وَإلَّا جَازَ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يُجْزئَهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
ــ
٢٥٩٦ - مسألة: فإن لم يُمْكِنْ حَصْرُهم؛ كالمَساكِينِ، والقَبِيلَةِ الكَثِيرةِ؛ كبَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَميمٍ، صَحَّ الوَقْفُ عليهم . وكذلك يَصِحُّ الوَقْفُ على المسلمِين كلِّهم، وعلى أهْلِ إقْليمٍ ومَدِينةٍ، كالشّامِ، ودِمَشْقَ. ويجوزُ للرجلِ أن يَقِفَ على عَشِيرَتِه، وأهْلِ مَدِينَتِه. وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَصِحُّ الوَقْفُ على مَن لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُهم وحَصْرُهم، في غيرِ المَساكِينِ ونحوهم؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في حَقِّ الآدَمِيِّ، فلم يَصِحَّ مع الجَهالةِ، كما لو قال: وقَفْتُ على قَوْمٍ. ولَنا، أنَّ مَن صَحَّ الوَقْفُ عليهم إذا كانوا مَحْصُورِين، صَحَّ وإن لم يُحْصَوْا، كالفُقَراءِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالوَقْفِ على المَساكِين.
стр. 8125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يَجِبُ تَعْمِيمُهم إجْماعًا؛ لأنَّه غيرُ مُمْكِن. ويَجُوزُ تَفْضِيلُ بعضِهم على بعضٍ، لأنَّ مَن جاز حِرْمانُه جاز تَفْضِيلُ غيرِه عليه. ويجوزُ الاقْتِصارُ على واحدٍ منهم. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه أقَل مِن ثَلاثَةٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. ووَجْهُ القَوْلَينِ (١) قد ذُكِر في الزكاةِ، والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ.
فصل: فإن كان الوَقْفُ في ابْتِدائِه على مَن يُمْكِنُ اسْتِيعابُه، فصار ممّا لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُه، كرجل وَقَف على وَلَدِه ووَلَدِ وَلَدِه، وعَقِبِه ونَسْلِه، فصارُوا قَبِيلةً كَثِيرةً تَخْرُجُ عن الحَصْرِ، مثلَ وَقْفِ عليٍّ، ﵁، على وَلَدِه ونَسْلِهِ، فإنَّه يَجِبُ تَعْمِيمُ مَن أمْكَنَ منهم، والتَّسْويةُ بينَهم، لأنَّ التَّعْمِيمَ كان واجِبًا، وكذلك التَّسْويةُ، فإذا تَعذَّرَ، وَجَب منه ما أمْكَنَ، كالواجِبِ الَّذي يَعْجِزُ عن بعضِه؛ ولأنَّ الواقِفَ ههُنا أرادَ التَّعْمِيمَ والتَّسْويةَ، لإمْكانِه وصَلاحِ لَفْظِه لذلك، فيَجِبُ العَمَلُ بما أمْكَنَ، بخِلافِ ما إذا كانُوا حال الوَقْفِ ممَّن لا يُمْكِنُ ذلك فيهم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك، أنَّ مَن وَقَف على سَبِيلِ الله، أو ابنِ السَّبِيلِ، أو الرِّقابِ، أو الغارِمِين، فهم الذين يَسْتَحِقُّون السَّهْمَ مِن الصَّدَقاتِ، لا يَدْخُلُ معهم غيرُهم؛ لأنَّ المُطْلَقَ مِن كلامِ الآدَمِّيين يُحْمَلُ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ، فيُنْظَرُ؛ مَن كان يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ مِن الصَّدَقاتِ، فالوَقْفُ مَصْرُوفٌ إليه، وقد مَضَى شَرْحُ ذلك في الزكاةِ. فإن وَقَف على الأصْنافِ الثَّمانيةِ الذين يَأْخُذون الصَّدَقاتِ، صُرِف إليهم، ويُعْطَى كل واحدٍ منهم مِن الوَقْفِ مثلَ القَدْرِ الَّذي يُعْطَى مِن الزكاةِ، لا يُزادُ عليه، وقد ذَكَرْنا ذلك. وقد اخْتُلِفَ في القَدْرِ الَّذي يَحْصُّلُ به الغِنَى، فقال أحمدُ، في روَايةِ عليِّ بنِ سعيدٍ، في الرجلِ يُعْطَى مِن الوَقْفِ خمْسِينَ دِرْهَمًا، فقال: إن كان الواقِف ذَكَر في كِتابِه المَساكِينَ، فهو مِثلُ الزكاةِ، وإن كان مُتَطَوِّعًا، أعْطَى مَن شاء وكيف شاء. فقد نصَّ على إلْحاقِه بالزكاةِ، فيكونُ الخِلافُ فيه كالخِلافِ في الزكاةِ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، زِيادَةَ المِسْكِينِ على خَمْسينَ دِرْهمًا؛ لأنَّ لَفْظَ أحمدَ لا تَقيِيدَ فيه. قال أبو الخَطّابِ: وفي المَسْأْلَةِ وَجْهان وجهُهما ما سَبَقَ.
فصل: فإن وَقَف على الأصْنافِ كلِّها، أو على صِنْفَين أو أكثَرَ، فهل يجوزُ الاقْتِصارُ على صِنْفٍ واحدٍ، أو يَجِبُ إعْطاءُ بعضِ كلِّ صِنْفٍ؟ فيه وَجْهان، بِناءً على الزكاةِ.
стр. 8128
وَالْوَصِيَّةُ كَالْوَقْفِ في هَذَا الْفَصْلِ.
فَصْلٌ: وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ، لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالةٍ وَلَا غَيرِهَا.
ــ
٢٥٩٨ - مسألة: (والوَصِيَّةُ كالوَقْفِ في هذا التَّفْصِيلِ) لأنَّ مَبْناها على لَفْظِ المُوصِي، أشْبَهتِ الوَقْف.
فصل: (وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ، لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالةٍ وَلَا غَيرِهَا) ويَلْزَمُ بمُجَرَّدِ القَوْلِ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ البَيعَ والهِبَةَ والمِيراثَ، فلَزِمَ بمُجَرَّدهِ، كالعِتْقِ. وعنه: لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ وإخْراجِ الوَقْفِ عن يَدِه. اخْتاره ابنُ أبي موسى. كالهِبَةِ. والصَّحِيحُ الأوّلُ، وقد ذَكَرْناه. وذَهَب أبو حنيفةَ إلى أنَّ الوَقْفَ لا يَلْزَمُ بمُجَرَّدِه، وللواقِفِ الرُّجُوعُ فيه ألا أن يُوصِيَ به بعدَ مَوْتِه، فيَلْزَمُ، أو يَحْكُمَ بلُزُومِه حاكِمٍ. وحكاه بعضُهم عن عليٍّ،
стр. 8129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ. وخالفَ أبا حنيفةَ صاحِبَاه، فقالا كقَوْلِ سائرِ أهْلِ العِلْمِ. واحْتَجَّ بعضُهم: بما رُوِيَ أنَّ عبَدَ اللهِ بنَ زيدٍ، صاحِبَ الأذَانِ، جَعَل حائِطَه صَدَقةً، وجَعَلَه إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فجاء أُبواه إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالا: يا رسولَ اللهِ، لم يَكُنْ لنا عَيشٌ إلَّا هذا الحائِطَ. فرَدَّه رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم ماتا فورِثهما. رَواه المَحَامِلِيُّ (١) في «أمالِيه» (٢). ولأنَّه إخْراجُ مالِه على وَجْهِ القُرْبةِ مِن مِلْكِه، فلا يَلْزَمُ بمُجَرَّدِ القَوْل، كالصَّدَقَةِ. قُلْنا: هذا القَوْلُ يُخالِفُ السُّنّةَ الثابتَةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وإجماعَ الصَّحابةِ ﵃، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال لعُمَرَ في وَقْفِه: «لَا يُبَاعُ أصْلُها، وَلا يُبْتَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ» (٣). قال التِّرْمِذِيُّ العَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عندَ أهْلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم، لا نَعْلَمُ بينَ المُتَقَدِّمِين منهم في ذلك
стр. 8130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اخْتِلافًا. قال الحُمَيدِيُّ: تَصَدَّقَ أبو بكرٍ بدارِه على وَلَدِه، وعُمَرُ برَبْعِه عندَ المَرْوةِ على وَلَدِه، وعُثمانُ برُومَةَ (١)، وتَصَدَّقَ عليٌّ بأرْضِه بيَنْبُعَ، وتَصَدَّقَ الزُّبَيرُ بدارِه بمَكَّةَ ودارِه بمِصْرَ وأمْوالِه بالمَدِينةِ على وَلَدِه، وتَصَدَّقَ سَعْدٌ بدارِه بالمَدِينةِ ودارِه بمِصْرَ على وَلَدِه، وعَمْرُو بنُ العاصِ بالوَهْطِ (٢) ودارِه بمَكَّةَ على وَلَدِه، وحَكِيمُ بنُ حِزام بدارِه بمَكَّةَ والمَدِينةِ على وَلَدِه، فذلك كله إلى اليَوْمِ (٣). وقال جابر: لم يكُنْ أحدٌ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ له مَقْدِرَة إلَّا وَقَف. وهذا إجْماعٌ منهم، فإنَّ الَّذي قَدَر على الوَقْفِ منهم وَقَف، واشْتَهَرَ ذلك، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ يَلْزَمُ بالوَصِيَّةِ، فإذا نَجَزَه في حالِ الحَياةِ لَزِم مِن غيرِ حُكْمٍ، كالعِتْقِ. وحَدِيثُ عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ إن ثَبَت
стр. 8131
وَلَا يَجُوزُ بَيعُهُ إلا أنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ في مِثْلِهِ. وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ إِذَا لَمْ يصْلُحْ لِلْغَزْو، بِيعَ وَاشْتُرِىَ بِثَمَنِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْجِهَادِ. وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ في مَوْضِعِهِ، وَعَنْهُ، لَا تُبَاعُ الْمَسَاجِدُ لَكِنْ تنْقَلُ آَلتُهَا إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ.
ــ
فليس فيه ذِكْرُ الوَقْفِ، والظاهِرُ أنَّه جَعَلَه صَدَقةً غيرَ مَوْقُوفٍ، اسْتَنابَ فيها رسولَ اللهِ ﷺ ، فرأى والِدَيه أحَقَّ النَّاسِ بصَرْفِها إليهما، ولهذا لم يَرُدَّها إليه، إنَّما دَفَعَها إليهما. ويَحْتَمِلُ أنَّ الحائِطَ كان لهما، وكان هو يَتَصَرَّفُ فيه بحُكْمِ النِّيابةِ عنهما، فتَصَرَّفَ بهذا التَّصَرُّفِ بغيرِ إذْنِهما، فلم يُنَفِّذاه، وأتَيا النبيَّ ﷺ فرَدَّه إليهما. والقِياسُ على الصَّدَقَةِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّها تَلْزَمُ في الحَياةِ بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، وإنَّما يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، والوَقْفُ لا يَفْتَقِرُ إليه، فافْتَرقا.
٢٥٩٩ - مسألة:، (وَلَا يَجُوزُ بَيعُهُ إلا أنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ في مِثْلِهِ. وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ إِذَا لَمْ يصْلُحْ لِلْغَزْو، بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْجِهَادِ. وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ في مَوْضِعِهِ، وَعَنْهُ، لَا تُبَاعُ الْمَسَاجِدُ لَكِنْ تنْقَلُ آَلتُهَا إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ) وجملةُ ذلك، أنَّه لا يجوزُ بَيعُ الوَقْفِ ولا هِبّتُه؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ في حَدِيثِ عُمَرَ:
стр. 8132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«غَيرَ أنَّه لا يُبَاعُ أَصْلُها ولا يُبْتاعُ، وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ» (١). فإن تَعطّلَتْ مَنافِعُه بالكُلِّيَّةِ؛ كدارٍ انْهَدَمَتْ، أو أرْضٍ خَرِبَتْ وعادَتْ مَواتًا لا يمكنُ عِمارَتُها، أو مَسْجِدٍ انْتَقلَ أهْلُ القَرْيةِ عنه، وصار في مَوْضعٍ لا يُصَلَّى فيه، أو ضاق بأهْلِه ولم يُمْكِنْ تَوْسِيعُه في مَوْضِعِه، فإن أمْكَنَ بَيعُ بعضِه ليُعَمَّرَ به بَقِيَّتُه، جاز بَيعُ البَعْضِ. وإن لم يُمْكِنْ الانْتِفاعُ بشيءٍ منه، بِيعَ جَمِيعُه. قال أحمدُ، في رِوايةِ أبي دَاوُدَ: إذا كان في المَسْجِدِ خَشَبتان لهما قِيمَة، جاز بَيعُهما وصَرْفُ ثَمَنِهما عليه. وقال في رِوايةِ صالح: يُحَوَّل المَسْجِدُ خَوْفًا مِن اللُّصُوصِ، وإذا كان مَوْضِعُه قَذِرًا. قال القاضي: يَعْنِي إذا كان ذلك يَمْنَعُ الصَّلاةَ فيه. ونَصَّ على جَوازِ بَيع عَرْصَتِه في رِوايةِ عبدِ اللهِ، وتكونُ الشَّهادَةُ في ذلك على الإِمامِ. قال أبو بكر: وقد رَوَى علي بنُ سعيدٍ، أنَّ المَساجِدَ لا تُباعُ، وإنَّما تُنْقَلُ آلتُها. قال: وبالقَوْلِ الأوَّلِ أقُولُ؛ لإِجْماعِهم على جَوازِ (٢) بَيعِ الفَرَسِ الجَبِيسِ -يَعْنِي المَوْقُوفةَ على الغَزْو- إذا كَبِرَتْ فلم تَصْلُحْ
стр. 8133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للغَزْو، وأمْكَنَ الانْتِفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ، مثلَ أن تَدُورَ في الرَّحَى، أو يُحْمَلَ عليها تُرابٌ، أو تكونَ الرَّغْبَةُ في نِتاجِها. أو حِصانًا يُتَّخَذُ للطِّراقِ، فإنَّه يَجوزُ بَيعُها، ويُشْتَرَى بثَمَنِها ما يَصْلُحُ للغَزْو. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: إذا خَرِب المَسْجِدُ أو الوَقْفُ، عاد إلى مِلْكِ واقِفِه؛ لأنَّ الوَقْفَ إنَّما هو تَسْبِيلُ المَنْفعَةِ، فإذا زالتْ مَنْفَعَتُه زال حَقُّ المَوْقُوفِ عليه منه، فزال مِلْكُه عنه. وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: لا يجوزُ بَيعُ شيءٍ مِن ذلك؛ لقول رسُولِ اللهِ ﷺ : «لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُبْتَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ». ولأنَّ ما لا يَجُوزُ بَيعُه مع بَقاءِ مَنافِعِه، لا يجوزُ مع تَعَطُّلِها، كالمُعْتَقِ، والمَسْجِدُ أشْبَهُ الأشْياءِ بالمُعْتَقِ. ولَنا، ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ، ﵁، كَتَب إلى سَعْدٍ، لمّا بَلَغَه أنَّه قَدْ نُقِب (١) بَيت المالِ الَّذي بالكُوفَةِ، أنِ انْقُلِ المَسْجِدَ الَّذي بالتَّمَّارينَ، واجْعَلْ بَيتَ المالِ في قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فإنَّه لن يَزال في المَسْجِدِ مُصَلٍّ. وكان هذا بمَشْهَدٍ مِن الصَّحابةِ، ولم يَظْهَرْ خِلافُه، فكان إجْماعًا. ولأنَّ فيما ذكَرْناه اسْتِبقاءً للوَقْفِ بمَعْناه عندَ تَعَذُّرِ إبْقائِه بصُورَتِه، فوَجَبَ ذلك، كما لو اسْتَوْلَدَ
стр. 8134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجارِيَةَ المَوْقُوفةَ، أو قَبَّلَها، أو قَبَّلَها غيرُه. قال ابنُ عَقِيلٍ: الوَقْفُ مُوبَّدٌ، فإذا لم يُمْكِنْ تَأْبِيدُهُ على وَجْهِ تَخْصِيصِه، اسْتَبْقَينا الغَرَضَ، وهو الانْتِفاعُ على الدَّوامِ في عَينٍ أُخْرى، وإيصالُ الأَبدالِ جَرَى مَجْرَى الأعْيانِ، وجُمُودُنا على العَينِ مع تَعَطُّلِها تَضْيِيعٌ للغَرَضِ. ويَقْرُبُ هذا مِن الهَدْي إذا عَطِب، فإنَّه يُذْبَحُ في الحالِ، وإن كان يَخْتَصُّ بمَوْضِعٍ، فلّمَا تَعذَّرَ تَحْصِيلُ الغَرَضِ بالكُلِّيَّةِ، اسْتُوْفِيَ منه ما أمكنَ، وتُرِك مُراعاةُ المَحَلِّ الخاصِّ عندَ تَعَذُّرِه، لأنَّ مُراعاتَه مع تَعَذُّرِه تُفْضِي إلى فَواتِ الانْتِفاعِ به بالكُلِّيَّةِ، وهكذا الوَقْفُ المُعَطَّلُ المَنافِع. ولَنا على محمدِ بنِ الحَسَنِ، أنَّه إزالةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُرْبةِ، فلا يَعُودُ إلى مالِكِه باخْتِلالِه وذَهابِ مَنافِعِه كالعِتْقِ.
стр. 8135
وَيَجُوزُ بَيعُ بَعْضِ آلتِهِ وَصَرْفُهَا في عِمَارَتِهِ.
ــ
٢٦٠٠ - مسألة: (وَيَجُوزُ بَيعُ بَعْضِ آلتِهِ وَصَرْفُهَا في عِمَارَتِهِ) ؛ يجوزُ بَيعُ الفَرَسِ الحَبِيسِ عندَ تَعَذُّرِ الانْتِفاعِ به وصَرْفُ ثَمَنِه فيما يَقُومُ مَقامَه، ولأنَّه إذا جاز بَيعُ الجَميعِ عندَ الحاجةِ إلى بَيعِه، فبَيعُ بعضِه مع بَقاءِ البعضِ أوْلَى.
стр. 8136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا بِيعَ الوَقْفُ، فأيُّ شيءٍ اشْتُرِىَ بثَمَنِه ممّا يُرَدُّ على أهلِ الوَقْفِ وجاز، وإن كان مِن غيرِ جِنْسِه في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِيِّ، لكنْ تكونُ المَنْفَعةُ مَصْرُوفةً إلى المَصْلَحةِ التي كانت الأُولَى تُصْرَفُ فيها؛ لأنَّه لا يجوزُ تَغْيِيرُ المَصْرِفِ مع إمْكانِ المُحافَظةِ عليه، كما لا يجوزُ تَغْيِيرُ الوَقْفِ بالبَيعِ مع إمْكانِ الانْتِفاعِ به.
стр. 8137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن لم يَكْفِ ثَمنُ الفَرَسِ الحَبِيسِ لشراءِ فَرَسٍ أُخرى، أُعِينَ به في شِراءِ حَبِيس يَكُونُ بعضَ الثَّمنِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ اسْتِيفاءُ مَنْفَعةِ الوَقْفِ المُمْكِنِ اسْتِيفاؤُها وصِيانَتُها عن الضَّياعِ، ولا سَبِيلَ إلى ذلك إلَّا بهذه الطَّرِيقِ.
стр. 8138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن لم تَتَعطَّلْ مَنْفَعةُ الوَقْفِ بالكُلِّيَّةِ، لكنْ قَلَّتْ، وكان غيرُه أنْفَعَ منه وأكْثَرَ رَدًّا على أهْلِ الوَقْفِ، لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ البَيعِ، وإنَّما أُبِيحَ للضَّرُورَةِ، صِيانةً لمَقْصُودِ الوَقْفِ عن الضَّياعِ مع إمْكانِ تَحْصِيلِه، ومع الانْتِفاعِ ما يَضِيعُ المَقْصُودُ وإن قَلَّ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يَبْلُغَ في قِلَّةِ النَّفْعِ إلى حَدّا لا يُعَدُّ نَفْعًا، فيكونُ وُجُودُه كالعَدَمِ.
стр. 8139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قال أحمدُ، في روايةِ أبي داودَ، في مَسْجِدٍ أرادَ أهْلُه رَفْعَه مِن الأرْضِ، ويُجعَلُ تحتَه شِقايَةٌ وحَوانِيتُ. فامْتَنَعَ بعضهم مِن ذلك: يُنْظَرُ إلى قوْلِ أكْثَرِهم. واخْتَلَفَ أصْحابُنا في تَأْويلِ كلامِ أحمدَ، فذَهَبَ ابنُ حامدٍ إلى أنَّ هذا مَسْجِدٌ أرادَ أهْلُه إنْشاءَه ابْتِداءً، واخْتلَفُوا كيف يُعْمَلُ، وسَمّاهُ مَسْجِدًا قبلَ بِنائِه تَجَوُّزًا، لأنَّ مآله إليه، أمّا بعدَ بِنائِه لا يجوزُ جَعْلُه سِقايةً ولا حَوانِيت. وذَهَب القاضي إلى ظاهِرٍ اللَّفْظِ، وهو أنَّه كان مَسْجِدًا، فأرادَ أهْلُه رَفْعَه وجَعْلَ ما تحتَه سِقايَةً، لحاجَتِهم إلى ذلك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صرْفُه في ذلك. ولو جاز جَعْلُ أسْفَلِ المَسْجِدِ سِقَايةً وحَوانِيتَ لهذه الحاجَةِ، لجاز تَخْرِيبُ المَسْجِدِ وجَعْلُه سِقايةً وحَوانِيتَ، ويَجْعَلُ بَدَلَه مَسْجِدًا في مَوْضِعٍ آخَرَ. وقال أحمدُ، في رِوايةِ بكرِ بنِ محمدٍ، عن أبِيه، في مَسْجِدٍ ليس بحَصِينٍ مِن الكِلابِ، وله مَنارَةٌ، فرَخَّصَ في نَقْضِها، وبِناءِ حائِطِ المَسْجِدِ بها للمَصْلَحةِ.
стр. 8142
وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصُرِهِ وَزَيتِهِ جَازَ صَرْفُهُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
ــ
٢٦٠١ - مسألة: (وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصُرِهِ وَزَيتِهِ) عن حاجَتِه (جَازَ صَرْفُهُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ) وكذلك إن فَضَل مِن قَصَبِه أو شيءٍ مِن نَقْضِه. قال أحمدُ، في مَسْجِدٍ يُبْنَى فيَبْقَى مِن خَشَبِه أو قَصَبِه أو شيءٍ مِن نَقْضِه، قال: يُعانُ به في مَسْجِدٍ آخَرَ. أو
стр. 8143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما قال. وقال المَرُّوذِيُّ: سَألْتُ أبا عبدِ اللهِ عن بَوارِي المَسْجدِ (١)، إذا فَضَل منه الشيءُ، أو الخَشَبةُ، قال: يُتَصَدَّقُ به. وأرَى أنَّه قد احْتَجَّ بكُسْوَةِ البَيتِ إذا تَخَرَّقَتْ تُصْدِّقَ بها. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: قد كان شَيبَةُ يتَصَدَّقُ بخُلْقانِ الكَعْبةِ. ورَوَى الخَلالُ بإسْنادِه، عن عَلْقَمةَ، عن أُمِّه، أنَّ شَيبةَ بنَ عُثمانَ الحَجَبِيَّ جاء إلى عائشةَ، ﵂، فقال: يا أُمَّ المُؤمِنين، إنَّ ثِيابَ الكَعْبةِ تَكْثُرُ عليها، فنَنْزِعُها، فنَحْفِرُ لها آبارًا فنَدْفِنُها فيها حتَّى لا تَلْبَسَها الحائِضُ والجُنُبُ. قالت عائشةُ: بِئْسَ ما صَنَعْتَ، ولم تُصِبْ، إنَّ ثِيابَ الكَعْبةِ إذا نُزِعَتْ لم يَضِرْها مَن لَبِسَها مِن حائِض أو جُنُب، ولكنْ لو بِعْتَها وجَعَلْتَ ثَمَنها في سَبِيلِ اللهِ والمَساكِينِ. فقال: فكان شَيبةُ يَبْعَثُ بها إلى اليَمنِ، فتُباعُ، فيَضَعُ ثَمَنها حيث أمَرَتْهُ عائشةُ. وهذه قَضِيَّة مثلُها يَنْتَشِرُ، ولم تُنْكَرْ، فتكونُ إجْماعًا، ولأنَّه مالُ الله تعالى، لم يَبْقَ له مَصْرِفٌ، فصُرِفَ إلى المَساكِينِ، كالوَقْفِ المُنْقَطِعِ.
стр. 8144
وَلَا يَجُوزُ غَرْسُ شَجَرَةٍ في الْمَسْجِدِ،
ــ
٢٦٠٢ - مسألة: (ولا يجوزُ غَرْسُ شَجَرةٍ في المَسْجِدِ) نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن كانت غُرِستِ النَّخْلةُ بعدَ أن صار مَسْجِدًا، فهذه غرِسَتْ بغيرِ حَقٍّ، فلا أُحِبُّ الأَكْلَ منها، ولو قَلَعها الإِمامُ لجاز؛ وذلك لأنَّ المَسْجِدَ لم يُبْنَ لهذا، إنَّما بُنِيَ لذِكْرِ اللهِ والصَّلاةِ وقِراءةِ القُرْآنِ، ولأنَّ الشَّجَرةَ تُؤْذِي المَسْجِدَ وتَمْنَعُ المُصَلِّينَ مِن الصَّلاةِ في مَوْضِعِها، ويَسْقُطُ وَرَقُها في المَسْجِدِ وثَمَرُها، ويَسْقُطُ عليها الطَّيرُ وتَبُولُ في المَسْجِدِ، ورُبَّما اجْتَمَعِ الصِّبْيانُ في المَسْجِدِ مِن أجْلِها ورَمَوْها بالحِجارَةِ ليَسْقُطَ ثمَرُها.
رَحِمَهُ اللهُ: إِذَا لَمْ تَكُنْ بِالْمَسْجِدِ حَاجَةٌ إِلَى ثَمَنِهَا، فَإِنِ احْتَاجَ صُرِفَ ذَلِكَ في عِمَارَتِهِ.
ــ
فلا بَأْسَ. قال أحمدُ في مَوْضِعٍ: لا بَأْسَ. يعني أن يَبِيعَها مِن الجِيرانِ. وقال في رِوايةِ أبي طالِبٍ، في النَّبْقَةِ (١): لا تُباعُ، وتُجْعَلُ للمُسْلِمين وأهْلِ الدَّرْبِ يَأْكُلُونَها. وذلك، واللهُ أعْلَمُ، لأنَّ صاحِبَ الأرْضِ لمّا جَعَلَها مَسْجِدًا والشَّجَرةُ فيها، فقد وَقَف الأرْضَ والشَّجَرةَ معًا، ولم يُعَيِّنْ مَصْرِفَها، فصارَتْ كالوَقْفِ المُطْلَقِ الَّذي لم يُعَيَّنْ له مَصْرِفٌ. وقد ذَكَرْنا أنَّه للمَساكِينِ في بعضِ الرِّواياتِ. فأمَّا إن قال صاحِبُها: هذه وَقْفٌ على المَسْجِدِ. فيَنْبَغِي أن تُباعَ ثَمَرتُها وتُصْرَفَ إليه، كما لو وَقَفَها على المَسْجِدِ وهي في غيرِه. وقال أبو الخَطّابِ: عندِي أنَّ المَسْجِدَ إذا احْتاجَ إلى ثَمن ثَمرةِ الشَّجَرةِ، بِيعَتْ، وصُرِفَتْ في عِمارَتِه. وقَوْلُ (٢) أحمدَ: يَأْكُلُها الجيرانُ. مَحْمولٌ على أنَّهم يَعْمُرُونَه، فإنِ اسْتَغْنَى المَسْجِدُ عنها، فلا بَأْسَ بالأَكْلِ منها. واللهّ أعْلَمُ.
стр. 8147
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م
المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة
تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦
المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل
أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣
ص. ب: ٦٣ إمبابة
стр. 8148
يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه
أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته
стр. 8149
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ
وَهِيَ تَمْلِيكٌ فِي حَيَاتِهِ بِغَيرِ عِوَضٍ.
ــ
بابُ الهِبَةِ والعَطِيَّةِ
(وهي تَمْلِيكٌ في الحَياةِ بغيرِ عِوَض) الهبَةُ والعَطيَّةُ والهَدِيَّةُ (١) والصَّدَقَةُ مَعانِيها مُتَقارِبَة، وهي تَمْلِيكٌ في الحياةِ بغيرِ عِوَض، واسْمُ الهِبَةِ والعَطِيَّةِ شامِل لجَمِيعِها. فأمّا الصَّدَقَةُ والهَدِيَّة فهما مُتَغايِران وإن دَخَلَا في مُسَمَّى الهِبَةِ والعَطِيَّةِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ كان يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ ولا يَأْكلُ الصَّدقَةَ (٢). وقال في اللَّحْمِ الذي تُصُدِّقَ به على بَرِيرَةَ: «هُوَ عَلَيها صَدَقَة، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» (٣). فالظّاهِرُ أنَّ مَن أعْطَى شيئًا يَنْوي به التَّقَرُّبَ إلَى
стр. 8150
فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا عِوَضًا مَعْلُومًا، صَارَتْ بَيعًا. وَعَنْهُ، يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ.
ــ
اللهِ تعالى للمُحْتاجِ، فهو صَدَقَةٌ، ومَن دَفَع إلى إنْسانٍ شيئًا للتَّقَرُّبِ إليه والمَحَبَّةِ لِه، فهو هَدِيَّة. وجَمِيعُ ذلك مَنْدُوبٌ إليه؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» (١). وأمّا الصَّدَقَةُ فما وَرَد في فَضْلِها كَثِير، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٢).
٢٦٠٢ (*) - مسألة: (فإن شَرَط فيها عِوَضًا مَعْلُومًا، صارت بَيعًا. وعنه، يَغْلِبُ فيها حُكْمُ الهِبَةِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقَةَ لا تَقْتَضِي ثَوابًا، سَواءٌ كانت لمِثْلِه أو دُونِه أو أعْلَى منه. وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ كقَوْلِنا فيما إذا كانت لمِثْلِه أو دُونِه، وإن كانت لأعْلَى
стр. 8151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه اقْتَضتِ الثَّوابَ، في أحَدِ القَوْلَين. وهو قولُ مالِكٍ؛ لقولِ عُمَرَ، ﵁: مَن وَهَب هِبَةً أراد بها الثَّوابَ فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يُرْضَ منها (١). ولَنا، أنَّها عَطِيَّة على وَجْهِ التَّبَرُّعِ، فلم تَقتَض ثَوابًا، كهِبَةِ المِثْلِ والوَصِيَّةِ، وقولُ عُمَرَ قد خالفَه ابْنُه وابنُ عباسٍ، فلا يَبْقَى حُجَّةً. فإن عَوَّضَه عن الهِبَةِ كانت هِبَةً مُبْتَدَأةً لا عِوَضًا، أيُّهما. أصاب عَيبًا لم يكنْ له الرَّدُّ. وإن خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً أخَذَها صاحِبُها، ولم يَرْجِعِ المَوْهُوبُ له ببَدَلِها. فإن شَرَط في الهِبَةِ ثَوابًا مَعْلُومًا، صَحَّ. نَصَّ عليه؛ لأنَّه تَمْلِيكٌ بعِوَض مَعْلُوم، فهو كالبَيعِ (٢)، وحُكْمُها حُكْمُ البَيعِ في ثُبُوتِ الخِيارِ والشُّفْعَةِ. وبه قال أصحابُ الرَّأْي. ولأصحابِ الشافعيِّ قولٌ، أنَّها لا تَصِحُّ، لأنَّه شَرَط في الهبَةِ ما يُنافِي مُقْتَضاها. ولَنا، أنَّه تَمْلِيكَ بعِوَض، فصَحَّ، كما لو قال: مَلَّكْتُكَ هذا بدِرْهَمٍ. فإنَّه لو أطْلَقَ التَّملِيكَ كان هِبَةً، فإذا ذَكَر العِوَضَ صار بَيعًا. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى ذَكَرَها أبو الخَطّابِ، أنَّه يَغْلِبُ عليها حُكْمُ الهِبَةِ، فلا تَثْبُتُ فيها أحْكامُ البَيعَ المُخْتَصَّةُ به.
стр. 8152
وَإِنْ شَرَطَ ثَوَابًا مَجْهُولًا، لَمْ تَصِحَّ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ قَال: يُرْضِيهِ بِشيْءٍ. فَعَلَى هَذَا، أنْ لَمْ يَرْضَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، أَوْ فِي عِوَضِهَا إِنْ كَانَتْ تَالِفَةً.
ــ
٢٦٠٣ - مسألة: (وإن شَرَط ثَوابًا مَجْهُولًا، لم تَصِحَّ) الهِبَةُ، وحُكْمُها حُكْمُ البَيعِ الفاسِدِ؛ لأنَّه عِوَضٌ مَجْهُولٌ في مُعاوَضَةٍ، فلم يَصِحَّ، كالبَيعِ، ويَرُدُّها المَوْهُوبُ له بزِيادَتِها المُتَّصِلَةِ والمُنْفَصِلَةِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْك الواهِبِ. وإن كانت تالِفَةً رَدَّ قِيمَتَها. وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ (وعنه، أنَّه قال: يُرْضِيه بشيءٍ) وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّها تَصِحُّ، فإذا أعْطاه عنها عِوَضًا رَضِيَه، لَزِم العَقْدُ بذلك. قال أحمدُ، في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَم: إذا قال الواهِبُ: هذا لك على أن تُثِيبَنِي. فله أن يَرْجِعَ إذا لم يُثِبْه؛ لأنَّه شَرْطٌ. وقال، في رِوايَةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ: إذا وَهَب له على وَجْهِ الإثابَةِ، فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه منها (فعلى هذا) عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَه، فإن لم يَفْعَلْ فللواهِبِ (الرُّجُوعُ فيها، أو عِوَضُها إن كانت تالِفَةً) لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ فاسِدٌ، فلَزِمَه ضَمانُ العَينِ إذا تَلِفَتْ،
стр. 8153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالبَيعِ الفاسِدِ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِه قَدْرَ قِيمَتِها. والأوّلُ أصَحُّ؛ لأن هذا بَيعٌ، فيُعْتَبَرُ له التَّراضِي، إلَّا أنَّه بَيع بالمُعاطاةِ. فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه حَصَل البَيعُ بما حَصَل مِن المُعاطاةِ مع التَّراضِي جمها، وإن لم يَحْصُلِ التَّراضِي لم يَصِحَّ؛ لعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَدِ الإيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطاةُ ولا التَّراضِي. والأصْلُ في هذا قولُ عُمَرَ، ﵁: مَنْ وَهَب هِبَةً أراد بها الثَّوابَ فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها ما لم يُرْضَ منها. ورُوِيَ مَعْنَى ذلك عن علِيٍّ، وفَضالةَ بن عُبَيدٍ، ومالِكِ بنِ أنَسٍ. وهو قولُ الشافعيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقَةَ تَقْتَضِي ثَوابًا. وقد روَى أبو هُرَيرةَ، أنَّ أعْرابِيًّا وَهَب النبيَّ ﷺ ناقَةً، فأعْطاه ثَلاثًا فأبَى فزادَه ثَلاثًا، [فأبَى، فزادَه ثَلاثًا] (١) فلمّا كَمَلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيت. فقال النبيُّ ﷺ : «لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ لَا أتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أوْ أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أوْ دَوْسِيٍّ». من «المُسْنَدِ» (٢). فإن تَغَيَّرَتِ العَينُ المَوْهُوبَةُ بزِيادَةٍ أو
стр. 8154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نُقْصانٍ، أو لم يُثِبْه منها، فقال أحمدُ: لا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَه عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبِه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو جارِيَةً اسْتَخْدَمَها، فأمّا غيرُ ذلك إذا نَقَص فلا شيءَ عليه، فكان عندِي مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لصاحِبِه.
стр. 8155
وَتَحْصُلُ الْهِبَةُ بِمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ هِبَةً، مِنَ الإيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْمُعَاطَاةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيهَا.
ــ
٢٦٠٤ - مسألة: (وتَحْصُلُ الهِبَةُ بما يَتَعارَفُه الناسُ هِبَةً، مِن الإِيجابِ والقَبُولِ والمُعاطاةِ المُقْتَرِنَةِ بما يَدُلُّ عليها) فالإيجابُ أن يقولَ: وَهَبْتُك. أو: أهْدَيتُ إليك. أو: مَلَّكْتُك. أو: هذا لك. ونحوَه مِن الألفاظِ الدّالَّةِ على هذا المَعْنَى. والقَبُولُ أن يقولَ: قَبِلْتُ. أو: رَضِيتُ. أو نحوَ هذا. وتَصِحُّ بالمُعاطاةِ المُقْتَرِنَةِ بما يَدُلُّ عليها (١)، وإن لم يَحْصُلْ إيجابٌ أو (٢) قَبُولٌ. وذَكَر القاضي، وأبو الخَطّابِ، أنَّ الهِبَةَ والعَطِيَّةَ لا بُدَّ فيها مِن الإِيجابِ والقَبُولِ، ولا تَصِحُّ بدُونِه، سَواءٌ وُجِد القَبْضُ أو لم يُوجَدْ. وهو قولُ أكْثَرِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدُ تَمْلِيكٍ، فافْتَقَرَ إلى الإيجابِ والقَبُولِ، كالنِّكاحِ. والصَّحِيحُ أنَّ المُعاطاةَ والأفْعال الدّالَّةَ على الإيجابِ والقَبُولِ كافِيَةٌ، ولا يُحْتاجُ إلى لَفْظٍ. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ كان
стр. 8156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُهْدِي ويُهْدَى إليه، ويُعْطِي ويُعْطَى، ويُفَرِّقُ الصَّدَقاتِ، ويَأْمُرُ سُعاتَه بأخْذِها وتَفْرِيقِها، وكان أصحابُه يَفْعَلُون ذلك، ولم يُنْقَلْ عنهم في ذلك إيجابٌ ولا قَبُولٌ، ولا أمْرٌ به ولا تَعْلِيمُه لأحَدٍ، ولو كان ذلك شَرْطًا لنُقِلَ عنهم نَقْلًا مُشْتَهَرًا، وقد كان ابنُ عُمَرَ على بَعِيرٍ لعُمَرَ، فقال النبيُّ ﷺ لعُمَرَ: «بِعْنِيهِ». فقال: هو لك يا رسولَ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «هُوَ لَكَ يا عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ به ما شِئْتَ» (١). ولم يُنْقَلْ قَبُولُ النبيِّ ﷺ مِن عُمَرَ، ولا قَبُولُ ابنِ عُمَرَ مِن النبيِّ ﷺ ، ولو كان شَرْطًا لفَعَلَه النبيُّ
стр. 8157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ وعَلِمَه ابنُ عُمَرَ، ولم يكنْ ليَأمُرَه أن يَصْنَعَ به ما شاء قبلَ أن يَقْبَلَه. وروَى أبو هُرَيرَةَ، أن النبيَّ ﷺ كان إذا أُتِيَ بطَعام سَألَ عنه، فإن قالُوا: صَدَقَةٌ. قال لأصحابِه: «كُلُوا». ولم يَأْكُلْ، وإن قالُوا: هَدِيَّةٌ. ضَرَب بيَدِه فأكَلَ معهم (١). ولا خِلافَ بينَ العُلَماءِ فيما عَلِمْنا في أن تَقْدِيمَ الطَّعامِ بينَ يَدي الضِّيفانِ والإذْنَ في أكْلِه، أنَّ ذلك لا يَحْتاجُ إلى إيجابٍ ولا قَبُولٍ. ولأنه وُجِد ما يَدُلُّ على التَّراضِي بنَقْلِ المِلْكِ، فاكْتُفِيَ به، كما لو وُجِد الإيجابُ والقَبُولُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُشْتَرَطُ الإيجابُ مع الإطْلاقِ وعَدَمِ العُرْفِ القائِمِ مِن المُعْطِي والمُعْطىَ؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ عُرْفٌ يَدُلُّ على الرّضا، فلا بُدَّ مِن قولٍ دالٍّ عليه، أمّا مع قَرائِنِ الأحْوالِ والدَّلالةِ، فلا وَجْهَ لتَوَقُّفِه على اللَّفْظِ، ألا تَرَى أنّا اكْتَفَينا بالمُعاطاةِ في
стр. 8158
وَتَلْزَمُ بِالْقَبْض. وَعَنْهُ، تَلْزَمُ فِي غَيرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ.
ــ
البَيعِ، واكْتَفَينا بدَلالةِ الحالِ في دُخُولِ الحَمّامِ، وهو إجارَةٌ وبَيعُ أعْيانٍ، فإذا اكْتَفَينا في المُعاوَضاتِ مع تَأكُّدِها بدَلالةِ الحالِ، فإنَّها تَنْقُلُ المِلْكَ مِن الجانِبَين، فلأن نَكْتَفِيَ به في الهِبَةِ أوْلَى. وأمّا النِّكاحُ فإنَّه يُشْتَرَطُ فيه ما لا يُشْتَرَطُ في غيرِه مِن الإشْهادِ، ولا يَقَعُ إلَّا قَلِيلًا، فلا يَشُقُّ اشْتِراطُ الإِيجابِ والقَبُولِ فيه، بخِلافِ الهِبَةِ. والله أعْلَمُ.
٢٦٠٥ - مسألة: (وتَلْزَمُ بالقَبْضِ. وعنه، تَلْزَمُ في غير المَكِيلِ والمَوْزُونِ بمُجَرُّدِ الهِبَةِ) أمّا المَكِيلُ والمَوْزُونُ الذي لا يتَمَيَّزُ إلَّا بالكَيلِ والوزْنِ، فلا تَلْزَمُ الهِبَةُ فيه إلَّا بالقَبْضِ، وعلى قِياسِ ذلك المَعْدُودُ والمَذْرُوعُ. وهو قولُ أكثرَ الفُقَهاءِ؛ منهم النَّخَعِي، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بنُ صالِحٍ، وأبو حنيفةَ، والشافعي. وقال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ: تَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، لعُمُومِ قَوْلِه، ﵇: «العائِدُ في هِبَتِه كَالعائِدِ في
стр. 8159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَيْئِه» (١). ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ بغيرِ عِوَضٍ، فلَزِم بمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالوَقْفِ والعِتْقِ، ولأنَّه تَبَرُّعٌ فلا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، كالوَصِيَّةِ والوَقْفِ. ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، ﵃، فإنَّه مَرْويٌّ عن أبي بكرٍ، وعُمَرَ، ﵄، ولم نَعْرِفْ لهما في الصَحابةِ مُخالِفًا. وقد روَى عُرْوَةُ عن عائشةَ، ﵂، أنَّ أبا بكرٍ، ﵁، نخَلَها جِذاذَ عِشْرين وَسْقًا مِن مالِه بالغابة (٢)، فلَمّا مَرِض قال: يا بُنَيَّةُ،
стр. 8160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما أحَدٌ أحَبَّ إليَّ (١) غِنًى منك بعدِي، ولا أحَدٌ أعَزَّ عَلَى فَقْرًا منك، وكنتُ نَحَلْتُكِ جِذاذ عِشْرِين وَسْقًا، ووَدَدْتُ أنَّك حُزْتِيه أو قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارِثِ، أخَواكِ واخْتاكِ، فاقْتَسِمُوا على كِتابِ اللهِ . رَواه مالِكٌ في «مُوَطَّئِه» (٢). وروَى ابنُ عُيَينَةَ، عن الزهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدٍ القاريِّ، أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطّابِ قال: ما بالُ قَوْم يَنْحَلُونَ أوْلادَهم، فإذا مات أحَدُهم قال: مالِي وفي يَدِي. فإذا مات هو قال: قد كنت نَحَلْتُه وَلَدِي، ولا نِحْلَةَ إلَّا (٣) نِحْلَة يحوزُها الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ فإن مات وَرِثَه (٤). قال المَروذِي: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعُمَرُ وعُثْمان وعلي، على أنَّ الهِبَةَ لا تَجوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً. ولأنَّها هِبَة غيرُ مَقْبُوضَةٍ فلم تَلْزَمْ، كما لو مات الواهِبُ قبلَ أن يَقْبِضَ، فإنَّ مالِكًا يقولُ: لا يَلْزَمُ الوَرَثَةَ