في آلِ أهْلٌ، فقلِبَتِ الهاءُ هَمْزةً، كما قالوا: هَرَقْتُ الماءَ وأرَقْتُه. ومُدَّتْ لئَلَّا تَجْتَمِعَ هَمْزَتان.
стр. 8109
وَالْعِتْرَةُ هُمُ الْعَشِيرَةُ.
ــ
٢٥٨٩ - مسألة: (والعِتْرَةُ هم العَشِيرَةُ) الأدْنَوْن في عُرْفِ الناسِ، ووَلَدُه الذُّكُورُ والإِناثُ وإن سَفَلُوا، [وبذلك] (١) فَسَّرَه ابنُ قُتَيبةَ (٢). وقد تَوَقَّفَ أحمدُ في ذلك. وقال ثَعْلَبٌ، وابنُ الأعْرابِيِّ: العِتْرَةُ الأَوْلادُ وأوْلادُ الأوْلادِ. ولم يُدْخِلا في ذلك العَشِيرةَ. والأوّلُ أصَحُّ وأشْهَرُ في عُرْفِ النَّاسِ. ووَجْهُ الأوّلِ قوْلُ أبي بكرٍ، ﵁، في مَحْفِلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ : نحن عِتْرَةُ رسولِ اللهِ ﷺ وبَيضَتُه التي تَفَقَّأتْ عنه. فلم يُنْكِرْه أحَدٌ، وهم أهْلُ اللِّسانِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خالفَه.
стр. 8110
وَذَوُو رَحِمِهِ كُلُّ قَرَابَةٍ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ.
ــ
٢٥٩٠ - مسألة: (وَذَوُو رَحِمِهِ كُلُّ قَرَابَةٍ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ والأُمَّهَاتِ) قال القاضي: يَنْصَرِفُ إلى قَرابَتِه مِن جِهَةِ أبِيه وأُمِّه، ويتَعَدَّىَ وَلَدَ الأبِ الخامسِ. وقد ذَكَرْنا ذلك في مسألةِ القَوْمِ والنُّسَباءِ.
стр. 8111
وَالأَيَامَى وَالْعُزَّابُ، مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَيَحْتَمِلُ
ــ
٢٥٩١ - مسألة: (وَالأَيَامَى وَالْعُزَّابُ، مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَيَحْتَمِلُ) ذكَرَه أصحايُنا. قال شيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ اسْمُ الأيامَى النِّساءَ اللَّاتي لا أزْواجَ لهُنَّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الْأيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢). وفي الحَدِيثِ: «أعُوذُ باللهِ مِنْ بَوَارِ الأَيِّمِ» (٣). ووَجْهُ الأوّلِ ما رَوَى سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّه قال: آمَتْ حَفْصَةُ بنتُ عُمَرَ مِن زَوْجِها، وآمَ عثمانُ مِن رُقَيَّةَ.
قال الشاعر (٤):
فإنْ تَنْكِحِي أنْكِحْ وإن تَتَأْيَّمِي ... وإن كُنْتُ أفْتَى مِنْكُمُ أتأيَّمُ (٥)
стр. 8112
أنْ يَخْتَصَّ الْأَيَامَى بِالنِّسَاء، وَالْعزَّابُ بالرِّجَالِ. فَأمَّا الْأَرَامِل، فَهُنَّ النِّسَاءَ اللَّاتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجهُنَّ. وَقِيلَ: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
ــ
وقوْلُ شيخِنا أوْلَى؛ لأنَّ العُرْفَ يَخْتَصُّ النِّساءَ بهذا الاسْمِ، والحُكْمُ للاسْمَ العُرْفِيِّ. ولأنَّ قوْلَ النبيِّ ﷺ : «أَعوذُ بالله مِنْ بَوَارِ الأَيِّمَ». إنَّما أرادَ به النِّساءَ. وأمَّا العُزَّابُ فهم الذين لا أزْواجَ لهم مِن الرِّجالِ والنِّساءِ، يقالُ: رجلٌ عَزَبٌ، وامرأة عَزَبَةٌ. قاله ثعلب. وإنَّما سُمِّيَ عَزَبًا لانْفِرادِه (ويَحْتَمِلُ أن يَخْتَصَّ الأيامَى بالنِّساءِ، والعُزَّابُ بالرجالِ) ولذلك يقالُ: امرأةٌ أيِّمٌ. بغيرِ هاءٍ، ولا يقالُ: أيِّمةٌ. ولو كان الرجل مُشارِكًا لها لقِيلَ: أيِّمٌ وأيِّمةٌ. مثلَ: قائِمٌ وقائِمَةٌ. ولأنَّ العُرْفَ أنَّ العَزَبَ يَخْتَصُّ بالرجلِ.
٢٥٩٢ - مسألة: (فأمَّا الأرامِلُ، فهُنَّ النِّساءُ اللَّاتي فارَقَهُنَّ أزواجُهُنَّ) بمَوْتٍ أو غيرِه. قال أحمدُ في رِوايةِ حَرْبٍ، وقد سُئِل عن
стр. 8113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رجُلٍ وَصَّى لأرامِلِ بَنِي فُلانٍ. فقال: قد اخْتلَفَ الناسُ فيها، فقال قومٌ: للرجالِ والنِّساءِ، والذي يُعْرَفُ مِن كلامِ الناسِ أنَّ الأرامِلَ النِّساءُ. وقال الشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ: هو للرجالِ والنِّساءِ. وأنْشَدَ:
هَذِي الأرامِلُ قد قَضَّيتَ حاجَتَها ... فمَنْ لِحاجَةِ هذا الأرْمَلِ الذَّكَرِ (١)
وقال آخرُ (٢):
أُحِبُّ أن أصْطادَ [ضَبًّا سَحْبَلا] (٣) ... رَعَى الرَّبِيعَ والشِّتاءَ أرْمَلَا
стр. 8114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ووَجْهُ الأوّلِ أنَّ المَعْرُوفَ مِن كلام الناسِ أنَّه للنِّساءِ، فلا يُحْمَلُ اللَّفْظُ إلَّا عليه، ولأنَّ الأرامِلَ جَمْعُ أرْمَلَةٍ، فلا يكونُ جَمْعًا للمُذَكَّرِ؛ لأنَّ ما يَخْتَلِفُ لَفْظُ الذَّكَرِ والأُنْثَى في واحدِه يخْتَلِفُ في جَمْعِه، وقد أنْكَرَ ابنُ الأنْبارِيِّ على قائلِ القَوْلِ الأوّل، وخَطَّأه فيه، والشِّعْرُ الَّذي احْتَجَّ به حُجَّة عليه، فإنَّه لو كان لَفْظُ الأَرامِلِ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى، لقال: حاجَتَهمْ. إذ لا خِلافَ بينَ أهْلِ اللِّسانِ في أنَّ اللَّفْظَ متى كان للذكَرِ والأُنْثَى، ثم رُدَّ عليه ضَمِيرٌ، غُلِّب فيه لَفْظُ التَّذْكِيرِ وضَمِيرُه، فلمّا رُدَّ الضَّمِيرُ على الإِناثِ، عُلِم أنَّه مَوْضُوعٌ لَهُنَّ على الانْفِرادِ، وسَمَّى نَفْسَه أرْمَلًا تَجَوُّزًا وتَشْبِيهًا بهِنَّ، ولذلك وَصَف نَفْسَه بأنَّه ذَكَرٌ. وكذلك الشِّعْرُ الآخرُ، ويَدُلُّ على إرادَةِ المَجازِ أنَّ اللَّفْظَ عندَ إطْلاقِه لا يُفهَمُ منه إلَّا النِّساءُ، ولا يُسَمَّى به في العُرْفِ غيرُهُنَّ، وهذا دَلِيلٌ على أنَّه لم يُوضَعْ لغيرِهِنَّ، ثم لو ثَبَت أنَّه في الحَقِيقةِ للنِّساءِ والرجالِ لكنَّ أهْلَ العُرْفِ قد خَصُّوا به النِّساءَ، وتُرِكَتِ الحَقِيقةُ حتَّى صارتْ مَغْمُورَةً (١)، لا تُفْهَمُ مِن لَفْظِ المُتَكَلِّمِ، ولا يتَعلَّقُ بها حُكْمٌ، كسائِرِ الأَلْفاظِ العُرْفِيَّةِ.
فصل: وإن وَقَف على أخَواتِه، فهو للإِناثِ خاصَّةً، وإن وَقَف على إخْوَتِه، دَخَل فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى جميعًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانُوَا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ (٢). وقال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٣).
стр. 8115
وَإنْ وَقَفَ عَلَى أهْلِ قَرْيَتِهِ أوْ قَرَابَتِهِ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْمُسْلِمَ يَدْخُلُ وَإنْ كَانَ الْوَاقِفُ كَافِرًا.
ــ
وأجْمَعَ العُلَماءُ على حَجْبِها بالذَّكَرِ والأُنْثَى. وإن قال: لعُمُومَتِه. فالظّاهِرُ أنَّه مِثْلُ الإِخْوَةِ، يشْمَلُ (١) الذَّكَرَ والأُنْثَى؛ لأنَّهم إخْوَةُ أَبِيه. وإن قال: لبَنِي إخْوَتِه. أو: لبَنِي عَمِّه. فهو للذُّكُورِ دُونَ الإِناثِ. إذا لم يكونُوا قَبِيلةً، والفَرْقُ بينَهما أنَّ الإِخْوَةَ والعُمُومَةَ ليس لهما لَفْظٌ مَوْضُوع يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثَى سِوى هذا اللَّفْظِ، وبَنو الإخْوَةِ والعَمِّ لهم لَفْط يَشْمَلُ الجَمِيعَ، وهو لَفْظُ الأوْلادِ، فإذا عَدَل عن اللَّفْظِ العامِّ إلى لَفْظِ البَنِين، دَلَّ على إرادَةِ الذُّكُورِ، ولأنَّ لَفْظَ العُمُومَةِ أشْبَهُ بلَفْظِ الإخْوَةِ، ولَفْظُ بَنِي الإخْوَةِ والعَمِّ يُشْبِهُ بَنِي فُلانٍ، وقد دَلَّلْنا عليهما. والحُكْمُ في تَناوُلِ اللَّفْظِ للبَعِيدِ مِن العُمُومَةِ وبَني العَمِّ والإِخْوَةِ، حُكْمُ ما ذَكَرْنا في وَلَدِ الوَلَدِ، مع القَرِينةِ وعَدَمِها في المَسائِلِ المُتَقَدِّمَةِ.
٢٥٩٣ - مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى أهْلِ قَرْيَتِهِ أوْ قَرَابَتِهِ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ الْمُسْلِمَ يَدْخُلُ وَإنْ كَانَ الْوَاقِفُ كَافِرًا) وجملةُ ذلك، أنَّ الإِنسَانَ إذا وَقَف على أهْلَ قَرْيَتِه أو قَرابَتِه
стр. 8116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو أتَى بلَفْظٍ عامٍّ يَدْخُلُ فيه المسلمون والكُفّارُ، والواقِفُ مُسْلِمٌ، فهو للمسلمين خاصَّة، ولا شيءَ للكفَّارِ. وقال الشافعيُّ: يَدْخُلُ فيه الكفّارُ، لأنَّ اللَّفْظَ يَتَناوَلُهم بعُمُومِه. ولَنا، أنَّ الله تعالى قال: ﴿يُوْصِيِكُمُ اللهُ فِي أوْلَادِكُمْ﴾ (١). فلم يَدْخُلْ فيه الكُفّارُ إذا كان المَيِّتُ مُسْلِمًا، وإذا لم يَدْخُلُوا في لَفْظِ القرْآنِ مع عُمُومِه، لم يَدْخُلُوا في لَفْظِ الواقِفِ، ولأنَّ ظاهِرَ حالِه أنَّه (٢) لا يُرِيدُ الكُفّارَ، لِما بينَه وبينَهم مِن عَداوَةِ الدِّينِ، وعَدَمِ الوُصْلَةِ المانِعَةِ (٣) مِن المِيراثِ ووُجُوبِ النَّفَقةِ، ولذلك خَرَجُوا مِن عُمُومِ اللَّفْظِ في الأوْلادِ والإِخْوَةِ والأزْواجِ، وسائِرِ الألْفاظِ العامَّةِ في المِيراثِ، فكذا ههُنا، فإن صَرَّحَ بهم دَخَلُوا، لأنَّ إخْراجَهم يُتْرَكُ به صَرِيح المَقال، وهو أقْوَى مِن قَرِينةِ الحالِ. وإن وَقَف عليهم وأهْلُ القَرْيةِ كلُّهم كُفَّارٌ، أو وَقَف على قَرابَتِه وكلُّهم كُفّارٌ، دَخَلُوا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهم، إذ في إخْراجِهم رَفْعُ اللَّفْظِ بالكُلِّيَّةِ. فإن كان فيها مُسْلِمٌ واحِدٌ والباقِي كُفّارٌ، دَخَلُوا أيضًا، لأنَّ إخْراجَهم ههُنا
стр. 8117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالتَّخْصِيصِ بَعيدٌ، وفيه مُخالفةُ الظاهِرِ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، مُخالفَةُ لَفْظِ العُمُومِ. والثاني، حَمْلُ اللَّفْظِ الدّالِّ على الجَمْعِ على المُفْرَدِ. وإن كان أكْثَرُ كُفَّارًا، فهو للمُسْلِمِين، في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عليهم وصَرْفُه إليهم، والتَّخْصِيصُ يَصِحُّ، وإن كان بإخْراجِ الأَكْثَرِ. ويَحْتَمِلُ أن يَدْخُلَ الكُفّارُ في الوَصِيّةِ؛ لأنَّ التَّخْصِيصَ فِي مثلِ هذا بَعِيدٌ، فإنَّ تَخْصِيصَ الصُّورَةِ النّادِرَةِ قَرِيبٌ، وتَخْصِيصَ الأَكْثَرِ بَعِيدٌ يَحْتاجُ إلى دَلِيل قَويٍّ. والحُكْمُ في سائرِ ألْفاظِ العُمُوم؛ كالإِخْوَةِ، والأعْمامِ، وبَنِي عَمِّه، واليَتامَى، والمَساكِينِ، كالحُكمِ في أهْلِ قَرْيَتِه. فأما إن كان الواقِفُ كافِرًا، فإنَّه يَتَناوَلُ أهْلَ دِينِه؛ لأنَّ لَفْظَه يَتَناوَلُهم، والقَرِينَةُ تَدُلُّ على إرادَتِهم، فأشْبَهَ وَقْفَ المُسْلِمِ، يَتناوَلُ أهْلَ دِينِه. وهل يَدْخُلُ فيه المُسْلِمون؛ يُنْظرُ؛ فإن وُجِدَتْ قَرِينَةٌ
стр. 8118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دالَّةٌ على دُخُولِهم، مثلَ أن لا يكونَ في القَرْيةِ إلَّا مُسْلِمُون، دَخَلُوا، وكذلك إن لم يَكُنْ فيها إلَّا كافِرٌ واحِدٌ وباقي أهْلِها مُسْلِمُون، وإنِ انْتَفَتِ القَرائِنُ، ففي دُخُولِهم وَجْهان؛ أحَدُهُما، لا يَدْخُلُون؛ كما لم يَدْخُلِ الكُفّارُ في وَقْفِ المُسْلِمِ. والثاني، يَدْخُلُون؛ لأنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَتَناوَلُهم، وهم أحَقُّ بوَصِيَّتِه مِن غيرِهم، فلا يُصْرَفُ اللَّفْظُ عن مُقْتضاه ومَن هو أحَقُّ بحُكْمِه إلى غيرِه. فإن كان في القَرْيةِ كافِرٌ مِن غيرِ أهْلِ دِينِ الواقفِ، لم يَدْخُلْ؛ لأنَّ قَرِينةَ الحالِ تُخْرِجُه، ولم يُوجَدْ فيه ما وُجِد في المُسْلِمِ مِن الأوْلَويَّةِ (١)، فبَقِيَ خارِجًا بحالِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَخْرُجَ، بِناءً على تَوْرِيثِ الكُفّارِ بعضِهم مِن بعض مع اخْتِلافِ دِينِهم.
стр. 8119
وَإنْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ وَمِنْ أَسْفَلَ، تَنَاوَلَ جَمِيعَهُمْ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: يَخْتَصُّ الْمَوَالِيَ مَنْ فَوْقَ.
ــ
٢٥٩٤ - مسألة: (وَإنْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ وَمِنْ أَسْفَلَ، تَنَاوَلَ جَمِيعَهُمْ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: يَخْتَصُّ الْمَوَالِيَ مَنْ فَوْقَ) إذا وَقَف على مَوالِيه وله مَوالٍ مِن فوْقَ حَسْبُ، وهم مُعْتِقوه، اخْتَصَّ الوَقفُ بهم؛ لأنَّ الاسْمَ يَتَناوَلُهم، وقد تَعَيَّنُوا بوُجُودِهم دُونَ غيرِهم. وإن لم يَكُنْ له إلَّا مَوالٍ مِن أسْفَلَ، فهو لهم؛ لذلك (١). وإنِ اجْتَمَعُوا، فهو لهم جميعًا يَسْتَوُون فيه؛ لأنَّ الاسْمَ يَشْمَلُهم جميعًا. وقال أصْحابُ الرَّأْي: الوَصِيَّةُ باطِلَة؛ لأنَّها لغيرِ مُعَيَّن. وقال أبو ثَوْرٍ: يُقْرَعُ بينَهما؛ لأنَّ أحَدَهما ليس بأَوْلى مِن الآخَرِ. وقال ابنُ القاسِمِ: هو للمَوالِي
стр. 8120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن أسْفَلَ. ولأصْحابِ الشافعيِّ أَرْبَعةُ أوْجُهٍ، كقَوْلِنا، وكقَوْلِ أصْحابِ الرأي، والثالثُ، هو للمَوالِي مِن فَوْقَ؛ لأنَّهم أقْوَى، لكونِهم عَصَبَتَه ويَرِثُونَه، بخِلافِ عُتقَائِه. وهو قولُ ابنِ حامدٍ. والرابعُ، يَقِفُ الأمْرُ حتَّى يَصْطَلِحُوا. ولَنا، أنَّ الاسْمَ يَتناوَلُ الجميعَ، فدَخَلُوا فيه، كما لو وَقَف على إخْوَتِه. وقَوْلُهم: إنَّها لغيرِ مُعَيَّن. غيرُ صَحِيح، فإنَّ التَّعْمِيمَ يَحْصُلُ مع التَّعْيِينِ، ولذلك لو حَلَف: لا كَلَّمْتُ مَوْلايَ. حَنَث بكلامِ أَيِّهم كان. وقوْلُهم: إنَّ المَوْلَى مِن فَوْقِ، أقْوَى. قُلْنا: مع شُمُولِ الاسْمِ لهم يَدْخُلُ فيه الأقْوَى والأضْعَفُ، كإخْوَتِه، ولا يَدْخُلُ فيه وَلَدُ العَمِّ، ولا المَساكِينُ، ولا الحَلِيفُ، ولا غيرُ مَن ذَكَرْنا، لأنَّ الاسْمَ إن تَناوَلَهم حَقِيقَةً، لم يَتَناوَلْهم عُرْفًا، والأسْماءُ العُرْفِيَّةُ تُقَدَّمُ على الحَقِيقةِ. ولا يَسْتَحِقُّ مَوْلَى ابْنِه (١) مع وُجُودِ مَوالِيه. وقال زُفَرُ: يَسْتَحِقُّ. ولَنا، أنَّ مَوْلَى ابْنِه (١) ليس بمَوْلًى له حَقِيقةً إذا كان له مَوْلًى سِواه، فإن لم يَكُنْ له مَوْلًى، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: إِذا وَصَّى، لمَوالِيه وليس له مَوْلًى، فهو لمَوْلَى أبِيه (١). وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: لا شيءَ له، لأنَّه ليس
стр. 8121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِمَوْلًى. واحْتَجَّ الشَّرِيفُ بأنَّ الاسْمَ يَتَناوَلُهم مَجازًا، فإذا تَعذَّرَتِ الحَقِيقةُ، وَجَب صَرْفُ الاسْمِ إلى المَجازِ والعَمَلِ به، تَصْحِيحًا لكَلامِ المُكَلَّفِ عندَ إمْكانِ تَصْحِيحِه، ولأنَّ الظاهِرَ إرادَتُه المَجازَ؛ لكَوْنِه مَحْملًا صَحِيحًا، وإرادَةُ الصَّحِيحِ أغْلَبُ مِن إرادَةِ الفاسِدِ. فإن كان له مَوالِي أبٍ حينَ الوَقْفِ، ثم انْقَرَضَ مَوالِيه، لم يَكُنْ لمَوالِي الأبِ على مُقْتَضَى ما ذكَرْناه، لأنَّ الاسْم يتَناوَلُ غيرَهم، فلا يَعُودُ إليهم إلَّا بعَقْدٍ، ولم يُوجَدْ. ولا يُشْبِهُ هذا قَوْلَه: أوْصَيتُ لأقرَبِ الناسِ إلَيَّ. وله ابْنٌ
стр. 8122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وابنُ ابْن، فمات الابْنُ، حيث يَسْتَحِقُّ ابنُ الابْنِ، وإن كان لا يَسْتَحِقُّ في حَياةِ الابْنِ شيئًا؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ ههُنا لمَوْصُوفٍ وُجِدَتِ الصِّفَةُ في ابْنِ الابْنِ، كوُجُودِها في الابْنِ حَقِيقَةً، وفي المَوالِي (١) يَقَعُ الاسْمُ على مَوْلَى نَفْسِه حَقِيقةً، وعلى مَوْلَى أبِيه (٢) مَجازًا، فمع وُجُودِهما جميعًا لا يُحْمَلُ اللَّفْظُ إلَّا على الحَقِيقَةِ، وهذه الصِّفةُ. لا تُوجَدُ في مَوْالِي (٣) أبِيه (٢).
وَإلَّا جَازَ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْزئَهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
ــ
٢٥٩٦ - مسألة: فإن لم يُمْكِنْ حَصْرُهم؛ كالمَساكِينِ، والقَبِيلَةِ الكَثِيرةِ؛ كبَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَميمٍ، صَحَّ الوَقْفُ عليهم . وكذلك يَصِحُّ الوَقْفُ على المسلمِين كلِّهم، وعلى أهْلِ إقْليمٍ ومَدِينةٍ، كالشّامِ، ودِمَشْقَ. ويجوزُ للرجلِ أن يَقِفَ على عَشِيرَتِه، وأهْلِ مَدِينَتِه. وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَصِحُّ الوَقْفُ على مَن لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُهم وحَصْرُهم، في غيرِ المَساكِينِ ونحوهم؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في حَقِّ الآدَمِيِّ، فلم يَصِحَّ مع الجَهالةِ، كما لو قال: وقَفْتُ على قَوْمٍ. ولَنا، أنَّ مَن صَحَّ الوَقْفُ عليهم إذا كانوا مَحْصُورِين، صَحَّ وإن لم يُحْصَوْا، كالفُقَراءِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالوَقْفِ على المَساكِين.
стр. 8125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يَجِبُ تَعْمِيمُهم إجْماعًا؛ لأنَّه غيرُ مُمْكِن. ويَجُوزُ تَفْضِيلُ بعضِهم على بعضٍ، لأنَّ مَن جاز حِرْمانُه جاز تَفْضِيلُ غيرِه عليه. ويجوزُ الاقْتِصارُ على واحدٍ منهم. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه أقَل مِن ثَلاثَةٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. ووَجْهُ القَوْلَينِ (١) قد ذُكِر في الزكاةِ، والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ.
فصل: فإن كان الوَقْفُ في ابْتِدائِه على مَن يُمْكِنُ اسْتِيعابُه، فصار ممّا لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُه، كرجل وَقَف على وَلَدِه ووَلَدِ وَلَدِه، وعَقِبِه ونَسْلِه، فصارُوا قَبِيلةً كَثِيرةً تَخْرُجُ عن الحَصْرِ، مثلَ وَقْفِ عليٍّ، ﵁، على وَلَدِه ونَسْلِهِ، فإنَّه يَجِبُ تَعْمِيمُ مَن أمْكَنَ منهم، والتَّسْويةُ بينَهم، لأنَّ التَّعْمِيمَ كان واجِبًا، وكذلك التَّسْويةُ، فإذا تَعذَّرَ، وَجَب منه ما أمْكَنَ، كالواجِبِ الَّذي يَعْجِزُ عن بعضِه؛ ولأنَّ الواقِفَ ههُنا أرادَ التَّعْمِيمَ والتَّسْويةَ، لإمْكانِه وصَلاحِ لَفْظِه لذلك، فيَجِبُ العَمَلُ بما أمْكَنَ، بخِلافِ ما إذا كانُوا حال الوَقْفِ ممَّن لا يُمْكِنُ ذلك فيهم.